المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انهيار الرأسمالية...أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود


الجشعمي
03-11-2011, 01:58 PM
قراءة في كتاب -انهيار الرأسمالية...
أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود- (1)
هاشم نعمة

صدر العديد من الكتب في الدول الغربية تعالج موضوع الأزمة المالية العاصفة التي يمر بها العالم، ومن هذه الكتب صدر كتاب بالعنوان المذكور أعلاه باللغة الألمانية عام 2009 للاقتصادي أولريش شيفر وقام بترجمته الأكاديمي العراقي الدكتور عدنان عباس علي وصدر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية عام 2010. وينقسم الكتاب إلى اثنتي عشر فصلاً ويقع في 472 صفحة.

تأتي أهمية هذا الكتاب في تقديرنا من أن مؤلفه يؤمن بالعدالة الاجتماعية في ظل النظام الرأسمالي وبذلك فهو من الناحية الأيديولوجية لا يمكن وصفه خصماً أو متحاملاً على هذا النظام كما درجت العادة على وصف الكتاب والمفكرين الماركسيين في تصديهم لتحليل الأزمات البنيوية للرأسمالية.

في الحقيقة أن أزمة النظام الرأسمالي قد طفت على السطح، أولاً، في تسعينات القرن العشرين، في الاقتصاديات الناشئة. وبلغت الذروة في الدول الصناعية في مطلع الألفية الثالثة، وذلك حين انهارت أسهم الشركات المتخصصة في التكنولوجيا الجديدة. ومنذ ربيع 2007 أخذت الأزمة المالية تزعزع اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية برمته وتعاظمت عام 2008 فاتخذت أبعادا عالمية.

يستهل الكاتب التأكيد بأن الاقتصاد، الذي عرفناه حتى الآن، انهار في خريف 2008 بكل تأكيد. وسيتخذ العالم شكلاً مختلفاً في المستقبل، سيطفو على السطح نظام عالمي جديد، سيتبلور اقتصاد سوق قائم على مبادئ العدالة الاجتماعية. ومهما اختلفت الأجوبة حول أسباب الانهيار فإن ثمة حقيقة لا اختلاف عليها أبداً: وهي أن العصر الذهبي، الذي تمتعت به البلدان الصناعية الغربية منذ التسعينات، قد صار في ذمة التاريخ. ففي خريف 2008 انتهت، بنحو مفاجئ، حقبة الهناء، فقد انهارت أسواق المال، وذهب مع الريح الحلم بازدهار مستديم. فالزلزال الذي ضرب البورصات فاق كل الزلازل التي عصفت بها حتى الآن، منذ اندلاع الكساد الكبير وانتهاء بالحرب العالمية الثانية. إن النظام الرأسمالي المحرر من القيود يقف الآن على عتبة الهاوية. لقد صرنا شهود عيان على حدث متعدد الأبعاد، شهود على تحول تاريخي كبير. فالدولة تنقذ مصرفاً تلو الآخر، وتؤمم الواحد بعد الآخر، إنها تضخ في الاقتصاد مبالغ لا قدرة لنا على تصور ضخامتها، ورغم ذلك، فإن نجاحها في وقف الانهيار يظل في علم الغيب.

صارت الرأسمالية المحررة من القيود والتوجيه تدمر أكثر فأكثر. ولهذه الأسباب ما عاد كثير من المواطنين يصدقون تحقيق الرفاهية التي وعدتهم بها فئات معينة من الاقتصاديين والسياسيين ورجال الأعمال ومجموعات الضغط التي همها الأول هو الدفاع عن مصالح فئات معينة (اللوبي)، فهؤلاء جميعا لم يكفوا قط عن الإشادة بمحاسن اقتصاد السوق المعولم. فلم يعد المواطنون يثقون بأن المنافسة في الأسواق العالمية والمباراة الضارية في البورصات تسبغ النفع عليهم. إن عدد المواطنين النافرين من اقتصاد السوق في تزايد مستمر. أضف إلى هذا أن هؤلاء صاروا يتحفظون على الإطار السياسي المناسب لاقتصاد السوق، وعن الديمقراطية أيضاً؛ وأنهم يشيحون بوجوههم عن الأحزاب السياسية، ويتخلفون عن المشاركة في الانتخابات، ويعتزلون المجتمع. فهم يشعرون بأنهم باتوا بلا عون ولا سند، باتوا يشعرون بأن الدولة تعير اهتماماً للآخرين فقط وليس لهم، وبأن السوق، التي يُفترض فيها أن تحقق لهم الرفاهية، أخذت تتصرف، في كثير من الأحيان، بوحشية لا تعرف الرحمة.

ولإثبات ذلك يذكر الكاتب يكفينا أن نستشهد بالاستطلاع الذي أجرته الصحيفة الاقتصادية فاينانشل تايمز عام 2007، حيث كانت الأغلبية العظمى من مواطني الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا تعتقد أن العولمة خطر يتهددهم. وعلى الصعيد نفسه يقر الرئيس الفرنسي ساركوزي بوجود "فزع متزايد من العولمة" وأنها "خطراً وليس نعمة" وقال أوباما بالحرف الواحد "إننا نواجه أعظم تحد في حياتنا" وفي ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا أكد 90% من المواطنين رغبتهم في أن تحمي الدولة الاقتصاد الوطني بفعالية أكبر.

لقد استُعيض عن اقتصاد السوق المتكلف بالرعاية الاجتماعية بنموذج جديد يتصف بالوحشية والأنانية، ويطلب من بني البشر ما لا طاقة لهم به. فقواعد هذا النموذج لا تحددها الدولة، بل تمليها المشاريع العملاقة وأسواق المال. ففي الثلاثين عاماً المنصرمة كفت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون وفق قواعد الديمقراطية عن التدخل في اقتصاد السوق تاركة قوى السوق تصول وتجول بالنحو الذي يطيب لها، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني توجهه حفنة رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف ولا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية. ومن ذلك الحين، أطلقت الرأسمالية العنان لطاقاتها الجامحة، لطاقاتها المعظمة للرفاهية من ناحية، والمدمرة لوحدة المجتمع من ناحية ثانية.

تفاوت صارخ في توزيع الثروات

وفيما يتعلق بالتفاوت الصارخ في توزيع الثروات يركز الكاتب على الأوضاع في الولايات المتحدة حيث بات التفاوت أكثر تطرفاً. وكذلك في الاقتصاديات الناشئة، حيث تزداد عمقاً وبسرعة الهوة الفاصلة بين الطبقة العليا وباقي المجتمع. فحاصل جمع الثروة التي يمتلكها 1125 مليارديرا في العالم، عام 2008، بلغت 4400 مليار دولار. لذلك، يمكن القول أن هذه الفئة من أغنى الأغنياء تملك ثروة تساوي تقريباً مجمل الدخول التي يحصل عليها في عام واحد نحو ثلاثة مليار مواطن، أي التي يحصل عليها مجمل سكان الهند وباكستان وبنغلاديش وتايلاند وماليزيا وفيتنام والفلبين ودول القارة الأفريقية جميعها.

وقد أقر غرينسبان الرئيس السابق للمصرف المركزي الأمريكي عام 2007 "إن النمو كان في مصلحة الفئات ذات الدخول العالية في المقام الأول، أما العمال الذين يحصلون على دخول لا تزيد على المتوسط المتعارف عليه فإنهم في وضع لا يحسدون عليه أبداً. إن هذه الظاهرة يمكن أن تؤدي إلى توترات اجتماعية عظيمة، لا بل يمكن أن تفضي إلى انقلابات اقتصادية جذرية". فأغنى الأغنياء، أي 1% من سكان الولايات المتحدة، يملكون أكثر من نصف الأسهم المتداولة في البورصات الأمريكية. وفي ألمانيا تزداد فجوة التباين بين الفئات الاجتماعية المختلفة. فالأغنياء وقادة الشركات والمشاريع اعتزلوا المجتمع وكأنهم يعيشون في عالم آخر. فالدخل السنوي، الذي يحصل عليه رئيس شركة بورشة بلغ نحو 60 مليون يورو عام 2007. وبفضل الأرباح الضخمة يمكن أن يرتفع هذا الدخل إلى 100 مليون يورو عام 2008. والجزء الأعظم من الطبقة الوسطى انحدر نحو الأسفل. فأكثر من 25% من المواطنين الألمان يحصلون على دخل لا يساوي حتى 70% من متوسط الدخل السائد في ألمانيا. وقد قال واكسمان عضو الكونغرس الأمريكي في معرض استجواب الأطراف ذات الصلة بالرواتب الخيالية التي يحصل عليها رؤساء وكبار موظفي الشركات: "توجد في بلادنا حقيقتان مختلفتان: فأغلب الأمريكيين يعيشون في عالم لا يبشرهم بمستقبل اقتصادي مأمون ولا ينطوي، بالنسبة إليهم، على بوادر تمن بالغبطة، بل على إحباط وخيبة أمل. أما قادة مشاريع وشركات بلادنا، فإنهم يعيشون في ظل قواعد وشروط تختلف اختلافاً تاماً على ما يبدو". ولايزال هناك سياسيون يدافعون عن هذا التفاوت الكبير في الدخول. وينتمي أغلب هؤلاء إلى المحافظين. فهم يؤكدون أن هذه الرواتب الخيالية جزء من الاقتصاد الحر. غير أن الجدل أخذ يزداد حدة في الولايات المتحدة، اليوم، حول مدى التفاوت الذي يمكن للمجتمع أن يرضى عنه. وقد تساءل شيلر وهو احد أشهر الاقتصاديين في العالم "أنريد الانتظار إلى أن يؤدي التفاوت الاجتماعي إلى اندلاع حرب أهلية؟".

ويشهد الواقع أن المجتمع الصيني ليس منسجماً مع نفسه. فالازدهار، الذي تحقق، أي معدلات النمو البالغة 10%، لم تدر بنعمها على الجميع أبداً. فملايين من الصينيين تخطاهم النمو الاقتصادي ولم يمن عليهم بشيء يذكر: المقصود المزارعين الذي سُلبت منهم الأراضي، وأبناء المدن العاطلين عن العمل، والأطفال الذين لا قدرة لآبائهم على تدبير مصاريف مدارسهم، والمرضى الذين لا يستطيعون دفع تكلفة الطبيب.

ويعيش ملايين من مواطني الإتحاد السوفيتي السابق عيشة الكفاف. ففي حقبة التحول، واختفاء الاقتصاد المخطط، انخفضت دخول الروس العاديين بنحو الثلثين، فاليوم، يحصل نحو ثلاثة أرباع الروس، على دخل أقل من 50 دولاراً، أسبوعياً. بينما حفنة من الأغنياء الذي أثروا بسرعة فائقة تتمتع في سكنى القصور الكبيرة والنزهة بسفنها وطائراتها الخاصة، وتؤمن سلامتها من خلال ما لديها من جهاز أمني. كما اختفت أو كادت تختفي حرية الصحافة. فالصحافة المقربة من الكرملين تسيطر على البلاد، والمعارضة والمنظمات غير الحكومية أمست تخضع لوصاية الدولة.

تتكون، في الاقتصاديات الناشئة، طبقة فقيرة محرومة من ثمار الازدهار الاقتصادي. ويحصل هؤلاء الأفراد، الموجودون في أدنى السلم الاجتماعي، على قوتهم من الأعمال المتواضعة، من خلال خدمة المرفهين الذين يستغلونه كأنهم من الرقيق. ويجمع البعض منهم قوته من القمامة. إن الفقراء نادرا ما تكون لديهم الفرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية. حيث ينقصهم أهم شرط للنجاح وهو التعليم المناسب.

قراءة في كتاب -انهيار الرأسمالية...
أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود-(2)

الخلفية النظرية

انتشرت، منذ منصف السبعينات، أفكار فريدمان وهايك في كثير من بلدان العالم. وطبقت تاتشر نظرياتهما عندما أصبحت رئيسة وزراء بريطانيا. كما تبني ريغان أفكار ما يسمى "صبيان شيكاغو" حينما أصبح رئيساً للولايات المتحدة عام 1981. وطبق كثير من الاقتصاديات الناشئة أفكار منظري الليبرالية المحدثة وتعاليم ثورتهم المضادة. وهكذا جسد ممثلو مدرسة شيكاغو في الثمانينات والتسعينات الصورة الدقيقة لليبرالي المحدث الذي لا يعرف الرحمة ولا يكن العطف للضعفاء. فهم لا يرفضون وجود الدولة القوية فقط، بل يطالبون بضرورة أن تصبح الدولة بلا أهمية أصلاً. إن نظريات فريدمان وهايك وأفكار أنصارهما ما عادت لها علاقة وثيقة بالنظريات والأفكار التي نوقشت عام 1938. وبدلاً من هذا، تراهم يعودون إلى الليبرالية التقليدية الكلاسيكية، التي صاغ أسسها آدم سميث الذي وضع أسس علم الاقتصاد في القرن الثامن عشر والتي ظلت تهيمن على الساحة حتى القرن التاسع عشر.

الأمر الذي لا يمكن تجاهله هو أن نظرية الليبرالية التي تُعلي من دور السوق قد قادت، في عقود الزمن الماضية، إلى كارثة عظيمة فعلاً. فالدولة الضعيفة ما كانت تتوفر لها الوسائل الضرورية لمواجهة القوة الضخمة التي باتت الشركات والصناعات تتمتع بها، وقد تحولت السياسة إلى فريسة تتلقفها أيادي مجموعات تدافع عن مصالحها الخاصة بما تمتلك من نفوذ وجبروت عظيمين، كانت قد تحولت إلى دمية تحركها السوق على النحو الذي يروق لها. بهذا المعنى، فإن نظرية "دعه يعمل، دعه يمر"، أي نظرية النشاط الاقتصادي المحرر من التدخل الحكومي، قد بان بطلانها على نحو لا مجال فيه للاختلاف.

استمر عصر ازدهار الرأسمالية أكثر من عقد ونصف، والأمر البيِّن هو أن المستثمرين الماليين ومصارف الاستثمار والبورصات وأسواق رأس المال قد غيروا نمط عمل الاقتصاد وأدخلوا تغييرات مهمة على بنية المجتمعات. وتزامن هذا التحول مع تحول تاريخي، تمثل بنهاية الاشتراكية وتفكك الإتحاد السوفييتي وإفلاس الاقتصاد المخطط. وكان أنصار اقتصاد السوق الحرة قد هللوا لهذه التحولات ورأوا فيها الدليل القاطع على صواب عقيدتهم، وراحوا يتصرفون وكأن الرأسمالية خالية من العيوب، وكأن قواعدها سليمة تتفق تماماً مع روح العصر الجديد. وبعد مضي ما يقرب من العامين على انهيار جدار برلين راح الكاتب الأمريكي فوكوياما يعلن، في كتابه له واسع الشهرة، "نهاية التاريخ". وقد تنبأ، بشيء من الإسراف، "بنهاية تطور الإنسانية أيديولوجيا، وأن الديمقراطية الليبرالية المتعارف عليها في العالم الغربي ستكون صيغة الحكم النهائية على مستوى العالم أجمع".

ولم يكن ساكس، وغيره من أساتذة الجامعات، في بلدان مختلفة، هم فقط الذين تنقلوا بين البلدان بغية التبشير بالرأسمالية، فالاقتصاديون العاملون في صندوق النقد الدولي صاروا، أيضاً، مبشرين يجوبون دول المعسكر الشرقي، سابقاً، وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لنشر الرأسمالية. فصندوق النقد الدولي، تلك المؤسسة التي جرى تكليفها، سابقاً، بصيانة أسواق المال من التعرض للأزمات، تحول، في السبعينات والثمانينات، إلى داعية من دعاة اقتصاد السوق المحررة من القيود. وكان الصندوق يغري الدول بالمال وبالقروض الميسرة، زاعماً أنه يمنح هذه الأموال حباً في مساعدتها. بيد أن الواقع يشهد أن الصندوق كان يريد من هذه المساعدات أن تكون سبيلاً للوصاية على هذه الدول، فالدول المدينة تحصل على المليارات، فقط، في حال انصياعها لشروط صارمة، تلزمها بتحقيق التوازن في موازنتها الحكومية وخصخصة مشروعاتها وتحرير تجارتها الخارجية وخفض المعدلات الضريبية. ويسري الأمر على أولئك الاقتصاديين الذين يعملون لدى البنك العالمي أيضاً، هذا البنك الذي يقع مقره مقابل مقر صندوق النقد الدولي. ويتحدث منتقدو المؤسستين عن "اتفاق واشنطن"، أي عن تلك السياسة التي تملي على الدول تنفيذ إصلاحات غاية في التطرف، ولا تعير أي اهتمام لما يعانيه المواطنون من أعباء ترتبط بهذه الإصلاحات.

وعلى خلفية هذه الحقيقة، راحت دول النمور في جنوب شرقي آسيا- تايلاند وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وهونغ كونغ- وبلدان أمريكا الجنوبية أيضا (المكسيك مثلاً وليس على سبيل الحصر) تفتح أسواقها لمواجهة المافيا العالمية.

أعطى السياسيون الانطباع بأنهم يريدون، فعلاً، إخضاع الرأسمالية لقواعد جديدة بعد أن بدأت مؤشرات الأزمة. ففي حين راح المحافظون يؤكدون، بلا كلل، أن الواجب يقتضي خلق نظام جديد للاقتصاد العالمي، تحدث السياسيون المؤمنون بالاشتراكية الديمقراطية، من قبيل شرودر وبلير، عن ضرورة انتهاج طريق ثالث، بين الرأسمالية والاشتراكية. بيد أن هذه الكلمات لم تتبعها سوى أفعال ضئيلة.

لم يبذل أحد جهداً لترويض الرأسمالية المطلقة العنان؛ لم يجرؤ أحد على التشكيك بصواب المبادئ السائدة. إن عدم المبالاة، التي سيطرت على السياسيين وقادة الاقتصاد في البلدان الصناعية، كانت وخيمة حقاً. فهؤلاء ظلوا، بعد مضي ما يقرب من عشر سنوات على انهيار الاشتراكية، مستسلمين لمشاعر انتصار النظام الرأسمالي على النظام الاشتراكي. وهكذا، سار العالم، في نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة، بخطى حثيثة صوب الأزمة التالية.

ينشأ الانهيار، الذي عاشه العالم في خريف 2008، في نهاية كل ازدهار يمر به العالم. هكذا كان الحال في الأعوام 1929 و1987 و2000. فجميع النظريات الجميلة عن السوق التامة الكمال، أي جميع النظريات الاقتصادية التي انطلق الاقتصاديون منها، في الماضي، لشرح ما يدور في العالم من ظواهر ومعاملات اقتصادية، أمست بين ليلة وضحاها، زيفاً لا طائل منه.

قراءة في كتاب -انهيار الرأسمالية...
أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود-(3)

تفاعلات الأزمة

ويتعمق الكاتب في تحليل آلية عمل أسواق المال التي تحولت إلى خطر يتهدد الاقتصاد الحقيقي، أي الإنتاجي. تحولت إلى كازينو للقمار جذاب فعلاً بأضوائه المتوهجة. إن اللاعبين في هذا الكازينو يمكن أن يقوضوا أركان شركات عملاقة ومتوسطة، إذا خسروا الرهان. لا بل قد يتسببون في زعزعة الاستقرار في دول بأكملها. وكان برونز محافظ البنك المركزي في إدارة الرئيس نيكسون قد تنبأ في السبعينات باندلاع هذه المخاطر. فوفق تنبؤاته، "يؤدي تحرير أسواق المال إلى شقاء الإنسانية بكل تأكيد". وبعد ثلاثين عاماً، أكد خليفته فولكر على صدق هذا التنبؤ.

بدا الأمر وكأن أسواق المال باتت تخلق مليارات ومليارات، من اليورو أو الدولار من لا شيء. واغتنمت الشركات العملاقة والمصارف المختلفة الفرصة فراحت تمول عمليات ضخمة تشتري الشركات في سياقها شركات أخرى. على صعيد آخر، عاش العالم- بتشجيع من المصارف الاستثمارية- حميا عمليات اندماج لم يشهد العالم لها مثيلاً منذ عشرات السنين. وراحت صناديق المخاطر تراهن على المستقبل من خلال أدوات مالية غاية في الشمولية والتعقيد. وتقتنص مؤسسات "الجراد" المشاريع بغية شرائها أولاً، وتفكيكها، وبيعها لاحقاً بأسعار تحقق ربحاً وفيراً. وبعبارة واحدة، يمكن القول إن العصر الجديد كان عصر جشع لا يعرف الحدود.

وكان ويلش عنواناً لنظرية تكن كل الاحتقار للمشاعر الإنسانية. إنه العنوان الصادق على النظرية التي انتشرت في التسعينات: أي نظرية تعظيم الأسهم، فهذه النظرية تقيم عمل رؤساء الشركات من منظور واحد ومن خلال هدف محدد يتمثل في أن قيمة أسهم الشركة يجب أن ترتفع بأسرع معدل ممكن. ومعنى هذا هو أن رئيس الشركة المهتم بتعظيم الأسهم لا يجوز له أن يأخذ في الاعتبار الرزايا الإنسانية الناتجة عن تسريحه آلاف العاملين. وتعم الفرحة البورصات، خصوصاً، حينما يتناهى إلى سمعها أن رؤساء الشركات قد سرحوا قسماً من العاملين لديهم. وتنعكس هذه الغبطة في ارتفاع قيمة أسهم الشركات. ويسبغ هذا المنطق الشاذ النفع الوفير على قادة الشركات، خصوصاً، فمكافأتهم المالية تتم من خلال خيارات الأسهم في المقام الأول.

كانت لدى المصارف علاقات وثيقة جداً بالسياسيين، لأنها كانت تمن عليهم بتبرعات سخية جداً. سواء تعلق الأمر بالديمقراطيين أو الجمهوريين في الولايات المتحدة، فلم يصل الجميع إلى البيت الأبيض إلا بفضل الدعم المالي الذي يقدمه لهم "وول ستريت"، ففي هذا الشارع ينشط أكثر المتبرعين سخاء. وللتعبير عن شكرها تركت الحكومة والكونغرس، مصارف الاستثمار تعمل بلا منغصات وبلا قيود ذات بال. وفي المقابل دأب "وول ستريت"، طواعية، وعن طيب خاطر، على إعارة واشنطن أفضل ما لديه من رجال أعمال للعمل في مؤسسات الدولة الحساسة كوزراء مثلاً .

وفي روسيا، تمكنت حفنة صغيرة، ذات سلطان كبير في الحكومة، من الاستحواذ على السندات واستخدامها للاستيلاء على المصانع الحكومية بابخس الأثمان. وهكذا، تطور في روسيا نظام كاسر يجمع بين بقايا الاقتصاد المخطط والملامح الأولية لاقتصاد سوق أطلق لها العنان حقاً.

في منتصف التسعينات، ترنحت، الرأسمالية. وكانت رياح الأزمة قد هبت من مكان ناء عن الدول الصناعية الغربية. فالأزمة نشرت ظلالها، أولاً، في الاقتصاديات الناشئة، التي كانت قد أسرفت، بعض الشيء، في تنفيذ عملية الانفتاح الاقتصادي. وفي عام 1994 انهار الوضع في المكسيك، وبعد ثلاثة أعوام أخذت تترنح في جنوب شرقي آسيا، بلدان النمور أيضاً. وكان المستثمرون قد تجاهلوا كل التحذيرات، فضخوا أموالا طائلة في الدول السريعة النمو. وحين انفجرت، في جنوب شرقي آسيا، الفقاعة في أسواق الأسهم والعقارات، ذٌعر هؤلاء المستثمرون ففروا بملياراتهم. وكان فرارهم هذا قد تسبب بدوره، في تصعيد عملية الانهيار. وكان وكيل وزير المالية الياباني آيزوكه قد أكد في يناير عام 1998 على "أن الأزمة ليست أزمة آسيوية، بل هي أزمة النظام الرأسمالي العالمي".

تريد الصناديق المغامرة تحقيق أقصى الأرباح في أسرع وقت ممكن. ولهذا السبب تراها تستدين من المصارف أموالاً تصل أضعاف الأموال التي تجمعها من المستثمرين المساهمين فيها. فبهذا النحو تستطيع رفع قيمة الأموال التي تغامر بها في كازينو المال العالمية إلى عشرة أضعاف، لا بل إلى عشرين ضعفاً مقارنة بحجم الأموال المشاركة في الصندوق المعني. وفي نهاية الثمانينات، كان عدد نوادي القمار هذه لا يتجاوز المائة. أما في نهاية التسعينات، فقد ارتفع إلى نحو ثلاثة آلاف، وعام 2008 إلى ما يقارب عشرة آلاف.

وكان صندوق "أل تي سي أم" قد فاق كل الصناديق الأخرى من حيث وحشية ما انتهج من أساليب. حيث استقطب عام 1998 ودائع بلغت قيمتها 4.7 مليار دولار وحصل على قروض وصلت قيمتها 120 مليار دولار. واستثمر هذه المبالغ الهائلة في أدوات مالية ليست عالية المخاطر فقط، بل وتتعلق بها، من ناحية أخرى، أوراق مالية تصل قيمتها إلى 1.5 تريلون دولار. بهذا، فإن صندوق المخاطر هذا كان يتعامل بمبالغ تفوق قيمة الإنتاج الذي تحققه النمسا أو إسبانيا في العام الواحد. إنه كان أكبر صندوق مخاطر في العالم حقاً.

أرتفع حجم المتاجرة بالمشتقات التقليدية، أي حجم المقامرة بمعدلات الفائدة ومؤشرات البورصات، بين 1986- 2004، بنحو ثمانين ضعفاً من 614 مليار دولار إلى 46.6 تريليون دولار أي إن تطور أسواق المال ما عادت له علاقة بتطور الاقتصاد الإنتاجي: فسابقاً كانت أسواق المال تزود الصناعة بما تحتاج إليه من قروض؛ أما في الوقت الحاضر، فإنها تهيمن على الاقتصاد العالمي وتجبر المشاريع على تنفيذ التغيرات التي تفرضها عليها. ولم يسأل القوم أنفسهم عن الطريقة التي سينتهجها الاقتصاد النقدي ليحقق، على الدوام، أرباحاً تفوق قيمة الربح المتحقق في الاقتصاد الإنتاجي.

ولأول مرة يعم السخط من وحشية الرأسمالية فئات اجتماعية عريضة. وكان احتجاج مناهضي العولمة قد تفجر في وقت مبكر، عام 1999، وذلك على هامش اجتماع منظمة التجارة العالمية في مدينة سيتل. بيد أن الحكومات والشركات لم تأخذ هذا الاحتجاج مأخذ الجد.

لقد كان الانهيار أمراً لا مناص منه. فكان المستثمرون، في حقبة الاقتصاد الجديد، قد تجاهلوا كل المقاييس والمعايير. فهم اشتروا شركات ما كان لها مستقبل قط. ووثقوا بإرشادات خبراء في شؤون الأسهم، تبين أنهم لم يكونوا خبراء، بل نصابين لا ضمير لهم. في النهاية، استسلم هؤلاء المستثمرون للجشع، فقط. وكان الجشع هو العامل الذي مكن بعض الشركات الصغيرة من أن تسجل، في البورصات، قيمة تفوق بكثير قيمة شركات مملوكة من قبل الدول وتشغل مئات الآلاف من العاملين. إن هذا الجشع هو الذي تسبب في جعل قيمة أسهم الشركات تنمو بمعدلات تفوق، بكثير، معدلات نمو إجمالي الناتج القومي. وكان هذا الجشع قد سيطر على كل قطاعات المجتمع: سيطر على الأغنياء، وعلى الموظفين والمستخدمين، وعلى الطلاب الجامعيين.

لكن شيئا آخر طفا على السطح حينما انهار الاقتصاد الجديد: لقد تبين أن قصص النجاح الباهرة لم تكن سوى زور وبهتان، وأن العديد من رجال الأعمال الذين وثق بهم المواطنون، لم يكونوا في الواقع سوى محتالين نصابين. ولم يتقن أحد من رجال الأعمال هذا النصب والاحتيال بالنحو الذي أتقنته شركة إنرون للطاقة والمقيمة في تكساس، التي كانت تمتلك أمتن العلاقات بالرئيس الأمريكي.

وقد صدم الأمريكيين قوة التشابك بين إنرون والجهاز الحكومي في واشنطن. فالعلاقات التي نسجت خيوطها هذه الشركة ما كان بإمكانها أن تكون أقوى مما كانت عليه قط. فمنذ عام 1990، كانت الشركة قد تبرعت لمجموعة من السياسيين، بنحو 6 مليون دولار. فقد حصل نصف أعضاء مجلس النواب وثلاثة أرباع مجلس الشيوخ على دعم مالي منها. ومن هنا، لا غرو أن يخفف الكونغرس، في التسعينات، من شدة القواعد المفروضة على المتاجرة بالطاقة الكهربائية. وعقب انتخاب بوش، احتل سياسيون جمهوريون، سبق الهم العمل في إنرون زمناً طويلاً، مناصب غاية في الأهمية في الإدارة الحكومية: فرئيس قسم الإدارة في الشركة، ليندسي أصبح كبير مستشاري الرئيس للشؤون الاقتصادية؛ وزوليك المستشار السابق للشركة غدا المكلف بشؤون التجارة؛ ووايت رئيس مجلس المديرين التنفيذيين لدى إنرون، أصبح وزيراً للدفاع. نادرا ما أقامت إحدى الحكومات الأمريكية علاقات بهذه المتانة مع شركة واحدة. وعقب الانتخابات، اجتمع قادة هذه الشركة ست مرات بنائب الرئيس تشيني وذلك للتداول بشأن السياسة الواجب تنفيذها، مستقبلاً، في مسائل الطاقة.

ومثلما ظلت الارتباطات السياسية، التي أقامتها إنرون، خفية عن الأنظار، ظلت أيضا خفية تلك الشبكة الواسعة، التي كانت إمبراطورية إنرون قد نسجت خيوطها. فخبراؤها المتخصصون بالتحايل المالي أسسوا أكثر من 4000 "شركة" ما كان لها أي وجود في الحسابات الختامية. ولم تكن هذه "الشركات" أكثر من نسيج الخيال، عالم كان يُراد منه تزويق البيانات الحسابية الخاصة بالشركة. وكان أغلب هذه الشركات الوهمية تقيم في جزر الكيمن- أي في الجزر التي تندرج ضمن الواحات الضريبية الواقعة في البحر الكاريبي- وتحمل أسماء براقة. والمراد من هذه الشركات التستر على الوضع الحقيقي للشركة مقابل المصارف والمساهمين ومكاتب الضريبة. إن فضيحة إنرون التي أفلست إفلاساً مريعاً، لم تكن حدثاً فريداً. فالصفقات غير المشروعة وتزوير الحسابات الختامية والميزانيات كانت أموراً شائعة في الاقتصاد الجديد. ففي عام 2002، اعترفت مئات الشركات الأمريكية بأنها كانت تزور بياناتها الحسابية. وكانت العشرات من هذه الشركات قد أعلنت إفلاسها.

قراءة في كتاب -انهيار الرأسمالية...
أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود-(4)

وشعر الأمريكيون بصدمة مروعة من هذه العمليات الإجرامية. لذلك، كانت خيبة ظنهم عظيمة فعلاً حينما وصلت إلى سمعهم قصص النصب والاحتيال. فوفق ما كتبه، كوبر القيادي في منظمة الدفاع عن حقوق المستهلكين "إن الأزمة الراهنة هي أزمة تضرب جذورها في أساس القيم الأخلاقية السائدة في الرأسمالية الأمريكية"، وعلى الصعيد نفسه تحدث الاقتصادي كروغمان عن وجود "نقطة تحول في المنظور الذي ينظر الأمريكيون من خلاله إلى أنفسهم".

تسببت سياسة بوش الابن الزائفة في وصول الدين الحكومي إلى مستويات ما كانت تخطر على بال قط: ففي سنوات حكمه الثماني ارتفعت مديونية الحكومة من نحو 3 تريليون إلى أكثر من 6.2 تريلون دولار. ومعنى هذا، أن الرئيس الثالث والأربعين كان قد راكم ديوناً جديدة بلغت قيمتها قيمة مجمل الدين العام الذي تراكم في عهد الواحد والأربعين رئيساً الذين حكموا البلاد، بدءا من جورج واشنطن وانتهاء ببوش الأب. وحتى الديمقراطيون، لم يعربوا عن اعتراض ملموس على هذه السياسة. فبوش يبرر التزايد الهائل في الدين العام بالكفاح ضد الإرهاب، وبالحربين اللتين تخوضهما أمريكا بقيادته، في أفغانستان والعراق. فعلى خلفية هاتين الحربين، زادت وزارة الدفاع نفقاتها بنحو كبير. فنحو نصف الديون الجديدة، التي استدانها بوش حتى صيف 2008، يكمن سببها، في الارتفاع الذي طرأ على الميزانية العسكرية الأمريكية.

تعين على ملايين العائلات الأمريكية إخلاء منازلها وذلك لأنها ما عادت قادرة على خدمة ما بذمتها من قروض. والبعض منهم يُهجرون من منازلهم بكل معنى الكلمة، لا لشيء إلا لأن المصارف تتطلع بفارغ الصبر إلى المال. فخلال الفترة بين نيسان وحزيران عام 2008، فقط، جرى، عرض 739714 داراً للبيع بالمزاد العلني. وزاد عدد حالات الإفلاس إلى أكثر من الضعف خلال عام واحد وإلى أربعة أضعاف خلال ثلاثة أعوام. فواحد من كل 65 داراً سكنية، جرى عرضها للبيع بالمزاد العلني في كاليفورنيا. وكان الوضع في نيفادا، الولاية التي تأوي مدينة المقامرين، أشد وخامة؛ فواحد من كل 43 داراً، جرى عرضها للبيع في المزاد. إن هذا التهجير ما كان له مثيل حتى في حقبة الكساد الكبير الذي خيم على الولايات المتحدة في الثلاثينات. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد أكدت بأن الحُلم الأمريكي يباع بالمزاد العلني في الوقت الحاضر.

في البداية، تصور المرء أننا إزاء أزمة محلية، إزاء مشكلة يعاني منها بضعة عشرات الآلاف من أصحاب المنازل في الولايات المتحدة. غير أن هذه الأزمة سرعان ما انتقلت من سوق العقارات إلى سوق التمويل والمصارف، ومن ثم إلى مجمل الاقتصاد الأمريكي أولاً، والاقتصاد الأوروبي فيما بعد. إن هذه الأزمة هي أوخم أزمة تعصف في أسواق المال منذ حقبة الكساد الكبير.

دفع العالم ثمناً باهظاً بسبب هذه الأخطاء. ففي الأسابيع التالية انهار مجمل النظام المالي. فالثقة بين المصارف تبددت بالكامل. فالإقراض بين المصارف توقف تماماً، وصار يهدد الجميع بالإفلاس. فكل مصرف يسأل: على من ستدور الدائرة، ويعلن الإفلاس؟ وعلى خلفية هذا التطور، انهارت بالكامل المتاجرة بالمشتقات ووصلت أسواق الأسهم في البورصات العالمية إلى الحضيض حيث شهدت، في خريف 2008، عمليات بيع للأسهم لم تشهد لها مثيلاً منذ 1929.

وكانت المصارف قد قامرت بأوراق مالية، غامضة الخلفيات، وصفها المستثمر بوفيت، بأنها "أسلحة مالية من أسلحة الدمار الشامل" قامرت بما يسمى مبادلات التأمين ضد مخاطر إفلاس هذه الشركة أو تلك والمسماة اختصاراً CDS. وكانت قيمة هذه الأدوات المالية قد بلغت 62 تريلون دولار في مطلع 2008، أي زادت قيمتها على إجمالي الناتج الذي يحققه العالم سنوياً. وقد هاجم المدعي العام في نيويورك صناديق المخاطر بعبارات أكثر صرامة، عندما قال: "إنهم أشبه بالعصابات التي تنهب خيرات المنازل والأسواق التجارية بعد كل إعصار تتعرض له المدن"

وخلال بضع ساعات انتشرت أخبار مفزعة حقاً: أخبار أنذرت بأن وول ستريت لن يكون، من الآن فصاعداً، هو نفسه كما عرفه العالم حتى الآن. فخلال ثلاثة أيام اختفت ثلاثة من كبرى بيوت الاستثمار: ليمان براذرز أعلن الإفلاس وميريل لينش بيعت وغولدمان ساكس ومورغان ستانلي تحولا إلى مصرفين قابضين متواضعين. لقد استسلم مركز الرأسمالية للمكتوب. استسلم هذا المركز المالي الذي كان حتى ذلك الوقت مفخرة أمريكا، والمكان الذي يحدد للاقتصاد العالمي شروط اللعبة، والذي كان رمز العجرفة والغطرسة، والإهمال والحياة المريحة الناعمة. فمصارف الاستثمار درت، على مدى عقود كثيرة، مالاً وفيراً على أمريكا، كانت الآلة السحرية التي تكلفت بخلق المال بلا انقطاع. غير أن هذه الآلة توقفت عن العمل الآن. وكان شتاينبروك وزير المالية الألماني قد أكد أن "الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى في النظام المالي العالمي". وشعر العالم برمته بآثار الصدمات التي نشأت عن هذه الأزمة: فقد انهارت أسواق الأسهم في كل بقاع المعمورة. وتعين على روسيا أن تغلق أبواب البورصة وأن تضخ عشرات المليارات من الدولارات في سوق الأسهم، وترنح في بريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ العديد من المصارف. وكيفما اتفق، فقد تضعضعت ثقة الأمة الأمريكية بنفسها. فأمريكا غدت كما تنبأ عالم الاجتماع سينيت، "بلداً في طور الانحطاط". على صعيد آخر، راحت أيسلندا تتوسل إلى صندوق النقد الدولي راجية منه منحها قرضاً يساعدها على مواجهة الأزمة. لقد أفلس إفلاساً مروعاً هذا البلد، الذي نفذ بالكامل النصائح التي قدمها له الاقتصاديون من أنصار الليبرالية المحدثة في الثمانينات والتسعينات. وجرف تيار الأزمة بلدانا بأكملها، مثل ايرلندا والمجر.

ليمان براذرز هذا الاسم الذي ستتحدث عنه كتب التاريخ. فإفلاس مصرف الاستثمار هذا تسبب في اندلاع زلزال أمسى علامة بينة تشير إلى بداية نهاية الرأسمالية المحررة من الضوابط والقيود. فعلى مر التاريخ، لم يسبق قط، أن صفت المؤسسات المالية، على جناح السرعة، هذا الكم الهائل من متاجرتها بالأوراق المالية. فانهيار هذا المصرف كان قد خلق سلسلة ردود أفعال ما كان أحد قادراً على السيطرة عليها، لا الحكومات ولا المصارف المركزية. فقد تراجع مؤشر داو جونز إلى أقل من 10 آلاف نقطة. أي سجل انخفاضاً بلغ 800 نقطة. إن التراجع بهذا المقدار في يوم واحد حدث ما كان له مثيل في تاريخ هذا المؤشر البالغ من العمر 112 عاماَ.

أمسى الاقتصاد في أمس الحاجة إلى منقذ لايزال، وحده، يتمتع بشيء من الثقة، وهو الحكومة. إذ هي الطرف القادر على الوقوف في وجه الانهيار، وتأمين الاستقرار. لكن الثمن عظيم حقاً، فقد تعين عليها أن تخصص مئات المليارات لإسعاف المصارف، لأنها تعلم جيداً أن العزوف عن هذا التدبير يهدد بنشأة سلسلة ردود أفعال شبيهة بالأزمة التي تعرض لها الاقتصاد العالمي في نهاية العشرينات، إذ سيتعين عليها، تمويل الملايين من العاطلين عن العمل.

تعصف أزمة الرأسمالية بعالم أمسى يعيش انقلاب جذري. فالدول الصناعية تخسر أكثر فأكثر هيمنتها، في حين تبذل دول الاقتصاديات الناشئة الجهود لاحتلال المراتب المتقدمة. إنها عقدت العزم على إجبار العمالقة القدماء على التنحي جانباً. فسابقاً، كان الأوروبيون والأمريكيون يتفاوضون مع بعضهم فقط بشأن القواعد المتحكمة في التجارة السلعية. أما الأمم الأخرى، فما كان من حقها غير التوقيع على ما تفرضه عليها الدول الصناعية. أما الآن، فقد أمست دول الاقتصاديات الناشئة تصر على ضرورة مراعاة وجهات نظرها ومصالحها، لاسيما أنها تفوقت، على الدول الصناعية من حيث مساهمتها في النمو الاقتصادي العالمي.

إن تراث الليبرالية المحدثة الذي خلفه ريغان وتاتشر قد نحي جانباً ولم يعد له دور يذكر. والأمر الواضح، هو أن عصر التطرف في التحرير الاقتصادي قد ولَّى وانقضى، وأن عصراً جديداً قد حل محله: عصر الدولة الأكثر قوة وفاعلية.

ويؤكد المؤلف في نهاية الكتاب، إن مستقبل الرأسمالية يتوقف على مدي التغيير الذي سيطرأ على الأخلاقية السائدة وعلى إدراك الجميع أن مبدأ المسؤولية الاجتماعية لا يقل أهمية عن مبدأ السوق الحرة. أما إذا تم تجاهل هذه الحقيقة، فإن اقتصاد السوق معرض للمصير نفسه الذي تعرضت له الاشتراكية: الانهيار والاختفاء من الوجود.