المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحج وشروط قبولة


ملك القلوب
07-12-2007, 06:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

ارجع فإنّك لم تحجّ!

حديث الإمام زين العابدين عليه السلام للشبلي



لمّا رجع مولانا زين العابدين عليه السلام من الحجّ [1] استقبله الشبلي[2]

فقال عليه السلام له: (حججت يا شبلي؟)[3]. قال: نعم، يابن رسول الله.

فقال عليه السلام: (أَنَزلْتَ الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟) [4] قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين نزلت الميقات نويت أنّك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ [5]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات[6]؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب[7]؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت!).



ثم قال عليه السلام: (تنظّفت وأحرمت وعقدت بالحج؟ [8]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين تنظّفت وأحرمت وعقدت الحجّ، نويت أنّك تنظّفت بنور [9]التوبة[10] الخالصة لله تعالى؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين عقدت الحجّ نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير الله؟). قال: لا.

قال عليه السلام له: (ما تنظّفت ولا أحرمت ولا عقدت الحج!).



قال له عليه السلام: (أدخلت الميقات وصلّيت ركعتي الإحرام[11] ولبّيت؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين دخلت الميقات نويت أنّك بنيّة الزيارة؟[12]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت الركعتين نويت أنّك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟).[13] قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين لبّيت نويت أنك نطقت لله سبحانه بكلّ طاعة، وصمت عن كلّ معصية؟).[14]

قال عليه السلام: (فحين أحرمت نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه الله عزّ وجلّ؟). قال: لا.

قال عليه السلام له: (ما دخلت الميقات ولا صلّيت ولا لبّيت!).



ثم قال عليه السلام: (أدخلت الحرم ورأيت الكعبة[15] وصلّيت؟[16]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين دخلت الحرم[17] نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإِسلام؟ [18]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين وصلت مكّة نويت بقلبك أنّك قصدت الله؟ [19]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما دخلت الحرم ولا رأيت الكعبة ولا صلّيت!).



ثم قال عليه السلام: (طفت بالبيت ومسست الأركان[20] وسعيت؟[21]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى الله[22]، وعرف منك ذلك علاّم الغيوب؟[23]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما طفت بالبيت ولا مسست الأركان ولا سعيت!).



ثم قال عليه السلام له: (صافحت الحجر[24] ووقفت بمقام إبراهيم عليه السلام وصلّيت به ركعتين؟). قال: نعم.

فصاح عليه السلام صيحة كاد يفارق الدنيا، ثم قال: (آه آه)، ثم قال عليه السلام: (من صافح الحجر الأسود، فقد صافح الله تعالى[25]، فانظر يا مسكين،[26] لا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة، وقبضِ الحرام نظير أهل الآثام[27]).

ثم قال عليه السلام: (نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم عليه السلام[28] أنّك وقفت على كلّ طاعة، وتخلّفت عن كلّ معصية؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت فيه ركعتين نويت أنّك صلّيت بصلاة إبراهيم عليه السلام[29] وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان؟[30]). قال: لا.

قال عليه السلام له: (فما صافحت الحجر الأسود ولا وقفت عند المقام ولا صلّيت فيه ركعتين!).



ثم قال عليه السلام له: (أَشْرَفْتَ على بئر زمزم[31]، وشربت من مائها؟[32]). قال: نعم.

قال عليه السلام: ( نويت أنّك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟[33]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما أشرفت عليها ولا شربت من مائها!).



ثم قال عليه السلام له: (أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما؟). قال: نعم.

قال عليه السلام له: (نويت أنّك بين الرجاء والخوف؟[34]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما سعيت ولا مشيت، ولا تردّدت بين الصفا والمروة!).



ثم قال عليه السلام: (أخرجت إلى منى؟[35]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما خرجت إلى منى!).



ثم قال عليه السلام له: (أوقفت الوقفة بعرفة[36]، وطلعت جبل الرحمة[37]، وعرفت وادي نمرة[38]، ودعوت الله سبحانه عند الميل والجمرات؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه أمر المعارف والعلوم،[39] وعرفت قبض الله على صحيفتك واطّلاعه على سريرتك وقلبك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (نويت بطلوعك جبل الرحمة أنّ الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة، ويتولّى كلّ مسلم ومسلمة؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتّى تأتمر، ولا تزجر حتّى تنزجر؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما وقفت عند العَلَم والنمرات، نويت أنّها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر ربّ السماوات؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت ولا وقفت عند النمرات!).



ثم قال عليه السلام: (مررت بين العلمين، وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة[40] ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت ركعتين نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كلّ عسر وتيّسر كلّ يسر؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مشيت بين العلمين[41] ولم تعدل عنهما يميناً وشمالاً، نويت ألاّ تعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالاً لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مشيت بمزدلفة ولقطت منها الحصى[42] نويت أنّك رفعت عنك كلّ معصية وجهل، وثبّت كلّ علم وعمل؟ [43]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مررت بالمشعر الحرام نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف لله عزّ وجلّ؟[44]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام!).



ثم قال عليه السلام له: (وصلت منى[45] ورميت الجمرة[46]، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة؟[47]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فنويت عندما وصلت منى ورميت الجمار أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك؟[48]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما رميت الجمار نويت أنّك رميت عدوّك ابليس وغضبته بتمام حجّك النفيس؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما حلقت رأسك نويت أنّك تطهّرت من الأدناس ومن تبعة بني آدم،[49] وخرجت من الذنوب كما ولدتك اُمّك؟[50]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما صلّيت في مسجد الخيف[51] نويت أنّك لا تخاف إلاّ الله عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلاّ رحمة الله تعالى؟[52]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما ذبحت هديك نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسّكت به من حقيقة الورع[53]، وأنك اتّبعت سنّة إبراهيم عليه السلام بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحان قلبه[54]، وأحييت سنّته لمن بعده،[55] وقرّبه إلى الله تعالى لمن خلقه؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما رجعت إلى مكّة وطفت طواف الإفاضة نويت أنّك أفضت من رحمة الله تعالى ورجعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه،[56] وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى؟). قال: لا.

قال له زين العابدين عليه السلام: (فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت[57]نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت، ارجع فإنّك لم تحجّ!).

فطفق الشبلي يبكي على ما فرّطه في حجّه، وما زال يتعلّم حتّى حجّ من قابل بمعرفة ويقين. انتهى.[58]





--------------------------------------------------------------------------------

[1]-ورد عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كانت لعلي بن الحسين عليه السلام ناقة قد حج عليها اثنتين وعشرين حجة ما قرعها قرعة قط..))(البحار ج27 ص270 رواية23 باب16).

وفي رواية أخرى سار عليه السلام ماشيا عشرين يوما من المدينة إلى مكة. كما أنه ورد في الحديث أن الإمام الحسن عليه السلام قد حج ماشياً 15 حجة والإمام الحسين عليه السلام قد حج ماشيا 25 حجة(البحارج46 ص91 رواية78 باب5).

فهو عليه السلام ابن مكّة ومنى وابن زمزم والصفا كما قال الفرزدق في شعره المعروف :

((هذا الذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خـير عبـاد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم

يكاد يمسكه عـرفان راحـته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم))(البحار ج46 ص121 رواية13 باب8)



[2]-مع أننا لم نتعرَّف على الشبلي حيث لم يتعرض إليه علماء الرجال والحديث، إلاّ أن الحديث يشتمل على مفاهيم عرفانية عميقة ويبين لنا جانباً كبيراً من أسرار هذه الفريضة المقدَّسة ويشتمل على دروس نافعة لكل من أراد أن يقصد البيت فمضمونه يدلُّ على صحَّته .



[3]-الإمام السجّاد عليه السلام يريد بيان البعد الملكوتي الباطني لمناسك الحج، حيث أنه البعد الذي يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى بقلبه، ومن الواضح أنَّ فلسفة العبادات هي التقرُّب إليه تعالى . وأمّا سائر النتائج مهما كانت كبيرةإلا أنّها ليست العلَّة في تشريع العبادات، كما يستفاد من قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}(الحج/27،28) فالآية تؤكِّد على هذه الحقيقة حيث أنَّ المنافع عائدة إلى هؤلاء الراجلين الفقراء وأصحاب الضامر وهو الهزيل من الإبل .



[4]-وهو غسل الإحرام حيث يستحب لمن أراد أن يحرم أن يغتسل في الميقات.



[5]-وقد ورد في القرآن الكريم {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}(الأعراف/26). وعن مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: ((أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان)) فاللباس الحقيقي هو لباس التقوى ولباس طاعة الله تعالى الذي من لبسه لا يعرى يوم يخرج الناس من قبورهم عراة، . وقد شاع هذا التعبير في لسان الشرع .وقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}(البقرة/187) يحمل هذا المعنى، حيث أنّ من تزوَّج فقد أحرز نصف دينه، . ثم أن هذا اللباس القلبي بنفسه سيتجسَّد يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}(الكهف/31) {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}(الحج/23) و في المقابل فإن ثياب المعصية فهي ما ذكره الله تعالى في قوله: {..فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار..}(الحج/19).



[6]- (وذلك لأن الثوب الذي يلبسه الإنسان له خصوصيات تتعلق به لا بغيره، لأنه خُيِّطَ له خاصة فيتناسب مع جسمه وهذا ما يثير أنانيته) (المخيط من الثياب إضافة إلى ستره للعورة، فإن له صفة الاختصاص والانفراد بين الآخرين، كما أن له صفة الظهور أمام الناس بغير حقيقة الإنسان، فمن جهة هو إبراز للتميّز بين الآخرين وإبراز للأنانية التي هي رأس كلّ خطيئة،، ثم هو مظهر لـ الرياء و النفاق وهو عدم تطابق الظاهر مع الباطن . وأما علاقة الشبهات بالثياب فمن حيث أن الإنسان في حدّ نفسه صافٍ لولا ما يطرأ عليه من الثياب والأكل والشرب فهي بطبيعتها مشوبة بالشبهات، إلاّ أن يراقب الإنسان نفسه فيتجنَّب الشبهات، قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}(عبس/24) فالثياب من موارد الشبهات وبخلعها يتجرّد الإنسان من الشبهة، وأما الإحرام فليس له مما سبق من الصفات إلا ستر العورة، وذلك كما ورد في الدعاء عند لبس ثوبي الإحرام "الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي".



[7]-وإن كان في الشريعة غسلٌ يسمَّى غسل التوبة إلا أنَّ لكلِّ غُسل تأثيراً جسمياً وروحياً في الإنسان، وهو سبب للقرب إلى الله تعالى ولذلك يجب أن ينوي بغسله التقرُّب إلى الله تعالى.



[8]-فالحج إنّما هو تعاقد من الله سبحانه واستجابة لطلبه وهذا هو سرّ التلبية "لبيك اللهم لبيك" ولا تتحقق إلا بالتوبة والإنابة، ومن مظاهر التوبة أن يحلّ العبد جميع العقود التي كانت لغير الله، وإلى هذا يشير الإمام عليه السلام.



[9]-في نسخة: بنورة



[10]-وبالفعل التوبة تَمُدُّ المؤمن بنور إلهي، وقد ذكر سبحانه هذا النور في سياق آية التوبة حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(التحريم/8).



[11]-وهذه الصلاة أيضاً مستحبَّة بل تستحب ست ركعات قبل الإحرام .



[12]-الظاهر أن المقصود هو زيارة بيت الله الحرام، ولا تكمل الزيارة إلا بزيارة النبي صلى الله عليه وآله فإنَّ تمام الحج بذلك ولعلّ قوله تعالى " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ..}(النساء/100). يشير إلى ذلك .



[13]-ذكر الإمام الخميني قدس سره في الآداب المعنوية للصلاة أن الوصول إلى فناء الله والحصول على الراحة المطلقة والطمأنينة التامّة يتحقق بالصلاة:

((فالصلاة هي الفلاح المطلق وهي خير الأعمال، وعلى السالك أن يفهّم القلب هذه اللطيفة الإلهية بالتكرار والذكر التام ويوقظ الفطرة ....فإذا وصل إلى ذلك المقام يعلن إعلان الحضور فقد قامت الصلاة فلابد أن يرى نفسه في حضرة مالك الملوك......ويفد على الكريم ولا يرى لنفسه زاداً وراحلة، ويرى قلبه فارغا عن السلامة، ولا يحسب عمله من الحسنات ولا يعدّه أقل شيء، فإذا استحكمت هذه الحالة في القلب فالمرجو أن يقع مورداً للعناية، أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))(الآداب المعنوية للصلاة للإمام الخميني قدس سره).



[14]- لأن كلمة لبِّيك مطلقة غير مقيَّدة، فقائلها يريد منها أنه استجاب لدعوة الله في كافة الأمور، فهو لم يحدِّد طاعة خاصة بل نطق لله بكلِّ طاعة، وكذلك لم يقصد ترك معصية ما كمحرمات الإحرام فقط بل أراد أن يجتنب عن كلِّ معصية سواء كانت من محرمات الإحرام أم لا.



[15]-قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران/96). فالكعبة المعظَّمة هي أول بيت وضع للناس وأقدمه، ولعلّه لهذا سميت بالبيت العتيق، إذ العتيق يطلق على القديم النفيس، فلا يطلق على ما لا قِدمة له، ولا القديم الذي لا نفاسة له، بل القديم الذي مرت عليه الدهور ولم يُدنسه شيء، هذا هو الموجب لقداسة الكعبة وهي بانضمامها إلى القدمة التاريخية يوجب أن يصير بيتاً عتيقاً.

بناء الكعبة:

قيل في ذلك أنها بنيت عشر مرّات، وهي: بناء الملائكة، وبناء آدم عليه السلام، وبناء أولاده، وبناء الخليل إبراهيم عليه السلام، وبناء العمالقة، وبناء جرهم، وبناء قصي بن كلاب جدّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبناء قريش قبل بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعمره الشريف يومئذ خمس وعشرون سنة، وبناء عبدالله بن الزّبير بن العوام الأسدي، وآخرها بناء الحَجّاج بن يوسف الثقفي.(تحفة الكرام في تاريخ مكة-السيد محمد مهدي بحر العلوم)

قواعد الكعبة:

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(الحجر/21) فمن ذلك ما ورد من نزول قواعد الكعبة من الجنة، وكذا نزول الحجر الأسود ونزول حَجر المقام منها حيث أن ذلك كله يدل على أن لأجزاء البيت وأركانه أصلاً طيّباً عند الله، تكون تلك الأمور متنزلة من ذلك الأصل الطيب لا بنحو التجافي المستلزم للنفاد والزوال، بل بنحو التجلّي، فالكعبة قد تنزلت من البيت المعمور المتنزل من العرش، التنزل المنزه عن التجافي.(أسرار الحج-آية الله جوادي آملي).

إمّا: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا..}(الحج/26). يعني أن تَبوئة البيت وتعيين مكانه وهندسة تأسيسه إنما هو على التوحيد الصرف الذي لا يشوبه أيّ شرك أصلاً، وهذا التوحيد المحض، الذي أسس عليه الكعبة لا يتحقق إلاّ في الأوحدي من المؤمنين، إذ الأكثري منهم ليس مصوناً عن لوث الشرك الجلي، كالتواضع للغني لغناه، والتذلل للطاغوت لطغيانه. أو الشرك الخفي كترك الدنيا للدنيا والزهد فيها للجاه والمقام. نتحصل أن الكعبة مرفوعة القواعد على الخلوص، ومقبولة لله تعالى بالتقوى.

وكما أن القرآن الكريم مرآة نقيّة يرى الناظر صورته الجميلة أو القبيحة فيها، ولذلك يهدي به الله، من اتبع رضوانه، سبل السلام، ويضل به الفاسقين، كذلك الكعبة مرآة صافية يرى الناظر منظره الجميل أو القبيح فيها، يهدي بها الله من يشاء ويضل بها من يشاء، وهم الذين نزل فيهم: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً..}(الأنفال/35). وهؤلاء لا يُوفقون للطواف حولها والصلاة نحوها، وما إلى ذلك من الشؤون العبادية.(أسرار الحج-آية الله جوادي آملي).



[16]-وهي صلاة مستحبَّة وربَّما هي صلاة تحيَّة المسجد.



[17]-والحرام بمعنى المحرّم، كقوله تعالى: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)(إبراهيم/37)، فإنّ العرب كانت تحرّم فيه ما تستحلّ في غيره من القتل والقتال؛ وإمّا بمعنى الحرم -كزمان وزمن- لكونه أمْناً لمن دخله ومانعاً له؛ وإمّا لأنّه ذا حرمة واحترام يحرم على الخلق أنْ يفعلوا فيه ما لا ينبغي من مناهي الشرع.(الحج في نهج البلاغة-فارس تبريزيان).



[18]-((عَنْ عَلِيّ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ أبيه عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قال: قال رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم: الغِيبَةُ أَسْرَعُ في دينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الأَكْلَةِ فِي جَوْفه..))(أصول الكافي، المجلد الثاني،كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبهت،ح1)



[19]-الحج في اللغة يعني القصد، وفي الإصطلاح هو قصد بيت الله ظاهراً وقصد الله حقيقةً، قال تعالى عن لسان إبراهيم الخليل: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الصافات/99) وعن لسان لوط عليه السلام: {َقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(العنكبوت/26).



[20]-وهما الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود.



[21] -لا يقصد الإمام عليه السلام من السعي هنا السعي بين الصفا والمروة بل السعي في حال الطواف لأنّه سيبيِّن فيما بعد سر السعي بين الصفا والمروة في فصل مستقل .

[22]-وقد ورد ذلك في أدعيتنا المأثورة عنهم عليهم السلام كثيراً، ففي الدعاء: ((هربت منك إليك غير مستنكف ولا مستكبر))(البحار ج89 ص291)، وفي دعاء آخر: ((اللهم إنّي منك إليك أفر)) وهذه الحقيقة تتجلى بوضوح في السعي بين الصفا والمروة خاصة حين الهرولة، وهو نهاية الذلّ بين يدي الله وكفى للعبد عزا إذا ذلَ نفسه للعزيز المطلق.



[23] - فهذا الأمر مهم للغاية فالإنسان الذي يعلم بأنّ الله يراه على كلِّ حال فلن يرتكب محرماً ولن يترك واجباً " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

[24]-هو حجر ثقيل بيضاوي الشكل غير منتظم لونه، أسود يميل إلى الاحمرار، وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء هي أثر لحام القطع المتكسرة منه، والتي تمّ لصقها وجوانبه مشدودة بصفيحة من فضة يلوح بياضها على سواد الحجر، وفي القطعة الصحيحة منه نقطة بيضاء صغيرة مشرقة قطرها 27سم، وكان الناس إذا طافوا بالكعبة يتساقط بعضهم على بعض ازدحاماً على تقبيل الحجر الأسود، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبله، ويواجه ركن الحجر الجزء الجنوبي من بلاد الحجاز.



[25]- عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن استلام الحجر لم يستلم؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى علوا كبيرا أخذ مواثيق العباد ثم دعا الحجر من الجنة فأمره فالتقم الميثاق، فالموافقون شاهدون بيعتهم، ولذلك ورد في الدعاء عند استلام الحجر: ((أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتُه لِتَشْهَد لي بالمؤافاة))(وسائل الشيعة ج9 ص400 باب12 ح1) .يقول ابن عباس: ((واستلامه اليوم (أي الحجر) بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم))(وسائل الشيعة9 : 406 باب12 ح15 أبواب الطواف) .



[26] - حيث أنّ الزاد الحقيقي هو التقوى قال تعالى :" ...وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(البقرة/197). فالكثير منا بالفعل هم مساكين دار القرار، وإن كانوا أغنياء دار البوار .



[27]-لعلَّه إشارة إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة/188). وقوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(المائدة/62).



[28]-قد ورد ذكر المقام في موردين من القرآن الكريم:

أ-قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(البقرة/125).

ب-قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/97).

((إنَّ حَجر مقام إبراهيم الخليل عليه السلام مُثبَت فوق قاعدة صغيرة من الرّخام المرمر، بقدر قياس نفس المقام الشريف طولا وعرضاً، وأما ارتفاعها فثلاثة عشر سنتيمتراً. وأما مقام إبراهيم عليه السلام: فهو حجر لونه ما بين الحمرة إلى الصفرة بل أقرب إلى البياض، يشبه المكعّب، ارتفاعه عشرون سنتيمتراً، وطول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة وثلاثون سنتيمتراً بزيادة سنتيمين في الضلع الرابع، فمحيطه 146 سنتيمتراً.. وهو ملبَّس بفضة خالصة لا يظهر منه إلاّ معالم وهيئة القدمين، واضحة بيّنة لم تتغيّر ولم تتبدّل: طول كلّ واحدة من القدمين 27سم، وعرضهما 14سم من أعلى. وعمق إحداهما 10سم والثانية 9سم. وطولهما في عمقهما 22سم وعرضهما 11سم. وبينهما فاصل نحو 1سم. وأما موضع العقَبين فلا يتّضح إلاّ لمن تأمل ودقّق النظر. وأما أثر أصابع القدمين فقد انمحى من مسح الناس له بأيديهم في طول الزمن))(مقام إبراهيم للشيخ محمد طاهر الكردي المكي: 112-114 ومشاهدته في سنة 1367هـ)

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ((ثلاثة أحجار نزلت من الجنة: حَجر بني إسرائيل، ومقام إبراهيم عليه السلام والحجر الأسود، وكان أشدّ بياضاً من القراطيس فاسودّ من خطايا بني آدم))(تفسير العيّاشي1: 59 ح92).

و روى الكلينيّ في فروع الكافي: ((عن علي بن إبراهيم القمي بإسناده عن ابن سنان قال: سألت أبا عبدالله الصادق عليه السلام عن قول الله عزّوجلّ: {إنَ أول بيت وُضع لّلناس للذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين*فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم}(آل عمران/96،97) ما هذه الآيات؟ قال عليه السلام: مقام إبراهيم حيث قام على الحَجَر فأثّرت فيه قدماه، والحَجر الأسود، ومنزل إسماعيل.))(فروع الكافي1: 227) ولم يذكر الخبر في تفسير القمي للآية، وذكره العياشي في تفسيره 1: 187.

وفي الحقيقة حيث أنّ إبراهيم عليه السَّلام كما «كان أمة واحدة» فانَّ مقامه أيضاً بمنزلة «آيات بينات»؛ أي انَّ المقام فيه آثار اقدام الخليل عليه السَّلام وفير بالمعجزات، حتى أضحى المقام بمنزلة «أمة واحدة» في باب الإعجاز، كما هو شأن الخليل نفسه. وقد أضحى «مقام إبراهيم» آيات بينات من خلال تحوَّل الصخر الصلد إلى عجين لين، ولين الصخرة حصل لعمق وبشكل معين ثم عادت الصخرة -فيما عدا ذاك- لصلادتها، إنَّ هذه الخصيصة التي حصلت لإبراهيم عليه السَّلام كان لها ما يناظرها في سيرة داود عليه السَّلام، {وَلقد آتينا داود فَضلاً يا جبال أوّبي معه والطّير وأَلنَّا لَهُ الحدِيدَ}(سبأ/34) فكان الحديد الصلد يلين بين يدي داود عليه السَّلام. كما أنَّ الصخر أضحى بمثابة «المحفظة» لقدم الخيل عليه السَّلام كما الحديد بالنسبة لداود عليه السَّلام. وقد بذل الأعداء جهوداً لمحو هذا الأثر، إلا أنه لم تفلح هذه القوى بمحوه أو بنقله إلى خارج العالم الإسلامي.



[29] لأنَّ إبراهيم عليه السلام هو الذي صلَّى الصلاة الحقيقية التي لم يشبها أي نوع من الشرك كما قال تعالى : {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(الأنعام/161).{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام/162). {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الأنعام/163). فهذه الصلاة هي التي ترغم أنف الشيطان وأمّا غيرها فهي ليست بصلاة حقيقة .

[30] - هذا ما يؤكِّد عليه الذكر الحكيم من خلال الآيات المختلفة المترابطة، قال تعالى {.. وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}(طه/14). وقال : {.. وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(العنكبوت/45). فعلَّة تشريع الصلاة إنَّما هي ذكر الله تعالى، وبها يُرغم المصلي أنف الشيطان قال تعالى {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(الأعراف/200). ثمَّ قال : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(الأعراف/201).



[31] تقع أسفل منطقة الطواف، ويبعد فم البئر عن أرضية الطواف 56/1 متراً، ويبعد منتصف البئر عن الحجر الأسود 60/20 متراً.. قد أظهرها الله عز وجل حين اشتد الظمأ بإسماعيل عليه السلام فصعدت هاجر على الصفا ولمع بها السراب في الوادي، فظنت أنه ماء، فنزلت في بطن الوادي، وسعت فلما بلغت المروة لم تجده، فعادت حتى بلغت الصفا، فنظرت، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فلما كان الشوط السابع، وهي على المروة وإذا بجبريل يضرب بجناحه فنبع الماء على وجه الأرض، فنظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه فعادت حتى جمعت حوله رملاً، فزمّته بما جعلت حوله، فلذلك سميت زمزم. (أخبار مكة-الفاسي: ج1 ص298 )



[32] - عن أبي عبدالله عن أبيه عليهما السلام قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ماء زمزم خير ماء على وجه الارض" "وعن إسماعيل بن جابر قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : زمزم شفاء من كل داء "المحاسن ص 573



[33] - وذلك بشرب الماء من بئر زمزم، والماء طبيعته طاهر مطهِّر لا تشوبه شائبة فالشرب من ماء زمزم لا يتلائم مع عصيان الرب فمن شرب منه لابد وأن يلحظ تأثير هذا الشرب على نفسه صفاء و طهارة وقد ورد في الدعاء حين شرب ماء زمزم ""اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم"



[34] - ذلك حسب درجات الإيمان فهناك من يرجو ثواب الله وجنته و يخاف عقابه وناره وهناك من لا يرجو إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه وهو الذي لا يعبد الله خوفا من ناره ولا طمعاً في جنته بل تكون عبادته عبادة الأحرار .

[35] - يستحب أن يبقى الحاج في منى ليلة عرفة أي ليلة التاسع من ذي الحجة ويدعوا بهذا الدعاء " اللهم هذه منى مما مننت به علينا من المناسك فأسألك ؟ أن تمن علي فيها بما مننت به على أوليائك فانما أنا عبدك وفي قبضتك " .

[36] - واختلف في سبب تسميتها بعرفات، فقيل لأن إبراهيم عليه السلام عرفها بما تقدّم له من النعت لها والوصف. وقيل: أنها سمّيت بذلك لأنّ آدم وحواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا. وقيل سميت بذلك لعلوّها وارتفاعها ومنه عرف الديك. وقيل سمّيت بذلك لأنّ إبراهيم عليه السلام كان يريه جبرائيل المناسك فيقول عرفت عرفت عن عطاء.

وروي عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام انّه يذبح ابنه فأصبح يروّي يومه أجمع، أي يفكّر أ هو أمر اللّه أم لا فسُمي بذلك يوم التروية، ثم رأى في الليلة الثانية فلما أصبح عرف أنّه من اللّه فسُمي يوم عرفة.

وفي العلل على ما في البحار: قال ابن عمّار: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن عرفات، لم سمّيت عرفات؟ فقال: إن جبرائيل خرج بإبراهيم صلوات اللّه عليه يوم عرفة، فلما زالت الشمس، قال له جبرائيل: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسميت عرفات؛ لقول جبرائيل له: اعترف؛ فاعترف.



[37] - في الموقف جبلٌٌ يصعده الحجيج، ويتضرعون فيه بالدعاء، وسمّي هذا الجبل في الكتب التأريخية بعدة أسماء من قبيل «جبل الرحمة»، و«القُرين»، و «اِلال» -بكسر وفتح الألف-، و«النابت»(معالم مكة). وجبل الرحمة الذي يسمى اِلالا أيضاً -بكسر الهمزة والتخفيف- اسم الموضع الذي نزلت به الملائكة لنصرة جيش المسلمين وهو إلى اليسار باتجاه الصفراء(تقويم البلدان:109،رحلة ابن بطوطة1: 132).

قيل بكراهة الصعود على الجبل حال الوقوف بعرفة والأفضل أن يقف تحت الجبل .

[38] - من أرض الحرم قرب عرفة(معجم البلدان5 : 304 ).وفي صحيحة ابن عمار: أنها بطن عرنة، ففيها: ((فاذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة وهي: بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة..))(الكافي4: 461-3، التهذيب 5: 179-600) وفيها تصريح بخروج نمرة عن الموقف وعرفة.

و عن أبي بصير، أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يذكران ((أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام: ترو من الماء، فسميت التروية ثم أتى منى فأباته بها، ثم غدا به إلى عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا بأحجار بيض، وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلى الإمام يوم عرفة، فصلى بها الظهر والعصر، ثم عمد به إلى عرفات))(الكافي4 : 207 | 9). وقصد النبي عرفات في اليوم الثامن من ذي الحجّة ونزل في خيمة أُعدَّت له في نمرة، وألقى هناك خطاباً تاريخياً هاماً وهو على ناقته، في جموع بلغت 100 ألف.

[39] - عرفة هي مظهر العرفان يقف الحاج فيها ليكتسب المعنويات المنتشرة في أجوائها النابعة من معدن العلم والمعرفة قطب عالم التكوين صاحب الأمر الحجَّة بن الحسن المهدي عجَّل الله تعالى فرجه الذي يحضر الموقف في كلِّ عام، وتختلط تلك الحالة المعنوية بروح حسينية حيث يقرأ دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة الذي هو من مفاخر الإماميَّة .



[40] - هي الموضع الذي يؤمر الحاج بنزوله والمبيت فيه بعد إفاضته من عرفات ليلاً. وهو ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسِّر بحيث يبلغ طول المشعر الحرام 4370 متراً تقريبا. وأما تسميتها بالمزدلفة: لأنها من الإزدلاف بمعنى التقدم والإفاضة، كما جاء في حديث معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام: ((وإنما سُميت مزدلفة لأنهم ازدلفوا إليها من عرفات))(الوسائل:10، باب4، من أبواب الوقوف بالمشعر: ج5). وقيل: إنما سميت كذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل: أي ساعات.

ويقال لها: المشعر الحرام، ولكن المشعر يقع في وسط المزدلفة وهو المسجد القائم في المزدلفة، وإطلاق المشعر على المزدلفة كلها إطلاقٌ مجازيٌ من باب تسمية الشيء باسم الجزء، كما تقول اشتريت مائة "رأس" من الغنم.

ويقال لها: جُمَع، بضم الجيم وفتح الميم، وقد سميت بذلك لاجتماع الناس فيها بعد الإفاضة من عرفات.



[41] - لعلهما الجبلان اللذان يمر الحجاج من خلالهما وهما بين عرفة والمزدلفة إلا أنهما أقرب إلى المزدلفة وعندما ينزل الناس منهما إلى المشعر وهم جميعا محرمون بالرداء و الإزار الأبيضين فكأن الماء قد فاض من أعلى الجبل ولعلَّ القرآن أراد أن يشير إلى هذه الحقيقة في قوله :"... فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ"(البقرة/198).



[42] - قال تعالى: {فَإذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (البقرة/198).

في أطراف مكة (المشعر الحرام، عرفات، ومنى) علامات تتجلى فيها آيات بينات. فرغم أنَّ تلك المنطقة بعيدة عن مدار السيل، إلاّ أنَّهُ يكثر فيها الحصى وأجزاء الصخر المفَتَّت إلى قطع صغيرة، كتلك التي تتركها السيول حين تدهم منطقة صخرية جبلية. فالحصى هناك كثير، ويكفي أن نتصوّر كثرته بما يحمله كل حاج بمفرده، إذ يحتاج كحدٍ وسط أو أدنى إلى سبعين حصاة؛ ومع ذلك لا زال الحصى وفيراً لم ينفذ، وفي ذلك وحده معجزة. يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير: «وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمئة ألف إنسان -كل واحد منهم- سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك الاّ ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.



[43] - فهناك تناسب بين التقاط الحصى وبين العلم والعمل، لأنَّ الحاج حينما يبدأ بالتقاط الحصى في الليل المظلم يوجِّه كل قواه الباطنية إليها حيث تشترط فيها مواصفات من ناحية الحجم والصفات فيجب أن تكون بكراً من داخل الحرم ومباحة .

[44] - المشعر الحرام هو البرزخ بين عرفة ومنى والبرزخ بين العرفان والعمل، ففي عرفة يعرف الإنسان نفسه من أين وفي اين وإلى أين وفي منى ينتقل إلى مرحلة العمل حيث الصراع مع الشيطان الواقعي والشيطان الصوري ثم الشكر بالهدي والحلق أو التقصير، ولكن رغم ذلك لابد من وجود برزخ بينهما يصل الإنسان فيها إلى مرحلة الشعور والإدراك فيعلم ماذا سيفعل وكيف يفعل، فالشعار يتوقف على الشعور، فالبُدن شعار "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ..."(الحج/36). ولكن تقوى القلب هو الأساس الذي يكتسبه الإنسان في المزدلفة "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ"(الحج/32). ومع وجود التقوى يتمكن الإنسان من تعظيم الشعائر الإلهية.





[45] مِنى: بكسر الميم: أحد مشاعر الحج وأقربها إلى مكة وحدودها من جهة الطول من العقبة إلى وادي محسر ما يقارب 3500 متر تقريباً، ينزله الحاج يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة. سميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء وقيل لما يُمنى فيها من الدعاء. وقيل: لما روي عن ابن عباس: ((إن جبرائيل عليه السلام لما أراد أن يفارق آدم عليه السلام قال له: تَمنَّ. قال: أتمنى الجنّة، فسميت بذلك لأمنيته))(جواهر الكلام: ج19، ص100). وقيل: لتمني إبراهيم فيها أن يجعل الله مكان ابنه كبشاً يأمره بذبحه فدية له، فأعطاه الله مناه...وبمنى الجمرات الثلاث، وجامع الخيف، ومسجد الكوثر، ومسجد منى، وغار المرسلات، والصخرة التي قام عليها إبراهيم حينما هَمَّ بذبح ولده إسماعيل أو مسجد الكبش، والنحر، ومسجد البيعة.



[46] - الجمرة في اللغة هي الحصاة. وقال ابن الكلبيّ: إنما سميت الجمار جماراً لأن آدم كان يرمي إبليس فيجمر من بين يديه، والإجمار الإسراع. وهي ثلاثة: الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة-الكبرى. وسميت الجمرة الأخيرة بالعقبة لأنها مدخل منى من الغربة وهي أقرب الجمار إلى مكة. والمسافة بين جمرة العقبة والوسطى 116,77 متراً، والتي بين الأولى والوسطى 165,40 متراً.

[47] - وهو نفسه طواف الزيارة ويسمى أيضاً طواف الحج وبه يحل الطيب ويجب بعد صلاته السعي وهناك طواف آخر وهو طواف النساء وليس فيه سعي به تحلُّ النساء ويدل عليه قوله تعالى :"ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ"(الحج/29).

[48] - فالله جلَّ وعلا هو منى المحبين وغاية آمال العارفين .

[49] - ذلك لأنَّ كل ما حدث لبني آدم فهو من جراء هبوطه إلى هذه الدنيا وهناك تبعات كثيرة لهذا الهبوط يجب التخلص منها كي يتمكن بنو آدم من العروج إلى المعاد الذي هو المبدأ "إنا لله وإنا إليه راجعون" "هو الأول والاخر والظاهر والباطن" .

[50] - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل .." ... وطواف البيت والسعي بين الصفا والمروة ينقيك كما ولدتك امك من الذنوب "



[51] - مسجد الخَيْف: بفتح أوله، وهو ما انحدر من غِلَظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء. يقع في الجهة الجنوبية من مِنى على يسار القادم من عرفات ويمين المقبل من مكة. وهو مسجد واسع كبير مستطيل الشكل تبلغ مساحته في القرن الثالث 6380 متر مربعاً، وفيه محراب في موضع خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ألقى فيه خطبته المشهورة، وكان محل صلاة النبي قريباً من المنارة وقد صلى بمكانها الأوقات الخمسة أولها الظهر وآخرها الصبح ثم رحل إلى عرفة يوم التاسع، ولهذا المسجد العظيم قدسية خاصة.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ((صلّى في مسجد الخيف سبعمائة نبي))، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((في مسجد الخيف قبر سبعين نبياً))(فروع الكافي، الكليني: ج4، ص214، الفاكهي، أخبار مكة: ج2، ص266).



[52] - الإمام عليه السلام أراد أن يقول بأنَّ الخيف من الخوف وهو الخوف من الله القهار ثم من الذنب قال تعالى عن لسان هابيل ابن أبينا آدم عليه السلام " إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}(المائدة/28). والخوف من الله هو الخوف من مقام الله العزيز الجبار كما قال :"وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ"(الرحمن/46). وفي قوله تعالى :"... يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}(الإسراء/57). قد جمع سبحانه بين الخوف والرجاء .



[53] - وعن الصادق عليه السلام " واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة" مصباح الشريعة ص17

[54] - قال تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}(الصافات/102). {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(الصافات/103). {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ}(الصافات/104). {قَد صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(الصافات/105). {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ}(الصافات/106). {وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}(الصافات/107).



[55] - إنّ الحج بما فيه من نسك يرجع إلى إبراهيم عليه السلام لأنه هو الذي قال عنه جل وعلا " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.."البقرة 127. "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون" كما أنّه هو الذي دعا الله سبحانه فقال : {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فكان يترقب مجيء الرسول الخاتم وأيضاً هو الذي طلب من الله أن يمنحه لساناً يتحدَّث باسمه فقال : "وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ" الشعراء 48 وقد استجاب الله دعاءه فقال " وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" مريم 50 ومن أهم الأدعية التي دعا بها إبراهيم الخليل أن يجعله الله وابنه إسماعيل مسلمَين ومن ذريته أمَّة مسلمة حيث قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ...}

وقد وصل تسليمهما إلى مستوى التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، غير أنَّ أوَّل المسلمين مرتبة وزماناً هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، والله سبحانه يخاطبه بقوله:{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} فهو كان يتَّبع دين الإسلام ويسير على خطى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم كما قال تعالى:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْـرِكِينَ} وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ((كان على دين محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ))

ثم يطلب من الله سبحانه أن يريهما مناسكهما حيث يقول:{...وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ...} وذلك لأنّ الله قد جعل لكلِّ أمَّة منسكاً فيقول:{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ...} والظاهر أنَّ المراد من المناسك هي أعمال الحج، وقيل أنَّ المراد من الرؤية هو رؤية أماكن أداء النسك ولكن الظاهر أنَّها الرؤية القلبية الباطنية والروحية ومشاهدة البعد الملكوتي من المناسك الذي هو حقيقة جزاء العبد، . وحيث يرى نفسه وابنه مقصِّران في أداء التكليف يقول:

{وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ...} وقد استجاب الله دعاءه هذا حيث قال مخاطباً خاتم النبيين:

{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذا يدلُّ على أنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام - بالفعل - كان قد تناهى في أداء النسك، حيث يخاطب الله سبحانه محمَّداً صلى الله عليه وآله وسلَّم أن يقرر حنيفيَّة إبراهيم (ع).



[56] - وقد ذكر سبحانه الودَّ في قوله "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"(آل عمران/31).وأيضا : {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} فالحسنة هي مودَّة قربى الرسول وبذلك يمكننا تفسير حقيقة الحسنة في قوله {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وقد جاء ذلك ضمن آيات الحج والإفاضة من عرفة إلى المشعر الحرام، وبذلك قد استجيبت دعوة إبراهيم الخليل حيث قال {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ...}

[57]-في نسخة: ذبحت.

[58]-مستدرك الوسائل 10: 166-172، نقلاً عن كتاب شرح النخبة.


حديث الإمام زين العابدين عليه السلام للشبلي



لمّا رجع مولانا زين العابدين عليه السلام من الحجّ [1] استقبله الشبلي[2]

فقال عليه السلام له: (حججت يا شبلي؟)[3]. قال: نعم، يابن رسول الله.

فقال عليه السلام: (أَنَزلْتَ الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟) [4] قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين نزلت الميقات نويت أنّك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة؟ [5]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات[6]؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين اغتسلت نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب[7]؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت!).



ثم قال عليه السلام: (تنظّفت وأحرمت وعقدت بالحج؟ [8]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين تنظّفت وأحرمت وعقدت الحجّ، نويت أنّك تنظّفت بنور [9]التوبة[10] الخالصة لله تعالى؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين عقدت الحجّ نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير الله؟). قال: لا.

قال عليه السلام له: (ما تنظّفت ولا أحرمت ولا عقدت الحج!).



قال له عليه السلام: (أدخلت الميقات وصلّيت ركعتي الإحرام[11] ولبّيت؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين دخلت الميقات نويت أنّك بنيّة الزيارة؟[12]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت الركعتين نويت أنّك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد؟).[13] قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين لبّيت نويت أنك نطقت لله سبحانه بكلّ طاعة، وصمت عن كلّ معصية؟).[14]

قال عليه السلام: (فحين أحرمت نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه الله عزّ وجلّ؟). قال: لا.

قال عليه السلام له: (ما دخلت الميقات ولا صلّيت ولا لبّيت!).



ثم قال عليه السلام: (أدخلت الحرم ورأيت الكعبة[15] وصلّيت؟[16]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين دخلت الحرم[17] نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملّة الإِسلام؟ [18]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين وصلت مكّة نويت بقلبك أنّك قصدت الله؟ [19]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما دخلت الحرم ولا رأيت الكعبة ولا صلّيت!).



ثم قال عليه السلام: (طفت بالبيت ومسست الأركان[20] وسعيت؟[21]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى الله[22]، وعرف منك ذلك علاّم الغيوب؟[23]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما طفت بالبيت ولا مسست الأركان ولا سعيت!).



ثم قال عليه السلام له: (صافحت الحجر[24] ووقفت بمقام إبراهيم عليه السلام وصلّيت به ركعتين؟). قال: نعم.

فصاح عليه السلام صيحة كاد يفارق الدنيا، ثم قال: (آه آه)، ثم قال عليه السلام: (من صافح الحجر الأسود، فقد صافح الله تعالى[25]، فانظر يا مسكين،[26] لا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة، وقبضِ الحرام نظير أهل الآثام[27]).

ثم قال عليه السلام: (نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم عليه السلام[28] أنّك وقفت على كلّ طاعة، وتخلّفت عن كلّ معصية؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت فيه ركعتين نويت أنّك صلّيت بصلاة إبراهيم عليه السلام[29] وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان؟[30]). قال: لا.

قال عليه السلام له: (فما صافحت الحجر الأسود ولا وقفت عند المقام ولا صلّيت فيه ركعتين!).



ثم قال عليه السلام له: (أَشْرَفْتَ على بئر زمزم[31]، وشربت من مائها؟[32]). قال: نعم.

قال عليه السلام: ( نويت أنّك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية؟[33]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما أشرفت عليها ولا شربت من مائها!).



ثم قال عليه السلام له: (أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما؟). قال: نعم.

قال عليه السلام له: (نويت أنّك بين الرجاء والخوف؟[34]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما سعيت ولا مشيت، ولا تردّدت بين الصفا والمروة!).



ثم قال عليه السلام: (أخرجت إلى منى؟[35]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما خرجت إلى منى!).



ثم قال عليه السلام له: (أوقفت الوقفة بعرفة[36]، وطلعت جبل الرحمة[37]، وعرفت وادي نمرة[38]، ودعوت الله سبحانه عند الميل والجمرات؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه أمر المعارف والعلوم،[39] وعرفت قبض الله على صحيفتك واطّلاعه على سريرتك وقلبك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (نويت بطلوعك جبل الرحمة أنّ الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة، ويتولّى كلّ مسلم ومسلمة؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتّى تأتمر، ولا تزجر حتّى تنزجر؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما وقفت عند العَلَم والنمرات، نويت أنّها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر ربّ السماوات؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت ولا وقفت عند النمرات!).



ثم قال عليه السلام: (مررت بين العلمين، وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت بمزدلفة[40] ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام؟). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فحين صلّيت ركعتين نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كلّ عسر وتيّسر كلّ يسر؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مشيت بين العلمين[41] ولم تعدل عنهما يميناً وشمالاً، نويت ألاّ تعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالاً لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مشيت بمزدلفة ولقطت منها الحصى[42] نويت أنّك رفعت عنك كلّ معصية وجهل، وثبّت كلّ علم وعمل؟ [43]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما مررت بالمشعر الحرام نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف لله عزّ وجلّ؟[44]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام!).



ثم قال عليه السلام له: (وصلت منى[45] ورميت الجمرة[46]، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة؟[47]). قال: نعم.

قال عليه السلام: (فنويت عندما وصلت منى ورميت الجمار أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك؟[48]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما رميت الجمار نويت أنّك رميت عدوّك ابليس وغضبته بتمام حجّك النفيس؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما حلقت رأسك نويت أنّك تطهّرت من الأدناس ومن تبعة بني آدم،[49] وخرجت من الذنوب كما ولدتك اُمّك؟[50]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما صلّيت في مسجد الخيف[51] نويت أنّك لا تخاف إلاّ الله عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلاّ رحمة الله تعالى؟[52]). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما ذبحت هديك نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسّكت به من حقيقة الورع[53]، وأنك اتّبعت سنّة إبراهيم عليه السلام بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحان قلبه[54]، وأحييت سنّته لمن بعده،[55] وقرّبه إلى الله تعالى لمن خلقه؟). قال: لا.

قال عليه السلام: (فعندما رجعت إلى مكّة وطفت طواف الإفاضة نويت أنّك أفضت من رحمة الله تعالى ورجعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه،[56] وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى؟). قال: لا.

قال له زين العابدين عليه السلام: (فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت[57]نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت، ارجع فإنّك لم تحجّ!).

فطفق الشبلي يبكي على ما فرّطه في حجّه، وما زال يتعلّم حتّى حجّ من قابل بمعرفة ويقين. انتهى.[58]





--------------------------------------------------------------------------------

[1]-ورد عن زرارة قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كانت لعلي بن الحسين عليه السلام ناقة قد حج عليها اثنتين وعشرين حجة ما قرعها قرعة قط..))(البحار ج27 ص270 رواية23 باب16).

وفي رواية أخرى سار عليه السلام ماشيا عشرين يوما من المدينة إلى مكة. كما أنه ورد في الحديث أن الإمام الحسن عليه السلام قد حج ماشياً 15 حجة والإمام الحسين عليه السلام قد حج ماشيا 25 حجة(البحارج46 ص91 رواية78 باب5).

فهو عليه السلام ابن مكّة ومنى وابن زمزم والصفا كما قال الفرزدق في شعره المعروف :

((هذا الذى تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خـير عبـاد الله كلهم * هذا التقى النقى الطاهر العلم

يكاد يمسكه عـرفان راحـته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم))(البحار ج46 ص121 رواية13 باب8)



[2]-مع أننا لم نتعرَّف على الشبلي حيث لم يتعرض إليه علماء الرجال والحديث، إلاّ أن الحديث يشتمل على مفاهيم عرفانية عميقة ويبين لنا جانباً كبيراً من أسرار هذه الفريضة المقدَّسة ويشتمل على دروس نافعة لكل من أراد أن يقصد البيت فمضمونه يدلُّ على صحَّته .



[3]-الإمام السجّاد عليه السلام يريد بيان البعد الملكوتي الباطني لمناسك الحج، حيث أنه البعد الذي يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى بقلبه، ومن الواضح أنَّ فلسفة العبادات هي التقرُّب إليه تعالى . وأمّا سائر النتائج مهما كانت كبيرةإلا أنّها ليست العلَّة في تشريع العبادات، كما يستفاد من قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}(الحج/27،28) فالآية تؤكِّد على هذه الحقيقة حيث أنَّ المنافع عائدة إلى هؤلاء الراجلين الفقراء وأصحاب الضامر وهو الهزيل من الإبل .



[4]-وهو غسل الإحرام حيث يستحب لمن أراد أن يحرم أن يغتسل في الميقات.



[5]-وقد ورد في القرآن الكريم {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}(الأعراف/26). وعن مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: ((أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى وأنعمه الإيمان)) فاللباس الحقيقي هو لباس التقوى ولباس طاعة الله تعالى الذي من لبسه لا يعرى يوم يخرج الناس من قبورهم عراة، . وقد شاع هذا التعبير في لسان الشرع .وقوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}(البقرة/187) يحمل هذا المعنى، حيث أنّ من تزوَّج فقد أحرز نصف دينه، . ثم أن هذا اللباس القلبي بنفسه سيتجسَّد يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}(الكهف/31) {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}(الحج/23) و في المقابل فإن ثياب المعصية فهي ما ذكره الله تعالى في قوله: {..فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار..}(الحج/19).



[6]- (وذلك لأن الثوب الذي يلبسه الإنسان له خصوصيات تتعلق به لا بغيره، لأنه خُيِّطَ له خاصة فيتناسب مع جسمه وهذا ما يثير أنانيته) (المخيط من الثياب إضافة إلى ستره للعورة، فإن له صفة الاختصاص والانفراد بين الآخرين، كما أن له صفة الظهور أمام الناس بغير حقيقة الإنسان، فمن جهة هو إبراز للتميّز بين الآخرين وإبراز للأنانية التي هي رأس كلّ خطيئة،، ثم هو مظهر لـ الرياء و النفاق وهو عدم تطابق الظاهر مع الباطن . وأما علاقة الشبهات بالثياب فمن حيث أن الإنسان في حدّ نفسه صافٍ لولا ما يطرأ عليه من الثياب والأكل والشرب فهي بطبيعتها مشوبة بالشبهات، إلاّ أن يراقب الإنسان نفسه فيتجنَّب الشبهات، قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}(عبس/24) فالثياب من موارد الشبهات وبخلعها يتجرّد الإنسان من الشبهة، وأما الإحرام فليس له مما سبق من الصفات إلا ستر العورة، وذلك كما ورد في الدعاء عند لبس ثوبي الإحرام "الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي".



[7]-وإن كان في الشريعة غسلٌ يسمَّى غسل التوبة إلا أنَّ لكلِّ غُسل تأثيراً جسمياً وروحياً في الإنسان، وهو سبب للقرب إلى الله تعالى ولذلك يجب أن ينوي بغسله التقرُّب إلى الله تعالى.



[8]-فالحج إنّما هو تعاقد من الله سبحانه واستجابة لطلبه وهذا هو سرّ التلبية "لبيك اللهم لبيك" ولا تتحقق إلا بالتوبة والإنابة، ومن مظاهر التوبة أن يحلّ العبد جميع العقود التي كانت لغير الله، وإلى هذا يشير الإمام عليه السلام.



[9]-في نسخة: بنورة



[10]-وبالفعل التوبة تَمُدُّ المؤمن بنور إلهي، وقد ذكر سبحانه هذا النور في سياق آية التوبة حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(التحريم/8).



[11]-وهذه الصلاة أيضاً مستحبَّة بل تستحب ست ركعات قبل الإحرام .



[12]-الظاهر أن المقصود هو زيارة بيت الله الحرام، ولا تكمل الزيارة إلا بزيارة النبي صلى الله عليه وآله فإنَّ تمام الحج بذلك ولعلّ قوله تعالى " وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ..}(النساء/100). يشير إلى ذلك .



[13]-ذكر الإمام الخميني قدس سره في الآداب المعنوية للصلاة أن الوصول إلى فناء الله والحصول على الراحة المطلقة والطمأنينة التامّة يتحقق بالصلاة:

((فالصلاة هي الفلاح المطلق وهي خير الأعمال، وعلى السالك أن يفهّم القلب هذه اللطيفة الإلهية بالتكرار والذكر التام ويوقظ الفطرة ....فإذا وصل إلى ذلك المقام يعلن إعلان الحضور فقد قامت الصلاة فلابد أن يرى نفسه في حضرة مالك الملوك......ويفد على الكريم ولا يرى لنفسه زاداً وراحلة، ويرى قلبه فارغا عن السلامة، ولا يحسب عمله من الحسنات ولا يعدّه أقل شيء، فإذا استحكمت هذه الحالة في القلب فالمرجو أن يقع مورداً للعناية، أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))(الآداب المعنوية للصلاة للإمام الخميني قدس سره).



[14]- لأن كلمة لبِّيك مطلقة غير مقيَّدة، فقائلها يريد منها أنه استجاب لدعوة الله في كافة الأمور، فهو لم يحدِّد طاعة خاصة بل نطق لله بكلِّ طاعة، وكذلك لم يقصد ترك معصية ما كمحرمات الإحرام فقط بل أراد أن يجتنب عن كلِّ معصية سواء كانت من محرمات الإحرام أم لا.



[15]-قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران/96). فالكعبة المعظَّمة هي أول بيت وضع للناس وأقدمه، ولعلّه لهذا سميت بالبيت العتيق، إذ العتيق يطلق على القديم النفيس، فلا يطلق على ما لا قِدمة له، ولا القديم الذي لا نفاسة له، بل القديم الذي مرت عليه الدهور ولم يُدنسه شيء، هذا هو الموجب لقداسة الكعبة وهي بانضمامها إلى القدمة التاريخية يوجب أن يصير بيتاً عتيقاً.

بناء الكعبة:

قيل في ذلك أنها بنيت عشر مرّات، وهي: بناء الملائكة، وبناء آدم عليه السلام، وبناء أولاده، وبناء الخليل إبراهيم عليه السلام، وبناء العمالقة، وبناء جرهم، وبناء قصي بن كلاب جدّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبناء قريش قبل بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعمره الشريف يومئذ خمس وعشرون سنة، وبناء عبدالله بن الزّبير بن العوام الأسدي، وآخرها بناء الحَجّاج بن يوسف الثقفي.(تحفة الكرام في تاريخ مكة-السيد محمد مهدي بحر العلوم)

قواعد الكعبة:

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}(الحجر/21) فمن ذلك ما ورد من نزول قواعد الكعبة من الجنة، وكذا نزول الحجر الأسود ونزول حَجر المقام منها حيث أن ذلك كله يدل على أن لأجزاء البيت وأركانه أصلاً طيّباً عند الله، تكون تلك الأمور متنزلة من ذلك الأصل الطيب لا بنحو التجافي المستلزم للنفاد والزوال، بل بنحو التجلّي، فالكعبة قد تنزلت من البيت المعمور المتنزل من العرش، التنزل المنزه عن التجافي.(أسرار الحج-آية الله جوادي آملي).

إمّا: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لأَبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا..}(الحج/26). يعني أن تَبوئة البيت وتعيين مكانه وهندسة تأسيسه إنما هو على التوحيد الصرف الذي لا يشوبه أيّ شرك أصلاً، وهذا التوحيد المحض، الذي أسس عليه الكعبة لا يتحقق إلاّ في الأوحدي من المؤمنين، إذ الأكثري منهم ليس مصوناً عن لوث الشرك الجلي، كالتواضع للغني لغناه، والتذلل للطاغوت لطغيانه. أو الشرك الخفي كترك الدنيا للدنيا والزهد فيها للجاه والمقام. نتحصل أن الكعبة مرفوعة القواعد على الخلوص، ومقبولة لله تعالى بالتقوى.

وكما أن القرآن الكريم مرآة نقيّة يرى الناظر صورته الجميلة أو القبيحة فيها، ولذلك يهدي به الله، من اتبع رضوانه، سبل السلام، ويضل به الفاسقين، كذلك الكعبة مرآة صافية يرى الناظر منظره الجميل أو القبيح فيها، يهدي بها الله من يشاء ويضل بها من يشاء، وهم الذين نزل فيهم: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً..}(الأنفال/35). وهؤلاء لا يُوفقون للطواف حولها والصلاة نحوها، وما إلى ذلك من الشؤون العبادية.(أسرار الحج-آية الله جوادي آملي).



[16]-وهي صلاة مستحبَّة وربَّما هي صلاة تحيَّة المسجد.



[17]-والحرام بمعنى المحرّم، كقوله تعالى: (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)(إبراهيم/37)، فإنّ العرب كانت تحرّم فيه ما تستحلّ في غيره من القتل والقتال؛ وإمّا بمعنى الحرم -كزمان وزمن- لكونه أمْناً لمن دخله ومانعاً له؛ وإمّا لأنّه ذا حرمة واحترام يحرم على الخلق أنْ يفعلوا فيه ما لا ينبغي من مناهي الشرع.(الحج في نهج البلاغة-فارس تبريزيان).



[18]-((عَنْ عَلِيّ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ أبيه عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قال: قال رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم: الغِيبَةُ أَسْرَعُ في دينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الأَكْلَةِ فِي جَوْفه..))(أصول الكافي، المجلد الثاني،كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبهت،ح1)



[19]-الحج في اللغة يعني القصد، وفي الإصطلاح هو قصد بيت الله ظاهراً وقصد الله حقيقةً، قال تعالى عن لسان إبراهيم الخليل: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ}(الصافات/99) وعن لسان لوط عليه السلام: {َقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(العنكبوت/26).



[20]-وهما الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود.



[21] -لا يقصد الإمام عليه السلام من السعي هنا السعي بين الصفا والمروة بل السعي في حال الطواف لأنّه سيبيِّن فيما بعد سر السعي بين الصفا والمروة في فصل مستقل .

[22]-وقد ورد ذلك في أدعيتنا المأثورة عنهم عليهم السلام كثيراً، ففي الدعاء: ((هربت منك إليك غير مستنكف ولا مستكبر))(البحار ج89 ص291)، وفي دعاء آخر: ((اللهم إنّي منك إليك أفر)) وهذه الحقيقة تتجلى بوضوح في السعي بين الصفا والمروة خاصة حين الهرولة، وهو نهاية الذلّ بين يدي الله وكفى للعبد عزا إذا ذلَ نفسه للعزيز المطلق.



[23] - فهذا الأمر مهم للغاية فالإنسان الذي يعلم بأنّ الله يراه على كلِّ حال فلن يرتكب محرماً ولن يترك واجباً " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

[24]-هو حجر ثقيل بيضاوي الشكل غير منتظم لونه، أسود يميل إلى الاحمرار، وفيه نقط حمراء وتعاريج صفراء هي أثر لحام القطع المتكسرة منه، والتي تمّ لصقها وجوانبه مشدودة بصفيحة من فضة يلوح بياضها على سواد الحجر، وفي القطعة الصحيحة منه نقطة بيضاء صغيرة مشرقة قطرها 27سم، وكان الناس إذا طافوا بالكعبة يتساقط بعضهم على بعض ازدحاماً على تقبيل الحجر الأسود، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبله، ويواجه ركن الحجر الجزء الجنوبي من بلاد الحجاز.



[25]- عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن استلام الحجر لم يستلم؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى علوا كبيرا أخذ مواثيق العباد ثم دعا الحجر من الجنة فأمره فالتقم الميثاق، فالموافقون شاهدون بيعتهم، ولذلك ورد في الدعاء عند استلام الحجر: ((أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتُه لِتَشْهَد لي بالمؤافاة))(وسائل الشيعة ج9 ص400 باب12 ح1) .يقول ابن عباس: ((واستلامه اليوم (أي الحجر) بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم))(وسائل الشيعة9 : 406 باب12 ح15 أبواب الطواف) .



[26] - حيث أنّ الزاد الحقيقي هو التقوى قال تعالى :" ...وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(البقرة/197). فالكثير منا بالفعل هم مساكين دار القرار، وإن كانوا أغنياء دار البوار .



[27]-لعلَّه إشارة إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة/188). وقوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(المائدة/62).



[28]-قد ورد ذكر المقام في موردين من القرآن الكريم:

أ-قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(البقرة/125).

ب-قال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/97).

((إنَّ حَجر مقام إبراهيم الخليل عليه السلام مُثبَت فوق قاعدة صغيرة من الرّخام المرمر، بقدر قياس نفس المقام الشريف طولا وعرضاً، وأما ارتفاعها فثلاثة عشر سنتيمتراً. وأما مقام إبراهيم عليه السلام: فهو حجر لونه ما بين الحمرة إلى الصفرة بل أقرب إلى البياض، يشبه المكعّب، ارتفاعه عشرون سنتيمتراً، وطول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة وثلاثون سنتيمتراً بزيادة سنتيمين في الضلع الرابع، فمحيطه 146 سنتيمتراً.. وهو ملبَّس بفضة خالصة لا يظهر منه إلاّ معالم وهيئة القدمين، واضحة بيّنة لم تتغيّر ولم تتبدّل: طول كلّ واحدة من القدمين 27سم، وعرضهما 14سم من أعلى. وعمق إحداهما 10سم والثانية 9سم. وطولهما في عمقهما 22سم وعرضهما 11سم. وبينهما فاصل نحو 1سم. وأما موضع العقَبين فلا يتّضح إلاّ لمن تأمل ودقّق النظر. وأما أثر أصابع القدمين فقد انمحى من مسح الناس له بأيديهم في طول الزمن))(مقام إبراهيم للشيخ محمد طاهر الكردي المكي: 112-114 ومشاهدته في سنة 1367هـ)

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ((ثلاثة أحجار نزلت من الجنة: حَجر بني إسرائيل، ومقام إبراهيم عليه السلام والحجر الأسود، وكان أشدّ بياضاً من القراطيس فاسودّ من خطايا بني آدم))(تفسير العيّاشي1: 59 ح92).

و روى الكلينيّ في فروع الكافي: ((عن علي بن إبراهيم القمي بإسناده عن ابن سنان قال: سألت أبا عبدالله الصادق عليه السلام عن قول الله عزّوجلّ: {إنَ أول بيت وُضع لّلناس للذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين*فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم}(آل عمران/96،97) ما هذه الآيات؟ قال عليه السلام: مقام إبراهيم حيث قام على الحَجَر فأثّرت فيه قدماه، والحَجر الأسود، ومنزل إسماعيل.))(فروع الكافي1: 227) ولم يذكر الخبر في تفسير القمي للآية، وذكره العياشي في تفسيره 1: 187.

وفي الحقيقة حيث أنّ إبراهيم عليه السَّلام كما «كان أمة واحدة» فانَّ مقامه أيضاً بمنزلة «آيات بينات»؛ أي انَّ المقام فيه آثار اقدام الخليل عليه السَّلام وفير بالمعجزات، حتى أضحى المقام بمنزلة «أمة واحدة» في باب الإعجاز، كما هو شأن الخليل نفسه. وقد أضحى «مقام إبراهيم» آيات بينات من خلال تحوَّل الصخر الصلد إلى عجين لين، ولين الصخرة حصل لعمق وبشكل معين ثم عادت الصخرة -فيما عدا ذاك- لصلادتها، إنَّ هذه الخصيصة التي حصلت لإبراهيم عليه السَّلام كان لها ما يناظرها في سيرة داود عليه السَّلام، {وَلقد آتينا داود فَضلاً يا جبال أوّبي معه والطّير وأَلنَّا لَهُ الحدِيدَ}(سبأ/34) فكان الحديد الصلد يلين بين يدي داود عليه السَّلام. كما أنَّ الصخر أضحى بمثابة «المحفظة» لقدم الخيل عليه السَّلام كما الحديد بالنسبة لداود عليه السَّلام. وقد بذل الأعداء جهوداً لمحو هذا الأثر، إلا أنه لم تفلح هذه القوى بمحوه أو بنقله إلى خارج العالم الإسلامي.



[29] لأنَّ إبراهيم عليه السلام هو الذي صلَّى الصلاة الحقيقية التي لم يشبها أي نوع من الشرك كما قال تعالى : {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(الأنعام/161).{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام/162). {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(الأنعام/163). فهذه الصلاة هي التي ترغم أنف الشيطان وأمّا غيرها فهي ليست بصلاة حقيقة .

[30] - هذا ما يؤكِّد عليه الذكر الحكيم من خلال الآيات المختلفة المترابطة، قال تعالى {.. وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}(طه/14). وقال : {.. وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(العنكبوت/45). فعلَّة تشريع الصلاة إنَّما هي ذكر الله تعالى، وبها يُرغم المصلي أنف الشيطان قال تعالى {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }(الأعراف/200). ثمَّ قال : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(الأعراف/201).



[31] تقع أسفل منطقة الطواف، ويبعد فم البئر عن أرضية الطواف 56/1 متراً، ويبعد منتصف البئر عن الحجر الأسود 60/20 متراً.. قد أظهرها الله عز وجل حين اشتد الظمأ بإسماعيل عليه السلام فصعدت هاجر على الصفا ولمع بها السراب في الوادي، فظنت أنه ماء، فنزلت في بطن الوادي، وسعت فلما بلغت المروة لم تجده، فعادت حتى بلغت الصفا، فنظرت، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فلما كان الشوط السابع، وهي على المروة وإذا بجبريل يضرب بجناحه فنبع الماء على وجه الأرض، فنظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه فعادت حتى جمعت حوله رملاً، فزمّته بما جعلت حوله، فلذلك سميت زمزم. (أخبار مكة-الفاسي: ج1 ص298 )



[32] - عن أبي عبدالله عن أبيه عليهما السلام قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ماء زمزم خير ماء على وجه الارض" "وعن إسماعيل بن جابر قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : زمزم شفاء من كل داء "المحاسن ص 573



[33] - وذلك بشرب الماء من بئر زمزم، والماء طبيعته طاهر مطهِّر لا تشوبه شائبة فالشرب من ماء زمزم لا يتلائم مع عصيان الرب فمن شرب منه لابد وأن يلحظ تأثير هذا الشرب على نفسه صفاء و طهارة وقد ورد في الدعاء حين شرب ماء زمزم ""اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم"



[34] - ذلك حسب درجات الإيمان فهناك من يرجو ثواب الله وجنته و يخاف عقابه وناره وهناك من لا يرجو إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه وهو الذي لا يعبد الله خوفا من ناره ولا طمعاً في جنته بل تكون عبادته عبادة الأحرار .

[35] - يستحب أن يبقى الحاج في منى ليلة عرفة أي ليلة التاسع من ذي الحجة ويدعوا بهذا الدعاء " اللهم هذه منى مما مننت به علينا من المناسك فأسألك ؟ أن تمن علي فيها بما مننت به على أوليائك فانما أنا عبدك وفي قبضتك " .

[36] - واختلف في سبب تسميتها بعرفات، فقيل لأن إبراهيم عليه السلام عرفها بما تقدّم له من النعت لها والوصف. وقيل: أنها سمّيت بذلك لأنّ آدم وحواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا. وقيل سميت بذلك لعلوّها وارتفاعها ومنه عرف الديك. وقيل سمّيت بذلك لأنّ إبراهيم عليه السلام كان يريه جبرائيل المناسك فيقول عرفت عرفت عن عطاء.

وروي عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام انّه يذبح ابنه فأصبح يروّي يومه أجمع، أي يفكّر أ هو أمر اللّه أم لا فسُمي بذلك يوم التروية، ثم رأى في الليلة الثانية فلما أصبح عرف أنّه من اللّه فسُمي يوم عرفة.

وفي العلل على ما في البحار: قال ابن عمّار: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن عرفات، لم سمّيت عرفات؟ فقال: إن جبرائيل خرج بإبراهيم صلوات اللّه عليه يوم عرفة، فلما زالت الشمس، قال له جبرائيل: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فسميت عرفات؛ لقول جبرائيل له: اعترف؛ فاعترف.



[37] - في الموقف جبلٌٌ يصعده الحجيج، ويتضرعون فيه بالدعاء، وسمّي هذا الجبل في الكتب التأريخية بعدة أسماء من قبيل «جبل الرحمة»، و«القُرين»، و «اِلال» -بكسر وفتح الألف-، و«النابت»(معالم مكة). وجبل الرحمة الذي يسمى اِلالا أيضاً -بكسر الهمزة والتخفيف- اسم الموضع الذي نزلت به الملائكة لنصرة جيش المسلمين وهو إلى اليسار باتجاه الصفراء(تقويم البلدان:109،رحلة ابن بطوطة1: 132).

قيل بكراهة الصعود على الجبل حال الوقوف بعرفة والأفضل أن يقف تحت الجبل .

[38] - من أرض الحرم قرب عرفة(معجم البلدان5 : 304 ).وفي صحيحة ابن عمار: أنها بطن عرنة، ففيها: ((فاذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة وهي: بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة..))(الكافي4: 461-3، التهذيب 5: 179-600) وفيها تصريح بخروج نمرة عن الموقف وعرفة.

و عن أبي بصير، أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام يذكران ((أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام: ترو من الماء، فسميت التروية ثم أتى منى فأباته بها، ثم غدا به إلى عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا بأحجار بيض، وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلى الإمام يوم عرفة، فصلى بها الظهر والعصر، ثم عمد به إلى عرفات))(الكافي4 : 207 | 9). وقصد النبي عرفات في اليوم الثامن من ذي الحجّة ونزل في خيمة أُعدَّت له في نمرة، وألقى هناك خطاباً تاريخياً هاماً وهو على ناقته، في جموع بلغت 100 ألف.

[39] - عرفة هي مظهر العرفان يقف الحاج فيها ليكتسب المعنويات المنتشرة في أجوائها النابعة من معدن العلم والمعرفة قطب عالم التكوين صاحب الأمر الحجَّة بن الحسن المهدي عجَّل الله تعالى فرجه الذي يحضر الموقف في كلِّ عام، وتختلط تلك الحالة المعنوية بروح حسينية حيث يقرأ دعاء الحسين عليه السلام يوم عرفة الذي هو من مفاخر الإماميَّة .



[40] - هي الموضع الذي يؤمر الحاج بنزوله والمبيت فيه بعد إفاضته من عرفات ليلاً. وهو ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسِّر بحيث يبلغ طول المشعر الحرام 4370 متراً تقريبا. وأما تسميتها بالمزدلفة: لأنها من الإزدلاف بمعنى التقدم والإفاضة، كما جاء في حديث معاوية بن عمار عن الإمام الصادق عليه السلام: ((وإنما سُميت مزدلفة لأنهم ازدلفوا إليها من عرفات))(الوسائل:10، باب4، من أبواب الوقوف بالمشعر: ج5). وقيل: إنما سميت كذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل: أي ساعات.

ويقال لها: المشعر الحرام، ولكن المشعر يقع في وسط المزدلفة وهو المسجد القائم في المزدلفة، وإطلاق المشعر على المزدلفة كلها إطلاقٌ مجازيٌ من باب تسمية الشيء باسم الجزء، كما تقول اشتريت مائة "رأس" من الغنم.

ويقال لها: جُمَع، بضم الجيم وفتح الميم، وقد سميت بذلك لاجتماع الناس فيها بعد الإفاضة من عرفات.



[41] - لعلهما الجبلان اللذان يمر الحجاج من خلالهما وهما بين عرفة والمزدلفة إلا أنهما أقرب إلى المزدلفة وعندما ينزل الناس منهما إلى المشعر وهم جميعا محرمون بالرداء و الإزار الأبيضين فكأن الماء قد فاض من أعلى الجبل ولعلَّ القرآن أراد أن يشير إلى هذه الحقيقة في قوله :"... فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ"(البقرة/198).



[42] - قال تعالى: {فَإذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (البقرة/198).

في أطراف مكة (المشعر الحرام، عرفات، ومنى) علامات تتجلى فيها آيات بينات. فرغم أنَّ تلك المنطقة بعيدة عن مدار السيل، إلاّ أنَّهُ يكثر فيها الحصى وأجزاء الصخر المفَتَّت إلى قطع صغيرة، كتلك التي تتركها السيول حين تدهم منطقة صخرية جبلية. فالحصى هناك كثير، ويكفي أن نتصوّر كثرته بما يحمله كل حاج بمفرده، إذ يحتاج كحدٍ وسط أو أدنى إلى سبعين حصاة؛ ومع ذلك لا زال الحصى وفيراً لم ينفذ، وفي ذلك وحده معجزة. يقول الفخر الرازي في تفسيره الكبير: «وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمئة ألف إنسان -كل واحد منهم- سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك الاّ ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.



[43] - فهناك تناسب بين التقاط الحصى وبين العلم والعمل، لأنَّ الحاج حينما يبدأ بالتقاط الحصى في الليل المظلم يوجِّه كل قواه الباطنية إليها حيث تشترط فيها مواصفات من ناحية الحجم والصفات فيجب أن تكون بكراً من داخل الحرم ومباحة .

[44] - المشعر الحرام هو البرزخ بين عرفة ومنى والبرزخ بين العرفان والعمل، ففي عرفة يعرف الإنسان نفسه من أين وفي اين وإلى أين وفي منى ينتقل إلى مرحلة العمل حيث الصراع مع الشيطان الواقعي والشيطان الصوري ثم الشكر بالهدي والحلق أو التقصير، ولكن رغم ذلك لابد من وجود برزخ بينهما يصل الإنسان فيها إلى مرحلة الشعور والإدراك فيعلم ماذا سيفعل وكيف يفعل، فالشعار يتوقف على الشعور، فالبُدن شعار "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ..."(الحج/36). ولكن تقوى القلب هو الأساس الذي يكتسبه الإنسان في المزدلفة "ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ"(الحج/32). ومع وجود التقوى يتمكن الإنسان من تعظيم الشعائر الإلهية.





[45] مِنى: بكسر الميم: أحد مشاعر الحج وأقربها إلى مكة وحدودها من جهة الطول من العقبة إلى وادي محسر ما يقارب 3500 متر تقريباً، ينزله الحاج يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة. سميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء وقيل لما يُمنى فيها من الدعاء. وقيل: لما روي عن ابن عباس: ((إن جبرائيل عليه السلام لما أراد أن يفارق آدم عليه السلام قال له: تَمنَّ. قال: أتمنى الجنّة، فسميت بذلك لأمنيته))(جواهر الكلام: ج19، ص100). وقيل: لتمني إبراهيم فيها أن يجعل الله مكان ابنه كبشاً يأمره بذبحه فدية له، فأعطاه الله مناه...وبمنى الجمرات الثلاث، وجامع الخيف، ومسجد الكوثر، ومسجد منى، وغار المرسلات، والصخرة التي قام عليها إبراهيم حينما هَمَّ بذبح ولده إسماعيل أو مسجد الكبش، والنحر، ومسجد البيعة.



[46] - الجمرة في اللغة هي الحصاة. وقال ابن الكلبيّ: إنما سميت الجمار جماراً لأن آدم كان يرمي إبليس فيجمر من بين يديه، والإجمار الإسراع. وهي ثلاثة: الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة-الكبرى. وسميت الجمرة الأخيرة بالعقبة لأنها مدخل منى من الغربة وهي أقرب الجمار إلى مكة. والمسافة بين جمرة العقبة والوسطى 116,77 متراً، والتي بين الأولى والوسطى 165,40 متراً.

[47] - وهو نفسه طواف الزيارة ويسمى أيضاً طواف الحج وبه يحل الطيب ويجب بعد صلاته السعي وهناك طواف آخر وهو طواف النساء وليس فيه سعي به تحلُّ النساء ويدل عليه قوله تعالى :"ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ"(الحج/29).

[48] - فالله جلَّ وعلا هو منى المحبين وغاية آمال العارفين .

[49] - ذلك لأنَّ كل ما حدث لبني آدم فهو من جراء هبوطه إلى هذه الدنيا وهناك تبعات كثيرة لهذا الهبوط يجب التخلص منها كي يتمكن بنو آدم من العروج إلى المعاد الذي هو المبدأ "إنا لله وإنا إليه راجعون" "هو الأول والاخر والظاهر والباطن" .

[50] - قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل .." ... وطواف البيت والسعي بين الصفا والمروة ينقيك كما ولدتك امك من الذنوب "



[51] - مسجد الخَيْف: بفتح أوله، وهو ما انحدر من غِلَظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء. يقع في الجهة الجنوبية من مِنى على يسار القادم من عرفات ويمين المقبل من مكة. وهو مسجد واسع كبير مستطيل الشكل تبلغ مساحته في القرن الثالث 6380 متر مربعاً، وفيه محراب في موضع خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع ألقى فيه خطبته المشهورة، وكان محل صلاة النبي قريباً من المنارة وقد صلى بمكانها الأوقات الخمسة أولها الظهر وآخرها الصبح ثم رحل إلى عرفة يوم التاسع، ولهذا المسجد العظيم قدسية خاصة.
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ((صلّى في مسجد الخيف سبعمائة نبي))، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((في مسجد الخيف قبر سبعين نبياً))(فروع الكافي، الكليني: ج4، ص214، الفاكهي، أخبار مكة: ج2، ص266).



[52] - الإمام عليه السلام أراد أن يقول بأنَّ الخيف من الخوف وهو الخوف من الله القهار ثم من الذنب قال تعالى عن لسان هابيل ابن أبينا آدم عليه السلام " إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}(المائدة/28). والخوف من الله هو الخوف من مقام الله العزيز الجبار كما قال :"وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ"(الرحمن/46). وفي قوله تعالى :"... يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}(الإسراء/57). قد جمع سبحانه بين الخوف والرجاء .



[53] - وعن الصادق عليه السلام " واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة" مصباح الشريعة ص17

[54] - قال تعالى : {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ}(الصافات/102). {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}(الصافات/103). {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ}(الصافات/104). {قَد صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}(الصافات/105). {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ}(الصافات/106). {وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}(الصافات/107).



[55] - إنّ الحج بما فيه من نسك يرجع إلى إبراهيم عليه السلام لأنه هو الذي قال عنه جل وعلا " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.."البقرة 127. "رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون" كما أنّه هو الذي دعا الله سبحانه فقال : {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فكان يترقب مجيء الرسول الخاتم وأيضاً هو الذي طلب من الله أن يمنحه لساناً يتحدَّث باسمه فقال : "وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ" الشعراء 48 وقد استجاب الله دعاءه فقال " وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا" مريم 50 ومن أهم الأدعية التي دعا بها إبراهيم الخليل أن يجعله الله وابنه إسماعيل مسلمَين ومن ذريته أمَّة مسلمة حيث قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ...}

وقد وصل تسليمهما إلى مستوى التضحية بالنفس في سبيل الله تعالى {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، غير أنَّ أوَّل المسلمين مرتبة وزماناً هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، والله سبحانه يخاطبه بقوله:{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} فهو كان يتَّبع دين الإسلام ويسير على خطى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم كما قال تعالى:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْـرِكِينَ} وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ((كان على دين محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ))

ثم يطلب من الله سبحانه أن يريهما مناسكهما حيث يقول:{...وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ...} وذلك لأنّ الله قد جعل لكلِّ أمَّة منسكاً فيقول:{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ...} والظاهر أنَّ المراد من المناسك هي أعمال الحج، وقيل أنَّ المراد من الرؤية هو رؤية أماكن أداء النسك ولكن الظاهر أنَّها الرؤية القلبية الباطنية والروحية ومشاهدة البعد الملكوتي من المناسك الذي هو حقيقة جزاء العبد، . وحيث يرى نفسه وابنه مقصِّران في أداء التكليف يقول:

{وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ...} وقد استجاب الله دعاءه هذا حيث قال مخاطباً خاتم النبيين:

{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذا يدلُّ على أنَّ إبراهيم الخليل عليه السلام - بالفعل - كان قد تناهى في أداء النسك، حيث يخاطب الله سبحانه محمَّداً صلى الله عليه وآله وسلَّم أن يقرر حنيفيَّة إبراهيم (ع).



[56] - وقد ذكر سبحانه الودَّ في قوله "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"(آل عمران/31).وأيضا : {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} فالحسنة هي مودَّة قربى الرسول وبذلك يمكننا تفسير حقيقة الحسنة في قوله {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وقد جاء ذلك ضمن آيات الحج والإفاضة من عرفة إلى المشعر الحرام، وبذلك قد استجيبت دعوة إبراهيم الخليل حيث قال {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ...}

[57]-في نسخة: ذبحت.

[58]-مستدرك الوسائل 10: 166-172، نقلاً عن كتاب شرح النخبة.