مشاهدة النسخة كاملة : صيغ التساؤلات والتحول
abou 3adal
30-11-2007, 10:38 PM
باباك خورمدين (http://www.m-alhuda.com/member.php?u=342) http://www.m-alhuda.com/ramadan/statusicon/user_offline.gif
عضو مميز
http://www.m-alhuda.com/images/rating/rating_3.gif
مقدمة
من أين أتى التساؤل ؟ كيف يتعامل الإنسان معه ؟ متى يدرك أنه تحول لفكرة بديلة ؟
إن هذه الأسئلة ربما تنبع من أن المذهب الفكري أو الديني لا يعبر فقط عن مجرد آراء في الإلوهية والنبوة إضافة لعقائد وشعائر ، وإنما هو أيضاً منظومة اجتماعية وسياسية ليس من الضروري أن تعبر تفاصيلها عن هذا المذهب بدقة بل ربما تصطدم مع جوهره إلا أنها في النهاية ترتدي ثوبه ظاهرياً وهي بالتالي تأخذ شرعيتها وسطوتها على الأتباع انطلاقاً من قدسيته ذاتها ، وبالتالي فإن اصطدام الإنسان بالمنظومة السائدة في مجتمعه لا يعبر فقط عن رفضه للآراء العقائدية السائدة وإنما هو أيضاً يمثل رفض لهذه المنظومة التي قام هو بإسقاطها وتهديد وجودها وشرعيتها دون تعمد مما يثير قلق وخوف شركاؤه في هذا المجتمع الذين اعتادوا طوال أجيال على التعامل مع هذه الصيغة ولا يشعرون بالرغبة في تغييرها في حين يتيح لهم هذا المنفلت الشعور بأنه ربما توجد صيغ أفضل ، مما يضعهم في حالة صراع مع تراثهم وهو بالأساس جزء من تكوينهم النفسي والذهني ، ولا تُطرح أسئلتهم المنزعجة بصيغة لماذا ؟ في البداية كمحاولة فضولية لاستكشاف هذا المُعتقد والمنظومة الجديدة بقدر ما هو محاولة لاستكشاف هذا الشخص المُختلف الذي يشعر تميزه الآخرين بقدر من الضآلة كونه ثار على منظومة يستسلمون لها بكل سهولة ، ومن ثم فإن التعامل العنيف والمستفَز والساخط أو ربما التجاهل والنبذ ، أو بدرجة أقل البرود لا يعبر في الواقع إلا عن درجة شعور هذا الآخر بالاستفزاز والإيذاء أو ربما بالخسارة إزاء احتمالية انتشار هذا الفكر المخالف الذي يروج له هذا الشخص بشكل صامت وبلا أي حركة غير تقليدية ... فقط يتنفس ويتحرك .. لكنه أيضاً مدهش ومتميز .
إن هذه المشكلة لا تبدو خاصة بمناطق الشرق الموسومة بالديكتاتورية السياسية والمتحفظة للغاية من الناحية الاجتماعية ، ويخطئ العديد من المثقفين الشرقيين المنبهرين كثيراً بالغرب الأوروبي والأمريكي عندما يتصورون أن تحول الإنسان في الغرب أكثر سهولة ، فالواقع أن التحول ليس سهلاً في الغرب على الإطلاق إذا ما ارتبط بالتعارض مع المنظومة الاجتماعية التي ترتبط بها مصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة وما تطرحه من تصورات حضارية ، فالتحول للدين الإسلامي ، الذي يمتلك طرحاً حضارياً وفكرياً خاصاً لا يُقابل بين الغربيين بالترحاب أو على الأقل بالبرود ، وما يحدث من محاولات استفزاز المسلمين في هذه الفترة إنما يعبر عن حجم شعور هذه المجتمعات بمدى خطورة هذا التميز على منظومتهم الاجتماعية المهددة بالتغيير .
يطرح الإنسان المتحول هذا الاستفهام على ذاته في لحظة ما تعتبر فارقاً أساسياً بين المتحولين بشكل مخلص وحقيقي وبين المتحولين لأسباب أخرى غير هذا الشعور بالأرق والتساؤل الخاص عن الحقيقة.
الإجابة تقتضي أحياناً البحث في تراث الإنسان القديم مع الفكرة الجديدة التي آمن بها أخيراً لمعرفة تطور موقفه منها كي يصل في النهاية إلى وضع تأريخ حقيقي لتجربته الشخصية يمكنه، ويمكن آخرين من نقد هذه التجربة بشكل أكثر مصداقية.
إن ما يفعله الإنسان بالفعل في هذه التجربة هو الانفلات من صيغ التساؤلات القديمة التي كان يطرحها تبعاً لوسطه الاجتماعي وانتماءاته التي لم يخترها ، وإعادة البحث عن صيغ جديدة خاصة به ، وبالتالي إجابات مختلفة قد تعني في شكلها الظاهري التحول المذهبي أو الديني ، إلا أنها في جوهرها تشير إلى تطوراً ضخماً في ذهنية التعامل مع الأرق وتلقي التجارب والخبرات .
abou 3adal
30-11-2007, 10:38 PM
من أين يأتي التساؤل ؟
إن التساؤل الأول عن أي شيء ينبع من غرابته واختلافه عن ما هو معتاد بالنسبة للإنسان ، مما يثير لديه فضول الاستكشاف العشوائي الأولي والذي ينتهي – في بعض الأحيان - بطرح تساؤل يعبر عن بداية مرحلة الاهتمام بهذا الشيء الغريب الذي مست غرابته داخل الإنسان أرقاً ما .
لا تمثل الأفكار والمعتقدات أي غرابه بالنسبة للإنسان إلا لو هوجمت بشكل قاسي من وسطه الاجتماعي، فالأفكار التي تُمتَدح إعلامياً بشكل مستمر لا تثير أي فضول كونها لا تُعد غريبة من الأساس ما دامت تحظى بكل هذا المديح ، وبالتالي فإن المشترك الأساسي البداية السلبية تعد هي مقدمة التحول تجاه أي فكرة .
تبدو بداياتي مع التشيع كمذهب وكأفراد مفرطة في السلبية ، ففي أوائل الثمانينات كانت الثورة الإسلامية في إيران قد حققت انتصارها على الشاه الصديق الشخصي للرئيس المصري الراحل أنور السادات والذي قام باستقباله في مصر متجاوزاً بكل غرابه حالة الغضب التي عمت الشعب المصري المتعاطف مع الثورة من هذا التصرف ، لقد كان النظام المصري فاعل للغاية في محاولة حصار نفوذ الثورة الإيرانية حيث قدم المساعدة في العملية الأمريكية " تاباز " والتي هدفت لتحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية بطهران عن طريق سماحة بانطلاق الطائرات الأمريكية من حاملات الطائرات المتواجدة قناة السويس ، كما دعم الرئيس العراقي صدام حسين في حربه التي شنها على إيران بهدف محاصرتها واستنزاف قواها واندفاعها الثوري .
كانت مصر تبدو في حالة غليان بسبب التصرفات المتعجرفة والمسرحية لرئيس الجمهورية والتي أدت لتردي الوضع الاقتصادي واتساع حجم الفروقات الطبقية بسبب سماحة بعودة الرأسمالية للسيطرة المطلقة على مقدرات الشعب ، بالإضافة لمحاولته اللعب بورقة الطائفية ووصفه لنفسه بالرئيس المؤمن كمحاولة لاكتساب الشعبية بين مسلمي مصر لتجاوز الانتقادات الموجهة له من التيارات الإسلامية واليسارية والتغطية على ما يحدث في إيران ، ما أوجد الاحتقان والاصطفاف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين ، وكانت النتيجة المتوقعة عقب أحداث سبتمبر 1981 م والتي قام فيها باعتقال كل قيادات وزعامات ومثقفي مصر هي اغتياله في يوم 6 أكتوبر 1981 م .
في هذه الأجواء سمعت لأول مرة عن الشيعة عن طريق أحد أقاربي الذين سافروا كالكثير من المصريين إلى العراق ، حيث قال بشكل ساخر : " الشيعة يقولون بأن جبريل خان ربه وأنزل الرسالة على محمد بينما كان من المفروض أن تزل على علي " ولم ينس أن يؤكد بشكل جازم أنه سمع هذه المقولة من فم الشيعة أنفسهم ، كما لم ينس الإشارة لمدى كراهية الشيعة للمصريين .
كانت هذه الكراهية نابعة من محاولة صدام استقدام أكبر قدر من المصريين للعمل في العراق بالتعاون مع السلطات المصرية ، من ناحيتها رأت السلطات المصرية أن العمالة المصرية بالعراق تخفف كثيراً من وطئة السقوط الاقتصادي الذي عانت منه مصر ، خاصة أن عدد المصريين العاملين بالعراق وصل في بعض المراحل إلى نصف مليون عامل ، أما صدام حسين فقد استقدم المصريين بعد أن اكتشف فجأة حقيقة كون الشيعة يمثلون غالبية السكان في عاصمته بغداد ، وكان استقدام المصريين السنة هو مجرد إيجاد نوع من التوازن مع هذا التفوق الشيعي الذي يزعج الرئيس العراقي ، وقد ذهب هؤلاء المصريون مدفوعون بالرغبة في تحسين أوضاعهم المعيشية السيئة كي يكتشفوا بأنهم يأكلون من أرزاق الشيعة وخاصة الأكراد منهم (الفيلية) الذين رحلهم صدام حسين إلى إيران بحجة كونهم من أصول إيرانية .
لقد كونت من خلال هذه المعلومة الأولى صورة باهتة وسلبية بالنسبة لطفل صغير يعرف تماماً من خلال مُعلمي مادة الدين في المدارس والحُفاظ في الكتاتيب أن النبي ص هو المستحق للرسالة وأن الإمام علي ع كان صغيراً جداً في هذا الوقت ، ولم يكن هذا الرأي الغريب بالنسبة لهذا الطفل سوى استفزاز للشعور بالكراهية تجاه الشيعة ولكن أيضاً الشعور بقدر كبير من الفضول .
لكن هذا التأثير السلبي للتعارف الأول لم يستمر لفترات طويلة ، وفي أثناء تكراري لهذه المعلومة - كنت أفخر بأنني الوحيد الذي يعرفها بين زملائي الصغار وربما بين العديد من الكبار – أمام أحد ضيوف والدي الذي أتصور الآن أنه ربما كان شيعياً بالفعل ، قام هو بتصحيح المعلومة مؤكداً أن الفارق الوحيد بين الشيعة وبيننا هو أنهم يحبون الإمام علي بن أبي طالب ع للغاية ويشهدون له بالولاية بعد شهادتهم للنبي ص بالنبوة ، وكانت هذه المقولة تبدو لهذا الطفل أكثر مصداقية ومعقولة للغاية لكن بشكل ذهني وخيالي بحت قام هذا الطفل بتقسيم الشيعة إلى قسمين أحدهما سيء وهم الإيرانيين والآخر معقول وهم العراقيين الذين تدعمهم مصر في الحرب .
كانت المقولة الأولى ومازالت هي المعلومة التي يعرفها المصريون عن الشيعة ويرددونها بشكل تلقائي جداً بلا أي محاولة للتفكير ربما لأن الموضوع لا يهمهم ، فالفروقات بين السنة والشيعة غير واضحة بالنسبة لمعظمهم ، ولا تعدو كلمة شيعة إلا أن تكون تدليلاً على العراقيين والإيرانيين وبعض مناطق الخليج ولبنان ، فالتشيع بالنسبة لهم قومية أكثر منه مذهباً ، وعندما تصارح أي مصري بكونك شيعي ربما يسألك إن كنت من أصول عراقية أو إيرانية ، وفي المقابل فإن كلمة سنة لا تحمل أي مدلول لدى المصريين سوى هؤلاء الملتحين والذين يقصرون الثياب ، وما عدا هذه المدلولات للمذاهب فإن المصريين عموما يشيرون لأنفسهم بكونهم مسلمون فقط .
في مرحلة لاحقة وعقب انتقالي للإقامة في أحد مدن دلتا مصر ، والمعروفة بنشاطها الثقافي والسياسي والديني الضخم ، كانت الحرب العراقية الإيرانية قد انتهت ، ودخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة ، وتحول صدام حسين من حليف إلى خصم فجأة في أعقاب اجتياحه للكويت وشاركت مصر في حرب عاصفة الصحراء ضد الاحتلال العراقي للكويت، وفي تلك الأثناء كانت المجموعات الدينية في مصر ، والتي قامت سابقاً باغتيال الرئيس السادات ، تمارس نشاطاً عنيفاً ضد الدولة والمدنيين وخاصة المجموعات التي ترى كفر كل من لم ينتمي إليها كتنظيمات التكفير والهجرة ، براءة ، الناجون من النار ، الشوقيون (نسبة للشيخ / شوقي الشيخ) ، القطبيون (نسبة للدكتور / سيد قطب) ، كما وجدت مجموعات أخرى لا تكفر المجتمع وإن مارست العنف ضد النظام وخاصة ضباط الشرطة كالجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد الإسلامي ، ومن الغريب أنه ورغم الموقف السلبي لكل هذه المجموعات السنية من الشيعة والثورة الإسلامية في إيران إلا أن الإعلام الحكومي كان يتهم إيران بدعم هذه المجموعات رغم عدم وجود أي دليل على هذا الاتهام ، إلا أن الحملة ضد إيران تطورت لحملات ضد الشيعة والذين تعرضوا لتلفيق تنظيمات لم يكن لها أي أساس من الواقع رغم العناوين الضخمة التي استخدمتها الصحف في الإعلان عنها حيث تحدثت بعضها عن خطة خمينية لاحتلال العراق والوصول إلى مصر ، ولم يتعد حجم منفذي هذه الخطة – على حد تعبير هذه الصحف - سوى 39 شخصاً منهم 8 من العرب المقيمين بمصر للدراسة و 31 مصرياً ، ولم تؤد هذه الحملة الإعلامية لتصور سلبي كبير عن إيران ، خاصة أن العداء للسلطة كان موجوداً لدى نسبة كبيرة من الشعب المصري، كما لم يحدث هذا العداء للسلطة أي قدر من التعاطف معها كذلك ، فقط مثلت بالنسبة لي دافعاً لطرح عدد من الاستفهامات عن الشيعة والإيرانيين ، وأيضاً علامة استفهام أكثر بساطة عن السبب الذي يدفعهم لتصرفات من هذا النوع ؟
كانت فترة التسعينات هي بداية اقترابي من التيار السلفي في هذه المدينة والذي كان له سطوة ضخمة وتمكن من إزاحة باقي التيارات المعارضة له من على الساحة الإعلامية على الأقل ، كان هذا الاقتراب نتاج لشعوري التقليدي بالأرق الديني إضافة لكونه نوع من التأثر بأحد أقاربي المنتمين لهذا التيار بالفعل الذي حاول بجهد أن يشرح لي إلى أي حد يوجد نوع من التناقض بين المجتمعات الإسلامية وبين الإسلام كدين .
تمثل الطوائف المخالفة للمنهج السلفي أحد الأساسيات التي يسعى المشايخ السلفيون لتشكيل ذهنية أتباعهم تجاهها بما لا يسمح لهم بأي قدر من التعاطف الإنساني تجاه هذه المجموعات الدينية المخالفة من منطلق أن التعامل السلفي مع الآخر ينشأ من معادلة المؤمن والكافر والمقصود بالمؤمن بالطبع هو السلفي بشكل تحديدي ، والمقصود بالكافر هو المخالف لهم بشكل جمعي ولا فارق هنا بين المخالف المذهبي والمخالف الديني ، وبالنسبة للمشايخ السلفيين فإن أولويات المواجهة ترتبط بحجم منافسة هذا المخالف لهم، وكان المنافس الأكبر لهم في مصر هم الصوفية، المسيحيين، اليسار، وأخيرا الشيعة بسبب عدائهم للثورة الإسلامية في إيران، وإن كان اهتمامهم بالشيعة أقل بسبب قلة عددهم في مصر وكونهم لا يمثلون مجتمعاً منفصلاً بشكل يهددهم .
كانت إيران بخصوصيتها الشيعية تعد الموضوع المثار بشكل يومي – من الناحية السياسية - في مصر منذ أحداث الحج في عام 1987 م، والتي استغلتها الأجهزة الإعلامية لتعميق الكراهية في أوساط الشعب ضد إيران والشيعة، ولم تنس هذه الصحف من أن تشير إلى غرابة عقائد الشيعة وترديد نفس الأساطير الساذجة بشكل آلي، وعلى سبيل المثال نشرت جريدة الحياة المصرية المقربة من السلفيين والحكومة تحقيقاً عن الدور الإيراني في مصر في عددها الصادر يوم 22 نوفمبر 1992 م، وقد دون فيه كاتب التحقيق حسين شمردل النص التالي عن الشيعة : " انفرد سكان فارس بمذهب خاص يناقض اتجاه أهل السنة فتشيعوا لأحد أفراد آل البيت وحولوه إلى أسطورة . بل أنهم أوغلوا في هذا الفكر إلى الدرجة التي جعلت منهم فئة مارقة عن الدين بإجماع أئمة المسلمين، فالمقررات الشيعية تنص مثلاً على أن الوحي قد أخطأ عندما نزل على سيدنا محمد لأن المقصود بالنبوة هو الإمام علي بن أبي طالب !! " .
وتحت عنوان داخلي هو " لطم الخدود " يذكر الكاتب بعض العادات الشيعية : " وليست هذه هي كل المغالطات التي انطوت عليها العقيدة الشيعية بل أن هناك كثير من الممارسات التي دأب سكان إيران عليها وتتناقض مع الإسلام نصاً وروحاً .. فالذين ذهبوا إلى المناطق الشيعية في العراق وحضروا أحد أعياد الشيعة لديهم الكثير مما يروى عن هذه الأباطيل .. ومنها تلك السلوكيات التي يشارك فيها الرجال والنساء على حد سواء عندما يمزقون وجوههم حتى تسيل منها الدماء تكفيراً عن ذنبهم بعد أن تقاعسوا عن نصرة الإمام الحسين بن علي عندما استنصرهم في صراعه مع خصومة " .
وإذا كانت هذه هي المعلومات التي تقدم للجمهور المصري عن الشيعة فليس من الممكن أبدأ أن يتجاهل شخص يمتلك تساؤلات عن الدين هذه الطائفة، ولم يكن أمامي أي اختيارات فمسألة وجود شيعي بين المصريين غير واردة بالنسبة لأي مصري، كما أنه من المستحيل وجود كتب شيعية كذلك، حسب معلوماتي في تلك المرحلة العمرية المبكرة، وبالتالي فقد اضطررت للجوء إلى هذا القريب السلفي للسؤال عن الشيعة وطلب أي كتب عن معتقداتهم، كانت إجابته عن السؤال تعكس نظرة سلبية غير واقعية للشيعة : " الشيعة فرق ومذاهب كثيرة لكن أفضلهم يصلون العصر خمس ركعات "، ثم أضاف " لكن الطائفة الأكبر منهم هي التي تعتقد بأن الرسالة كانت يجب أن تنزل على الإمام علي لكن جبريل أخطأ وأنزلها على محمد، إلا أنني سمعت أنهم لا يكرهون محمد ص ويعتقدون أنه رجلُ طيب " لم تكن هذه الإجابة الساذجة للغاية بناء على ثقافة بقدر ما هي مجرد معلومة شفوية نقلها من أحد المشايخ السلفيين، وبقدر ما عمقت شعوري بالاغتراب عن هذا المعتقد وغذت الصورة الغامضة والموحشة التي تكونت لدي عن الشيعة فإنها الآن لا تثير في سوى الشعور بالسخرية والرثاء على هؤلاء الذين يعانون من كل هذا الجهل المتعمد .
إن مثل هذه المقولات هي التي شكلت صورة الشيعة بالوعي المصري في هذه المرحلة التي كان من الممكن فيها إقامة نوع من القيود على الحركة الذهنية والفكرية، وساهمت بشكل كبير في أن يبدو الشيعة كمجموعة غامضة مريبة تشبه في طقوسها وأفكارها تلك المجموعات الدينية الغنوصية .
كانت مشكلة المصداقية بالنسبة لهذا القريب تمثل قيمة خاصة، فقام بإهدائي كتابين عن الشيعة والثورة الإيرانية : " الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام " لمحمد منظور نعماني الذي عرفه المترجم بكونه كبير علماء السنة في الهند ، والثاني : " الثورة البائسة " للدكتور موسى الموسوي .
كان انتهائي من قراءة الكتابين يمثل تجاوز لمرحلة الدهشة الأولى والشعور بالاستغراب والانتقال لمرحلة أخرى وهي طرح التساؤلات عن السبب والمنشأ، في حين كانت تمثل بالنسبة لقريبي نوع من التخلص من إزعاج هذه الأسئلة، فما سيقوله هذان الكتابان خاصة الأول منهم يكفي لإسكاتها، ومَن مِن المؤمنين يجرؤ على تجاوز ما يقوله علماء أهل السنة والجماعة ؟ وهذه الفرضية تمثل أحد مسلمات الفكر السلفي .
لم يتناول الكتاب الأول لمحمد منظور نعماني أي شيء عن الثورة الإيرانية واقتصر على تناول عقائد وأفكار المذهب الشيعي كالإمامة، الرجعة، البداء، الموقف من الصحابة، الموقف من أمهات المؤمنين، الموقف من القرآن، زواج المتعة ...الخ حسب موازينه السلفية وانطلاقاً من حكمه على عقائد المذهب فقد اعتبر أن الثورة الإيرانية ليست ثورة إسلامية، والإمام الخميني (قده) ليس إماماً حسب تصوره السلفي .
لكن رغم هذه النظرة السلبية فقد كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام باستثناء الأئمة الأربعة الأوائل، كما سمعت للمرة الأولى أسماء علماء كالكليني، والمجلسي، وشيخ الطائفة الطوسي، والطبرسي، وأسماء بعض الكتب كالكافي، من لا يحضره الفقيه، الاستبصار، الاحتجاج، ومع سلبية الفكرة التي كونتها عن الشيعة في تلك الفترة فقد كانت الايجابية الوحيدة هي أن الشيعة لا يؤمنون بنبي آخر غير محمد ص .
الكتاب الثاني لم يتناول أي شيء عن الشيعة كمعتقد وإنما تناول شخصية الإمام الخميني (قده) بشكل هجومي وسلبي، كما طعن في نسبه لآل البيت ع، وفي اجتهاده كفقيه ، وإن كان تحدث بشكل إيجابي عن التراث الشيعي مما جعلني أتساءل عن مدى مصداقية ما ذكره الشيخ محمد منظور نعماني .
لفترة قصيرة إضافية اضطررت للاطلاع على عقائد الشيعة عن طريق كتب الفرق الإسلامية، وخاصة كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي وهي مؤلفات تسعى لتشكيل عدة صور عن الفرق الدينية المخالفة، الأولى : حالة التشظي الضخم الذي تعاني منه هذه الفرق في مقابل التوحد الذي يتمتع به أبناء المذهب الذي ينتمي له المؤلف وهو تدليل على كونها العقيدة الحقة بناء على ما يروى عن النبي ص أن يد الله مع الجماعة، والثانية : الإيحاء بوجود قدر من الضحالة الفكرية والعلمية لدى علماء هذه الفرق وأتباعهم ، فمن الممكن الترويج لأي أسطورة ساذجة بين هؤلاء الأتباع ، كما أن مجرد الخلاف في مسألة عقائدية كافية لانفصال فرقة فرعية عن الفرقة الأم مما قد يعكس حالة من الانتهازية والبحث عن الزعامة، والثالثة : عدم معقولية أن تكون هذه الأفكار الضحلة معبرة حقيقة عن آراء أهل البيت النبوي، بل هي بالتأكيد ملفقة لهم وليس ثمة علاقة لهم بكل هذه الفرق التي تدعي موالاتهم والمطالبة بحقوقهم .
مع كل هذه الآراء الغريبة التي اطلعت عليها في كتب الفرق منسوبة للشيعة لم يكن من المستغرب أن يحدث نوع من التشويش في موقفي من الشيعة إذا استثنينا الشيعة الزيدية، والذين وصفتهم كل هذه الكتب بأنهم الأقرب للسنة، فهم لا يسبون الصحابة ولا يضيفون أي شيء للآذان ولا يبغضون أمهات المؤمنين ....الخ
ركزت لفترة في الاطلاع على المذهب الزيدي إلا أنني لاحظت بعد فترة من كتابات السلفيين اليمنيين أن موقفهم من الزيدية لا يقل عنفاً من موقفهم تجاه الفرق الشيعية الأخرى، وإن كانت عقائد الزيدية بالنسبة لي لم تكن مفرطة في الغرابة وبدت نوعاً ما معقولة وربما مقبولة كمعتقد .
كان عثوري بالصدفة على بعض المؤلفات الشيعية في المكتبة العامة بالمدينة التي أقيم بها يمثل بدايات الانقلاب على كل هذه التصورات التي كونتها عن الشيعة بناء على المعلومات المتوافرة لدي، كان في حد ذاته نجاحاً كبيراً بالنسبة لي، إذ ربما أكون الوحيد الذي أُتيح له قراءة كتاب لمؤلف شيعي، ففي أحد الأيام اكتشفت وجود كتاب باسم " أصل الشيعة وأصولها " للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، الاسم الأخير أثار شكوكي كونه قد يعني أن المؤلف من الشيعة وهذا ما اتضح عقب مطالعتي للكتاب الذي كان ينفي تماماً كل الاتهامات التي تروج عن الشيعة إضافة لعرضه فتوى الشيخ محمود شلتوت الشهيرة بصحة التعبد بمذهب الشيعة الإمامية الإثنى عشرية .
إن هذا الكتاب وفتوى الشيخ محمود شلتوت مثلا بالنسبة لي حالة من الحيرة، كان لابد من أن أجد ما أوفق به بين ما قرأته في المؤلفات والدعايات السلفية وبين ما تعرفت عليه وأشعر أنه حقيقياً فعلاً، تساءلت أنه من غير الممكن أن يكون الشيوخ السلفيين كاذبين في تناولهم للعقائد الشيعية، كما أنه لا يوجد ما يدفع الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء للكذب أو ما يجعل شيخ الأزهر متآمراً، كان لابد من صيغة تسمح لي بأن أواصل التعرف على الشيعة دون خوف من الفتنة العقائدية، هذا الشبح ضخم الذي لا يتوانى السلفيون منذ بداية انخراط الإنسان في صفوفهم من تغذيته حتى يصل في مرحلة ما إلى الدرجة التي يتمنى فيها الإنسان لو كان غير قادر على الحراك أو التفكير خوفاً من أن يفتن في لحظة، فيتجاوز التساؤلات التي تخطر في ذهنه ويسعى لقمعها بشكل قاسي ويستمر في الحياة بناء على قراءة كل ما ينتجه السلفيون فهم إذن عالمه الضيق الذي يحيط به من كل جانب إلى درجة أن يفاجئ يوماً أنه غير قادر على مواجهة أي إنسان ذو فكر مختلف في أي كلمة فيسعى بشكل مذعور للهرب إما عن طريق العنف أو التكفير، وإما عن طريق سد الأذن مدعياً أن الآخر مجادل بالباطل في حين لا يملك هو ميزاناً واضحاً للتفريق بينهما .
إن ما فعله هذا الكتيب الصغير بكل بساطة هو فقط كسر هذا الحاجز الداخلي بيني وبين التلقي عن الشيعة بشكل أكثر بساطة، وربما أيضاً أكسبني نوع من التعاطف الداخلي مع هذه الطائفة، إذن التشيع ليس مذهباً ساذجاً أو ضحلاً، كما أنه ولأول مرة أتعرف على أن هناك في التاريخ الإسلامي شخصيات شهيرة ومعروفة تنتمي للمذهب الشيعي كجابر بن حيان وابن سينا والفارابي إضافة للشعراء الفرزدق وكثير عزة والمتنبي، هؤلاء الذين يتحدث عنهم كثيرون كعباقرة لكن دون أن يشيروا ولو عرضاً أنهم شيعة، فنطق هذا اللفظ ربما يعد من المحرمات في الإعلام المصري إلا لو كان على سبيل السخرية أو الاستهجان أو التشويه .
كان هذا الكتاب يعد اكتشافاً بالنسبة لي، قمت بكتابة تلخيص له وبشكل بريء قمت بعرضها على معارفي من السلفيين كما لو أنني قمت فعلاً بحسم هذا الصراع التاريخي العريق بهذه البساطة، فالشيعة لا يقولون بتحريف القرآن، ولا يؤمنون بنبي غير محمد ص، وزواج المتعة له أدلة من كتب السنة، ولا يسبون الصحابة، ثم طرحت تساؤل على الشيخ إذن إذا كانوا ينكرون هذه الاتهامات فلا توجد هناك مشكلة أصلاً ... لوهلة تصورت أنه ربما اعتبر هذا الشيخ أن الصبي الصغير عبقري من نوع خاص، أو ربما سيحتفي بي بطريقة تليق بهذا الانجاز السريع، إلا أن هذه التصورات لم تلبث أن تحولت لغضب عندما تحدث الشيخ بكل عجرفة عن هؤلاء المخدوعين والحمقى الذين يصدقون الشيعة دون أن يكون لديهم علم بالتقية عندهم، قلت له : " لكن التقية لا تستخدم إلا عند التعرض للخطر والآن لا يوجد خطر على مؤلفي هذه الكتب هكذا ذكر الشيخ المظفر في عقائد الإمامية "، لم يكن هناك تعقيب يوازي الاستفهام سوى أنه لا يليق بي البحث في هذه المسائل بينما يجب علي الاهتمام بدروسي أولاً، واستغرق لفترة طويلة في نصائح مكررة وأخيراً قال : " يجب أن تكبر كثيراً قبل أن تتجرأ على القول أن علماء كبير من أهل السنة والجماعة اخطأوا في رصدهم للشيعة، أنت حتى لم تتخط امتحان الثانوية " ولم ينس تلامذة الشيخ أن يضحكوا كثيراً لانقاذة من الورطة، وفيما بعد أصبحت هذا الذي يقرأ كتب الروافض .
كان هذا الموقف تقريباً بداية ابتعادي عن الفكر السلفي بعد أن أتاح لي رؤية تشوهاته بشكل حقيقي وواضح، هؤلاء الذين يتمسكون بتكفير عدد كبير من المسلمين بكل عجرفة دون أن يسعى أي منهم للتأكد .
في هذه الأثناء كنت قد طالعت كتب أخرى اكتشفت وجودها بالمكتبة التي أهداها للبلدية أحد مشايخ الأزهر الذين كانوا من أعضاء جمعية التقريب بين المذاهب الإسلامية، كعقائد الإمامية للشيخ المظفر، وكتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين .
تمكنت من استعارة كتاب المراجعات لفترة زمنية طويلة نسبياً، كانت طبعة مصرية وقد قدم لها بعض علماء الأزهر، ومع تعدد قراءتي له كانت خلفياتي تتغير وأيضاً انفعالاتي تجاه ما يسجله من معلومات، في المرة الأخيرة تساءلت بسخرية ماذا سيحدث لو اعتنقت المذهب الشيعي ؟ هل سأكون الشيعي الوحيد في مصر ؟
كانت معلوماتي عن إيران مازالت مشوهة وفي حين كنت أدافع باستماتة عن الشيعة فإنني كنت أيضاً أهاجم شخصية الإمام الخميني (قده) كشخص سرق بكل غدر كفاح شعب بأكمله بلا وجه حق .. هكذا قال موسى موسوي، لكن أيضاً كنت أتساءل بعد كل هذه الشتائم الساخطة، لماذا يحزن الإيرانيون كل هذا الحزن الذي رأيته سابقاً في جنازة الإمام الخميني لو كان بالنسبة لهم بالفعل يمثل كل هذه المدلولات المفزعة التي تحدث عنها موسى الموسوي في كتابه ؟
لم يكن من الممكن أن يفرق أي إنسان بين إيران والشيعة، فإيران تمثل البلد الوحيد الذي ينتمي 90 % من سكانه للمذهب الشيعي وإذا كان فقهاء الشيعة الذين يحكمونه يقومون بهذه الممارسات المغرقة في الضحالة والتخلف و الرجعية التي حكاها موسى الموسوي فإن هذا المذهب يحمل العديد من نقاط الخلل بكل تأكيد.
في إحدى زياراتي التي أصبحت نادرة لأحد السلفيين – كان طالباً بكلية الطب بجامعة الأزهر – تحدث بسخط عن خطأي في التكاسل عن حضور الخطب التي يلقيها الشيخ ي . هـ، قال لي بشكل ربما يمثل مقايضة : " حسنأ إذا حضرت هذه الخطبة التي سيلقيها اليوم سوف أعيرك كتاب عن الثورة الإيرانية "، وكانت المقايضة تستحق بالنسبة لي حيث تساءلت بفضول ما الذي سيطرحه أي كاتب آخر عن الثورة الإسلامية ؟ هل يمكن أن تكون معلوماتي من الثورة الإسلامية في إيران ملفقة وغير سليمة ؟ في الواقع لم أكن واعياً بالكثير من ممارسات الدجل السياسي الذي اكتشفتها كأحد نتائج هذه التجربة .
حصلت على الكتاب كنتيجة لاستماعي خطبة عن أهل البدعة من الصوفية والشيعة، خطبة لا أتذكر منها فعلاً أي كلمة بقدر ما أذكر جيداً أنني استغرقت في تصورات عن ما يحتمل أن يوجد في هذا الكتاب الجديد .
كان الكتاب هو " الثورة الإيرانية الصراع، الملحمة، النصر " للدكتور إبراهيم الدسوقي شتا (ره)، حيث حوى علامات إجابات عن علامات استفهام كثيرة لبعض الممارسات التي نسبها موسى الموسوي للإمام الخميني (قده)، أحد هذه الممارسات التي ذكرها أن الإمام الخميني (قده) أضاف اسمه إلى الآذان فيقال : " الله أكبر، خميني رهبر " أي " الله أكبر، خميني الإمام "، تساءلت إذا كان الخميني (قده) يقوم بكل هذه التصرفات علانية فكيف يعتبره أتباعه إماماً حتى الآن وكيف يحتفي به الشعب الإيراني بهذا الشكل طوال هذه الفترة؟ في كتاب الثورة الإيرانية كانت الإجابة أكثر وضوحاً، فهذا النداء لم يكن نداء صلاة في الواقع وهو فقط أحد الهتافات والشعارات التي أطلقها المتظاهرين أثناء الثورة، كانت خبرة وتجربة جديدة حول الطريقة التي يمكن أن يمارس بها الدجل الإعلامي والسياسي تجاه أي ثورة قد تسبب أرق ما للإمبريالية في العالم، بعد قراءتي لهذا الكتاب تغيرت كثيراً نظرتي الخاصة للإمام الخميني (قده) .
abou 3adal
30-11-2007, 10:39 PM
كيف يتعامل الإنسان مع تساؤلاته ؟
هذا الاستفهام عن كيفية الاستكشاف، وانتقال الأرق من المجموعة البشرية ذاتها إلى معتقدها، فالتساؤل يتحول في لحظة ما داخل حركة الفكر لدى الإنسان من لماذا يفعل الشيعة ؟ إلى لماذا يعتقدون ؟وهنا فإن السؤال عن أدلة الشيعة هو البداية لهذه المرحلة بعد أن تجاوز الإنسان ما لديه من خوف تجاه التفكير بعيداً عن الحدود الموضوعة عمداً، والتخلص من الحواجز النفسية تجاه الآخر .
إن هذه الحدود تعتمد بالأساس على قدسية واضعها، وهما النظم الاجتماعية المستمدة من المذهب السائد، والزعامات السلفية التي تسعى لاحتكار الخطاب الديني عن طريق عزل المؤمنين عن أي خطاب مخالف، وككل من ينخرطون في التيارات السلفية فإن بعض هؤلاء الزعامات يصبحون ذو مكانة مقدسة لدى أبناء هذا التيار !!!
كان كتاب " الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام " لمحمد منظور نعماني هو الكتاب الأساسي الذي قرأته عن الشيعة من الجانب السلفي، وقد اكتسب هذا الكتاب مكانة كبيرة لدي بعد أن عرّف مؤلفه نفسه بأنه كبير علماء السُنة في الهند، وهو تعريف اكتسب مصداقية من كم المديح الذي كاله مقدم الكتاب أبو الحسن الندوي – وهو غني عن التعريف - لهذا المؤلف . يحتوي الكتاب على اتهامات السلفيين للشيعة ومعلوماته مكررة في كل المؤلفات السلفية عموماً التي اطلعت عليها فيما بعد كمؤلف محب الدين الخطيب وإسهامات إحسان إلهي ظهير، عبد الله الغريب، الشيخ الآلوسي، الشيخ التونسوي ... وغيرهم .
لقد تناول محمد منظور نعماني في كتابه سالف الذكر قضية الوصية للإمام علي(ع) في غدير خُم مستعرضاً أدلة الشيعة في إثبات دلالتها على أحقية الإمام علي(ع) في الإمامة، ولم يجد الشيخ نعماني حرجاً في أن ينكر الواقعة برمتها مسمياً إياها بـ " خرافة غدير خُم " على أساس أنها لو صحت فإن الشيعة على حق بالفعل في كراهيتهم لبعض شخصيات الصحابة، يقول : " ولا شك أن من يصدق خرافة " غدير خُم "، تلك الخرافة التي تعد أساس المذهب الشيعي، فإنه يرى أن الشيخين وعامة الصحابة يستحقان جميع النعوت التي تنسب إليهم، فهم مجرمون غدروا بوعدهم وحنثوا به وتآمروا على النظام الذي أراده الرسول للأمة لصلاحهاوفلاحها ديناً ودنيا، والذي عاهدوا عليه وأخذ الرسول منهم مواثيقهم وأكد عليهم ضرورة تنفيذه، أولئك الناس لا شك يستحقون أقبح الألفاظ التي تنعتهم بها روايات الشيعة ويستحقون اللعنة وهم مرتدون وكافرون ... الخ " (ص 39، 40) وإذا كان أساس المذهب الشيعي قائم على مجرد خرافة فبالتأكيد لا يصبح هناك أي قيمة للبناء العقائدي والفقهي والفكري عموماً، وربما تكون تساؤلاتي قد انحصرت في هذه اللحظة عن كيف قام الشيعة باختلاق هذه الأسطورة وتثبيتها وإقناع كل هؤلاء الأتباع بها طوال التاريخ الإسلامي ؟
كانت جرأة كبيرة من المؤلف أن ينكر واقعة تاريخية كاملة بحثاً عن انتصار في مواجهة الآخر، وهو في هذا الإنكار مطمئن تماماً إلى أن قراؤه السلفيين لن يفكروا في مراجعة المصادر والبحث خلف أدلته .
في كتاب المراجعات اكتشفت أن هذه المروية موجودة بشكل مكثف لدى المدونات السُنية خاصة في كتابي مُسند الإمام أحمد بن حنبل، والخصائص العلوية للإمام أحمد بن شعيب النسائي، كما أوردها جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء (فصل الأحاديث الواردة في فضل الإمام علي(ع) ص 159)، وقد أضطر المؤرخ السلفي ابن كثير إلى إيرادها في مؤلفه البداية والنهاية والاعتراف بصحة الواقعة رغم محاولاته لإضعاف تأثيراتها المذهبية، كما اعترف بأن الإمام محمد بن جرير الطبري قد ألف كتاباً من مجلدين في إثبات صحة هذا الحديث عن النبي(ص)، ولم يستطع ابن كثير سوى أن يقول : " ونحن نورد عيون ما روى في ذلك مع إعلامنا أنه لاحظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل لما سنبينه وننبه عليه "(جـ 7 فصل خطبته صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة)، ولم يوف ابن كثير بوعده في الواقع غير أنه أورد في النهاية هذه المروية عن النبي(ص) : " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا ذلك له أيها الناس إني عن ابي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض فاعرفوا ذلك لهم أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم ايها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين واذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا "(ن . م) وكانت هذه المروية هي كل ما لدى ابن كثير لتحريف دلالة الحديث .
كانت هذه المفارقة بداية شعوري بالشك تجاه المصداقية المطلقة التي يمثلها مشايخ السلفيين بالنسبة لي، وكانت أيضاً بداية لعلامات استفهام حولهم : لماذا يجب أن أثق تماماً بصحة استنتاجات ومقولات المشايخ السلفيين عن الطوائف الإسلامية ؟ لماذا يجب أن يكونوا هم من يحكم بالإيمان أو الكفر على الآخر المسلم ؟ ولماذا يكون التصور السلفي للدين هو الحقيقة التي يُحكم من خلالها على الآخرين بالاقتراب أو الابتعاد عنها ؟ .
كانت الإجابات التي توصلت لها من خلال هذه الأسئلة تنتهي معها كل قيمة أو قدسية للتيار السلفي ومنظومته الفكرية التي استغلت فقط كونها التيار الوحيد الذي يملك آلة إعلامية ضخمة ونشطة، في حين لا يعتمد التيار الصوفي مثلاً – كأكبر تيار ديني معارض – سوى على الموالد التي تحولت لاحتفالات لاهية مبتذلة فاقدة لعمق فكرتها الأصلية، وانتهى التصوف إلى ممارسات متوارثة بلا فلسفة أو فكرة، وبالتالي فلم يعد يملك ما يقدمه إلى الجماهير سوى التمسك بخزعبلات الخوارق وتسخير الجان والتجارة بالنسب النبوي لبعض مشايخ الطرق، والقليل من الطرق الصوفية التي أدركت ضرورة مواجهة الموقف بشكل أكثر تطوراً وأصدرت مجلات تعبر عن وجهة نظرها وما تقدمه من مشروع روحي للمسلمين كجماعة العشيرة المحمدية، والطريقة العزائمية، على الرغم من أن كلتا المجلتين والطريقتين غير معروفتين للكثير من المصريين، ولا يعرف المتدينون في مصر الآن أي من مشايخ التصوف في حين يتابعون باهتمام هذا الصخب والضجيج الذي يحظى به السلفيون في وسائل الإعلام المُختلفة، وهكذا فقط يقنع السلفيون الشعب المصري بقدسية منظومتهم ولا شيء آخر .
إن إطلاعي على المؤلفات الشيعية كان بداية لاكتشافي حجم الدجل الإعلامي الذي مارسه السلفيون مستغلين ما يتمتعون به من قدسية إعلامية، بداية من إخفاء الحقائق التاريخية كنوع من فرض الوصاية على المؤمنين، مروراً بالاستخفاف بعقول الآخرين وتقديم مبررات ساذجة لما تثيره هذه الحقائق من إشكاليات على أساس كونها الحقيقة المطلقة التي يجب على الناس الإيمان بها، وانتهاء بالكذب المتعمد في بعض الأحيان على غرار ما فعل الشيخ نعماني كمثال مباشر .
إن قراءتي للتاريخ الإسلامي في مرحلة ما بعد النبي(ص) والخلافات التي نشبت بين فريق من الصحابة وبين أهل البيت(ع) كانت من أهم ملحوظاتي تجاه المنظومة السلفية بشكل خاص والمذهب السُني بشكل عام (مع احترامي لأتباعه)، إن هناك مساحة تناقض كبيرة بين الحركة الواقعية لهؤلاء الصحابة وبين المرويات التي ترويها المدونات السنية عن سلوكياتهم والتي تبدو من خلال هذه المفارقة مُصطنعة للغاية، ولا يجد السلفيون حلاً لهذا المأزق سوى إدعاء أن المرويات التاريخية كاذبة متشبثين بعلم الرجال، وهو تشبث مزاجي تماماً فهم يقبلون المرويات التي نقلت أخبار حروب الردة دون أن يضعوا عليها أي نقد تقريباً رغم أن رواتها وعلى رأسهم سيف بن عمر التميمي من المطعون على مصداقيتهم عند علماء الحديث .
إن مطالعتي واكتشافي لهذه الصدامات والخلافات الضخمة حطم الصورة الملائكية لهذا المجتمع الذي طالما روج له السلفيون وقدموه كحل أمثل وتلقائي لكل الإشكاليات الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية ... مجتمع مأمول كان يجب علينا أن نجعله نُصب أعيننا على أمل أن نرتقي إليه يوماً ... وكم بدا هذا الحل ساذجاً للغاية بالنسبة لي فيما بعد.
إن السلفيين يدركون تماماً أنهم بهذه الصورة الغير واقعية عن الصحابة والتي يُرجى منها وضع كل هؤلاء المؤمنين تحت سيطرتهم على أمل الوصول يوماً إلى هذه الحلول، يبذرون داخلهم بذور الضعف من الناحية الإيمانية والفكرية، فكثيراً ما يسعى أي مصري سلفي للدخول في مناقشة مع أحد المنتمين للمذهب الشيعي ويبدأ في الحديث عن مجتمع الصحابة الملائكي وما أن يتلقى ردوداً حول حقيقة هذا المجتمع وواقعه في حياة النبي(ص) وعقب وفاته يلجأ للفرار وإنهاء المناقشة التي ألح هو على بدايتها خوفاً على دينه من الفتنة وعلى إيمانه من الانحراف، والإجابة السلفية المطمئنة بالنسبة له هي : كل هذا من كذب الرافضة وأعداء الإسلام، ويتحول الشيعة إلى أعداء بالنسبة لهذا المسكين بلا سبب سوى كونهم يمتلكون رؤية مختلفة حركت وعيه تجاه هذا الكم من التناقض بين ما يُطرح عليه وبين الواقع والتاريخي، هذا الحراك لوعيه يمثل ذعراً بالنسبة له تحسباً من فقدان ما يعتز به، ذعر وهمي ناتج عن حالة ضعف بالغة لا تصب سوى في مصلحة السلفيين الذين يستمتعون كثيراً بسيطرتهم المُطلقة على هذه العقول الضعيفة باعتبارهم حراس على إيمانهم ودينهم .
إن المشكلة الأساسية في الخلافات بين الشيعة وغيرهم من المذاهب الإسلامية لم تكن في تفضيل الإمام علي بن أبي طالب(ع) أو أحقيته بالخلافة، فهذه الفرضية مطروحة كذلك عند أهل السنة وكثيراً ما يصرح بها العوام المصريين بشكل تلقائي إلا أن نتائجها والتي تتمثل في الموقف من الصحابة الذين اصطدموا بالإمام علي(ع) لم يكن الالتزام بها سهلاً بالنسبة لأي مصري نشأ على اعتبار أن هذه الشخصيات هي مثل عليا متجردة من كل انحدارات وتجاوزات هذا العالم ... لم تكن في الواقع سوى أيقونات تم تشكيلها داخلنا بلا أي حرية وبشكل يجاوز الواقع والحقيقة لحد كبير، ومع ذلك فإن التخلص منها احتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً .
إن اللجوء للحلول الوسطية كمحاولة لكسر حدة الصدمة الأولى للواقع قبل التوصل للحل النهائي، يعد فعلاً طبيعياً وعادياً في مثل هذه الحالات ... في البداية كثفت دراستي للمذهب الزيدي، وهو يمثل المقدمة للتشيع عموماً بالنسبة للعديد من المُستبصرين، كان أساس اختياري للمذهب الزيدي هو السعي للتوصل إلى حل يجمع بين موالاة أهل البيت وبين الإبقاء على قدر من الاحترام لهذه الشخصيات الصحابية، على أن المشكلة الرئيسية التي واجهتها أثناء دراستي للمذهب الزيدي – مع الاحترام لمعتنقيه – تكمن في تصوره المفتعل للإمامة والذي يصطدم كذلك مع بعض الحقائق وسياقات الأحداث التاريخية .
يرى الأخوة من الزيدية وجود صفات متعددة للإمام أهمها الخروج بالسيف، وبالتالي فطبقاً لهذه القاعدة كان من المفروض أن يتم استبعاد الإمام الحسن بن علي(ع) من سلسلة الإمامة الزيدية كونه وقع معاهدة صلح مع معاوية انتقل بمقتضاها إلى العمل السياسي السري، وهي من الوسائل المرفوضة عند الزيدية، كما تمثل إمامة الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) نفس المشكلة بالنسبة لنظرية الإمامة عند الزيدية كونه لم يعلن دعوته ولم يخرج بالسيف، وعلى الرغم من أن الزيدية يتمسكون بوجود علاقة بين الحسن المثنى وبين ثورة العراقيين بقيادة ابن الأشعث، فإن هذه العلاقة ذاتها في كل الحالات غير مقبولة حسب التصور الزيدي، فالعلاقة كانت سرية حسب بعض الأخبار ولم يقم الحسن المثنى بقيادة الثورة بنفسه ولم يعلن عن إمامته، بالإضافة إلى أن الحسن المثنى تبرأ من هذه العلاقة في مواجهة بينه وبين عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي عندما اتهمه بتحريض العراقيين على الثورة ضده، والواقع أن هذا الاتهام الذي يتشبث به الزيدية هو دليل على إثنى عشرية الحسن المثنى وليس زيديته حيث يبدو مرتبطاً بطريقة العمل السياسي لدى الشيعة الإثنى عشرية(*) .
إن القاعدة الثانية في الإمامة لدى الزيدية هي عدم الثورة إلا تحت قيادة إمام علوي فاطمي، على أن التراث الزيدي شهد انخراط الثوار الزيديين في انتفاضات تحت قيادة ثوار هاشميين غير علويين، كمشاركتهم في ثورة عبد الله بن معاوية الجعفري سنة 127 هـ (ابن الأثير . الكامل في التاريخ . جـ 5 أحداث سنة 127 هـ " ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ")، ويبدو التساؤل مرتبطاً بحقيقة الرؤية الزيدية للإمامة وهل كانت منذ عهد الإمام زيد بن علي(رض) ؟ أم شهدت تطورات على مر التاريخ ؟ أم أنها نشأت في الأساس منذ عهد الإمام الهادي مؤسس الدولة الزيدية في اليمن أثناء الغيبة الصغرى للإمام المهدي سنة 280 هـ ؟ إن إجابة هذه التساؤلات أكدت بالنسبة لي أن الزيدية كطائفة مستقلة لم تظهر من ناحية واقعية إلا في أثناء الغيبة الصغرى للإمام المهدي(عج) وبالتالي فهي طائفة عبرت عن مشروعات طموحة لبعض العلويين الذين سعوا لملأ الفراغ الذي نشأ عن غيبة الإمام مستغلين حالة الارتباك العقائدي التي أصابت الشيعة في هذه الفترة، والمُطلع على الرؤية الزيدية للإمامة والموقف من الصحابة ربما يكتشف أن الإمام الهادي حاول أن يجمع في عرضه لوجهات نظره في الإمامة بين معظم الرؤى المطروحة في تلك الفترة على أساس أن يكون مشروعه الجديد جامعاً لكل الفرق الإسلامية المتواجدة على الساحة، وهو في هذه المحاولة يشبه لحد كبير التسنن الموحدي الذي نشأ في المغرب الأقصى على يد دولة الموحدين، أو محاولات الخوارج الإباضية تحقيق نفس الهدف للجمع بين أسس مذهبهم وأفكار المذاهب الأخرى في إطار واحد، وتتفق كل هذه المحاولات في سعي كل طائفة لتطعيم مذهبها بأفكار الفرق الأخرى وإن صاغتها على أرضيتها المذهبية الخاصة بها، في محاولة لتقديم مشروع توحيدي متكامل تواجه به السلطة العباسية في بغداد، كما تتفق في لجوئها إلى الاحتماء بالمناطق النائية والجبلية في اليمن أو المغرب الأقصى أو صحراء تاهرت، وهذه المذاهب انتهت إلى الانحسار داخل حدود ضيقة مرتبطة بأوضاع قبلية محددة، وهذه المحاولات التوفيقية لم تفعل في الواقع سوى إضافة مذاهب جديدة للساحة(*) .
لقد أدى اهتمامي بدراسة التشيع إلى دراستي لمثل هذه الطوائف كذلك في محاولة للتوصل إلى القوانين التي أدت لظهورها والفروقات الحقيقية بين الآراء الدينية الثابتة والناتجة عن استدلال مجرد بالكتاب والتراث المروي عن النبي(ص)، وبين الآراء التوفيقية التي تخدم عصراً محدداً وغايات سياسية مؤقتة .
لقد تساءلت في بعض مراحل هذا البحث عن مدى مصداقية الإسلام ذاته ؟ وللأسف فإن بعض المسلمين يعتقدون أن إثبات مصداقية الإسلام يعتمد بالأساس على إسقاط المسيحية، وهو نفس الاعتقاد لدى القسم المتطرف من المسيحيين، متناسين أنه ثمة طروحات أخرى مخالفة لكلا الديانتين وفي مقدمتها الإلحاد الديني بكافة نظرياته والذي مارس بعض مثقفوه مؤخراً محاولة السطو على الانتقادات التي يوجهها المتطرفين من الديانات والمذاهب لبعضهما البعض، حيث يواجه الإسلام بالانتقادات المسيحية، ويواجه المسيحية بالانتقادات الإسلامية واليهودية، وفي كلا الحالتين فلم يعد لدى التيارات الإلحادية ما تتاجر به في مواجهة الإيمان سوى هذه الوسيلة خاصة بعد أن أثبت تاريخها أنه أكثر تلطيخاً من تاريخ الإقطاع المتمسح بالدين .
إن الإجابة عن تساؤلي حول مصداقية الإسلام ومصداقية التشيع كرؤية للإسلام ارتبط بما يقدمانه من مشروع حقيقي لهذا العالم، في مقابل ما تقدمه الديانات والمذاهب الأخرى، وفي هذا الإطار فإنني لم أجد في المسيحية مشروعاً حقيقياً مؤرق بأسباب وعلاج مشكلة الفقر – على سبيل المثال - رغم أن الكتاب المقدس تناول هذه المشكلة في إنجيل لوقا على لسان يوحنا : " من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل كذلك " (لو 3 / 11)، وعلى لسان السيد المسيح ذاته في كلمته لأحد الرؤساء : " بع كل مالك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني . فلما سمع ذلك حزن لأنه كان غنياً جداً . فلما رآه يسوع قد حزن قال ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله . لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله "(لو 18 / 22 – 25)، إلا أنه ورغم هذا الرصد الواضح للفقر فإنه لا يوجد أي مشروع حقيقي لدى المسيحية للقضاء على هذه المشكلة سوى في السماء : " افرحوا في ذلك اليوم وتهللوا . فهو ذا أجركم عظيمٌ في السماء "(لو 6 / 23)، كذلك لا يوجد رصد حقيقي لأسباب مشكلة الفقر والظلم الاجتماعي من الأساس، فالتعامل مع المشكلة أصلاً تعاملاً ثانوياً.
إن هذا التعامل الثانوي يرتبط أساساً بالفكرة المسيحية الراسخة حول أن مملكة المسيح(ع) ليست في هذا العالم كما ينص العهد الجديد: " أنتم من أسفل . أما أنا فمن فوق . أنتم من هذا العالم . أما أنا فلست من هذا العالم "(يو 8 / 24)، ويبدو التساؤل إذن عن سر إرساله إلى هذا العالم مادام لا ينتمي إليه ؟ وأي خلاص يدعو إليه من ينتمون لهذا العالم بكل أوجاعه في حين لا ينتمي هو إليه ولا يشعر بآلام احتياجاته ؟
إن العديد من الأصدقاء المسيحيين يتحدثون بطلاقة ملحوظة عن افتداء المسيح لنا من لعنة الناموس مرددين كلمة القديس بولس في رسالته لأهل غلاطية : " المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة "(غلا 3 / 113 – 114)، وهي كلمة تعبر عن فكرة الخطيئة التي أتى المسيح(ع) لحملها، وهنا فإن التساؤل الذي طرحته مرة على أصدقائي المسيحيين، هو ما هو الداعي لأن يحمل السيد المسيح(ع) خطايا العالم أو أن يفتدينا من لعنة الناموس في حين كان يكفي فقط أن يغفرها لنا الله تعالى بناء على استجابتنا لدعوته والتزامنا بتعاليمه وناموسه ؟ إن تصور المسيحيون للخطيئة ربما يجيب على هذا التساؤل فالمشكلة ليست بقدر بساطة هذا الاستفهام، فالواقع أن خطيئة آدم وحواء الأولى هي التي أدخلت المعصية إلى الجنس البشري كما يقول القديس بولس : " والخَطيئَةُ دَخَلَتْ في العالَمِ بإنسانٍ واحدٍ، وبالخَطيئَةِ دخَلَ الموتُ. وسَرى الموتُ إلى جميعِ البشَرِ لأنَّهُم كُلَّهُم خَطِئوا. فالخَطيئَةُ كانَت في العالَمِ قَبلَ شريعةِ موسى، ولكِنْ حيثُ لا شريعةَ لا حِسابَ لِلخَطيئَةِ. غَيرَ أنَّ الموتَ سادَ البشَرَ مِنْ أيّامِ آدمَ إلى أيّامِ موسى، حتّى الّذينَ ما خَطِئوا مِثلَ خَطيئَةِ آدمَ. وكانَ آدمُ صُورَةً لِمَنْ سيَجيءُ بَعدَهُ . ولكِنَّ هِبَةَ اللهِ غَيرُ خَطيئَةِ آدمَ. فإذا كانَ الموتُ سادَ البشَرَ بِخَطيئَةِ إنسانٍ واحدٍ، فبِالأَولى أنْ تَفيضَ علَيهِم نِعمَةُ اللهِ والعَطِيَّةُ الموهوبَةُ بِنِعمةِ إنسانٍ واحدٍ هوَ يَسوعُ المَسيحُ. وهُناكَ فَرقٌ في النَّتيجةِ بَينَ هِبَةِ اللهِ وبَينَ خَطيئَةِ إنسانٍ واحدٍ. فخَطيئَةُ إنسانٍ واحدٍ قادَتِ البشَرَ إلى الهَلاكِ، وأمَّا هِبَةُ اللهِ بَعدَ كثيرٍ مِنَ الخطايا، فقادَتِ البشَرَ إلى البِرِّ. فإذا كان الموتُ بِخطيئَةِ إنسانٍ واحدٍ سادَ البشَرَ بِسبَبِ ذلِكَ الإنسانِ الواحدِ، فبِالأَولى أنْ تَسودَ الحياةُ بواحدٍ هوَ يَسوعُ المَسيحُ أولَئِكَ الّذينَ يَنالونَ فَيضَ النِّعمَةِ وهِبَةَ البِرِّ.
فكما أنَّ خَطيئَةَ إنسانٍ واحدٍ قادَتِ البشَرَ جميعًا إلى الهَلاكِ، فكذلِكَ بِرُّ إنسانٍ واحدٍ يُبَرِّرُ البشَرَ جميعاً فينالونَ الحياةَ. وكما أنَّهُ بِمَعصِيَةِ إنسانٍ واحدٍ صارَ البشَرُ خاطِئينَ، فكذلِكَ بِطاعَةِ إنسانٍ واحدٍ يصيرُ البشَرُ أبرارًا "(رومه 5 / 12 – 19)، وهنا فإن التساؤل هو عن قيمة العدل الحقيقية في هذا الحكم القاسي بأن يتحمل العالم كله نتائج خطيئة رجل واحد ؟ أو أن تتحمل سلالة هذا الرجل هذه النتائج رغم أنها حتى لم تستشر في هذا الجرم ولم تساهم في فعله بأي قدر ؟
إن المسيحية في الواقع لا تقدم مشروعاً حقيقياً متكاملاً لهذا العالم وإنما تبدو فقط محصورة داخل إطار يسعى جاهداً لاكتساب مظهر ملائكي ومتعال بشكل متعجرف أحياناً عن البشرية والإنسانية .
في المقابل فإن المذاهب الإسلامية لا تقدم أيضاً مشروعاً ممتداً بقدر ما تعبر عن مشروعات كانت صالحة لفترة زمنية ما، ومع انتهاءها فقدت هذه المذاهب جاذبيتها ولعلنا نلاحظ أن بعضها أنقرض كذلك كالمعتزلة، المرجئة، والموحدون أو أصبحت محصورة في نطاقات ضيقة، كالزيدية، الإباضية، والإسماعيلية، ويبقى المذهب الشيعي الإثنى عشري هو فقط الذي اكتشفت أنه يمتلك مشروعاً متكاملاً ومترابطاً غير قابل للتجزئة .
إن النتيجة التي حصلت عليها من خلال هذه الدراسة للطوائف والمذاهب والديانات ليست البحث عن التفاصيل الخاصة بكل ديانة أو مذهب كأحكامها الخاصة بالصلاة والطلاق والزواج على سبيل المثال، والتي تتغير النظرة إليها وأساليب فهمها وتفسيرها بتغير الأوضاع الحضارية للعالم، وإنما البحث عن المشروع الذي تقدمه، ومدى تناسقه وتكامله كمشروع يسعى لمنح العالم الخلاص سواء في الأرض أو في السماء .
لقد نقلت المرويات عن الإمام علي بن أبي طالب(ع) بعض الأسس للبحث عن الحقيقة وخاصة كلمته : " إن الحق والباطل لا يُعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله "(اليعقوبي ص 210)، وربما يكون ما يقصده الإمام http://www.m-alhuda.com/images/smilies/p2.gif ليس الحق كفكرة فقط بقدر ما يشير أيضاً إلى اكتشاف الوسيلة والمعيار الذي يلجأ إليه الإنسان للتوصل إلى الحقيقة، وهذه المقولة ساهمت كثيراً في أن أبحث عن ملامح مجتمع آخر وشخصيات أخرى تعد مهملة أو شبه مهملة لدى الكثير من المصريين والسنة عموماً، كأبو ذر الغفاري، سلمان الفارسي، عمار بن ياسر، مالك الأشتر، ميثم التمار ... الخ بل أن معظم شخصيات أئمة أهل البيت(ع) تعد مجهولة بالنسبة للسُنة باستثناء الأئمة الأربعة الأوائل، بل أن مثقفي السُنة معلوماتهم مشوشة للغاية تجاه هذه الشخصيات، وثمة حجة جاهزة لتبرير هذا الجهل المتعمد فالاهتمام بأهل البيت مدخل للتشيع ويمثل دعماً لدعاوى الرافضة، ولم يبد التيار السلفي اهتماماً بأهل البيت إلا عندما اكتشف أن تجاهله لهم هو بمثابة انتحار إعلامي بعد أن وضعته ثورة الاتصالات الحديثة في موقف محرج للغاية وكان التساؤل المُلح لدى بعض المسلمين المتأثرين بالفكر السلفي إذا كان أهل البيت أبرياء من الشيعة وممارساتهم فلماذا يتجاهلهم السلفيون ؟ ولم تكن الإجابات الجاهزة مقنعة جداً بالنسبة لهؤلاء .
هذه الشخصيات وتراثها كانت المجتمع البديل الذي اكتشفته بعد الانفلات عن المجتمع الأول، إلا أن التميز الحقيقي أنه لا مجال لأيقونات جاهزة في هذا المجتمع الجديد، ورغم جعجعة السلفيون بأن التشيع يحول الأئمة لآلهة مصغرة بما يعتقده فيهم من عقائد كالعصمة والولاية التكوينية، فالواقع أن التشيع بما يفرضه من على أتباعه من مسئولية البحث الفردي في العقائد ورفض التقليد والتوارث في هذا الجانب الروحي لا يسمح بأي قدر من التأليه لأحد، فالإمامة بعناصرها تحتاج لاستدلال عقلي وروحي بالنسبة للمكلف بحيث يكون إيمانه حالة خاصة ناتجة عن قناعات شخصية، ولعل الدليل على هذا التصور هو تعدد الرؤى الخاصة بأهل البيت في الأوساط الشيعية ما بين الاعتقاد بولايتهم التكوينية المطلقة، أو الاعتقاد بكونهم تجلي مادي للحكمة والنور الإلهي، ويتدرج الأمر حتى الاعتقاد لدى البعض بقابليتهم للسهو وعدم تعارضه مع العصمة عند الشيخ الصدوق (ره) .
إن هذه الاختلافات ظاهرة صحية بالتأكيد في الوسط الشيعي فهي نتاج مباشر للوعي بالمسئولية الشخصية التي يُحملها التشيع للفرد بكل حرية، وهي تعبر عن ثقافته وخبراته وأيضاً اطمئنانه الروحي، ولا توجد قابلية أبداً لأن تكرر جموع جماهيرية شيعية كبيرة أفكار عقائدية موحدة بشكل ممسوخ بما لا يسمح للإنسان بأي طرح أو تصور كما يطمح التيار السلفي في تحقيقه .
ويبدو تميز المذهب الشيعي أنه وعلى الرغم من قدرته الضخمة على الحشد الجماهيري لأتباعه الذي أتاحه له تراث من الحركة التاريخية والحضارية والعرفانية، فإنه على الجانب العقائدي يقوم بالأساس على الخصوصية الإنسانية التي تُعد في هذا الجانب مُقدسة للغاية .
لقد كان المجتمع الأول تجارياً/إقطاعياً بكل صوره بما يمارسه من حالة وصاية وتغييبية وحصار على حرية التفكير وحركة الذهن البشري في القضايا التي قد تضر بتواجده ومصالحه بشكل غير مباشر عن طريق خلق شبح وهمي يؤدي بالإنسان إلى التوصل لنتائج محددة سلفاً خوفاً من فقدان الإيمان، وهذا ما تلجأ إليه كذلك القوى الرأسمالية حالياً في أوروبا وأمريكا تجاه القضايا المماثلة التي ترتبط كذلك بسيطرتها على مجتمعاتها، في حين يبدو تنوع المجتمع الثاني مرتبطاً بكونه مجتمع كادحين يقوم على رفض الاستغلال والانتهازية الفكرية والاقتصادية .
إن ترسيخ شرعية التناقض بين الممارسة الدينية والممارسة الحياتية في الرؤى الدينية المخالفة للمذهب الشيعي سواء داخل الإطار الإسلامي أو في الديانات الأخرى كالمسيحية، تعد أحد المظاهر الواضحة للدين عموماً والتي تثير العديد من الانتقادات، فلا مشكلة أن يكون هارون الرشيد ظالماً يقتل الناس بلا معايير حتى لو كانوا من أهل البيت(ع)، أو يقوم بالاستئثار بكل هذه الثروات بلا عمل سوى كونه وبلا أي رأي لهذا الشعب تولى إمارة المؤمنين بوصية من والده، مادام يحج سنة ويغزو سنة كما يصلي يومياً ألف ركعة، كما لا توجد مشكلة حقيقية في المذابح التي ارتكبت بحق المخالفين للبابوات باسم المسيحية كما حدث للفيلسوفة المصرية السكندرية هيباشيا وأتباع آريوس، أو إجبار شعوب عديدة على اعتناق هذه الديانة مادام هؤلاء البابوات مترهبنون وملتزمون باعتزال الحياة للحاق بالمسيح في ملكوته، وهنا يتساءل الإنسان العادي ما هي قيمة التقوى بلا عدل ؟ لكن بالنسبة لهذه النماذج فإن التناقض بين الميزتين يمكن جمعه لدى الإنسان بشكل ديالكتيكي إذا ما اقتنع المؤمنون عموماً أن العدل ليس أحد ضروريات الإيمان، أو أن ممارسات هارون الرشيد والبابوات لا تدخل أصلاً في دائرة الظلم فهي في مواجهة كفار ومتهرطقون كهيباشيا والآريوسيين والشيعة، أو أنها اجتهاد خاطئ له أيضاً قدر من الثواب، وهكذا يتحول الظلم بشكل هزلي إلى مجال للحصول على الثواب كذلك .
لقد رسخت هذه التصورات للدين حالة الانتهازية في التعامل مع الدين لدى المؤمنين باعتبارها ممارسة صحيحة، فلا ضرر من المشاركة في تأييد قوانين ترسخ نهب حقوق العمال، أو السلبية في مواجهة الظلم الواقع على الفلاحين من قبل الدولة الديكتاتورية إذا كان الإنسان سيحصل على ثلاثين حسنة في قراءته لكلمة " الم " من سورة البقرة، أو أن نهايته سوف تكون مع المسيح في عالمه العلوي لأنه مؤمن بأنه أتى من أجل تخليصه وعزب من أجل غفران خطاياه، فهذه الحسنات يُغفر معها السيئات حتى لو أدت للقضاء على مصدر أرزاق العديد من الأسر الفقيرة، ولا يهتم هؤلاء بهذه الأشياء كثيراً فهي تنتمي للصراعات الدنيوية التي يعتقدون بكل عجرفة أنهم لا ينتمون إليها ويسعون لإقناع كل هؤلاء الفقراء بضرورة اعتزال الدنيا والاهتمام بأمر الآخرة بالصلاة والعبادة بحيث يصبح كل نظام ديكتاتوري مديناً لهم باستمراره أكثر مما هو مدين لقواته العسكرية .
إن هذه المفارقات تعد من الأسباب القوية التي دفعتني إلى التشيع الإثنى عشري كونه يقدم، عبر تفسيره للآيات القرآنية والمرويات عن النبي(ص)، إجابات مُقنعة وواقعية لإشكاليات التاريخ والتراث الإنساني عموماً، ليس عبر تبني رأياً محدداً وفرضه على أتباعه في كافة المجالات والفروع وإنما عبر ترسيخ خصوصية الفكرة العقائدية لدى الإنسان، في مقابل جماعية وشيوع التعامل مع الثروة داخل المجتمع الواحد، وهنا لا يخلط التشيع بين ما هو جماعي وبين ما هو خاص، بما يقهر خصوصية الفرد لصالح مجتمع أو يقهر جماعية مفروضة في سبيل التأكيد على مصالح خاصة بفرد واحد، لكنه فقط يمنح الخصوصية لما هو خاص، والجماعية لما هو عام وجماعي، وهي خاصية رغم سهولة صياغتها فإن كل التجارب البشرية تثبت بأنها ليست سهلة التحقق على الإطلاق .
إن الديانات والمذاهب والنظريات الفكرية والاجتماعية تقدم إجابات كذلك لبعض هذه الجوانب لكنها مصابة بنقاط ضعف تقلل من جدواها، لعل أهمها أن إجاباتها في الغالب ليست مُصاغة في نطاق مشروع متكامل بقدر ما هي إجابات فردية لمشكلات مؤقتة، أو لجوانب محددة من هذه المشكلات، ورغم أن هذا لا يقلل من أهميتها إلا أنه كذلك يحصرها في نطاقات جغرافية وزمنية معينة ومن غير الممكن التعامل معها خارج هذه النطاقات .
بالنسبة لي فقد قدم التشيع مشروع بديل متكامل له جاذبيته العرفانية والروحية المنطلقة من واقعية غير مختلقة أو عقلانية متكلفة، وشخصيات ورموز حافظت حتى الرمق الأخير على نقائها الثوري ولم تتناقض أو تقفز أبداً على مبادئها تحت أي مبرر أو مسمى .
لم أجد أهمية كبرى في أن استغرق بالبحث عن قضايا فقهية أو عقائدية فرعية مثارة حتى الآن كزواج المتعة أو ميراث البنت وتحريف القرآن، فالتداخل في هذه الآراء بين فقهاء وعلماء المذاهب الإسلامية يجعل من الصعب تحديد رأي المذهب الواحد في القضية الفقهية أو العقائدية، ورغم أن بعض هذه الآراء كانت مؤثرة في نظرتي السلبية المسبقة للمذهب الشيعي إلا أن سقوط المصداقية السلفية لدي دفعتني للنظر لهذه الآراء المطروحة بلا خلفيات مسبقة أو ثابتة يقاس عليها شرعية الآخر في حين تحتاج هذه الخلفيات ذاتها لمن يمنحها الشرعية .
لقد كانت الطريقة التي تعاملت بها مع هذه القضايا الجزئية تعتمد على البحث في موقعها ضمن المشروع المتكامل للتشيع وموقعها ضمن المشروعات المقابلة، وبالتالي فإن التفسير الحقيقي – بالنسبة لي - لثبات الشيعة على حلية زواج المتعة طوال هذه القرون إنما يرتبط بأحد أساسيات المذهب والتي تقوم على الحد من سيطرة المجتمع الأبوي على الأسرة، وبالتالي فإن قيام عمر بن الخطاب بتحريم هذا الزواج في فترة خلافته هو محاولة للإبقاء على تقاليد هذا المجتمع الذي يقيم الكثير من الحواجز حول العلاقات الجنسية حتى لو كانت شرعية، ويلاحظ مثلاً رغم أن موافقة المرأة على الزواج شرط أساسي في الإسلام لمشروعية الزواج فإن هذا الشرط كان متجاهلاً تماماً طوال فترات طويلة في المجتمع المصري السني الأرثوذوكسي(*)، وربما مازال متجاهلاً حتى الآن في بعض مناطق الصعيد والريف المصري .
لم أتوقف كثيراً عند الاستدلالات المتعددة على الآيات القرآنية والنصوص النبوية حول الإمامة كذلك، ورغم أنها كانت بالنسبة لي متضافرة وواضحة بشكل كبير ولا تحتمل كل هذا التنوع في التفسيرات إذا وضعت في سياقها التاريخي بلا فواصل بين مقدماتها ونتائجها وبلا أي محاولة للتبسيط المتعمد، كما لم أحتج إلى وقت طويل للاقتناع بمصداقية عقيدة الإمام المهدي(عج)، فكلتا العقيدتين متناسقتين للغاية مع المشروع الشيعي عموماً .
إن النقد الأساسي الموجه لعقيدة الإمامة وهو اختزال المشروعية في إطار الأئمة الإثنى عشر بشكل ديكتاتوري يعد نقداً ساذجاً للغاية خاصة مع محاولته استخدام الأدوات والمصطلحات الليبرالية الغربية كالديمقراطية والديكتاتورية، والتي نشأت بعد هذه الحوادث بقرون مع بداية سقوط الإقطاع وصعود البرجوازية للسيطرة على الوضع الاجتماعي، والواقع أن الفكرة السنية والزيدية عن الإمامة هي التي يمكننا أن نصفها نوعاً وليس بشكل كامل، بهذا الوصف فهي تحصر الاختيار في داخل قبيلة أو عشيرة محددة بلا مبرر سوى انتماؤهم القبلي والعشائري، سواء كانت قبيلة قريش أو السلالة العلوية الفاطمية، في حين تقوم الإمامة عند الإثنى عشرية على النص بغض النظر عن قبيلة أو شخصية المنصوص عليه، وكون المنصوص عليهم من أنباء علي وفاطمة عليهما السلام فهذا يخضع للإرادة والاختيار الإلهي – حسب التصور الشيعي - وليس للوراثة التي تبدو من عناصر المجتمع الإقطاعي البعيد للغاية عن الفكرة الشيعية .
إن تقاليد الوراثة تقوم بالأساس على أولوية الابن الأكبر بمكانة وثروات الأب، وهذه الفكرة متناقضة أصلاً مع التشريعات الإسلامية التي تساوي بين الأبناء في الميراث المادي ذاته، والملاحظ في سيرة الأئمة الإثنى عشر أن الإمامة لم تكن على الدوام من نصيب الابن الأكبر، كحالة الإمام موسى بن جعفر الكاظم.
أن حصر النص بالأئمة الإثنى عشر كانت له أسباب عملية أخرى، فأتباع هؤلاء الأئمة كانوا من بين أبناء الطبقات الكادحة وصغار التجار، ونادراً ما انضم أحد الإقطاعيين إلى المذهب الشيعي بتعاليمه المعادية لمصالح طبقته، وبالتالي فإن حصر الشرعية والعصمة في إطار أئمة أهل البيت عليهم السلام كان موقفاً مانعاً من تداخل شرعيات أخرى مزيفة تقوم بحرف مسار هذه المبادئ وإعادة تشكيلها بما يخدم الطبقات المُستَغِلة التي تسعى لاختراق أي مبدأ يصطدم بمصالحها وسعيها لاحتكار الثروات، وما يُلاحظ بين أبناء المذهب السُني وغيره من المذاهب الإسلامية من رؤى سياسية واجتماعية متضاربة ناتج عن عدم تحديد مصادر الشرعية ومسئولية التبليغ عن النبي(ص).
إن هذا التعدد الذي يحلو لبعض المثقفين السنة تسميته بالديمقراطي أو الليبرالي أدى لإفراغ الدين الإسلامي من حقيقته الثورية المناصرة للمستضعفين وجعله مجالاً مفتوحاً للإقطاع وطبقة كبار التجار لتحريف مدلولاته كي يتحول إلى ديانة سلبية وأداة لقمع الكادحين والإبقاء على سياسة التمايز الطبقي، وهي نفس الأغراض التي كانت الطبقات البرجوازية في أوروبا تسعى إليها في تطبيقها للنهج الليبرالي، مما دعا كارل ماركس للسخرية من هذه الديمقراطية التي تختزل الصراع ما بين الرأسماليين الكبار الذين يملكون الإمكانيات والمال ووسائل الدعاية والضغط بحيث لا يصبح هؤلاء الكادحين سوى رقم صغير في المعادلة السياسية المحسومة مسبقاً لصالح الرأسمالي الأكثر قدرة على التعامل بانتهازية معهم.
لقد كانت عقيدة النص بالإمامة من قبل الله تعالى ثم تبليغ النبي(ص) تهدف في أحد جوانبها إلى حماية الدين الإسلامي من أي تحريف لمساره وحصر الشرعية في الشخص القادر على هذه المهمة وليس وضع المؤمنين في إطار قمعي، فالواقع أن الوسط الشيعي في عهد الأئمة وعقب الغيبة الصغرى كان هو الأكثر نشاطاً من الناحية العلمية والفلسفية، والأكثر طرحاً للأفكار والرؤى حول الدين والفلسفة ووضع ولاية الأئمة عليهم السلام.
وفي نفس الإطار يمكن النظر إلى عقيدة الشيعة عن الإمام المهدي(عج)، فهي وعلى غير ما يشيع بعض أتباع المذاهب المخالفة – مع الاحترام لهم – أكثر معقولية من المعتقدات المخالفة حول المخلص .
إن السنة والشيعة الزيدية يؤمنون بالمهدي الموعود بلا تصور محدد، وثمة خلافات بين السنة حول نسبة سواء للعباس بن عبد المطلب أو للإمام علي بن أبي طالب http://www.m-alhuda.com/images/smilies/p2.gif، وعلى فرض نسبه العلوي وهو الاحتمال الأكبر هل هو من نسل الإمام الحسن أم من نسل الإمام الحسين عليهما السلام ؟ وهذه الاختلافات هي في الواقع ثانوية للغاية وإن أدت إلى تشويش المعتقد وتغييبه بشكل أكبر، إن التساؤل الحقيقي هو كيف سيقوم الإمام المهدي بخلاص العالم ؟ في حين أنه بالأساس من نتاجات هذا العالم في ثقافته وصراعاته، فهل سيكون ملهماً أم يتلقى وحياً ؟ هل سيكون معصوماً أم مسدداً بلا إرادة منه ؟ لا إجابات أو تصورات على هذه التساؤلات، وهذا العجز في الإجابة عند بعض السلفيين دفعهم لرفض فكرة وجود الإمام المهدي http://www.m-alhuda.com/images/smilies/p2.gif أصلاً متجاوزين لكل هذه المرويات الصحيحة عنه بلا سبب تقريباً سوى أن هذه العقيدة كانت مدخلاً لكل من المدعين والدجالين.
والواقع أن المهمة الوحيدة المناطة بالمهدي عند السنة والزيدية هي إفناء على المعتقدات المخالفة ولا شيء آخر عن العدالة الاجتماعية والقضاء على الاستغلال الطبقي.
إن التصور الإثنى عشري هو الأكثر تحديداً في هذه العقيدة، فهناك تصور واضح لشخصية الإمام المهدي http://www.m-alhuda.com/images/smilies/p2.gif وصفاته ودوره المكلف به والذي لا يهتم فقط بالإجابة على التساؤلات العقائدية وتصحيحها بقدر ما يمتد دوره بصفة أساسية إلى القضاء على الفروقات الطبقية والظلم الاجتماعي والإجابة على التساؤلات الفلسفية، وذلك بناء على كونه يحمل امتداداً مباشراً بالأئمة المعصومين السابقين عليه .
إن العمر الطويل للإمام المهدي(عج) في المعتقد الإثنى عشري ليس أسطورة بقدر ما يكون اطلاع مهدي على الحقيقة بعد هذا الانفصال الطويل زمنياً وعلمياً عن العصر الأول محالاً تقريباً، ويبدو من غير المفهوم أن يقوم رجل من نتاج هذا العصر بكافة سلبياته بدور المهدي إلا لو كان نبياً وهذا بالضبط ما أدركته الحركات المدعية للمهدية الجديدة بناء على تصور أن المهدي الموعود يجب أن يكون نبياً في إطار الشريعة الإسلامية على غرار أنبياء الكتاب المقدس وهذه هي معتقدات الطائفة الأحمدية المشهورة باسم " القاديانية " والتي نشأت في الوسط السني بالأساس.
إن الإمام الثاني عشر يحمل هذا الاتصال بعصر النبي(ص) عبر أجداده من الأئمة وعبر عصمته كإمام، كما أن معاصرته لكل هذه التطورات اللاحقة على عصر الغيبة الكبرى تمثل إضافة أخرى إلى هذه الخصائص حيث تتوحد لديه الخبرة الذاتية مع العصمة والعلم كموهبتين من الله للإمام(ع)، مما يجعل مهمة الإمام الحجة أو المخلص أكثر مصداقية من إمام غير معروف المواصفات أو محدد المهمة سوى في القضاء على الآخر مهما يكن مستكبراً أو مستضعفاً !!
إن العقائد الشيعية بهذا الشكل تبدو متناسقة ومتضافرة في إطار صيغة متكاملة، بما يعني كونها ذات جذور وأسس ثابتة وواضحة وليست مجرد تطورات مرحلية مرتبطة بردود أفعال على أوضاع سياسية أو اجتماعية معينة، وهكذا كانت المذاهب الأخرى، فالخوارج تأسس مذهبهم في عهد الإمام علي http://www.m-alhuda.com/images/smilies/p2.gif، ومهما حاول بعض مؤيدوهم الإيحاء بأن رؤيتهم مستمدة من الكتاب وسنة النبي(ص) فالواقع أنها لا تعدو أن تكون رداً على احتكار القرشيين المضريين للحكم وتعبيراً عن رغبة القبائل التميمية واليمنية تحقيق قدر من الاستقلال الذاتي وفرض رؤيتها للدين على أرض الواقع.
أما السُنة فقد تشكلت رؤيتهم الفقهية والسياسية في العصر العباسي مع افتقاد تام للرؤى الفلسفية والعرفانية، في حين لم يكن هناك مذهب محدد بهذا الاسم في المرحلة الأموية، وكانت هذه الرؤى الفقهية والسياسية المتعددة هي تعبير عن مصالح أجهزة الحكم المتغيرة والمجتمع الذي أرادت فرضه على العالم الإسلامي.
إن التشيع هو المذهب الوحيد الذي صيغت رؤياه للدين منذ وفاة النبي(ص) عندما أصبح هناك صراع وتفسيرات متعددة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، في مناقشة بيني وبين أحد أصدقائي من اليساريين أكد لي أن أفكار كالعصمة والرجعة والبداء وحتى الإمامة لم تكن تدور في خلد العلويين سابقاً، وأنها نتاج التداخل الحضاري والتقدم العلمي في العهد العباسي، وفي المقابل فشل في الإجابة على سؤال عن سبب تولية الشيعة في الكوفة الخلافة والإمامة للإمام الحسن بن علي(ع) عقب استشهاد الإمام علي بن أبي طالب(ع)، ثم خضوعهم لإمامة الإمام الحسين بن علي(ع) عقب استشهاد الإمام الحسن(ع)، وفي كلا الحالتين كان يوجد في الوسط الشيعي شخصيات شيعية لها وضع قبلي وخبرات تمكنها من القيادة إذا لم تكن تؤمن بالإمامة بما تقتضية من ضرورة النص وما تحتاجه من توافر إمكانيات ومواهب خاصة لدى الإمام، لم يجد صديقي اليساري إجابة سوى التعلق بأن قدسية الانتساب لعلي بن أبي طالب هي المسيطر على العقليات الشيعية وبالتالي فإنهم اعتقدوا بإمامة محمد بن الحنفية رغم عدم انتسابه للنبي(ص) وهذا مخالف لنظرية الإمامة عند الشيعة !!! ورغم وجاهة احتجاج صديقي اليساري الذي لجأ إلى كتب الفرق السنية والشيعية للحصول على هذه الحجة، فالواقع أن كل الشخصيات التي أشير لها بصفتها ممن دعا لإمامة محمد بن الحنفية هي شخصيات إثنى عشرية كالمختار بن أبي عبيد والطفيل بن عمرو الذين قاموا بالثورة على الأمويين طلباً لثأر الحسين(ع) والدعوة لمساواة العرب والعجم في الحقوق المدنية، بالإضافة إلى بنان بن سمعان وحمزة بن عمارة البربري (الأمازيغي) والمغيرة بن سعيد (من أصول زنجية) الذين قادوا ثورة الوصفاء في الكوفة تحت شعار (لبيك يا جعفر) للمطالبة بتولي الإمام جعفر بن محمد الصادق للإمامة ورغم ذلك اعتبرت هذه الشخصيات كيسانية تدعو لإمامة محمد بن الحنفية، ولم يجب صديقي على هذه الاستدلالات الأخيرة.
لقد سعت كتب الفرق إلى محاولة إيجاد وسيلة ومبرراً شرعياً لتولي العباسيين للخلافة ولم يكن هناك وسيلة سوى الادعاء بأنهم ورثوا الإمامة بوصية من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية(رض)، في حين لا يوجد ما يثبت أصلاً أن محمد بن الحنفية أو ابنه أبو هاشم قد ادعيا الإمامة، إلا أن كل هذه الفرق المبكرة مع كونها مختلقة ومزعومة لكنها تشير بوضوح إلى أن عقائد كالإمامة والرجعة والوصية والبداء كانت متداولة منذ المرحلة الأولى في التاريخ الإسلامي ولم تظهر نتاج تطور عقائدي في العصر العباسي، أو نوع من التداخل بين العقائد الإسلامية وعقائد الديانات المجاورة لها كالزرادشتية والمسيحية واليهودية.
إن قصة المعراج كما يرويها أهل السنة في مدوناتهم تتشابه كثيراً مع قصة معراج زرادشت إلى السماء لتلقي الشريعة من (أهورامزدا)، وهنا فإنه من غير الممكن الادعاء بأن الإسراء والمعراج هي أسطورة مأخوذة من الزرادشتية لمجرد هذا التشابه، كما لا يمكن اتهام كارل ماركس بسرقة نظريته الأساسية في الاشتراكية العلمية حول فائض القيمة من الكاتب البريطاني وليم تومسون لمجرد أن أفكارهما تشابهت في بعض النقاط حول هذه المشكلة التي تشكل الأساس في الربح والاستغلال الرأسمالي.
إن الدعاوى التي تسعى لإيجاد أصول العقائد والأفكار الشيعية في الديانات السابقة على الإسلام لم تثر في داخلي أي شك تجاه التشيع بقدر ما أثارت لدي قدر كبير من السخرية حول هؤلاء الذين يرغبون في تشويه التشيع فيقومون بترسيخه وجعل أفكاره وطروحاته ذات امتدادات داخل التراث الإنساني أكثر عمقاً مما تبدو، فالمعتقد هو إجابة عن أرق إنساني بالأساس، ويبدو من الواضح أن عقيدة كالرجعة تنتمي بصلة إلى تساؤل الإنسان عن العدل في المرحلة الدنيوية كأحد ضرورات القضاء على بعض المعتقدات التبريرية عن طريق إظهار حقيقة مؤسسيها وإسقاط ما لهم من قدسية زائفة، وهذه التصورات لا تحتاج لانتماءات دينية يهودية أو زرادشتية بقدر ما تحتاج للوجود الإنساني عموماً والذي يتوجه بتساؤلات تحتاج لإجابات، وفي هذا الشأن فإن السلفيين الذين تتشابه عقيدتهم في التجسيم مع بعض الآيات التوراتية وخاصة الحديث : " خلق الله آدم على صورته "، المنقول نصاً عن الآية الأولى في الإصحاح الخامس بسفر التكوين، يفسرون هذا التشابه بأن التوراة كتاب سماوي وبالتالي من الطبيعي أن يحدث تشابه بينها وبين معتقداتهم الإسلامية حيث أن التوراة ليست كلها محرفة، أما العقائد الشيعية المتهمة بهذا التشابه فهي تنتمي للجانب المحرف من التوراة وهي مدسوسة لإفساد نقاء العقيدة الإسلامية، وهذا التفسير الطريف من المفارقات السلفية المتعددة والتي غالباً ما تثير السخرية في نفوس المخالفين لهم من العلمانيين واليساريين وحتى الصوفية.
اعتقد إن وعي الإنسان بمراحل تعامله مع تساؤلاته عن العقائد والأفكار وما ينتج عنهما من أفكار وخبرات ونتائج يسمح له بقدر كبير من المصداقية في اعتناقه لمبدأ أو فكرة جديدة، اعتناق ناتج عن حالة معرفية كاملة وليست مجزأة أو بناء على تشابهها مع معتقداته القديمة، ومما يؤسف له أن الكثير من المستبصرين يعتنقون مذهب أهل البيت(ع) بناء على اكتشافهم لمصداقية الشيعة في القضايا التاريخية والفقهية متجاوزين لانجازات المذهب في الفلسفة والعرفان والفن، فهم لا ينظرون إلا للجانب المتوافق مع سلفيتهم السابقة، وبالتالي فدرايتهم بالمذهب تظل قاصرة وغير متكاملة.
abou 3adal
30-11-2007, 10:40 PM
متى يدرك الانسان أنه تحول لفكرة بديلة ؟
لا يمثل قرار التحول في لحظات تحقق الانفلات من المعتقدات الأولى، واكتمال حالة القناعة والاطمئنان تجاه المعتقدات الجديدة أكثر من النية لهذا التحول الذي يُدخل الإنسان في نطاق تيه تتضارب فيه ولاءاته ما بين المعتقد الوافد المتعارض مع الأسس الاجتماعية المحيطة وبقايا المعتقد القديم التي تظل راسخة لفترة .
إن الانتقال في مراحله الأولى يتم بشكل مظهري لحد كبير، فمازالت طرق التفكير وتلقي الاسهامات التراثية للآخر لم تتغير كثيراً، لقد مارست بالتأكيد عملية التحول في الشعائر وتغيرت مظاهر الصلاة وصيغة الآذان، إلا أن المتحول حديثاً يجد نفسه مضطراً إلى تجاوز كل التعاليم الاخلاقية لأهل البيت تحت ضغط رغبته الداخلية في الثأر من كل المظاهر والمقدسات السابقة والتي اكتشف أخيراً مدى زيفها، وهنا فإنني ورغم سخريتي اللاذعة من كل ما هو سني سواء شخصيات أو أحكام فقهية كنت في الواقع أكثر ولاء للأساليب السلفية في نقد الأفكار المخالفة .
إن كل تفاصيل الحياة البسيطة تُختزل في عين المتحول داخل إطار هذا الصراع ما بين المذهب القديم والمذهب الجديد، وفي كل جلسة تجمع ما بين المتحولين إلى التشيع فإن السخرية من المذهب القديم وأحكامه تكون الموضوع الرئيسي ومجال التندر الوحيد الذي يطرح طوال ساعات المناقشة، لقد كان هذا الصراع داخلي مختلق تماماً وبلا أي داع، فالأسرة التي انتمي إليها وعائلتي الكبيرة وهؤلاء الأصدقاء المتعددين الذين علموا بتحولي كلهم من السُنة لم يسوؤهم أن يكون لي مبدأ مختلف وتقبلوا هذا التحول بصدر رحب وبلا أي تغير في جوهر التعامل في الوقت الذي لم أتقبل أنا عدم قناعتهم بمبدأي الجديد بنفس هذه الرحابة، وكان هذا الاكتشاف المحزن بالنسبة لي بداية لاهتمامي بالتراث الأخلاقي والعرفاني للأئمة ومحاولة التوقف عن استخدام المذهب كمبرر لكم العداوات التي أشعر بها تجاه الآخر .
ان اهتمامي بتراث أهل البيت في الأخلاق والعرفان مثلا اكتشاف جديد بالنسبة لي أكثر عمقاً من مجرد الخلافات الفقهية، وربما للمرة الأولى أتعرف على حقيقة أن الحكمة والمعرفة ليست حكماً على أحد أو في نطاق دين واحد، وإن كانت بالتأكيد أكثر اكتمالاً لدى الدين الإسلامي عن الأديان الأخرى (من وجهة نظري)، وبالتالي فالأفكار والاسهامات البشرية الأخرى تستحق دراستها بإمعان والاستفادة من قدر الحقيقة التي توصلت إليها ... كان تغيراً أكثر عمقاً وقيمة في منهج التفكير والتعامل مع الآخر بشكل عادل ورؤية اسهاماته بموضوعية أكثر .
إن المرحلة الأخيرة إنما تعبر عن التحول الحقيقي تجاه مذهب أهل البيت بعد استكشاف كافة اسهاماته الفكرية، بحيث يتكون للإنسان رؤية محددة حول هذا التراث بعيداً عن إيجاد خصومة أو مصالحة مفتعلة بينه وبين تراثيات أخرى، وهنا فإن التحول لأي مذهب هو بالضبط رؤية فلسفية للعالم عبر شخصيات الأئمة كما يؤكد البكتاشيين (نسبة لمولانا حاجي بكتاش ولي)، حيث يتحول كل إنسان إلى صورة أخرى من الإمام علي ، ولا تقوم هذه المقولة على الحلول والاتحاد وإنما تشير فقط إلى أكبر قدر من الاستكشاف والاستفادة من تراثيات أهل البيت لدى الموالين لهم .
إن الادعاء بالتحول يتطلب أرقاً أكبر كثيراً من مجرد البحث في خلافات الطوائف والأديان، وإنما هو بالأساس أرق يرتبط بالوجود الإنساني في هذا العالم وتساؤلاته، وهنا فإن ارتقاء مستوى هذه التساؤلات هو ما يسمح للإنسان بالتحول الحقيقي أثناء بحثه عن إجاباتها حتى يصل أخيراً إلى مستوى تساؤلات لا ترتبط إجاباتها بالتناقضات المادية المطروحة ولم توردها التراثيات الإنسانية بحيث يشعر تماماً للمرة الأولى بحقيقة افتقاده لشخصيات الأئمة والمعنى الحقيقي للغيبة الكبرى .
لا يشعر السلفيون بافتقاد حقيقي للنبي أو الصحابة كأبي بكر أو عمر بن الخطاب رغم كل هذا الصراخ عن مجتمعهم الملائكي الأول وسعيهم الحثيث للتخلق بأخلاقهم من أجل عودة هذا المجتمع مرة أخرى، فالواقع أن أكثر ما يطلبونه هو تطبيق بعض البنود التي تخدم مصالحهم الذاتية أكثر مما تعبر عن مجتمع الصحابة، فيجب على الرجال ارتداء الجلباب والسروال وعلى النساء إرتداء النقاب ومقاطعة الأزياء الحديثة التي تصنع في الخارج بالأساس بكميات ضخمة تفوق قدرتهم على منافستها، وبالتالي فإن محاربتها دينياً أسهل كثيراً في مشروعهم لاحتكار الأسواق عن طريق احتكار الأفكار الدينية في مجتمعات متدينة بشكل تقليدي .
إن هؤلاء يعتبرون بكل عجرفة أن كل الإجابات التي تؤرقهم قد أجيب عنها، ولا يؤرقهم سوى كيفية كسب المال وانفاقه والزواج والطلاق ....الخ فهم إذن ابناء أوفياء لهذه الحياة رغم حديثهم المبالغ فيه عن الآخرة .
في المقابل يفتقد الشيعة شخصيات المعصومين بشكل حقيقي في كل حركة يلحظونها بهذه الحياة، الفقراء يفتقدون العدل الذي نادوا به والمثقفين يفتقدون العدل والإجابة عن تساؤلات أخرى تضطرم في أذهانهم حول الدين والوجود، ويبقى جزء أخير من المنتمين إلى التشيع إجتماعياً قادرين فقط على الجعجعة حول قدسية أهل البيت في حين لا يشعرون في الواقع بأي افتقاد لهم، فهم يظنون انهم امتلكوا كافة ما يحتاجونه منهم، ولا تدل سلوكياتهم على أي التزام أو معرفة حقيقية بهم .
إن هذه المجموعات هي التي تناولتها مسرحية الإمام المهدي (عج) التي عرضها الطلاب في طهران، ورغم الاستغلال السلفي السيء والمزيف لهذه القضية بحيث يبدو أن الطلاب يتنكرون لهذا المعتقد فإن المسرحية لم تهدف أبداً لهذا الاتجاه وإنما سعت للكشف عن حقيقة المتاجرين بالإمام المهدي (عج) وحقيقة إيمانهم به .
تتناول هذه المسرحية القصيرة في مشهدها الأول أحد الشباب الذي يواجه صعوبات حياتية كما يستعد لاجتياز امتحان قبول في الجامعة، ومع شكواه الدائمة من هذه الصعوبات يتمنى أن يظهر الإمام المهدي كي يخلصه ويخلص العالم من هذه المعاناة، وفي أثناء تمنياته يلتقي فعلاً بالإمام المهدي الذي يحدد معه يوم الخروج ويطلب منه أن يكون جاهزاً في الموعد، لكن الشاب مع حماسه الظاهر وترحيبه يبدي اعتراض على هذا الموعد لانه يتعارض مع موعد امتحان القبول بالجامعة، ويطلب من الإمام تأجيله يوماً واحداً، وبالتأكيد يرفض الإمام هذا الطلب لأن الموعد محدد من قبل الإرادة الإلهية، ويتطور النقاش بشكل حاد فيقرر الإمام ترك الشاب الغير قادر على التضحية باختبار قبول في الجامعة مقابل خلاص العالم، وهنا يتهور الشاب ويندفع بغضب نحو الإمام حيث يتوقف المشهد في هذه اللحظة بشكل ذكي للغاية، وفي المشهد التالي يبدو الشاب منخرطاً في البكاء بمرارة حيث ينتهي المشهد بهذه اللقطة فقط .
إن هذه المسرحية تشير إلى أن الكثير ممن يصيحون طلباً للإمام المهدي (عج) غير قادرين على المواجهة الفعلية مع هذه اللحظة التي ستكلفهم تضحيات كثيرة وبالتالي سوف يتحولون فجأة إلى أعداء له، وذلك لأنهم بالأساس يختذلون العالم بذواتهم وهم في تصورهم لما يجب أن يفعله الإمام حين ظهوره لا يرون سوى حل مشاكلهم الخاصة دون أي مشاركة منهم أو تضحية بكماليات هذا العالم الغير ضرورية في جوهرها بالنسبة لحياة الإنسان أو ثقافته وإنما تعبر فقط عن وضع ومظهر اجتماعي، وهم بالتالي لا يفتقدون الإمام المعبر عن الحقيقة بقدر ما يفتقدون جني مصباح يحقق لهم أمانيهم الخاصة، فترديدهم لعبارة (يا مهدي ادركني) مع روعتها يظل بلا شعور تقريباً، في حين يبدو بعض المثقفين أكثر افتقاداً لهذه الحقيقة منهم، فكثير من المثقفين الوجوديين يؤمنون بشكل واثق بأنه ثمة إنسان مجهول يعرف كل شيء مختبئ في مكان ما من العالم وسوف يظهر في أي وقت يراه مناسباً، هؤلاء ليسوا شيعة رغم روحهم الشيعية وربما بعضهم ليس مؤمناً أصلاً لكنهم في المقابل يفتقدون الإمام (عج) بشكل حقيقي .
إن هذا الإدراك هو بالفعل المعنى الجوهري لكون الإنسان موالياً للمعصومين، حيث يدرك تماماً مع هذا اليقين أنه ليس المالك للحقيقة أبداً ولا الكاشف عنها أكثر مما فعل آخرين قبله وآخرين سيأتون فيما بعد، ولا يعدو دوره الاستفادة من التراثيات السابقة وإضافة تراثه الخاص لها، فلا داعي إذن لإسقاط الأزمات الشخصية فوق رؤوس الآخرين في صورة كراهية لهم أو تهكم على معتقداتهم بحثاً عن أي انتصار يستخدم خلاله المقولات المقدسة بشكل محرف ومنفصل عن واقعها وسياقها التاريخي لتوجيهها بشكل يبرر مشاعره الآثمة بحجة الحب في الله والبغض في الله كما يحلو للسلفيين صياغتها بكل غرابة، وفي إحدى المرات تساءل أحد الشباب المسيحيين في نقاش بينه وبين شاب سلفي، إذا كنت تكرهني لهذه الدرجة فما هو دافعك لدعوتي إلى دينك الذي تقول أنه الخير بالنسبة لي ؟ كان هذا التساؤل نتيجة طبيعية لكم التعالي والعجرفة التي تعامل بها الشاب السلفي معه ويبين سلبيات عقيدته طالباً منه الاستماع باحترام وخشوع دون أن يسمح له بالمثل .
إن بعض الأصدقاء قد يلاحظون للوهلة الأولى حجم تعاملي العنيف مع السلفيين في المناقشة وربما يظن بعضهم أن لدي كراهية خاصة لاتباع هذا الاتجاه، وهو ظن غير صحيح فكل ما أفعله هو أن أتحول إلى مرآة تجاه السلفي المتحدث، فهو حين يتلقى مني كلمات متعجرفة فإنما ينظر إلى عجرفته هو أو كراهيته هو، ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مؤلماً إلا أن الغرض الحقيقي منه هو أن يكتشف السلفي سلبيات أسلوبه عن طريق معاناته من هذه السلبيات بشكل واضح ومباشر بما قد يتيح له إعادة التفكير مرة أخرى بشكل علمي ومحايد .
خاتمة
إن تجربة التحول الخاصة بأي إنسان قد تعد تعبيراً عن رؤيته لنفسه وللعالم، أو تعبيراً عن رؤيته لنفسه فقط وهي درجة أقل كثيراً كونها مغرقة في ذاتيتها بحيث لا ترى سوى معاناتها الشخصية بلا أي وعي بكونها جزء من معاناة آخرين .
لقد شهدت من بين المتحولين في بعض من اعتنق مذهب أهل البيت كنتيجة مباشرة لمصالح شخصية متعددة ومتداخلة جعلتهم يقومون بتكييف معتقدهم الديني بحسب مقتضيات هذه المصالح، ومع انتهاء مرحلة الاستفادة من مذهب أهل البيت فقد رأوا أنه من الضروري القيام بتكييفات أخرى بما يناسب هذا التغير، فهم لا يرون في هذا العالم سوى مشاكلهم الشخصية التي يجب على أي معتقد أن يقوم بحلها كي يثبت جدارته بما لا يدع مجالاً للشك لديهم بغض النظر عن ما يحمله هذا المعتقد من قيمة للعالم .
هؤلاء هم أكثر الناس ضجيجاً وعداءً للآخرين، والأكثر استعلاء بتجربتهم في التحول كما لو كانوا قابضين على الحقيقة بأصابعهم، لكنهم أيضاً كانوا الأسرع انفلاتاً عندما أصبحت تضحياتهم الظاهرية بلا مقابل يستحق، فمعتقده الحقيقي ليس (الله) أو الدين والمذهب وهي مسميات يتلقاها بشكل اجتماعي بحت، وإنما ذاته هي المقدس والمحرم (تابو) لديه ويجب على هذه المقدسات الخارجية أن تكون متأقلمة معها أو على الأقل قابلة للتأقلم بشكل ما أو يرفضها كلية .
لا يمكن وصف هذا الأداء المشوه بالتحول لأي معتقد أو فكرة بقدر ما هو تغيير في المظاهر التي يتخذها في مواجهته للمجتمع كي يشعر بثقتة أكبر عبر تميزه الواضح، ومن الممكن أن نُطلق عليه إذن مجرد تغيير لكنه بالتأكيد ليس تحولاً بما تحمله هذه الكلمة من جذرية .
إن حالة الساعدة الغامرة بدخول متحول جديد إلى مذهب أو دين ما، وحالة التشنج التي تصيب أتباع هذا الدين حين يخرج منهم فرد إلى مذهب أو دين آخر ليست من علامات القوة أو الحماس الديني كما يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق حين يصف أهل الحق : " أهل الحق إذا دخل بينهم داخل سروا به ، وإذا خرج منهم خارج لم يجزعوا عليه ، ذلك أنهم على يقين من أمرهم ، وأن أهل الباطل إذا دخل بينهم داخل سروا به ، وإذا خرج منهم خارج جزعوا عليه ، وذلك أنهم على شك من أمرهم " (بحار الأنوار - 69 / 224)، وبالتالي فلا قيمة حقيقية لحالات قنص الأتباع المتبادلة بين أتباع المذاهب والديانات في العالم والتي لا تعبر عن قناعات مكتملة بقدر ما تعبر عن تماس مصالح بين المتحول والدين أو المذهب الجديد، ومع أن هذه المقولة تبدو مبالغة ومتطرفة فإن تجربتي مع بعض المتحولين تجاه مذاهب وديانات تخالف وسطهم الاجتماعي تشير لهذه الحقيقة حيث لا يعتمد معظمهم على دراسة حقيقية لمعتقدهم القديم بقدر ما يعانون من تبعات الرؤية المجتمعية السائدة له وهي بالكاد تعبر عن حقيقته، وهذا القنص لهذه النماذج المشوهة وغير المكتملة لا يقوم به سوى المستفيدين من الديانة أو المذهب حيث يعد مصدراً لتكثير عدد الأتباع والنفوذ وهو إذن تسجيل لنقطة في مرمى الآخر، فالأديان والمذاهب بالنسبة لهذه النماذج ليست وسائل اتصال بالله وإنما هي وسائل تكسُب لتحقيق مصالح وأيضاً وسائل كسب نفوذ وبسط سيطرة، وهنا من الممكن تفهم أسباب حماس فرنسا العلمانية لنشر المذهب الكاثوليكي أو حرص بريطانيا على نشر نفوذها عبر التبشير بالمسيحية الإنجيلية في مستعمراتها الإفريقية والآسيوية .
إن الفائدة الأساسية التي حصلت عليهم من تجربة التحول هي الالتفات لأهمية مراقبة ونقد تجربتي الشخصية للتعرف على حقيقة مكتسباتها كما روي عن الامام علي بن أبي طالب : " من عرف نفسه فقد عرف ربه "(بحار الأنوار: 2 / 32، باب 9، ح 22)، وهي الفكرة الأساسية للعرفان الإسلامي بعيداً عن التصور الأخير لهذه التجربة والذي يجنح إلى الرهبنة واعتبار كل ما هو غير معقول أو هلامي عرفاناً، وكل من يتحدث بلا تحديد أو بغموض شخص عرفاني، وهو تشويه آثم لهذه الفكرة الرائعة لأقصى حد .
إن التعرف على التجربة وحجم الخبرة الذاتية وخصوصياتها تمثل الصورة الأوضح لتلمس الضعف وحقيقة الافتقاد والاحتياج للمعصوم الذي يمثل المعيار والنموذج، ويبقى الفارق أنه في حين قد يصل الإنسان إلى قدر من العصمة عن طريق الاستفادة القصوى من الخبرات والتجارب فإن المعصوم يكتسب هذه الخاصية لأسرار إلهية أخرى، وهو من جانبه (المعصوم) يدرك أن قوته الروحية تكمن في إدراكه الواعي لحقيقة ضعفه في مواجهة (الإله) الذي خلق الاكتمال والنقص معاً، فالمعصوم مكتمل في مواجهة ناقصين، لكن حتى فعل الاكتمال يعد محدوداً في مواجهة المتجرد عن هذه المسميات وهي الفكرة التي طالما أشار إليها الأئمة : " أجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم "(بحار الأنوار ج 25 ص 279 ح 22 وج 47 ص 68 و 2147 وج 26 ص 6) وهي ليست تصريحاً للموالين بالمبالغة وإنما توضيح بأنه ليس ثمة قيمة حقيقية لأي مبالغة من الممكن أن تقال أو تلصق بأهل البيت في مواجهة حقيقة وضعهم بالنسبة للذات الإلهية ماداموا مخلوقين بما يعني الضعف المادي كغيرهم من البشر حتى لو كانوا معصومين وذوي خصوصية لدى الله تعالى، ومن هنا يدرك المتحول حقيقة ضعفه بعيداً عن الجعجعات الظاهرية للبعض والمستجلبة أساساً من الأساليب السلفية الفاقدة لأي شعور، وهذا الادراك الواعي مقدمة لامتلاك قابلية المعرفة.
لقد كان الاختبار الحقيقي بعد هذه المرحلة الأخيرة اثناء الحملة التي وجهت لسماحة السيد محمد حسين فضل الله في نفس التوقيت الذي كنت اتساءل عن أهمية المرجع في حياة المكلف الموالي لأهل البيت، وفي حين فوجئت بأن معظم الموالين يعتمدون على الثقة في شهادات العلماء تجاه المراجع وهي بالتأكيد ذات أهمية رغم أنها شهادات تشير للعلم الفقهي وهو جانب من أهمية المرجع، لكن لا توجد شهادات حول الخبرة والتجربة والتميز وكيفية تطبيق العلم الفقهي على الواقع العملي بحيث لا يبدو المرجع منفصل في فتاواه عن هذا الواقع وهي الأشياء التي لم يبحث فيها أبداً الموالين حديثاً في حين مثلت أهمية قصوى بالنسبة لي .
ورغم سعي بعض الأصدقاء للتشكيك في السيد فضل الله بناء على أقوال بعض العلماء الموجهة ضده وبعض الأقوال المنتزعة من سياقها والمنسوبة إليه، فإن واقعية مرجعيته والتزامها الصارم بأهل البيت وترفعها عن الابتذال في مواجهة اسهامات الآخر وعدم خضوعها لغرائزية الغضب والثأر كانت هي الأسس الحقيقية التي أبحث عنها في المرجعية التي لا يجب أن تكون عالمة فقهية بقدر ما أن تكون أيضاً حركية في المجتمعات الإسلامية ولها كاريزمية ورؤية سياسية واضحة .
يبقى أن أي تجربة تحول لا يجب أن يكتب لها نهاية محددة وربما يكون تميز المتحول أنه تعلم كيف ينفلت عن الاطار الاجتماعي في رؤيته فهو يظل دائماً في إطار تجربة التحول بما تعنيه من استمرار نضاره فكره وروعة استكشافه الدائم لما يحيوه المذهب من اسهامات، وأعتقد أنه يجب حتى على التابعين للمذهب بالانتماء الاجتماعي أو الأسري المتأصل تجربة التحول الحقيقي وبشكل فعلي واستكشاف جوانب أخرى غامضة من مذهبهم، وللأسف فإن القليلين جدا هم من يقومون بهذه التجربة مفتقدين لمتعة حقيقية في هذا الاستكشاف .
باباك خورمدين
مستبصر فلسطيني
02-12-2007, 11:20 AM
اللهم صل على محمد وال محمد وجل فرجهم
احسنتم كثيرا وبارك الله فيكم
ونبارك للاخ المستبصر ركوبه سفينة نجاة ال محمد عليهم الصلاة والسلام
القصه معبره ومؤثره
الله يحفظكم
فداك يا أبا الحسن
06-12-2010, 09:59 AM
اللهم صل على محمد وال محمد
عاشق أمير المؤمنين
06-12-2010, 01:13 PM
لقد كان الاختبار الحقيقي بعد هذه المرحلة الأخيرة اثناء الحملة التي وجهت لسماحة السيد محمد حسين فضل الله في نفس التوقيت الذي كنت اتساءل عن أهمية المرجع في حياة المكلف الموالي لأهل البيت، وفي حين فوجئت بأن معظم الموالين يعتمدون على الثقة في شهادات العلماء تجاه المراجع وهي بالتأكيد ذات أهمية رغم أنها شهادات تشير للعلم الفقهي وهو جانب من أهمية المرجع، لكن لا توجد شهادات حول الخبرة والتجربة والتميز وكيفية تطبيق العلم الفقهي على الواقع العملي بحيث لا يبدو المرجع منفصل في فتاواه عن هذا الواقع وهي الأشياء التي لم يبحث فيها أبداً الموالين حديثاً في حين مثلت أهمية قصوى بالنسبة لي .
ورغم سعي بعض الأصدقاء للتشكيك في السيد فضل الله بناء على أقوال بعض العلماء الموجهة ضده وبعض الأقوال المنتزعة من سياقها والمنسوبة إليه، فإن واقعية مرجعيته والتزامها الصارم بأهل البيت وترفعها عن الابتذال في مواجهة اسهامات الآخر وعدم خضوعها لغرائزية الغضب والثأر كانت هي الأسس الحقيقية التي أبحث عنها في المرجعية التي لا يجب أن تكون عالمة فقهية بقدر ما أن تكون أيضاً حركية في المجتمعات الإسلامية ولها كاريزمية ورؤية سياسية واضحة .
هذه العبارات فيها إساءةٌ واضحة لمراجع الدين، وتدل على جهل كاتبها بقضية السيد فضل الله، فمراجع الدين وغيرهم من علماء وفقهاء حكموا على الرجل من خلال كلماته، وليس من خلال أقوال منزوعة من سياقها كما يدَّعي الكاتب.
وهذه أسماء بعض المراجع والفقهاء الذين أفتوا في هذه القضية :
1- الميرزا جواد التبريزي.
2- الشيخ الوحيد الخراساني.
3- السيد محمد صادق الروحاني.
4- السيد تقي القمي.
5- السيد مهدي المرعشي.
6- الشيخ بشير النجفي.
وغيرهم من المراجع، ومن أحب كذلك أن يسأل السيد محمد سعيد الحكيم والشيخ محمد إسحاق الفياض فهم أحياء يُرزقون.
وكذلك في غير طبقة المراجع هناك من أصدروا شهادات معروفة، ولا يمكن حصر أسمائهم، فهل كل هؤلاء لا يدرون بما يصدر عنهم ويتكلمون بما لا يعلمون؟ أو يُجمعون في الحكم على شخص دون تثبُّت؟!!!!!
أضف إلى ذلك كون هذا الشخص وهو عامي يريد أن يحدِّد للمراجع وظائفهم!!!!!!
لستُ بصدد مناقشة ما جاء في الاقتباس، ولكن أردتُّ فقط أن أشير إلى هذه المغالطات التي جاء بها الكاتب.
فداك يا أبا الحسن
06-12-2010, 08:18 PM
هذه العبارات فيها إساءةٌ واضحة لمراجع الدين، وتدل على جهل كاتبها بقضية السيد فضل الله، فمراجع الدين وغيرهم من علماء وفقهاء حكموا على الرجل من خلال كلماته، وليس من خلال أقوال منزوعة من سياقها كما يدَّعي الكاتب.
وهذه أسماء بعض المراجع والفقهاء الذين أفتوا في هذه القضية :
1- الميرزا جواد التبريزي.
2- الشيخ الوحيد الخراساني.
3- السيد محمد صادق الروحاني.
4- السيد تقي القمي.
5- السيد مهدي المرعشي.
6- الشيخ بشير النجفي.
وغيرهم من المراجع، ومن أحب كذلك أن يسأل السيد محمد سعيد الحكيم والشيخ محمد إسحاق الفياض فهم أحياء يُرزقون.
وكذلك في غير طبقة المراجع هناك من أصدروا شهادات معروفة، ولا يمكن حصر أسمائهم، فهل كل هؤلاء لا يدرون بما يصدر عنهم ويتكلمون بما لا يعلمون؟ أو يُجمعون في الحكم على شخص دون تثبُّت؟!!!!!
أضف إلى ذلك كون هذا الشخص وهو عامي يريد أن يحدِّد للمراجع وظائفهم!!!!!!
لستُ بصدد مناقشة ما جاء في الاقتباس، ولكن أردتُّ فقط أن أشير إلى هذه المغالطات التي جاء بها الكاتب.
أخي الكريم... الأخ المستبصر عبر عن رأيه، وهو جديد في عالم التشيع،مع مرور الوقت سيعلم ويرى مدى انخراط المرجعيات في الحياة العمليه والتجارب وسيغير وجهة نظره، وليس من الحكمة أن نهاجم اي انسان لمجرد أنه ابدى رأيه، وكذلك بالنسبة الى المرجع الراحل قدس سره... فكما أنه لم يسء لأي انسان في حياته ، لنتركه في سلام بعد مماته ورحيله...فالطعن لا يخدم قضايانا
وفقكم الله لمرضاته ، وعظم الله أجوركم
عاشق أمير المؤمنين
06-12-2010, 10:36 PM
أختي الفاضلة فداك يا أبا الحسن
سواءً كان الشخص جديداً أمْ قديماً فهذا لا يبرِّر له الحكم على مراجع الطائفة ووصفهم بما وصفهم به، والمفترض أنه شخص باحثٌ عن الحق، وكلامه عن المراجع دالٌّ على أنه لم يبحث عن الحقيقة في هذه القضية.
أما كونه مستبصراً فنحن أيضاً مستبصرين والحمد لله، ولكننا لا نقبل بمثل هذه الإساءة.
أما قولكِ أنه لم يسئ لأي إنسان، فأنا لا أحبِّذ الحوار في مثل هذه المواضيع، وإلا لعرضتُ لكِ الكثير من الإساءات التي صدرت منه بحقِّ المراجع والعلماء، وما كتبتُه كان بقصد الدفاع عن مراجع الطائفة فحسب، ولم أقصد الطعن في أحد.
فجر الرسالة
07-12-2010, 07:39 AM
سواءً كان الشخص جديداً أمْ قديماً فهذا لا يبرِّر له الحكم على مراجع الطائفة ووصفهم بما وصفهم به، والمفترض أنه شخص باحثٌ عن الحق، وكلامه عن المراجع دالٌّ على أنه لم يبحث عن الحقيقة في هذه القضية.
أما كونه مستبصراً فنحن أيضاً مستبصرين والحمد لله، ولكننا لا نقبل بمثل هذه الإساءة.
أما قولكِ أنه لم يسئ لأي إنسان، فأنا لا أحبِّذ الحوار في مثل هذه المواضيع، وإلا لعرضتُ لكِ الكثير من الإساءات التي صدرت منه بحقِّ المراجع والعلماء، وما كتبتُه كان بقصد الدفاع عن مراجع الطائفة فحسب، ولم أقصد الطعن في أحد.
http://www.alhak.org/vb/images/icons/icon14.gif
Missed Dream
07-12-2010, 06:21 PM
السلام عليكم ، وعظم الله لنا ولكم الأجر
أخي عاشق أمير المؤمنين
دعني اعيد صياغة ما تقصده الأخت فداك يا أبا الحسن ، عبرة قصة سمعتها من احد المشائخ:
جاء احد المشائخ الى سما حة السيد الشيرازي رحمه الله، وقال له: انت ترى بعدالة وجواز الصلاة خلف فلان، وهذا يقول على المنابر بعدم مرجعيتك؟
فرد عليه: هو يقول حسبما يصله من قول عني، وانا كذلك اقول حسبما ينقل لي عنه. وبخصوص ما يقول، فانا مسامح له ولا شي عليه اتجاهي.
بكلمة اخرى، دعونا ننشغل بنشر ونقل فكر وثقافة اهل البيت، بدلا من الاختلاف فيما بيننا. فأهل البيت ومبادئهم أولى منا.
ونسألكم الدعاء
عاشق أمير المؤمنين
07-12-2010, 11:09 PM
السلام عليكم ، وعظم الله لنا ولكم الأجر
أخي عاشق أمير المؤمنين
دعني اعيد صياغة ما تقصده الأخت فداك يا أبا الحسن ، عبرة قصة سمعتها من احد المشائخ:
جاء احد المشائخ الى سما حة السيد الشيرازي رحمه الله، وقال له: انت ترى بعدالة وجواز الصلاة خلف فلان، وهذا يقول على المنابر بعدم مرجعيتك؟
فرد عليه: هو يقول حسبما يصله من قول عني، وانا كذلك اقول حسبما ينقل لي عنه. وبخصوص ما يقول، فانا مسامح له ولا شي عليه اتجاهي.
بكلمة اخرى، دعونا ننشغل بنشر ونقل فكر وثقافة اهل البيت، بدلا من الاختلاف فيما بيننا. فأهل البيت ومبادئهم أولى منا.
ونسألكم الدعاء
أخي العزيز Missed Dream
إنَّ مراجع الدين عندما تكلموا في هذه القضية كان كلامهم دفاعاً عن الدين وعن أهل البيت عليهم السلام وليس خلافاً شخصياً أو تصفية حسابات، ولم يتكلموا بناء على كلام فلان وفلان ولم يكن بناؤهم على مصادر مجهولة، بل تكلموا عن اطلاع، فدعوتك إلى الكلام بنشر ونقل فكر وثقافة أهل البيت عليهم السلام لم يخالفها المراجع ولم نخالفها نحن فيما كتبناه، ولا أدري ما هو وجه التنافي بين الأمرين، فكلام المراجع في هذه القضية هو نشر لفكر وثقافة أهل البيت عليهم السلام ضد من يثير الشبهات.
ولا أريد أن أدخل في التفاصيل، فلم أتكلم منذ بداية مشاركاتي في هذا المنتدى عن هذه القضية، وما كتبتُه لم أقصد به سوى التنبيه على المغالطات التي جاءت في هذا الموضوع على نحو الإشارة.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.