المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التشيع المفترى عليه ج4


حسن الروح
20-08-2009, 11:48 PM
التشيع المفترى عليه (4)

الشيخ خالد اباذر العطية

مداخلات وهوامش نقدية على كتاب «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه» لاحمد الكاتب مناقشة الشبهة الخامسة: (خفا دلالة حديث الغدير وعدم فهم الصحابة منه، ومن سائر النصوص الاخرى الواردة بحق علي (ع)، معنى النص بالخلافة).
قال «الكاتب»: «واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق امير المؤمنين، فان بعض علما الشيعة الامامية الاقدمين، كالشريف المرتضى، يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة، حيث يقول في الشافي: (انا لا ندعي علم الضرورة في النص، لا لانفسنا ولا على مخالفينا، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعا ذلك).
ولذلك فان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير، او غيره من الاحاديث، معنى النص والتعيين بالخلافة، ولذلك اختاروا طريق الشورى، وبايعوا ابا بكر كخليفة من بعد الرسول، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي، او عدم وجودها في ذلك الزمان» ((75)) ملاحظة عامة حول الطرح الاستدلالي لهذه الشبهة ان اول ما يلفت النظر، في ما ذكره «الكاتب»، في هذه الشبهة، هو صياغتها الاستدلالية المفككة وعدم الترابط المنطقي بين ما ساقه فيها من مقدمات وما خلص اليه من نتائج، فهو يذكر، اولا، ان حديث الغدير يعد اوضح نص من النبي (ص)واقواه بحق امير المؤمنين وهو يقصد عند الشيعة طبعا ولكنه يستثني من هذا الاجماع الشيعي واحدا من علماالشيعة الامامية الاقدمين، وهو الشريف المرتضى، فيزعم انه «يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة».
والنتيجة التي خلص اليها ضمنا من هذا الاستثنا كما يفهم ذلك من بقية كلامه ان حديث الغدير ليس فيه دلالة على امامة علي وخلافته للنبي. وقدرتب على هذه النتيجة غير المسوغة منطقيا نتيجة اخرى سوغ فيها فعل الصحابة بمبايعتهم ابي بكر خليفة من بعد الرسول (ص)، زاعما ان ذلك الفعل كان ممارسة منهم للشورى تعكس، اما عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي (ع) على فرض صحتها وصدورها من النبي (ص) او عدم وجود تلك النصوص في زمان الصحابة من الاساس، وتاخر وضعها واختلاقها من قبل الشيعة في زمن متاخر عن زمنهم.
والملاحظ ان المحور الذي يدور عليه كلام «الكاتب» هذا هو انكار وجود ما يدل على امامة علي (ع) وخلافته للنبي(ص) من الحديث النبوي الشريف، ولكنه بدلا من ان يكى ف هذا الانكار ويناقش النصوص المدعى ثبوتهاوثبوت دلالتها على خلافه، ومن جملتها نص الغدير الذي اشار اليه، كما يقتضيه المنهج العلمي المتبع في امثال هذه البحوث، نجده يلجا تارة الى التذرع براي مزعوم نسبه الى احد علما الشيعة القدما (الشريف المرتضى) واستند فيه الى عبارة قمشها من كلامه، وزعم انه عد فيها حديث الغدير «نصا خفيا غير واضح بالخلافة»، وتارة اخرى الى التذرع بفعل الصحابة، او فعل بعضهم على الاصح، بعد وفاة الرسول (ص) في عزوفهم عن مبايعة علي (ع) ومبايعتهم ابي بكربالخلافة. وكل من محاولتي «الكاتب» هاتين ليس فيها ما يقنع بصحة الاستنتاج الذي خلص اليه في ما يتعلق بحديث الغدير او غيره من احاديث الامامة والخلافة.
فكون المرتضى، وهو على اية حال، واحد من علما الشيعة فحسب، يعد حديث الغدير، كما يزعم «الكاتب»، «نصاخفيا غير واضح بالخلافة» لا يدل في حد ذاته بالضرورة، على فرض صحة نسبة هذا الراي اليه، على ان رايه هذا هوالراي الفصل في هذا الحديث، لا سيما وانه مخالف لاجماع سائر علما الشيعة، كما يقر بذلك «الكاتب» نفسه. كماان مبايعة بعض الصحابة ايضا لابي بكر واختيارهم طريق الشورى، كما سماه، لا يكشف بالضرورة عن انهم «لم يفهموامن حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة» الا على اساس نظرية عدالة الصحابة وامتناع مخالفتهم للنبي (ص) لاي سبب كان، وهي نظرية تفتقر الى الدليل، بل الدليل قائم على خلافها، كما يقر بذلك بعض علما اهل السنة المحققين ((76)) فهاتان ثغرتان منطقيتان واضحتان في الطرح الاستدلالي لهذه الشبهة تكشفان عن اختلال في طريقة تفكير صاحبهاومنهجه البحثي، او تكشفان في اغلب الظن عن رغبته العميا في تسويغ آرائه المسبقة ولو على حساب موضوعية البحث ونزاهته.
وتبقى بعد ذلك عدة ملاحظات اخرى تفصيلية تتعلق كل واحدة منها بفقرة محددة من فقرات كلام «الكاتب» في هذه الشبهة:
الملاحظة الاولى: خطا ادعا «الكاتب» ان المرتضى يعد حديث الغدير نصا خفي الدلالة على الخلافة ان ادعا «الكاتب» ان الشريف المرتضى يعد حديث الغدير «نصا خفيا غير واضح بالخلافة» ادعا باطل وفرية مفضوحة على الرجل يمكن اكتشافها بعد مراجعة لكتاب «الشافي» الذي قمش منه «الكاتب» العبارة التي استشهد بها في شبهته.
وقد سبق بيان هذه الملاحظة في سياق ما تقدم من ملاحظات منهجية على الفصل الاول، وصفوة ما سبق بيانه فيها مع مزيد من التوضيح:
ان الشريف المرتضى قسم النصوص القولية الدالة على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص) الى قسمين:
احدهما: نصوص حصل العلم لسامعيها من الرسول (ص) بمراده منها بالاضطرار والبداهة، «وهو النص الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالامامة والخلافة، ويسميه اصحابنا النص الجلي، كقوله (ع): (سلموا على علي بامرة المؤمنين) و (هذاخليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له واطيعوا).
وهذا القسم تفرد بنقله الشيعة الامامية، وان كان بعض من لم يفطن الى ما ينطوي عليه من دلالة على الامامة والخلافة من اصحاب الحديث المخالفين للشيعة قد روى شيئا منه».
والقسم الاخر: نصوص حصل العلم لسامعيها من الرسول بمراده منها ايضا، ولكننا لا نجزم انهم علموا النص بالامامة منها اضطرارا، وانما يجوز ان يكونوا «علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظ وما يحسن ان يكون المراد او لايحسن»، اي بوساطة القرائن والشواهد التي تعين دلالة اللفظ وتحددها من بين عدة معان له محتملة ابتدا.
ان هذا التقسيم لنصوص الامامة هو، في راي المرتضى، بالنسبة لمن سمعها من الرسول (ص) مباشرة وبلا وساطة، امابالنسبة الينا نحن وامثالنا من اجيال المسلمين المتاخرين عن زمان الرسول (ص) الذين سمعوها من الرواة ونقلة الاخبار،فانها تندرج جميعا، في رايه، في قسم واحد من حيث كونها جميعا تفتقر، في ثبوت صدورها عن النبي (ص) وكذلك في معرفة دلالتها والمراد منها، الى الاستدلال، وليس شيء منها قد حصل لعامة المسلمين العلم الضروري بصدوره اوبدلالته، على حد علمهم مثلا، بوجوب الصلاة وصوم شهر رمضان وتحريم الخمر، بداهة ان الشيعي وغير الشيعي محتاج في تحصيل العلم بصدورها وثبوتها الى معرفة مصادر روايتها وتمحيص طرقها واسانيدها، كما ان مخالفي الشيعة ينكرون دلالتها على الامامة وان سل مو بثبوت اصلها، والشيعة انفسهم يحتاجون في اثبات دلالتها الى الاستدلال وابطال ما اوله مخالفوهم بها ((77)) هذا كله ذكره المرتضى في كتابه في الجزء والفصل والسياق نفسه الذي رجع اليه «الكاتب»، ونسب اليه فيه انه يعدحديث الغدير «نص ا خفيا غير واضح بالخلافة» ، واقتطع منه تلك العبارة التي استشهد بها على ذلك.
وفي ضوئه يتضح مقصود المرتضى من مصطلح «النص الخفي» الذي قال ان علما الشيعة السابقين جعلوا حديث الغدير احد مصاديقه، كما يتضح ان الامر ليس كما زعمه «الكاتب»، من ان المرتضى يشكك في دلالة حديث الغديروغيره من نصوص الامامة ويعترف، وهو احد علما الشيعة الكبار، بخفا تلك النصوص المطلق، بحيث لا سبيل الى تبين دلالتها على الامامة واثبات هذه الدلالة.
كما يتضح ايضا معنى العبارة التي اقتطعها «الكاتب» من سياقها ليستشهد بها على ما نسبه الى المرتضى، وكنا قد ذكرنا في الموضع الذي سبقت الاشارة فيه اليها من هذا البحث ((78)) ان المرتضى(ره) قد ذكر تلك العبارة في سياق رده على ماادعاه القاضي عبد الجبار في كتابه «المغني» من ان الشيعة يزعمون حصول العلم الضروري للمسلمين بالنص على امامة علي (ع) وذلك على حد علمهم بضروريات الدين الاسلامي من وجوب الصلاة وصوم شهر رمضان وامثالهما من الاحكام، فيكون معنى عبارة المرتضى المشار اليها في ضوء ذلك وفي ضوء تعريفه للنص الجلي والنص الخفي اللذين سبق ذكرهما هو نفي ما ادعاه القاضي عبد الجبار ونسب الى الشيعة القول به من ذلك، واثبات انهم يقولون بان العلم بالنص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص) انما يحصل بالاستدلال.
ومما يؤكد هذا الذي ذكرناه، بخصوص راي المرتضى في حديث الغدير، ويقطع كل عذر «للكاتب» في اساة فهمه وحمله على غير محمله الواضح الصريح، ان المرتضى عقد لحديث الغدير، في موضع آخر من كتابه «الشافي»، بحثااستغرق ستا وستين صفحة رد فيه على ما اثاره القاضي عبد الجبار المعتزلي من شبهات حول هذا الحديث، مبينا في البداية الوجه المعتمد عنده في الاستدلال به على النص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، وذلك بقوله:
«ان النبي (ص) استخرج من امته في ذلك المقام الاقرار بفرض طاعته، ووجوب التصرف بين امره ونهيه، بقوله (ص):«الست اولى بكم منكم بانفسكم؟» وهذا القول وان كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير، وهو جار مجرى قوله تعالى:
(الست بربكم) فلما اجابوه بالاعتراف والاقرار رفع بيد امير المؤمنين (ع) وقال عاطفا على ما تقدم: «فمن كنت مولاه فهذا مولاه»، وفي روايات اخرى: «فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله»، فاتى (ع) بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الاولى التي قدمها وان كان محتملا لغيره، فوجب ان يريد بها المعنى المتقدم الذي قررهم به على مقتضى استعمال اهل اللغة وعرفهم في خطابهم، واذا ثبت انه (ص) اراد ما ذكرناه من ايجابه كون امير المؤمنين (ع) اولى بالامامة من انفسهم، فقد اوجب له الامامة، لانه لا يكون اولى بهم من انفسهم الافي ما يقتضي فرض طاعته عليهم، ونفوذ امره ونهيه فيهم، ولن يكون كذلك الا من كان اماما» ((79)) ثم فصل المرتضى بعد ذلك الحديث عن صحة خبر الغدير وثبوته عن النبي (ص) قائلا: «ان الشيعة قاطبة تنقله وتتواتربه، واكثر رواة اصحاب الحديث يروونه بالاسانيد المتصلة، وجميع اصحاب السير ينقلونه ويتلقونه عن اسلافهم خلفاعن سلف، نقلا بغير اسناد مخصوص، كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة، وقد اورده مصنفو الحديث في جملة الصحيح. فقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الاخبار، لان الاخبار على ضربين:
احدهما لا يعتبر في نقله الاسانيد المتصلة، كالخبر عن وقعة بدر وحنين والجمل وصفين، وما جرى مجرى ذلك من الامور الظاهرة التي نقلهاالناس قرنا بعد قرن بغير اسناد معين وطريق مخصوص، والضرب الاخر يعتبر فيه اتصال الاسانيد، كاكثر اخبار الشريعة.وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان معا مع تفرقهما في غيره من الاخبار...
وما نعلم ان فرقة من فرق الامة ردت هذا الخبر واعتقدت بطلانه وامتنعت من قبوله، وما تجمع الامة عليه لا يكون الاحق ا عندنا وعند مخالفينا، وان اختلفنا في العلة والاستدلال» ((80)) وبعد ان اجاب المرتضى على ما قد يثار من تساؤلات حول الاجماع على صحة حديث الغدير، انتقل الى تفصيل مااجمله في وجه الاستدلال به على النص على امامة علي (ع)، فتحدث اولا عن المعنى الحقيقي في اللغة للفظ «مولى»الوارد في الحديث، وانه هو «الاولى» بالشيء، مستشهدا باقوال ائمة اللغة في تفسير هذا اللفظ الوارد ايضا في العديد من آيات القرآن الكريم، وبالحديث الشريف وباشعار العرب.
ثم تحدث بعد ذلك عن الدليل على ان المراد بلفظة «مولى» في حديث الغدير هو «الاولى»، وعن دليله على ان لفظة «اولى» تفيد معنى الامامة، مبينا ثلاثة طرق للاستدلال على افادته لها.
ثم ناقش في النهاية المعاني التي اول بها القاضي عبد الجبار وغيره من مخالفي الشيعة حديث الغدير مفندا كل ما اثير حول دلالته على الامامة من شبهات ((81)) وفي الجزء الثالث من «الشافي» اجمل المرتضى رايه السالف في حديث الغدير فقال: «قد دللنا على ثبوت النص على امير المؤمنين (ع) باخبار مجمع على صحتها متفق عليها، وان كان الاختلاف واقعا في تاويلها، وبينا انها تفيد النص عليه بغير احتمال ولا اشكال، كقوله (ص): «انت مني بمنزلة هارون من موسى» و«من كنت مولاه فعلي مولاه» الى غير ذلك» ((82)) كما اجمل المرتضى رايه هذا في حديث الغدير ايضا في بعض رسائله واجوبته المجموعة في كتاب «رسائل الشريف المرتضى»، نجد ذلك في رسالته في شرح القصيدة المذهبة (شرح الابيات من 102 الى 105)، وفي جوابه على مسالة تضم نت شبهة تتعلق بحديث الغدير ((83)) وبعد، فادعا «الكاتب» ان المرتضى يعد حديث الغدير «نصا خفيا غير واضح بالخلافة» لا يمكن حمله، في ضوء ماسلف بيانه من كتاب المرتضى الذي رجع اليه، الا على احد محملين:
احدهما: ان «الكاتب» قد اسا فهم ما قراه من كتاب المرتضى، واخطا في ادراك معناه على رغم ان ما قراه كان نصاواضحا لا يستعصي فهمه على القارى العادي.
والاخر: ان «الكاتب» قد خان الامانة العلمية وافترى على المرتضى بما لم يقله في كتابه، محاولة منه لايهام القارى بان واحدا من كبار علما الشيعة القدما يرى في حديث الغدير مثل رايه.
وادع للقارى ترجيح المحمل الاليق، في نظره، من هذين المحملين، استنادا الى ما عرفه حتى الان من منهج «الكاتب»وطريقته في البحث! الملاحظة الثانية: خطا ادعا «الكاتب» ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير النص على امامة علي (ع) وخلافته ان قول «الكاتب»: «ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة» تكذبه وتشهد بخلافه تلك الاحاديث المشار اليها نفسها، كما تكذبه مواقف الصحابة من تلك الاحاديث عند سماعهم لها من النبي (ص) وردود افعالهم تجاهها، بمن فيهم ذلك النفر من المهاجرين والانصار الذين بادروا بعد وفاة النبي الى مخالفتها وقاموا بابرام البيعة لابي بكر في اجتماع السقيفة وحملوا غيرهم من بعد على متابعتهم فيها.
اما تلك الاحاديث نفسها فان بعضها من الوضوح والصراحة بحيث ينتفي معهما اي احتمال لارادة معنى آخر غير معنى النص على امامة علي (ع) وولايته لامور المسلمين من بعد النبي (ص) ويقطع كل عذر في تاويلها بخلاف ذلك، فقول النبي (ص) في حديث يوم الدار ((84)): ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم..» نص صريح بالخلافة، وقد زاده النبي(ص) وضوحا وصراحة بقوله بعد ذلك: «فاسمعوا له واطيعوا»، لان السمع والطاعة هما من مقتضيات الولاية والامرة ومن لوازمهما.
وكذلك قوله (ص) في حديث الغدير ((85)): من كنت مولاه فعلي مولاه» المحفوف بعديد من القرائن والشواهد اللفظية والحالية التي تجعل من ارادة اي معنى آخر منه غير النص على امامة علي وخلافته من بعد النبي (ص) نوعا من الخروج عن مقتضيات الحكمة وقواعد البيان، كما اوضح ذلك علما الشيعة عند شرحهم لمدلول هذا الحديث المؤيد كذلك بالعديد من الاحاديث الاخرى المشابهة له في لفظه ومعناه ((86)).
ومن النصوص الجلية التي لا تقبل التاويل امره (ص) يوم غدير خم، عقب الحديث المتقدم، من كان معه من المسلمين بان يسلموا على علي (ع) بامرة المؤمنين ((87))، فهذا الامر الزام لهم بمبايعة علي (ع) وليا لامورهم من بعده، اذ ليس ل «امير المؤمنين» معنى الا هذا.
ان هذه الاحاديث وما شاكلها في دلالتها الواضحة جديرة بان تقطع كل شك وتزيل اي غموض او ابهام يمكن ان يحيطابما هو دونها وضوحا وصراحة من سائر اقوال النبي (ص)، وافعاله الاخرى الماثورة عنه في شان علي (ع) والتي يصعب حصرها لكثرتها، وحينئذ ننفتح على كم هائل من النصوص الدالة على امامته وخلافته يصعب معها كثيرا ان نتصور ان الصحابة الذين سمعوها من النبي (ص) لم يفهموا منها ذلك! هذا كله من حيث دلالة تلك الاحاديث في حد ذاتها.
اما من حيث ردود افعال الصحابة تجاهها او تجاه الشخص المعني بها بعد سماعها من النبي (ص) ومواقفهم التي تكشف عما فهموه من معناها، فقد حفظت لنا مصادر السنة والسيرة وتاريخ عصر صدر الاسلام على السوا بعض النصوص وسجلت بعض المواقف التي تعكس بوضوح فهم الصحابة الكامل، وبالاخص وجوه المهاجرين والانصار،معنى النص والتعيين منها.
فمن ذلك: ما جا في آخر حديث يوم الدار الذي سبق ذكره بعد قوله (ص): «ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا».
«قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب: قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع».
فواضح من ضحك القوم وقولهم لابي طالب ما قالوه انهم تعجبوا من ان يجعل النبي الولاية والخلافة من بعده في الامرالذي جمعهم لاجله لشاب حديث السن على شيوخ قومه وذوي السن والمنزلة منهم بمن فيهم ابوه! ولو كان ذلك متعلقا بامر شخصي بينهما لما كان هناك داع لان يقول النبي: «فاسمعوا له واطيعوا»، وما كان هناك من داع لما فعلوه وماقالوه.
ومن ذلك: خبر تهنئة الصحابة عليا (ع) بالولاية بعدما اعلنها رسول اللّه (ص) يوم الغدير وامرهم بالتسليم عليه بامرة المؤمنين، قال زيد بن ارقم:
«فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا واطعنا.. وكان اول من صافق النبي (ص) وعليا: ابو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والانصار وباقي الناس الى ان صلى الظهرين في وقت واحد، وامتد ذلك الى ان صلى العشاين في وقت واحد، وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا» . ((88)) وللمحدثين عناية خاصة برواية ما قاله عمر بن الخطاب بالخصوص في تهنئة علي (ع) وهو: «هنيئا لك يا ابن ابي طالب،اصبحت وامسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» ((89))، وفي رواية اخرى عن ابي هريرة: «بخ بخ لك يا ابن ابي طالب اصبحت مولاي ومولى كل مسلم» ((90)).
رووا ذلك عن جمع من الصحابة، منهم: البرا بن عازب، وعبداللّه بن عباس، وابي سعيد الخدري، وسعد بن ابي وقاص، وابي هريرة، وانس بن مالك ((91)).
ولا شك في ان وقوع التهنئة، في حد ذاتها، فضلا عن وقوعها بالصيغة التي امر بها النبي (ص): «السلام عليك يا اميرالمؤمنين»، او بالصيغة التي قالها عمر بن الخطاب، دليل واضح على ان الصحابة قد فهموا من مجموع ما ذكره النبي(ص) في خطبة الغدير وبالاخص قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» معنى الامامة والولاية العامة على المسلمين من بعده، اذ لا يناسب التهنئة من المعاني المحتملة لكلمة «مولى» الا هذا المعنى.
وممن عكس هذا الفهم لكلمة «مولى» في تهنئته من الصحابة حسان بن ثابت وسجله شعرا في قصيدة له مشهورة استاذن النبي في انشادها يومئذ، وقال من جملتها:
يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم واسمع بالرسول مناديا فقال: فمن مولاكم ونبيكم فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وانت نبينا ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له: قم يا علي فانني رضيتك من بعدي اماما وهاديا ((92)) فلما فرغ من شعره هذا قال له النبي (ص): «لا تزال ياحسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» ((93)).

قال الشيخ المفيد: «ومما يشهد بقول الشيعة في معنى (المولى) وان النبي اراد به يوم الغدير الامامة، قول حسان بن ثابت على ما جا به الاثر... فلولا ان النبي (ص) اراد بالمولى الامامة لما اثنى على حسان باخباره بذلك، ولانكره عليه ورده عنه» ((94)).
ومن ذلك: موقف بعض الصحابة، وكان فيهم عمر بن الخطاب، من النبي (ص) في مرضه الذي توفي فيه لما اراد ان يكتب لهم كتابا لا يضلون بعده، فمنعوه من ذلك واكثروا من اللغو والاختلاف، وقال عمر كلمة اغضبته، فاخرجهم رسول اللّه (ص) من حجرته.
وهذا الموقف سجلته اوثق مصادر الحديث عند اهل السنة ((95))، وهو الذي سماه عبداللّه بن عباس «رزية يوم الخميس»، وقد حدث بعد شهرين او ثلاثة من حادثة غدير خم وحديثها المعروف، ولا شك في ان سببه الوحيدالمتصور انهم «علموا انه (ص)، انما اراد توثيق العهد بالخلافة، وتاكيد النص بها على علي خاصة، وعلى الائمة من عترته عامة، فصدوه عن ذلك كما اعترف به الخليفة الثاني في كلام دار بينه وبين ابن عباس» ((96))، قال في آخره: «لقداراد في مرضه ان يصرح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش ابدا، ولو وليها لانتفضت عليه العرب من اقطارها، فعلم رسول اللّه (ص) اني علمت ما في نفسه فامسك، وابى اللّه الاامضا ما حتم» ((97)).
قال ابن ابي الحديد: «ذكر هذا الخبر احمد بن ابي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا» ((98)).
ومن ذلك: موقف بريدة الاسلمي وقبيلته اسلم لما جاوا بعد بيعة السقيفة، فركز بريدة رايته وسط قومه ثم قال: «لا ابايع حتى يبايع علي، فقال علي (ع): يا بريدة ادخل في ما دخل فيه الناس فان اجتماعهم احب الي من اختلافهم اليوم».روى ذلك ابراهيم بن محمد بن هلال الثقفي ((99)) بسنده عن سفيان بن فروة عن ابيه ((100)).
وفي رواية له اخرى عن عبداللّه بن الحسن: «ابت اسلم ان تبايع، وقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة، لقول النبي (ص)لبريدة:
«علي وليكم من بعدي»، فقال علي (ع): يا هؤلا ان هؤلا خيروني ان يظلموني حقي وابايعهم او ارتدت الناس حتى بلغت الردة احدا، فاخترت ان اظلم حقي وان فعلوا ما فعلوا» ((101)).
فلولا ان بريدة وقومه فهموا من قول النبي (ص): «علي وليكم من بعدي» النص على ولايته لامور المسلمين وخلافته فيهم من بعده لما امتنعوا من مبايعة غيره حتى ياذن لهم هو بذلك.
ومن ذلك: ما عكسته بعض النصوص التاريخية التي تحدثت عن قضية الخلافة بعد النبي (ص) ووصفت اتجاهات الراي العام في مجتمع الصحابة يومئذ في هذه القضية، ومن الذي كان عامة المهاجرين والانصار يتوقعون توليه للخلافة ويعتقدون انه هو المعهود اليه بها من النبي (ص) دون غيره، فمنها:
ما رواه الزبير بن بكار عن محمد بن اسحاق، قال: «وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعد رسول اللّه (ص)، فقال الفضل بن العباس: يا معشر قريش، وخصوصا يا بني تيم، انكم انما اخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن اهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذي نحن اهله لكانت كراهة الناس لنا اعظم من كراهتنا لغيرنا، حسدامنهم لنا وحقدا علينا، وانا لنعلم ان عند صاحبنا عهدا هو ينتهي اليه» ((102)).
ومنها: ما رواه الزبير ايضا عن «محمد بن موسى الانصاري المعروف بابن مخرمة، قال: حدثني ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: لما بويع ابو بكر واستقر امره، ندم قوم كثير من الانصار على بيعته، ولام بعضهم بعضا، وذكروا علي بن ابي طالب، وهتفوا باسمه، وانه في داره لم يخرج اليهم، وجزع لذلك المهاجرون، وكثرفي ذلك الكلام» . ((103)) وعكس الطبري في تاريخه وابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة ((104)) ما يقرب من هذه الصورة عن اعتقاد الصحابة اوجلهم، في الاقل، بحق علي (ع) بالخلافة، وهذا الاعتقاد يستند بالطبع الى ادلة عرفوها ونصوص سمعوها من النبي(ص). وفي عبارة الفضل بن العباس التي تضمنتها الرواية الاولى تصريح بذلك. وهو يتفق تماما مع ما ذكره علي(ع) نفسه في كتاب بعثه الى اهل مصر قال من جملته:
«فلم ا مضى (ع) تنازع المسلمون الامر من بعده، فواللّه ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي ان العرب تزعج هذا الامر من بعده (ص) عن اهل بيته ولا انهم منحوه عني من بعده..»((105)).
ومن ذلك: ما كاشف به عمر بن الخطاب عبداللّه بن عباس في غير مرة، من ان عليا (ع) كان هو صاحب الامر بعد رسول اللّه (ص) ولكن قريشا منعته منه، وما صرح به ابن عباس لعمر من ان اللّه هو الذي اختار عليا لخلافة رسول اللّه(ص).
ومن روايات هذه المكاشفة والمصارحة: ما رواه الطبري عن ابن عباس، وروى مثله ابن ابي الحديد عن عبداللّه بن عمر،قالا: «فقال (اي عمر): ياابن عباس اتدري ما منع قومكم منهم (من اهل البيت) بعد محمد؟ فكرهت ان اجيبه، فقلت:
ان لم اكن ادري فامير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا ان يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحابجحا، فاختارت قريش لانفسها فاصابت ووفقت. فقلت: يا امير المؤمنين، ان تاذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.
فقال: تكلم يابن عباس، فقلت: اما قولك يا امير المؤمنين:
اختارت قريش لانفسها فاصابت ووفقت، فلوان قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. واما قولك: انهم كرهوا ان تكون لنا النبوة والخلافة، فان اللّه عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بانهم كرهوا ما انزل اللّهفاحبطاعماله م).
فقال عمر: هيهات واللّه ياابن عباس! قد كانت تبلغني عنك اشيا كنت اكره افرك عنها، فتزيل منزلتك مني، فقلت: وماهي يا امير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي ان تزيل منزلتي منك، وان كانت باطلا فمثلي اماط الباطل عن نفسه،فقال عمر: بلغني انك تقول: انما صرفوها عنا حسدا وظلما! فقلت:
اما قولك يا امير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، واما قولك: حسدا، فان ابليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهات! ابت واللّه قلوبكم يابني هاشم الا حسدا ما يحول، وضغنا وغشا ما يزول...» ((106)).
ومن روايات هذه المكاشفة ما روي عن ابن عباس ايضا: «قال:
دخلت على عمر يوما فقال: يا ابن عباس، لقد اجهد هذاالرجل نفسه في العبادة حتى نحلته، ريا. قلت: من هو؟ فقال: هذا ابن عمك يعني عليا قلت: وما يقصد بالريااميرالمؤمنين؟ قال:
يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت: وما يصنع بالترشيح! قد رشحه لها رسول اللّه (ص) فصرفت عنه. قال: ان كان شابا فاستصغرت العرب سنه، وقد كمل الان...».
قال ابن ابي الحديد: «نقلت هذا الخبر من امالي ابي جعفر محمد بن حبيب» ((107)).
ومن رواياتها ايضا: ما ذكره ابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة عن ابن عباس، قال: «قال لي: يا ابن عباس، اما واللّه ان صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول اللّه (ص)، الا انا خفناه على اثنين... فقلت: ما هما يا امير المؤمنين؟ قال:خفناه على حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب» ((108)).
ومن رواياتها ايضا: ما ذكره الراغب الاصفهاني في «محاضرات الادبا» عن ابن عباس، قال: «كنت اسير مع عمر بن الخطاب في ليلة وعمر على بغل وانا على فرس، فقرا آية فيها ذكر علي بن ابي طالب، فقال: اما واللّه يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم اولى بهذا الامر مني ومن ابي بكر، فقلت في نفسي: لا اقالني اللّه ان اقلته، فقلت: انت تقول ذلك ياامير المؤمنين، وانت وصاحبك وثبتما وافترعتما الامر منا دون الناس؟... فقال:
انا واللّه ما فعلنا الذي فعلناه عن عداوة،ولكن استصغرناه وخشينا ان لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها.
قال: فاردت ان اقول: كان رسول اللّه (ص) يبعثه، فينطح كبشها، فلم يستصغره، افتستصغره انت وصاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى؟ واللّه ما نقطع امرا دونه، ولا نعمل شيئا حتى نستاذنه» ((109)).
ومن ذلك: ما كاشف به عثمان بن عفان عليا (ع) وعبداللّه بن عباس في غير مرة ايضا من ان الامر (الخلافة) قد جعله رسول اللّه لعلي، ومن روايات ذلك: ما رواه الواقدي في كتاب «الشورى» عن ابن عباس، قال: «شهدت عتاب عثمان لعلي(ع) يوما، فقال له في بعض ما قاله: نشدتك اللّه ان تفتح للفرقة بابا! فلعهدي بك وانت تطيع عتيقا وابن الخطاب طاعتك لرسول اللّه (ص)، ولست بدون واحد منهما، وانا امس بك رحما، واقرب اليك صهرا، فان كنت تزعم ان هذا الامر جعله رسول اللّه (ص) لك، فقد رايناك حين توفي نازعت ثم اقررت...
فقال علي (ع): اما الفرقة، فمعاذ اللّه ان افتح لها بابا، واسهل اليها سبيلا، ولكني انهاك عما ينهاك اللّه ورسوله عنه،واهديك الى رشدك، واما عتيق وابن الخطاب فان كانا اخذا ما جعله رسول اللّه (ص) لي، فانت اعلم بذلك والمسلمون، ومالي ولهذا الامر وقد تركته منذ حين...» ((110)).
ومن رواياته: ما اخرجه الزبير بن بكار في «الموفقيات» في حوار طويل دار بين عثمان وابن عباس، قال عثمان من جملته:«ولقد علمت ان الامر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه واختزلوه دونكم، فواللّه ما ادري ادفعوه عنكم ام دفعوكم عنه!».وقال ابن عباس من جملته: «واما صرف قومنا عنا الامر فعن حسد قد واللّه عرفته، وبغي قد واللّه علمته، فاللّه بيننا وبين قومنا!» ((111)).
وصفوة المعنى الذي نخلص الى تاكيده، في ضوء ما سبق من نصوص ومواقف، هو: ان الصحابة خلافا لما يدعيه «الكاتب» قد فهموا من النبي (ص) معنى النص على امامة علي (ع) وخلافته، لان النصوص، من جانب، اما بمجردها،او بوساطة ما يحف بها من قرائن وشواهد، كانت تقتضي منهم، بوصفهم من اهل اللغة، ذلك الفهم، ولان الصحابة، من جانب آخر، قد عكسوا ذلك الفهم وسجلوه على انفسهم تاريخيا في ردود افعالهم ومواقفهم من تلك النصوص سوافي حياة النبي (ص) ام بعد وفاته.
اسباب مخالفة نصوص الامامة ويبرز هنا سؤال مهم، وهو: لماذا، اذن، خالف الصحابة تلك النصوص وبايعوا ابا بكر بالخلافة بعد وفاة الرسول؟ هناك جوابان على هذا السؤال يمكن استخلاصهما من النصوص التي سبق عرضها، والتي عكست موقف بعض الصحابة الذين اسسوا لهذه المخالفة وتزعموها تجاه قضية النص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، كما عكست ايضا، في مقابل ذلك، موقف علي (ع) وابني عمه: عبداللّه بن عباس، واخيه الفضل:
احدهما: جواب اولئك الصحابة، ويتلخص في ثلاثة اسباب:
الاول: انهم خافوا ان تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم فيطغون ويفخرون على سائر بطون قريش.
الثاني: انهم استصغروا سن علي (ع) وكبر عليهم ان يولوه عليهم وفيهم الشيوخ وزعما البطون.
الثالث: انهم خافوا حدوث الفتنة، لان عليا قد وتر قريشا في معارك الاسلام وقتل قادتها وابناها، فمن المحتمل ان تنتفض عليه ولا تطيعه ويتعرض الاسلام بذلك للخطر.
والاخر: جواب علي (ع) وعبداللّه بن عباس واخيه الفضل، ويتلخص في سببين:
الاول: الحسد الناشى من حب الرئاسة.
الثاني: العداوة والاحقاد القديمة.
ومن الواضح ان الجواب الاول هو محاولة من اصحابه للاعتذار عن مخالفة النصوص بانها كانت مبنية على اجتهاد منهم ورؤية استصلاحية تستهدف مصلحة الاسلام وتجنيب الكيان الاجتماعي الاسلامي الجديد اي هزة داخلية تعرضه لخطر الانقسام او الارتداد، وبالتالي فهي من وجهة نظرهم مخالفة مشروعة، ولا تستلزم تفسيقا او تكفيرالاصحابها.
لكن المنظرين للعقيدة السياسية السنية المبنية على شرعنة حكم الخلفا على كل تقدير، والتماس الاعذار لمن ايدهم من الصحابة وسوغ موقفهم في تجاوز نصوص النبي (ص) في شان من يخلفه لم ياخذوا بهذا الجواب، لانهم ادركواان فيه اعترافا بمخالفة النبي (ص) على اية حال، واجتهادا في مقابل نصوصه، الامر الذي قد يجر الى تفسيق هؤلا،ف آثروا بدلا من ذلك انكار دلالة النصوص من الاساس، ونفي ان يكون الخلفا او احد من الصحابة قد فهموا منهاالنص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، وبالتالي فهم لم يرتكبوا خطا، ولم يخالفوا نص ا جليا او خفيا من نصوص النبي (ص)، معتمدين في ذلك، من نحو اول، على تاويل تلك النصوص، ومن نحو ثان، على مقولة عدالة الصحابة واستحالة مخالفتهم للنبي (ص) ((112)).
وقد اقتفى «الكاتب» اثر هؤلا المنظرين في كلا طريقيهم هذين، وهو معصوب العينين من دون ان يكلف نفسه محاولة اقناع القارى بما اولوا به تلك النصوص، او بما سوغوا به تلك المقولة! الملاحظة الثالثة: تشكيك «الكاتب» في صدور حديث الغدير وغيره من نصوص الامامة تتعلق هذه الملاحظة بقول «الكاتب»، بعد العبارة التي ناقشناها في الملاحظة السابقة: «ولذلك اختاروا طريق الشورى، وبايعوا ابا بكر كخليفة (كذا) من بعد الرسول، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي، او عدم وجودها في ذلك الزمان».
ومحل الملاحظة من هذا القول هو قوله: «او عدم وجودها في ذلك الزمان»، فهذا القول يؤكد ما سبقت الاشارة اليه في نهاية الملاحظة الثانية من اقتفا «الكاتب» اثر منظري العقيدة السياسية السنية في تسويغ مبايعة ابي بكر بالخلافة على قاعدة القول بعدالة الصحابة، ويزيد عليه خطوة ابعد في ذلك الاتجاه بتشكيكه في صدور نص الغدير وما شاكله من نصوص الامامة والخلافة من النبي (ص) من الاساس، واثارة احتمال كون تلك النصوص موضوعة ومختلقة من قبل الشيعة في زمن متاخر عن زمن الصحابة.
و«الكاتب» يريد بذلك ان يحصر قارئه بين خيارين لا ثالث لهما، اما مصادرة فهمه اللغوي لنصوص الامامة وما يحف بهامن قرائن وشواهد لغوية وحالية توضح معناها وتؤكده، او مصادرة تلك النصوص نفسها واسقاطها جميعا من الاعتبار!وهذا ما لم يفعله اشد غلاة السلفية ومتعصبيهم في مواقفهم من تلك النصوص، فقصارى ما فعله هؤلا الى جانب تاويل مفاد تلك النصوص بالقول ان النبي قصد بها الى تسجيل فضائل علي واهل بيته والتنويه بمناقبهم وليس النص على امامتهم وخلافتهم هو التشكيك بصدور آحاد من تلك النصوص والقول بضعف اسانيدها، اما التشكيك بصدورها جميعا والقول بوضعها واختلاقها في زمن متاخر عن زمن الصحابة جملة وتفصيلا، فهذا ما لم يفعله حتى ابن تيمية والجبهان ((113)).
مناقشة الشبهتين السادسة والسابعة: (دخول الامام علي (ع) في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، ومحاججته لاهلها بفضائله وعدم اشارته الى موضوع النص عليه، يدلان على التزامه بنظام الشورى).
قال «الكاتب»: «ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب، ومحاججته لاهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لاشار الامام الى ذلك، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل» ((114)).
ان الشبهتين اللتين تضمنهما كلام «الكاتب» السابق اثارهما المعتزلة في سجالهم الكلامي مع الشيعة الامامية منذ القدم،وقد سجلهما القاضي عبد الجبار ((115)) المعتزلي في كتابه «المغني» حكاية عن ابي هاشم الجبائي ((116))، حين قال:
«وكيف رضي امير المؤمنين ان يكون في الشورى مع ما ترون ((117)) فيه من القول حالا بعد حال؟ وكيف جاز ان لا ينكرعلى عمر قوله: ان وليت من امر المسلمين شيئا فلا تحمل بني هاشم على رقاب الناس؟ وهلا قال له: انا امام المسلمين،وقد عرفت النص علي والاشارة الي، فليست لي حاجة الى ان اولى؟! فكيف لم يذكر هذا النص الظاهر فيعتده في مناقبه حتى صار الامر اليه، وفي وقت الحاجة، مع انه كان يعد مناقبه في المحافل والمشاهد في ايام معاوية وقبله؟» . ((118)) اسباب دخول الامام علي (ع) في الشورى وقد اجاب علما الشيعة السابقون على الشبهة الاولى، وهي دخول الامام علي (ع) في الشورى التي شكلها عمر بن الخطاب قبيل وفاته لاختيار الخليفة من بعده بثلاثة اجوبة تضمنت ثلاثة وجوه او اسباب دفعت الامام (ع)، جميعها اوبعضها، للدخول في تلك الشورى، نقلها عنهم المرتضى في كتابه «الشافي»، وهي:
الوجه الاول: «انه (ع) انما دخلها ليتمكن من ايراد النصوص عليه والاحتجاج بفضائله وسوابقه وما يدل على انه احق بالامر واولى، وقد علمنا انه لو لم يدخلها لم يجز منه ان يبتدىء بالاحتجاج، وليس هناك مقام احتجاج وبحث، فجعل(ع) دخوله ذريعة الى التنبيه على الحق، بحسب الامكان على ما وردت به الرواية، فانها وردت بانه (ع) عدد في ذلك اليوم جميع فضائله ومناقبه او ذكر بها».
الوجه الثاني: «انه (ع) جوز ان يسلم القوم الامر له، ويذعنوا لما يورده من الحجج عليهم، بحقه فجعل الدخول في الشورى توصلا الى مستحقه، وسببا الى التمكين من الامر والقيام فيه بحدود اللّه، وللانسان ان يتوصل الى حقه ويتسبب اليه بكل امر لا يكون قبيحا».
الوجه الثالث: «ان السبب في دخوله (ع) كان التقية والاستصلاح، لانه (ع) لما دعي الى الدخول في الشورى اشفق من ان يمتنع فيتسبب منه الامتناع الى المظاهرة والمكاشفة، والى ان تاخر من الدخول (كذا) في الشورى انما كان لاعتقاده انه صاحب الامر دون من ضم اليه، فحمله على الدخول ما حمله في الابتدا على اظهار الرضا والتسليم» ((119)).
ولعل الوجه الاخير من هذه الوجوه الثلاثة يحتاج وحده دون الوجهين الاولين الى مزيد من البيان والايضاح ليتبين في ضوء ذلك تماما المعنى المقصود من التقية والاستصلاح اللذين دفعا الامام بحسب هذا الوجه للدخول في عملية الشورى.
وقبل ذلك لابد من ان نضع في الحسبان حقيقة مهمة لها اثرها الكبير في معرفة مصدر الالتباس وسوء الفهم في هذه الشبهة، وفي فهم حسابات الامام علي ودواعيه ايا يكن نوعها وحقيقتها التي افضت به الى الدخول في عملية الشورى ومبايعة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وهذه الحقيقة هي:
الفرق بين الامامة وتولي سلطة الخلافة ان الامامة الثابتة لعلي وبقية ائمة العترة الطاهرة من اهل البيت (ع) بموجب النصوص الشرعية هي في جوهرها منصب الهي يعين اللّه صاحبه من خلال النبي (ص) ليستحفظه علوم الوحي والتنزيل وسنن الهدي النبوي وليكون امتدادا له في القيمومة على رسالته حتى لا تخلو الارض من حجة ومن شهيد على الناس.
وهذا المنصب هو امتداد لمنصب النبوة وشبيه به من حيث وظيفته ومسؤولياته الا من حيث عدم تلقي صاحبه للوحي،كما يقتضي ذلك قوله (ص): «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»، او قوله (ص): «من كنت مولاه فعلي مولاه» وغير ذلك. ((120)) كما ان هذا المنصب ثابت ومستمر في حياة البشرية على الارض، ولا يستطيع احد ان يجرد الامام منه او يمنعه عنه،وذلك بمقتضى قوله (ص):
«اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اعظم من الاخر: كتاب اللّه، حبل ممدود من السما الى الارض، وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض..».
وقوله (ص): «لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش».
وقوله (ص): «النجوم امان لاهل السما، واهل بيتي امان لامتي» . ((121)) فهذه النصوص لا معنى محصل لها الا بنا على استمرار منصب الامامة من بعد النبي (ص) في عترته واهل بيته.
وتتفرع عن هذا المنصب الالهي وتترتب عليه، من الناحية العملية، مسؤوليتان او وظيفتان للامام (ع):
احداهما: تبليغ الناس ما استحفظهم النبي (ص) من علوم الوحي والتنزيل ومن احكام هديه وسنته، وتحديد موقفهم في ضوء ذلك من مختلف القضايا التي تواجههم.
والاخرى: خلافة النبي (ص) في الحكم والولاية على امور المسلمين العامة.
كل ذلك بمقتضى النصوص السابقة وغيرها ايضا.
وهاتان الوظيفتان ثابتتان للامام نظريا، ولكنه قد لا يتمكن من القيام بهما عمليا، كليا او جزئيا. فوظيفة خلافة النبي (ص)في حكم الامة الاسلامية والولاية على امورها السياسية والاجتماعية قد منع الائمة (ع) من القيام بها واقصوا عنها تماماباستثنا مدة قصيرة من حياة الامام علي (ع) بعد النبي (ص).
اما وظيفة تبليغ ما استحفظوا من علوم الوحي وسنن الهدي النبوي وتحديد الموقف الشرعي للناس، في ضوء ذلك، من مختلف القضايا والوقائع التي تواجههم، فقد سمحت الظروف والاوضاع السياسية المتفاوتة في لينها وشدتها لهم بالقيام بها حينا الى حد غير قليل، وحينا الى حد قليل جدا، ولم تسمح بالقيام بها في حين ثالث مطلقا حتى افضى التدبير الالهي اخيرا الى غيبة الامام الثاني عشر وتواريه عن الانظار.
والنتيجة التي نستخلصها في ضوء جميع ما تقدم هي: ان الامامة لا تعني فقط خلافة النبي (ص) في الحكم، ولا تقتصروظيفتها على قيادة الامة الاسلامية سياسيا واجتماعيا فحسب، فهذه لا تمثل الا جانبا، من مسؤوليات الامام ووظائفه،ولا تتعدى كونها اثرا واحدا من آثار منصبه الالهي لا اكثر، فاذا حصل ما يمنع الامام من القيام بوظيفته هذه واكرهه ذلك على الاغضا عن حقه في ممارسة الحكم والسكوت عن المطالبة به، بل وحتى القبول بتولي غيره للحكم بدلا منه،فان ذلك لا يعني ان ه قد تخلى عن منصبه الالهي في الامامة بوصفه حجة على الخلق وشهيدا على الناس بعد النبي(ص)، ولا يتنافى مع اعتقاده في نفسه انه هو صاحب هذا المنصب وصاحب الحق في ممارسة ما يترتب عليه من مسؤوليات ووظائف وان منع من بعضها.
وهذا ما حدث تماما للامام علي (ع) حينما منع من حقه في الحكم بعد وفاة النبي (ص)، ووجد نفسه مضطرا بحكم الظروف والاوضاع السياسية المحيطة به الى مبايعة الخليفة الاول ومن بعده الخليفة الثاني، ثم الدخول في الشورى لاختيار الخليفة الثالث ومن ثم مبايعته هو ايضا.
وبذلك يتضح مصدر الالتباس وسوء الفهم في هذه الشبهة ولا يبقى مسوغ لطرحها من الاساس.
دخول الامام (ع) الشورى تقية واستصلاحا ويبقى، بعد ذلك، ان نبحث في الاسباب والظروف التي اجبرت الامام (ع) على الدخول في الشورى، وبذلك نعود الى النقطة التي بدانا منها مناقشتنا لهذه الشبهة، وهي ايضاح المعنى المقصود من التقية والاستصلاح اللذين دفعا الامام للدخول في الشورى، حسب الوجه الثالث من الوجوه التي فسر بها ذلك، فنقول باختصار:
ان الاسباب التي دعت الامام علي (ع) للدخول في عملية الشورى هي، من حيث الجوهر، الاسباب نفسها التي دعته من قبل الى الكف عن المنازعة في امر الخلافة ومبايعة الخليفة الاول ومن بعده الخليفة الثاني، والتي كانت، باختصار،عبارة عن:
اولا: تجنب حدوث فتنة في الصف الاسلامي تتمثل في مواجهة مسلحة مع السلطة الفعلية وقاعدتها القرشية، كان الامام يقدر انها سوف تقع اذا ما استمر في معارضته واحجامه عن البيعة، وطالب علنا بحقه في الخلافة، وهو ما اسماه المرتضى ب «المظاهرة والمكاشفة»، وتكون نتيجتها المحتومة قتله وقتل انصاره القليلين وضياع حقه وحق عترته نهائيافي الخلافة.
وهذا هو المقصود في كلام المرتضى ب «التقية».
ثانيا: مراعاة مصلحة الاسلام العليا في تلك المرحلة من تاريخ الامة الاسلامية التي كانت تستدعي توحيد صفوف المسلمين واسناد السلطة الفعلية التي لم يكن من الممكن تغييرها على اية حال في مواجهة خطر المرتدين والمنافقين الذين قوي تحركهم ضد الاسلام بعد تولي ابي بكر للخلافة واستمر حتى قبيل وفاته، وفي دعم حركة الفتح الاسلامي التي اخذت بالتنامي والاتساع بعد تولي عمر بن الخطاب الخلافة. وهذا هو المقصود في كلامه ب «الاستصلاح».
وحينما نصل الى دخول الامام (ع) في الشورى، ونبحث عن وجود هذه الاسباب وراه، فاننا نجدها لا تزال باقية على رغم مرور حوالى ثلاثة عشر عاما على حدوثها، بل ان مرور تلك المدة وما حصل فيها من تطور في الاوضاع السياسية والاجتماعية قد قوى هذه الاسباب واكدها، وذلك لاعتبارات عديدة:
اولها: ان سلطة الخلافة القائمة قد ترسخت قوتها وتعاظمت هيبتها خلال تلك المدة، لا سيما في عهد الخليفة الثاني الذي ادار الحكم بحزم وقوة، وبسط سلطة الدولة الاسلامية على مساحة واسعة من العالم خارج حدود الجزيرة العربية،وحقق لها بفضل الفتوحات التي قام بها رخا اقتصاديا لم تكن تتمتع به في بداية عهده وفي عهد الخليفة الاول الذي سبقه.
كل ذلك قد ضاعف بالطبع من حصانة هذه السلطة ضد اي معارضة لها يبديها الامام علي (ع) تاخذ اسلوب المجاهرة بعدم شرعيتها والتحدي لقرارها القاضي بادخاله في الشورى والزامه بنتيجتها وبالالية المحددة لعملها، ذلك القرارالذي شكل عنصر الالزام الصريح فيه والمدعوم باجراات مسلحة مسوغا كافيا للامام (ع) لعدم مخالفته وتحديه،نعرف ذلك من رواية حادثة تشكيل الشورى التي تجمع عليها المصادر التاريخية، والتي ورد فيها قول الخليفة الثاني لابي طلحة الانصاري:
«يا ابا طلحة، ان اللّه عز وجل طالما اعز الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الانصار، فاستحث هؤلا الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد بن الاسود: اذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلا الرهط في بيت حتى يختاروارجلا منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة ايام، وادخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة ان قدم، واحضر عبداللّه بن عمر، ولا شيء له من الامر، وقم على رؤوسهم، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وابى واحدفاشدخ راسه او اضرب راسه بالسيف وان اتفق اربعة فرضوا رجلا منهم وابى اثنان، فاضرب رؤوسهما، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكموا عبد اللّه بن عمر، فاي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبداللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس» ((122)).
ثانيها: ان سلطة الخلافة القائمة تمكنت مع مرور الزمن من تعزيز شرعيتها في نظر الناس بفضل بقائها في الحكم مدة كافية، وادارتها الناجحة لشؤونه بصفة عامة من جهة، وبفضل السياسة الصارمة التي اتبعتها في منع تدوين السنة النبوية الشريفة والتشدد في روايتها حتى لا تظهر النصوص الدالة على حق الامام علي (ع) بالخلافة من جهة اخرى.
وبذلك صار من الصعب على الامام (ع) تحدي شرعية تلك السلطة والمجاهرة ببطلان الاساس الذي قامت عليه من خلال رفضه الدخول في عملية الشورى.
ومما يشير الى ما احرزته سلطة الخلافة من نجاح في تعزيز شرعيتها اشتراط عبد الرحمن بن عوف، الذي آل اليه امراختيار الخليفة الجديد بعد عمر في نهاية مباحثات الشورى، على علي (ع) وعثمان العمل وفق سيرة الشيخين لكي يسلم من يقبل منهما بهذا الشرط مقاليد الخلافة ((123))، الامر الذي يدل على ان شرعية خلافة الشيخين اصبحت امرامقررا في اذهان الناس، بل ان خلافتهما اصبحت مثالا يحتذى به.
ثالثها: ان ما تحقق من انجازات في المدة السابقة من عمر الدولة الاسلامية، سوا على صعيد بنائها واستقرارهاالداخلي، واستئصال شافة الشرك والكفر في محيطها العربي القريب من مركزها، ام على صعيد توسع رقعتها الجغرافية وانتشار الاسلام في العالم الخارجي بوساطة الفتوحات التي قامت بها على حساب امبراطوريتي الروم والفرس وديانتيهما الرئيسيتين، النصرانية والمجوسية، ان كل ذلك قد اكد للامام نظرته الاستصلاحية التي بنى عليها سابقا موقفه في مسالمة سلطة الخلافة القائمة واطاعتها ما دامت غير متجاوزة الا على حقه الخاص في الخلافة، وجعله يحرص اكثرمن السابق على تماسك الجبهة الداخلية وعدم تصديعها بنزاع على السلطة يؤثر سلبا على ما تحقق للدولة الاسلامية من مكاسب وانجازات وما ينتظرها من مسؤوليات.
اسلوب الامام في المطالبة بحقه في مباحثات الشورى تلك اذن هي الظروف والاسباب التي جعلت الامام علي (ع) بحسب الوجه الثالث من الوجوه التي سبق ذكرها آيتفاعل مع قرار ادخاله في الشورى، وباتضاحها تتضح ايضا الظروف والاسباب التي جعلته يكتفي في محاججة اهل الشورى بتذكيرهم بالنصوص الواردة بحقه من النبي (ص)، ولا يسلك سبيل الصدام والمواجهة الحدية مع الخليفة الثاني الذي امر بتشكيل الشورى ومجاهرته بعدم شرعية خلافته وخلافة الخليفة الاول الذي سبقه، وبانه هو الامام والخليفة المنصوص عليه من قبل الرسول (ص)، وانه ليست به حاجة الى ان يستخلف من خلال الشورى او غيرها،الذي هو مفاد شبهة المعتزلة الثانية التي اخذها عنهم «الكاتب» وسلف نقل كلامهم فيها، والتي تسالوا فيها عن معنى عدم سلوك الامام علي (ع) هذا السبيل في محاججة الخليفة الثاني واهل الشورى التي شكلها لو كان يعتقد حقابالنص عليه، فان الاسباب التي فرضت عليه ذلك هي التي فرضت عليه الدخول في الشورى في اول الامر.
على ان قول «الكاتب»، في الشبهة الثانية المشار اليها آنفا، ان الامام (ع) اقتصر في محاججته لاهل الشورى بذكر فضائله ودوره في خدمة الاسلام، ولم يشر الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول (ص) ينطوي على مغالطة واضحة، لان ما اسماه بالفضائل تبعا للمعتزلة وغيرهم من منظري العقيدة السياسية السنية ليس هو في الواقع الا مانصت عليه النصوص التي يعتقد الشيعة الامامية ان النبي (ص) قد افهم الصحابة بوساطتها النص على امامة علي (ع)وخلافته من بعده. وقد تلطف الامام (ع) في تذكير اهل الشورى بما فهموه من تلك النصوص بذكر بعضها لهم ومناشدتهم اللّه ان يشهدوا له بها ان كانوا سمعوها من النبي (ص) ، ومن تلك النصوص طبقا للرواية المختصرة والمستفيضة التي اعترف بصحتها ابن ابي الحديد المعتزلي ((124)) حديث الغدير «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وحديث المنزلة: «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»، وحديث «لا يؤدي عني الا انا او رجل مني» الذي قاله النبي (ص) حين ارسل عليا خلف ابي بكر لياخذ منه سورة براة ويبلغها للناس بدلا منه.
فهذه الاحاديث وغيرها، لو لم تكن واردة اصلا في شان الخلافة ولها علاقة وثيقة بها، لما احتج بها الامام (ع) في موقع التشاور حول من يستحق الخلافة ويتولاها! والغريب ان يقول «الكاتب» مع كل ذلك: «ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لاشار الامام الى ذلك، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل»! فاي اشارة يمكن ان ياتي بها الامام (ع) في مقام اثبات النص عليه من النبي (ص) ابلغ من ذكر الاحاديث التي تضمنت هذا النص ومنها حديث الغدير؟ ام ان الاشارة الى النص لا تكون بنظر «الكاتب» ونظر المعتزلة الا بان يقول لعمر بن الخطاب ولاهل الشورى: انا امام المسلمين ولست انت ولا ابو بكر الذي تقلد الخلافة من قبلك.. وخلافتكما معا باطلة وقد عرفتم النص علي والاشارة الي ولا حاجة لي بان اولى من قبلك او من قبل اهل الشورى! لقد خاطب الامام (ع) قومه وتكلم معهم بلسانهم في صدر القرن الاول الهجري ولم يكلمهم بلسان متكلمي المعتزلة في القرنين الثالث والرابع، فوقت التنظير والتحليل الكلامي لم يكن قد حان بعد. كما ان الامام، من جهة اخرى، لم يكن في موقع المصادمة والمجابهة التي تفضي به الى امتشاق السيف ومقاتلة سلطة الخلافة القائمة وقاعدتها القرشية، كماسبقت الاشارة الى ذلك.
وحقا ان الاحاديث التي احتج بها الامام (ع) قد تضمنت فضائله، ولكنها اية فضائل؟ هل هي مجرد مزايا وخصال مناقبية ذاتية سجلها النبي في اطار المفاخرة والتمجيد الشخصي بابن عمه، وليس لها اي غرض او بعد ديني وسياسي خارج ذلك الاطار، كما يحاول «الكاتب» ان يقول؟ او انها بيان وبلاغ من النبي (ص) للامة بموقع الامام علي (ع) منه ومن رسالته ودوره في الوصاية على هذه الرسالة وقيادة مسيرة الامة وفاقا لها من بعده، كما يقول الشيعة الامامية، وكما بينوه وشرحوه واقاموا الادلة والشواهد عليه؟ ذلك ما نختلف مع «الكاتب» عليه، ولكنه تحاشى ان يتوقف عند نقطة الخلاف هذه ولم يذكر ادلته على ما ارت آه فيهامصادرا بذلك النتيجة من دون ان يكلف نفسه بيان مقدماتها المنطقية.
الامامة ليست وراثة ملكية وتبقى، في نهاية مناقشتنا لهاتين الشبهتين، ملاحظة اخيرة تتعلق بوصف «الكاتب»، في بداية كلامه الذي نقلناه عنه،امامة علي وابنائه (ع) بانها «نظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت»، فانه من الغريب والمؤسف ان يصدر هذاالخطا من باحث نشا في اوساط الشيعة وقرا كتب علمائهم ودرس آراهم ومعتقداتهم التي يجمعون فيها على ان امامة اهل البيت لم تكن بالقرابة والوراثة ولم يتوارثها الائمة (ع) كما يتوارث ابنا الملوك الحكم عن آبائهم في انظمة الحكم الملكية، وانما كانت بالاصطفا والنص الالهي الموحى به الى النبي (ص) والمبلغ عن طريقه الى الناس تحديدا في علي (ع) واجمالا في الاحد عشر من عترته، ينقل السابق منهم النص على اللاحق ويسميه.
وليس ذلك بدعا في دين الاسلام وانما هي سنة اللّه في انبيائه واوصيائهم السابقين الذين لم يقل احد ان النبوة اوالوصاية استمرت في ابنائهم حسب «نظام الوراثة الملكية العمودية»، وانما استمرت فيهم بالاصطفا الالهي وبالوحي والنص: (ان اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين × ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم) آل[عمران: 32 و33].

للبحث صلة

حسن الروح
01-09-2009, 11:10 PM
الهامش
.................................................
75- تطور الفكر السياسي الشيعي، م.س.، ص 22.
76- من هؤلاء العلماء: الامام الغزالي في كتابه «المستصفى‏»،
قال: «ان من يجوز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته
عنه(اي عن النبي (ص)) فلا حجة في قوله، فكيف يحتج
بقولهم مع جواز الخطا، وكيف تدعى عصمتهم من غير
حجة‏متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم
الاختلاف؟! وكيف يختلف المعصومان؟ كيف! وقد اتفقت
الصحابة‏على جواز مخالفة الصحابة؟! فلم ينكر ابو بكر وعمر
على من خالفهما بالاجتهاد بل اوجبوا في مسائل الاجتهاد
على‏كل مجتهد ان يتبع اجتهاد نفسه. فانتفاء الدليل على
العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم،
فيه‏ثلاثة ادلة قاطعة‏»، ج‏1، ص 135.
وانظر في مناقشة حجية سنة الصحابة بنحو موسع كتاب
«الاصول العامة للفقه المقارن‏» للعلامة السيد محمد
تقي‏الحكيم، ص 135 143، 439 442، دار الاندلس، بيروت،
وكتاب نظرية عدالة الصحابة، للاستاذ احمد حسين‏يعقوب، ط
الاولى مطبعة الخيام، الاردن.
77- الشافي في الامامة، 2/67 و68.
78- المنهاج، العدد 16، ص 84 86.
79- الشافي، 2/260 و261.
80- م.ن، 2/261 و262.
81- م.ن، 2/262 325.
82- م.ن، 3/99.
83- رسائل الشريف المرتضى، 3/129 133، 4/251 254،
نشر دار القرآن الكريم، قم، 1405ه.
84- تقدم ذكر حديث يوم الدار في مناقشة الشبهة الثانية.
85- انظر في دلالة حديث الغدير: الجزء الاول من كتاب
«الغدير» للعلامة الاميني، وكذلك «المراجعات‏» للامام
شرف‏الدين، المراجعة 58 و60.
86- منها قوله (ص) لعلي كما في حديث ابن عباس : «انت
ولي كل مؤمن بعدي‏» (انظر: مسند احمد بن حنبل، 5/25،ح
3062، ط دار المعارف بمصر)، ومنها: قوله لجماعة وقعوا في
علي، والغضب يبصر في وجهه كما في حديث‏عمران بن
حصين : «ما تريدون من علي؟ ان عليا مني وانا منه، وهو ولي
كل مؤمن بعدي‏» (انظر: جامع الترمذي،5/296، ح 3796،
مصنف ابن ابي شيبة، كتاب الفضائل فضائل علي (ع) ح‏58،
ومنها: قوله (ص) لبريدة الاسلمي: «لاتقع في علي فانه مني
وانا منه، وهو وليكم بعدي‏» (انظر: مجمع الزوائد، 9/127،
خصائص امير المؤمنين للنسائي، ص‏24 ط مصر).
87- حديث الامر بالتسليم على علي (ع) بامرة المؤمنين
متواتر عند الشيعة، ورواه من اهل السنة الامام الطبري في
كتاب‏«الولاية‏» عن زيد بن ارقم (انظر: الغدير، للاميني، 1/270
ط‏1 = 1/508 ط مركز الغدير، قم 1416ه 1995م)، ورواه‏ابن
عساكر عن بريدة الاسلمي، «قال: امرنا رسول اللّه (ص) ان نسلم
على علي بامرة المؤمنين ونحن سبعة وانا اصغرالقوم يومئذ»
(ترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر، 2/260).
وهذا الحديث مؤيد بعدة احاديث اخرى اثبتها محدثو اهل
السنة، منها: حديث انس بن مالك، قال: «قال رسول اللّه(ص): يا
انس اسكب لي وضوءا، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا انس
اول من يدخل عليك من هذا الباب اميرالمؤمنين، وسيد
المرسلين، وقائد الغر المحجلين، وخاتمة الوصيين، قال انس،
قلت: اللهم اجعله رجلا من الانصاروكتمته، اذ جاء علي، فقال:
من هذا يا انس؟ فقلت: علي، فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل
يمسح عرق وجهه بوجهه،ويمسح عرق علي بوجهه. قال علي: يا
رسول لقد رايتك صنعت شيئا ما صنعت بي من قبل؟ قال: وما
يمنعني وانت‏تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما
اختلفوا فيه بعدي‏».
روى ذلك الحافظ ابو نعيم في «حلية الاولياء» بسنده عن
الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب عن انس، وقال
في‏آخره: «روى جابر الجعفي عن ابي الطفيل عن انس نحوه‏»
(حلية الاولياء، 1/63 و64).
ورواه ايضا ابن عساكر في تاريخ دمشق (ترجمة الامام علي في
تاريخ ابن عساكر، 2/259).
وبذلك يتضح خطا ما ذكره ابن ابي الحديد بقوله: «وتزعم
الشيعة انه خوطب في حياة رسول اللّه (ص) ب‏«اميرالمؤمنين‏»،
خاطبه بذلك جلة المهاجرين والانصار، ولم يثبت ذلك في
اخبار «المحدثين‏» وان عاد بعد ذلك فقال:«الاانهم قد رووا ما
يعط‏ي هذا المعنى، وان لم يكن اللفظ بعينه، وهو قول رسول
اللّه (ص): «انت يعسوب الدين والمال‏يعسوب الظلمة‏»، وفي
رواية اخرى: «هذا يعسوب المؤمنين وقائد الغر المحجلين‏».
واليعسوب: ذكر النحل واميرها.روى هاتين الروايتين ابو
عبداللّه احمد بن حنبل الشيباني في «المسند» في كتابه
«فضائل الصحابة‏»، ورواهما ابو نعيم‏الحافظ في (حلية الاولياء)»
(شرح النهج، 1/12 13).
88- الغدير، للاميني، 1/508 ط مركز الغدير : 1/270 ط الاولى،
نقلا عن كتاب الولاية لمحمد بن جرير الطبري.
89- المصنف لابن ابي شيبة، كتاب الفضائل، فضائل علي بن
ابي طالب (ع) ح‏55، مسند احمد بن حنبل، 4/345،ح‏1508 ط
دار الكتب العلمية: بيروت، تفسير الطبري، 3/428.
90- ترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر، 2/76 ح‏579،
مناقب علي بن ابي طالب (ع) لابن المغازلي الشافعي، ص‏18،
ح‏24.
91- انظر في روايات تهنئة عمر عليا (ع) بالولاية: كتاب
«الغدير» للاميني، 1/510 527 ط مركز الغدير، قم، 1416ه
آ1995م.
92- احصى العلامة الاميني في كتابه «الغدير» اثني عشر حافظا
من حفاظ اهل السنة ممن روى شعر حسان في حديث‏الغدير،
وستا وعشرين من حفاظ الشيعة وعلمائهم، انظر: الغدير، 2/65
73.
93- الفصول المختارة من العيون والمحاسن، للشريف
المرتضى، ص 290 و291، دار المفيد، بيروت، 1414ه آ1993م.
94- م.ن، ص 291.
95- رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، منها: كتاب
العلم، باب (17) كتابة العلم، ح‏114، ومنها: كتاب المرض،باب
(17) قول المريض: قوموا عني، ح 5669، كما رواه مسلم في
كتاب الوصية من صحيحه، باب (5) ح 1637.
96- المراجعات، للامام شرف الدين، ص 260.
97- شرح النهج لابن ابي الحديد، 12/21، وانظر ايضا: 12/79.
98- شرح النهج لابن ابي الحديد، 12/21، وانظر ايضا: 12/79.
99- صاحب كتاب «الغارات‏» من علماء القرن الثالث، نشا
بالكوفة وانتقل الى اصفهان ومات بها سنة 283ه
(الوافي‏بالوفيات، 6/220).
100- الشافي في الامامة، 2/243 و244.
101- الشافي في الامامة، 2/243 و244.
102- شرح النهج، 2/21.
103- م.ن، 2/23.
104- تاريخ الطبري: 3/202، شرح النهج، 2/49.
105- نهج البلاغة، كتاب 62.
106- تاريخ الطبري، 4/223، شرح النهج، 2/53.
107- شرح النهج، 12/80.
108- شرح النهج، 6/50، وانظر ايضا، 12/82 .
109- محاضرات الادباء، 4/478.
110- شرح النهج، 9/15. و(عتيق) هو اسم ابي بكر.
111- الموفقيات، 606، تحقيق الدكتور سامي العاتي، منشورات
الشريف الرضي، قم: 1416ه، وانظر ايضا، شرح النهج:9/9.
112- قال القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغني): «ان
ما جرت عليه احوال الصحابة يمنع من ادعاء هذاالنص(النص
على علي (ع) بالامامة) في الاصل، لانه لو كان صحيحا.. لكان
يجب ان يكون معلوما لجميعهم، ولو كان‏كذلك لكانت الامور
التي جرت في الامامة لا تجري على الحد الذي جرت عليه، بل
كان يجب ان يكونوا مضطرين الى‏معرفة امامة امير المؤمنين
كاضطرارهم الى ان صلاة الظهر واجبة، وصوم شهر رمضان
واجب، وحج البيت واجب، ولوكان كذلك ما صح ما قد ثبت
عنهم من مواقف الامامة والمنازعة فيها... ولا يمكن بعد ذلك
الا نسبة جميعهم الى‏الارتداد والنفاق‏» نقلا عن (الشافي في
الامامة) ملخصا، 2/125.
وقال المرتضى (ره) في جواب ذلك: «الذي يذهب اليه اصحابنا
وهو الذي اشار اليه ابو جعفر ابن قبة، رحمه اللّه، في‏كتابه
المعروف ب‏«الانصاف‏»: «ان الناس بعد رسول اللّه (ص) لم
يكونوا دافعين باسرهم للنص وعالمين بخلافه مع‏علمهم
الضروري به، وانما بادر قوم من الانصار لما قبض رسول اللّه
(ص) الى طلب الامامة، واختلفت كلمة رؤسائهم‏بينهم،
واتصلت حالهم بجماعة من المهاجرين، فقصدوا السقيفة
عاملين على ازالة الامر عن مستحقه، والاستبداد به،وكان
الداعي لهم الى ذلك غلبة رغبتهم في عاجل الرئاسة، والتمكن
من الحل والعقد، وانضاف الى هذا الداعي ما كان‏في نفس
جماعة منهم من الحسد لامير المؤمنين (ع) والعداوة له لقتل
من قتل من آبائهم واقاربهم، ولتقدمه واختصاصه‏بالفضائل
الظاهرة، والمناقب الباهرة، التي لم يخل من اختص ببعضها من
حسد وغبطة، وقصد بعداوة، وانسهم بتمام ماحاولوه بعض
الانس تشاغل بني هاشم بمصيبتهم وعكوفهم على تجهيز
نبيهم (ع) فحضروا السقيفة ونازعوا في الامروقووا على الانصار
وجرى ما هو مذكور. فلما راى الناس فعلهم وهم من وجوه
الصحابة ممن يحسن الظن بمثله وتدخل‏الشبهة بفعله توهم
اكثرهم انهم لم يتلبسوا بالامر ولا اقدموا فيه على ما اقدموا
عليه الا بعذر يسوغ لهم ذلك ويجوزه،فدخلت عليهم الشبهة،
واستحكمت في نفوسهم، ولم ينعموا النظر في حلها فمالوا
ميلهم، وسلموا لهم، وبقي العارفون‏بالحق والثابتون عليه غير
متمكنين من اظهار ما في نفوسهم، فتكلم بعض ووقع منهم
من النزاع ما قد اتت به الرواية، ثم‏عادوا عند الضرورة الى الكف
والامساك واظهار التسليم مع ابطان الاعتقاد للحق، ولم يكن
في وسع هؤلاء الا نقل ماعلموه وسمعوه من النص الى اخلافهم
ومن يامنونه على نفوسهم فنقلوه، وتواتر الخبر به عنهم‏»
(الشافي، 2/126 و127).
113- يمكن الوقوف على تواتر حديث الغدير وحديث الثقلين
واستفاضة غيرهما من نصوص الامامة وصحة اسانيدهافي
مصادر اهل السنة في العديد من المؤلفات المخصصة لذلك،
ومن اهمها:
1 الغدير في الكتاب والسنة والادب، للشيخ عبد الحسين
الاميني.
2 حديث الثقلين، اصدار دار التقريب بين المذاهب الاسلامية
بالقاهرة.
3 عبقات الانوار في مناقب الائمة الاطهار للسيد مير حامد
حسين.
4 غاية المرام، للسيد هاشم البحراني.
5 احقاق الحق، للسيد المرعشي التستري.
6 دلائل الصدق، للشيخ محمد حسن االمظفر.
7 المراجعات، للسيد عبد الحسين شرف الدين.
114- تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 23.
115- عبد الجبار بن احمد بن عبد الجبار الهمذاني الاسد
آبادي، قاضي القضاة، كان شيخ المعتزلة في عصره، ولي‏القضاء
بالري ومات فيها سنة 415ه. (الاعلام للزركلي، 3/273 و274).
116- ابو هاشم الجبائي: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب
بن سلام بن خالد بن حمران بن ابان مولى عثمان بن‏عفان،
كان هو وابوه ابو علي الجبائي من رؤساء المعتزلة في عصرهما،
له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سميت «البهشمية‏»نسبة الى
كنيته. توفي سنة 321ه، و«جبى‏» بالضم ثم بالتشديد والقصر
بلد او كورة من عمل خوزستان (الكنى والالقاب،للشيخ عباس
القمي: 2/141 و142، الاعلام: 4/7 و8).
117- في الشافي: «تردد».
118- المغني في ابواب التوحيد والعدل، الجزء المتم العشرين
(في الامامة)، القسم الاول، ص 122، الدار المصرية‏للتاليف
والترجمة، د.ت.
119- الشافي، 2/151 و152.
120- انظر في دلالة هذه الاحاديث على امامة علي (ع): الغدير،
للاميني: 1/609 وما بعدها، المراجعات: المراجعة (30 34)
و(58 60)، دلائل الصدق، 2/251 4 25.
121- انظر: دلائل الصدق، 2/304 310، 311 314، الاصول
العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم، ص‏164
187، مذهب الامامية، للدكتور عبد الهادي الفضلي، ص 29
48، مركز الغدير، بيروت، 1417ه آ1996م.
122- تاريخ الطبري، 4/229.
123- المصدر نفسه، 4/233.
124- شرح النهج، لابن ابي الحديد، 6/167.

رابط الموضوع من مجلة المنهاج
http://www.islamicfeqh.com/al-menhaj/ALMEN19/men19004.htm



.