مشاهدة النسخة كاملة : محاضرات الشيخ عبدالحميد عباس لعام 1429هـ
لليلة الأولى
بنو أمية بين حرف الرسالة الإسلامية وسلب الحرية
قال تعالى{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205
في سنة ستين للهجرة هلك معاوية في النصف من شهر رجب وقد خلف على الأمة يزيد وهذا الأمر معلوم لا اختلاف فيه وبحثنا حول الخطوة التي اتخذها يزيد بن معاوية حيث بعث إلى والي المدينة وهو الوليد بن عتبة ليأخذ البيعة من كبار شخصيات المدينة وأن يأخذها من الحسين أخذا شديدا وإن رفض الحسين يقطع رأسه ويبعثه إلى الشام فما كان من الوليد إلا أن استشار مروان بن الحكم ولكن بئس المستشار فقال مروان الحكم إن الحسين لا يمكن أن يبايع يزيد وإن كنت مكانك لقطعت عنقه فقال الوليد ليتني لم أكن شيئا مذكورا حديثا حول نقطتين:
النقطة الأولى: حرف عالمية الرسالة الإسلامية
الرسالة الإسلامية عبارة عن رسالة خاتمة هذه الرسالة عبارة عن مخزون حضاري من القضايا التشريعة والأخلاقية والقيم النبيلة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تعب من أجل هذه الرسالة ثلاث وعشرون سنة حتى تبقى هذه الرسالة فصارت الرسالة الإسلامية أمانة فأوكل الله لهذه الرسالة أفضل خلقه من الأنبياء والرسل فتم الاختيار بإرادته هذه الرسالة التي تهم كل المخلوقات الحية فالحج من أفضل الأعمال التي تجعل الإنسان شفيقا وعندما نلبس الإحرام يحرم علينا قتل تلك النملة أو قلع نبات الحرم ولكن الحج أصبح شكل من أشكال الحياة.
معاوية وجاء وسلم مصير هذه الرسالة إلى ولد نزغ في الثلاثين من عمره متناسيا النظريات الثلاث التي سبقته وعينت ثلاثة من الخلفاء
*النظرية الأولى نظرية الغلبة: وبها جاء أبو بكر
*النظرية الثانية نظرية التعيين: وبها جاء عمر بن الخطاب
*النظرية الثالثة نظرية التقيد: فقيدت إرادة الأمة في ستة أشخاص يتلائمون مع الخليفة وبها جاء عثمان بن عفان
إلى أن جاء الإمام علي عليه السلام بانتخاب الأمة حتى نادى الكل "ليس لها إلا أنت يا أبو الحسن" إلى أنت برزت الفتن حتى وصل معاوية إلى الخلافة بالغدر والمكر والذي يقول عنه الإمام علي عليه السلام (ولولا كراهية الغدر لصرت من أدهى العرب) فجاء معاوية وحرف الرسالة الإسلامية حتى أصبحت كمجلس عائلي إلى أن جاء بنو العباس وصارت التوارث قانون عنهم
عين معاوية ابنه يزيد فخرجت الأمة الإسلامية عن مضمونها ومن جملة الأخطاء التي نتغافل عنها هي أن نطلق على دولة بني أمية بأنها دولة دينية بل هي دولة جاهلية وهذا ما قرره الإمام علي عليه السلام حين اجتمع القوم في سقيفة بني ساعده وقال له أبو سفيان أتجلس في بيتك ويأخذ البيعة فلان حتى قال أبو سفيان لو شئت لملأت لك الأرض خيلا وركبانا فقال له الإمام (أتريد أن تعيدها جاهلية بعد إسلام) وجاء معاوية وقال (ما قاتلتكم لتصوموا أو تصلوا أو تحجوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم) فدولة بني أمية لم تعرف الإسلام{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحجرات14.
النقطة الثانية: سلب الحرية
الحرية أصل من أصول البشرية فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان حرا وحتى في عبوديته يبقى الإنسان حرا (إن قوما عبدوا الله عز وجل خوفا من ناره فتلك عبادة العبيد وإن قوما عبدوا الله عز وجل طمعا في جنته فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله لأنهم وجدوه أهلا للعبادة فعبدوه فتلك عبادة الأحرار) القرآن الكريم أثبت الحرية للإنسان فقال {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256 والسنة النبوية جاءت لثبت هذا الأصل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما بعثت بالشريعة السمحة السهلة ) بنو أمية سلبوا الحرية فصارت حرية الناس ملكا لبني أمية.
فبعث والي المدينة إلى الحسين أن اقدم فجاء الحسين ومعه ثلاثين فارس وقال لهم إن سمعتم تعالت الأصوات فاهجموا فدخل الإمام على والي المدينة ودار ما دار بينهم إلى أن قال الحسين نصبح وتصبحوا إلى أن أصبح الصباح وقال الإمام الحسين عليه السلام (ويزيد رجل فاسق شارب للخمور مستحل للحرمات ولاعب بالقرود ومثلي لا يبايع مثله) إلى أن وصلت الأوضاع وقال الحسين إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar9/01.rar)
اليوم الثاني
النظرات التحليلية لرفض الإمام الحسين عليه السلام مبايعة يزيد
قال تعالى{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205
أعلن الإمام الحسين عليه السلام رفضه للوليد بن عتبة بقوله (ومثلي لا يبايع مثله) ثم ارتحل الإمام الحسين في أواخر شهر رجب من المدينة إلى مكة ليصل في الثالث من شهر شعبان سنة ستين من الهجرة وبقي أربعة أشهر وثلاثة أيام أو أربعة أيام لأن خروجه كان مابين السابع والثامن من شهر ذي الحجة وهي ليست بالفترة القصيرة والتي من ضمن أهدافها أن لا يستثمر الأمويون عدم إعلان رفض الحسين وبالتالي يعلون الإشعاعات الكاذبة بأن الحسين قد بايع يزيد لأن الأمويون كان يحتاجون لمن يستمدوا منه شرعيتهم لكن الإمام الحسين رفض البيعة وأعلن ذلك الرفض وحديثنا حول النظرات التحليلية حول موقف رفض الإمام الحسين عليه السلام للبيعة حتى نعطي للتاريخ تأصيل عقائدي
هناك نظرتان رئيستان في بحث هذا الفرض من النص التاريخي حيث أن الحسين رفض بيعة يزيد وأعلن الكفاح المسلح والثورة الدامية وهنا تطرح تساؤلات عديدة من ضمنها لماذا لم يبايع الإمام الحسين يزيد ويسلم أمور الأمة ويتجنب الدماء التي سفكت باعتبار أن دم الحسين يمثل أغلى دم وقتل وقتل معه اثنان وسبعون من أنصاره وسبعة عشر رجلا من أهل بيته وطال ذلك أيضا عائلته وداروا بهم على البلدان والمصران لكن نقول بأن واقعة كربلاء شطرت الأمة الإسلامية إلى فريقان فريق مقر بالظلم ومسلم به وفريق رفض الظلم وحاربه
النظرة الأولى: نظرة عموم الشيعة
أصحاب هذه النظرة يعتقدون بأنه لا يمكننا الخوض والسؤال عن أفعال المعصومين وبالتالي تعبر أفعال المعصومين عن إرادة إلهية هذه الإرادة تخاطب عقل الإنسان فعندما نقرأ القرآن نجده يخاطب عقولنا وحتى الحياة الزوجية تخاطب عقولنا {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21 أصحاب هذا الرأي يعتقدون بأن الإمام الحسين إمام معصوم وبالتالي لا ينبغي لنا أن نناقش أفعاله وتصرفاته
لكن هذه النظرة نظرة ناقصة لأنه ينبغي لنا المناقشة لا من باب التشكيك ولكن من باب {بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}البقرة260 فهناك مفاصل وأسئلة إذا بحثناها وتحصلنا على أجوبتها زادنا يقننا بهم عليهم السلام من قبيل العلة من سكوت الإمام على عن الخلافة من عام أحد عشر إلى عام خمسة وثلاثين من الهجرة والعلة من مصالحة الإمام الحسن لمعاوية والعلة التي من أجلها خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة إلى الكوفة بالرغم من أن هناك تجارب مريرة مع الكوفيين فلماذا لم يذهب إلى اليمن أو أي بقة أخرى فالاكتفاء بأن الإمام الحسين عليه السلام إنسان معصوم لا يروي عطش المتعلم
ومن ناحية أخرى لا يعتقد جميع الناس بعصمة الأئمة عليهم السلام وبالتالي لا يكفي جوابنا لهم بأن الإمام معصوم وكفى خصوصا وأن أوقاتنا الحاضرة توسعت فيها مدارك العلم وتطورت أدوات التفكير لذلك لا ينبغي لنا أن نغلق باب التفكير لما قام به أئمتنا لأنه تثبيت لنا وتأصيل في القلوب
وربما سيعتقد البعض بأننا حين نفتح هذا المجال سيسعى المفسدون للتشكيك في أئمتنا ومعتقداتنا لكن نقول لأصحاب هذا الرأي بأن مئات السنوات مرت على مذهبنا ولم يستطع المفسدون التغلب عليه ورد عن الإمام علي عليه السلام (أما السب فسبوني وأما البراءة فلا تتبرؤا مني فإني مولود على الفطرة)
النظرة الثانية: نظرة غير الشيعة
أصحاب هذا الرأي يعتقدون بأن الإمام الحسين عليه السلام أخطأ خطأ فادحا لأنهم ينظرون لحركته على أنها حركة سياسية بحتة ويمكن تعريف السياسة بأنها فن الممكن فنستعين بكل شيء لنصل إلى مبتغانا لأن الغاية تبرر الوسيلة ولذلك السياسة عبارة عن أرضية متزلزلة فلا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة وإنما مصالح دائمة وبالتالي السياسة ليست مسألة ثابتة من خلال هذه النظرة يتضح لهم بأن الحسين لم يربح بل يعتقدون بأن الحسين خسر سياسيا في اليوم العاشر فقد قتل هو ومن معه ونساءه سلبوا وسبوا وأما يزيد بقي في مكانه لم يسقط أو يتأثر في حين أن الحسين سفك دمه وعثر خده بالتراب وطالت الشمس محاسن وجهه ودمه سال على تراب كربلاء
لكن نقول لو كان الحسين انتهى سياسيا لتوقفت الكتابات والتحليلات على ثورة الإمام الحسين ولم تبحث أسباب واقعة الطف لقد تجلى دورها السياسي في حين اضمحل دور بني أمية وتلاشى فالبرغم من الأوضاع الجوية السيئة والجو البارد لكن نرى الألوف قد اجتمعوا لإحياء هذه الذكرى لا نجتمع من أجل المال أو لأجل أمر دنيوي وإنما نجتمع لننال دعوة من الإمام الحسين عليه السلام يقول التاريخ (فضاقت على الحسين الأرض بما رحبت) لذلك توجه لقبر جده رسول الله يشكوى له ما أصابه مخاطبا له بقوله (السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلفته عليهم فاشهد عليهم يا رسول الله بأن ضيعون ويريدون قتلي).
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar9/02.rar)
اليوم الثالث
ما قام به الإمام الحسين في مكة
قال تعالى{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205
الإمام الحسين عليه السلام رفض البيعة وارتحل من المدينة إلى مكة وبقي في مكة أربعة أشهر وبضعة أيام تعد هذه المدة بالمدة طويلة وليست بالقصيرة
فلماذا لم يبقى في المدينة إلى وقت الحج وعندها يذهب إلى مكة؟ وعندما نستنطق المؤرخين نجد أن هناك سببين رئيسيين لبقاءه بالفترة الطويلة في مكة:
السبب الأول: تجنيب المدينة تبعات رفضه ليزيد
الإمام الحسين عليه السلام أراد أن يجنب المدينة ما يمكن أن يحدث فيها من جراء معارضته للخلافة فقد خشي الحسين على مدينة جده رسول الله أن تنتهك حرمتها لذلك خرج بعد رفضه للخلافة بأيام فقط لأن مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تمثل النظام الأول في العالم الإسلامي الذي قام على أسس ونظم اجتماعية لذا كانت تمثل مخزون حضاري ولكن بني أمية تجروا على مدينة رسول الله فقد كانوا يسمونها الخبيثة ومن ضمن من كان يسميها بهذه التسمية سعيد بن العاص وكانوا يقولون له إن النبي سماها بطيبة وأنت تسميها الخبيثة فقال سعيد والله عندي مجاورة اليهود أفضل من مجاورة نبيكم هذا إلى أن عاث بنو أمية في المدينة في واقعة الحر المشهورة فاستبيحت ثلاثة أيام.
السبب الثاني: أن يلتقي الحسين بأكبر عدد من المسلمين والأمة الإسلامية
البعض من المؤرخين يعتقد بأن الحسين بقي في مكة أربعة أشهر لكي يتحصل على الأنصار ولكن أن الله سبحانه وتعالى اختار أنصار الإمام الحسين لذا لم يكن الإمام يجمع الأنصار في مكة بل أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يخاطب أكبر عدد من الناس ليعلمهم واقع الحال ويخلق فيهم نوع من الوعي
هذه الرؤى حول بقاء الحسين في مكة أربعة أشهر
الإمام الحسين عليه السلام كان عالما بحاله وبمآله أن يخلق حركة وعي تتناسب مع وقع الحادثة التي حدثت في كربلاء ولو خرج مباشرة لكربلاء فلم تتكون لديهم القناعات.
يمكن أن نجمل العلة التي من أجلها قعد الإمام في مكة في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قراءة الواقع
لو أردنا أن نقوم بعملية إحصائية لمجتمع ما فإننا أمام ثلاث طرق رئيسة
الأولى: النزول إلى أرض الواقع ويقوم المحصي بالإحصاء
الثانية: الإستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص من شخصيات المجتمع للقيام بالعملية الإحصائية
الثالثة: الاستعانة بالقنوات الالكترونية والبحوث السابقة المعدة عن الاحصاء الذي أقوم به
وعندما نسأل أنفسنا أي من الطرق الثلاث التي ينبغي لنا أن نتبعها لنصل إلى بحث إحصائي متقن لابد أن نتبع الطرق الثلاث وهذا ما فعله الإمام الحسين حيث ذهب بنفسه لمكة حتى يرى ويكون كل شيء تحت مسمعه.
المسألة الثانية: القيام بحركة وعي لتعرية الواقع الأموي
حين طلب الوليد الإمام الحسين للبيعة وأراد الإمام الخروج قال مروان للوليد إن خرج من دارك لم يعد أبدا فقال الإمام لمروان يا ابن الزرقاء أتهددني بالسيف إلى أن قال الإمام الحسين (ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحرمة معلن بالفسوق ومثلي لا يبايع مثله) فاتخذ الإمام هذا الموقف الحازم والصارم على يزيد لأنه تجاوز كل الأطر واستخدم الأساليب القذرة في الوصول لغاياته.
المسألة الثالثة: استنهاض الأمة
أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يحدث زلزال في الأمة الإسلامية تبقى آثاره مستمرة وفعلا حدثت ثورات ارتدادية لثورة الإمام الحسين عليه السلام من قبيل ثورة المختار لذلك احتاجت الأمة لأغلى دم ولذلك كانت كلمات البيان الأول لإعلان خروج الإمام من مكة كان الموت فقال عليه السلام (خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلاءه فيوفينا أجور الصابرين لن تشد عن رسول الله لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس فتقر بها عينه ألا فمن كان باذلا فينا مهجته موطننا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبح إنشاء الله).
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar10/03.rar)
اليوم الرابع
البناء الاجتماعي في الرسالة الإسلامية
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143
من أهداف الرسالة السماوية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكوين لبنات البناء الاجتماعي وهذا ليس هدف الرسالة الإسلامية وحدها وإنما هدف الرسالات السابقة التي جاء بها الأنبياء والرسل ولكن ربما تختلف لبنات هذا البناء باعتبار المكان والزمان وحدود كل رسالة بل حتى القوانين الوضعية من جملة أهدافها تكوين نواة اجتماعية وجاء القرآن ليؤكد على هذا الأمر {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
لكن هناك ظروف تجعل كل من الأسرة أو القبيلة أو الوطن بناء اجتماعي ونتيجة حتمية لهذا الوضع تتميز كل فئة الأخرى نقول بأن القرآن الكريم جعل الأصل البناء الاجتماعي بناء إنساني عظيم ولكن يحتاج إلى تفعيله لذلك خرج الإمام الحسين عليه السلام على يزيد بن معاوية لحفظ البناء الاجتماعي ليبقى صورة حقيقة تعتمد على الفاعلية والنشاط وبحثنا حول البناء الاجتماعي في الرسالة الإسلامية من خلال ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: إلهية التشريع
التشريع هو الأسس التي يقوم عليها الإنسان في عباداته المختلفة من خلال أسس تربوية واقتصادية ويعبر عنه بأنه المنظومة التي يسير عليها الإنسان وتحكم علاقته مع خالقه و بكل ما يحيط به وحوله حديثنا حول هذا الأمر يتم بأمرين:
الأمر الأول: إلهية الإشراف
معنى الإشراف الإلهي هو إبعاد النظم الإلهية عن المطامع والمصالح الشخصية لأن أي قانون متبع إذا سادت المطامع الشخصية عن فلسفة تشريع القانون فإن هذا النظام يسود الضعف والخلل والنظم الوضعية تقدم مصالحة الأفراد على المصلحة العامة لكن الله عندما وضع نظامه جعل المصلحة الأولى للإنسان ورد في حديث قدسي حيث يخاطب الله أحد أنبيائه (ليعلموا بأنني لا أختار إلا الصالح لهم).
الأمر الثاني: إتباع الرسالة الكاملة
الرسالات السابقة محدودة بأزمنة معينة وبأماكن محددة ولكن الدين الإسلامي دين عالمي ولكن كما يقول النبي (إلا أنه لا نبي بعدي) فالبناء الاجتماعي اكتمل وتكامل حين نزلت الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}المائدة3 فلم يغادر رسول الله هذه الدنيا إلا بعد أن أكمل تبليغ هذا الدين بتمامه.
نستنتج من ما سبق بأن الإسلام بناء اجتماعي تحت إشراف الله نظام تنعدم فيه مصالح الأفراد لتبقى المصلحة العامة هي الحاكمة ليعيش فيها الإنسان بكرامته غنيا كان أو فقيرا لأن الكل يخضع لنظام المساواة والعدالة.
المسألة الثانية: ضرورة البناء
ضرورة البناء تعبر عن حضانة لهذه التشريعات والقوانين الشرعية وإن لم يكن هناك نظام اجتماعي فعلى من ستطبق أحكام الدين؟ فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين وصل إلى المدينة قام بتأسيس دوائر لحماية هذا البناء ومن أهم هذه الدوائر قضية المؤاخاة ليزيل بذلك الفوارق الاجتماعية التي وضعها البشر هذه الفوارق تؤدي إلى عدم تطبيق أحكام الشريعة على البشر بشكل عادل وأي مجتمع ينتهج هذا الأسلوب فهو مجتمع متأخر وغير متقدم سواء كان هذا المجتمع مسلما أم لا{كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً }الإسراء20 فالله ينظر نظرة إنسانية لا دينية.
المسألة الثالثة: مسؤولية كل فرد
محاربة الفقر ليست مسؤولية الدولة فقط ومحاربة الجريمة ليست مسؤولية الشرطة فقط بل هي أيضا مسؤولية فالناس كلهم مسئولون ولكن من له القدرة على تحمل هذه المسؤولية بكامل ثقلها بالطبع نجد من يتحمل هذه المسؤولية قليلون فخدمة الناس وتحمل مسؤوليتهم من أصعب الأمور إلا أن الله سبحانه وتعالى وعد بمكافئة أصحابها ونكتفي بذكر رواية واحدة في هذا المجال يوم القيامة والناس في زحام المحشر تمر عليهم خيولا بيضاء تذهب بأصحابها إلى الجنة فيتساءل الناس لما فضلتم هؤلاء علينا فيأتيهم الجواب (هؤلاء المشائون في الدنيا لقضاء حوائج إخوانهم المؤمنين أولائك يدخلون الجنة بغير حساب) فالبناء الاجتماعي مسؤولية كل فرد من أفراد هذا المجتمع جاء بنو أمية وفرقوا المجتمع الكوفي لكي يتفرق ولاءه للإمام الحسين عليه السلام ونتيجة لذلك صار مسلم بن عقيل وحيدا فريدا في ذلك المجتمع.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar10/04.rar)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
احسنتم على الوصلات
ياريت محاضرة الليلة السابع
مأجورين
اليوم الخامس
أسس البناء الاجتماعي
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ضمن أهداف رسالته إقامة البناء الاجتماعي السليم من خلال إيصال تلك الرسالة مع العلم بأننا لا نستطيع قياس تلك الرسالة من خلال ردة فعل الناس سواء كان إتباع أو تمرد والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واجه هذه المشكلة من خلال الكفار ومن خلال المسلمين أنفسهم فهناك طائفة يطلق عليها القرآن بالمنافقين هؤلاء ممن عارضوا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن النبي بلغ هذا الدين والدليل على ذلك شهادة الله سبحانه وتعالى{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}المائدة3 النبي في سبيل تكوين البناء الاجتماعي نحج نجاحا كاملا ووضع الأسس الصحيحة لذلك البناء ولكن مسألة إتباع تلك الأسس مسألة أخرى فالقرآن يقول{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}البقرة256 حديثنا حول الأسس التي تحكم البناء الاجتماعي
الأساس الأول: محورية الإنسان
كل الرسالات والنبوءات والبعثات المقصود بها الإنسان بل حتى النظم الوضعية وضعت قوانينها لخدمة الإنسان فلماذا تحصل الإنسان على ها التمييز والتفضيل:
مراتب تفضيل الإنسان:
المرتية الأولى: التكريم
قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 فأوجد الله سبحانه وتعالى الإنسان وقبل ذلك أوجد له كرامته وعزته فنحن نقرأ في حق النبي آدم عليه السلام {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }الحجر29 معنى ذلك أن كرامة الإنسان قائمة قبل خلقه وعندما نطالع الكون ونرى فقيرا أو محتاجا فهذا ليس من الله بل من النظم البشرية لأن الله سبحانه وتعالى قبل خلق الإنسان هيأ أيضا له رزقه كما قرأنا عليكم في الآية السابقة.
المرتية الثانية: الإستخلاف
قال تعالى{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ}البقرة30 من خلال هذه المرتبة صار الناس قسمان:
الأول: خليفة أطاع من خلفه
الثاني: خليفة تمرد على من خلفه وهو الله وأولهم إبليس {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }البقرة34 فعل ذلك إبليس لأن لم يرد الكرامة للإنسان.
المرتية الثالثة: القابلية
قال تعالى {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }إبراهيم34 فالله سبحانه وتعالى وضع لنا القابلية العقلية لتحمل التكاليف الشرعية لذلك يقول العارفون "التكليف بما لا يطاق من قبح العمل" {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}البقرة286والنبي جاء ليؤكد هذا المفهوم فقال (رحم الله من أعان إبنه على بره) فقيل كيف يا رسول الله فقال (يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره).
المرتية الرابعة: العقل والإدراك
ورد في الرواية أن أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر فقال (بك أثيب وبك أعاقب) تغير الكون يتم من خلال العقل فهناك من يستخدم عقله لصلاح الكون وهناك من يستخدمه لفساد الكون فمحور البناء الاجتماعي يتم من خلال معرفة الإنسان لقيمة عقله فالإنسان يعرف ذاته وقيمة عقله من خلال معرفته بالله سبحانه وتعالى وعدم معرفتنا للقيمة الحقيقية للعقل هي من أهم مشكلات الأمة الإسلامية أجري بحث حول عدد الخبراء الذين هاجروا مصر فصلوا إلى ثمانمائة وأربعة وأربعون ألف خبير خلال خمسة وثلاثون سنة منهم ستمائة عالم من ذوي التخصصات النادرة منهم أربعة وتسعين عالما في الهندسة النووية وستة وعشرون في الفيزياء وخمسة وعشرون في الفلك والفضاء وثمانية وعشرين في الأحياء واثنان وسبعون في مجالات استخدام الليزر وغيرهم كما تقول الدراسة بأن هناك ألفان طبيب عراقي يعملون في مستشفيات بريطانيا كما تقول الدراسة بأنه بلغ عدد المهاجرين من الدول العربية والإسلامية من العقول النابغة أربعمائة ألف مهاجر بالطبع هاجروا لأنهم لم يتعرفوا على قيمة أنفسهم الحقيقية في بلدانهم فبحثوا عنها في بلدان أخرى فكل مجتمع لا يعرف قيمة الإنسان يخسر الإنسان نفسه لأنه أمد محدود وطاقة محدودة.
الأساس الثاني: انعدام الطبقية بالنسبة للتشريع والاعتراف بها في الواقع
أي مجتمع يتكون من طبقات وفوارق اجتماعية هذه الفوارق منشأها منشأ طبيعي وهذه الطبقات ناشئة من خلال السعي {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى }النجم39 فلإسلام يقر الفوارق الاجتماعية ولكن من خلال مبدأ واحد وهو {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}الحجرات13
طرق محاربة الإسلام للطبقية
الطريق الأول:من خلال الرحمة
فقد ركز الإسلام على الطبقات الضعيفة والمستضعفة من خلال الرحمة بهؤلاء الطبقات والعطف عليهم وإفرادهم رعاية خاصة ومن ضمهم الأيتام وحين نراجع التراث الإسلامي نجده قد ركز على هذه الطبقة تركيزا بالغا.
الطريق الثاني: تخصيص جزء من أموال الناس لهذه الطبقات
الخمس والزكاة والصدقة فرضها الإسلام لمحاربة الطبقية التي تنشأ بين المجتمع{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ }الذاريات19 ولذلك خرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق ليلبي دعوة المستغثين به.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar10/05.rar)
اليوم السادس
أقسام التدين
قال تعالى{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256
الرسالات السماوية كان هدفها الإنسان كما بينا في محاضرات سابقة وقلنا بأنه من خلال المعرفة الإلهية التي تقر بوجود الله نتحصل على الوعي والارتباط بهذه الرسالة حديثنا حول الإنسان الواعي الذي قصدته الديانات السماوية بتعاليمها الكل يقر بوجود درجات ومراتب للتدين عند كل إنسان وسنقسمها إلى ثلاثة أقسام للتدين:
القسم الأول: التدين الاسمي
من يتدينون بهذا القسم فهم يعتبرون بأن انتمائهم للإسلام وهويته بالاسم فقط ولكن نحن نسأل كيف تكون هذا القسم؟ الأفراد يرثون المعتقد كما يرثون المال فالأب والأم مسلمين ونتاج علاقتهما الزوجية بأني سأخرج إنسان مسلم وهذه المسألة مسألة طبيعية فعندما أرث المال أرث معه الدين ولكن السؤال الجوهري هو لماذا لا أرقى من انتمائي للإسلام بالاسم إلى انتماء عقائدي وحينما نحاول الجواب عن هذا التساؤل نجد بأن الأب والأم هكذا وصلهم الدين وبالتالي يصل لأبناءهم بالطريقة التي وصل بها الإسلام إليهم فكان آبائنا وأمهاتنا في الزمان الماضي لا يحتاجون إلى أكثر من ذلك فقبل ثلاثين سنة ما كان أحد سأل عن سبب إقامتنا لمجالس الحسين عليه السلام لأنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم يقيمونها ولكن الزمان تغير سابقا ما كان المسلم يحتاج إلى مخزون ثقافي يشرح له عقيدته ولكن بانفتاح العالم على نفسه فرض علينا أن نسأل عن مخزوننا من الوعي والثقافة فتساؤلات الأمس تغيرت عن تساؤلات اليوم فنصل إلى نتيجة بأننا لم نكن نحتاج إلى مقومات العقيدة في الماضي.
القسم الثاني: التدين الشكلي
من يتدينون بهذا القسم يتمسكون بشكل الإسلام وقشوره دون التركيز على المضمون والدلالة فنرى أصحاب هذا القسم يركزون على طريقة التلفظ بالنيات في حين أن الشرع المقدس يقول بأن النية محلها القلب فالتركيز على الشكل يؤدي إلى عدم الاعتناء بالمضمون ومعرفة الدلالات فالصلاة الحقيقية من يصليها يصليها وهو مقتنع بها فالشكليات ليست من الدين فالحية لا تعبر عن الدين بل هي مظهر من مظاهر هذا الدين لأنه لا يعقل أن يأتى بهذا الدين من أجل لحية فقط فاللحية مظهر من مظاهر هذا الدين لا تخرج الإنسان من الملة بل يجب علينا أن نركز على النظام الإسلامي حين يعلمنا طرق التعامل مع الغير فهذا هو تدين حقيقي وليس شكلي وحين يعلمنا الدين الإسلامي ماهية الإقتصاد السليم مثلا القرآن يقول {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأعراف31 وحين نسمع من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وما رأيت نعمة موفورة إلا ورأيت بجانبها حق مضيع) وحين نسمع قوله تعالى{وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ }الرعد8 نجد أن الإسلام ما شرع هذه القوانين والنظم إلا من أجل الإنسان وتوفير حقوقه ولذلك ينبغي علينا التمسك بتلك القيم والنظم والمثل وترك قياس الدين بلحية يلتحيها الإنسان القرآن جعل مهمة النبي هي التذكير لذلك قال {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ }الغاشية22 فعندما يشعر أبناءنا بأنهم مكرهون على التدين يبحثون على أول فرصة لهم ليخرجوا هذا التدين الذي أدخل بالقوة فيهم من دون اعتقاد صادق ولذلك كل من يستخدم طريق الإكراه في الدين نجد أن نهايته هي التطرف والتشدد والإرهاب فالرسالة الإسلامية جاءت وانتشرت ليس بالإكراه وإنما بالأخلاق النبوية {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }القلم4 فالخوارج كانوا من أحس الناس تدينا ولكنهم من قتلوا إمام زمانهم بل اختاروا ليلة تعد من ليالي القدر ليتقربوا إلى الله بقتل الإمام علي وقال للإمام (لقد أشركت يا أبا الحسن وإن لم تتب أقمنا عليك الحد) في حين أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول (يا على لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) فأصحاب هذا القسم قالوا (الصلاة مع علي أتم والأكل مع معاوية أدسم والجلوس على التلة أسلم)
القسم الثالث: التدين الحقيقي
التدين الحقي لا يعتمد على الشكل والمظاهر فالقرآن يقر هذه الحقيقة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}البقرة256 فالتدين الحقيقي يعتمد على الوعي ومعرفة العقيدة والتي من أفضل مصاديقها محمد وآل محمد فمن تمسك بهم من خلال المعرفة والشعور والتطبيق كان حقا من أصحاب هذا القسم لذلك نجد أن حبيب بن مظاهر الأسدي كان تدينه تدينا حقيقيا لأنه لم يترك عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كان يعاملهم أحسن المعاملة بعث الإمام الحسين كتابا له يقول فيه (إلى الحبيب حبيب أما بعد فإنا نزلنا في كربلاء وأحاطت بنا الأعداء وخان بي أهل الكوفة كما خانوا أبي وأخي فإذا أردت أن تحظى بالسعادة الأبدية والحياة السرمدية فلا تقصر في نصرتنا والسلام) فما كان من حبيب إلا أقبل ذلك الكتاب ووضعه على رأسه حينها دخلت عليه زوجته وقالت له سمعت بأن الحسين قد نزل في كربلاء فقال لها مالنا والحسين أخاف عليك من الترمل فقالت دعنا نأكل التراب دون نصرة الإمام الحسين فكان تدين هذه العائلة تدين حقيقيا.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar10/06.rar)
اليوم السابع
كيف نوفر البيئة المناسبة لطرح فكرنا؟
قال تعالى{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205
لقد تحدثنا وقلنا فيما سبق بأن الإكراه لا مكان له في معتقد الإنسان لا من الناحية العبادية ولا من الناحية الدنيوية فالله يريد كل إنسان حرا حتى يشعر بأن الحرية حق إلهي لنعيش بذلك دورنا الطبيعي فلا مساحة للضغط والعنف وحين يحل العنف والإكراه على مجتمع ويفرض عليهم شيئا من الدين نجد أن ذلك المجتمع حين تزول أسباب العنف يترك الفروض الدينية التي فرضت عليه بالإكراه وقد رأينا ذلك جليا في أفغانستان حين فرضت طالبان الحجاب على النساء وجدنا كيف أن النساء قد تركن الحجاب حين زولت لأنه فرض عليهن بالقوة.
ورد في تقرير في موقع العربية نت حول التبشير في الجزائر والمغرب العربي محصلة هذا التقرير بأن "جموع من المسلمين تحولوا من عقيدة التوحيد إلى المسيحية من خلال الوسائل والأساليب التي يتخذها التبشيريون لجلب المسلمين وأكثر من تحولوا لأنهم يبشرون بأسلوب مهذب وبتعامل راقي" يمكننا أن نقول أمور:
الأول: نقول بأنه لا يمكن لمسلم أن يتحول عن دينه ومعتقده لأنه يرى ما عند النصارى أفضل من الذي عندنا نحن المسلمين لأنهم لا يمتلكون شخصيات كشخصيات أهل البيت عليهم السلام لأنهم الأفضل في جميع الديانات.
ثانيا: نجد أن كثير ممن تحول عن الدين الإسلامي لا لأجل المعتقد وإنما لأجل مصالح دنيوية كأن يقع رجل في حب امرأة على غير دينه فنراه يتحول لأجل قضاء شهوته أو لسبب اقتصادي كأن يعرض عليه الدين المسيحي مقابل المال وهذا ما حدث فعلا للاجئين العراقيين إبان حكم صدام في هولندا حيث استقبلتهم الكنائس وأطعمتهم إلى أن قالوا للعراقيين نحن لا نطعمكم بلا مقابل فالبعض يتأثر ماديا أو اجتماعيا فيتحول عن مبدأ الإسلام.
ثالثا: نحن نخاطب أنفسنا كمسلمين حين نراجع تراثنا نجد بأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان دائم التبسم حتى تبدوا نواذجه وكان مأمنا للخائف فلماذا لا نقتدي بالنبي ونتبعه في كلامه وسلوكياته لذلك كان الكافر حينما يأتي للنبي ويراه متبسما يصبح مطمأنا لأن الله أرسل نبيه لبعث الطمأنينة في نفوس الناس وكان النبي يهتم في جمال المنظر والمظهر والسلوك والمخبر لأن هذه كلها تعد لوازم عبادية فالله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال لذا نجده يخاطب المسلمين {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأعراف31
حديثنا حول سؤال مهم وهو كيف نقدم معتقدنا وإسلامنا ليكون مقنعا لشبابنا ؟
الأمر الأول: التجديد في المضمون
الفكرة تبقى كما بقية ولكن الذي يختلف فيها هو كيفية إيصال هذه الفكرة البعض يدعو للصلاة ولكن بأسلوب قاسي والبعض يدعو للصلاة بأسلوب حسن هذان أسلوبان موجودان ولكن نجد أن الأسلوب الثاني يجذب الإنسان للصلاة بشكل مقنع لذلك البعض يدعو لإسلام بصورة عنيفة والبعض الآخر يدعو له ببسمة وبأسلوب راقي القرآن الكريم حكم في هذه المسألة بقوله{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}النحل125 فالإسلام منذ أن خلق الله آدم كمبدأ وثوابت لا تتغير وهنا ينشأ تساؤل وهو بما أن الإسلام دين رحمة ويسر{يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ}البقرة185 فنجد أن الإسلام لا يكلف العباد بما لايطاق لأن سمات الرحمة والطيبة تنبعث من الإسلام ولكن لماذا لا نرى مِن َمن يطرح علينا الإسلام تلك السماحة واليسر لماذا نشعر بالرحمة حين نقرأ القرآن ولا نشعر بالرحمة ممن يدعوننا للإسلام؟ من خلال مراجعتنا للتاريخ نجد أن النبي حينما يرى أطفالا يلعبون كان يجلس معهم ويلاعبهم وكان ينزل من على منبره حين يرى الحسنان باكيان هذا عمل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ماذا نصنع نحن؟ ربما ندعو شبابنا للصلاة لا لأجل الصلاة وإنما لأجل دعم فئة معينة وحزبية في بعض المساجد وتقويتها نحن نقول إذا قمنا بالدعوة للدين لأجل الفئوية فإن أعمالنا ستذهب هباءنا منثورا أعمالنا ليست للبشر بل هي لله فحينما ندعو الشباب للصلاة يجب أن دعوه لله فقط ولذلك يستحب الاختلاف إلى المساجد ومن ضمن فلسفة هذا التشريع هي تميع أي فئوية قد تنشأ بقصد أو دون لذلك حينما ندعو لله لأجل فئوية فقد أساءنا لديننا.
الأمر الثاني: تغير الأساليب العرضية لمفاهيم الدين
الفكر يتجدد بتجدد أساليبه وطرقه فالمنبر الحسيني كان يوما من الأيام مخصص للبكاء على الحسين وندبه ولكن مع تطور الحياة تطور المنبر فقد تغير من أسلوب بكائي إلى أسلوب وعظي إرشادي إصلاحي ففيه تنوع اجتماعي وثقافي هذا التغيير أوجد الجمهور لتتطور بذلك وسائل التعريف بالإمام الحسين عليه السلام ولذلك تنوع ووصل إلى المسرح وإلى القنوات الفضائية هنا ننبه إلى نقطة مهمة وهي أن البعض يعرف الإمام الحسين بالمعاجز نحن نقول بأنه ليس من الحكمة نقل المعاجز إلى عموم الناس لماذا لأن الناس مختلفون في إدراكاتهم العقيلة ومختلفون في درجات إيمانهم وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم) فليس كل معتقد يعتقده الإنسان يستطيع أن يظهره للناس من هنا نجد أن المعجزة هي اطمئنان نفسي ليس من الحكمة أن تقال لعموم الناس لاختلاف إدراكاتهم العقلية وقوتهم الإيمانية لذا لا نحاول جعل المعجزة جزء من إثبات معتقداتنا.
الأمر الثالث: ترجمة الفكر
حين نتمثل بالأخلاق المحمدية ونجسدها في واقعنا حينها لا نحتاج إلى التكلم عن الأخلاق فمثلا الخمس من أكمل النظم الاقتصادية في الإسلام البعض منا لا يدفعونه ولكن حين يرى الناس أموال الخمس ترجمت إلى واقع الناس حينها لا نحتاج إلى أن ندعو للخمس لأنها مترجمة في واقع الناس لذلك العباس ترجم النظرية الإسلامية للعطاء والشهادة في عاشوراء.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar11/07.rar)
ياريت محاضرة الليلة السابع
تفضل اختاه المحاضرة كاملة ان شاء الله موجوده وبالخدمة
اليوم الثامن
الأسرة وضرورة تكوينها
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar11/08.rar)
الأسرة وضرورة تكوينها
قال تعالى{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21
قلنا فيما ما مضى بأن محور النظام العالمي عند الله سبحانه وتعالى هو الإنسان بل هو الآية العظمى في هذا الكون لأن كل الآيات خلقت لأجله {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 لنصبح بذلك التكريم إنسان معطاء في معادلة الحياة من خلال التزاوج وتكوين البناء الأسري (ما من بيت أحب إلى الله من بيت يتزوج فيه وما من بيت أبغض إلى الله من بيت يطلق فيه) نحتاج قبل البدء في بحثنا لتوضيح أمور:
الأمر الأول: صغر حجم البناء الأسري فبالتالي يصبح مسألة مقدور عليها وتكوينها في أصل الإسلام مسألة بسيطة غير معقدة وهي عبارة عن توافق بين شخصين يتم تكوينه عبر الإطار الشرعي بكلمات قصيرة (اللهم إني بكتابك أخذتها وبكلماتك استحللت فرجها) هذه الكلمات تتضمن الولاية فصيغة الزواج تبتني على أربعة أمور هي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والولاية والإمساك بالمعروف (زوجتك نفسي على كتاب الله وعلى سنة نبيه وعلى الولاية لعلي بن أبي طالب والبراءة من أعدائه وعلى إما إمساك بالمعروف أو تسريح بإحسان).
الأمر الثاني: مع صغر ذلك البناء الذي يتكون من شخصين إلا أنه أعظم وأخطر بناء اجتماعي فهو المكون لصلاح المجتمع والمكون أيضا لفساده فهناك أسر تصدر للمجتمع أفراد عقلاء يصلحون المجتمع وهناك أسر تصدر أفراد يفسدوا المجتمع.
الأمر الثالث: أول إطار يقابله الإنسان في مرحلة خروجه للدنيا إطار الأسرة يخرج الإنسان ولا يعلم شيئا حتى نرى هذا الطفل يمص الخرقة التي يلف بها {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }النحل78 عند خروجنا ربما نتحول لمتبعين للأنبياء والأئمة وربما نخرج متمثلين بمقالة فرعون {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }النازعات24 ولربما نطغى أكثر لنقول {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الزخرف51
الأمر الرابع: المصنع الاجتماعي الأول في كل الأبنية الاجتماعية فالأسرة قبل الصديق والأسرة قبل الأقران والأصدقاء والأسرة قبل النادي والأسرة حتى قبل الأقارب ولربما فلسفة من فلسفات الرضاعة بما يخرج من إطار الصحة هو ارتضاع قيم الأم والأب من خلال عملية الرضاع .
مع ما قلناه نجد بأن البناء الأسري مهدد بل أصبح عند البعض فاقد التأثير وأكثر من ذلك ارتفاع وتيرة العنف الأسري فيما بين أهل الأسرة الواحدة فعائلة في إحدى مناطق المملكة تقتل ابنتها المتزوجة وتسارع في دفنها حتى لا تكتشف جريمتهم وزوج يعذب ابن أخيه المتزوج من أمه حتى الموت وآخر يحرق أبويه وشاب يطلق على أبيه النار من رشاش ويرديه قتيلا وهذا ما نسمع عنه ناهيك عما ما هو مخفي عنا أولا نسمع أو نقرأ عنه حديثنا هذه الليلة حول الأمور الذي أدت إلى تعقيد البناء الأسري وصعوبة استمراره مما يؤدي إلى نشوء عزوف من الشباب في عدم الرغبة في بناء أسرة واللجوء إلى أمور أخرى ينفسون من خلالها عن شهواتهم ورغباتهم أو انقطاع العلاقة بالطلاق قبل الدخول أو بعد الدخول.
الأمر الأول: تعقيد البناء الأسري من خلال الشكل.
الدين الإسلامي يتسم بالسهولة واليسر بل جاء النبي صلى الله عليه وآله ليضع الأغلال الذي وضع الإنسان على نفسه من خلال عبادة غير الله لكن المسلمين انشغلوا بالمهر وفستان العروس والشبكة ومكان إقامة الاحتفال وهل يشترك أهل العروس مع أهل العريس وصار البناء المعنوي آخر ما يفكر به أهل المعرس وأهل العروس وعلى حساب ماذا؟ على حساب العلاقة ذاتها فالعريس في ليلة دخلته يدخل على العروس ولكن فكره في ماذا؟فيما وضعه على ظهره من ديون للبوفيه الذي أقامه ومن أجبرك؟ وأبو العروس يودع ابنته وهي تغادر إلى بيت الزوجية وهو يفكر في أموال الصالة؟من أجبرك على ذلك ؟ العرف الاجتماعي والرغبة في التماهي والتفاخر والفشخرة المزيفة!!!هل قال الله يا أيها الذين آمنوا إذا تزوجتم فحملوا أظهركم ديونا وأقيموا الموائد المزيونة وضيعوا أموالكم المخزونة ؟؟؟
الأمر الثاني: الوسائل التربوية الخاطئة.
أسلوب التعامل الأسري من أطراف الأسرة بعض الفتيات يرفضن الزواج لماذا؟خوفا من أن تتكرر تجارب الآباء والأمهات فلربما أبوها كان يعامل أمها إهانة أو تحقيرا وربما ضربا فهي ترى أن كل الآباء بهذه الشكلية فتخشى أن يكون زوجها المستقبلي نفس الصنف والشكلية ولكن هذه الأساليب هي أساليب الضعفاء وليست أساليب الأقوياء فالقوي من يعفو ويتنازل وأما الزوج الضعيف فيقول عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (عجبت من رجل يضرب امرأته بيدين يعانقهما بهما) وكذلك ربما أمها تكون مسيطرة على الوضع الأسري فتخشى أن تكون عمة المستقبل نفس الشيء وكذلك بعض الأبناء يعزفون عن تكوين الكيان الأسري خوفا من إنعكاسات تربوية خاطئة لأنه حتى الأطفال الصغار حينما يرون تلك المناظر فإنها ستنطبع في ذاكرتهم هنا ننبه على أمر مهم حين نفقد أبناءنا الرحمة ونعاملهم بقسوة سيأتي علينا يوم بعد أن كبر أبناءنا لنحاول أن نعيد لهم ولو جزء من ذلك الحنان الذي فقدوه في صغرهم لكن الابن سيرفض ذلك لأنه الآن لا يحتاج لهذا الحنان لأنه لم يحصل عليه في وقت يكون فيه في أمس الحاجة لذلك العطف والحنان لذلك هذا الحنان هو تحصيل حاصل.
الأمر الثالث: البيئة الاجتماعية المحيطة.
البيئة المحيطة وهو كل ما يحيط بالأسرة ويؤثر في تعقيدات البناء الأسري بدل تسهيله وتسيير أموره هناك نوعان من المجتمعات نوع من المجتمعات يمكن أن نطلق عليه بأنه مجتمع معطل وراكد وجامد ونوع متحرك ونشط ومنتج وهذا المجتمع الذي يحكمه الركود وعدم الحركة لا ترى ولا تسمع عنه أي نشاط وهذا ناتج من جمود أفراده وقلنا بأن الجمود لا يدل على وجود فكر ونسأل أصحاب هذا النوع من المجتمع ونقول هل الله جعل الحياة جامدة أبدا فالسنة أربع فصول تدل على الحركة فلا تبقى حتى الصحراء على وتيرة واحدة الشجرة لا تبقى على وتيرة واحدة فلها أربع حالات في السنة شتاء وربيع وصيف وخريف لماذا هذا التبدل فالمجتمع المتحرك يحرك أفراده بل ويلبي احتياجاتهم ويساهم في حل مشكلاتهم ومن ضمنها المشاكل الاجتماعية الحادثة في كيان الأسرة .
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar11/08.rar)
اليوم التاسع
الرقابة الاجتماعية الحي
قال تعالى{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104
هناك ثلاثة مفاصل يحتاجها المجتمع الحي ليواصل مسرته كمجتمع حي
المفصل الأول: الإنسان الفرد الاجتماعي
المفصل الثاني: الأسرة
المفصل الثالث المجتمع
وإذا جئنا لقياس المجتمعات نجد أن هناك مجتمعات راكدة ومجتمعات متحركة كما بينا في اليوم السابق وقياس الحياة بالنسبة لأي مجتمع لا يكون بمقدار ما يصرفه المجتمع من أكله وشربه ولو قلنا بذلك فإن البهيميات تأكل أكثر من البشر على سبيل المثال الحوت الأزرق يأكل ستة آلاف كيلو من الأسماك في يوم واحد والله جل وعلى تكفل برزق جميع المخلوقات{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6 فهل نعتقد بأن الرزق بأيدينا فربما نجد أن الناس حين يسعون في أرزاقهم سنعتقد بأنهم سيأخذون من رزقنا
على المرء أن يسعى في تحصيل رزقه وليس عليه أن يكون موفقا
فهذا المقياس مقياس خاطئ ولو قلنا به لأصبحت البهيميات أكثر حياة منا فكل ما زاد المجتمع اعتمادا على نفسه في حل مشاكله وقضاياه سيصبح متجمعا حيا لأنه يعترف بمشاكله ويعتمد على قدراته وإمكانياته لحلها ولا يحتاج للجوء إلى الغير لحل مشاكله فكل فرد من أفراد هذا المجتمع يتحمل جزءا من المسئولية وبتحملنا المسئولية نصبح مجتمعا حيا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من عمل سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)حديثا حول الرقابة الاجتماعية والتي يعبر عنها القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي لا يقوم بهذه المهمة إلا الخبراء ليدفعوا بتلك المهمة المجتمع إلى الأمام {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143 وقال تعالى{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}آل عمران110 فالمقصود بالأمة هنا هم أهل البيت عليهم السلام ورد عن الإمام الصادق عليه السلام (نحن الأمة الوسطى ونحن خير أمة) ولذلك أمرنا الله بطاعة أولي الأمر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}النساء59
لا شك بأن وجود المجتمع الكامل لم يحن وقته ولا يوجد ولن يوجد إلا في زمن إمامنا صاحب العصر والزمان لان القيم الحقيقة للإنسان ستنطبق فيه بالتالي سيأخذ كل إنسان ما يستحقه وأي مجتمع نجد فيه تفاوت بين طبقاته الاجتماعية بحيث يمنع فيه حق الإنسان فهذا نعبر عنه مجتمعا ميتا لان المجتمع الحي يكون حيا بالقيم وبالإنسان الذي يمتلك قيمته بحيث يعطى الإنسان إنسانيته بغض النظر عن دينه وجنسه ولونه كما قال تعالى{ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ}الأعراف85 فالبخس هو إفساد في الأرض تحت أي مسمى كان فالمجتمع الحي يحتاج إلى رقابة ولكن لماذا نحتاجها؟ نحتاجها لان الإنسان بطبيعته غير متكامل يخطئ مع نفسه وأسرته ومجتمعه ونحن مع أمام ثلاث حالات تجاه من يخطئ
الحالة الأولى: من لا يشعر بالرقابة الإلهية ولا يعترف بها.
لا نشعر بالرقابة الإلهية لأننا نعتقد بأن الله رحيم فنخطئ ونشعر بأن الله يستر علينا فنقصر لا لكن نقول مهما فقدنا الرقابة الإلهية في نفوسنا فهي موجودة لذا يجب أن نبحث عنها وأن نستشعرها من خلال قرأتنا للقرآن ومن خلال استعراض سيرة أهل البيت عليهم السلام {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }غافر19 {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }ق16
الحالة الثانية: من يشعر بالرقابة الإلهية ولكنه مطمئن منها.
ورد عن الإمام علي عليه السلام (إذا رأيتم نعم الله عليكم تترأ وأنت تعصيه فاحذر) فحين نرى نفسنا تعصي خالقها علينا المبادرة بالاستغفار والتوبة قبل حلول العقاب{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارا}نوح12
الحالة الثالثة: من يشعر بالرقابة الإلهية ولكن يشعر بأن له السلطة على نفسه.
كل من يعتقد بهذا الاعتقاد عليه أن يدرك حقيقة كونية وهي أن الله مالكه{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }فاطر15 فعندما نشعر بهذه الحالة علينا أن نروض أنفسنا ونذكرها بأن من أوجدها قادر على أخذها لأننا نمثل الفقر المطلق أمام الغنى المطلق.
تحصلنا من خلال هذه الحالات الثلاث على أن الرقابة الاجتماعية عبارة عن قوة توازن للمجتمع بحيث لو أرد إنسان ما أن ينحرف سيأتي ذلك المجتمع ليقوم ذلك الانحراف والاعوجاج لكن صرنا في يومنا نخاف رقابة المجتمع على حساب الشعور برقابة الخالق علينا فنرى الرجل مبتسما مع الناس مغضبنا مع أهله (ملعون من أرضى الناس وأغضب أهله) (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم) لذلك علينا أن نصلح الباطن كما نصلح الظاهر.
وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
للاستماع للمحاضرة (http://myweb.saudi.net.sa/sahar11/09.rar)
ليلة العاشر بأم الحمام (http://myweb.saudi.net.sa/sahar12/10.rar)
يوم العاشر الحرام بسيهات (http://myweb.saudi.net.sa/sahar12/10saihat.rar)
محاضرة يوم الحادي عشر بصفوى (http://myweb.saudi.net.sa/sahar12/11.rar)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
مأجورين
أحسنت أخي الفاضل على المحاضرات
تحيااااااااااااتي
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.