lady fatim
10-08-2007, 08:17 AM
هناك أساطير رائجة عن أن الزواج الناجح شيء قدري ، ينتج عن التوفيق الذي يصاحب طرفيه منذ اللحظة الأولى ، لكن الواقع يقول إن 99% من النجاح ينتج عن كد و جهد متواصلين . و من هنا محاولات فهم طبيعة الجهود المفروض بذلها لتقوية العلاقة بين الزوجين .
في ظل البرنامج القيمي المحدد : ( تحطيه يا بنتي في عينيك ، و تسمعي كلامه ، ربنا يبارك لكما ... إلخ ) ، الذي كان ينتقل إلى البنت عن الأم عن الجدة ... كان ما هو مطلوب من الزوج والزوجة لحنا معروفا شائعا يسهل على أي اثنين عزفه فور اللقاء .
لكن الدنيا تغيرت ، و إلى جوار هذا البرنامج المتوارث صارت تشارك في صنع تصورات الأزواج ( برامج تربوية ) كثيرة يصل تنوع عناصرها إلى حد التنافر ، و يستقي المرء بعضها من حياة أسرته و حياة الأسر المحيطة ، و بعضها من الأعمال الفنية الكثيرة التي يطالعها ، و بعضها من علاقاته العامة في المدرسة والجامعة والشارع والعمل ... ذلك بينما ينحصر نصيب المؤسسات التربوية والتعليمية المعنية في أقل القليل ، إن كان لهذه المؤسسات وجود من الأصل .
تزايدت الخلافات
و مع تعدد البرامج التربوية ، و مع كثرة و تنوع الألحان ، غاب النموذج العام للأسرة ، و تزايدت صعوبة العزف المشترك ، فدبت الخلافات في مختلف جوانب الحياة الزوجية :
هي تحب اقتناء الكتب ، و هو يصاب بالإرتباك من وجودها ـ الكتب ـ في البيت .
هو يحب متابعة أخبار و مباريات كرة القدم ليل نهار ، و هي ترى الأمر جنونا يستحق استشارة الطبيب .
هو يحب النوم مبكرا والاستيقاظ مع صياح الديك ، و هي لا يستقيم برنامج يومها إلا بالتجوال بين بضع مسلسلات و بضعة أفلام على الفيديو كل ليلة حتى لا تفوتها شاردة .
هو يتطلب عمله الهدوء و ربما الانقطاع فترات عن الناس ، و هي في حالة حضور مسرحي دائم ، تحب العشرة والضيافة والزيارات والأداء الجهير .
هو يحب الطعام المسبك ، و هي لا تحب سوى المسلوق ، و يا ويل من لا يمتدح صنعة يدها .
هي تحس بالإنهاك و أقصى ما تحلم به أن تغمض عينيها و تستريح حتى تستطيع الاستيقاظ مبكرًا للحاق بعملها . أما هو فباله مشغول بالعلاقة العاطفية التي لا يشبع منها ، و ينظر إليها على أنها مقطوعية لا يكتمل برنامج اليوم من دونها .
و ليت الأمر يقف عند هذه الحدود التي تصلح ملحا ، أو حتى توابل تفتح الشهية للإقبال على الحياة ، فالخلافات تمتد مع الأسف إلى ما هو أبعد تأثيرًا :
هو يرى تعويد الطفل المسئولية والانضباط منذ الصغر ، و هي ترى ذلك قسوة و فظاظة من جنس لا يعرف الحنان .
هو يرى تعليم الطفل السباحة مع الشهور الأولى ، و هي ترى أن الغيرة بلغت بالرجل حداً دفعه إلى محاولة خنق البرعم الجديد في مهده .
هكذا و نتيجة للبرامج التربوية الكثيرة تعددت و تداخلت و تباعدت التصورات الخاصة ، و أصبح لا مفر من وقوع الخلافات عند اللقاء .
و لأن وضعا مثل هذا يتطلب حلا . و لأننا في عصر لقيت أنشطة مثل الزار والسحر والشبشبة ما يليق بها من مصير ، كان لابد أن يدلي العلم بدلوه ، بالذات بعد أن شرعوا في دراسة مشاكل شبيهة تخص توافق أفراد أطقم رحلات الفضاء الطويلة ( يقضي بضعة ملاحين شهورا يعملون معا على نحو لصيق في ظروف صعبة بعيدا عن العالم ) ، والتوافق في مجالات التوجيه المهني المختلفة ، و حتى التوافق بين المرضى النفسيين .
ولأن العلم يهتم بإقامة ما يشيده على أسس سليمة ، انكب العلماء بما هو معروف عنهم من منطق صارم على تحديد منابع الوفاق والخلاف .
إن التقارب بين الناس ينشأ من خلال التعامل والتعاون والأخذ والعطاء ، و تكرار الانفعالات السارة التي يحسها كل من طرفي العلاقة نتيجة سلوك الآخر و كلماته و أفعاله . و مع التقارب تبزغ بذور عاطفة الحب ، و تأخذ في النمو من خلال شعور كل من طرفيها بالارتياح للآخر ، و تتدعم هذه العاطفة مع تراث الارتياح و تراكم الانفعالات السارة بين فردين متوافقين . والتوافق لا يعني التماثل أو الاتفاق التام ، لأن لكل واحد منا شخصية متفردة لابد أن تتباين في عدد من توجهاتها و ملامحها .
و حتى نوضح كيف فكر الباحثون في التوافق لا بأس من مثال بسيط .
إذا افترضنا أننا أمام سؤال : من يشتري احتياجات الأسرة من السوق ... الزوج أم الزوجة ؟ لوجدنا أنفسنا أمام إجابتين ، الأولى تلتزم منطقا : لأن هذا عمل بدني ثقيل و مجاله خارج المنزل فهو واجب الرجل ... بينما تلتزم الثانية منطقا : هذا أمر يدخل ضمن مملكة البيت ، كل شئونها من اختصاص الملكة ، و لهذا لا دخل للرجل بمثل هذا الأمر .
والتفكير المنطقي يقود إلى أن خلافا لا يمكن أن يحدث بين الزوج والزوجة إذا كانا معاً من أنصار الرأي الأول ، أو من أنصار الرأي الثاني ، لكن الخلاف يبدأ عندما يُشرع كل منهما بصره في اتجاه مخالف ، حتى إذا رأت الملكة أن تتحمل عبء شراء الاحتياجات ، و رأى زوجها أن يضحي هو و يفعل .
المهم أن العلماء خرجوا من التفكير على هذا النحو بنتيجة منطقية مؤداها : حتى يكون الزواج راسخا يجب أن يكون الشريكان متوافقين في منطق معالجتهما لما يواجهان من مهام و مشكلات .
و هكذا مضى العلم في ممارسة جهوده التشريحية التوصيفية للعوامل المختلفة المفروض البحث عن توافقها بين الأزواج ، ليصنفها في النهاية بين مجالات مادية ، و ثقافية ، و نفسية ، و مظهرية ، و بدنية ، و ... . يجب أن يسعى الزوجان إلى التأكد من التوافق فيها ابتداء ، أو أن يعملا على تحقيق التوافق فيها بعد الزواج .
الإنسان ليس مجموع نثرياته
و لعله من المناسب الإشارة في البداية إلى ما شاب بعض التصورات ( العلمية ) التي شاعت من أخطاء و أخطار ... في بعض الحالات شَرَح المنطق التفصيصي الإنسان ( بين عوامل المجالات : مادية ، و ثقافية ، و نفسية ، و مظهرية ، و بدنية ، و ... . ) ، و وصف ما استطاع أن يصنفه من عوامل جزئية ، ثم جمع النثريات التي وصفها ، و عامل الإنسان على أنه حاصلها ، ذلك رغم أن الإنسان أكبر بكثير من مجموع أجزائه ، حتى لو تيسرت معرفة كل هذه الأجزاء .
فليس معنى معرفتنا مثلا أن جسد أحد الكائنات الحية يحتوي على عشرين كيلوغراما من المياه ، و خمسة كيلوغرامات كربون ، و نصف كيلوغرام حديد ، و ... . ليس معنى معرفتنا هذه التفاصيل أن تجميعها يوصلنا إلى الكائن المعني ، لأن هناك شيئا معجزًا آخر سيظل غائبا عن عجينتنا ، مهما سلم تكوينها . و إذا كان ذلك يسري حتى على الجماد ـ خصائص أي سبيكة معدنية تختلف تماما عن خصائص عناصرها ـ فما بالنا بالكيان الحي الأرقى النابض بفتافيت الحس والعواطف والانفعالات والإرادة ؟!
كما أن المنطق التصنيفي الجامد يمكن أن يتجاهل أن الإنسان الطبيعي يعيش على مدار الساعة الواحدة ـ لا على مدار العمر ـ عدة شخوص دون أن يكون بالضرورة ممثلا أو بهلوانا ... فالأم حين تستيقظ في الصباح لتساعد أطفالها في الذهاب إلى المدرسة تمارس دور الوالد المسئول ، لكنها قد تتحول ما إن تودعهم ، و خلال لحظات ، إلى ( طفل معتمد ) يتكئ على كتف الزوج العطوف ، و ما هي إلا دقائق بعد ذلك حتى تشد رحالها ، لتتعامل معاملة الند ، مع غيرها من اليافعين ، خلال رحلة العمل ، والأم في ذلك كله امرأة طبيعية جدًا ، و عاقلة جدًا ، و على سجيتها جدا من دون تعالم ، لأن مرشدها فيما تفعله خلاصة علمية موثوقة قطرتها الخبرة الإنسانية الثرية الرحبة المديدة .
والمبالغة في التشريح والتجزيء والتصنيف و وضع الحواجز التي تصنع اللاتوافق ، ربما أنستنا أن حلول المشكلات ربما كمنت في مجرد أن يفهم المرء أنه لا مانع أن يكون الرجل أبا لزوجته في لحظة ، و طفلا لها في أخرى ، و شريكا على قدم المساواة في ثالثة ... و أن يفهم ضرورة مجاهدة النفس ، بعيدا عن الرومانسية ، في ممارسة ذلك كله .
بعيدًا عن الاستبداد
لقد تسلحت الدراسات بمستحدثات مختلفة مثل الاعتماد على ملاحظة الزيجات الناجحة ( بدلا من الزيجات الغارقة في المشاكل ) ، لأن خبرات الناجحين هي حقيقة ما نحتاج اليه في علاج مشاكل الأسرة ، و مثل الإمكانات الحديثة التي أتاحها التصوير بالفيديو وبالتالي إمكان استعادة الانفعالات المختلفة في المواقف المختلفة و دراستها على نحو أوفى . بالذات حين يتم تسجيلها مع مجموعة من القياسات الفسيولوجية ( الكهربية العصبية ، و إفراز العرق ، و ... ) ، و مع وجود أبجديات أو شفرات لقراءة انفعالات الوجه ، مما يسهل في النهاية دراسة الاستجابات الانفعالية والتدفق الانفعالي في هذا الموقف أو ذاك .
و قد أكدت هذه الدراسات أنه لم يعد هناك مجال لأن يمارس الرجل دور ( السيد ) في المنزل . رغم أن كل الزوجات تقريبا مستعدات للخضوع أو قبول نفوذ أزواجهن ، إذا عدل الرجل من توجه ( السيد ) إياه ، وقد يكون ما هو مطلوب يسيرًا كأن يلتفت عن مشاهدة مباراة كرة القدم حين تكون زوجه راغبة في الحديث معه ، فهي تود أن تحس بأن زوجها يفكر بصيغة ( نحن نريد و نحن نرى ) لا بصيغة ( أنا أريد و أرى و ... ) .
و من بين الاكتشافات غير المتوقعة أن الغضب ليس أكثر العواطف تدميرًا في العلاقة الزوجية ، فالزوجان السعيدان والتعيسان يتشاحنان ، لكن الانتقاد الدائم ، والتحقير ، واستخدام الحيل الدفاعية ، والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي ، هي أكثر أعداء الحياة الزوجية . و قد ظهر أن أفضل طريقة لتجنب الآثار المدمرة لما سبق هي أن يعي الزوج أحلام زوجته و مخاوفها . و كل الأسر السعيدة يتميز الزوج فيها بفهم عميق لنفسية زوجته بما يمكن من انسياب التصرفات والمشاعر دون حدوث اختناقات عاطفية معوقة . و تشكل الصداقة بين الزوجين أهم عوامل الرضاء الزوجي ، إذا نحينا العلاقة الجنسية جانبًا ـ رغم أهميتها البالغة ـ لأنها خارج نطاق هذه العجالة .
كما تأكد أن الأزواج السعداء يتحلون ، في نزاعاتهم ، بمحاولات متجددة لرأب الصدع ، والابتعاد عن السلبية التي يمكن أن تقود لإفلات الأمر من أيديهم ، و أن الدعابة كثيرًا ما تساعد في إنجاح محاولاتهم ، و أن بمقدورهم التعامل مع النزاعات المتجددة والدائمة ـ التي تهدد باختناق العلاقة ـ بطريقة تفرق بين الخلافات الأساسية والثانوية ... فعلى سبيل المثال ، تشكو الزوجة من الجرائد والأوراق والكتب المبعثرة التي تشوه منظر البيت ، والزوج يعجز عن تلبية متطلباتها في هذا الصدد . و بدلا من تأزيم الموقف يقرران مع الزمن أن المشكلة تنتمي إلى مجال التباينات الثانوية ، التي تتطلب التحلي بالمرونة في التعامل معها ، لأنها أصغر من أن تكون سببا يعكر صفو ما بينهما ، و لأن هذا الموقف يقوي من زواجهما .
و لا بأس هنا من مجموعة من النصائح التي ـ أكدت الخبرات ـ يمكن أن تجنب الزواج العثرات و تساهم في نجاحه :
ضرورة النظرة الناضجة إلى الزوج ـ بعيدا عن الصور المثالية التي نحلم بها ـ على أنه شخصية واقعية لها مزاياها و عيوبها ، و عند تعذر تغيير هذه العيوب يمكن التعايش معها و قبولها كجزء من مقومات الشريك الذي ارتضيناه ككل متكامل . و ليس هناك ما هو أخطر على الحياة النفسية للمتزوجين من العيش في عالم سحري من التهاويل البراقة والأحلام الخادعة ، بل و خداع الذات ، حتى بصورة لاشعورية ، فيما يخص طبيعة الزوج والحياة الزوجية بوجه عام ، والخلط بينها و بين ( المغامرة الغرامية ) ، لأن ذلك يصعب من عملية التكيف مع الحقيقة و قد يجعلها متعذرة .
يجب اتباع استراتيجية الإشادة بنصف الكوب المليء دوما . فكل علاقة في الحياة يكون فيها ما هو إيجابي ( نصف الكوب المليء ) و ما هو سلبي أو ما تفتقده العلاقة ( نصف الكوب الفارغ ) والتركيز على ما هو إيجابي يدعم العلاقة و يزيد من إيجابيتها ، حتى بمجرد الحركة بالقصور الذاتي . أما الشكوى المستمرة والنعيب حول ما ينقص العلاقة فإنه يوقع بها أوخم الأضرار .
يجب فهم ما في العلاقة من ضرورات تكيف و ضرورات صراع والعمل دوما على تغليب ضرورات التكيف باتجاه المقبول من سلوك الشريك ، و طبعا فإن الأسرة الذكية هي التي تسعى لا إلى اللقاء في نقطة وسط أو في منتصف الطريق كما هو شائع ، بل إلى التكيف باتجاه السلوك الصحيح ـ بصرف النظر عمن يبدو كاسبا أو خاسرا من طرفيها ، و من الضروري فعل ذلك برغبة حقيقية في التعاون المتبادل والتفاهم المشترك لصالح كيان الأسرة .
والأفضل أن يبدأ الزوجان الجيدان حياتهما على أنهما عالمان مختلفان تماما يسعيان إلى الوفاق ، بدلا من أن يبدآ على أنهما ينتميان إلى عالم واحد متوافق تمامًا ، يعرف كل منهما كل شيء عن الآخر . لأن البداية الأولى تجعلهما أقرب نفسيا إلى التصور الصحيح ، وبالتالي إلى النهوض بأعبائه .
ليس هناك ما هو أفعل من اللباقة واختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب في تحقيق السعادة الزوجية ، إنها السحر الذي يمكّن من الوصول إلى أعماق الشريك في كل لحظة ، لأنها تضمن للزوجين الصفاء والسكينة و راحة البال .
الغياب القصير أو ما يمكن أن نطلق عليه ( الإجازات الأسرية ) مما يقوي الرابطة الزوجية ، لأنه يبعد التوتر والاحتكاك الدائم ، و يبرز مزايا العيش المشترك التي تعود الطرفان تناسيها عند وجودهما معا ، كما يخفف من حدة الملل ، و يجدد الشوق والحب بين الطرفين ، و لكل ذلك تأثير في تحجيم أوجه التباين أو عدم التوافق الثانوية .
الحذر من النقد اللاذع المتواصل ، والتحقير ، واستخدام الحيل الدفاعية ، والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي .
تبقى إشارة إلى ضرورة وجود المؤسسات التي تقدم العون والنصيحة للراغبين في حل مشاكلهم الأسرية . و هي ليست مؤسسات علاجية بالضرورة ، لأن كل ما سبق ينتمي إلى مجال حل مشاكل التواصل الاعتيادية ، و إن فضلت بعض المجتمعات إطلاق مسميات علاجية عليها : ( علاج تقبل الآخر ) ، ( علاج تعديل السلوك ) ، ( العلاج الزوجي ) ، و ... ، جريا وراء أغراض تجارية . غير أن المؤسسات العلاجية حقا يجب أن تبقى كملاذ أخير للحالات التي يصل التوافق فيها إلى حدود الاستعصاء .
في ظل البرنامج القيمي المحدد : ( تحطيه يا بنتي في عينيك ، و تسمعي كلامه ، ربنا يبارك لكما ... إلخ ) ، الذي كان ينتقل إلى البنت عن الأم عن الجدة ... كان ما هو مطلوب من الزوج والزوجة لحنا معروفا شائعا يسهل على أي اثنين عزفه فور اللقاء .
لكن الدنيا تغيرت ، و إلى جوار هذا البرنامج المتوارث صارت تشارك في صنع تصورات الأزواج ( برامج تربوية ) كثيرة يصل تنوع عناصرها إلى حد التنافر ، و يستقي المرء بعضها من حياة أسرته و حياة الأسر المحيطة ، و بعضها من الأعمال الفنية الكثيرة التي يطالعها ، و بعضها من علاقاته العامة في المدرسة والجامعة والشارع والعمل ... ذلك بينما ينحصر نصيب المؤسسات التربوية والتعليمية المعنية في أقل القليل ، إن كان لهذه المؤسسات وجود من الأصل .
تزايدت الخلافات
و مع تعدد البرامج التربوية ، و مع كثرة و تنوع الألحان ، غاب النموذج العام للأسرة ، و تزايدت صعوبة العزف المشترك ، فدبت الخلافات في مختلف جوانب الحياة الزوجية :
هي تحب اقتناء الكتب ، و هو يصاب بالإرتباك من وجودها ـ الكتب ـ في البيت .
هو يحب متابعة أخبار و مباريات كرة القدم ليل نهار ، و هي ترى الأمر جنونا يستحق استشارة الطبيب .
هو يحب النوم مبكرا والاستيقاظ مع صياح الديك ، و هي لا يستقيم برنامج يومها إلا بالتجوال بين بضع مسلسلات و بضعة أفلام على الفيديو كل ليلة حتى لا تفوتها شاردة .
هو يتطلب عمله الهدوء و ربما الانقطاع فترات عن الناس ، و هي في حالة حضور مسرحي دائم ، تحب العشرة والضيافة والزيارات والأداء الجهير .
هو يحب الطعام المسبك ، و هي لا تحب سوى المسلوق ، و يا ويل من لا يمتدح صنعة يدها .
هي تحس بالإنهاك و أقصى ما تحلم به أن تغمض عينيها و تستريح حتى تستطيع الاستيقاظ مبكرًا للحاق بعملها . أما هو فباله مشغول بالعلاقة العاطفية التي لا يشبع منها ، و ينظر إليها على أنها مقطوعية لا يكتمل برنامج اليوم من دونها .
و ليت الأمر يقف عند هذه الحدود التي تصلح ملحا ، أو حتى توابل تفتح الشهية للإقبال على الحياة ، فالخلافات تمتد مع الأسف إلى ما هو أبعد تأثيرًا :
هو يرى تعويد الطفل المسئولية والانضباط منذ الصغر ، و هي ترى ذلك قسوة و فظاظة من جنس لا يعرف الحنان .
هو يرى تعليم الطفل السباحة مع الشهور الأولى ، و هي ترى أن الغيرة بلغت بالرجل حداً دفعه إلى محاولة خنق البرعم الجديد في مهده .
هكذا و نتيجة للبرامج التربوية الكثيرة تعددت و تداخلت و تباعدت التصورات الخاصة ، و أصبح لا مفر من وقوع الخلافات عند اللقاء .
و لأن وضعا مثل هذا يتطلب حلا . و لأننا في عصر لقيت أنشطة مثل الزار والسحر والشبشبة ما يليق بها من مصير ، كان لابد أن يدلي العلم بدلوه ، بالذات بعد أن شرعوا في دراسة مشاكل شبيهة تخص توافق أفراد أطقم رحلات الفضاء الطويلة ( يقضي بضعة ملاحين شهورا يعملون معا على نحو لصيق في ظروف صعبة بعيدا عن العالم ) ، والتوافق في مجالات التوجيه المهني المختلفة ، و حتى التوافق بين المرضى النفسيين .
ولأن العلم يهتم بإقامة ما يشيده على أسس سليمة ، انكب العلماء بما هو معروف عنهم من منطق صارم على تحديد منابع الوفاق والخلاف .
إن التقارب بين الناس ينشأ من خلال التعامل والتعاون والأخذ والعطاء ، و تكرار الانفعالات السارة التي يحسها كل من طرفي العلاقة نتيجة سلوك الآخر و كلماته و أفعاله . و مع التقارب تبزغ بذور عاطفة الحب ، و تأخذ في النمو من خلال شعور كل من طرفيها بالارتياح للآخر ، و تتدعم هذه العاطفة مع تراث الارتياح و تراكم الانفعالات السارة بين فردين متوافقين . والتوافق لا يعني التماثل أو الاتفاق التام ، لأن لكل واحد منا شخصية متفردة لابد أن تتباين في عدد من توجهاتها و ملامحها .
و حتى نوضح كيف فكر الباحثون في التوافق لا بأس من مثال بسيط .
إذا افترضنا أننا أمام سؤال : من يشتري احتياجات الأسرة من السوق ... الزوج أم الزوجة ؟ لوجدنا أنفسنا أمام إجابتين ، الأولى تلتزم منطقا : لأن هذا عمل بدني ثقيل و مجاله خارج المنزل فهو واجب الرجل ... بينما تلتزم الثانية منطقا : هذا أمر يدخل ضمن مملكة البيت ، كل شئونها من اختصاص الملكة ، و لهذا لا دخل للرجل بمثل هذا الأمر .
والتفكير المنطقي يقود إلى أن خلافا لا يمكن أن يحدث بين الزوج والزوجة إذا كانا معاً من أنصار الرأي الأول ، أو من أنصار الرأي الثاني ، لكن الخلاف يبدأ عندما يُشرع كل منهما بصره في اتجاه مخالف ، حتى إذا رأت الملكة أن تتحمل عبء شراء الاحتياجات ، و رأى زوجها أن يضحي هو و يفعل .
المهم أن العلماء خرجوا من التفكير على هذا النحو بنتيجة منطقية مؤداها : حتى يكون الزواج راسخا يجب أن يكون الشريكان متوافقين في منطق معالجتهما لما يواجهان من مهام و مشكلات .
و هكذا مضى العلم في ممارسة جهوده التشريحية التوصيفية للعوامل المختلفة المفروض البحث عن توافقها بين الأزواج ، ليصنفها في النهاية بين مجالات مادية ، و ثقافية ، و نفسية ، و مظهرية ، و بدنية ، و ... . يجب أن يسعى الزوجان إلى التأكد من التوافق فيها ابتداء ، أو أن يعملا على تحقيق التوافق فيها بعد الزواج .
الإنسان ليس مجموع نثرياته
و لعله من المناسب الإشارة في البداية إلى ما شاب بعض التصورات ( العلمية ) التي شاعت من أخطاء و أخطار ... في بعض الحالات شَرَح المنطق التفصيصي الإنسان ( بين عوامل المجالات : مادية ، و ثقافية ، و نفسية ، و مظهرية ، و بدنية ، و ... . ) ، و وصف ما استطاع أن يصنفه من عوامل جزئية ، ثم جمع النثريات التي وصفها ، و عامل الإنسان على أنه حاصلها ، ذلك رغم أن الإنسان أكبر بكثير من مجموع أجزائه ، حتى لو تيسرت معرفة كل هذه الأجزاء .
فليس معنى معرفتنا مثلا أن جسد أحد الكائنات الحية يحتوي على عشرين كيلوغراما من المياه ، و خمسة كيلوغرامات كربون ، و نصف كيلوغرام حديد ، و ... . ليس معنى معرفتنا هذه التفاصيل أن تجميعها يوصلنا إلى الكائن المعني ، لأن هناك شيئا معجزًا آخر سيظل غائبا عن عجينتنا ، مهما سلم تكوينها . و إذا كان ذلك يسري حتى على الجماد ـ خصائص أي سبيكة معدنية تختلف تماما عن خصائص عناصرها ـ فما بالنا بالكيان الحي الأرقى النابض بفتافيت الحس والعواطف والانفعالات والإرادة ؟!
كما أن المنطق التصنيفي الجامد يمكن أن يتجاهل أن الإنسان الطبيعي يعيش على مدار الساعة الواحدة ـ لا على مدار العمر ـ عدة شخوص دون أن يكون بالضرورة ممثلا أو بهلوانا ... فالأم حين تستيقظ في الصباح لتساعد أطفالها في الذهاب إلى المدرسة تمارس دور الوالد المسئول ، لكنها قد تتحول ما إن تودعهم ، و خلال لحظات ، إلى ( طفل معتمد ) يتكئ على كتف الزوج العطوف ، و ما هي إلا دقائق بعد ذلك حتى تشد رحالها ، لتتعامل معاملة الند ، مع غيرها من اليافعين ، خلال رحلة العمل ، والأم في ذلك كله امرأة طبيعية جدًا ، و عاقلة جدًا ، و على سجيتها جدا من دون تعالم ، لأن مرشدها فيما تفعله خلاصة علمية موثوقة قطرتها الخبرة الإنسانية الثرية الرحبة المديدة .
والمبالغة في التشريح والتجزيء والتصنيف و وضع الحواجز التي تصنع اللاتوافق ، ربما أنستنا أن حلول المشكلات ربما كمنت في مجرد أن يفهم المرء أنه لا مانع أن يكون الرجل أبا لزوجته في لحظة ، و طفلا لها في أخرى ، و شريكا على قدم المساواة في ثالثة ... و أن يفهم ضرورة مجاهدة النفس ، بعيدا عن الرومانسية ، في ممارسة ذلك كله .
بعيدًا عن الاستبداد
لقد تسلحت الدراسات بمستحدثات مختلفة مثل الاعتماد على ملاحظة الزيجات الناجحة ( بدلا من الزيجات الغارقة في المشاكل ) ، لأن خبرات الناجحين هي حقيقة ما نحتاج اليه في علاج مشاكل الأسرة ، و مثل الإمكانات الحديثة التي أتاحها التصوير بالفيديو وبالتالي إمكان استعادة الانفعالات المختلفة في المواقف المختلفة و دراستها على نحو أوفى . بالذات حين يتم تسجيلها مع مجموعة من القياسات الفسيولوجية ( الكهربية العصبية ، و إفراز العرق ، و ... ) ، و مع وجود أبجديات أو شفرات لقراءة انفعالات الوجه ، مما يسهل في النهاية دراسة الاستجابات الانفعالية والتدفق الانفعالي في هذا الموقف أو ذاك .
و قد أكدت هذه الدراسات أنه لم يعد هناك مجال لأن يمارس الرجل دور ( السيد ) في المنزل . رغم أن كل الزوجات تقريبا مستعدات للخضوع أو قبول نفوذ أزواجهن ، إذا عدل الرجل من توجه ( السيد ) إياه ، وقد يكون ما هو مطلوب يسيرًا كأن يلتفت عن مشاهدة مباراة كرة القدم حين تكون زوجه راغبة في الحديث معه ، فهي تود أن تحس بأن زوجها يفكر بصيغة ( نحن نريد و نحن نرى ) لا بصيغة ( أنا أريد و أرى و ... ) .
و من بين الاكتشافات غير المتوقعة أن الغضب ليس أكثر العواطف تدميرًا في العلاقة الزوجية ، فالزوجان السعيدان والتعيسان يتشاحنان ، لكن الانتقاد الدائم ، والتحقير ، واستخدام الحيل الدفاعية ، والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي ، هي أكثر أعداء الحياة الزوجية . و قد ظهر أن أفضل طريقة لتجنب الآثار المدمرة لما سبق هي أن يعي الزوج أحلام زوجته و مخاوفها . و كل الأسر السعيدة يتميز الزوج فيها بفهم عميق لنفسية زوجته بما يمكن من انسياب التصرفات والمشاعر دون حدوث اختناقات عاطفية معوقة . و تشكل الصداقة بين الزوجين أهم عوامل الرضاء الزوجي ، إذا نحينا العلاقة الجنسية جانبًا ـ رغم أهميتها البالغة ـ لأنها خارج نطاق هذه العجالة .
كما تأكد أن الأزواج السعداء يتحلون ، في نزاعاتهم ، بمحاولات متجددة لرأب الصدع ، والابتعاد عن السلبية التي يمكن أن تقود لإفلات الأمر من أيديهم ، و أن الدعابة كثيرًا ما تساعد في إنجاح محاولاتهم ، و أن بمقدورهم التعامل مع النزاعات المتجددة والدائمة ـ التي تهدد باختناق العلاقة ـ بطريقة تفرق بين الخلافات الأساسية والثانوية ... فعلى سبيل المثال ، تشكو الزوجة من الجرائد والأوراق والكتب المبعثرة التي تشوه منظر البيت ، والزوج يعجز عن تلبية متطلباتها في هذا الصدد . و بدلا من تأزيم الموقف يقرران مع الزمن أن المشكلة تنتمي إلى مجال التباينات الثانوية ، التي تتطلب التحلي بالمرونة في التعامل معها ، لأنها أصغر من أن تكون سببا يعكر صفو ما بينهما ، و لأن هذا الموقف يقوي من زواجهما .
و لا بأس هنا من مجموعة من النصائح التي ـ أكدت الخبرات ـ يمكن أن تجنب الزواج العثرات و تساهم في نجاحه :
ضرورة النظرة الناضجة إلى الزوج ـ بعيدا عن الصور المثالية التي نحلم بها ـ على أنه شخصية واقعية لها مزاياها و عيوبها ، و عند تعذر تغيير هذه العيوب يمكن التعايش معها و قبولها كجزء من مقومات الشريك الذي ارتضيناه ككل متكامل . و ليس هناك ما هو أخطر على الحياة النفسية للمتزوجين من العيش في عالم سحري من التهاويل البراقة والأحلام الخادعة ، بل و خداع الذات ، حتى بصورة لاشعورية ، فيما يخص طبيعة الزوج والحياة الزوجية بوجه عام ، والخلط بينها و بين ( المغامرة الغرامية ) ، لأن ذلك يصعب من عملية التكيف مع الحقيقة و قد يجعلها متعذرة .
يجب اتباع استراتيجية الإشادة بنصف الكوب المليء دوما . فكل علاقة في الحياة يكون فيها ما هو إيجابي ( نصف الكوب المليء ) و ما هو سلبي أو ما تفتقده العلاقة ( نصف الكوب الفارغ ) والتركيز على ما هو إيجابي يدعم العلاقة و يزيد من إيجابيتها ، حتى بمجرد الحركة بالقصور الذاتي . أما الشكوى المستمرة والنعيب حول ما ينقص العلاقة فإنه يوقع بها أوخم الأضرار .
يجب فهم ما في العلاقة من ضرورات تكيف و ضرورات صراع والعمل دوما على تغليب ضرورات التكيف باتجاه المقبول من سلوك الشريك ، و طبعا فإن الأسرة الذكية هي التي تسعى لا إلى اللقاء في نقطة وسط أو في منتصف الطريق كما هو شائع ، بل إلى التكيف باتجاه السلوك الصحيح ـ بصرف النظر عمن يبدو كاسبا أو خاسرا من طرفيها ، و من الضروري فعل ذلك برغبة حقيقية في التعاون المتبادل والتفاهم المشترك لصالح كيان الأسرة .
والأفضل أن يبدأ الزوجان الجيدان حياتهما على أنهما عالمان مختلفان تماما يسعيان إلى الوفاق ، بدلا من أن يبدآ على أنهما ينتميان إلى عالم واحد متوافق تمامًا ، يعرف كل منهما كل شيء عن الآخر . لأن البداية الأولى تجعلهما أقرب نفسيا إلى التصور الصحيح ، وبالتالي إلى النهوض بأعبائه .
ليس هناك ما هو أفعل من اللباقة واختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب في تحقيق السعادة الزوجية ، إنها السحر الذي يمكّن من الوصول إلى أعماق الشريك في كل لحظة ، لأنها تضمن للزوجين الصفاء والسكينة و راحة البال .
الغياب القصير أو ما يمكن أن نطلق عليه ( الإجازات الأسرية ) مما يقوي الرابطة الزوجية ، لأنه يبعد التوتر والاحتكاك الدائم ، و يبرز مزايا العيش المشترك التي تعود الطرفان تناسيها عند وجودهما معا ، كما يخفف من حدة الملل ، و يجدد الشوق والحب بين الطرفين ، و لكل ذلك تأثير في تحجيم أوجه التباين أو عدم التوافق الثانوية .
الحذر من النقد اللاذع المتواصل ، والتحقير ، واستخدام الحيل الدفاعية ، والخطابة الكثيرة على حساب الفعل الحقيقي .
تبقى إشارة إلى ضرورة وجود المؤسسات التي تقدم العون والنصيحة للراغبين في حل مشاكلهم الأسرية . و هي ليست مؤسسات علاجية بالضرورة ، لأن كل ما سبق ينتمي إلى مجال حل مشاكل التواصل الاعتيادية ، و إن فضلت بعض المجتمعات إطلاق مسميات علاجية عليها : ( علاج تقبل الآخر ) ، ( علاج تعديل السلوك ) ، ( العلاج الزوجي ) ، و ... ، جريا وراء أغراض تجارية . غير أن المؤسسات العلاجية حقا يجب أن تبقى كملاذ أخير للحالات التي يصل التوافق فيها إلى حدود الاستعصاء .