العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإسلاميـة > قسم حوار الأديان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /16-09-2015, 10:14 AM   #46

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الإنتخابات الإسرائيلية بعيون الحركة النسوية

الإنتخابات الإسرائيلية بعيون الحركة النسوية
جعفر هادي حسن

نقصد بالحركة النسوية هنا الحركة النسوية في إسرائيل، التي أصبحت معروفة بين الإسرائيليين ليس فقط لنشاطها خلال العقود الماضية ولكن أيضا بسبب حرب المتدينين والقوميين المتطرفين عليها.إذ تعتبرها الأولى خطرا على الديانة اليهودية،بينما ترى فيها الثانية خطرا على الأمن القومي لإسرائيل.وعلى الرغم من كل هذا النقد بل، والهجوم المستمر فإن الحركة نمت وتطورت وستكون في المستقبل ذات تاثير بعيد المدى والنتائج على المجتمع والدين والسياسة في إسرائل، حيث نشهد اليوم بعض مظاهر هذا التأثير.

ورأي الحركة في الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة رأى سلبي فهي انتقدت الخطاب الذي وظفه نتنياهو والآخرون ورأت أن النتائج التي أفرزتها هذه الإنتخابات هي نتائج سيئة لمستقبل إسرائيل ليس فقط لأن نتنياهو فاز في الإنتخابات بل الطريقة والوسائل التي فاز بها. فخطاب نتنياهو كان خطاب تخويف وكره، فعنما كان الناس يطالبون بالإصلاح الإجتماعي والإقتصادي وإيجاد مخرج لأزمة السكن ،كان يرد عليهم بالقول وماذا عن الخطر الإيراني ،وعندما قام الموظفون في المستشفيات بالإضراب بسبب تقليص الإنفاق،حتى اضطر المرضى للنوم في الممرات،قال لهم وماذا عن الخطر الإيراني وعندما ينتقده رئيس الولايات المتحدة الأمريكية على سياسته نحو الفلسطينيين ،يرد عليه أيضا وماذا عن الخطر الإيراني.

واسوأ من هذا كما تقول الحركة أن الكثير من الإسرائليين قد تأثروا بهذا الخطاب وصدقوه. بل إن بعض أعضاء الكنيست من النساء عزفن على وتر التخويف هذا الذي يعزف عليه نتنياهو، ولا يهتممن بالحركة النسوية .

إن خطاب التخويف هذا كان قد أسكت كل حديث ذي فائدة ومعنى مما له علاقة بما يحدث في المجتمع الإسرائيلي من مشاكل.وكان من اسباب فوز نتنياهو أنه أثار الإسرائيليين في حديثه السلبي عن الفلسطينيين في إسرائيل حيث قال في خطاب تلفزيوني في يوم الإنتخابات إن العرب يتسابقون للتصويت(وكانت الأحزاب الفلسطينية من 48 قد ائتلفت في قائمة موحدة ،وقد شجع هذا الفلسطينيين على الإنتخاب بأعداد أكبر من الأعوام الماضية).ومن يسمعه يتحدث عنهم بلغة نحن وهم، لايشك في عنصريته ونظرته الدونية نحوهم.

وكان ممن أهان النساء أثناء الإنتخابات، إيلي يشاي الذي كان رئيسا لحزب شاس الحريدي لسنين قبل انقسامه،عندما وزع قطع حلوى على النساء من أجل الحصول على أصواتهن،وهذا مثل إقناع طفل بإعطائه قطعة حلوى للذهاب إلى الكنيس.وقد أثار هذا العمل غضب الحركة النسوية وانزعاجها الشديد،ولكن مما خفف من كل هذا كما تقول الحركة، أن الرجل سقط في الإنتخابات سقوطا مدويا إذ لم يحصل لاهو ولا أحد من حزبه(يحد) على مقعد في الكنيست،وهو خبر أسعد الحركة النسوية.فيشاي وأعضاء حزبه عندما كانوا في الكنيست قد أساءوا للنساء كما لم يسئ حزب آخر، إذ كانوا دائما يعارضون أي قانون يهدف إلى صالح تقدم المرأة في إسرائيل.

ومما اعتبرته الحركة انتكاسة في الإنتخابات،الهجوم القاسي على تسبي ليفني التي عبرت عن رغبتها في أن تكون رئيسة وزراء لفترة، لو فازت هي وشريكها في الإتحاد الصهيوني هرتزوك،ولكن بسب الهجوم على مايبدو غيرت رأيها وتخلت عن رغبتها هذه.

ولكن الحركة مازالت متفائلة ولديها فسحة من الأمل كما تقول. فقد أصبح عدد النساء في الكنيست 29 إمرأة بعد أن كان 27 .وكذلك ظهور منظمة جديدة باسم نساء يعملن للسلام، وهي منظمة ظهرت بعد الحرب على غزة مباشرة،وأصبح أعداد المنتميات إليها بالآلاف من مختلف شرائح المجتمع من اليهوديات، العلمانيات والمتدينات ومن الفلسطينيات ومن شمال البلد وجنوبه.وقد نظمت هؤلاء النساء وقفة من بضعة آلاف منهن أمام الكنيست، وطالبن بتحقيق السلام وبأن تكون نساء أكثر في مركز صنع القرار. وأكدن على رفضهن لثقافة التخويف والكره التي يعمل نتنياهو وأمثاله على نشرها بين الناس.وأكثر من هذا فإن ما لم يكن متوقعا قبل سنوات قليلة، قد حدث وتحقق حيث أنشأت النساء الحريديات (المتشددات في تدينهن) حزبا خاصا بالنساء قبل بضعة أشهر، باسم "بيزوتانط بل وشاركن في الإنتخابات،وطرحن بعض المطالب لتحسين أوضاعهن.

وتقول الحركة على الرغم من التقدم الذي حصل في السنين الماضية وهذا التفاؤل ،فإننا مازلنا نكافح ضد الأفكار المتخلفة والثقافة الرجعية، وأمامنا طريق طويل من النضال.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /16-09-2015, 10:21 AM   #47

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العنف ضد المرأة في إسرائيل

العنف ضد المرأة في إسرائيل
جعفر هادي حسن

توجد حوادث عنف عائلي وغير عائلي في إسرائيل، كما في أي بلد آخر ،وربما كانت نسبة هذا العنف في إسرائيل أكثر من غيرها في البلدان الأخرى نسبة إلى عدد سكانها، ولذلك أسباب، لسنا في صدد الحديث عنها هنا.وتذكر إحصائيات أن واحدة من كل سبع نساء قد عانت من العنف، وان واحدة من ثلاث قد عانت شيئا من العنف، بسبب كونها إمرأة.ويعتقد أن خمسا وعشرين شريكة حياة،-زوجة أو صديقة- تقتل في كل سنة ، من قبل شريكها وبسبب تزايد العنف العائلي منذ ظهور الدولة، فقد طالبت الحركة النسوية الدولة ،مساعدتها في إنشاء مركز لهؤلاء النساء اللائي يمارس ضدهن العنف ،ولكن الدولة كانت تنكر في البداية وجود شيئ من هذا والحاجة إلى المركز ، وعندها بادر عدد من النسويات في عام 1976 من حيفا في إنشاء أول مركز لإيواء النساء، اللائي يمارس ضدهن العنف . ثم بعد اشهر أنشئ مركز آخر في هرتزيليا قرب تل ابيب.وكان هذا المركز قد أنشئ طبقا لأيدلوجية الحركة النسوية التي بدأت تقوم ببعض النشاطات لصالح المرأة. ويعتمد كل مركز على العمل الطوعي، والمساعدة المالية التي يقدمها الأعضاء .ثم انشأت ألمجموعة ستة مراكز خلال الخمسة عشر عاما اللاحقة .وأخذت الحكومة تساعد هذه المراكز وهي اليوم تخصص لها مساعدة مالية.وهناك اليوم على الأقل ثلاثة عشر مركزا، وواحد للنساء العربيات وآخر للنساء الأرثودكسيات، وآخر للحالات الطارئة للمدى القصير،وهي ليست كلها طبقا لفلسفة الحركة النسوية، ولكنها تقوم بمساعدتها كلها.

كما أن هناك اليوم ثمانية عشر مركزا للعلاج من أجل منع حدوث العنف في العائلة .وتذكر إحصائية من عام 1999أن عددا كبيرا من النساء اتصلت بالمراكز وأن 10% من هؤلاء هن من النساء العربيات . ووهناك أيضا أعداد من الرجال يعالجون في هذه المراكز ،وهم عادة يأتون بأمر من المحكمة لإيوائهم فيها، ويكون ذلك بدل فترة السجن التي يحكم بها الرجل.وتعطي هذه المراكز استشارات للأفراد وللزوجين،وللعوائل.وهدفها هو أن تهيئ فرصة لأعضاء العائلة في ان يعيشوا حياة خالية من العنف.

وبسبب انتشار حالات الإغتصاب أيضا فقد أنشأت الحركة النسوية مراكز للنساء المغتصبات،وكان أول هذه المراكز قد افتتح عام 1978 في تل أبيب ،وهناك اليوم حوالي عشرة مراكز في إسرائيل ،وقد توسعت خدمات هذه المراكز خلال العقود الماضية ،فهي تقوم بالدفاع عن الضحية وتقدم برامج تربوية ودروس في الدفاع عن النفس . كما تقوم بعض النساء من النخبة من عضوات كنيست وفنانات ،وإعلاميات بمساعدة هؤلاء الضحايا،وقد أنشات جمعية تضم هذه المراكز.

وتذكر الإحصائيات أن ثمانمئة امراة والف ومئتي طفل يدخلون المركز كل سنة، وكثير من النساء لايُقبلن بسبب عدم وجود مكان لهن،وتتراوح فترة بقاء القادمين والقادمات إلى هذه المراكز بين عدة ايام وسنة. وفي إحصائية حديثة كان هناك أكثر من خمسة آلاف اتصال عام 1998 تتعلق باعتداءات جنسية .وكان أكثر من 28% تتعلق بالإغتصاب وأكثر من 4% كانت محاولة اغتصاب وأكثر من 3% كانت المحاولة من قبل عصابة وأكثر من 6% كانت من قبل الأب،وأكثر من 3% من قبل الأخ وما يقرب من 9% من أحد أفراد العائلة وأكثر من 28% من قبل آخرين، وبقية الحالات كانت اعتداءات جنسية أخرى. وفي عام 1999 كانت هناك زيادة بنسبة 35% في الإتصالات لمراكز الإغتصاب. حيث كان أكثر من ستة عشر ألف إتصال، في هذا العام نصفها تقريبا تتعلق بحالات إغتصاب أو اعتداء جنسي أخر وقد عزي هذا إلى كثرة الحديث عن الموضوع ومناقشته في وسائل الإعلام. Jewish Faminism in Israel (صص137-8)

الإحتلال والعنف ضد النساء

تذكر سيمونا شاروني في دراسة لها في كتاب Studies of Israeli women مثالا على العنف الذي تواجهه المرأة الإسرائيلية وارتباطه بالإحتلال. .والمثال هو ماقام به جلعاد شيمان البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما، الذي كان يؤدي الخدمة العسكرية في غزة عام 1989 .فعندما كان هناك في هذه السنة ،أطلق النار على بنت شابة فلسطينية عمرها سبعة عشر عاما كانت تقرا كتابا في شرفة شقتها فأرداها قتيلة.وكانت المحكمة العسكرية قد اتهمته باللاأبالية ،ومع ذلك فقد أطلق سراحه بعد أن استانف هو الحكم.وبعد سنتين من هذه الحادثة في عام 1991 أطلق جلعاد النار على صديقته السابقة وأرداها قتيلة.وتوضح هذه القضية كما تقول سيمونا العلاقة المتشابكة بين الرجل والمرأة والعسكرة والعنف ضد المرأة (في إسرائيل)،وهي ترى أن من الأهمية بمكان أن نضع قضية جلعاد ضمن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية .

وقد أخذ العنف من قبل الجيش الإسرائيلي ضد المرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، ينبه المرأة الإسرائيلية ويثير وعيها عن العنف في مجتمعها، بخاصة بعد الإنتفاضة الأولى .فقد أخذ عدد من المنظمات النسائية يتحدثن عن العلاقة بين العنف الجنسي كسلاح يمارسه جنود الإحتلال ضد المرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة ، وتزايد العنف ضد المرأة الإسرائيلية وعلاقة ذلك بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتبين للمنظمات النسائية، أن العنف الذي يمارسه الجيش في الأراضي المحتلة، هو في الواقع نمطي ولم يتحده أحد أو ينتقده أو يثير التساؤل حوله، بل أصبح ثقافة ضد النساء الإسرائيليات يواجهنه يوميا فيشوارع إسرائيل وبيوتها. وأخذت النساء يحتججن بأصوات عالية ضد الإحتلال ،وضدالعنف الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة¬¬¬ وظهرت عدد من المنظمات تدعو النساء إلى الإحتجاج على العنف ورفض تهميشهن في الحياة الإجتماعية والسياسية وضرورة سماع أصواتهن.وكان من هذه المنظمات شبكة النساء الإسرائيليات للسلام ،ونساء ضد الإحتلال ،ونساء (موشحات) بالسواد التي تركز أيضا على إنهاء الإحتلال وغير هذه.

وتلقى عضوات هذه المنظمات الكثير من الإهانة والشتائم من قبل اليمين المتطرف،بخاصة مايوجه إلى النساء (الموشحات) بالسواد ،وتقول إحدى عضوات هذه المنظمة إن مايقوم به المعارضون مع هؤلاء النساء، يمثل أقصى نماذج االإحتقار والكره للنساء، ويعبر عن إنكار حق المرأة في التعبير علنا عن حقوقها المدنية وواجباتها كمواطنة للدولة. وتنتقد النسويات الصورة التي تعطيها الدولة للجندي بأنه المدافع عن النساء والحامي لهن بقولهن "إن صورة الجندي الذي يقتل النساء والأطفال في الأراضي المحتلة يوميا، ويأتي بالعنف إلى عائلته وأصدقائه، لايتفق مع الصورة التي ترسمها الدولة لهذا الجندي على أنه يخدم في الجيش من أجل حماية النساء الإسرائيليات والأطفال.

إن العلاقة بين التمييز ضد المرأة، والعسكرة، وبين العنف ضد الفلسطينيين والعنف ضد النساء في إسرائيل،يعتبر الآن من قبل الحركة النسوية موضوعا نمطيا .كما أن النساء الناشطات من أجل السلام،قد أصبحن على دراية ومعرفة، بهذه العلاقة منذ الإنتفاضة الأولى في ثمانينات القرن الماضي.وتربط راحيل أوستروويز، رئيسة تحرير المجلة النسوية "نوجا" بين العنف ضد النساء والإحتلال بالقول " الإضطهاد هو الإضطهاد وهناك علاقة قوية بين العنف ضد النساء والعنف في الأراضي المحتلة، فالجندي الذي يخدم في هذه الأراضي يتعلم بأنه يجوز استعمال العنف ضد الناس الآخرين ، ولذلك يكون هناك احتمال كبير أن يأتي بهذا العنف معه عند رجوعه إلى مجتمعه، وهذا له تأثير علينا كنساء".

كما أن التأكيد على الأمن القومي التي تعطيه الدولة الأولوية، ليس فقط يبقي الوضع على ماهوعليه،بل يؤكد على العلاقة بينه وبين العسكرة السياسية والعنف. وأخذت النسويات والناشطات الإجتماعيات يعين ويفهمن علاقة السيطرة الذكورية والعسكرة السياسية في الدولة.ويقلن بان التأكيد على الأمن القومي،وإعطائه الأولوية في إسرائيل يساهم في سيطرة الرجال ويبرر العنف ضد الفلسطينيين وضد النساء.

وتقول أخريات إن التأكيد على أولوية الأمن القومي ،وأنه أهم من حياة الإنسان يذكرنا بالأولويات الأخرى، مثل أن المعدات الحربية لها الأولوية بدل الأجور العادلة للمرأة،أو انفاق المال لنظام تعليم أفضل .













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /16-09-2015, 10:28 AM   #48

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي



تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر
للدكتور جعفر هادي حسن

صدر للدكتور جعفر هادي حسن في بيروت كتاب بعنوان تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر. وربما يكون هذا الكتاب أول كتاب عن اليهود القرائين باللغة العربية. وحركة القرائين اليهود هي أهم حركة دينية انفصلت عن اليهودية الأم في وقت مبكر من تاريخ اليهودية، وكان ذلك في القرن الثاني الهجري-الثامن الميلادي، عندما كان مركز اليهودية الرئيس في العراق وهي مازالت بين ظهرانينا إلى اليوم نشيطة وفاعلة في الحياة اليهودية.

وكان الرائد في هذا الإنفصال ِشخصية يهودية عراقية معروفة،اسمه عنان بن داوود ظهر في بغداد أيام أبي جعفر المنصور.وكان أهم سبب لانشقاق الحركة هو رفضها للتلمود والأدبيات اليهودية الأخرى غير التوراة.وكان عنان قد رأى أن التوراة هي وحدها المصدر الرئيس للشريعة اليهودية دون غيرها. والحركة ليس فقط لاتعترف بالتلمود بل كتب علماؤها الكثير في نقده ورفضه والإستخفاف به وبيان عيوبه، كما كتبوا أيضا نقدا لبعض حاخامي اليهودية الكبار مثل الجاءون سعديا الفيومي(من القرن العاشر الميلادي)،الذي كتب الكثير في نقدهم ،وهم أيضا ألفواعشرات الكتب ضده ،وقد وصل لنا أكثرها.وكان الحاخام سعديا من أشد أعداء القرائين وأكثرهم نقدا لهم واغزرهم كتابة ضدهم.

وأهم نقد كتبه باللغة العربية هو كتابه المعروف ضد مؤسس الحركة .وكان عنوان الكتاب "الرد على عنان". وعلى الرغم من محاربة اليهودية الرسمية للحركة خلال أكثر من ألف سنة وحتى العصر الحاضر، حيث تصدر فتاوى ضدها بين فترة وأخرى ، فإنها مازالت اليوم إحدى الحركات اليهودية المهمة ولها أتباع كثيرون، يعيش الغالبية العظمى منهم في إسرائيل ،ومازالت المؤسسة الدينية الرسمية لاتعترف بها.

وتختلف هذه الحركة عن غيرها من الحركات اليهودية الدينية الأخرى، مثل حركة اليهودية الإصلاحية وحركة اليهودية المحافظة، في أنها تسبقهما زمنا وتختلف عنهما طبيعة. ومما تختلف به عنهما(عدا القضايا الفقهية) أنها تفاعلت مع الثقافة الإسلامية وتأثرت بها كثيرا في مجالات كثيرة، في الفكر والفقه وأصوله واللغة والممارسات الدينية ، كما كتب علماؤها المئات من الكتب العلمية والأدبية باللغة العربية. ومن العلوم التي تأثروا بها ،علم الكلام الذي اهتموا به وناقشوا مسائله وكتبوا فيه أكثر من كتاب،وعلم الكلام عندهمن ينحو نحو مدرسة المعتزلة بامتياز.

وحتى صلاتهم تأثرت بالصلاة عند المسلمين فهم يسجدون ويركعون بل ويقنتون أيضا. وأصول الفقه عندهم هي تماما كما عند المسلمين مثل الكتاب و"الرواية" والقياس والإجماع بل ألفوا في علم القراءات التوراتية ، تاثرا بما ألفه العلماء المسلمون في القراءات القرآنية .واستعملوا مصطلحات إسلامية في فقههم مثل الإمام والقبلة بل والقرآن للتوراة، وعبارات اسلامية مثل عليه السلام ورضي الله عنه. وهم اتخذوا أسماء وكنى عربية لأنفسهم مثل أبي سعيد وأبي الحسن وأبي السري وأبي الفرج.وقد كان لهذا التأثر جانب إيجابي لحركتهم،حيث تمكنوا من الوقوف على أرضية صلبة وقوية في الدفاع عن أفكارهم،أمام هجوم اليهودية الأم ونقدها. وقد ضم هذه الموضوعات فصلان كبيران عن الثقافة الإسلامية فيها تفصيلات غير ما ذكر.

ويتحدث المؤلف بتفصيل وفي أكثر من فصل، عن المراكز التي عاش فيها القراؤون خلال تاريخ الحركة الطويل، كفلسطين حيث أنشأوا فيها مركزا علميا كانت لغة التدريس فيه العربية، وقداستمر إلى مئتي سنة إلى أن قضى عليه الصليبيون عام 1099م، وقد تخرج من هذا المركز العلمي علماؤهم الكبار مثل المفسر والنحوي أبي على البصري واللغوي أبراهام الفاسي صاحب القاموس الشهير "جامع الألفاظ" ويعقوب البصير صاحب "المحتوي" في علم الكلام. ومن البلدان المهمة التي سكنوها مصر(حيث أصبح لهم دور مهم في سياسة الدولة في فترة الحكم الفاطمي) ومنها بيزنطة وليثوانيا وروسيا وبولندا وشبه جزيرة القرم وغيرها من المراكز. ويفصل المؤلف الحديث عن دورهذه المراكز ونشاطها في إثراء الحركة وتطورها، كما يذكر أهم علمائها، والكتب المهمة التي ألفوها، حيث يعرض مضامينها ويبدي ملاحظاته عليها ورأيه فيها.كما أن هناك فصلا عن موقف النازية من القرائين،والجدل بين الباحثين حول هذا الموقف.

وكذلك عن آراءالباحثين في ابراهام فرقوفتش اشهر علمائهم في العصر الحديث ،الذي جمع مايقرب من خمس عشرة ألف وثيقة تتعلق بالقرائين. ثم يعرج المؤلف على وجودهم في اسرائيل اليوم ونشاطهم فيها، وعلاقتهم بالدولة والمؤسسة الدينية وكذلك باليهود الآخرين من سكان إسرائيل.

إضافة إلى فصول أخرى تتعلق بالإختلافات الفقهية، وتاريخ الصراع بين الحركة وبين اليهودية الأم وغيرهما من الفصول. وعندما أكتشفت وثائق جنيزة القاهرة في نهاية القرن التاسع عشر، وعثر فيها على أكثر من مئتين وخمسين ألف وثيقة يهودية وغير يهودية بلغات مختلفة، كان بينها المئات إن لم تكن الالاف تعود لهذه الحركة،كان أكثرها مكتوب بلغة عربية ، بعضها بحروف عبرية، وما زال الباحثون يكتشفون من هذه الوثائق الكثير التي خلفتها الحركة، يحققونها وينشرونها بين فترة وأخرى وقد أشار المؤلف في الكتاب إلى بعض هذه. ومع أن المؤسسة الدينية لاتعترف بها، فإن إسرائيل هجرت أتباعها عند ظهورها، وهم يسكنون اليوم في عدد من المدن الإسرائيلية ، مثل بئر السبع ومصلياح وأشدود وغيرها ،ولكن أهم مدنهم هي الرملة التي عاشوا فيها لأكثر من ألف سنة حيث يوجد مركزهم الرئيس فيها .

ومازال القراؤون الذين هم من أصل مصري من الجيل الأول يتكلمون اللغة العربية ويتبنون العادات المصرية والطعام ، ويذكر أحد زعمائهم أنهم يعانون اليوم من التفرقة ضدهم في إسرائيل ، فأبناؤهم كما قال لايظهرون أنفسهم على أنهم من القرائين عندما يكونون في الجيش، وغير ذلك من أمور،تجعلهم يعتقدون أنهم من الدرجة الثانية، وربما لهذا السبب هاجر بعضهم، منها حيث يوجد اليوم جالية كبيرة منهم في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي دول أخرى غيرها.

يحتوي الكتاب على 431 صفحة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-09-2015, 11:45 AM   #49

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي اليهود الحريديم

اليهود الحريديم
جعفر هادي حسن

كان اليهود في أوربا قبل عصر النهضة ، وقبل صدور مايسمى بقوانين تحرير اليهود يعيشون في "غيتوات" (مفردها غيتو)، وهي أماكن معزولة عن الشعوب التي يعيشون بينها. ولكن بعد صدور القوانين التي حررتهم من القيود التي كانت مفروضة عليهم من الدول الأوربية ، خرج الكثير منهم من هذه "الغيتوات" وانفتحوا على عالم جديد لم يعهدوه ولم يعرفوه ، وكانت ردود فعلهم مختلفة. فبعضهم أخذ يدعو أبناء جلدته إلى الإستفادة من القوانين الجديدة ، ومن ثقافة البلد دون الإندماج فيه ، وسميت هذه الحركة الهسكلاه(حركة التنوير). ودعا البعض الآخر منهم ليس فقط إلى الإنفتاح على المجتمع ، بل وإلى الإندماج فيه ، وكان بعض الداعين إلى ذلك قد تحولوا إلى المسيحية.

ورأى البعض الآخر من اليهود أن تجرى إصلاحات على الديانة اليهودية حتى تكون ممارستها سهلة على اليهودي ، الذي دخل مجتمعا حديثا، حيث يصعب فيه عليه تطبيق اليهودية بحذافيرها ودون إصلاح ، وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت الفرقة الإصلاحية وما تلاها . ولكن أخرين من اليهود أصروا على الإلتزام بالطريقة القديمة ، وعدم تغييرها واطلق على هؤلاء اسم " الأرثودكس" (وتعني أصلا الطريق الصحيح) تميزا لهم عن غيرهم.

وبمرور الزمن أصبح اليهود الأرثودكس مجموعتين رئيستين ، أطلق على إحداها اسم "الأرثودكس المحدثون" ، وكان مؤسسها الحاخام الألماني سمسون رفائيل هرش(ت1888م) ، الذي دعا إلى قبول الجديد ، شرط أن لايتدخل في الدين ولايؤثر عليه.(1)

وأصبح هؤلاء مذهباً متميزاً قائماً بنفسه في الوقت الحاضر ، وهم اليوم يأخذون بالكثير مما أنتجته الحداثة. ويطلق على المجموعة الأخرى اليوم صفة "الحريديم" بعد أن ظل اسم الأرثودكس يطلق عليهم لفترة طويلة . واصبحت هذه الصفة اليوم مستعملة في كثير من لغات العالم ومنها العربية. ويعيش اليهود الحريديم في أماكن كثيرة من العالم ، وكثير منهم يعيشون في إسرائيل ، ووجودهم لايقتصر على فئة أثنية واحدة ، بل منهم غربيون ومنهم شرقيون.

وكلمة "حريديم" التي هي جمع للكلمة العبرية "حريد" مأخوذة من الجذر "حرد" الذي يعني "أشتد خوفه، وارتعب"(من الله) ، وقد استعيرت كلمة "حريديم" من كلمة وردت في التوراة في سفر أشعيا 66/5 " اسمعوا كلام الرب أيها المرتعدون (هاحريديم) من كلمته ". ويبدو لي أن اليهود الحريديم ، هم الذين أطلقوا هذا على أنفسهم ، بعد أن كان يطلق عليهم أرثودكس إيحاءا بتشددهم ، وتمييزا لأنفسهم عن "الأرثودكس المحدثون". وتطلق صفة "الحريديم" اليوم على مجموعة اليهود الذين هم متدينون متشددون جداً في تدينهم ، أكثر من الأرثودكس الآخرين ويتميزون عن غيرهم من اليهود بخصائص اختصوا بها ، كما سنذكر ذلك. وسنستعمل كلمة أرثودكس في هذا الكتاب للمتدينين عامة ، وسنخصص عندما يكون هناك ضرورة للتخصيص.

ومنذ بداية ظهورهم رفض الحريديم الإنفتاح على الحياة الحديثة ، إذ يعتبرون الانفتاح مخالفا للتوراة ، وأنه يعني تخلي اليهودي عن دينه ويهوديته. وهم يستشهدون على مايقولون بما ورد في سفر الأحبار 26/37-38 " ويعثر الرجل بأخيه كمَن يهرب من أمام السيف وليس له مطارد ، ولا تكون لكم مقاومة في وجوه أعدائكم ، وتهلكوا بين الأمم وتأكلكم أرض أعدائكم" .

وهم يعتبرون احتفاظهم بخصوصيتهم وتميزهم عن الآخرين، من الواجبات التي فرضها عليهم الرب ، وهم يستدلون على ذلك أيضاً بما ورد في سفر الأحبار 20/26 "...وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي ". ويرون أن الخطوة الأولى في التغيير لابد أن تتبعها خطوات أخرى ، وهذا سيؤدي إلى تدمير الحياة اليهودية التقليدية ، ولذلك فإنهم يسكنون في أماكن خاصة بهم معزولة عن غيرهم ومقتصرة عليهم.

وأخذ هؤلاء يتهمون اليهود من دعاة الانفتاح على الشعوب ، والاندماج فيها بالتخلي عن دينهم ومعتقداتهم ، فحرم الحاخامون التعامل معهم ، والاجتماع بهم كما شدّدوا على الالتزام بالمسائل الدينية بتفاصيلها الدقيقة ، وكذلك بالعادات والتقاليد واعتبروا أغلب مايمت إلى الحداثة بدعة. ومن أقوالهم في هذا الخصوص ما قاله الحاخام الشهير موسى سوفر (ت 1839م) " إن الجديد محرم بنص التوراة " ، كما يستشهدون بعبارة وردت في التلمود تقول "إذا أصبح سلوك اليهودي هدفاً للهجوم ، فإنه يحرم عليه أن يغير حتى لون الخيط الذي يشدّ به حذاءه ". (2)

وقد اتبع الحريديم في أوربا عدة طرق للإبقاء على معتقدهم ، والحفاظ على نمط حياتهم وتقاليدهم وطريقة سلوكهم. فهم في الشتات منعوا ابناءهم من تعلم لغة البلد الذي يعيشون فيه ، او لبس اللباس الحديث أو الدخول إلى الجامعات ، وظلت اللغة التي يستعملونها هي "اليدش"(خليط من العبرية والألمانية القديمة وبعض السلافية).

وكان من هذه الطرق التركيز على مناهج تربوية تضم فقط تدريس الكتب الدينية ، إلا ما كان ضرورياً للحياة مثل معرفة مبادئ الحساب، وهم يعتبرون المواد غير الدينية لا قيمة لها ، بل منعوا تدريسها. وكان الحاخام نفتالي زفي يهودا برلين (ت 1893م) قد قال " إنه من الضروري الفصل بين الدين والدنيوي ، إذ ليس فقط أن القضايا الدنيوية ، التي تدخل في الدينية تجعلها غير مقدسة ، بل إنها تحول الديني إلى غير ديني وتفسده.(3) " ويعتبر الحريديم التوراة الحالية توراة موحى بها ومعصومة عن الخطأ ، ولذلك فإنهم يؤمنون بكل ماورد فيها، كما أن للتلمود أيضا قدسية رفيعة عندهم ، وهم يطبقون واجبات وممنوعات ، هي اليوم عندهم ستمائة وثلاثة عشر.

ومن التقاليد التي التزم بها الحريديم وميزتهم عن غيرهم ، هو اللباس الخاص بهم فالرجال عادة يلبسون بدلة سوداء من قفطان أسود طويل سميك في كثير من الأحيان ، ويضعون على رؤوسهم قبعة سوداء عريضة وتحتها قلنسوة – سوداء عادة ( تسمى كباه) ويلتزم الحريديم بلبس هذا اللباس على الرغم من قدمه. وهم كانوا قد تبنوه من أوروبا الشرقية ، حبث حثهم حاخاموهم على الالتزام به . ومن أقوالهم " إن على اليهودي أن يكون حذراً جداً ، حتى لا يسلك سلوك غير اليهود ، ويجب عليه أن ينفصل عنهم في ملابسه وعاداته الأخرى ".(4).

وكانت الحكومات الأوروبية في السابق تطلب منهم تغيير لباسهم هذا ، إلا أنهم كانوا يرفضون ذلك ، حتى أن أحد حاخاميهم اسحق مئيرالتر (ت 1816م) سجن في بولندا لعدم إلتزامه بقرار الحكومة البولندية بتغيير لباسه.(5) ويستعمل اليهود الحريديم للباسهم الحرير الخالص ، أو الكتان الخالص أو القطن، ولم يكونوا يلبسون الصوف خوفاً من اختلاطه بالكتان ، والخلط بين هذين ــ الذي يسمى بالعبرية شعطنز ــ ممنوع بنص التوراة .(6) وقد ورد النهي عن لبس هذا الخليط في سفر الثنية 22/11 بالنص التالي: " لا تلبس ثوباً خليطاً (شعطنز) من صوف وكتان معاً ". وهذا النهي هو نهي عام في اليهودية ، يشمل الرجال والنساء.

ولأن التحريم جاء في نص التوراة ، فهم يلتزمون به التزاماً دقيقاً ، ومن أجل التأكد أن اللباس لا يحوي هذا الخليط ، أنشأوا بعض المختبرات لفحص الملابس . وفي المختبر يفتح الرداء بحذر واعتناء من الأطراف المخيطة ، وبعد التأكد من أن اللباس خال من مادة خليطة ، توضع عليه علامة تدل على فحصه من قبل المختبر وصلاحيته للبس، وهم يعلنون عن وجود هذه المختبرات لأتباعهم ، كما يوجد حاخام مؤهل يشرف على هذا المختبر.(7)(وبعض الحريديم في إسرائيل اليوم لايلتزمون باللباس القديم).

ويضع الحريدي على جسمه أثناء الصلاة (صلاة الصبح) قطعة قماش "شال" تسمى " طاليت" ، مسدولة على الجسم من الرأس او من الكتفين ، وهي عادة ما تكون مصنوعة من صوف أو حرير، ويكون لونها أبيض وفي حواشيها لون أزرق (ولونا العلم الإسرائيلي مأخوذان منها). ويضع الحريدي على جسمه ملبوسا من قماش في حواشيه أهداب تسمى "صيصت" ويطلق اليهود على الملبوس نفسه "طاليت قطن" (الطاليت الصغير)، وقد نصت التوراة على وجوب لبسه في سفر العدد 15/37-39 حيث جاء فيه " وخاطب الرب موسى قائلاً كلّم بني إسرائيل ، ومرهم أن يضعوا لهم أهداباً على أذيال ثيابهم مدى أجيالهم ويجعلوا على أهداب الذيل خيطاً أزرق ، فيكون لهم هدباً ترونه ، وتذكرون جميع وصايا الرب وتعملون بها ".

ولابد أن يكون لهذا الملبوس زوايا أربع ، وهم يجعلونه على شكل مستطيل تكون في وسطه فتحة يدخل الرأس منها ، ويكون جانباه القصيران على الكتفين. ويطلق عليه أيضاً اسم " أربع كنفوت " (أربع زوايا). والحريدي يضع هذا الملبوس في النهار وليس في الليل-لأن التوراة قالت ترونه- .

والصيصيت لا تضعه النساء بل هو محرم عليهنّ ، وقد نُص على ذلك في كتاب شلحان عاروخ ( وهو كتاب في الفقه اليهودي يعتمد عليه الحريديم كثيرا) " لا يجوز للمرأة أن تضع صيصيت ، لأنه لا يجوز لها أن تنافس زوجها.(8) وهو عادة ما يوضع تحت القميص ، وقلة منهم يضعه فوقه ،وهم يخرجون الخيوط (الأهداب) عندما يلبسونه من تحت ملابسهم ، فتكون مدلاة مرئية للناس ، وهو أيضا التزام بما نصت عليه التوراة بوجوب رؤيته. وتكون مادة الصيصيت في الغالب من القطن أو "البولستر".

ويضع الحريدي من عمر الثالثة عشرة في صلاته ( صلاة الصبح) "تفلين" على جبهته ، (وهي نصوص من التوراة موضوعة في صندوق أسود من الجلد عادة، يحتوي على عبارات من التوراة ، ويتصل الصندوق بسيور الى اليد اليسرى).وهذا العمل هو التزام بما ورد في التوراة في سفر التثنية6/6-9 "ولتكن الكلمات التي أن آمرك بها اليوم في قلبك.......واعقدها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك.."

واليهود الحريديم لا يحلقون لحاهم ، وهم يطيلون جانبي شعر رؤوسهم ويجعلونه مثل الضفائر ، وتسمى هذه بالعبرية " فئوت " مفردها "فئه". وهم يلتزمون بذلك طبقاً لما ورد في نص التوراة في سفر الأحبار(اللاويين) 19/27 "ولا تحلقوا رؤوسكم حلقا مستديرا، ولا تقصوا عارضي لحاكم ، وخدشاً من أجل ميت لا تضعوا في أبدانكم، وكتابة وشم لا تضعوا عليها، أنا الرب. " وقد أكدت كتب فقهم على أن هذه الضفائر يجب أن تبلغ شحمة الأذن على الأقل، وأحياناً يطيلونها ، فتصل إلى خصر الإنسان. وعندما كانت الحكومات في بعض الدول الأوروبية ، مثل روسيا وهنغاريا ، تطلب منهم قصها لم يكونو يقصونها ، وفضلوا دفع الغرامة على قصها.(9) وهم في الغالب يحلقون شعر الأطفال كاملاً ، عدا الضفائر كل سنة من سن الثالثة من العمر، وأحيانا يكون هذا عند أحد المراقد الدينية،مثل مرقد الحاخام شمعون بار يوحاي .

ومن الأمور المهمة عندهم والتي يتميزون بها عن بقية اليهود ، هو الفصل الكامل بين الذكور والإناث منذ الصغر، فالأطفال ينفصلون من مرحلة رياض الأطفال كما أن الأطفال الذكور يضعون الكباه من هذه المرحلة ، كذلك لا يختلط الرجال بالنساء في الأماكن العامة ، أو في الكنيس أو في الأعراس أوغيرها. وهم يجلسون في هذه كل عل انفراد حتى في وسائل النقل تجلس النساء منفصلات عن الرجال وأحيانا يفصل بستارة بين الجنسين ، بل هناك حافلات خاصة أحيانا بكل جنس منهم .

ولاتعطى المرأة عادة مسؤولية في الحياة العامة ولا في الكنيس ( وقد بدأت بوادر بطيئة لتحسين حال النساء ، وقد تحدثنا عن هذا وعن نظرة الحاخامين إلى المرأة في دراسة عن الحركة النسوية اليهودية في كتابنا قضايا وشخصيات يهودية) . والزواج لايمهد له بتعارف الخطيبين بل يكون عادة بواسطة رجل يمتهن التوسط بين أهل العروسين ويسمى بالعبرية "شدخان"(وتعني الشخص الذي يتوسط) وهي عادة قديمة عند اليهود ، ويأخذ الشدخان أجورا على عمله ، وأحيانا تزداد الأجور بطول مسافة الطريق بين العائلتين.

وقد أكد حاخاموهم على أهمية الزواج ووجوبه، ومما قالوه في ذلك " إن اليهودي الذي ليس له زوجة ليس برجل، و لا يجوز للرجل أن يعيش دون زوجة ولا للمرأة أن تعيش دون زوج ".(10) .ويكون الزواج عادة في مقتبل العمر ، فالشاب يتزوج في كثير من الأحيان في حدود العشرين سنة من عمره بل أقل من ذلك. ويؤكد بعض حاخاميهم على أن يكون سن الزواج أقل من عشرين سنة حيث ورد عن أحدهم: " إن مَن يبلغ العشرين ولم يتزوج فإنه يقضي حياته في ذنوب ".

والبنت تتزوج عادة قبل أن تبلغ العشرين ، وأصبح هذا ثقافة وتقليداً يلتزمون به، ومن النادر أن يكون بينهم رجل غير متزوج أو امرأة غير متزوجة ، بل أصبحت النظرة إلى مَن يكون / تكون كذلك نظرة دونية. وغالبا ما يكون للعائلة أولاد كثيرون ، وليس من النادر أن يكون للشخص ثلاثة عشر أو أربعة عشر طفلا، وهم يعتبرون هذا الإكثار واجباً مقدساً التزاماً بما ورد في التوراة في سفر التكوين 9/1 " انموا وأكثروا واملأوا الأرض "، وكان الحاخامون قد حثوا على ذلك وشجعوا عليه.

ومن ذلك قول الحاخام والفيلسوف المعروف موسى بن ميمون (ت 1204م) " إن أحبارنا قد أوجبوا علينا أن لا نتوقف عن إنجاب الأولاد ما دمنا قادرين على ذلك ، وإن من أضاف حتى ولو مولودا واحدا إلى بني إسرائيل فكأنما بنى الدنيا كلها."(11) ، بل إنهم منعوا الشخص من أن يتزوج امرأة يعلم أنها عاقر.(12) وتثير كثرة الإنجاب عند هؤلاء حفيظة العلمانيين في إسرائيل وسخطهم ، لأن ذلك في رأيهم سيزيد من عدد أعضاء أحزابهم السياسية ، ويؤدي هذا في النهاية إلى منافسة الأحزاب العلمانية والتأثير على الحياة العامة ، والحصول على أموال أكثر لمؤسساتهم من الدولة ، إلى غير ذلك.

واطفال الحريديم عادة لايشاهدون التلفزيون ولايستعملون لُعب الكومبيتر ، بل إن الحريديم ابتدعوا لعبا خاصة بالاطفال ، تتعلق بتقاليدهم واحكام الدين وبزعمائهم ، والفائز لايحصل على نقود وانما تجتمع له حسنات عندما يفوز كما يعتقدون.وغالباً ما تحلق المرأة شعرها عندما تتزوج ، وبعضهن يقصِرنه بعد ذلك وبعضهن يحتفظن بالضفائر بعد قصهن للذكرى.

والحريديم يشددون على تحريم رؤيته ، فكشف المرأة لشعرها يشبه تعريها من ملابسها كما يقولون ، ولذلك تضع على رأسها غطاء رأس. وغطاء الرأس هذا يختلف من مجموعة إلى أخرى ،فبعضهن يستعملن غطاء للرأس أسود دون غيره ، وبعضهن يستعملن غطاء ملونا وبعضهن يضعن قبعة ، أو شعراً اصطناعياً ، وهو خاص بالمتزوجات، وبعضهن يلبسن قبعة فوق الشعر الإصطناعي ، وأحيانا يكون هذا الشعر مأخوذا من شعر طبيعي. ولكن بعض حاخاميهم يحذرون من ذلك بل ويمنعونه.( (13(لأنه يشبه الشعر الطبيعي). وتتميز المرأة الحريدية بلباسها المحتشم ، عندما تكون خارج البيت ، وبين فترة وأخرى يصدر حاخاموهم بيانات يؤكدون فيها على ضرورة الإحتشام في اللبس ، وعدم التهاون به. وحاخامو الحريديم لايحرمون على النساء لبس الزينة كالمجوهرات وغيرها.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض نساء الحريديم اليوم في إسرائيل، أخذن يتجهن إلى وضع براقع على وجوههن ، ويقلن إن ذلك واجب في الشريعة اليهودية إذ لايجوز للرجل أن يرى وجه المرأة الأجنبية. وبعض هؤلاء النساء يلبسن أكثر من ثوب (ثلاثة أو أربعة أو أكثر) كي لاترى هيأة أجسامهن . وقد بدأ هذا الإتجاه بامرأة حريدية واحدة، ثم تاثرت بعض النساء بها حيث ازداد عددهن(وربما يصل عددهن إلى بضع مئات) وأخذ ذلك يثير كثيرا من التساؤل والنقد خاصة عند العلمانيين. والكثير من نساء الحريديم يعملن ، خاصة في مجال التعليم ، ولكن في الفترة الأخيرة اصبحت المنافسة في هذه المهنة شديدة ، ولذلك بدأن يتجهن إلى أعمال أخرى. ولكن الحاخامين الكبار يحذرون النساء من العمل في مؤسسات غير حريدية.(14)

والحمام الشرعي(مقواه) جزء مهم في حياة الحريديم نساء ورجالا. فهو ضروري للمرأة وواجب عليها أن تذهب له لأداء الغسل فيه بعد انتهاء فترة دورتها الشهرية ، وكذلك تذهب بعد انتهاء فترة معينة من ولادة مولودها ، حيث يحرم عليها الإتصال بزوجها قبل أن تتطهر في الحالتين، وتذهب كذلك في بعض المناسبات الأخرى. ويكون غسل المرأة ارتماسا لكل جسمها ، ولايجوز أن يكون هناك مايمنع الماء من ملامسة الجلد حتى ولو شعرة من رأسها ، وللتأكد من ذلك تساعدها إمرأة مسؤولة تسمى"سيدة الحمام".(15)

أما بالنسبة إلى الرجال فهم عادة يغتسلون من أجل يوم السبت والمناسبات الدينية الأخرى وكذلك بسبب الإحتلام ، وبسبب مس الميت وغيره ممايعتبر غير طاهر ، أو بسبب أفكار خبيثة كما يسمونها تخطر على بال الإنسان. ويعتبر الحمام بالنسبة إلى الرجال مكانا إجتماعيا خاصة في ليلة السبت. ولأن الحمام الشرعي هو جزء مهم من حياتهم الدينية والإجتماعية ، فقد أنشأوا مؤسسة تعنى بالحمامات الشرعية. وفي هذه المؤسسة لجنة تشرف عليها ، وتتأكد من تحقق الشروط الشرعية بها، مثل طبيعة الماء وطهارته وكميته، وحجم الحمام ومقاسه إلى غير ذلك من أمور ذكرت في التلمود في قسم خاص يسمى "مقواءوت" الحمامات( الشرعية).

وتستعمل الحمامات أيضا لتطهير الأواني التي يشتريها اليهودي (من غير اليهودي) وهم يلتزمون بذلك طبقا لما ورد في التوراة في سفر العدد 31-22 ".. الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والرصاص أي كل شيئ يمكن أن يدخل النار فتمررونه في النار فيطهر غير أنه يتطهر بالرش وكل مالايدخل النار تمررونه في الماء". وقد وضع الحاخامون لهذا الطقس دعاء خاصا يقرؤه اليهودي عند غطس الأواني. وهو"مبارك أنت ايها الرب الهنا ملك الكون الذي قدسنا بفرائضه وأمرنا أن نطهر الآنية"، وهم يحذرون من استعمال الأواني قبل تطهيرها.

ومن عقائد الحريديم أن الإنسان ليس سيد نفسه ولاسلطة له على قدره ويرون بأن الله وحده هو الذي يسيطرعلى قدر الإنسان ومستقبله وهو الذي له السيادة عليه(16) وهم بهذا يؤمنون بجبرية القدر وأن الإنسان مسير لامخير.

ويعيش الحريديم في مناطق خاصة بهم معزولة عن غيرهم ، وهذا ينطلق من نظرتهم السلبية إلى العلمانيين ، وإلى عالمهم وأصبحت لهم اليوم في إسرائيل مدن خاصة بهم،وهناك صراع على بعض المدن بينهم وبين العلمانيين،وقد ذكرنا ذلك في دراسة سابقة . وفي الفترة الأخيرة أخذ الإسم حريدي لأومي (الحريدي القومي) يستعمل كثيراً للشخص الحريدي ويختصر أحياناً إلى "حردال" .

فئات الحريديم

وينقسم اليهود الأرثودكس –بصورة عامة- في نظرتهم إلى دولة إسرائيل إلى ثلاث فئات:

=الفئة الأولى تساند الدولة وتباركها وتعتبرها بداية خلاص اليهود ، وهؤلاء يسمون المتدينون الصهيون ، وأهم جماعة فيهم في إسرائيل ، هم أعضاء حزب المفدال (الحزب الديني القومي الذي انقسم على نفسه أخيرا). وهؤلاء تأثروا بآراء رئيس الحاخامين في فلسطين في عشرينات القرن الماضي الحاخام إبراهام كوك (ت1935م) ، الذي يعتبر رائد الصهيونية الدينية. ومن رأيه أن كل مَن يعمل في إسرائيل من أجل الدولة ، سواء أكان علمانيا أم حريديا ، يعتبر مشاركا في عملية التهيئة لظهور المخلص اليهودي.

وتعتبر هذه المجموعة العصر الحالي بداية الخلاص لليهود ، وأن الدولة اليهودية الحالية هي مظهر من مظاهره. وهم يقولون بأنه على الرغم من وجود نقائض في الدولة اليهودية الحالية في تطبيق الشريعة ، فإنها تعتبر الدولة اليهودية الثالثة وهي استمرار شرعي للدولة اليهودية المستقلة في الماضي.

ويقول الحاخام ليب ميمون " إن الخلاص كان منذ هجرة اليهود إلى فلسطين (أي قبل إنشاء الدولة) ، والآن نحن عشنا ورأينا إحياء الدولة ، ونملك بلداً أكبر من ذلك الذي ملكه الملك سليمان ، ولذلك أنا أعتقد بأن هذا ليس فقط بداية الخلاص ، ولكنه جزء مهم منه ". ولأن هذه الدولة هي دولة شرعية في نظر هؤلاء ، فهم متفانون في الدفاع عنها والمحافظة على بقائها والمشاركة في الحكم فيها. وهم يقولون إنما يقومون بذلك من أجل أن يحققوا ما يمكن تحقيقه من تطبيق الشريعة اليهودية ، يؤكدون ذلك بالقول " نحن نريد التقليل من ارتباط الدولة بالعلمانية " ، وهم يدللون على ذلك بمعارضتهم لبعض القوانين العلمانية.(17) ولأن هذا العصر في رأيهم بداية لعصر الخلاص ، فهم لايجوزون إطلاقا إرجاع شيئ من الأرض إلى الفلسطينيين ، والكثير منهم يطالب بطرد الفلسطينيين ، بل والتنكيل بهم وقتلهم.

=والفئة الثانية لا يرون في دولة إسرائيل دولة شرعية ، على الرغم من أنها حقيقة واقعة وواقع قائم ، و في الوقت نفسه لايتمنون زوالها. فهم لا يرون لوجودها أهمية دينية ، بل هم يعتبرونها دولة كبقية الدول، وكما قال أحد حاخاميهم أثناء الحرب العالمية الثانية وقبل إنشاء الدولة "إذا أنشئت الدولة فإن اليهود سيخالفون القسم الذي أقسموه(أمام الرب) ، بأنهم لايثورون ضد شعوب الأرض كما أنها ستكون شعبا بين شعوب الأرض ..وستكون دولة على أحسن الأحوال حكامها يهود ، وليست دولة يهودية".(18)

وبسبب هذه النظرة إلى إسرائيل فإنهم يتعاملون مع مؤسساتها في حدود الظروف والحالة التي يعيشونها ، على الرغم من أنهم لا يعترفون بها ، ولا بالصهيونية التي قامت عليها. فهي في نظرهم وسيلة إدارية وفنية لقضاء ما يحتاجون إليه من أعمال، وقد عبّر عن ذلك الحاخام إبراهام يشعياهو كالتزر بقوله: " إن هذه الدولة هي ليست نهاية عصر الظلام للشتات اليهودي ، وليست خلاصاً لهم ، بل إنها وسيلة فنية وإدارية ، كما أنها ليست ذات معنى أو أهمية، فهي ليست نجاحاً وليست كارثة وليس لها علاقة بالخلاص إطلاقاً ". وقال آخر " نحن نتلمس طريقنا في الظلام كالأعمى ، دون معرفة فيما إذا كان هذا العمل إيجابياً أو سلبياً. ويجب علينا أن نعترف بأننا لا نعرف طبيعة هذا الواقع ، وإلى أن نعرفه فنحن بحاجة إلى نبوة أو وحي إلهي".(19) .

وقال الحاخام إبراهام وينفيلد: " نحن أمام حقيقة وهي أن هؤلاء (الصهاينة) قد أنشأوا دولة ، وليس أمامنا حكم شرعي يجيز لنا أو ينهانا. وهذه المسألة قد حلت بالنسبة إلى الذين لا يؤمنون بالدين ، أما بالنسبة لنا فيجب علينا أن نكون على بينة من أمرنا نحو هذه الحقيقة التي واجهنا بها هؤلاء .. إذ أننا لا نجد في التوراة ولا في التلمود ولا الفسوقيم (علماء التوراة) وفتاواهم ما يبيّن لنا فيما إذا كان علينا أن نعترف بهذه الدولة أو لا ".

وهذه النظرة المحايدة مؤسسة على أن الدولة لم تنشأ على أساس ديني أي مقدس ولم تنشأ على أساس خبيث ، فوجودها ووضعها التاريخي لا يمثل عملية خلاص لليهود ولا يمثل كذلك عملية ضد الخلاص ، وهي في حقيقتها ظاهرة ليست من هذه أو تلك ، والناس هم الذين يختارون طريقها وقدرها ، أما الحكم الإلهي بالنسبة لها فهو متوقف. والفئة الثالثة هي الفئة التي تعارض وجود الدولة ، وتعتبرها دولة غير شرعية ، بل إنها تعوق وتؤخر ظهور المسيح المخلص. ويتمنى هؤلاء لو أن الدولة لم تظهر ولم تنشأ. وهذه الفئة مكونة من مجموعتين أساسيتين وهما "نطوري قارتا" (حراس المدينة) وبعض المجموعات الحسيدية وقد ذكرنا آراء هؤلاء في مكان آخر من هذا الكتاب.

فكرة النفي والإغتراب عند الحريديم

يعتبر الحريديم غير الصهيونيين أنفسهم في نفي ، حتى لو سكنوا في دولة إسرائيل على الرغم من الإنقاذ المادي ، وجمع الكثير من اليهود في هذه الدولة ، الذي صاحب ولادتها .

وكثيرا ماعبر الحاخام اليعازر مناحم شاخ الذي كان رئيس رؤساء اليشيفوت في إسرائيل عن ذلك فمما قاله في هذا الصدد: " إن الشعب اليهودي ما زال في نفي ، حتى قدوم المخلص " بل إن البعض منهم اعتبر نفيهم في إسرائيل نفيا استثنائيا ، وقدعبرعن ذلك الحاخام الحنان بونم ويسرمن بالقول: " إن الدولة اليهودية هي عبارة عن بداية نفي جديد لم يعرف مثله إنه نفي بين اليهود".

كما قال الحاخام موشيه بلاو: " إن النفي في أرض إسرائيل يفوق النفي في الدول الأجنبية فهو نفي مضاعف"، وإن عبارة سفر الأحبار (اللاويين) 26/33 "وأنتم ستتفرقون بين الشعوب" تبقى صحيحة وكذلك ما جاء في سفر التثنية 30ـ31" وسيأتي بكم من بين الشعوب " أيضا تبقى صحيحة ولكنها لم تتحقق" (20) .وهو يقصد هنا أن اليهود مازالوا في نفي على الرغم من جمع الكثير منهم في إسرائيل لأنهم لم يأتوا بعملية الخلاص. وقال الحاخام بنيامين مندلسون " إن ذنوبنا قادتنا لأن نكون في نفي في الأرض المقدسة ، في أيدي أناس غير متدينين " أما الحاخام فنحاس مناحم ألتر ، فهو يرى "أن أكثر أنواع النفي صعوبة هو النفي تحت حكم يهودي".

والنفي بالنسبة لهؤلاء ليس فقط نفيا جغرافيا ، بل هو يعني كذلك الغربة عن المجتمع الذي يحيط بالإنسان وسلوكه وثقافته ، وكذلك عن الحكومة ومؤسساتها العلمانية إذ أن الحكومة في إسرائيل لا تختلف في نظرهم عن أية حكومة غير يهودية.

ويقولون إن هذا النفي ليس شيئاً يشبه حالة جغرافية يمكن التغلب عليها بالهجرة والاستيطان وحده ، وهو ليس حالة سياسية يمكن التغلب عليها بالحصول على وطن قومي يتمتع بالاستقلال ، بل النفي هو حالة دينية وحالة ميتافيزيقية لأنه نفي الشكيناه (الحضور الإلهي) ، ولا ينتهي هذا إلا بعد أن يكون الوضع النهائي للبشر وللعالم وضعاً صحيحاً . فالنفي أولاً وأخيراً يمثل حالة عدم التخلص من الذنب بعد "فبسبب ذنوبنا نفينا من أرضنا، واليهود يغفر لهم فقط في حالة التوبة، فالمسؤولية التي تفرض على الشعب اليهودي ، هو التركيز على النشاط الديني والروحي فقط وليس على النشاط السياسي الدنيوي".

كما أن البعض منهم يأسى لوجود الدولة ، ويتمنى لو أن الشتات بقي مستمراً ولا تكون لليهود دولة ، إذ يرون فيه أمنا وضمانا لحياتهم أكثر من الدولة ، وهذا ما عبر عنه الحاخام اليعازر شاخ فقال: " إن الشتات هو أفضل لضمان اليهود من أن يجتمعوا في أرض واحدة . إن شتاتنا كان عدلاً (من الرب) ، وإن الله كان عادلاً مع اليهود حين فرقهم بين الشعوب، إذ يجب أن لا نكون في مكان واحد ، وبما أن المسيح لم يأت بعد ، فليس هناك ضمان (لنا) فنحن لا نعلم ماذا يحدث غداً. ويجب أن لا نقامر بحالة اختبرناها واطمأننا لها ، وإن التوراة وفرائضها هي التي أبقتنا لآلاف السنين .."

وهو يؤكد على أن الدولة (إسرائيل) لا علاقة لها بظهور المسيح ولا بالخلاص فهو يقول: "فالمسيح لم يأت وإن الواقع هو أن العالم يسير كالمعتاد ، وكل تعبيرات الخلاص والإشارة إلى الخلاص هي غير صحيحة قطعاً ، وهي خطرة على الشعب اليهودي . إن الواجب الأساسي على اليهود ، والضمان الوحيد لبقائهم هو التوراة ودراستها، فالتوراة سندنا في شتاتنا لألفي سنة دون أن تكون هناك دولة ، وهي كذلك كانت ضماناً للشعب اليهودي".(21)

واليهود الحريديم لايدعون لسلامة اسرائيل في كنسهم ، كما كانوا يدعون في الشتات للدولة التي يسكنون فيها ، ويقولون في سبب ذلك حتى لايفسر(مايقولونه) على انه تاييد للصهيونية .(22) كما انهم لايقفون عندما يعزف النشيد الرسمي للدولة(هاتكفا) وهم يقرأون صلاة بدل ذلك. وفي مؤتمراتهم الدولية في إسرائيل ، لايرفعون العلم الإسرائيلي وحده كما في مؤتمرات الصهيونيين ، بل يرفعون أعلام دول الوفود المشاركة على الحروف الهجائية.

بعلي تشوفاه(التائبون)

يطلق الاسم "بعلي تشوفاه" -وهويعني التائبين- على أولئك اليهود الذين يتركون حياتهم العلمانية السابقة ، ويتوبون عنها ويلتزمون بالدين التزاما متشددا ، ويصبحون من اليهود الحريديم. وأغلب هؤلاء التائبين ، هم من الشباب الذين اصبحوا جماعة متميزة بين اليهود معروفة عندهم. ويوجد أغلبهم اليوم في إسرائيل وإن كان منهم مجموعات في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما.

وقد بدأ هذه الحركة في نهاية الستينات من القرن الماضي-بعد حرب عام 1967- على يد حاخام أمريكي . وكانت بدايتها في إسرائيل ، حيث كان هذا الحاخام يركز في البداية على الشباب الذين يزورون إسرائيل ، وكان يذهب في القدس إلى أماكن تجمعهم عند حائط المبكى ، وعند مواقف الحافلات وغيرهما من الأماكن فيها ، فكان يتحدث معهم عن أهمية رجوع اليهودي إلى اليهودية ، والالتزام بها وممارستها. ثم بعد أن يقنعهم يأخذهم إلى اليشيفاه (مدرسة دينية) ، التي كانت قد زودته بها وزارة الأديان في حينها.(23). ويصبح الشاب طالباً من طلابها ، يعكف على دراسة الكتب اليهودية ويتعمق فيها.

وكثر عدد اليشيفوت (المدارس الدينية) لهذه المجموعة فيما بعد ، وكانت في البداية مقتصرة على الذكورثم بعد ذلك أصبحت للإناث يشيفوت خاصة بهن. وقد تحول بعض الشخصيات المعروفة في إسرائيل إلى بعلي تشوفاه ، وربما كان أشهرهم في سبعينات القرن الماضي "أوري زهر" النجم التلفزيوني الإسرائيلي والمخرج السينمائي السابق ، الذي أصبح حاخاما فيما بعد ، وقد أعطى تحوله إلى الالتزام بالدين دفعا قويا لبعلي تشوفاه ، الذين كثر عددهم فيما بعد. ومن هؤلاء إيتي انقري ، التي هي من اصل تونسي ، ومن المغنيات الاسرائيليات المعروفات وهي اشهر بعلة تشوباه اليوم ، وكانت قد تحولت في عام 2001م .

وكان أكثر اليهود الذين يصبحون "بعلي تشوفاه" في إسرائيل ، من اليهود الشرقيين ، وغالباً ما يكونون من خلفيات فقيرة. وقد فسر هذا على انه رد فعل لما يعانون. فالتشوفاه (التوبة) لدى هؤلاء ، هي احتجاج على المجتمع العلماني الذي يمثله اليهود الأوروبيون ، واحتجاج على سيطرتهم على المجتمع الإسرائيلي. وأصبح الكثير من هؤلاء يتحول على يد حزب شاس ، وهو حزب ديني لليهود الشرقيين .(24)

وبعد أن يبدأ "بعلي تشوفاه " حياتهم الجديدة يأخذون بالتركيز على القضايا الدينية في حياتهم ، التي تملأ فراغهم وتشغل وقتهم وتسيطر على تفكيرهم ، كما يختارون العيش ضمن المجتمع الحريدي، وهذا يترك لهم قليلاً من الوقت للتفكير في أشياء أخرى تحول اهتمامهم عن هذا ، خصوصاً وان "اليشيفاه" ومناهجها تتطلب ساعات طويلة من الدراسة والقراءة.

ومن القضايا التي لا يهتمون بها ، هي القضايا السياسية ، فهم ينظرون إلى السياسة على أنها موضوع غير أخلاقي ، وليس ذا معنى، ويقولون بأن الذي يهتم بالسياسة لا يمكن أن يخصص نفسه لدراسة الكتب الدينية. وهم يعتبرون أنفسهم نخبة المجتمع ، وعليهم مسؤولية تغييره وإرجاعه إلى اليهودية الحقيقية. ويعتقدون بأنهم أولى من غيرهم في هذا، حيث تأهيلهم أفضل وقدرتهم أكبر على إقناع اليهود بالتحول إلى الدين . إذ أنهم جربوا الحياة العلمانية وخاضوا غمارها وخبروا ظاهرها وباطنها ، فباتوا يفهمون عقلية الشخص العلماني وتفكيره ويعرفون كيف يقنعوه ويجلبوه إلى الحياة الحريدية.

بعلي تشوفاه واسرائيل والصهيونية

وعلى الرغم من أنهم لا يتدخلون في السياسة كثيرا ، ولا يشتركون فيها ولا ينشطون ، إلا أنهم لهم رأي في موضوع الصهيونية ، وفي إسرائيل كدولة. فالكثير منهم لايؤمنون بالصهيونية ، وقد عبروا عن احتقارهم لها والنفور منها. فبعضهم قال: " إن الصهيونية أبعدت اليهود عن دينهم ، وقامت على فكرة هي اليوم تنهار وخلفت دولة عفنة حتى العظم ، وهذه العفونة واضحة ، خصوصاً بين الشباب الذين رؤيتهم مضطربة ، وغير واضحة إذ لا يدرون لماذا ولدوا أو لماذا ولدوا يهوداً وما معنى اليهودية ".

وقال أحدهم: " اعتقادي بالصهيونية سلبي جداً ، لأنها قادت كثيراً من اليهود إلى العلمانية ، ولم تحقق ما وعدت به ". ومنهم مَن قال: " إن الصهيونية قادت إلى الانقطاع عن الله ، وهذا شيء مخيف ، كما وان العوائل التي عانت من مذابح النازية ، لابد وأنها كانت ضد الصهيونية ".

وقال آخرً: " إنّ الصهيونية تبعد اليهود عن جذورهم ، وتجعلهم ينسون اليهودية ويحرفون صورتها ". ومنهم من قال: " إن الصهيونية (حركة) ضد روح التوراة وهي تفسد الشعب اليهودي ".

وينظر هؤلاء إلى إسرائيل نظرة دونية تتسم بالاحتقار والرفض ، فهم لا يعترفون بها ولا يرونها دولة شرعية ، إذ في رأيهم ان الدولة العلمانية العلمانية اليهودية لايمكن أن تكون دولة شرعية ، حتى لو كانت في مرحلة انتقالية لتلك الدولة الشرعية.

وهم لا يرون أملاً ورجاءً في تحول هذه الدولة العلمانية عن علمانيتها والرجوع عنها. وعلى اليهودي أن ينسحب منها تماماً ولا يشارك في نشاطاتها. وهم يعبرون عن خيبة أملهم فيها ،حين ينظرون إليها كدولة محطمة للحياة الدينية ومعادية لها ومجحفة بحقها. وأغلب هؤلاء لايخدمون في الجيش الإسرائيلي ، ويفضلون الدراسة على الدفاع عن الدولة.

ويعتقدون بأن الجيش الإسرائيلي يسيء إلى الشباب ويفسدهم ، ويجب أن تلغى الخدمة في الجيش ، لأن الجيش ليس هو الذي يحفظ اليهود ، بل إن الله هو الذي يحفظهم إذا استمروا بالدراسة الدينية. ولما كان "بعلي تشوفاه" يقومون بمهمة الدراسة التي ترضي الله ، فهم إذن نخبة المجتمع اليهودي وصفوته كما يقولون، وعلى المجتمع أن يعفيهم من الواجبات ، حتى تتوفر لهم حياة هادئة مقتصرة على الدراسة الدينية والتعمق فيها والاستزادة منها.

وهم في نقدهم للصهيونية ورفضهم لها ، إنما يقتدون بآراء شخص يهودي يعتبرونه نموذجاً لهم ، وهو ناثان بيرنباوم توفي عام 1937م وهو يهودي من فيينا ، كان يدعو إلى القومية اليهودية وأنشأ صحيفة أسماها "قدماه"( إلى الأمام) تدعو إلى هذه القومية.

وبيرنباوم هو الذي أوجد إسم "الصهيونية" قبل أن يؤسس هيرتزل الحركة الصهيونية بسنين ، وهو يعتبر أيضا من المؤسسين للأيدلوجية الصهيونية وللحركة القومية اليهودية. وكان قد انضم إلى ثيودورهرتزل ، بعد أن أعلن عن الحركة الصهيونية وأصبح سكرتيرها العام. ولكن بعد المؤتمر الثالث للحركة الصهيونية عام 1899م ، تحول عن فكرة الصهيونية السياسية إلى التركيز على الإستقلال الثقافي لليهود. وقادته هذه الفكرة بدورها إلى التركيز على مراكز الشتات اليهودي. وكان يدعو إلى شتات يتمتع بحكم ذاتي ، ورفض الدعوة إلى إقامة دولة لليهود كما كان يريد أن تصبح "اليدش" لغة قوميه وليست العبرية. وكان يطوف على الجاليات اليهودية في أوروبا محاضراً ومتحدثاً. وطوال هذه الفترة لم يكن ملتزماً باليهودية كدين ، بل ولا بدين آخر أو اعتقاد آخر. وفي عام 1908م تحول إلى يهودي متدين ، وأصبح يؤمن بالدين اليهودي وتقاليده ، وانضم إلى جماعة "اغودات إسرائيل" الأرثودكسية ثم أصبح سكرتيراً لهذه المنظمة ومنظراً لها. وكان لا يكل من معارضة الصهيونية السياسية ونقدها ، واعتبرها فكرة تقضي على اليهود وتحطمهم، إلى جانب أنها ذات محتوى علماني لا رابطة له بالدين ولا واشجة له به كما قال.(25).

وهناك مجموعة أخرى من بعلي تشوفاه ، أقل عددا من التي ذكرناها ، فهي تؤمن بفكرة الصهيونية الدينية وليس السياسية. وأنشأت هذه المجموعة "يشيفوت" بعدما كثرت تلك التي هي غير صهيونية ، حين رأى بعض الحاخاميين ممّن يؤمن بالفكر الصهيوني الديني ضرورة انشاء يشيفوت تؤمن بهذه الفكر. فأخذوا ينشئونها على أساس من الفكر الصهيوني الديني. وكان قد أسس "اليشيفاه" الأولى التي تتبنى هذا الفكر حاخام اسمه دوف بيغون ، وهو اليوم حاخام مشهور ، وهي تسمى يشيفاه "ماخون مئير" ومقرها في القدس ، وهي تشجع الجنود على الدراسة فيها أثناء خدمتهم العسكرية. وكان دوف هذا من خريجي يشيفاه مركز هاراف (يشيفاه الحاخام أبراهام كوك) ، وهو يدّرس في مدرسته أفكار هذا الحاخام بشكل مكثف ، ويربطها بالتشوفاه ، وبمسألة الخلاص اليهودي ، وكذلك بقضية أرض الميعاد. وتؤكد اليشيفاه المذكورة على هذه الأفكار في منشوراتها وأدبياتها ، وعلى فكرة تميز اليهود ، وأنهم أناس اختارهم الله من بين البشر ، وعلى ضرورة الهجرة إلى أرض فلسطين، وأن هذه الهجرة تكون خطوة في طريق الخلاص . وهذا الحاخام نفسه يكتب وينشر هذه الأفكار، ويحث اليهود على الإعلان عن تفوقهم وأفضليتهم دون تردد ، وتوجد كتاباته هذه على الإنترنت. وتوسعت هذه اليشيفاه فأنشأت معهداً للبنات وبرامج خاصة للناطقين بالإنكليزية ، ولها فروع ستة على الأقل في إسرائيل في الوقت الحاضر ، وطلابها في ازدياد مستمر. وبمرور الزمن أسس آخرون عدداً من اليشيفوت على هذا النهج والنمط.

و" بعلي تشوفاه " الذين يؤمنون بالفكر الصهيوني ، لا ينظرون إلى الدولة كما ينظر اليها غير الصهاينة ، بل أنهم يعتبرونها دولة في مرحلة انتقال إلى الدولة الشرعية وهي تمثل عودة اليهود إلى وجود مستقل- وهو رأي الحاخام أبراهام كوك- ، ولذلك فأنهم يتعاملون مع بعض أوجه نشاطاتها. وهم كذلك يثمنون الجيش الإسرائيلي الذي يدافع عنها ، ولذلك نرى طلاب هذه "اليشيفوت" يخدمون فيه. ولما كانت إقامة المستوطنات اليهودية مهمة دينية في رأيهم ن فهم يشاركون في بنائها وإقامتها والتشجيع عليها.

وتقاليد الزواج عند " بعلي تشوفاه " هي نفسها التي عند اليهود الحريديم ، إذ أن الانفصال كامل بين الجنسين ، ولذلك فان الطريقة المتبعة في الزواج ، هي طريقة الزواج المرتب "الشدوخ" حيث يكون "الشدخان" هو الوسيط الذي ذكرناه سابقاً.

وغالباً ما يتزوج "بعل تشوفاه" من "بعلة تشوفاه" ، إذ الخلفية واحدة والسلوك نفسه ويساعد على هذا الزواج في كثير من الأحيان رئيس "اليشيفاه" وزوجته ، إذ هما يشرفان على التخطيط والترتيب. ويوجد برنامج عنوانه "على حدود النور" على راديو المتدينين اسمه القناة السابعة ، يتابع نشاطات بعلي تشوفاه ويذكر الأشخاص الجدد الذين ينضمون اليهم.(26) وقد أصبح "بعلي تشوفاه" اليوم جماعة مميزة ، ذوي سلوك خاص يبعدهم عن اليهود الآخرين ويعزلهم عنهم. وظاهرة التشوفاه مازالت مستمرة اليوم ، ولكنها في الوقت نفسه تثير قلق اليهود وتخيفهم ، لأنها في رأيهم تحدث انقساماً في العائلة اليهودية وتفتيتاً لوحدتها ، إذ ما إن يتحول الشاب من كونه علمانيا إلى كونه حريديا ، حتى ينفصل عن عائلته ويبتعد عنها ويسبب إرباكا لها .

مدارس الحريديم الدينية(اليشيفوت)

يعتبر اليهود الحريديم الدراسة الدينية ضرورية للإنسان اليهودي وواجبا فرضته الشريعة ، ولذلك فهم يشجعون عددا من أبنائهم عليها ، ويوجد اليوم عشرات الآلاف من الطلاب ، الذين يدرسون في مدارس دينية يشرف عليها وينظمها اليهود الحريديم. وتوجد هذه المدارس اليوم داخل إسرائيل وخارجها ، كما أن هناك اختلافات في طبيعة هذه المدارس وبرامجها التدريسية وعدد طلابها. وهذه المؤسسات قديمة عند اليهود تعود في أصلها إلى ماقبل الإسلام ، حيث كان يوجد عدد منها في العراق وفي فلسطين. وكانت اليشيفوت في العراق ، تعد أكثر أهمية واعتبارا وتاثيرا من تلك التي في فلسطين ، حيث كان اليهود عامة يعتمدون على فتاوى رؤسائها. ثم أنشأ اليهود فيما بعد يشيفوت في أوربا ، وبعض ماهو موجود في إسرائيل هو امتداد لها. والطلاب في هذه اليشيفوت في الغالب لايؤدون الخدمة العسكرية ، أو يؤجلون منها في إسرائيل.

وهي أحد مطالب الأحزاب الدينية في كل حكومة إسرائيلية تكون هذه الأحزاب جزءا منها، وأصبحت هذه من القضايا التي تثير الجدل والنقاش في الفترة الأخيرة بين يهود إسرائيل كما سنذكر .

ونحن هنا سنتحدث فقط عن يشيفوت اليهود الحريديم في إسرائيل. والمدارس التي يشرفون عليها هي عادة من ثلاثة مراحل

1- يشيفوت قطانوت (اليشيفوت الصغرى) وتبدأ دراسة الطلاب فيها بعد الثالثة عشرة من أعمارهم ، بعد أن يكون هؤلاء الطلاب قد درسوا شيئا بسيطا من الأساسيات غير الدينية قبل الدخول إلى هذه اليشيفوت. وتركز المناهج الدراسية في هذه اليشيفوت على التوراة وشرحها ، وكذلك يدرسون بعض الموضوعات المبسطة من التلمود ويستمر الطالب في دراسته هنا حوالي ثماني سنوات. وتكون هذه اليشيفوت تحضيراً لما هو أعلى منها. ولكن إذا اعتقد المشرف أن الطالب ليس له القابلية على الإستمرار حينئذ يوجهه إلى تعلم بعض المهن ، كأن يكون مساعد حاخام أو مشرفا دينيا أو يوجهه لتعلم بعض الحرف التي يتعلق بعضها بالدين أو يوجهه إلى التجارة. والذي له القدرة على الإستمرار فإنه يلتحق باليشيفوت الغدالوت (العليا أو الكبرى).

2- واليشيفوت الغدالوت يدخلها المتخرجون من الصغرى. وهؤلاء لا يدرسون غير المناهج الدينية بتوسعة وتفصيل خاصة الأدبيات التلمودية.

3- كولليم (وهي تعني حرفياً عام، مشترك) وهذه اليشيفوت خاصة بالطلاب المتزوجين وتقتصر عليهم. والدراسة فيها هي دراسة متقدمة كما في اليشيفوت الغدالوت وقد يستمر الطالب فيها لخمس عشرة سنة أو أكثر. والدوام في كل هذه المراحل هو دوام كامل، ولغة التدريس في هذه اليشيفوت هي غالباً ما تكون "اليدش". وأثناء دراسة هؤلاء تحصل الزوجة على عمل لمساعدة الزوج على الإستمرار في دراسته إذ كثيرا ماتكون المساعدة من الدولة وغيرها غير كافية. والطلاب في اليشيفوت المتقدمة ، لا يجلسون في فصول ، وإنما يجلسون عادة زوجاًَ زوجا في قاعات كبيرة يدرسون ويتناقشون بصوت عال ، وهم يقولون إن هذا الصياح واللغط يساعدهم على التعلم ولا يعيقهم. وهؤلاء الطلاب وإن كانوا عموماً يلبسون لباساً أسود إلا أن هناك اختلافات جزئية في الملابس بين الجماعات الحريدية التي تعود لها هذه اليشيفوت.

وهذه الاختلافات باللباس تميز كل جماعة عن غيرها ، كالاختلاف في شكل القبعة مثلاً. ويكون معدل ساعات الدراسة 15 ساعة يومياً تبدأ في الغالب بعد صلاة الصبح. وبسبب هذه الساعات الطوال ، فإن هذه المدارس تعتبر مكانا لحياة إجتماعية مهمة لهم ، خاصة وأنه ممنوع عليهم ارتياد السينما والمسرح وغيرهما. والمسؤولون يفرضون على طلابها قيوداً كثيرة في سلوكهم، ومن أجل ضمان السلوك الذي يتفق ومعتقدهم ، فإنهم يعينون شخصاً مهمته الإشراف الروحي والأخلاقي ويسمى "مشجيح" وهي تعني "مفتش/ مشرف" ، وهو يلتقي طلاب اليشيفوت مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع ، يحثهم على الالتزام بالقضايا الأخلاقية ، وكثيراً ما تضم دروسه التي يلقيها عليهم نقولاً واستشهادات من التوراة والتلمود والكتب الأخرى.

3-وأشهر يشيفاه بين هذه اليشيفوت في إسرائيل هي تلك التي كان يرأسها الحاخام المشهور اليعازر شاخ وتسمى "بونفزه". وهي يشيفاه مشهورة في عالم اليهود ومقرها في مدينة "بني برق" وهي كانت سابقا في ليثوانيا، ومن يتخرج منها يعتبر متميزا ويصل عدد طلاب هذه اليشيفاه عادة أثناء الدراسة إلى مايقرب الف طالب. وبعض اليشيفوت تؤكد على أن يصحو الطالب من النوم فجراً لأداء شيء من العبادة ، وبعضها يشجع على الاغتسال في الحمام الشرعي كل صباح.

والبعض الآخر يشجع طلابه على قضاء ساعات الفجر في التأمل على انفراد ، مثل اليشيفوت الخاصة بجماعة "براسلاف" الحسيديم، فهؤلاء تأخذهم الحافلة فجراً إلى خارج المدينة ، وتنزل كل واحد منهم في مكان لوحده في حقل من الحقول ، ثم تعود إليهم عند طلوع الشمس لتأخذهم إلى حيث يدرسون. وتتبع هذه الجماعة في هذه الممارسة تعاليم مؤسسها وزعيمها الروحي نحمان براسلاف (ت 1811م) بهذا الخصوص ، إذ نص في كتابه ليقوطي موهران " إن العزلة هي أعظم المنافع وأحسن الفضائل. ويجب أن يخصص لها الشخص ساعة أو أكثر، يكون لوحده في غرفة أو حقل يناجي ربه ويتضرع إليه ، ويتوسل به ليجعله قريباً منه ."(27)

وهذه اليشيفوت إضافة إلى أنها لا تدرس العلوم الحديثة ، فهي لا تدرس اللغة العبرية ولا الأدب العبري ، بل لا يدرَس فيها حتى التاريخ اليهودي. وهي تسير على النظام والنهج نفسه الذي كانت تسير عليه سابقاتها في أوروبا من دون تغيير كبير.

وقد حاولت الحكومة الإسرائيلية لسنوات أن تدخل في مناهج هذه اليشيفوت بعض الموضوعات الأساسية مثل الرياضيات والقواعد وبعض العلوم الأساسية ، ولكن المشرفين على هذه اليشيفوت يرفضون تدخل الحكومة في تغيير مناهجها على الرغم من أن الحكومة هي التي تمدها بالأموال وبدونها لايمكن لها أن تستمر. وكان الكنيست قد أقر قانونا عام 2008م يستثني المؤسسات التربوية ، التي لها تميز ثقافي من تطبيق المناهج الأساسية التي تطبق في المدارس الأخرى . وهذا القانون يحميها من تدخل الحكومة فيها مع استمرار المنح والمساعدات المالية لها وبعد صدورهذا القانون ، فإن أي تغيير في المناهج يحتاج إلى قانون آخر لأنها تعتبر متميزة ثقافيا. وقد أثيرت قضية المواضيع الأساسية مرة أخرى هذه السنة(2010م) بعدما قدم بعض الشخصيات السياسية والعلمية طلبا إلى المحكمة العليا بإيقاف مساعدة الدولة المالية للمدارس ، التي لاتدرس المواضيع الأساسية والمقصود بذلك هو اليشيفوت.

وقال هؤلاء إن عدم تدريسهم هذه المواضيع هو مخالفة لحقهم المضمون لهم بالدستور ، إضافة إلى أنه يحرمهم من أساسيات حياتية ومن الإندماج في المجتمع، ولايوجد بلد ديمقراطي يدعم مثل هذه الحال ، حيث تكون مؤسسات تربوية كثيرة خارج إشراف الحكومة ، ولاتدرس المناهج التربوية الحكومية ، ومع ذلك ترفدها الحكومة بالمال وتمدها بالمساعدة.(28). . ومن هذه اليشيفوت يتخرج حاخامو هذه المجموعة وقضاة محاكم الحريديم والقصابون والخاتنون الشرعيون وكتّاب التوراة أو معلمين لمدارس الأطفال بعد تدريب خاص.

ولهذه اليشيفوت مجلس يجمعها يسمى"مجلس اليشيفوت الإسرائيلي" ، وهو مسؤول عنها أمام الحكومة ، وهي تقدم كشفا بعدد الطلاب ، كي تحصل على مساعدة الحكومة. وعلى الرغم من أن الحكومة تكتشف تزويرا بين فترة وأخرى في الأعداد التي يقدمها الحريديم ، كتقديم طلاب يدرسون بدوام كامل ، ولكن يتبين أنهم يعملمون بدوام جزئي ، او يدعون أنهم مرضى ولكنهم أصحاء ، فالحكومة مستمرة بتقديم المساعدة الكبيرة لهذه اليشيفوت. وهذه المساعدة هي المصدر الرئيس لهذه اليشيفوت ، وتمنح الحكومة هذه المدارس أموالاً كثيرة ، حيث تصرف إلى الطلاب رواتب معينة تصل أحيانا إلى 100% من ميزانيتها، وقدرت الموازنة لمؤسسات هؤلاء في السنتين الأخيرتين من حكم حزب الليكود في تسعينات القرن الماضي ببليون شيكل في السنة. يضاف إلى ذلك ، أن هناك بعض الأثرياء اليهودـ حريديم وغير حريديم ـ من أمريكا وكندا وغيرهما ، يتبرعون أو يقرضون أموالا دون أرباح لمؤسسات هؤلاء لإنفاقها على السكن ، أو على الزواج أو غيرهما. حتى قيل بأنه ليس هناك شخص من اليهود الحريديم في إسرائيل لا يحصل على مساعدة. والدولة لاتنفق على من يعمل من هؤلاء ولكنها تجبر من تكتشف انه يعمل على الخدمة في الجيش .

طلاب المدارس الدينية والخدمة العسكرية

من القضايا التي تثير الجدل في إسرائيل ، هو إعفاء أو تاجيل الغالبية العظمى من طلاب اليشيفوت الحريدية من الخدمة العسكرية ، وكانت إسرائيل قد أقرت هذا منذ إنشائها. وكان رئيس الحاخامين آنئذ اسحق هرتزوغ – وهو والد هرتزوغ رئيس الدولة الأسبق - قد كتب رسالة إلى رئيس الوزراء جاء فيها " إن اليشيفوت تحتاج إلى عناية خاصة لأنها البقية الباقية من مؤسسات التوراة بعد مذبحة النازيين لليهود. إن روح الشعب اليهودي ذاتها متوقفة على بقاء هؤلاء الطلاب.
فإذا انشغلوا ولو بتعبئة بسيطة فإن الاضطراب سيقع بينهم " وكان أول تأجيل لهؤلاء عام 1948م أثناء الحرب العربية الإسرائيلية ونص القرار على التالي "لقد صدر قرار بأن يستثنى طلاب اليشيفوت من الخدمة العسكرية. والطلاب القادرون يتدربون في أماكن دراستهم على الدفاع عن النفس ، وهذا القرار بأمر الكنيست وسيبقى نافذ المفعول حتى نهاية السنة" .وفي عام 1949 أصدر بن غوريون قرارا-بصفته وزيرا للدفاع إلى جانب كونه رئيسا للوزراء- بتمديد الإعفاء من الخدمة العسكرية .وفي عام 1951م أصدر قرارا آخر جاء فيه " قررت أن أعفي طلاب اليشيفوت من الخدمة العسكرية الإلزامية ، وهذا القرار ينطبق فقط على الطلاب المستمرين في دراسة التوراة في اليشيفوت"(29) .وهو مازال نافذ المفعول إلى اليوم ، على الرغم من كل المحاولات لإلغائه أو تغييره.

ولا يعرف على وجه التحديد سبب هذا الإعفاء ، ولكن الذي يبدو أن هذا الإتفاق كان في مصلحة الجانبين. إذ كان بن غوريون يحتاج الى تأييد الحريديم ، وكان هؤلاء لايريدون ان يخدم شبابهم في الجيش خوفا عليهم من الفساد. وكان بعض السياسيين العلمانيين وقتئذ – مثل إسرائيل يشعياهو اليمني الأصل – يعتقد بأن اليهود الحريديم سوف لا يكون لهم وجود خلال خمس وعشرين سنة ، وحتى بن غوريون كان يعتقد ذلك. لذلك كان الظن بان التأجيل سوف لن يثير مشكلة فيما بعد.

وربما كان السبب لذلك هو أن طلاب هذه اليشيفوت كانوا في بداية وجود الدولة لا يزيد عددهم على بضع مئات، لكن بمرور الزمن وعلى عكس ما كان يظنه الآخرون ، فإن عدد هؤلاء الطلاب ازداد وتضخم حتى وصل إلى عشرات الالاف اليوم ، وهو في ازدياد مستمر. وتحدث اسحق شامير رئيس الوزراء الأسبق مرة حديثاً خاصاً ذكر فيه بأنه لا يمكن أن يتحمل نظام التأجيل لطلاب اليشيفوت من الجيش. وقال بأن هذه قضية مؤلمة ، ومؤلمة جداً "ومع ذلك فأنني لم أتمكن من تغييرها" وعندما قيل له بأن عدد الطلاب قد ازداد أيام رئاسته للحكومة قال " إنني لم أزد العدد وإنما هم يتكاثرون ".

وأصبحت قضية تأجيل طلاب اليشيفوت تثير الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، والناس معاً. فكثيراً ما تثار هذه القضية في الكنيست وتناقش نقاشاً حاداً. وقد كانت هناك محاولات في دورات الكنيست المختلفة لتأجيل هؤلاء الطلاب لفترة أربع سنوات فقط ،ولكن هذه المحاولات فشلت ، بسبب ضغط الأحزاب الدينية. ثم كانت هناك محاولات لإيقاف المساعدات للمؤسسات الدينية ، لكنها أيضاً كانت محاولات فاشلة. ومن هذه المحاولات ما أعلنه رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بقوله" إن الوضع الذي يبقى فيه الحريدي لايخدم في الجيش ويتسلم أموالا من الحكومة ، هو وضع ليس فيه عدالة ويجب أن يغير".(30) ولكن إيهود باراك لم يتمكن من تغيير الوضع.

ومن جانب آخر فإن زعماء الحريديم ورؤساء اليشيفوت ، يهددون بالطرد كل من ينضم إلى الجيش من الطلاب. وهم يحتجون بان دراستهم الدينية ، هي أهم من الخدمة في الجيش ، بل هم يقولون إن مايصيب اليهود من اشياء مفيدة لهم ، انما هو بسبب هذه الدراسة ، وكذلك الذي يصيب سكان اسرائيل. وان مساندة الدارسين تعني مساندة الرب الذي جعل اسرائيل تنتصر بحروبها ، وهذا ياتي من نظرة الرب لليهود بعين الرحمة كما يقولون. ويعتقدون ايضا بان دراستهم الدينية هي أفضل من الصلاة والصدقة والأعمال الخيرية الأخرى. وانه بسبب هذه الدراسة يكون من الممكن للدارسين وعوائلهم ولليهود الآخرين أن يدخلوا الجنة. ويدعي الحريديم بأن الدراسة الدينية هي التي تمنع العدو من الإعتداء والإنتصارعلى إسرائيل ، وان طلاب الدراسة الدينية لا يختلفون كثيرا عن الدبابات والصواريخ. ويقولون ان كل من يدرس هذه الدراسة ليس عليه مسؤولية اجتماعية ، وليس عليه أن يعمل من أجل الحصول على الرزق.(31)

ويدافع الحريديم عن تأجيل طلاب اليشيفوت بقولهم أنه لا يمكن أخذ شاب عمره 18 سنة إلى الجيش ثم بعد ذلك تبقى عنده الممارسة الدينية نفسها. إذ أن الجيش يؤثر عليه فيجعله لا يصلي الصلاة نفسها ولا يقول البركات نفسها على الأكل ولا يكون عنده الوقت الكافي لدراسة التوراة. إن الغرض من الدراسة في اليشيفوت ليس غرضاً أكاديمياً ، وإنما الهدف النهائي للدراسة هو تخريج علماء توراة يخصصون حياتهم للدراسة الدينية ، والالتزام بالفرائض وتطبيقها. ولا يمكن أن يصبح عالم توراة إذا أخذ منه سنتان أو ثلاث من حياته، وأي إلهاء للطلاب بشيء آخر سوف يؤثر على التقدم في الدراسة والتقوى. واضافة إلى اعتقادهم هذا فانهم يعتقدون بان دخول أبنائهم إلى الجيش سيفسدهم ويقضي على التزامهم الديني.
ولذلك يرون أنه من الواجب على الدولة أن تنفق عليهم. بينما يقول العلمانيون إنه ليس من العدالة أن يقتل بعض الجنود في غزة ، أو في لبنان أو في الضفة الغربية ، بينما بعض الشباب جالس في اليشيفاه وراء نسخة من التلمود.

وقال الكاتب الإسرائيلي المعروف إبراهام يهوشوع مرة في ندوة للحوار الديني العلماني " إن الاختلاف بين العلمانيين والمتدينين اليهود يمكن تحمله لو أن المتدينين شاركوا في الخدمة العسكرية. ولو حصل هذا وأزيلت هذه العقبة ، فإنه بالإمكان أن يكون هناك حوار بين الجماعتين ". وقد كان لهذا الكلام رد فعل لدى المتدينين، وقالت صحيفة " هامحنه هاحريدي " الأسبوعية ، التي تصدرها إحدى الجماعات الحسيدية " إن هناك واجباً على طالب اليشيفاه أكثر من واجب الدراسة والتأجيل من الخدمة في الجيش ، وهو أن لا يختلط بالمرتدين الذين ينشرون جرائم الفساد التي تسمم الروح اليهودية ". وقالت كذلك " إن سماع مثل هذا الكلام من فم نجس يكون رد الفعل الأول له ، أنه لهذا السبب وحده يجب أن يبقى نظام التأجيل – من الخدمة العسكرية – حتى يمنع أي حوار أو تقارب مع أعداء مثل يهوشوع. وإن الوضع الحالي يجب أن يبقى كما هو من دون تغيير أو تعديل ".

وذكرت مرة جريدة "يتدنئمان" عام 1988م، التي يشرف عليها الحاخام المعروف اليعازر شاخ "إن الذين يدعون لتجنيد طلاب اليشيفوت هم من أحفاد العماليق ويجب محاربتهم حرباً حقيقية بل يجب قتلهم"(والعماليق كما تذكر التوراة كانوا أعداء العبرانيين عندما كانوا في التيه يلاحقونهم ويعتدون عليهم). وقال أيضا عند مجيء حكومة رابين " إذا غيرت الحكومة نظام التأجيل لطلاب اليشيفوت فإنه سيطلب من طلابه الهجرة "

وقد زار اسحق شامير مرة وحدة "نحل" – التي يخدم طلابها في الجيش – فجاءت على لسانه عبارة قالها علناً وهي قوله: " إن اليشيفوت يجب أن تكون كلها مثل هذه ". ورحبت الصحف اليسارية واليمينية العلمانية بهذا الكلام. اما المتدينون فانهم غضبوا من هدا التصريح وانتقدوه فسحب الأخير تصريحه. كما رد الحاخام اليعازر شاخ على تصريح شامير بقوله: " في حال تمرير قرار ديكتاتوري ضد اليشيفوت ، فإنه سوف لا يبقى طالب واحد في هذا البلد. ومن دون دراسة التوراة سوف لا يكون هناك شعب يهودي. إنني شيخ يهودي وضعيف الجسم ، ولكني أقول إذا جاء اليوم وشرع قانون ضد عالم اليشيفوت فإني سأرفع يدي وأعلن " إذا نسيتك يا أورشليم فلتشل يدي اليمنى" إنّ ابناء التوراة (طلاب اليشيفوت) سوف لا ينسون أرض إسرائيل ، لكنهم سيهاجرون وينفون أنفسهم من أجل أن لا ينسى شعب إسرائيل التوراة".

ويعزى تذمر العلمانيين اليهود في الوقت الحاضر إلى أسباب عدة ، منها ازدياد عدد طلاب اليشيفوت وظهورهم أمام الناس بكثرة. والسبب الآخر هو زيادة المسؤولية على الجنود الاحتياط منذ حرب تشرين الأول (أكتوبروعزّز من هذا الأمر أحقاد الجنود الذين يخدمون في الجيش ضد أولئك الذين لا يشاركونهم في الواجبات من طلاب اليشيفوت. وأصبحت العبارة التي تقول بأن طلاب اليشيفوت ، إنما يضحون بأنفسهم من أجل تعلم التوراة مصدراً من مصادر التندر ، التي يتناولها الناس بالحديث بكثرة وموضوعا للمزاح بينهم ، خاصة بين العلمانيين منهم. ومن الأسباب التي تثير الناس كذلك ، الأموال المخصصة من خزينة الدولة للأحزاب الدينية ، التي تذهب حصة كبيرة منها للإنفاق على طلاب في هذه المدارس. ويقول المنتقدون لطلاب اليشيفوت كذلك أنهم يقبلون في هذه المدارس ، حتى لو كانوا في منتهى البلادة. إذ أن الواحد منهم إذا رفض من مدرسة يشيفاه جيدة ، فإنه يذهب إلى اقل منها ، وإذا رفض من هذه فإنه يذهب إلى أخرى أقل منها ، وهكذا إلى أن يُقبل في واحدة منها.

وقسم من هؤلاء الطلاب ليس لهم رغبة في الدراسة الدينية ، ولا يهتمون بها لكنهم يقبلون في هذه اليشيفوت إما لأنهم من عوائل غنية تساعد اليشيفاه مالياً، أو لأنهم من عوائل دينية لا يرد لها طلب من قبل اليشيفاه ، لأن الخيار الآخر لهؤلاء إذا لم يقبلوا هو الدخول في الجيش ، والخدمة فيه وهذا ما لا يريده لهم مسؤولو اليشيفوت، ولا يريده الطلاب كذلك.

ومما يزيد الطين بلة في نظر الناقدين أن طلاب اليشيفوت غير الصهيونية ، يربون على فكرة أن دولة إسرائيل ، هي دولة غير شرعية ، وأنها كبقية الدول الأجنبية بالنسبة إلى اليهودي ليس لها قدسية على الإطلاق. وان اليهود يعيشون فيها في نفي وشتات ، كما يعيشون في الدول الأخرى كما ذكرنا. وعندما سئل طلاب اليشيفوت عن سبب عدم الخدمة في الجيش أجاب 60% منهم بأنهم لا يخدمون لأنهم لا يعترفون بالدولة ، كما أن حاخاميهم الكبار، مثل الحاخام شاخ، لا يترددون في الإعلان عن هذا الرأي والإفصاح عنه ، بل أنهم ينتقدون أولئك الذين يعتبرون دولة إسرائيل دولة شرعية لليهود أو بداية دولة شرعية.

وقوانين الشريعة اليهودية (الهلخا) عند هؤلاء ، هي فوق قوانين الدولة ، بل وأهم منها ولذلك فإنهم لايعتبرون الخدمة العسكرية ملزمة لهم ، وقد عبّر عن هذه الفكرة أحد حاخاميهم حين قال: " إنني أنتمي إلى الدولة في كل شيء لا يتعارض مع الهلخا. فإذا تبنت الكنيست قانوناً يناقض الهلخا ، فإني اعتبر نفسي ملزماً بالهلخا وليس بقانون الكنيست. إذ أنني لا أخضع لقانون يشرع من قبل 120 عضواً في الكنيست. ولذلك فإن قانون الخدمة العسكرية ليس ملزماً لي باية صورة من الصور ، لأن الأولوية للهلخا التي وضعها عظماء التوراة ".

وقد انشأ العلمانيون منظمة باسم" هيتوريروت" (صحوة) ، هدفها الضغط على الحكومة لادخال الحريديم في الجيش ، وكان أول عمل قامت به، هو دعوة الناس إلى المساهمة في جمع مليون توقيع . وقد وضعوا على ورقة العريضة عبارة كفى استغلالا وتفرقة وابتزازا. كذلك هم يوزعون منشورات ، ويضعون طاولات في أماكن رئيسة يوقفون الناس عندها ويحدثونهم عن ضرورة خدمة الحريديم في الجيش. وكانوا يلصقون على الخلف من السيارات عبارة "شعب واحد وتجنيد واحد".

ومنذ العام الفين أخذ هؤلاء يقومون بالإضراب عن الطعام، بين فترة واخرى. كما أنهم كانوا يضعون خيمة للإحتجاج أمام رئاسة الوزراء.(32). ويبدو أن الحكومة بدأت ترضخ لمثل هذه المطالب والإحتجاجات من قبل العلمانيين. وشرع قانون سمي قانون "تال" ( على اسم زفي تال رئيس اللجنة) يكون نافذ المفعول لبضع سنوات ، وقام الجيش بحملة لإقناع بعض الشباب من خلفيات دينية وتكوين وحدات خاصة بهم أطلق عليها يشيفوت نحل(وكلمة "نحل" مختصر للاسم العبري "نُعرحلوصي لحم" (وتعني الشاب الرائد المقاتل). وهذه اليشيفوت إضافة إلى الدراسة الدينية ، فهي تدرس العلوم الزراعية إلى جانب التدريب العسكري ، وبالاتفاق مع الجيش فإن الطالب يدرس فيها خمس سنوات يتدرب خلالها على الجندية ، ويؤدي خدمة الاحتياط كذلك.ويكون الحريديم نسبة قليلة من هؤلاء المتدينين.

ويؤكد الجيش أن الشباب الحريديم ، الذين ينضمون إلى هذه الوحدة الخاصة ، هم ليسوا من الطلاب الدارسين وإنما هم عادة من الفاشلين في حياتهم لسبب من الأسباب ، وأن آباءهم هم الذين يحبذون إدخالهم في الجيش ، حيث تكون الفرصة الأخيرة لإصلاحهم. وبعض الحاخامين أيضا يشجعون على ذلك ، لأن بقاءهم على حالهم قد يقودهم إلى أن يكونوا مجرمين أو يتحولوا إلى علمانيين.

وكانت أول وحدة قد بدأت عام 1999م بثلاثين شابا ، وازداد عدد هؤلاء اليوم حتى تجاوز الألف. ويرى العلمانيون ، إن العدد الذي التحق بالجيش ، هو قليل جدا منذ تشريع القانون قبل سنوات. وقد مددت الحكومة القانون لسنوات أخرى ، ويحذر الحريديم ابناء جلدتهم من الانضمام الى هذه المجموعة. وتصف منشوراتهم التي يوزعونها في مدينة "بني برق" أن الإنضمام اليها ، هو هولوكست روحي ، وانه انتحار الى غير ذلك من عبارات التحذير(33) ، بل إن بعض الحريديم أخذوا يعتدون على هؤلاء الشباب.

ومن جانب آخر تقوم منظمة "منوف" التي تدافع عن الحريديم بنشر معلومات تردّ فيها على مايذكره العلمانيون وتكذّب اتهاماتهم للحريديم. حيث نشرت كراسا جمعت فيه أقوالا لسياسيين وصحافيين وعسكريين ، تؤكد نصوصه بأن طلاب اليشيفوت لا يحتاجهم الجيش ، منها مانقل عن اسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بأنه قال "إن هناك بطالة مبطنة في الجيش وفيه كذلك فائض من الشباب". وكانت اللجنة التي عينها رابين للنظر في الأمر ، اقترحت أن يكون هناك تقليل لعدد الضباط ، وكذلك أيضا التقليل من الإحتياط. ويذكر الكراس ، أن هناك الكثير من العلمانيين الذين يتهربون من الجيش ، ولا يخدمون فيه طبقا للإحصائيات ، وهم لايقومون بشيئ مفيد كما يقوم بذلك الحريديم . ويقول الحريديم في الدفاع عن أنفسهم أيضا ، لوكنا ندعى لشيئ مفيد لقمنا به.(34)

ويقولون كذلك إن الحريديم لايؤذون أحدا في عدم خدمتهم في الجيش،وأن على العلمانيين قبل أن يتهموا الحريديم بذلك ، أن ينظروا إلى الإحصاءات التي تقول ، إن الشباب الذين يجب أن يخدموا في الجيش ، يتناقص عددهم بمرور الزمن ، وهم عندما يتخلفون لايقومون بعمل مفيد. وقد وجدت لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي في التسعينات من القرن الماضي بان ثلث من يدعى إلى الخدمة العسكرية يعفى منها بسبب الحالة الصحية ، أو لأسباب أخرى وأن ربع هؤلاء فقط هم من الحريديم .(35)

وفي استطلاع أجري عام 2002م وجد أن نسبة كبيرة من الذين تجب عليهم الخدمة العسكرية يتفادون الخدمة . وهذا يعطي انطباعا واضحا بأن نظرة الإسرائيليين إلى الجيش قد اختلفت عما كانت عليه إلى بضع سنوات سابقة ، وما يقوله الحريديم في هذا الخصوص فيه الكثير من الصحة. فقد اكتشفت الشرطة وبعد التحقيق ان عملية تزوير وتحايل يقوم بها الكثير من الإسرائيليين للتهرب من خدمة الإحتياط في الجيش . ويساعدهم على هذا التزوير أطباء في المستشفى المركزي في الجيش (تل هاشومر) مقابل أجور تتراوح بين مئات الدولارات إلى الآلاف ، طبقا لطول الفترة التي يريدها المتقدم. ويوقع الأطباء على وثائق إعفاء هؤلاء الناس من خدمة الإحتياط. والكثير منهم من الأثرياء والناجحين في حياتهم . وقد أطلقت الشرطة على ما قام به هؤلاء الأطباء بأنه "معمل" لتفادي الخدمة في الجيش. وقد كتبت الصحافة كثيراً عن هذا الموضوع والذي اعتبر فضيحة في حينها. ويرى بعض الباحثين ، أن الكثير من العلمانين يرى بأن تفادي الخدمة في الجيش ، هو شيء ضروري ، وكان أحد نجوم الأغنية الإسرائيلين الشباب –أفيف غفن- قد نصح الشباب ، بأن ترك البلد أفضل لهم من الخدمة في الجيش.(36)

وقد قام المدعي العام الإسرائيلي في عام2008م بالتحقيق حول ماذكر بأن منظمة اسمها "نيو بروفايل" ، تشجع الشباب على تفادي الخدمة في الجيش ن كما أن قاضيا عسكريا قدم شكوى إلى المدعي العام ضد هذه المنظمة ، فطلب المدعي العام من الشرطة أن تقوم بالتحقيق. وقال نائبه إن ماتقوم به هذه المنظمة ، هو خرق للقانون ولكن المنظمة تقول إنها تشجع أولئك الذين لايريدون أن يشاركوا في القتل.

وعدا عن اليشيفوت التي ذكرناها ، هناك يشيفوت يخدم طلابها في الجيش تسمى "توراه وملأخاه" (التوراة والعمل)، وهي تخلط الدراسة الدينية مع التدريب على الحرف. وطلاب هذه اليشيفوت ينضمون إلى الجيش ، ويخدمون فيه ويستفيدون مما تعلموه في اليشيفوت ، ومنها يشيفوت هسدر (تعني تنظيم/ ترتيب) ، وهي كانت قد بدأت هذه في الستينات من القرن الماضي. ولابد أن يوقع الطلاب فيها على البقاء خمس سنوات ، يقضون منها سنتين في الجيش. وهم عادة يخدمون في الجيش سوية ، وتكون لهم وحدات خاصة بهم ، ليتمكنوا من أداء واجباتهم الدينية.

وهناك بعض اليشيفوت مثل "مركز هاراب" وهي يشيفاه شهيرة أنشأها الحاخام إبراهام كوك ، وهي تفرق بين الطالب الذي يريد أن يصبح عالم تلمود والطالب الأقل جدية. فالثاني – بالاتفاق مع المؤسسة العسكرية – يؤدي تسعة أشهر خدمة إلزامية في الجيش وكذلك خدمة الاحتياط. وقد عرض الجيش على الحاخام اليعازر شاخ العرض نفسه ليطبقه على اليشيفاه التي يرأسها لكنه رفض قائلاً " إذا وافقت الآن على تسعة أشهر فإنه سيطلب مني بعد ذلك مدة أطول" . ونسب إليه القول أنه لا يريد أن يفتح علبة ديدان. ورفض اقتراحاً سابقاً كذلك ، وهو أن يعطى لهؤلاء الطلاب مهمات بسيطة في الجيش ، وأن لا يجندوا في وحدات قتالية. وقد ذكرنا سابقا أن بعض يشيفوت "بعلي تشوفاه" يخدم طلابها في الجيش أيضا. والغالبية العظمى من هذه اليشيفوت تدرس الفكر الديني الصهيوني ، ويتخرج منها عادة أعضاء حركة "غوش أمونيم" – وهي جماعة صهيونية دينية – وقد أنشأت كثيرا من المستوطنات في الضفة الغربية كما هو معروف، وأكثر حاخامي هذه المستوطنات هم خريجو هذه اليشيفوت. وهؤلاء معروفون بعدائهم للفلسطينيين بل ويدعون إلى طردهم والتنكيل بهم ، وحتى قتلهم وهم لايخفون ذلك ، ولايخشون أحدا من التصريح به والإعلان عنه . وقد أصدر حاخام اسمه يسحق شبيرا ,وهو رئيس يشيفاه في مستوطنة يزحار ، مع زميل له كتابا بعنوان "توراة هملخ" (توراة الملك) عام2009م يستدل فيه على أن وصية " لاتقتل" تنطبق على قتل اليهودي لليهودي فقط ، ولذلك يجوز قتل غير اليهود ، حتى الأطفال والرضع إذا اعتقد أنهم سيؤذون الإسرائيليين. وقد أيد ماجاء في الكتاب بعض الحاخامين المعروفين في إسرائيل.

ومما يذكر هنا أيضاً أن مسألة خدمة البنات في الجيش كانت قد أثارت غضب اليهود الحريديم أيضاً في بداية ظهور إسرائيل. وكان حاخاموهم قد حاولوا إقناع بن غوريون أن يعطي البنات استثناء من الخدمة العسكرية ، ولكنه لم يستجب لهم وأعطى خيار الخدمة العامة للبنات المتدينات .(37) وطلب حاخامو هذه الجماعة من البنات أن لا ينضممن إلى الجيش ولا يخدمن فيه، وأن يحاربن ذلك حتى الموت. واستمر الصراع بين هؤلاء والحكومة سنوات عدة ، إلى أن استقر الأمر على موافقة الحكومة على عدم خدمتهن في الجيش ، على أن يذهبن إلى المحكمة الدينية ، ويعلن أمام قضاتها بأن سبب عدم الخدمة هو ديني. ونسبة عالية من البنات اللاتي لا يخدمن في الجيش ، هن من البنات المتدينات.

هوامش:
(1) H.Samual , Defenders of the Faith, p.19
(2) Ibid, pp18-20
(3) Ibid,p19
(4) A. Wertheim, Law and Custom in Hasidism p.297 راجع كتابنا اليهود الحسيديم ص (5) 192
(6) Ph.Birnbaum, Encyclopedia of jewish Concepts, p622 راجع ،اليهود الحسيديم(7)290
(8) B. Greenberg,How to run A Traditional Jewish Household pp191 -2
(9) A. Wertheim, op. cit. p301
(10) H.Samual,op.cit.p278
(11) Ibid.,p317
(12) Ibid., p.279
(13) Ibid.,p121
(14) D. Landau, Piety and Power in Israel,pp282-4
(15) H.Samual, op. cit p 30
(16) N.D.Lang Modern Judaism,p101
(17) S.Z. Abranov,Perpetual Dilemma: Jewish Religion in the Jewish State p.163
(18) P.Y. Medding(ed.) Israel State and Society,1948-1988,P.100
(19) Ibid., p.99
(20) Ibid., pp.91-92
(21) B.Kemmirling (ed.) The Israeli State and Soceity,Boundry and Frontier,p.209
(22) P.Y, Medding, op. cit. p.100
(23) W. Frankel, Israel Observed, p.215
(24) E. Etzion-Halevy, The Divided People,Can Israel’s Break up Be Stopped?p.45
(25) Encyclopedia Judaica,Nathan Birnbaum
(26)E. Etziony-Halevy,The Divided People:Can Israel’s Breakup
Be Stopped,p.30
(27) حسن،جعفر هادي، اليهود الحسيديم ص151
(28)The Jewish Chronical newspaper,21-5-2010
(29) N.J. Efron,, Real Jews,p.64
(30)H. Samuel,Defenders of Faith,p.84
(31)I. Shahak & N. Mezvinsky,Jewish Fundamentalism in Israel pp.26-27
(32) N.J.Efron, op. cit.p.63
(33) Ibid, pp.80-81
(34) Ibid, pp.70-71
(35)Ibid,p.71
(36)Ibid,p.85
(37)N.J.Efron,op.cit.,p49


صراع الحريديم والعلمانيين على المدن في إسرائيل
جعفر هادي حسن

يرى اليهود الحريديم(المتشددون في يهوديتهم) ضرورة أن يكون لهم مناطق سكناهم الخاصة بهم ، فهم يشعرون بالخطر من غيرهم وبالإطمئنان عندما يكونوا في محيطهم وحدهم ، حيث يتمكنون من ممارسة الشريعة طبقا لأفكارهم ومعتقداتهم .

وفكرة الإنعزال عن الآخرين عند الحريديم ، هي جزء من الأفكار التي يتمسكون بها ويعتبرونها ضرورية لتحقيق يهوديتهم.

وقد عبر عن ذلك أحد حاخاميهم بالقول "إن اليهود الحقيقيين يرغبون في أن يعيشوا كيهود، وليس لهم خيار إلا أن يفصلوا أنفسهم في أماكن منعزلة خاصة بهم". ومنذ هجرتهم إلى فلسطين قبل ظهور إسرائيل ، أصبحت لهم مناطقهم التي لايسكنها غيرهم .وعندما كثر عددهم أخذوا يزاحمون العلمانيين (والفلسطينيين أيضا) على المدن ، حيث تطور ذلك منذ سنين غير قليلة إلى صراع بين المجموعتين .وهم عادة يسكنون في منطقة معينة من المدينة او البلدة المختلطة ، ثم يبدأ زحفهم تدريجيا على الأحياء الأخرى،كما يحدث في القدس حيث كانوا يتركزون في حي "مئة شعاريم" وحده في القدس لعقود.

وغالبا ماتكون البداية نزاعا حول قضية واحدة كبناء كنيس او مدرسة دينية يرفضهما العلمانيون أو مسبح مختلط يرفضه الحريديم ، ثم تتطور هذه القضايا إلى قضية أوسع تتعلق بسلوك الناس والطبيعة التي يجب أن تكون عليها البلدة أو المدينة . وكلما ازداد عدد الحريديم ازداد الصراع حدة وشدة ،كما الحال في مدينة بيت شمش التي عرض نموذج من الصراع عليها في الفضائيات قبل فترة ليست بعيدة . وكانت هذه المدينة - التي يبلغ عدد سكانها ثمانين ألفا والتي سميت باسم مدينة كنعانية قديمة أنشئت في المكان نفسه- قد سكنها اولا علمانيون ،ثم هاجر إليها عدد من المتينين غير الحريديم ، ولكن في بداية التسعينات ازدادت هجرة الحريديم إليها وكان أكثرهم من مجموعات اليهود الحسيديم (وهم يهود حريديم)، فزادت قوتهم وأخذوا يفرضون على العلمانين أفكارهم وارادتهم بحجج مختلفة. كوضع ملصقات في الشوارع ، يطلبون من النساء عدم المشي على رصيف واحد مع الرجال ، ومطالتهن باللباس المحتشم ،إلى غير ذلك. ولكن العلمانيين يمانعون .وانتقد رئيس الدولة –شمعون بيريس- الحريديم وقال " إن البلد ليس ملكا للحريديم" ودعا الناس للمشاركة في المظاهرة التي خرجت في حينها في بيت شمش ضدهم .

وما رأيناه في بيت شمش من صراع هوليس الأول وسوف لايكون الأخير.فقد حدث في مدن أخرى طيلة العقود الماضية ، وإذا ما أخذنا ما حدث سابقا كمقياس لهذه الظاهرة فإن الغلبة ستكون للحريدم ، وستصبح هوية مدينة بيت شمش هوية دينية ، كما حدث في عدد من المدن والبلدات الأخرى، إلا إذا قسمت المدينة إلى قسمين كما يقترح نتنياهو كحل لهذا الصراع، الذي أصبح عصيا على الحل ، ولكن هذا يجد معارضة شديدة. ولابد من الإشارة بأن الحريديم كثيرا مايهددون معارضيهم بالعنف،واليوم نسمع أن مجموعة منهم تسمى سكريكيم(وهي كلمة مأخوذة من كلمة سيكاري القديمة التي أطلقت على اليهودي الذي يخفي خنجره ليغتال به الروماني أو اليهودي المتعاون معه).

ومن المدن التي أصبحت حريدية مدينة "نتيفوت" و"الداد" و"بيطار عيليت" التي أصبح شعارها مدينة التوراة على تلال يهودا، وكتب الشعار على أعلام مرفوعة على أعمدة الكهرباء،وقد كان صراع العلمانيين في هذه المدينة قاسيا، ولكنهم خسروا المعركة، ومن هذه المدن "قريات سوفر". ومن البلدات التي تشهد صراعا حادا اليوم بين المجموعتين مدينة "يفنئيل" التي تقع جنوب غرب بحيرة طبرية ،وكان رئيس بلديتها العلماني قد قال عند اشتداد الصراع" إذا حاول الحريديم السيطرة على أمورنا فإن شيئا خطيرا سيحدث وإن على الحكومة أن تحل الصراع الآن". ويدور صراع في "قريات شالوم" ، بل وحتى في القدس التي أخذ الحريديم يجتاحونها، والتي يعتقد أنها ستصبح مدينة حريدية خالصة في المستقبل القريب،فهي اليوم تتسم بالطابع الحريدي أكثر مما كانت عليه قبل خمس سنوات مضت، وهم يمنعون أي إعلان تجاري فيه صورة امرأة. وكان بعض العلمانيين قد هاجروا منها إلى بيت شمش هربا من الحريديم. والان يدور صراع في مناطق تعتبرجزءا من القدس الكبرى مثل "قريات يوبل".ويقوم السيكيريم في القدس بحملات لفرض إرادتهم، حتى أنهم أخذوا يمنعون أكل "الآيس كريم" أمام الناس. ".

وإضافة إلى البلدات والمدن هناك مستوطنات خاصة بالحريديم، بعضها بني في وقت مبكر من إنشاء الدولة مثل "كفر خبد" و"نحلة خبد" وغيرهما ، ومنها حديثة مثل "كوخب يعقوب" .ومما يجعل هذا الصراع مستمرا أن الحريديم يحتاجون إلى عدد كبير من الوحدات السكنية كل سنة ، بسبب نسبة الولادة العالية عندهم. فمدينة بني برق الحريدية- التي يبلغ عدد نفوسها أكثر من مائة وستين الفا وهي أكثر المدن الإسرائيلية ازدحاما وأكثرها فقرا- تفيض وحدها بعدة آلاف من الحريديم كل سنة ، يبحثون عن أماكن يسكنون فيها.وقد جاء في تقرير إحدى اللجان المختصة بالسكان عام 1999 إن الحريديم يحتاجون إلى خمسة آلاف وحدة سكنية كل سنة. وقد أقرت الحكومة إنشاء أول مدينة خاصة بالحريديم تستوعب أكثر من مائة وخمسين ألفا منهم في فلسطين 1948 ،على الرغم من الإحتجاج الشديد من العرب وغيرهم من السكان .وقد توصل خبير علم السكان أرنون سوفر في دراسة له إلى أن الحريديم سيكونون المسيطرين على إسرائيل والمتحكمين في سياستها من عام 2030م إذا استمر الوضع على حاله، ويقول إن ذلك سيكون نهاية تراجيدية للصهيونية، و إذا ما حدث ذلك فإن احفاده سيغادرون البلد.

وتختلف المدينة الحريدية في طابعها عن المدينة العلمانية ،فهي تتميز بكثرة كنسها ومدارسها الدينية( أليشيفوت) وحمامتها الشرعية،واحيانا بمخازنها الخاصة بالنساء، وكذلك بالفصل بينهن وبين الرجال في وسائل النقل العامة، أما في يوم السبت فالحركة تنعدم فيها تماما. وكذلك يختلف سكانها في منظرهم ولباسهم وسلوكهم ، حيث يتميز لباسهم عادة باللون الأسود إضافة إلى ضفائرهم على جانبي الرأس وإلتحاؤهم والخيوط البيضاء التي تخرج من تحت قمصانهم. وتتميز النساء أيضا بلباسهن الطويل وبغطاء الرأس أو الشعر الإصطناعي عليه، وبالفصل بينهن وبين الرجال في وسائل النقل العامة .

وبرزت ظاهرة حديثة بين الحريديم حيث أخذت بعض النساء ينميزن بوضع عدة ثياب على أجسامهن ، بل ايضا بوضع نقاب على وجوههن ويجبرن البنات الصغيرات على ذلك،واصبحت هذه الظاهرة تثير حنق العلمانيين وغضبهم. أما في يوم السبت فالحركة في المدينة الحريدية تنعدم تماما. وتقول أستاذة علم الإجتماع السياسي في جامعة بارإيلان إيفا عصيون هاليفي عن هذا الصراع بين يهود إسرائيل بأنه إذا استمر الحال هكذا فإنه سوف لايبقى شعبا واحدا بل سيكون شعبين.وكان عنوان إحدى المقالات في صحيفة هآرتس "سنستمر جميعا في التدهور في مسار بطئ ولكن بالتأكيد إلى الإنتحار."...













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-09-2015, 12:17 PM   #50

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي مكويا فرقة يابانية صهيونية

مكويا فرقة يابانية صهيونية
جعفر هادي حسن

دخلت المسيحية إلى اليابان منذ عدة قرون ، ومع ذلك فإن عدد المنتمين إليها اليوم لايتجاوز اثنين ونصف بالمئة من السكان ، الذي يصل عددهم إلى مايقرب من مئة وثلاثين مليونا. وربما يعود سبب هذه النسبة القليلة الى الصعوبات التي واجهها المبشرون في هذا البلد ، عندما وصلوا للتبشير فيه ، خاصة القيود التي كانت تضعها الدولة .وكما كان المبشرون من طوائف مختلفة فإن المتحولين المسيحيين اليوم أيضا من طوائف مختلفة ، والكثير من هؤلاء ينتمون إلى البروتستانت ، والبعض منهم كان قد تأثر فيما بعد ببعض الأفكار، التي ظهرت في القرن التاسع عشر، خاصة تلك التي جاءت بها المدرسة التي تسمى Dispensationlism والتي كان من أبرز روادها الأيرلندي جون نلسون داربي. وهذه المدرسة جاءت بتأويلات جديدة للكتاب المقدس، فيما يتعلق بالظهور الثاني للمسيح عيسى ، حيث حددت علامات معينة، وبعض الشروط لذلك. منها ضرورة جمع اليهود في فلسطين، قبل ظهوره.

ويعتنق هذه الأفكار اليوم عشرات الملايين من المسيحيين، أكثرهم من البروتستانت وفي الولايات المتحدة الأمريكية ،حيث وجد داربي الأستجابة الواسعة لأفكاره. وقد وصلت أفكار هذه المدرسة إلى اليابان على ما يعتقد عن طريق الطلاب ، الذين درسوا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث جلبوها معهم في نهاية القرن المذكور وبداية القرن العشرين ، عند رجوعهم إلى بلدهم. وأخذوا يعملون على نشرها بين المسيحيين في اليابان حيث وجدت قبولا عند بعض الفرق المسيحية التي أخذت تظهرفي هذا البلد منذ بداية القرن العشرين.وكان من هذه الفرق ، فرقة معروفة بين اليابانيين هي فرقة "مكويا" التي تأثرت بهذا الفكر كثيرا حتى أصبحت إسرائيل قبلة لأتباعها يتبركون بها ويحتفلون بذكرى إنشائها ولا يتخلفون عن زيارتها. وهم يعتبرونها أعظم معجزة ظهرت في القرن العشرين. وهذه الفرقة اليوم هي من أكثر الفرق المسيحية نشاطا وأوسعها شهرة في اليابان .

وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في منتصف القرن الماضي(1948) حيث أنشاها رجل ياباني اسمه (أبراهام) إيكورو تشيما (ت1973).ولا يعرف الشيء الكثير عن حياة الرجل، سوى أنه كان تاجرا مسيحيا متدينا ، انضم إلى حركة مسيحية جديدة تسمى "بدون كنيسة"كان قد أنشأها كانزوأوشيمورا(ت1930) في بداية القرن العشرين ن والتي كانت تدعو إلى مسيحية ليس للكنائس أو القسس فيها دور. وأصبح من الداعين لها و النشيطين فيها ، كما أصبح من المتأثرين بأفكار كانزو عن طريق أحد تلامذته المعروفين. وكان كانزو قد درس في الولايات المتحدة الأمريكية وتأثر هناك بالفكر المسيحي الصهيوني وكتب عنه في بعض كتبه ، التي يصل عددها إلى الثلاثين. وأحد هذه الكتب كتاب عن نبوءات الكتاب المقدس، وإنشاء دولة لليهود في فلسطين. كما أشاد بهرتزل وبالحركة الصهيونية التي أنشأها ، وامتدح وعد بلفور، واعتبره تمهيدا لظهور دولة المسيح كما كان يؤكد دائما على أن الرب إلى جانب اليهود.

واثناء الحرب العالمية الثانية سافر مؤسس فرقة مكويا إلى الصين وكوريا ، ولاتعرف أسباب هذه الرحلة ولاالغرض منها ، فهو لم يذكر شيئا عن ذلك .وعند رجوعه طاردته سلطات الإحتلال الأمريكي ، واتهمته بمحاولة القيام بعمل تخريبي. فصدر أمر بإلقاء القبض عليه فهرب إلى أحد الجبال ، واختبأ هناك في كهف لعدة أسابيع.وعند رجوعه إلى بلدته ، وجد أن أمر إلقاء القبض عليه قد ألغي. فأخذ يقول للناس بأنه عندما كان مختبئا سمع صوت الرب يأمره بالرجوع إلى تعاليم الكتاب المقدس الصحيحة ، وإلى الأصل العبري للمسيحية. وانشأ حلقة لدراسة الكتاب المقدس تطورت فيما بعد إلى "حركة الإنجيل الأصلية" ، ثم أطلق عليها الإسم الحالي "مكويا".والإسم هو ترجمة للكلمة العبرية "مشكن" التي يقصد بها هنا المعنى الديني-التاريخي وهو "الخيمة المقدسة" والتي تسمى أيضا "أهل موعد" بالعبرية ،والتي تعني خيمة الإجتماع، حيث كان يوضع فيها تابوت الرب ، طبقا لما جاء في التوراة.

وعلى الرغم من أن الفرقة هي فرقة مسيحية ، إلا أنها تختلف عن الفرق المسيحية الأخرى ، في أنها لاتضفي قدسية على بعض الأمور المهمة في المسيحية مثل الصليب والسيدة مريم والأولياء ،ولكن الفرقة أخذت تؤكد على الرجوع إلى الأصل العبري للعقيدة المسيحية. وأخذ إيكورو تشيما يعطي للتوراة أهمية كبيرة ، ويؤكد على تقديس رب إسرائيل ، والتقرب إلى اليهود والعمل معهم وبذل الجهد في مساعدتهم. وهو قد قال في مقدمة أحد كتبه الذي يضم مواعظه" إنه من الضروري لنا أن نعطي احتراما مناسبا لليهود ، إذا أردنا أن نرجع إلى المسيحية الحقيقية" وقال "إنه من أجل فهم حقيقي للكتاب المقدس لابد من فهم أعمق للعقيدة اليهودية والتاريخ اليهودي."وكان تشيما قد تأثر ببعض الفلاسفة اليهود مثل مارتن بوبر(ت1965 )وأبراهام هاشل(ت 1972) اللذين التقاهما وتأثر بهما، كما أن الفرقة ترجمت أحد كتب هاشل المهمة إلى اليابانية ونشرته.

ويستعمل أعضاء الفرقة "المنوراه" اليهودية-وهي شعار دولة إسرائيل كما هو معروف- كرمز لها ويضعونها في مكان بارز أثناء أداء طقوسهم. وهم يستعملونها بدلا من الصليب الذي لايستعملونه. كذلك هم يحتفلون بما يسمى عند اليهود "سمحت توراه"(سعادة التوراة) ولكنهم يسمونه"سمحت مكويا".و هم يعتبرون السبت يوم راحة ، ويشعلون الشموع في ليلته كما يفعل اليهود. كما أنهم يستعملون كتاب الصلاة اليهودي في صلواتهم ، و يطبقون نوعا من الكشروت (الطاهر والحلال طبقا للشريعة اليهودية) و يتعلمون العبرية أيضا. وقد قاموا بتأليف أول قاموس عبري –ياباني. كما أنهم يتخذون لأنفسهم أسماء عبرية إضافة إلى أسمائهم الأصلية ، واتخذ مؤسس الفرقة الإسم أبراهام إضافة إلى اسمه الأصلي. وهم يهتمون بالأغاني الشعبية الإسرائيلية ويغنونها خاصة أغنية"أورشليم الذهبية" التي ترتبط مناسبتها باحتلال القدس.

وكان إيكورو تشيما قد زار إسرائيل لأول مرة عام 1961 م، وفي السنة التي تلتها أخذ مجموعة من أتباعه وسكن إحدى المستعمرات لفترة.ومنذئذ تكررت زيارات الفرقة إلى إسرائيل في كل سنة ، حيث يذهب المئات منهم. كما ترسل الفرقة وفدا كبيرا كل سنة بمناسبة الإحتفال بإنشائها. وعندما يكون هؤلاء في إسرائيل فإنهم يلبسون ملابس باللون الأبيض والأزرق(لوني علم إسرائيل) يرسمون عليها نجمة داود، أو المنوراه أو كليهما معا و يطوفون شوارع القدس حاملين العلم الياباني ، ويغنون أغاني عبرية بصوت عال ملفت لنظرالمارة ومثير لانتباههم وفضولهم.وهم اليوم معروفون جيدا للكثير من الإسرائيليين.

وبعض هؤلاء عاش لفترة طويلة في المستعمرات الإسرائيلية لتعلم التقاليد اليهودية ، واللغة العبرية وفنون الزراعة.وألف بعضهم كتبا عن هذه المستوطنات أشهرها كتاب"شالوم إسرائيل" ألفته واحدة من المنتميات إلى هذه الفرقة عام 1965م، وأصبح في حينه من أكثر الكتب مبيعا في إسرائيل.كذلك شجعوا اليابانيين على تبني فكرة المستوطنات حيث أنشئت مستوطنة في" أكان" على النموذج الإسرائيلي . كما أسست جمعية بإسم "جمعية القبوصيم"(المستوطنات) ينتمي اليها الألاف من أعضاء هذه الفرقة. وتتبرع هذه الفرقة بالكثير من المساعدات للمستوطنات، حيث تبنت بعض المستعمرات الإسرائيلية كما هو شأن المنظمات المسيحية الصهيونية كما هو معروف.

وقد قابل مؤسس الفرقة في إحدى زياراته إلى إسرائيل رئيس دولتها الأسبق زلمان شازار، وعرض عليه أفكاره حول العلاقة المفترضة بين بني إسرائيل القدماء واليابانيين ونسبتهم إليهم. وهو قد وضع أفكاره هذه في كتاب بعنوان"شتات اليهود القديم أو قبيلة الهاتا". وهو يعتقد بأن قبيلة" الهاتا" أو "الهادا" اليابانية هي نفسها قبيلة يهودا هاجرت في القرن الثالث الميلادي إلى اليابان ، واستقرت فيها وبقيت متميزة حتى القرن الثاني عشر حيث اندمجت ببقية الشعب الياباني.وهو يقول بأن هذه القبيلة قد أثرت في تراث اليابان وثقافته ، حتى اللغة لم تسلم من ذلك.

وقبيل حرب عام 1967 أنشأ ما أسماه "لجنة الطوارىء اليابانية لمساعدة إسرائيل"، وأثناء الحرب أخذ مساعدات لإسرائيل ، و ذهب مع مجموعة من أتباعه للدفاع عنها ، حيث أصيب أحدهم في الحرب. وبعد ها مباشرة دخل إيكورو تشيما القدس بعد احتلال نصفها الثاني ، وذهب إلى "حائط المبكى" وقدم صلاة شكرهناك وقال "إن هذا اليوم هو أعظم يوم في حياتي".

كما طاف مجموعة من أتباعه شوارع القدس يغنون الأغاني وينشدون الأناشيد، وهم يحملون لافتة كتب عليها"نهنئكم على أورشليم الكبرى".وقد دعت الفرقة الجنرال عوزي نركس مرتين إلى اليابان.وهذا الجنرال هو الذي قاد أول وحدة عسكرية دخلت القدس، وأكملت احتلالها وهم يسمونه "محررأورشليم". وكانوا قد قالوا بعد احتلال القدس عام 67 إن قلوبهم قد خفقت فرحا لاحتلالها وأنه لاحدود لهذا الفرح.كما نظمت الفرقة مظاهرات أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك في عام 1968 وكذلك في عام 1971 تأييدا لإسرائيل.

وبعد هجوم بعض أعضاء منظمة الجيش الأحمر الياباني على مطار بن غوريون عام 1972 هرع رئيس الفرقة على رأس وفد إلى إسرائيل ليقدم اعتذاره وتعازيه ويعبر لحكومتها عن غضبه ورفضه لما حدث. كما تبرع بمبلغ من المال لضحايا الهجوم وأنشأ منحة للطلاب الإسرائيليين للدراسة في اليابان.. وفي السنة التي توفي فيها قاد مظاهرة من عدة آلاف طافت شوارع طوكيو تأييدا لسياسة إسرائيل في حربها عام 73 مع العرب وكانت هذه أول مظاهرة تخرج في اليابان تاييدا لإسرائيل.كما أن إيكورو تشيما أرسل ابنه للدراسة في أحد المعاهد اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد كتبت إسرائيل اسم مؤسس الفرقة في الكتاب الذهبي للصندوق القومي اليهودي مرتين تخليدا لاسمه و تقديرا لخدماته نحوها ومساعدته لها.

. وعندما كانت إسرائيل والمنظمات اليهودية تطالب الإتحاد السوفياتي السابق بالسماح لليهود بالهجرة منه ، كان المصلون في كنائس هذه الفرقة المطلة على البحر والمواجهة لروسيا ، يقيمون صلاة خاصة ويتوجهون صوب روسيا ، يدعون لليهود بأن يسمح لهم بالمغادرة. وللفرقة اليوم بيوت ضيافة قرب كنائسها ، أطلقت عليها اسم"بيت شالوم" يسكن فيها الزائرون خاصة من إسرائيل لفترة معينة دون مقابل. وتعرف الفرقة ب"بيت شالوم" بين الإسرائيليين بسبب ذلك.

ومع أن هذه الفرقة هي فرقة مسيحية أساسا وتتبنى طقوسا ومعتقدات يهودية ، إلا أنها أيضا تمارس طقوسا لا علاقة لها بهاتين الديانتين.فالمنتمون إليها مازالوا يمارسون طقس المشي حفاة على الجمر،وهم يسمونه "الهيواتاري" . وعلى الرغم من وجود هذا الطقس عند جماعات وفئات أخرى لأسباب مختلفة ، إلا ان هذه الفرقة تعطيه معنى خاصا. فهم يرون فيه "تعبيرا عن الإخلاص لرب التوراة ، ولأنه كذلك فإنهم يقولون إن الذين يؤدونه لا تحرقهم النارولا تؤذيهم لأن عقيدتهم قوية وإيمانهم عميق. وهم أثناء قيامهم بهذا الطقس يحدقون ب"منوراه" كبيرة وضعت في مكان بارز، حيث الموضع الذي يمارسون فيه هذا الطقس.ومن الغريب أنهم أثناء ممارستهم له يغنون أغنية كانت تغنيها عصابة البلماخ الصهيونية التي كانت تحارب العرب في فلسطين قبل ظهور إسرائيل.وهو يدل على عمق تأثرهم بالفكر الصهيوني.

ومن طقوسهم الخاصة التي يؤدونها طقس يسمونه"ميسوجي" وهو الوقوف تحت ماء بارد جدا يبقى يصب عليهم لفترة. وهذا التقليد في أصله ياباني ، ولكنهم يعطون لممارسته سببا روحيا. فهم يقولون عنه بأنه يصقل ذهن الإنسان ويضفي الصفاء والنقاء على روحه.ولأن له معنى دينيا عندهم فإنهم يقرأون صلاة – صلاة عبرية أثناء أدائه.كما أنهم عرفوا بتصفيف خاص لشعرهم وهوأكثر ما تتميز به نساؤهم.وهم يقدسون مؤسس الفرقة كثيرا وينسبون إليه أعمالا خارقة تتعلق بشفاء الناس من أمراض مزمنة.

ومن تقاليد أتباع الفرقة التي يلتزمون بها ، هو أنهم لايتزوجون من خارج فرقتهم ، بل فيما بينهم. وهم ربما يقصدون بهذا أن يتشبهوا باليهود لاعتقادهم بأنهم من أصول يهودية ، وأنهم يرجعون في هذا الأصل إلى قبيلة يهودا ، كما هو رأي مؤسس الفرقة. والإعتقاد بأن أصل اليابانيين يرجع إلى أصول يهودية ، هو رأي لا ينفرد به إيكورو تشيما ، وإنما هناك باحثون يابانيون معروفون كلهم أو أغلبهم مسيحيون يرون هذا الرأي ، وكتبو ا ونشروا حوله دراسات وكتبا. ومن هؤلاء كانزو أوشيمورا الذي ذكرناه سابقا. ومن هؤلاء أيضا نيكادا جوجي(ت1939) وهوكان قسيسا من المسيحيين الصهيونيين معتقدا بالأصل اليهودي لليابانيين. وكان من الذين أيدوا المشروع الصهيوني كما أن أتباعه ساعدوا اللاجئين اليهود الذين لجاوا إلى اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية.

ومن هؤلاء أويبي زنكيرو(ت1941م) وهومن خريجي جامعات الولايات المتحدة الأمريكية أيضا ، وكان قد نشر كتابا عام 1929 حول علاقة اليابانيين ب"قبائل إسرائيل الضائعة" وهو يعتقد أنهم من قبيلة غاد ومنسًه. ومن هؤلاء يانيبارا تادوا(ت1961)الذي كان من تلاميذ كانزو ، ورئيس جامعة طوكيو الأسبق. وهو من المسيحيين الصهيونيين أيضا الذين أشادوا بالحركة الصهيونية ، وكتبوا عنها واعتبروا مشروعها مشروعا دينيا. ومنهم سيكي يشيرو(ت1965) وهو خريج جامعة أكسفورد .وهو قد نشر بحثا عن هذا الموضوع عام1908م ذكر فيه أن بعض قبائل بني إسرائيل قد دخلت اليابان في القرن الخامس الميلادي. ويعتقد أن الذين جاءوا من بعده من اليابانيين إنما كانوا قد تأثروا به. وكانت مجلة يابانية شهرية قد نشرت تقريرا من تسعين صفحة عام1987م مدعوما بصورلما يفترض أنه مستوطنات لبعض قبائل بني إسرائيل في اليابان.

وأشهر من يبحث ويؤلف في هذا الموضوع من اليابانيين اليوم هو أريماسا كوبو.وربما يكون هؤلاء الباحثون قد تأثروا بفكرة الأصل اليهودي ، بآراء المبشر الأسكتلندي نورمان ماكلويد الذي زار اليابان وكتب كتابا عن تاريخ البلد نشره عام 1875م واستدل فيه على العلاقة بين بني اسرائيل القدماء واليابانيين.وقد أنشأ القسيس أقويشي ياتاكاو جمعية عام1990تهتم بهذا الموضوع وتنشر دراسات عنه. وهذه الأفكار يشجعها اليهود خاصة في إسرائيل حيث كتبت كُتب وأنشئت مؤسسات للبحث عما يسمى بالقبائل العشر الضائعة وكان أحدث هذه الكتب(حتى كتابة هذه الدراسة) كتاب الفه جوزف أيدلبرغ بعنوان وكان قد ترجمه The Biblical Hebrew Origin of the Japanese People. اليابانية أريماسا كوبو إلى اليابانية.

والبحث عن هذه القبائل المفترضة يشمل كل القارات دون استثناء.وعلى الرغم من عدم وجود أدلة على اثبات أن هؤلاء أو غيرهم ممن يدعون أنهم من نسل أولئك إلا أن المؤسسات الإسرائيلية تنقل هؤلاء طبقا ل" قانون العودة" الإسرائيلي ، مع أن هذه المؤسسات تفرض عليهم التحول إلى اليهودية ، قبل وصولهم إلى إسرائيل أو بعد وصولهم إليها. ويقدر عدد أتباع فرقة مكويا اليوم بحوالي تسعين الفا أو أكثر. ولا يقتصر وجودهم على اليابان بل هم يوجدون أيضا في كوريا الجنوبية ، وتايوان وهاواى وكليفورنيا. ويقدر عدد فروع الفرقة بأكثرمن مئة فرع.كما أن الفرقة تصدر مجلتين هما "الانجيل ألأصيل" و"نور الحياة".

مراجع

1-Parfitt,Tudor, The Lost Tribe of Israel:The History of a Myth,London 2002
2-Eidelberg,Joseph,The Biblical Hebrew Origin of the Japaness People
Jerusalem,2005
3-Encyclopedia Judaica,Year Book 1977-8,Makuya
4-htt:/www.makuya.or.jp/index.htm
*هذه الدراسة،التي لم أعثر على مثلها في اللغة العربية،أخذها حرفيا( عدا مطلعها الذي أضفته حديثا) أكثر من كاتب من موقعي دون الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى كاتبها،حيث يحسبها القارئ أنها لهم مع أنها مع الأسف قرصنة،ومن يريد الإطلاع على ذلك فما عليه إلا يبحث تحت عنوان هذه الدراسة في غوغل.


يهود اثيوبيا 1-2 (الفلاشا)
جعفر هادي حسن

يعتقد الكثير من الباحثين الغربيين بأن الرحالة الاسكتلندي جيمس بروس، هو أول من اكتشف وجود اليهود الأثيوبيين (الفلاشا) بعد أن أصدر كتابه(Travels to Discover the Sources of the Nile 1768-72) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وتحدث جيمس بروس في كتابه هذا بشيء من التفصيل عن اكتشافه لهؤلاء اليهود الذي أسماهم « الفلاشا » وذكر شيئاً من عاداتهم وتقاليدهم، كما ذكر شيئاً من تاريخهم طبقاً لما أخبروه. لكن بروس لم يكن المكتشف الأول لهذه المجموعة، لأن العرب كانوا قد سبقوه إلى ذلك بفترة طويلة، حين التقوا هؤلاء وتعرّفوا عليهم عن كثب.

ونذكر هنا اثنين من هؤلاء: أحدهما شهاب الدين أحمد بن عبد القادر الجيزاني، الشهير بعرب فقيه (توفي في حدود 1543م) في كتابه المهم « تحفة الزمان أو فتوح الحبشة » الذي يؤرخ فيه لحروب الإمام أحمد بن إبراهيم (الغازي) في الحبشة، وجاء فيه « ... كانت بلاد سُمين يملكها يهود الحبشة واسمهم بلغتهم فلاشة، إنّهم يؤمنون بالهب واحداً ولا يعرفون غير ذلك من الإيمان ولا نبيا ولا صديقا. وكان أهل (بحر عنبا) قد أستعبدوهم أربعين سنة يستخدمونهم ويحرثون لهم. فلما انتصر الإمام (من الصومال) على البطريق (ساول)، أتوا إلى عند الإمام جميعهم من كل فج عميق من كهوف الجبال، لأن مساكنهم لم تكن في الوطأة (المنخفض) الا الجبال وكهوفها.

وقالوا للإمام بيننا وبين (بحر عنبا) عداوة منذ أربعين سنة، الآن نقتل أهل (بحر عنبا) مَن بقي منهم ونأخذ حصونهم بعد ما انتصرت عليهم ونكفي لهم. وأما أنت اجلس في المحطة، ونحن نفعل بهم ما يعجبك. وبعد أن زاد الإمام عساكر معهم ،ساروا إلى الجبل وطلعوا، وربطوا أهل (بحر عنبا) بالسلاسل، وأتوا بهم إلى عند الإمام وجلس الإمام فى السمين حتى فتحها .. »( ).

وثانيهما المؤرخ الحامي (من القرن السابع عشر) في كتابه « سيرة الحبشة » وجاء فيه: « بعد تمام سبع مراحل، اتصلنا ببلاد الفلاشة وأولها واد عظيم تحت جبل عال في نهاية السمو وغاية العلو. اسم الوادي «أغنه» واسم الجبل « سُمين » مصغراً وهو أعظم جبال الحبشة، ولو أقول أعظم جبال الأرض لم يكن بعيداً، لأنه يوجد في كل طريق من طرق الحبشة ...

وهذه القبيلة التي يسمونها الفلاشة قبيلة كبيرة من أعظم قبائل الحبشة. وهم على دين اليهودية وشريعة التوراة. وكانوا من قبل خارجين عن طاعة الملك يغزوهم، ويحاربهم، ويضايقهم من جميع أطراف بلادهم، لإحاطة بلاد النصارى بهم. حتى غلبهم واستنزلهم من حصونهم، ودخلوا في طاعته ودانوا له بمقالته بالطواعية، وجعل بلادهم إلى ولاية هذا الوزير. ودخل أكثرهم في دين النصرانية ولم يبق إلا اليسير( ).

أصل الفلاشا

أما عن أصل يهوديتهم، فإنّ الباحثين مختلفون حوله. فبعضهم يرى بأن هؤلاء هم من أحفاد يهود جلبوا من اليمن في القرن السادس الميلادي، بعد أن غزا ملك أكسوم (في أثيوبيا) دولة حمير، عندما كان يحكمها الملك الحميري «ذونواس» اليهودي (وكان أبو هذا الملك قد تحول إلى اليهودية كما تحول بعض السكان أيضا) . وكان مسيحيو دولة حمير،خاصة من كان في نجران، قد استجاروا بالامبراطور جستن الأول لمساعدتهم وانقاذهم من «ذونواس»، الذين شكوا من اضطهاده لهم. وطلب الامبراطور جستن من ملك أكسوم – الذي كان مسيحيا- القيام بهذه المهمة، فاحتل هذا بلاد حمير ودحر «ذونواس»، في حدود العام 525م حيث القى الملك الحميري بنفسه في البحر ومات غرقا كما ذكر وانتهت الدولة اليهودية.

وتذكر الرواية ان ملك أكسوم، صحب عند رجوعه إلى بلاده بعض الأسرى اليهود من اليمن. ويرى أصحاب هذا الرأي بأن يهود إثيوبيا، هم أحفاد هؤلاء الأسرى، وعلى هذا يكون بداية دخول اليهودية إلى أثيوبيا في القرن السادس الميلادي ، بعد أن كانت المسيحية قد دخلتها في القرن الثالث- الرابع الميلادي( ).

ويرى آخرون أن اليهودية دخلت من منطقة اليمن إلى إثيوبيا قبل دخول المسيحية عن طريق الحروب أو التجارة أو غيرهما، حيث كانت اليهودية إحدى الأديان في الجزيرة العربية كما هو معروف(4) . لكن المعروف أن اليهود الإثيوبيين يعتمدون على نسخة من التوراة تسمى السبعينية(اليونانية) ، وليس معروفاً عن يهود الجزيرة العربية ، أنهم عرفوا هذه الترجمة التي دونت في مصر قبل الميلاد.

ويرى غير هؤلاء بأن اليهود الإثيوبيين هم مجموعة اثنية ودينية من أحفاد يهود ما يسمى بقبائل بني إسرائيل الضائعة، ويفترض هؤلاء الباحثون، أن مجموعة منها كبيرة قد هاجرت إلى إثيوبيا واستقرت فيها. ويستدل بعض هؤلاء على هذا الرأي بأن بشرة هؤلاء ليست شديدة السواد مثل بقية الأفارقة، كذلك يختلف شكلهم عنهم. وهذا يعني بأنهم من أصل غير إفريقي( ). والذين يرون هذا الرأي يقولون بأن هؤلاء عندما جاءوا، اختلطوا مع السكان المحليين وتزاوجوا معهم. ولكن من يعترض على هؤلاء يرى أن شكل الإثيوبيين وسواد بشرتهم لا يختلف عن بقية الإثيوبيين مثل الامهرة والتغريين والاغو. وإن الدراسات التي أجريت على الدم تثبت بأن الفلاشا يختلفون عن يهود الشرق ولايمتون لهم بنسب. وبعض مَن يقول بهذا الرأي يرى بأن عدداً قليلاً من اليهود، وليس آلافاً من القبائل الضائعة دخلوا إلى إثيوبيا، قبل المسيحية وهودوا قسماً من السكان المحليين، وأن اليهود الإثيوبيين هم أحفاد هؤلاء المتهودين( ).

ومن الباحثين مَن يعتقد بأن يهود إثيوبيا هم من أحفاد اليهود، الذين جاءوا من جزيرة «الفيلة» في نهر النيل. وهي جزيرة صغيرة تقع مقابل اسوان الحالية. وتسمى بالمصرية القديمة «يب» وهو الاسم الذي احتفظت به الارامية، وقد أطلق اليونانيين عليها Elephantine والإسم ترجمة للأصل المصري. وكانت أهمية الجزيرة تتمثل في كونها مدينة الإله «خنوب»، وأنّها كانت كذلك حامية عسكرية للدفاع عن الحدود الجنوبية المصرية ضد النوبيين، الذين كانوا يغيرون على منطقة النيل( ).

وكانت جزيرة الفيلة اثناء حكم الفرس لمصر منذ العام 525 ق. م. بل وقبله ثكنة عسكرية كبيرة، تضم الكثير من الجنود المرتزقة من أجناس مختلفة ممن جلبهم الفرس. وكان من ضمن هؤلاء المرتزقة مجموعة من اليهود الذين كان لهم معبد هناك، كما يظهر من رسائل البردي التي كتبوها بالآرامية، والتي وصل بعضها إلينا من هذه الفترة. ويتبيّن من خلال هذه الرساثل أنّ هناك بعض الممارسات عند هؤلاء اليهود تختلف عما عند اليهود الآخرين، مثل الزواج المختلط(بغير اليهود) والاضاحي وغير ذلك. وعندما أخرج الفرس من مصر في القرن الخامس قبل الميلاد ضعف وضع هؤلاء، وأخذوا يشتكون من الكهنه المصريين الذين كانوا يضايقونهم ويعتدون عليهم. وبعد أن ساء وضعهم تركوا الجزيرة، حيث ذهب بعضهم إلى إثيوبيا الحالية كما يقول من يرى هذا الرأي . ويستدل هؤلاء على ذلك بأن المؤرخ الجغرافي Strabo الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، عندما يتحدث عن أثيوبيا، يذكر مستعمرة في أعالي النيل نفى الفرعون Psammeticus إليهاهؤلاء وهي Meroe وهم يعيشون هناك كمنفيين ويسمون Sembritae وهذه الكلمة تعني أجانب( ).

وكلمة فلاشا أيضاً تعني أجانب أو منفيين بالمعنى الحرفي للكلمة باللغة الجعزية، (وهي لغة سامية كتب بها اليهود والمسيحيون الأثيوبيون أدبياتهم الدينية وصلواتهم، وهي صنو الأمهرية والعربية الجنوبية).(ولأن كلمة فلاشا تعني أجانب أو منفيين فهم اليوم يرفضون استعمالها،ويستعملون بدلها "بيتا يسرائيل" ، تـأكيدا منهم على أنهم من بني إسرائيل ونحن نستعملها هنا لأنهم معروفون بها لا لسبب آخر).

وممّن يرى هذا الرأي أيضاً إسحاق بن زفي الرئيس الأسبق لإسرائيل، الذي كتب كتاباً عن المجموعات اليهودية( ) ، في مختلف بلدان العالم بعنوان The Exiled and the Redeemed ومن الباحثين مَن لا يعتقد بالأصل اليهودي لهؤلاء، ويرى بأنهم من أحفاد سكان أكسوم القديمة الذين رفضوا التحول إلى المسيحية. وأنّ عبادتهم وشعائرهم خليط من الوثنية والمسيحية واليهودية. وهم ليسوا وحدهم الذين تمسكوا بهذا الخليط، وأنّ ما يسمى باليهودية، إنما هو تعبير فقط عن بعض المعتقدات اليهودية وبقايا منها، كانت قد دخلت من اليمن في حدود القرن الأول الميلادي. ويستدل هؤلاء على ذلك بأن أدبيات اليهود الإثيوبيين، تكِون جزءاً من الأدبيات التقليدية لأثيوبيا في موضوعاتها وفي طريقة التعامل معها. وهم يستدلون كذلك على اختلافهم عن اليهود بأنّ الاحتفالات التي وردت في التوراة يحتفل بها يهود إثيوبيا بطريقة مختلفة، وأن الأعياد التي ظهرت بعد النفي لا يعرفها هؤلاء كذلك. وكذلك هم لا يعرفون الفرائض خارج التوراة كتلك التي وردت فى التلمود.كما أنهم لا يعرفون اللغة العبرية سوى بعض الكلمات القليلة. كذلك لغة صلاتهم هي اللغة الجعزية، مثلما هي عند المسيحيين الإثيوبيين كما ذكرنا.

وهم يلتزمون التزاماً شديداً بالسبت وكذلك يتشددون في قضية الطهارة. وهاتان الظاهرتان موجودتان عند بقية الإثيوبيين من المسيحيين. وهم كذلك مثل بقية الإثيوبيين بصورة عامة يختنون أولادهم وبناتهم. وكذلك تلعب الرهبنة عندهم دوراً مهماً، وهم بهذه الممارسة يختلفون بشكل رئيس عن بقية اليهود. فاليهود لا توجد عندهم شرعة الرهبنة ولا يمارسونها. ويرى هؤلاء بأنّ النظرة الموضوعية إلى الأصل والحياة الدينية ليهود إثيوبيا تجعلهم تماماً ضمن الحياة العامة للإثيوبيين وخارج المعتقدات المسيحية الإثيوبية.

نظرة الأثيوبيين إليهم ونظرتهم إلى أنفسهم

عاش يهود إثيوبيا عموماً في وضع منعزل عن بقية الإثيوبيين، ولم يكونوا يتصلون بهم إلا عند الضرورة، ولهذا الانعزال أسبابه. فهم يعتبرون أنفسهم أفضل من الإثيوبيين في ممارساتهم وسلوكهم ودينهم، لذلك فإنهم ينظرون إلى الآخرين نظرة احتقار. وهم في الغالب يسكنون في مناطق خاصة بهم قرب الأنهار عادة لاحتياجهم لها للتطهر. وهم كذلك لا يسافرون بعيداً عن بيوتهم بسبب ذلك تحرجهم من أكل طعام الآخرين، خصوصاً وأنهم لا يأكلون اللحم النيء (غير المطبوخ) كبقية الإثيوبيين. كذلك يجب عليهم الاغتسال إذا مسّ أحدهم شخصاً ليس منهم. وهناك الاعتقاد بأن دينهم يفرض عليهم الاعتزال عن الآخرين. ويضاف إلى هذه العزلة امتهان مهن تعتبر دونية في نظر الإثيوبيين، مثل الحدادة وعمل الأواني الفخارية، وقد جعل هذا الإثيوبيين الآخرين يشكُون فيهم ويحذرون منهم. لذلك أطلقوا عليهم كلمة فيها معنى الشر وهي كلمة (Tib) وهي تعني الروح الشرير الذي يتقمص الشخص فيؤذي الآخرين من خلاله( ).

ويعتقد الإثيوبيون كذلك في أنّ يهود إثيوبيا يتحولون في الليل ضباعاً، تنبش القبور وتأكل الجثث التي فيها، حتى أنّ الأثيوبيون في فترة من الفترات أخذوا يبحثون عن الضباع في كل مكان ليقتلوها، حيث قتلت في تلك الفترة ضباع كثيرة.

وفي بعض مناطق إثيوبيا اعتبروا سحرة وآكلين للحوم البشر، حيث يأكلونها بطريقة سحرية وغامضة( ) كما يقولون عنهم، وكثيراً ما ارتبطت مهنة الحدادة بالـ Tib بل إنّ الحدادين عموماً تنالهم شبهة السحرة. والشك في أنّ الحدادين سحرة ليس حديثاً عند الإثيوبيين. فقد ذكر بأن أحد ملوكهم قي القرن الخامس عشر قد حكم على الحدادين بالاعدام لاتهامهم بالسحر، وكان مثل هذا الأمر قد حدث في القرن السابع عشر. ودخل هذا المعتقد أدبيات الإثيوبيين حتى في صلواتهم وأدعيتهم. وإلى فترة قريبة كان ينظر إلى الحداد على أنّه خادم الجميع، وإذا ما استخدم في الجيش، فإنه لا يعد من أفراده ولا أمل له في الوصول إلى مرتبة أعلى( ).

ومن المعتقدات الشعبية كذلك بأنّ يهود إثيوبيا قد ولدوا في جهنم، وأنهم يبصقون ناراً لذلك يجب أن يعيشوا في مناطق منعزلة. ومع أنّ اليهود الإثيوبيين ينفون التهم عنهم ويعتبرونها افتراء وخرافة، إلا أنّها ظلت تلاحقهم ومستمرة إلى الوقت الحاضر في المخيال الشعبي، حتى أنهم ذكروا ذلك في إحدى رسائلهم عام 1958 – 1959م إلى الامبراطور هيلاسيم لاسي آخر ملوك الحبشة، إذ ذكروا فيها « ... إنّنا نُتهم كذباً بالسحر والشعوذة وبتحويل أنفسنا في الليل إلى حيوانات وحشية مثل الضباع. ونُتهم كذلك بأننا ليس فقط نقتل جيراننا وماشيتهم ، لكننا أيضاً نخرج الجثث من القبور ونأكلها ... »( ).

ولم يكن الفلاشا على علاقة طيبة مع ملوك إثيوبيا، وكانت لهم مع بعضهم معارك، بخاصة مع أولئك الذين حاولوا اجبارهم على اعتناق المسيحية، ولا بد ان نذكرهنا أنّ اليهود الأثيوبيين لم يضطهدوا لأنهم يمارسون اليهودية، إذ أن ملوك إثيوبيا يؤكدون دائماً على ارتباط نسبهم بسليمان بن داوود، وكان بعضهم لا يحتمل عدم ذكر ذلك بحقه، وأنّ منليك الثاني (ت 1913م) وهيلاسي لاسي كلاهما أضافا لقب «أسد قبيلة يهودا» إلى اسمه، لكن هؤلاء الملوك كانوا يضطهدون المجموعات الدينية – خصوصاً المنعزلة منها – التي تختلف معتقداتها عن معتقدات الكنيسة الإثيوبية. فهذا العداء لم يقتصر على اليهود الإثيوبيين ، بل شمل المسلمين والكيمانت والبروتستانت والكاثوليك وبعض الأقليات المسيحية الصغيرة الأخرى.

ولكن لليهود الأثيوبيين رأي مختلف عن هذه الآراء في أصل يهوديتهم، فهم يعتقدون بأنّ أصلهم من فلسطين، وهم يذكرون قصة وردت في كتاب « كبرى نغست » (مجد الملوك)( ). وهو كتاب عندهم يحتوي على قصص ملوك إثيوبيا وتاريخهم، ويعود تاريخ تأليفه كما يعتقد إلى القرن الرابع عشر. وطبقاً لما جاء في هذا الكتاب فإنَ ملوك إثيوبيا هم أحفاد سليمان من الملكة "بلقيس" التي يسمونها «مكيدا»، التي ولدت لسليمان بن داوود، بعد زيارتها له ورجوعها إلى بلادها ولداً اسمه منليك (الأول). وكان منليك عندما شبّ، وأصبح رجلا ذهب لزيارة أبيه في مملكته. وعندما رجع إلى إثيوبيا طلب سليمان من شيوخ إسرائيل، أن يرسل كل واحد منهم ابنه البكر مع ابنه. وقد مسح صادوق الكاهن "منليك" ملكاً على إثيوبيا (كما هي عادة بني إسرائيل القديمة). وقبل أن يرحل منليك أخذ المصاحبون له تابوت العهد معهم من الهيكل. ووضع هذا التابوت في اكسوم. ويقول الإثيوبيون المسيحيون أنه بعد أخذ التابوت غادر الروح الإلهي إسرائيل واستقر في إثيوبيا. ووضع التابوت في اكسوم فى مكان مقدس يطلق عليه القدس الثانية، ولا يدخل هذا المكان إلا كاهن واحد يقوم على خدمته. وتوضع في الكنائس الإثيوبية نماذج لهذا التابوت.

ويعتقد قسس الكنيسة الإثيوبية، أنهم من أحفاد اللاويين الذين اقتصرت الخدمة في الهيكل عليهم. ورجال الدين الفلاشا لهم الاعتقاد نفسه. والقسس الإثيوبيون يعتقدون بأنّ الإثيوبيين هم الشعب المختار بدل اليهود، لأن التابوت في حمايتهم( ). أما يهود إثيوبيا فيقولون بأنهم أحفاد تلك الجماعة التي صحبت «منليك» من مملكة سليمان بن داوود إلى إثيوبيا. ويرجع أصل هذه القصة إلى ما جاء في العهد القديم من نص تكرر مرتين في سفر الملوك الأول 10/1 – 31 وفي سفر الأخبار الثاني 9/1 – 12 عن زيارة الملكة "مكيدا" لسليمان بن داوود واحتفائه بها. وقد زيد في كتاب «كبرى نغست» تفاصيل ليست في العهد القديم، كي ترجع أصل ملوك إثيوبيا إلى الملك سليمان. ويشك الباحثون فيما أورده الإثيوبيون ،بخاصة وأنّ مملكة هذه الملكة لم تحدد في هذه القصة. وقد أطلق عليها بالعبرية «ملكة شبا» وهي تترجم إلى العربية «ملكة سبأ». والقرآن الكريم هو الذي أسمى المملكة «سبأ»، وهي ترتبط باليمن أكثر ممّا ترتبط بمكان آخر كما هو معروف.

وأرجح أن يكون الفلاشا أثيوبيين كالآخرين، أخذوا بعض العقائد والطقوس اليهودية من يهود قدموا من اليمن وغيرها إلى إثيوبيا، قبل دخول المسيحية إليها وخلطوا عقائدهم وتقاليدهم الأصلية بها، وبعد دخول المسيحية أخذوا شيئاً من ممارستها كالرهبنة. وعندما اتصل اليهود بهم في القرن التاسع عشر كما سنرى زاد التزامهم باليهودية.

من ملامح يهودية الأثيوبيين

وتتميز يهودية اليهود الإثيوبيين في أنها تختلف عما هي عند عامة اليهود قي قضايا تتعلق بالمعتقد والممارسة. فتوراة هؤلاء تحتوي على أسفار ليست في توراة عامة اليهود مثل سفر اينوخ، وحكمة سليمان وحكمة ابن سيراخ، وسفر باروخ وجوبلي وغيرها. وهذه الأسفار تسمى الأسفار غير القانونية، وأصبحت توراتهم تضم 46 سفراً. وهم كذلك لا يؤمنون بالتلمود ولا يعترفون به على خلاف ما يعتقده عامة اليهود،وهم بهذا مثل اليهود القرائين والسامريين (كان انشقاق السامريين عن اليهودية قبل الميلاد، أي قبل ظهور التلمود).

كذلك يختلفون عن بقية اليهود في أنهم يمارسون تقديم الأضاحي في مناسبة الفصح، وأحياناً في بعض المناسبات الأخرى( ). وهم بهذا مثل السامريين. بينما توقف تقديم الأضاحي عند بقية اليهود بعد تهديم المعبد. ويصلي اليهود الإثيوبيون عادة سبع مرات( ). وليس ثلاث مرات كما عند اليهود الآخرين وصلاتهم من تأليفهم ويقرأونها بالجعزية وليس بالعبرية أو الآرامية . وهم يسمون مكان العبادة «مسجد»( ) كما عند المسلمين.

وهم كذلك لا يحتفلون بعيد الفوريم، ولا بعيد الحنوكة وهي أعياد قنّنت عند اليهود خارج العهد القديم. وهم مثل القرائين في هذا أيضا، واحتفالهم بعيد المظال من دون استعمال مظال. وعندهم عيد خاص بهم دون غيرهم من اليهود يسمى «سجد» (وتعني الكلمة سجود بالجعزية). وهو احتفال برجوع اليهود من السبي إلى أورشليم. وهم لا يعرفون النفخ بالبوق (الشوفار) في رأس السنة، أوغيره من المناسبات الأخرى( ). وهم بهذا يتفقون مع القرائين. ويمارس الفلاشا الرهبنة( ).كما ذكرنا، وهذه الممارسة لا توجد عند أية فرقة من الفرق اليهودية الأخرى التي نعرفها. وهناك مَن يعتقد بأن هذه الممارسة قد تبنوها فى القرن الخامس عشر. وعندهم أن المرأة الطامث تعزل في كوخ خاص بها خارج القرية، وتبقى فيه إلى أن تطهر ولا ترجع إلى بيتها إلا بعد أن ترتمس في الماء . كذلك الحال بالنسبة إلى المرأة التي تضع طفلاً، فإنها أيضاً تعزل لفترة أربعين يوماً للذكر وثمانين يوماً للأنثى وبعد انتهاء الفترة تحلق شعر رأسها وترتمس في الماء، وتطهر ملابسها قبل أن ترجع إلى بيتها، ويحرق الكوخ بعد مغادرة الطامث والمرأة التي ولدت، ويطلق على هذا الكوخ « كوخ الدم »( )، وهم يسمون رجل الدين «قس».

اهتمام اليهود بهم

برز اهتمام اليهود باليهود الأثيوبيين في القرن التاسع عشر، بعد ما علموا أنّ مجموعة من المبشرين قد ذهبت إلى إثيوبيا للتبشير بينهم بعد ظهور كتاب جيمس بروس كما ذكرنا أعلاه( ). وانتدبت جمعية الاليانس اليهودية في فرنسا المستشرق اليهودي الفرنسي جوزيف هاليفي- وهو أحد الباحثين في اللغات السامية- للقيام بمهمة الاثصال باليهود الإثيوبيين. فغادر إلى إثيوبيا عام 1867م بصحبة الحملة البريطانية ضد الإمبراطور ثيودور الثاني، وبقي بين اليهود الأثيوبيين عدة أشهر. وعند رجوعه صحب معه أحد الفتيان منهم لدراسة اليهودية في أوروبا.

وقدم هاليفي تقريراً عنهم وعن أحوالهم إلى جمعية الإليانس، وقدّر عددهم آنذاك بنحو 150 ألفاً، وهو أقل من العدد الذي قدّره جيمس بروس. وفي بداية القرن العشرين ذهب يهودي آخر اسمه جاك فيتلوفتش، بتشجيع من أستاذه هاليفي وموّل رحلته اليهودي الثري روتشليد. وسافر أكثر من مرة فيما بعد إلى إثيوبيا حيث أخذ معه الكئير من المساعدات وأسّس مدرسة خاصة باليهود الإثيوبيين في أديس أبابا وبعض المدارس المتنقلة ، وكان لذلك تأثير على حركة التبشير بينهم(لتحويلهم إلى مسيحيين) والتي كانت على أشدّها حيث ضعف بسببه نشاطها. وقد أسّس فيتلوفتش جمعية للدفاع عنهم( ).

وبعد وفاة فتلوفتش أخذ زعماء اليهود الإثيوبيين يراسلون اليهود طلباً للمساعدة، وتأسّست جمعية يهودية في أمريكا لغرض مساعدتهم. وعندما أنشثت الدولة العبرية طالبت هذه الجمعية بتهجيرهم إليها، لكن الحكومة الإثيوبية لم تكن راغبة بتهجيرهم إلى إسرائيل، وعندما طلب بعض اليهود الإثيوبيين مساعدة ديبلوماسي إسرائيلي في إثيوبيا، قال له هذا إنّي أقترح عليكم أن تتحولوا إلى المسيحية لحل مشكلتكم( ). وعندما زارهم إسرائيل يشيعياهو الذي كان رثيس الكنيست في الخمسينات، قال إنّ من الأفضل لليهود الإثيوبيين أن يتحولوا إلى المسيحية إذ أن الحكومة (الإثيوبية) ستكون سعيدة بهذا التحول، وسيستفيد اليهود الإثيوبيين من ذلك. وأيّده بعض المسؤولين الإسرائيليين في ذلك( ).

ولكن إسرائيل وافقت عام 1955م على قبول 12 شخصاً منهم تتراوح أعمارهم بين 11 – 17 سنة للتدريب فيها، وأعلنت الحكومة بأنّ ذلك ليس اعترافاً منها بهم. وعند وصولهم طالبت المؤسسة الدينية بأن يتحول هؤلاء إلى اليهودية الارثوذكسية، وقالت إنّ يهوديتهم مشكوك فيها. وأدى هؤلاء مراسم التهود إلى اليهودية الارثودكسية، ثم رجعوا إلى إثيوبيا بعد انتهاء تدريبهم( ).

وظل الإسرائيليون يصرحون بعدم موافقتهم على جلبهم إلى إسرائيل. وقالت غولدا مئير عندما كانت رئيسة للوزراء " إنّ الفلاشا هنا سيكونون في حالة مزرية وموضوعاً للاستخفاف والاحتقار " وعبّرت عن خوفها أن يكونوا جبهة مع السفارديم (اليهود الشرقيين)( ).

ونقل عنها كذلك أنها قالت: أليس عندنا مشاكل كافية فلماذا نحتاج إلى هؤلاء السود( ) ؟

وفي عام 1973م قال أحد الديبلوماسيين الإسرائيليين: « إنّ إسرائيل لا ترى أنطباق قانون العودة عليهم، وإذا أراد أحد هم أن يزور إسرائيل، فإنه سيعامل كأي إثيوبي يقوم بزيارة إلى هنا، وأنّ محاولتهم للهجرة تضر بهم لأن إسرائيل ليست متحمسة لاستقبالهم( ).

وعندما سئل وزير الدفاع الأسبق عزرا وايزمان عام 1979م في مؤتمر للطلاب في الولايات المتحدة عن الفلاشا قال: « هل تريدون أن تزعجوني بمشكلة الفلاشا كذلك، قولوا الحقيقة، هل هذه هي أهم مشكلة يجب ان نعالجها اليوم »( ).

ودخل بعض اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل على شكل أفراد في السبعينات وكان هؤلاء يطالبون الحكومة بمساعدة أبناء جلدتهم. لكن الحكومة كانت تهددهم بالسجن. وشكّل مناحيم ييغن رئيس الوزراء السابق عام 1979م لجنة لدراسة قضيتهم. لكن اللجنة لم تصل إلى نتيجة.

تهجير الفلاشا إلى إسرائيل ومشكلتهم مع المؤسسة الدينية

وغيرت حكومة إسرائيل رأيها في الثمانينات، وتم نقل الآلاف منهم إلى إسرائيل بين كانون الأول (ديسمبر) 1984م وكانون الثاني 1985م في "عملية موسى"، وكذلك هجر الآلاف منهم في "عملية سليمان" عام 1991.

ومنذ وصول اليهود الإثيوبيين في "عملية موسى"، كانت لهم مشاكل مع المؤسسة الدينية والحكومة. وكانت أولى هذه المشاكل وأعمقها أثراً عليهم وإهانة لهم، هو عدم الاعتراف بهويّتهم، إذ طلب منهم أن يؤدوا عملية التهوّد طبقاً لليهودية الارثودكسية. وقالت رئاسة الحاخامية في تبرير ذلك إنّ اليهود الإثيوبيين كانوا مقطوعين لفترة طويلة عن بقية اليهود الآخرين، ولم يلتزموا بالشريعة اليهودية بشكل كامل (إشارة إلى عدم اعتراف يهود إثيوبيا بالتلمود)، ويترتب على هذا عدم صحة عقود الزواج عندهم، وكذلك عدم صحة طلاقهم وهذا يودي إلى الشك في كونهم "ممزريم" ( جمع عبري، مفرده ممزر ويعني ولد غير شرعي). وهؤلاء طبقاً لليهودية الارثوذكسية لا يمكن أن يتزوجوا إلا من "ممزريم" مثلهم( ).

وقالت أيضا إنّه من أجل أن لا تكون هناك مشاكل لليهود الإثيوبيين في المستقبل، بخاصة قضايا الطلاق والزواج، فإنه يجب أن يتحولوا إلى اليهودية الارثودكسية (يهودية رئاسة الحاخامية في إسرائيل). والتهوّد الذي تطالب به رئاسة الحاخامية يتضمن الختان، مع أن اليهود الإثيوبيين يختتنون عادة. وتقول رئاسة الحاخامية إنّ الختان الذى مارسه اليهود الإثيوبيون هو ختان غير شرعي. وهناك أيضاً مراسيم أخرى يجب أن تطبق عليهم ويلتزموا بها.

وقد قبل بعضهم التهوّد، لكن أغلبهم رفض الفكرة واعتبرها إهانة بحقه وإذلالاً بل قالوا إنّها عنصرية واضحة لا تمت إلى الدين بصلة. وأكدوا بأنهم طبقوا شريعة موسى منذ قرون طويلة كما فهموها من التوراة. وقال أحدهم: "نحن يهود وقد دفعنا ثمناً باهظاً من أجل أن نأتي إلى القدس، ومع ذلك فقد عوملنا بتفرقة من قبل اليهود البيض" وقال أحد قسسهم (حاخاميهم) "إنّ هذه ليست طريقة إنسانية، لأّنه من العيب الكبير أن يمارس هذا العمل باسم اليهودية معنا"( ).

وقال آخر " نحن اليهود الإثيوبيين قد عزلنا أنفسنا عن الأغراب، وعادات الأغراب أكثر من أية جماعة يهودية أخرى، حتى لا نندمج ونفقد هويتنا. وقد كافحنا كثيراً ضد المشاكل والمصاعب من أجل أن نحافظ على عقيدتنا، وتطبيق التوراة إلى الحد الذي ضحينا بأنفسنا من أجل نلك. وكنا حتى الوقت الذي اكتشفنا فيه العالم اليهودي، نعتقد بأننا اليهود الوحيدون في العالم.

ومع ذلك استمررنا على المحافظة بكل احتراز على ممارسة الفرائض. ونحن نطالب بالعدالة والمساواة ،لأن الشخص إما أن يكون يهودياً أو غير يهودي، وأن هذا الإذلال يجب أن يتوقف حالاً والى الأبد. وأنّ كل يهود أثيوبيا يجب أن يحترموا كيهود مثل أية جماعة يهودية أخرى( ).

وقال أحدهم "عندما جئت إلى إسرائيل شعرتُ بأنني يهودي حر، وقد كانت مفاجئة أن أرى اليهود يقودون سياراتهم ويسمعون الراديو في يوم السبت، ومع كل هذه المخالفة فأنهم يطلبون مني أن أتهوّد. لقد كنتُ في إثيوبيا أشعر بأني يهودي في كل شيء، وقد مارست الشعائر طبقاً للتوراة لكنهم يقولون لي هنا، بأني لست يهودياً ويجب عليّ أن أتهوّد، إذن فما فائدة السنين التي مارست فيها اليهودية في السابق( ).

وهدّد اليهود الإثيوبيون بالقيام بالمظاهرات والاعتصامات وهدّدوا بالرجوع إلى إثيوبيا عن طريق مصر للإعلان عن مشكلتهم( ). وهدّد بعضهم بالانتحار. ولجأوا إلى الحكومة، واجتمعوا برئيس الوزراء في حينها شمعون بيريز، وقالوا له إنهم يهود منذ قرون طويلة، وأن طلب رئاسة الحاخامية منهم ان يتحولوا إلى اليهودية وأن يختتنوا ويغتسلوا ويؤدوا بعض المراسيم الأخرى، إنّما هو شيء مهين لهم، "وقد أخبروا بيريز بأن أفراداً منهم قد انتحروا بسبب ذلك " ووعدهم بيريز بأن يجد حلاً لمشكلتهم خلال بضعة أسابيع فوافقوا على ذلك. واجتمع بيريز برئاسة الحاخامية، وبعد محادثات طويلة مع رئيسيها (الاشكنازي والسفاردي) أعلن بيريز بأن شرط الاغتسال غير مطلوب، ولكن يجب أن ندرس حالة كل شخص على انفراد. وتضمن البيان بأن المحاكم الدينية يجب أن تستشير حاخامي اليهود الإثيوبيين، لكن بعد صدور هذا البيان قال أحد المساعدين في رئاسة الحاخامية، بأن على كل يهودي يهاجر إلى إسرائيل يريد ان يتزوج يجب عليه أن يثبت أنه يهودي، وهذا يعنى أن اليهود الإثيوبيين عليهم ان يتحولوا إلى اليهودية الأرثودكسية، لأنه طبقاً لرئاسة الحاخامية ليس عندهم ما يثبت يهوديتهم. واحتجوا على ذلك واعتصموا أمام رئاسة الحاخامية لفترة شهر كامل، وكان بعض الإسرائيليين قد أيّدهم في مطالبهم مثل اليهود الإصلاحيين والمحافظين، (وهم من اليهود الذين لا تعترف بهم المؤسسة الدينية في الوقت الحاضر( ).

وأخبرتهم رئاسة الحاخامية بأنها ستعترف بصحة يهوديتهم والحقوق المترتبة على ذلك، واعتقد اليهود الإثيوبيون بأن قضيتهم قد حلّت. لكن الحاخامية أصدرت أمراً إلى الموظفين المسؤولين عن الزواج والطلاق، بأن لا يسجلوا زواج أي شخص إلا إذا تعهد بتنفيذ الوصايا الدينية (على الطريقة الأرثودكسية)، وكذلك بوجوب أداء التطهير الروحي بغمر جسمه(يرتمس) بالماء والاختتان أمام الحاخامين ، وعلى المرأة أن تقبل الوصايا الدينية وتغمر جسمها بالماء أمام شهود.

واذا ما تمّ إثبات مقدم طلب تسجيل الزواج بأنه قد اختتن بشكل صحيح سابقاً، فإنّ المطلوب منه فقط قبول الوصايا والاغتسال ارتماساً بالماء( ).ومعنى هذا أن رئاسة الحاخامية أخلفت ماوعدت به وكذبت عليهم.

وتدخل بيريز مرة أخرى لحل النزاع، وصيغ اتفاق بين بيريز ورئاسة الحاخامية، لكن هذا الاتفاق كان يشبه الذي رفضه الإثيوبيون سابقاً، إذ أنّه ترك تحديد يهودية الإثيوبي إلى المحكمة الدينية، ومن دون شرط الاغتسال. لكن اليهود الإثيوبيين كانوا أيضاً يريدون أن يكون حاخاموهم، هم الذين يتأكدون من يهودية الشخص في حال الشك. وكان جزء من هذا الاتفاق إنشاء معهد خاص بدراسة شؤون يهود إثيوبيا ضمن وزارة الأديان، ويكون من مهماته إعطاء توصيات حول الزواج والطلاق وغير ذلك من أمور. وعندما انشئ المعهد لم يكن من بين أعضائه أي حاخام من اليهود الأثيوبيين( ).

وظلت رئاسة الحاخامية مصرة على ذلك واليهود الإثيوبيون يرفضون، ولجأ الأثيوبيون إلى حاخامي المذهب الإصلاحى كى يشرفوا على عقود زواجهم وطلاقهم( )، ولكن اليهود الإصلاحيين هم أيضاً غير معترف بيهوديتهم من قبل المؤسسة الدينية الرسمية في إسرائيل .

وتظاهروا أيضاً عام 1992م حول القضية نفسها،أمام مكتب رئيس الوزراء إضافة إلى مطالبتهم بتحسين أحوال سكناهم في معسكرات الاستيعاب، التي قالوا عنها إنها في حالة سيئة. وقابلهم وزيران لاقناعهم بالتوقف عن التظاهر، لكنهم رفضوا، وحاول بعضهم دخول مقر رئيس الوزراء ولكنهم منعوا من ذلك. وقال أحدهم " إنّ هؤلاء يعاملوننا مثلما يعاملون العرب، إنّنا نريد أن يشرف علينا يهود طبقاً لمعتقداتنا. وقال إن الحاخامية انتزعت كل صلاحيات حاخامي اليهود الإثيوبيين، ونحن لا نفهم عدم اهتمام الحكومة والسكان بنا".

وقد سبّب عدم الاعتراف بهم بعض حالات الانتحار. وذكر اديسو مسالي(وهو منهم) والذي كان يعمل مع الوكالة اليهودية في حينها أنّه بين 1985 – 1987 كانت هناك 30 حالة انتحار. وكان من أسباب ذلك عدم تسجيل رئاسة الحاخامية زواجهم( ).

من مشاكلهم الإجتماعية في إسرائيل

أبرز مشكلة واجهها يهود أثيوبيا بعد وصولهم ،كانت مشكلة الإعتراف بهم التي تحدثنا عنها ثم مشكلة السكن، إذ ظل الكثير منهم يعيشون في بيوت متنقلة. وكان من هؤلاء من سكن لفترة طويلة في فنادق، إذ تحشر عوائل في غرفة أو غرفتين، من دون أن يكون في هذه الفنادق وسائل تبريد أو خدمات للطبخ.

واحتجاجا على ذلك، قام الأثيوبيون في عام 1992 بمسيرة مشياً على الأقدام من عسقلان إلى القدس، احتجاجاً على الحال السيئة التي يعيشون فيها، وقد شارك في هذه المسيرة حتى كبار السن والأطفال منهم وأيضا بعض النساء الحوامل. وبعد أن قطعوا عشرين كيلومتراً، وأصبح بعضهم في حال صحية خطرة، ذهب إليهم وزير الاستيعاب وقابلهم وتحدث إليهم، وطلب منهم إنهاء الاحتجاج والتوقف عن السير.وقد اشتكوا له الوضع المتردي لسكنهم، ووصفوا له البيوت التي يعيشون فيها بأنها تشبه صناديق كرتونية ضيقة وخانقة وحارة، وهي صغيرة لعائلة من ثمانية أشخاص أو أكثر كما قالوا. واشتكوا له أن السكن يخلوا من وسائل الراحة الأساسية، والموظفون المسؤولون عن معسكرات البيوت المتنقلة يرفضون المساعدة.

وطالبوا الحكومة ببيوت دائمة، ووعدهم الوزير بأنه سيحاول حل المشكلة خلال ثلاث سنوات. وقال له أحدهم أنّنا نريد عملاً حقيقياً، وإذا لم تحل المشكلة خلال ثلاث سنوات، فإن اليهود الإثيوبيين سينفجرون. ثم قال إنّنا لم نتعلم دروس ما حدث في المعسكرات المؤقتة في الخمسينات، وأنّ السكان لا يعرفون الصعوبات التي يواجهها أبناؤنا في المدارس، إذ هناك تفرقة ضدهم وأنهم يوضعون لسنوات في مدارس لوحدهم، وهناك الكثير من التمييز ضد اليهود الإثيوبيين عموماً، وهناك أيضاً القصص الأخرى حول أمراض اليهود الإثيوبيين( ).

وقال مدير جمعية اليهود الإثيوبيين لصحيفة الجويش كرونكل 2/2/1996م إنّ اليهود الإثيوبيين موزعين في أماكن كثيرة معزولة في طول البلاد وعرضها، وإنّ هناك الآلاف بدون كنيس للعبادة قرب سكنهم، واتهم الحكومة بأنّها تهمل هؤلاء روحياً.

ومن القضايا التي يشتكي منها اليهود الإثيوبيون هي قضية التعليم حيث هناك تفرقة ضدهم في هذا المجال كما يقولون. فمنذ بداية مجيئهم إلى إسرائيل وضعت الغالبية العظمى من أبنائهم في مدارس دينية دون اختيار لهم ورغبة منهم. ولم يوضعوا في مدارس عادية، وقال رئيس جمعية اليهود الإثيوبيين بأنّ 80 في المائة من المراهقين الإثيوبيين يدرسون في مدارس داخلية، وهي مدارس مقتصرة على الإثيوبيين، وتدرس المذهب اليهودي الارثودكسي. وقدخصص لهؤلاء الطلاب برنامجاً لا يؤدي إلا إلى الحصول على عمل من درجة متدنية، إضافة الى تركيز الدراسة على اللغة العبرية. وهم في هذه المدارس لا يختلطون باليهود الإسرائيليين، وإذا وضع معهم أطفال من هؤلاء، فإنهم في الغالب يكونون من عوانل لديها مشاكل، ، ولا تقبلهم المدارس الأخرى. واختلاط هؤلاء بالإثيوبيين يخلق لهم مشاكل. ويقول اديسو مسالي، بأنّ الطلاب الإثيوبيين ينَسبون إلى أسوأ المدارس، حيث لا يكون معهم إلا طلاب متخلفون.

وإذا وضع الإثيوبيون فى برنامج مهني، فإنهم لا يجدون سهولة في الحصول على عمل بعد الإنتهاء من دراستهم. ففي عام 1992 مثلاً تخرج حوالى خمسة وثلاثون طالباً من مدرسة "هداسا نيوريم"، بعد ثلاث سنوات من الدراسة ، وقدم هؤلاء الخريجون طلبات للتعيين في وظائف عن طريق وزارة الاستيعاب وألزمت ثلاث بلديات نفسها بتوظيفهم، لكنها بعد فترة تنصلت هذه البلديات من التزاماتها.

وتذكر إحصائية أصدرتها جمعية يهود إثيوبيا بأنّ 7 في المائة فقط من الطلاب الإثيوبيين اجتازوا امتحان الثانوية العامة. وهي نصف نسبة الطلاب العرب( )، الذين يعانون من التفرقة. وهذه النسبة هي أقل نسبة بين الأقليات اليهودية الأخرى. ويرى أحد مسؤولي هذه الجمعية، بأن الحكومة قد فشلت في تقريب الشقة في موضوع التربية بين أطفال اليهود الإتيوبيين وغيرهم.

وهناك أيضاً المشاكل الاجتماعية الأخرى مثل مشكلة التمييز من قبل السكان اليهود أنفسهم ضد اليهود الإثيوبيين- بخاصة من اليهود الأشكنازيم- وهم يذكرون حوادث كثيرة حدثت لهم يعتبرونها عنصرية صارخة ضدهم. ففي عام 1993 كانت هناك خطة لنقل بعض الفلاشا إلى بلدة " نِشر" على مقربة من حيفا، ولما علم السكان بذلك قاموا باحتجاج صاخب وعنيف، حتى أنهم أغلقوا الطرق في البلدة، كي لا يتم نقل اليهود الإثيوبيين إليها. وقالوا بأنهم يرفضون بشدة ان يسكن هؤلاء بقربهم، لأن أسعار البيوت سوف تهبط بسبب وجودهم. كما كان هناك احتجاج من قبل اليهود الروس رافضين اسكانهم بقربهم، في منطقة "يوقني عام" العليا( ).

كما رفضت بعض المدارس قبول أبناء هؤلاء في مدارسهم. كما حدث في مدينة حيفا عام 1992، حيث رفض رئيس بلديتها قبول بعض الطلاب الإثيوبيين وهذا مازال يحدث إلى وقتنا الحاضر. وقد أوجز اديسو مسالي الذي أصبح رئيس منظمه يهود إثيوبيا علاقتهم بالسكان الإسرائيليين بقوله "إنّ(اليهود) الإسرائيليين يقولون بأنهم يحبوننا، لكنهم لا يحبون أن نعيش بقربهم، ويشمئزون من رائحة طعامنا ويكرهون ملابسنا الافريقية( ).

ومن المشاكل الاجتماعية المستحكمة بين الإثيوبيين مشكلة البطالة، إذ أن هناك مجموعات كبيرة منهم تعيش على المعونة الاجتماعية، ووصلت نسبة البطالة في بعض المدن إلى 81 في المائة، كما فى عسقلان، ولما كانت هذه المعونة الاجتماعية غير كافية، فإن بعض اليهود الأثيوبيين أخذوا يتحولون الى مسيحيين. وقد نقلت « The Jerusalem Report » في 10/8/1995 أنّ سبع عوائل إثيوبية يهودية من منطقة الناصرة العليا تحولت إلى المسيحية "في الأسابيع القليلة الماضية لينقذوا أنفسهم من الوضع الاقتصادي السيء"،والحصول على مساعدات من الجمعيات التبشيرية.

ومن المشاكل التي ظهرت بسبب وضعهم المتردي مشكلة الطلاق، إذ تبلغ النسبة بينهم أكثر من المعدل بين اليهود الإسرائيليين بمرتين أو ثلاث( ). وهناك أيضاً المشكلة التي نشأت عن تخلف بعض أفراد العائلة أثناء "عملية موسى " إذ أنّها توقفت فجأة فى حينها، وطلب من الذين تخلفوا أن ينتظروا في أديس أبابا لفترة قصيرة، لكن الفترة طالت لست سنوات، حتى ذكر بأن نسبة الأطفال الأيتام في هذه العملية وصلت إلى ما يقرب النصف من عدد الأطفال، وأنّ الكثير من الزوجات جئن من دون أزواجهن، وقد ولد بعضهنّ أولاداً غير شرعيين، وزادت مشكلتهنّ تعقيداً بسبب عدم إمكان تسجيل أبنائهن عن طريق المؤسسة الدينية. ويقول أحد المسؤولين الاجتماعيين إنّ هناك حالات كثيرة مثل هذه في إسرائيل.

ومن المشاكل التي ترتبط بالنساء مشكلة الاغتسال والتطهر بعد الطمث والولادة ، فنساء اليهود الإثيوبيين يرتمسن في النهر بعد هاتين الحالتين، لكن ليس من السهولة العثور على نهر في إسرائيل للارتماس فيه للتطهر من الطمث، وما بعد الولادة( ).ومن المشاكل التي يعتبرونها عنصرية من الدولة ضدهم ، هو ما كانت تقوم به الدولة ، (وحدث ذلك مرتين)، حيث كانت تتخلص من الدماء التي تبرعوا بها بادعاء أنها تحمل فايروس الأيدز، وكان الناطق باسم وزارة الصحة قد قال في حينها في تبرير التخلص من الدم "إن بعض المجموعات لايمكن أن يقبل دمها بخاصة تلك التي يعتقد أن الأيدز منتشر بينها"( هاىرتس 7/11/2006). .

واحتجاجا على ذلك تظاهر عشرة آلاف منهم امام مكتب رئيس الوزراء، ودمروا مئتي سيارة لموظفيه،وفي حينها وعدتهم الحكومة بالتحقيق في الأمر. ومن الحالات التي يرونها عنصرية ، ماكشفه أحد الصحفيين الذي كان يبحث عن سبب انخفاض نسبة الولادة بين يهود أثيوبيا،وعندما قابل ثلاثين امرأة منهم، تبين له أنهن يعطين دواء لمنع الحمل دون علمهن، بل ورفضهن له كما نسب لإحداهن ،حيث قيل لهن إنه تلقيح ضد الأمراض.وقالت صحيفة الإندبندت البريطانية (7/1/2003)، التي ذكرت الخبر بأن هذه المادة، التي تحقن بها المرأة مفعولها كبير وتأثيرها شديد وبعيد المدى.

وقد تظاهر الالاف منهم في نهاية نيسان وبداية مايو من هذه السنة (2015) احتجاجا على ضرب الشرطة الإسرائيلية لجندي أثيوبي، وهو بلباسه العسكري،واعتبروا ذلك استمرارا للعنصرية الإسرائيلية نحوهم.وقد اعترف رئيس الدولة راؤوبين ريفلن بذلك، وقال طبقا لما ذكرته وسائل الإعلام "إن الإحتجاجات كشفت جرحا داميا في قلب المجتمع الإسرائيلي،ويجب أن ننظر مباشرة إلى هذا الجرح،ولكننا أخطأنا ولم ننظر".كما قابل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو،بعض ممثلي الفلاشا وقابل الجندي المعتدى عليه،حيث ترضاه وأثنى عليه ومدحه،فطلب الجندي من أبناء جلدته التوقف عن التظاهر، حيث جرح العشرات منهم.

ويحذر اليهود الإثيوبيون من تفاقم المشاكل الاجتماعية. وقال شولا مولا وهو أحد الطلاب الجامعيين القلائل « إذا لم يكن هناك تغيير حقيقي يحدث بسرعة، فان اليهود الإثيوبيين سيقومون بما يقوم به اليهود السود في أمريكا »( ).

وأكد فاسيل لاغاسا، أحد مسؤولي منظمة اليهود الإثيوبيين، بأن مشاكلهم في ازدياد ،وقال « إنّ المشاكل الاجتماعية آخذة في الازدياد، وهي تتجه نحو الأسوأ وإنّنا نواجه حالة انفجار لأنّ المستائين في إزدياد »، وأضاف: « إنّه لمن المحزن جداً بعد عدة أجيال من الحلم بالمجيء إلى إسرائيل يترك الكثير من شبابنا جذورهم »( ).

وما ذكر في هذه الجملة الأخيرة كلام صحيح فالكثير من شباب الفلاشا الإثيوبيين أخذوا يرفضون الارتباط باليهود عموماً والإسرائيليين خصوصا،ً ويبحثون عن تراث خليط من الكاريبي والافريقي وينتمون إليه . فأخذوا يتبنون طريقة قص الشعر لأولئك، ويلبسون لباساً ألوانه مثل ألوان فرقة « الراستفيريان » ويعملون ظفائر طويلة لشعورهم مثل أتباعها. وهذه الفرقة نشأت في منطقة البحر الكاريبي ونموذجها الأعلى أو إلهها، هو هيلاسي لاسي آخر امبراطور لإثيوبيا. وأخذ هؤلاء يتكلمون عن القومية السوداء ويقولون أنهم من الجنس الأسود وليسوا يهوداً أو إسرائيليين. وأخذ البعض يغيرون أسماءهم اليهودية إلى أسماء أفريقية. ويؤم الكثير من هؤلاء اليوم مكاناً يجتمعون فيه، ويرقصون اسمه سويتو ( على اسم حي في جنوب افريقيا) وهو في تل أبيب تزيّنه صورة نيلسون مانديلا. وهم يأتون إلى هذا المكان من سائر أنحاء إسرائيل، ويقولون أنهم يأتون إلى هذا المكان، لأنهم يشعرون بأنه مثل البلد لهم وأنهم أسياد فيه. وقد اكتشفوا في هذا المكان – كما يقولون – شيئاً يرتبط بتراثهم الافريقي( ).

ويرى بعض الباحثين الاجتماعيين أنّ هذا السلوك يعبّر عن ردّ فعل لفشل المجتمع الإسرائيلي في استيعاب هؤلاء ودمجهم فيه. ويريد اليهود الإثيوبيون بهذا السلوك ملء الفراغ الذي نشأ عن اجتثاث تقاليدهم الخاصة بهم، وإحلال التربية الدينية محلها، التي أجبروا على تلقيها من دون أن يكون لهم خيار أو رأي فيها.


-2 - فلاش مورا


بعد تهجير الفلاشا ، بدأت إسرائيل بتهجير مجموعة أخرى من الأثيوبيون الذين ادعوا انهم من أصول يهودية. واتخذت الحكومة الاسرائيلية قراراً بتعجيل نقل هذه المجموعة ، بعدما كانت تنقل منهم بضع مئات كل شهر خلال التسعينات من القرن الماضي، ليصل عدد من نقل منهم الى اسرائيل الى مايقرب من عشرة آلاف . ويأتي قرار تهجير هؤلاء بعد أحد مؤتمرات هرتسيليا السنوية، الذي تحدث فيه رئيس الوكالة اليهودية عن تناقص عدد اليهود في العالم، وتناقص عدد المهاجرين الى اسرائيل، بخاصة من دول الاتحاد السوفياتي السابق. ويطلق على هؤلاء "فلاش مورا" تمييزاً لهم عن اليهود الأثيوبيين ،الفلاشا. ولا يعرف على وجه الدقة معنى كلمة "مورا"، وان كان من المحتمل أنها تعني المتحول عن دينه في لغة شعب "الاغوا" الاثيوبي. و"الفلاش مورا" ليسوا يهوداً ولا يمارسون اليهودية، بل كما يقولون هم مسيحيون.

فهم يمارسون العقيدة المسيحية ويتعبدون بها، وغالبيتهم متزوجون من مسيحيات من الفئات المسيحية الأخرى، ويضعون صورة السيدة مريم في بيوتهم ويعلقون الصلبان في قلائدهم، والكثير منهم يَشِم بعلامة الصليب جبهاتهم، بل ان بعضهم قساوسة على المذهب المسيحي الارثوذكسي. لكن هؤلاء يدعون انهم من أحفاد الفلاشا الاثيوبيين، الذين حولهم المبشرون الأوروبيون الى المسيحية منذ منتصف القرن التاسع عشر. وكان هؤلاء المبشرون قد وفدوا في تلك الفترة الى اثيوبيا لتنصير الفلاشا، بعدما علموا بوجودهم من خلال نشر كتاب جيمس بروس الذي ذكرناه سابقا. وقدجاء هؤلاء من اكثر من بلد أوروبي، وقاموا بنشاط مكثف.

ولولا مجيء الموفدين اليهود لايقاف هذا النشاط وابطائه بتشجيع الفلاشا على البقاء على معتقدهم وتقديم المغريات لهم لتنصر الغالبية العظمى منهم. وكانت اسرائيل وعدت الفلاش مورا في التسعينات من القرن الماضي بتهجيرهم، فنقل الآلاف منهم الى منطقة غوندار وأديس ابابا، واسكنوا في مخيمات ترعاهم بعض المنظمات اليهودية والمؤسسات المسيحية الصهيونية بالتعاون مع الوكالة اليهودية. وانشئت لهم بعض المدارس تدرسهم الديانة اليهودية واللغة العبرية، ويتعلمون طريقة العيش الحديثة فيها، وتعرض لهم أفلام عن اسرائيل وعن الحياة الجميلة فيها.

وانتقد بعض المسؤولين الأثيوبيين نقل مواطنيهم الى اسرائيل، ويعتبرونه عملاً مدمراً لتاريخ أثيوبيا وتراثها ويقولون: «لو كانت اسرائيل تريد مساعدة هؤلاء حقاً لساعدتهم وهم في بلادهم». بررت وزارة الخارجية تهجير هؤلاء على دفعات بقولها، ان اسرائيل لا تريد ان تهجر «الفلاش مورا» دفعة ،واحدة، حتى لا تحرج الحكومة الاثيوبية بتهجير مواطنيها! وقد ارتفعت أصوات داخل اسرائيل تعترض على جلب هؤلاء. وكان من المعترضين حاخامون يرفضون علاقة هؤلاء باليهودية. كما اعترض بعض أعضاء الكنيست ايضاً، بل ان بعض المسؤولين في اسرائيل اعترض على جلب مثل هذا العدد الكبير من المسيحيين. لأن هذا في نظرهم يضر بتركيبة المجتمع الاسرائيلي وغالبيته اليهودية. بل ان بعضاً من اليهود الأثيوبيين (الفلاشا) انفسهم رفضوا ان يهجر هؤلاء الى اسرائيل، وأنكروا عليهم ادعاءهم وقالوا عنهم انهم أناس مرتدون يريدون ان يهربوا من حياة الفقر والعوز، التي يعيشونها في أثيوبيا.

ولكن رئيس الوكالة اليهودية دافع عن قرار الحكومة، وقال عنه انه قرار صحيح من وجهة نظر انسانية ويهودية وصهيونية، مشيراً الى انهم يهجرون وفق مواصفات خاصة. وهو هنا يشير الى ان هؤلاء لا يهاجرون طبقاً لقانون العودة المعروف، وانما طبقاً لقانون شرعته اسرائيل يسمى «قانون جمع الشمل». وقال أحد المسؤولين «سواء كان هؤلاء يهوداً أو غير يهود، فإنهم سيتحولون الى اليهودية عند وصولهم». وهذا صحيح واليهودية التي سيتحول اليها هؤلاء، هي اليهودية الارثودكسية التي تفرض عليهم ،ولا يعطون خياراً لاختيار مذهب يهودي آخر مع أن هناك مذاهب يهودية أخرى في إسرائيل. وكان بعض اليهود الأثيوبيين كما ذكرنا،والعبرانيين الاسرائيليين (وهم من الأفارقة الاميركيين) قد رفضوا اعتناق المذهب الارثودكسي.

وطبقاً لقانون «جمع الشمل» هذا هاجر عشرات الآلاف من الروس، الذين هم ليسوا يهوداً، وليس لهم أي صلة باليهودية، وقد أصر هؤلاء على بقائهم على عقيدتهم المسيحية، وهم اليوم مجموعة كبيرة لها ثقافتها وطريقة حياتها التي تتميز بهما عن بقية الروس الآخرين بل واليهود عامة، وان الكثير منهم يسكنون في أماكن خاصة بهم، ولهم كنائسهم ومراكزهم الثقافية ولهم محلاتهم التي تبيع ما هو محرم على اليهود مثل لحم الخنزير. وإن أولادهم الذين يلتحقون بالجيش يقسمون قسم الولاء بالأنجيل. ويأتي تهجير"الفلاش مورا" على رغم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الفلاشا في اسرائيل كما ذكرنا. ففي آخر احصاء عن نسبة الفقراء بينهم تبين أن هناك 60 في المائة منهم من يعدون من الفقراء، كما ان نسبة البطالة بينهم تعتبر أعلى نسبة في اسرائيل، كما ان الأجور المنخفضة هي ظاهرة عامة بينهم، أما عدد حالات الانتحار فنسبتها هي الأعلى بين شرائح المجتمع الاسرائيلي. وأخذت تحدث بعض حالات التهرب من الخدمة في الجيش. وفي استطلاع حديث عن ظاهرة العنصرية بين فئات المجتمع الاسرائيلي قال 43 في المائة من الاسرائيليين انهم يرفضون الزواج من الفلاشا ولا يريدون لابنائهم ان يتزوجوا منهم.وقد ذكرنا سابقا نماذج مما يصفه الأثيوبيون بالعنصرية ضدهم.

وتهجر اسرائيل الى جانب «الفلاش مورا» مجموعة أثيوبية أخرى تسمى «قوارا» من شمال شرقي أثيوبيا، وهؤلاء يدعون أنهم يهود، وقد وصل منهم الى اسرائيل حتى اليوم بضعة آلاف، ومن ضمن هؤلاء مجموعة أخرى انضمت الى «القوارا» تسمى «غوفر"، كان القوارا يشترونهم عبيداً من الأمهرة، ويتخذون من نسائهم سرّيات وجواري ويحولونهم الى عقيدتهم ويعتبرونهم جزءاً منهم، وهؤلاء يتميزون عن بقية الاثيوبيين بلونهم الداكن وسواد سحنتهم الشديد .

ويبدو ان تهجير هؤلاء لن يكون الأخير من اثيوبيا، فقد وجدت صحيفة «جيروزاليم بوست» في تحقيق لها في أثيوبيا، ان هناك الآلاف من هؤلاء ممن لم يحصهم ممثلو الحكومة الاسرائيلية، ممن يعيشون في قرى نائية ويريدون الهجرة الى اسرائيل. وتقول الصحيفة انه في بلد يصل عدد سكانه الى 65 مليوناً، فإنه من المحتمل ان يكون هناك مئات الآلاف من هؤلاء. وعلق أحد المسؤولين في اسرائيل على احتمال هجرة أعداد كبيرة من هؤلاء بقوله: «ان امبراطور اثيوبيا السابق (هيلاسيلاسي) كان ادعى انه من سلالة سليمان، فما بالك في بقية الاثيوبيين وما الذي يمنعهم من ادعاء الأصل اليهودي إذا كانوا يريدون الهرب من الفقر». والى جانب تهجير الاثيوبيين هناك خطط اسرائيلية لتهجير الآلاف ممن يسمون «بني منسه»، وهؤلاء هم قبائل تعيش على طرفي الحدود بين الهند ومينمار (بورما)، وقد ادعى بعض الحاخامين في اسرائيل أن هؤلاء هم من القبائل اليهودية الضائعة، وهجرت اسرائيل بضع مئات منهم حيث سكنوا المستوطنات. وقد أرسل بعض المندوبين من اسرائيل لتهيئة هؤلاء للهجرة اليها.

والبحث عما يسمى القبائل الضائعة يمتد- كما ذكرت في أكثر من مقالة- من القارة الاميركية الى افريقيا وآسيا، وأخذ هذا النشاط اليوم يركز على بعض القبائل والجماعات المسلمة، خصوصاً تلك التي تسكن الحدود الافغانية ـ الباكستانية بحجة ان هؤلاء من أصول يهودية. وقد ازدادت هذه النشاطات بعد 11 ايلول (سبتمبر) وهي نشاطات مريبة وخطرة. ولكن القرار الذي سيفتح الباب على مصراعيه لهجرة القاصي والداني الى اسرائيل، هو ذلك الذي أعلنت عنه الوكالة اليهودية بقبولها هجرة من يسمون اليهود بالاختيار، وهؤلاء هم أناس لا يمتون الى اليهودية بنسب ولابصلة، ولكنهم تحولوا أو يتحولون اليها. ويبدو ان اسرائيل تريد بهذا ان تعوض عن مصادر الهجرة التقليدية التي بدأت تجف منابعها ويتوقف تدفقها، وهي اليوم تبدو وكأنها تسابق الزمن بسبب الهاجس الديموغرافي الذي يؤرقها ويخيفها،حيث ذكرت صحيفة الجويش كرونكل اللندنية في عددها المؤرخ في 2/1/2015 أن مجموع الفلسطينيين،الذين هم في إسرائيل والأراضي المحتلة وغزة سيكونون أكثر عددا من الإسرائيليين اليهود في السنة القادمة (2016). واسرائيل كما هو معروف تنظر الى زيادة السكان على انها مصدر قوة وهدف استراتيجي بعيد المدى والغايات، فبزيادة سكانها تؤكد وجودها كدولة يهودية، ويزداد نفوذها وتأثيرها في المنطقة وخارجها، كما انها ستكون أكثر تشدداً في موقفها مع العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً وهو ما أخذ يتبين الآن.

واما المشاكل التي تواجهها كمشاكل الفلاشا ونسبة الفقر العالية بين هؤلاء، فإن المسؤولين في اسرائيل يرون فيها مشاكل عابرة وموقتة ستزول بتغير وضع المنطقة في المستقبل. ولكن يبقى السؤال المهم وهو ما الذي سيحدث إذا استمرت اسرائيل على هذه الوتيرة في جلب هذه الأعداد الكبيرة التي تملأ بها الأرض وتبني من أجلها المستوطنات، وكم إذن ستكون مساحة دولة فلسطين التي تدور حولها محادثات السلام وما حجمها ان أريد لها ان تقوم؟ ربما لا يعرف الجواب على هذا السؤال إلا المسؤولون الاسرائيليون انفسهم.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-09-2015, 12:56 PM   #51

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تدمير دمشق في الفكر المسيحي الصهيوني

تدمير دمشق في الفكر المسيحي الصهيوني
جعفر هادي حسن

من المعروف أن الفكر الديني المسيحي الصهيوني، يعتمد كثيرا على نبوءات الكتاب المقدس(العهد ين القديم والجديد)، بل إن أفكاره الرئيسة وضعت أصلا على هذا الأساس، ومنها دعم إسرائيل والدفاع عن سياستها والمساهمة في تنفيذ مشاريعها وتحقيق أجندتها،ومحاربة أعدائها. ومن وجهة نظرهؤلاء، أن بعض هذه النبوءات قد تحقق،بينما البعض الآخر في طريقه إلى التحقق ، قبل أن يظهر المسيح عيسى مرة أخرى طبقا لخطة إلهية كما يقولون،والتي عرضوها ويعرضونها في مئات من مؤلفاتهم التي بيع من بعضها الملايين،مثل بعض كتب "هال لندسي" ،و"تم لاهي". وهم يرون في بعض الاحداث المهمة التي حدثت، مثل الحادي عشر من سبتمبر وتسونامي أندنوسيا واحتلال العراق وأفغانستان وغيرها، أنها جزء من هذه الخطة الإلهية.

وعندما حدثت الإنتفاضات في العالم العربي، وجدوا فيها تحقيقا لبعض هذه النبوءات، وانها تحدث ضمن الخطة المذكورة، ولكن ما أفرحهم أكثر وزاد من ثقتهم وبشروا به أتباعهم، هو ما يحدث في سوريا،لأن نبوءة في سفر إشعيا، تتعلق بدمشق قد وردت في 17-1 منه بالنص التالي

قول (نبوءة) على دمشق
ها إن دمشق تُزال من بين المدن، فتكون ركاما من الأنقاض

وهم يؤكدون أن هذه النبوءة تشير إلى مايحدث في يومنا هذا، وأن هذه النبوءة ستتحقق، وأن دمشق ستدمر بل وتفنى وتصبح ركاما، كما ورد على لسان النبي اشعيا ،وهم يزفون البشرى لأتباعهم بذلك ويطلبون منهم متابعة المعارك في سوريا، والإهتمام بها، والتفاعل معها، ولذلك هناك حصة كبيرة لأخبارهذه المعارك، التي تدور في سوريا في وسائل إعلامهم ومواقعهم الإلكترونية، التي تعد بالمئات في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. .وهم لايهتمون فيمن يأتي بعد بشار الأسد من إسلاميين وسلفيين أو تكفيريين أو غيرهم، إذ أن المهم عندهم هو تحقيق هذه النبوءة بأي ثمن، وإثبات أن نبوءات الكتاب المقدس تتحقق، لتكون لهم مصداقية أمام أتباعهم. ومنذ أن بدأت الأحداث في سوريا، أخذوا يمارسون الضغط -عن طريق الكونغرس وغيره من المؤسسات الأخرى- على إدارة الولايات المتحدة، للتدخل في الحرب الدائرة ومساعدة المعارضة بالسلاح، بل إن هؤلاء يحرضون إسرائيل على ضرب سوريا ودمشق خاصة، وربما كانت الغارات الإسرائيلية المتكررة منذ بدء المعارك ،استجابة لذلك التحريض، مع غض النظر عما تعطيه إسرائيل من تبريرات.
وقد صدرت رواية في عام 2013، في الولايات المتحدة الأمريكية،تتعلق بهذا الموضوع بعنوان "دمشق العد التنازلي ل" يوئيل روزنبرغ" يصل عدد صفحاتها إلى مايقرب من خمسمائة صفحة، وفصولها أكثر من خمسين فصلا.وفيها تفاصيل ليس عما يحدث لسوريا بل لإيران وإسرائيل أيضا حيث يستعمل السلاح الذري. ويذكر المؤلف أن أحد أعضاء الكونغرس المهمين،طلب الإجتماع به ، وهو اعتقد أن موضوع اللقاء سيكون عن احتمال ضرب إسرائيل لإيران،ولكنه كما يقول تفاجأ بأن سأله عضو الكونغرس عن طبيعة نبوءة اشعيا، التي تتعلق بدمشق، ويقول المؤلف إنهما تحدثنا لفترة ساعة

عن الاحتمالات التي قد تحدث في ضوء الأحداث في الشرق الأوسط .ولاهتمام المؤلف بهذا الموضوع فإن له موقعا خاصا بسوريا والتطورات التي تمر بها، وهو يقول إنه يتابع الأحداث في سوريا عن قرب. وهذه الرواية هي آخر رواياته،وكل رواياته أو أغلبها هي عن النبوءات التي جاءت في الكتاب المقدس فيما يفترض أنه يخص عصرنا.ويرى مسيحيون كثيرون، ممن يرفضون تفسير هذه النبوءات بالطريقة التي ينهجها المسيحيون الصهيونيون،-ويوجد بعض هذا على مواقع في الإنترنت- إن النبوءة على دمشق، هي حدث كان قد حدث،إذ أن هذه المدينة كانت قد هوجمت في الماضي من قبل الملك الأشوري، تغلت فلسر الثالث وهزمت حيث أزال الدولة الآرامية فيها حدود 732قم (وهي الفترة التي قضى فيها أيضا على السامرة(إسرائيل) ) ، كما هو مسجل في حولياتهم.

وعليه- يقول هؤلاء- يكون حديث النبي اشعيا عن حدث قد وقع وليس عن حدث سيقع . ولكن المسيحيين الصهيونيين يرفضون هذا الرأي بإصرار ،ويقولون إن دمشق لم تدمر بشكل كامل في تلك الفترة، ولذلك تكون النبوءة للحاضر والمستقبل، وليس للماضي، إذ أن هذه النبوءة تؤكد كما يقولون،على تدميرها بالكامل ،حيث تصبح أثرا بعد عين ،بل ولاتصلح للسكن مرة أخرى.وهذا النقاش يدور اليوم على بعض مواقع الإنترنت .وهناك قضية أخرى يناقشها هؤلاء في هذا السياق،وهي وسيلة التدمير وطرقه، لأن طبيعة التدمير لم تذكر ولم يشر إليها في النص التوراتي .ومن وسائل التدمير التي يناقشونها، فكرة احتمال استعمال السلاح النووي ،ويقولون إن من عنده القدرة والإمكانية والجرأة لذلك والذي له المصلحة، هم الإسرائيليون.

ثم أخذوا يناقشون تفصيلات هذا الموضوع حول ما إذا كان ذلك بالقاء قنبلة كبيرة واحدة، أو عدد من القنابل الذرية الصغيرة. وهم يريدون في حالة حدوث هذا الأمر، أن يكون الإنفجار على الأرض، وليس في الجو كما في حالة هيروشيما ونكازاكي ، حيث تأهلت المدينتان بعد ذلك كما هو معروف.

إذ الهدف من التدمير هو أن تصبح دمشق-المدينة التي تعتبر من أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان-غير قابلة للسكنى مرة اخرى، طبقا لما يفهمونه من النبوءة ،وكما يريدونها أن تكون. وليس من الغريب أن لايفكر هؤلاء،بالعدد الهائل من الناس الذين يموتون، ولا بالأذى الذي يصيب من يبقى على قيد الحياة،ولا لما يحدث للبيئة من تدمير إذا تحقق مايريدون،فهذه المسائل بالنسبة لهم تفصيلات صغيرة هامشية، ليست بذات أهمية أمام تحقيق النبوءة ،ولذلك لاتذكر في نقاشاتهم هذه سوى قولهم أنهم يأسفون لما يحدث للناس والبيئة.ولا أدل على ذلك من قول هال لندسي-أحد أشهر منظريهم- "إن تدمير دمشق لايعني نهاية البشر الآخرين، ولكنه يقرب العالم من المواجهة(الأرمغدون)".وطبقا لهذا الواقع فإن العالم اليوم لا يواجه خطر التكفيريين والظلاميين حسب ،بل يواجه خطر هؤلاء وأفكارهم التدميرية،وهؤلاء مثل أولئك تماما يدمرون ويقتلون باسم الدين وهو منهم براء .


أكذوبة المحرقة Holocaust هولوكوست
منير جمال الدين سالم

كلمة " هولوكوست " يونانية الأصل وتعنى القرابين الحيوانية التى تُحْرَق تقربًا للآلهة. انتشار وشهرة هذه الكلمة فى قواميس اللغات الحديثة أصبحت لا تعنى إلا دعوى اليهود بالتصفية العرقية والإبادة الجماعية التى نالت ستة ملايين منهم على يد نظام هتلر خلال الحرب العلمية الثانية ، وتحديدًا القتل الجماعى فى غرف الغاز ثم الحرق يستعمل اليهود فى لغتهم كلمة " شواه" (SHUAH ) وهى تعنى المأساة أو الفاجعة أو النكبة.

وهذه الكلمة هى أقرب إلى الواقع فى تفسير ما جرى عليهم من اضطهاد على أيدى النازى بدءًا من التهجير القسرى والحرمان من الحقوق المدنية وإلى تحديد إقامة القادرين جَسَدِيًا فى معسكرات يعملون فيها بالسخرة . وذلك يُقَارَن بما كان يحدث فى جنوب أفريقيا ومازال يحدث للفلسطينيين فى الأراضى المحتلة من فلسطين .ولا يقارن بما كان يحدث فى الولايات المتحدة فى حق الأفارقة أو الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين . أو ما حدث أيضًا فى الولايات المتحدة فى ذات الوقت من تجميع كل من هم من أصل يابانى أو المانى فى معسكرات مشابهة بحجة خطورتهم على الأمن القومى.

يدعى اليهود أن هتلر أصدر أوامره بتصفية اليهود جسديًا باعتبارهم أعداء وخونة للأمة الألمانية ولا يمكن الوثوق بهم .
حقيقة أن هتلر كان يكن العداء لليهود . ولكن هذا العداء لم يأتى من فراغ .. فالثابت تاريخًا أن اليهود هم من بدؤوا بالعداء لألمانيا حتى قبل الحرب العالمية الأولى بسبب رفض ألمانيا القيصرية تبنى فكرة الوطن القومى لليهود فى فلسطين كما ذكرت فى جزء سابق من هذا الكتاب . وكما ذكرت أيضًا أن اليهود كانوا وراء دفع الولايات المتحدة للاشتراك فى كلا الحربين العالميتين إلى جانب الحلفاء وضد ألمانيا.

وهم أيضًا من بدأ العداء بل وإعلان الحرب على هتلر وألمانيا فى وقت مابين الحربين . ونُشِرَ هذا الإعلان على الصفحات الأولى لأكبر الصحف انتشارا فى أوروبا وبريطانيا وأمريكا . وإليك المثل من الصفحة الأولى من جريدة " دايلى إكْسِبرس " “Daily Express” والمؤرخة بيوم الجمعة الرابع والعشـرين من مارس عام 1933 تحت عنوان : " يهوذا يعلن الحرب على ألمانيا " " يهود العالم يتحدون ضد ألمانيا" " مقاطعة البضائع الألمانية "

وفى السابع من نوفمبر 1938 قام الإرهابى اليهودى البولندى "Hersehel Grynszpans " باغتيال الدبلوماسى الألمانى " Vom Rath " فى داخل السفارة الألمانية فى باريس ويَذْكَر أيضًا أنهم كانوا وراء إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب بعدها بيومين.

وصف أحداث ووقائع الهولوكوست

تتخلص فى أن النظام النازى قام بإعدام ستة ملايين يهودى بواسطة غاز السيانيد السام ثم حرق جثثهم . بدأت هذه الدعوى بأكذوبة أطلقها يهودى روسى يدعى L.P.BERIA الذى كان رئيسًا للبوليس السرى السوفييتى ( 1938- 1953 ) فى عام 1945 . بأنه أكتشف إبادة 6 مليون يهودى تحديدًا فى معسكرات العمل الواقعة فى بولندا . ولم يُسْمَح وقتها لأى محققين لاختبار والتحقق من صِحَة إدعاءاته اختلفت إدعاءات وسيلة الإبادة بدءًا من الخنق بواسطة بخار الماء . أو صعقًا بالتيار الكهربى فى غرف مخصصة مغمورة بالماء أو استخدام غاز أول أكسيد الكربون الناتج من عادم السيارات . وأخيرًا استقرت الأكذوبة على أن وسيلة الإبادة كانت بواسطة الغاز .

فى نفس العام ( 1945 ) نُشِرَتْ صحيفة "NEW YORK TIMES " (والمعروف ملكيتها ليهود ) بأن السلطات السوفييتية قد أصدرت معلومات بأن أربعة ملايين يهودى قد أُعْدِموا بواسطة الغاز فى معسكرات منطقة AUSCHEITZ . فى بولندا وكانت تعتبر أكبر وأهم منطقة صناعية عسكرية فى المناطق التى تسيطر عليها ألمانيا وكانت تضم 39 معسكر عمل 19 منهم كانت غالبية العمالة فيها من اليهود .

بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا تشكلت محكمة " نورمبرج" الشهيرة لمحاكمة ضباط وقواد النظام النازى كمجرمى حرب. كما قامت الجماعات الإرهابية اليهودية بتتبع واغتيال من هربوا منهم فى أوروبا وشمال أفريقيا والأمريكتين . منذ ذلك الحين قام الكثير من العلماء والمؤرخين والباحثين بتفنيد هذه المزاعم على أسس علمية وتاريخية . وكان من نصيب أغلبهم ليس فقط مصادرة كتاباتهم بل والحبس والغرامة طبقًا للقوانين التى وضعت فى أغلب دول أوروبا وبريطانيا وأستراليا وكندا لمعاقبة كل من ينكر أو يحاول إثبات عدم صحة هذه المزاعم.

تحديد عدد ضحايا الهولوكوست بستة ملايين ليس بجديد على اليهود وكذلك كلمة هولوكوست نفسها. اختير الرقم لإثبات أنه تحقيق لنبوءة جاءت فى سفر اللاويين من العهد القديم يفسـرونها بمعنى وجوب قتل وحرق ستة ملايين يهودى كتطهير وكتَقْدُمَة ( قربان ) تمهيدًا لقيام مملكة إسرائيل . ومجيء مَلكَها " مسيحهم الدجال" ذات الرقم وذات التعبير سبق ونُشِر فى عام 1919 فى العديد من الصحف المملوكة ليهود .. منها المقال المنشور فى 31 أكتوبر 1919 فى جريدة :

" AMERICAN HEBREW" بقلم حاكم ولاية نيويورك السابق " MARTIN H. GLYNN تحت عنوان " صلب اليهود يجب أن يتوقف ".

ومقال منشور فى 12 نوفمبر 1919 فى جريدة ""NEW YORK TIMES بقلم FELIX M. WARBURG "الألمانى أليهودى الأصل" ومدير : FEDERAL RESERVE SYSTEM OF U.S.A. بعنوان : "يحكى فواجع حزينة عن اليهود"

ونفس الرقم يتكرر على صفحات نفس الجريدة فى 13 ديسمبر 1942 فى تحقيق صحفى مع الرابى LSRAEL GOLDSTEIN الزعيم الصهيونى الشهير . وتنشر نفس الجريدة فى عددها الصادر فى 2 مارس 1943 نص خطبة ألقاها رابى يهودى يدعى HERZ فى مؤتمر عام فى الليلة السابقة فى حديقة ميدان ماديسون فى مدينة نيويورك MADISON SQUARE يذكر فيها نفس رقم ضحايا اليهود على يد الألمان . بعد الحرب تذبذب المدعين من صهاينة أو مسيحيين إنجيليين فى تحديد رقم ثابت للضحايا ، حتى أن الرقم يهبط حسب تقدير بعضهم إلى مليون ضحية .

فى الثالث من سبتمبر 1976 وفى السادس عشـر من يناير 1984 نشرت منظمة الصليب الأحمر الدولى تقارير وبيانات نهائية دقيقة عن عدد وفيات المعتقلين المسجلة فى كل معسكرات الاعتقال فى جميع أنحاء ألمانيا خلال الحرب. المجموع = 2820 77 بأسباب طبيعية أو نتيجة المرض أو المجاعات أو ظروف الحرب. جدير بالذكر أن كل ماذكر كان سابقًا لتشييد معسكر AUSCHWITZ وهو أكبر معسكرات العمل والتجميع والذى يدعى الصهاينة وحلفاءوهم وجود غرف الغاز فيه والمقام فيه حاليا متحف الهولوكوست .

يعتمد المناهضين الرافضين لهذه الأكذوبة على عدة تفسيرات منطقية ، أهمها:

1) أن ألمانيا أثناء الحرب كانت تحتاج لكل ألمانى قادر على حمل السلاح فى الجبهات المتعددة فى أوروبا وشمال أفريقيا . وبذلك فإن تسخير اليهود فى معسكرات العمل كان له أهمية كبرى وحيوية . إذ يغطى الاحتياج للأيدى العاملة داخل ألمانيا لتصنيع المؤن والسلاح . وليس مقبول منطقيًا أن تقوم ألمانيا بالتخلص من هذه العمالة الشبة مجانية – إلى جانب توظيف عدد كبير من الألمان فى تنفيذ مهمة بناء غرف الغاز وتنفيذ عمليات الإبادة ثم نقل وحرق جثث الموتى ( أكثر من 300.000 طن ) ثم التخلص من الرماد الناتج ( أكثر من 20.000 طن ) والكم المهول من الفحم اللازم لعملية حرق عشرة آلاف جثة يوميًا على مدى عامين.

2) لم تعثر قوات الحلفاء على أى وثيقة ألمانية يذكر فيها إصدار أوامر أو اتخاذ إجراءات للقتل الجماعي لليهود .
( بلغ وزن الوثائق التى صودرت فى المناطق التى وقعت تحت سيطرة القوات الأمريكية فقط بعد الحرب 1.100 الف ومائة طن).

3) فى كتابة " الحل الأخير " "THE FINAL SOLUTION " " يذكر الكاتب REITLINGER أن هملرHEINRICH HIMLER الساعد الأيمن للزعيم الالمانى هتلر، ومن منطلق خوفة من انتشار وباء التيفوس ، أصدر أوامره فى
24 ديسمبر 1942 ببذل أقصى الجهد للتحقيق فى سبب إرتفاع معدل الوفيات فى معسكرات العمل . وفى 20يناير 1943 جاءة الرد من: RICHAR GLUK رئيس مراقبى المعسكرات بأن كل الوسائل الممكنة ستتخذ لتنفيذ هذا الأمر.
( محاكمات نورمبرج – وثيقة رقم 1523 ) وبالفعل إنخفض معدل الوفيات فى المعسكرات من 8.5% فى شهر يوليو 1942 إلى 2.8% فى شهر يونيو من عام 1943.

+ نفس الكاتب فى كتابة "DIE ENDLOSUNG" الصادر فى 1956 وفى الصفحة 478 يذكر أن هتلر أصدر أوامره الشخصية فى مايو 1944 بتوظيف عدد 200.000 مائتى الف يهودى فى أعمال البناء وأعمال الإنتاج العسكرى. يوضح هذا كيف كانت العمالة اليهودية حيوية بالنسبة لألمانيا. علاوة على ذلك فإن السلطات الألمانية قد قامت بالفعل بمحاكمة العديد من المسؤولين الألمان بتهمة الإساءة فى معاملة الأسرى والمحتجزين فى معسكرات العمل ، وحكم على العديد منهم بالموت. فى حين لو كان "الهولوكوست" حقيقة لكان الحكم عليهم بالمكافئة والتبجيل وليس الموت. التقويم السنوى العام 1947 يذكر تعداد مستمد من اللجنة اليهودية الأمريكية " AMERICAN JEWISH COMMITTEE" يُقِر أن تعداد اليهود فى العالم 1939 بلغ 15.688.259

مجلة نيويورك تايمز ( ملكية يهودية ) فى عددها الصادر فى 22 فبراير 1948 تحدد عدد اليهود فى العالم وقتها فى مابين 15.600.000 ، 18.700.000 إلى جانب 600.000 إلى 700.000 يعيشون فى فلسطين. هذه الأرقام تبين ثبات أو زيادة تعداد اليهود فى العالم على مدى هذه التسع سنوات بمعنى أنه لو لم يحدث الهولوكوست المزعوم لوصل تعداد اليهود فى عام 1948 إلى ما يزيد على 25 مليونًا. هل يمكن أن يولد لخمسة عشر مليونًا من البشر عشرة ملايين طفل فى مدى تسعة أعوام ؟ وخاصة فى ظروف الحرب والمجاعات والأوبئة ومعسكرات العمل والاعتقال؟

والتر ساننج WSANING فى كتابة المعنون : " DESSOLUTION OF EUROPEAN JEWERY""

يذكر أنه فى عام 1941 ما لا يقل عن 2.200.000 يهودى قد هاجروا خارج أوروبا .. تاركين وراءهم 2.850.000 يهودى ، فى المناطق الواقعة تحت الاحتلال الألمانى . وبعد الحرب تقدم عدد3.375.000 يهودى أوروبى للصليب الأحمر بطلبات تعويض عن ما أصابهم من ويلات الحرب ( يشمل هذا الرقم عدد من المهاجرين ) . وَيذْكُرأن من ماتوا فى المعسكرات يتراوح بين 150.000 إلى 300.000 على أكثر تقدير وبأسباب موت متعددة ومنطقية عانى منها اليهود كما غيرهم ومنها تفشى وباء التيفوس والمجاعات التى كانت بسبب القصف المكثف للحلفاء على المدن والمصانع والمزارع وطرق الإمداد . كل هذا أودى بحياة مالايقل عن إحدى عشر مليون نفس فى ألمانيا .. منهم بعض اليهود.

4) أصدرت منظمة الصليب الأحمر تقريرًا عن أعمالها خلال الحرب . صدر هذا التقرير فى جنيف ( سويسرا ) عام 1948 . ويكون من ثلاثة أجزاء. هذا التقرير هو تجميع لتقارير سابقة وهى :

1) DOCUMENTS SUR L ACTIVITE DU CICR FAVEUR DE CIVILS DE TENUS DANS LES CAMPS DE CONCENTRATION EN ALLEMAGNE 1939-1954 الصادر فى جينيف عام 1946 . وهو تقرير عن نشاطات المنظمة فى معسكرات العمل الألمانية فى الفترة من عام 1939 إلى 1945 .

2) INTER ARMA CARITAS ( 1947 GENEVA ) وهو تقرير عن إنجازات وأعمال المنظمة خلال الحرب . ينص التقرير بأن السلطات الألمانية قد سمحت للمنظمة بالرقابة على جزء من معسكرات الاعتقال والعمل والتى ليس لها ظروف أمنية خاصة . وبِدْءًا من أغسطس من عام 1943 ، سُمِحَ للمنظمة بتغطية أغلب المعسكرات وتقديم المساعدات الغذائية والملابس والأدوية والمعدات الطبية لنزلاءها . ومن فبراير 1943 شمل هذا التفويض كل المعسكرات والسجون . ( الجزء الثالث – ص 78 ).
واستمرت المنظمة فى هذه النشاطات وحتى أواخرعام 1945 وتلقت المنظمة عشرات الآلاف من الرسائل يعبر فيها كاتبيها اليهود عن مدى إمتنانهم لهذه المساعدات. ويُذْكَر فى التقرير أن أحد الممولين الرئيسيين لهذه المهام ، هيئة أمريكية تدعى. THE AMERICAN DISTRIBUTION COMMITTEE OF NEW YORK"" كان مسموح لهذه الهيئة بممارسة نشاطها فى تقديم المساعدات إنطلاقًا من مكاتبها فى مدينة برلين : ثم أُوقِف نشاطها بعد دخول الولايات المتحدة الحرب. ( الجزء الأول- ص 644 ).

ويذكر التقرير أن العوائق التى كان أعضاء المنظمة يقابلونها فى مهمتهم لتقديم المساعدات لم تكن تأتى من السلطات الألمانية .. بل من الحصار الصارم الذى فرضة الحلفاء على ألمانيا . وكانت السوق الوحيدة التى كان يمكنهم شراء هذه المساعدات هى دول أوروبا الشرقية ( رومانيا- المجر – سلوفاكيا). كما يذكر أيضًا فى التقرير أن بعض هذه المعسكرات كانت تقع مسؤولية إدارتة على أليهود أنفسهم ، وباستقلالية كاملة عن أى تدخل ألمانى. مندوبى المنظمة كانوا يقومون بزيارات دورية لهذه المعسكرات. ويؤكِدون فى التقرير إنطباعهم الطيب لطريقة الحياة فى هذه المعسكرات . ( الجزء الأول – ص 64) وفى التقرير تحية خاصة لحكومة رومانيا – حيث كان للمنظمة القدرة وحرية الحركة لتقديم المساعدات ل 183.000 يهودى رومانى .وحتى وقت الغزو الروسى – إذ لم يُسمَحْ للمنظمة بتاتًا بممارسة نشاطها فى روسيا أو فى المناطق والدول التى احتلتها روسيا فى الحرب . (الجزء الثانى – ص 62)

ويوضح التقرير الأسباب التى أدت إلى زيادة معدلات الموت فى هذه المعسكرات فى الأشهر الأخيرة من الحرب منها الفوضى التى تمت نتيجة للغزو ، إذ لم تتمكن المنظمة من توصيل أى إمدادات لهذه المعسكرات،مما تسبب فى مجاعة أودت بحياة الكثيرين ، ألمان وغيرألمان . ويذكر التقرير أن الحكومة اللمانية قد نبهت منظمة الصليب الأحمر فى الأول من يناير 1945 إلى عدم قدرتها على توفير ما يكفى لإغاثة من هم فى هذه المعسكرات. (الجزء الثالث ص83)

تقلص حجم المساعدات كما ذكرت سابقًا بسبب القصف المكثف على كل سبل الاتصال وطرق الإمداد والمدن المأهولة بالسكان والمصانع والمزارع . وقامت المنظمة فى 15 مارس 1944 بتقديم احتجاج على القصف والهجوم البربرى للحلفاء على المدن والمدنيين العُزَلْ .

( "INTER ARMA CARITAS" ص 78 ) (تقارير منظمة الصليب الأحمر الدولى خلال الحرب العالمية الثانية)
وذلك بعد مذبحة مدينة " "DREDSENالتى مات فيها ما يزيد على النصف مليون من المدنيين العزل من أطفال ونساء وعجزة من اللاجئين إليها هربًا من الحصار الذى فرضته القوات السوفييتية على مدينة "BRISLAU" فى المدة من ( 13 فبراير – 6 مايو 1945) ومن المذابح التى قام بها الجيش السوفييتى خلال تلك الفترة وراح ضحيتها 170.000 من المدنيين- وستة آلاف من العسكريين إلى جانب 45.000 من الأسرى .

("ARMAGEDRON THE BATTLE OF GERMANY" ) ( للكاتب HASTING MAX ص 656)

حوالى نصف المليون من سكان مدينة الذين بقوا على قيد الحياة طردوا من المدينة . ولم يكن أمامهم سوى التوجه إلى مدينة DREDSEN" " والتى كانت مخصصة للخدمات الطبية وتحوى ما يزيد على العشرون مستشفى تقوم بتقديم الخدمات لجرحى الحرب من الجانبين . كان عدد المتواجدين فى المدينة وقتها 1.200.000 كلهم من المدنيين. إذ كانت المدينة خالية من أى وحدات عسكرية أو أى تسليح مضاد للطائرات . تم القصف بناءًا على أوامر مباشرة من ونستون تشرشل ( وتنفيذًا لرغبته فى تصفية ال600.000 لاجئ الذين طردوا من مدينة ( DRISLAU).

قامت 1300 قاذفة من القاذفات الثقيلة من سلاحى الطيران الملكى البريطانى وسلاح طيران جيش الولايات المتحدة بإلقاء أكثر من 700.000 قنبلة فوسفورية 7100طن ( طبقًا لتقرير سلاح طيران الولايات المتحدة ).أى بمعدل قنبلة لكل فردين تقريبًا . بلغت درجة الحرارة الناجحة عن التفجيرات فى منتصف المدينة 1600 مئوية سوت مساحة 40 كم2 بالأرض. أحصى بعد القصف ما يقرب من 260.000 من الجثث والأشلاء.أما ما بقى من عدد الضحايا والذين كانوا فى وسط المدينة فقد تحولوا إلى رماد.

يذكر فى الجزء الثالث من التقرير أن ليس كل يهود ألمانيا كانوا يعيشون فى المعسكرات . وأن مساعدات المنظمة كان تْقَدمَ أيضًا لليهود الذين يعيشون أحرارًا فى المدن كغيرهم من الألمان ويذكر أيضًا فى التقرير أن العديد من هذه المعسكرات كانت ظروف المعيشة بها أفضل بكثير مما يتوفر للمدنيين . بل وإن فى بعض هذه المعسكرات كانت السلطات الألمانية تدفع للعمال اليهود المقيمين بها، أجرًا يساوى مايدفع للعمال فى السوق الحر. ( الجزء الثالث I ص 646)

5) يعتمد من يروجون لأكذوبة الهولوكوست على شهادة يهودى فرنسى يُدعى DAVID OLERE تم ترحيلة إلى معسكر AUSCHWIT أكبر وأشهر معسكرات التجميع . بصفته شاهد عيان لعمليات القتل الجماعى فى غرف الغاز فى هذا المعسكر . وإلى جانب شهادته اللفظية فأنه قام أيضًا برسم صور تفصيلية. بل وبعضها بالألوان لإجراءات هذا القتل الجماعى ولحرق الجثث بعد موت الضحايا.

يصف دافيد العملية بالرسوم التفصيلية .بداية بتجميع عدد 1000-2000 من اليهود فى غرفة محكمة ثم يطلق غاز السيانيد السام (ZYKLON B) بداخلها وبعد ساعة من الزمن تفتح أبواب هذه الغرف ويتم تشغيل هوايات لطرد بقايا الغاز وبعدها مباشرة يدخل فريق العمل المكلف لحمل جثث الموتى ونقلها إلى أفران للحرق – وذلك بعد نزع باروكات الشعر وكذا الأسنان الذهبية من أفواه الموتى يصف بالصور كيف يدخل فريق العمل إلى غرق الغاز بصدورهم العارية وبدون أى بذلات خاصة أو أقنعة تحميهم من استنشاق الغاز وحتى بلا قفازات وقريبًا من غرف الغاز يقف الحراس . أيضًا بدون أى تجهيزات تحميهم من استنشاق الغاز السام .

علميًا الجزء الكبر من الغاز (علاوة على الاستنشاق ) يتم امتصاصه بواسطة جلد الضحايا – ويظل عالقًا بالجلد والشعر والملابس . وهذه الكمية العالقة بالشعر والجلد كافية لقتل من يقومون بنقل الجثث ونزع باروكات الشعر والأسنان الذهبية المستعارة ، إذ يتم امتصاص هذا الغاز بواسطة مسام الجلد عند اللمس أو بتنفس ذرات الغاز المتطايرة.

من المفترض بعد فتح غرف الغاز وتشغيل هوايات قوية لمدة 24 ساعة على الأقل ( وليس عشرون دقيقة ) . ويفترض توجيه خراطيم مياه مختلطة بمادة الكلور أو الأمونيا بضغط عالى على جثث الضحايا . ومن المفروض أن يرتدى من يقوم بهذا العمل بذلات خاصة للحماية تشابة تلك التى يرتديها عمال المطافئ – مزودة بأقنعة تنفس ذاتى – إلى جانب قفازات مطاطية طويلة.

كل هذه الخطوات لم يذكرها شاهد العيان الوحيد فى وصفة التفصيلى ولم تُشَاهَد فى رسوماته ولوحاته . طبقًا لشهادته تتم العملية فى سهولة ويسر وبعد فتح غرف الغاز مباشرة يتم نقل الجثث ونزع الباروكات والأسنان الذهبية بدون تجهيزات خاصة أو اى وسائل وقاية من أى نوع . وتظهر الرسومات أنهم نصف عرايا أى أن جزء كبير من أجسادهم عرضة لكميات أكبر من الغاز خاصة فى حالة إفراز الجلد للعرق نتيجة للمجهود الشاق المبذول .

مهندس معتمد فى ولاية ماساشوست بالولايات المتحدة يدعى" فريد ليوختر" Fred Leuchter ويعتبر من أكبر خبراء الولايات المتحدة فى مجال تصميم وبناء غرف الغاز . ويشغل وظيفة مستشار الهيئة المتخصصة فى تنفيذ أحكام الإعدام فى كل من ولايتى جنوب كارولينا وميسورى استدعى للشهادة فى أثناء محاكمة شخص يدعى ZUNDEL فى عام 1988 فى كندا (موجة إلية تهمة أنكار الهولوكوست).

سافر هذا المهندس إلى موقع معسكرات التجميع فى ألمانيا لمعاينة الغرف التى يقال أنها كانت تستخدم لإبادة اليهود الجماعية. وتقدم للمحكمة بتقريره الفنى، مدعوم بشرائط الفيديو و التقارير المعملية التى أثبتت بالقطع عدم وجود أى آثار للغاز (ZYKLON-B) على حوائط الغرف (المفروض بقاء آثار الغاز عالقة بالحوائط لمئات السنين).

كما أن الغرف ليست محكمة ولا مصمتة بمعنى أنه لو كانت تستعمل فعلا فى القتل بالغاز فإن الغاز المتسرب من غرفة واحدة كان كافيًا لقتل جميع من هم فى محيط المعسكر من الألمان.

عشرات من الكميائيين المتخصصين ومئات من الباحثين أصدروا التقارير وألفوا الكتب التى يجمعون فيها على استحالة استخدام هذا النوع من الغاز عمليًا لتنفيذ هذه الطريقة من الإبادة وعدم وجود غرف استعمل فيها أى غاز. اللهم إلا بعض الغرف الصغيرة والتى كان يستعمل فيها الغاز وبتركيز أقل بغرض تبخير مراتب الأسرة والملابس لقتل حشرة القمل فى وقت انتشار الوباء.

آخر من أدينوا بتهمة إنكار الهولوكوست، قس بريطانى يدعى وليم روبرتسون William Roberson. حكم عليه بدفع غرامة قدرها 10000 عشرة آلف يورو. وذلك بتاريخ 16/4/2011 – السادس عشر من شهر إبريل 2010 م.
على مدى ستون عامًا حصلت إسرائيل على تعويضات من ألمانيا تعدت السبعون بليون دولارًا – ومن الولايات المتحدة ما يفوق المائة والخمسون مليون دولارًا – إلى جانب الديون الطويلة الأمد والتى غالبًا ما تسقط بعد أعوام – والمعونات العسكرية والتسليح المتطور المجانى – والأهم الدعم السياسى الذى أدى إلى قيام الدولة والاعتراف بها دوليا والدفاع عن جرائمها المتتالية على مدى ستون عامًا.

أليس هذا كافيًا لإصرارهم على هذه الأكذوبة والدفاع عنها؟ بتقنيين تجريم كل من ينكرها أو يشكك فيها واتهامه بالعنصـرية ومعاداة السامية؟ وعقابه بالسجن والتغريم المادى؟ وحتى بالاغتيال والإرهاب؟.

مراجع:
- مجلة "The Revisionist " تصدر عن " Castle Hill Publishers "
- الولايات المتحدة The Revisionist web site
-"History on Trial" – Deborah Listadt
"Giant with feets of clay" – Jürgen Graf -
-"Dissecting the Holocaust" – Germar Rudolf
"The Rudolf Report"-
نفس الكاتب السابق، وهو أستاذ ودكتور فى الكيمياء فى معهد "Max Plank" – ألمانيا.
"History & --script--ural origin of six Million Numbering -
John Birdman Bryan
www.thebirdman.org
"The Hoax of Twentieth Century" Professor / Arther Butz-
- www.opposingdigits.com
- "The Holocaust Industry" – Norman Finkelstein
- "The longst Hatered" – Jane Birdwood
- "The Sindes of March" – Jane Birdwood


التوظيف اليهودي والصهيوني لأكذوبة "معاداة السامية"

دأبت الحركة الصهيونية ، منذ نشأتها نهاية القرن التاسع عشر ، على توظيف مجموعة من الأكاذيب وتحويلها إلى أساطير ثابتة في الوجدان اليهودي، ونشرها عبر وسائل الإعلان العالمية التي يمتلكها اليهود باعتبارها حقائق لا يطاولها الزيف أوالاختلاق. وقد حقق هذا التحايل الكثير من أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين، ومكّن اليهود في مختلف بلدان الشتات من كسب مواقع مهمة في السياسة والاقتصاد، وتوفير الدعم للكيان الصهيوني.
وتعتبر أكذوبة "اللاسامية"، أو نزعة معاداة اليهود، إحدى هذه الأكاذيب الشائعة التي بذل اليهود كل جهودهم لتوظيفها ثقافيًا وسياسيا وإيديولوجيا، بل تعتبر أكبر هذه الأساطير اليهودية الصهيونية التي وظفوها بذكاء إلى أقصى الحدود لصرف النظر عن ممارسات اليهود وجرائمهم في حق البشرية، وعن الإجرام الصهيوني في فلسطين، ولابتزاز دول العالم ماليا وسياسيا.
وبالرغم من أن مصطلح "السامية" يخص مجموعة من الشعوب ذات الأصل الواحد، من جملتهم العرب، تعود جذورهم إلى سام بن نوح عليه السلام، إلا أن اليهود نجحوا في تحريف الكلمة لتصبح دالة عليهم هم وحدهم في مواجهة باقي الشعوب التي يعبر عنها مصطلح "الغويم" العبري، أو الأغيار الغرباء، ومن ثم تتضح عنصرية اليهود التي تلخصها أدبيات الحركة الصهيونية: واعتبار عنصرهم أسمى من باقي بني البشر. فالتلمود مثلاً، ذلك الكتاب المقدس لديهم الذي استبدلوه بالتوراة المحرفة ليكون "دليل عمل" لليهود، يقسم الجنس البشري إلى قسمين: اليهود والآخرون!، ويجعل اليهود سادة، والباقي عبيدا.

العالم ضد اليهود، أم اليهود ضد العالم؟

يطلعنا التاريخ على أن أي قوم لم يتعرضوا لما تعرض له اليهود من اضطهاد وتعذيب وطرد وتشريد، فقد كانوا طوال حقب التاريخ محط كراهية جميع الأمم والشعوب. ويفسر اليهود ما تعرضوا له بكونهم محسودين من بني البشر لمكانتهم ومقدراتهم، وبأن لهم من الميزات ما يجعل الآخرين يكرهونهم. أما الحقيقة فهي أن ذلك يعود إلى أساليب المكر والاحتيال التي اتصفوا بها، وسلوكيات الغدر والتآمر التي كانوا ينهجونها اتجاه الشعوب التي عاشوا بينها، فاليهود كانوا دائما أصحاب المهن الساقطة التي تشيع الفساد والرذيلة في المجتمعات، مثل الدعارة وبيع الخمور والجاسوسية والتآمر مع الأجانب، كما اشتهروا بالربا في معاملاتهم المالية، الأمر الذي كرس في وجدان الشعوب نمطا محددا عن الشخصية اليهودية المرابية الفاسدة والمخادعة. وقد حاولت باحثة يهودية تدعى " ليندانوشلين" دراسة هذا الجوانب من خلال الثقافة الغربية ونظرتها إلى اليهودي، ووضعت كتابا بعنوان "اليهود في النص"، والمقصود بالنص هنا النصوص الأدبية الغربية، منطلقة من سؤال: لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟ ووجدت أن صورة اليهودي في الكتابات الغربية صورة واحدة تتردد في كل هذه الكتابات، فاليهودي هو دائما ذلك الشخص المحتال , المنحط أخلاقيا، الفاسد , والمرابي , والمتآمر، والباعث على النفور والاحتقار.

غير أن اليهود لا ينظرون إلى هذه المواصفات والسمات التي تتردد في جميع ثقافات الشعوب عنهم على أنها حقائق، ولا يرون في عداء الشعوب لهم ردة فعل على مفاسدهم ومكائدهم، بل يجعلون منها مظاهر للنزعة اللاسامية وكراهية اليهود في العالم، ونجحوا في جر جزء من الرأي العام العالمي ، سواء بالضغط والإكراه أم بعمليات غسيل العقول بواسطة الثقافة والإعلام، إلى هذه الأفكار الخاطئة والعنصرية.

وقد تحولت تهمة اللاسامية إلى أداة فعالة في يد اليهود لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في مختلف بقاع العالم، وأصبحت مثلها مثل تهمة الهرطقة التي كانت المسيحية في القرون الوسطى توزعها على كل من ينتقد أفعال الكنيسة أو يثور ضد سلطانها في المجتمع، وهي اليوم تشبه تهمة الإرهاب التي تستعملها الولايات المتحدة الأمريكية ضد من ينتقد سياساتها أو يسعى لتقرير مصيره بيده أو يدافع عن حريته واستقلاله، وتبين تهمة اللاسامية اليوم كيف تصبح بعض الأكاذيب ذات قوة نافذة وذات تأثير على المستوى الدولي إذا كان هناك من يمتلك سلطة فرضها.

اللاسامية والكيان الصهيوني في فلسطين

عمل اليهود في وقت مبكر من القرن التاسع عشر على توظيف تهمة معاداة السامية من أجل أغراضهم الخاصة، فكانوا يستغلون أي حادث يتعرض له واحد منهم لرفع تلك التهمة والتلويح بها، وكان الهدف من ذلك هو حشد التأييد الأوروبي لبناء دولة خاصة بهم في فلسطين يعيش فيها اليهود مع بعضهم ويتخلصون من تربص الشعوب بهم ومحاولة القضاء عليهم.

وقد استغل هرتزل، مؤسس المشروع الصهيوني ومنظره الأول، حادثة محاكمة ألفريد دريفوس الشهيرة وإعدامه للدعوة إلى بناء وطن قومي لليهود في فلسطين. كان دريفوس ضابطا في الجيش الفرنسي في ظروف الحرب بين فرنسا وألمانيا التي انهزمت فيها الأولى أمام الثانية، وقد لعب اليهود دورا كبيرا في التجسس بين البلدين في تلك المواجهة السياسية والعسكرية، نظرا لاعتماد الدولتين على اليهود كجواسيس ومخبرين، واتهم دريفوس بالتعامل مع المخابرات الألمانية وأعدم بعد محاكمته، لكن بعد سنوات قليلة ثبتت براءته، فحول اليهود تلك الحادثة إلى معركة لهم جميعا، ولم يروا فيها قضية مواطن فرنسي ، بل قضية شعب يهودي يتعرض للظلم والاضطهاد. وأصبح اسم دريفوس عنوانا للاسامية ضد اليهود، واستغل هرتزل قضيته لدعوة دول أوروبا إلى دعم تأسيس وطن يهودي في فلسطين، والضغط على الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني لتسليم فلسطين لهم .

وبعد الحرب العالمية الثانية وما وقع لليهود على يد الحركة النازية في ألمانيا، استغل اليهود ورواد الحركة الصهيونية تلك الأحداث ووظفوها لصالح مشروعهم الاستيطاني في فلسطين، ليجلبوا عطف الدول الأوروبية ومساعدتها لهم بدعوى التكفير عن الذنب ورد الاعتبار للضحايا وعائلاتهم. واختلق اليهود رقم الستة ملايين ضحايا المحرقة النازية، وموضوع أفران الغاز، ومصطلح الإبادة الجماعية أو الهولوكوست الذي أصبح يدل على ما حدث لليهود دون غيرهم من الأقليات والشعوب. ورغم أن رقم ستة ملايين مبالغ فيه، وشكك فيه العديد من الباحثين والمؤرخين والشهود حتى من اليهود أنفسهم، إلا أن حقيقة الأمر أن هذا الرقم تم الإعلان عنه والدعاية له بعد افتراض عدة أرقام أخرى خيالية جدا اقترحها بعض الصهاينة واليهود ، فقد كان الرقم الأول أربعين مليونا قيل : إنهم أحرقوا في أفران الغاز النازية، ثم أصبح خمسة وعشرين مليونا، حتى استقر على ستة ملايين.

وبسبب قوة الدعاية اليهودية العالمية، وسيطرة اليهود على وسائل الإعلام وقنوات هندسة العقول، فرضوا قوانين في الدول الأوروبية وأمريكا لزجر وردع كل من يحاول التشكيك في هذا الرقم وإعادة النظر في حقائق التاريخ إبان الحرب العالمية الثانية، وأدخلوا أسطورة الهولوكوست كجزء من أنظمة التعليم في الدول الغربية يتلقنها الأطفال في المدارس ليطلعوا منذ صغرهم على المآسي التي حدثت لليهود، حتى يضمنوا أجيالا مؤيدة لهم ومتعاطفة مع قضاياهم غير العادلة، وخصصت جل الدول الأوروبية يوما في السنة لتخليد ذكرى المحرقة، كما أنشأت بعض هذه الدول متاحف خاصة للهولوكوست حتى لا تتعرض للنسيان، وتبقى حية شاهدة على مأساة اليهود، تذكر أوروبا بمدى التعاطف الواجب نحوهم ، وبالمسؤولية الأخلاقية للأوروبيين اتجاههم واتجاه دولة الكيان الصهيوني في فلسطين.

ويحاول اليهود تعميم احتفالات الهولوكوست على جميع دول أوروبا، وفي هذا الإطار اجتمعت سبع وأربعون دولة أوروبية نهاية العام 2000 في مؤتمر دولي بالعاصمة السويسرية، وخرجت بقرار يقضي بتدريس الهولوكوست في التعليم، واتخاذ إجراءات ردعية بحق كل من يقول إن عدد اليهود الذين أحرقوا في عهد النازية يقل عن رقم ستة ملايين . وبفضل أسطورة الهولوكوست هذه، وعقدة الذنب الأوروبية من جرائم النازية، والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية لأوروبا اتجاه ما تعرض له اليهود من اضطهاد وقتل وتعذيب، جرت وتجري أبشع جريمة إنسانية في التاريخ الحديث ما تزال فصولها مستمرة حتى الآن في فلسطين، ومكافأة هذه الجرائم بالدعم والمادي والسياسي، بدعوى الواجب الأخلاقي نحو الشعب اليهودي!!.

وقد حقق اليهود والكيان الصهيوني بواسطة أسطورة الهولوكوست أكبر عملية سرقة بشرية في التاريخ، بتعبير نومان فنكلستين مؤلف كتاب "صناعة الهولوكوست" الذي أثار ضجة عالمية وسط اليهود في السنة الماضية، إذ جلب اليهود دعما سخيا من أوروبا ما يزال مستمرا بدعوى تعويض ضحايا الكارثة، وحسب المؤلف أيضا، فقد استفاد الكيان الصهيوني من مئات الملايين من الدولارات كتعويضات، ودفعت ألمانيا وحدها في 1952 مبلغ 58 مليار دولار كتعويض، بالإضافة إلى المعدات العسكرية والاستثمارات الاقتصادية والصناعية والسفن وقطع الغيار، لكن الابتزاز اليهودي لألمانيا لم ينته، إذ في كل مرة تتم المطالبة بالتعويض، سواء لضحايا المحرقة، أم لأبنائهم، أو لأحفادهم، أو لضحايا أعمال السخرة، أو لمجرد رد الاعتبار الأخلاقي، وبسبب الهولوكوست أصبحت ألمانيا هي الشريك العسكري الثاني للكيان الصهيوني بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يقتصر الأمر على ألمانيا وحدها، بل شملت مطالب التعويضات دولا أوروبية أخرى ، منها السويد والنمسا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا، ولا تزال القائمة اليهودية مفتوحة، لتشمل دولاً أخرى، متهمة بسرقة ذهب اليهود في المصارف النازية، وفي شهر دجنبر 1998 انعقد في العاصمة البريطانية لندن المؤتمر الدولي الأول للذهب النازي الذي يزعم اليهود أنهم فقدوه خلال الحرب العالمية الثانية، وشاركت فيه 41 دولة و6 منظمات دولية غير حكومية على رأسها المجلس اليهودي العالمي، وتقرر القيام بحملة دولية مكثفة للمطالبة بالأرصدة اليهودية التي تزعم أنها تنهب من المصارف الألمانية.

ويفرض اليهود ستارا حديديا ضد أي محاولة لتكذيب أسطورة الهولوكوست ومعاداة السامية، لأن إسقاط هذه الأساطير في نظرهم يسقط شرعية الكيان الصهيوني في فلسطين ، ومشروعية المطالبة بالتعويضات من أوروبا، وبالتالي يقضي على مستقبل اليهود، فقبل سنوات شن اللوبي اليهودي في فرنسا وغيرها حملة دعائية مسعورة ضد المفكر الفرنسي روجيه جارودي بسبب كتابة "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، الذي انتقد فيه أكذوبة المحرقة النازية وطعن في رقم الستة ملايين من الضحايا اليهود، وحوكم جارودي بمقتضى قانون "غايسو" الفرنسي الذي استصدره اليهود الفرنسيون لمحاكمة كل من يشكك في المحرقة بتهمة "التحريفية".

وقبل عامين تمت محاكمة المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينغ "بتهمة تكذيب الهولوكوست" ، بسبب قوله عنها بأنها: "كذبة كبيرة" في كتابه المعنون: "حرب هتلر: العقل الموجه للرايخ الثالث". وتعرض الكاتب البريطاني فنكلستين صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" للتشهير لتشكيكه في المحرقة وفضحه لأساليب اليهود في استغلال العالم باسمها، رغم أن المؤلف يهودي وينحدر من أبوين اعتقلا في وارسو إبان الحكم النازي.

ولأجل شد الطريق على كل نقد للهولوكوست تم إنشاء عشرات المنظمات في أوروبا وأمريكا بدعم من اللوبي الصهيوني في هذه البلدان لقيادة الحملات ضد المشككين والنقاد، وتوجيه الرأي العام العالمي، من بينها "رابطة مناهضة التمييز العنصري ومعاداة السامية" في فرنسا، و"مؤتمر المطالب اليهودية" في كندا، و"المؤتمر اليهودي العالمي" و"اللجنة المعادية للتشهير" في أمريكا، وغيرها. وتقوم هذه المنظمات بالتشهير بكل من ينتقد أكذوبة الهولوكوست ودمغه بالتهمة الجاهزة وهي معاداة السامية، وتضغط من أجل وقف ومصادرة الأنشطة والمؤتمرات والكتب التي تسعى إلى البحث في الحقيقة على أسس علمية، خوفا من افتضاح أمرها، ما دامت الصهيونية ترتكز على الأساطير والخرافات والأكاذيب لا على الحقائق المؤكدة والموثوقة، وقد حالت ضغوط هذه المنظمات واللوبيات اليهودية في أوروبا دون عقد مؤتمر "التعديلية والصهيونية" الذي كان سينعقد في العام الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت، والذي كان سينتقد توظيف الكيان الصهيوني لأسطورة المحرقة ونزعة معاداة السامية، لكن الحكومة اللبنانية رضخت للضغوط ومنعت عقد المؤتمر على أراضيها..

ولا يكره اليهود فقط إنكار الهولوكوست، بل يكرهون حتى الحديث عن إبادة جماعية أخرى تعرضت لها أقليات غير الأقليات اليهودية، حتى تبقى لليهود تلك الميزة الخاصة بهم، باعتبارهم الفئة الوحيدة التي تعرضت للإبادة في التاريخ، فعندما أراد البعض إنشاء متحف تذكاري لتخليد ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرض لها الغجر في أوروبا وألمانيا، أسوة بالتحف التذكارية للهولوكوست في واشنطن، ضغط اللوبي الصهيوني الأمريكي لمنع إنشاء المتحف، ورفض اليهود الاعتراف بأن الغجر هم شعب أصلا، لأن حياة يهودي لا يمكن أن تقارن بحياة شخص آخر غير يهودي !

وأثناء العدوان الصربي ضد مسلمي البوسنة والهرسك عندما أخذ الإعلام الغربي يطلق على جرائم الصرب تسمية الإبادة الجماعية، ويشبهها بالجرائم النازية، شن اللوبي اليهودي في البلدان الأوروبية حملة إعلامية لوقف هذه العبارات، لأن لفظ الإبادة الجماعية لا يليق بغير اليهود.

ويتضح من طريقة التوظيف اليهودي لنزعة معاداة السامية وكذبة الهولوكوست أن اليهود يقفون ضد العالم أجمع، وهم بذلك يؤكدون تلك السمات والخصائص المميزة لليهود لدى الشعوب الأخرى، والتي يحاولون محاربتها بدعوى اللاسامية.

اللاسامية والإجرام الصهيوني

تعتبر تهمة معاداة السامية بمنزلة الحصانة التي يريد اليهود أن يسبغوها على أنفسهم وأعمالهم الإجرامية، فهي دمغة جاهزة ضد كل من ينتقد أفعال الصهاينة في فلسطين وجرائمهم الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، إذ يرى اليهود أن العالم كله مذنب في حقهم، وأنهم هم غير مذنبين في حق أحد، فمعاداة السامية توفر لليهود غطاء يمكن القيام تحته بأي عمل مهما كان غير مشروع دون إمكان التعرض للنقد والمحاسبة.

ويؤكد نورمان فنكلستين في كتابه "صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية"، أن نزعة معاداة السامية التي يطلق عليها تسمية الهستيريا، مكنت اليهود من تحقيق أهداف متعددة من تلك الأهداف التي رسمتها الحركة الصهيونية. أولى تلك الأهداف أن التلويح بمعاداة اليهود جعل الكيان الصهيوني يبدو للأقليات اليهودية في الشتات كملاذ أخير لهم من أجل الاستقرار والحياة المطمئنة والهدوء، وبذلك شجعت الحركة الصهيونية - وتشجع - الهجرة اليهودية نحو الدولة العبرية، ودفع يهود العالم إلى التبرع بالمال لدعم دولتهم في فلسطين لتحصينها ضد الأعداء، فإذا كان كل يهودي في العالم معرضًا للخطر والموت والاضطهاد، فالدولة اليهودية التي يتجمع فيها اليهود ستكون أكثر عرضة لخطر المحو والإبادة، ومن ثم ضرورة تقوية هذه الدولة وتوفير سبل القوة والاستقرار لها.

أما ثاني تلك الأهداف، فهو تحصين مصالح اليهود في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية إذ تبرز معاداة السامية في هذه الحالة طريقة لتحقيق سيطرتهم وتغلغلهم في دواليب السياسة والاقتصاد، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، كما يرى فنكلستين، توظف النخب اليهودية تهمة اللاسامية لحماية مصالحها الطبقية والإثنية وتحصين سياساتها المحافظة، ويؤكد رئيس "اللجنة المعادية للتشهير" أن العداء الحقيقي للسامية في أمريكا يتكون من إجراءات سياسية "أكالة للمصالح اليهودية" مثل العمل التشجيعي الذي تستفيد منه الطبقات الأخرى، والتقليص من موازنة الدفاع، والانعزالية الأمريكية الجديدة، فضلا عن معارضة القوة النووية بل ومعارضة الإصلاح الانتخابي أيضا. (صناعة الهولوكوست. ص 46).

ويحاول اليهود باستمرار التشبيه بين أي مصدر يعتبرونه عدوا لهم وبين النازية الألمانية، ووصف أي عمل عدواني يستهدفهم بأنه هولوكوست جديد، فبعد الغزو الصهيوني للبنان في 1982 والجرائم التي اقترفها الجيش الصهيوني في حق الفلسطينيين، وحين بدأ بعض الأوروبيين في فضح تلك الجرائم، ومن بينهم صحافيون ومفكرون أمثال روجيه جارودي، أخذ الإعلام الصهيوني واليهودي يصف العرب بأنهم نازيون جدد، وتحدث المستشرق اليهودي المعروف برنارد لويس عن "النازية العربية"، كل ذلك لتبرير الجرائم الصهيونية واعتبارهم مجرد ردود أفعال ضد محاولات قتلهم، تماما كما فعل الصهاينة اليوم في الضفة الغربية ومخيم جنين حين قتلوا المئات من الأبرياء والمدنيين بدعوى "الدفاع عن النفس"، وساند البيت الأبيض هذه الحجة الخادعة، وصرح بوش بأنه يتفهم حق الكيان الصهيوني في الدفاع عن وجوده، وفي مذبحة قانا في لبنان عام 1996 التي ذهب ضحيتها المئات من السكان المدنيين والعزل، و كتب الصحافي اليهودي آري شافيت بأن الكيان الصهيوني يمكنه فعل أي شيء متمتعا بالحصانة لأن "لدينا اللجنة المعادية للتشهير، ومتحف ياوقاشيم (المحرقة) ومتحف الهولوكوست"، والمعنى أن أي نقد أو استنكار لهذه الجرائم سيتم الرد عليه بالتهمة الجاهزة من قبل اللجنة المذكورة وإظهار اليهود كضحايا في صورة المتحفين المذكورين.

ويستغل الكيان الصهيوني عقدة الذنب الأوروبية من جرائم النازية اتجاه اليهود لصرف أي نقد من أوروبا لسياساتها وجرائمها، ولا تتضمن التقارير السنوية حول حقوق الإنسان التي تصدرها وزارات خارجية بعض البلدان الأوروبية أية إشارة إلى الممارسات العنصرية والعدوانية للكيان الصهيوني في فلسطين. ويتم الإطاحة بأي مسؤول حكومي يدلي بتصريحات ينتقد فيها الممارسات الصهيونية.

وقبل أشهر (2002) وصف السفير الفرنسي في تل أبيب الجرائم الصهيونية ضد الفلسطينيين قبل الغزو الأخير للضفة الغربية بأنها جرائم ضد الإنسانية، فجاءت التهمة الجاهزة من الحكومة الصهيونية تتهمه بمعاداة السامية. وفي السنة الماضية كتب الصحافي الفرنسي باسكال بونيفاس مقالا في "لوموند" الفرنسية ينتقد الممارسات العدوانية لحكومة شارون، فرد عليه السفير الصهيوني في باريس بنفس الجريدة متهما إياه بمعاداة السامية، مما تطلب من الصحافي كتابة رد على ذلك أوضح فيه أن انتقاداته موجهة إلى حكومة شارون وليس إلى اليهود، وأن هناك فرقا بين معاداة السامية وبين نقد الممارسات غير الإنسانية.

معاداة السامية والخطر اليهودي

إن نزعة معاداة السامية تشكل خطرا حقيقيا على الشعوب والسلم في العالم، فوراء هذه النزعة توجد الأيادي اليهودية التي تريد أن تعبث بأقدار العالم وسياساته وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم، فالحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن ليس هناك خطر على اليهود، بل خطر من اليهود على البشرية.

وقد بدأت الجرائم اليهودية والصهيونية أكذوبة اللاسامية والهولوكوست تنكشف مع ظهور باحثين هدفهم الرئيسي خدمة الحقيقة، وكشف الخرافات التي يذهب ضحيتها العالم الحديث، غير أن أصواتهم لا تزال خافتة نتيجة الحصار المفروض عليهم من اللوبي الصهيوني، ونتيجة القوة الدعائية لهذا اللوبي في أوروبا وأمريكا، وفي هذا السياق تعترف مديرة مكتب اللجنة اليهودية الأمريكية ديدري بيرغ في برلين قائلة: "تشعر الكثير من الشركات الألمانية أنها تخضع للابتزاز من جانب اليهود الأمريكيين" (الشرق الأوسط 2001/3/5(

ويدعو فنكلستين إلى إغلاق ما سماه "مصنع صناعة الهولوكوست"، لأن هذه الصناعة أفلست "ويبقى التصريح بذلك الإفلاس علنا أمرا واجبا، ولقد آن الأوان منذ وقت بعيد لإغلاق مصنعها تماما" (صناعة الهولوكوست. ص 152(

ومن المؤسف ألا توجد هناك أية مبادرة عربية أو إسلامية للرد على هذه الأساطير والخرافات وفضحها، وكشف الزيوف اليهودية المعاصرة، تُوازن أو تقارب قوة الدعاية اليهودية والصهيونية الناشطة، فالعرب والمسلمون هم الأكثر تضررا من الأكاذيب اليهودية، وهم الذين يدفعون اليوم ثمن جرائم النازية الأوروبية تجاه اليهود، وتحتل أرضهم بدعوى التكفير عن ذنب لا يد لهم فيه.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /17-10-2015, 12:05 PM   #52

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي السامريون

السامريون

الطائفة السامرية (أو السُمَرة) (العبرية:שומרונים, شمرونيم) وفي التلمود يعرفون باسمכותים كوتيم. هي مجموعة عرقية دينية تنتسب إلى بني إسرائيل وتختلف عن اليهود حيث أنهم يتبعون الديانة السامرية المناقضة لليهودية رغم أنهم يعتمدون على التوراة لكنهم يعتبرون أن توراتهم هو الأصح وغير المحرف وأن ديانتهم هي ديانة بني إسرائيل الحقيقة. يقدر عدد أفرادها بـ 783 شخص موزعون بين مدينة نابلس ومنطقة حولون بالقرب من تل ابيب.

تاريخها

يرجع أصلها إلى أسباط بني إسرائيل. وقد كان موطن الفرقة السامرية 760 مدينة نابلس التي كانت تسمى شخيم. تتجه هذه الطائفة في صلاتها نحو جبل جرزيم، أما الفرقة الثانية فكان موطنها الأساسي أورشليم (أو القدس حالياً) وتتجه في صلاتها إلى جبل صهيون وهؤلاء يلقبون باسم العبرانيين أما السامريون فينسبون إلى شامر الذي باع جبلا للملك عمري وبنى عليه مدينة شامر والتي حرفت إلى سامر ومن ثم السامرة نسبة لمالكها الأول شامر ولكل طائفة توراة خاصة بها فالعبرانيون لهم التوراة العبرانية والسامريون لهم التوراة السامرية. ظهر الخلاف بين الفريقين بعد العودة من السبى البابلي وكل فريق تمسك بتوراته على أنها التوراة الصحيحة غير المحرفة. تتكون التوراة السامرية من خمسة أسفار : هي التكوين والخروج واللاويين ويسمى الأحبار والعدد وتثنية الاشتراع، وتختلف التوراة السامرية عن التوراة العبرانية في بعض الألفاظ والمعاني.

في القرن التاسع عشر كان عدد السمرة يتراوح ما بين 150 و 200 نسمة، وكانوا يعيشون في حي الياسمينة في مدينة نابلس القديمة. وفي الوقت الحالي يصل تعدادهم إلى 400 نسمة في منطقة حولون, فلسطين المحتلة , ويقدر عددهم بـ 350 في نابلس بفلسطين, وفقاً لإحصائيات عام 2011.

السامريون اليوم

يعد السامريون في مدينة نابلس (وهي مدينتهم المقدسة وجبلها جرزيم مقدس عندهم) أنفسهم فلسطينيون، فهم طوال فترة تواجدهم عاشوا مع الفلسطينين في مدينة نابلس ولهم محالهم التجارية فيها حتى اليوم، وكانوا سابقا يتمتعون بتمثيل نيابي لهم في المجلس التشريعي الفلسطيني، حيث أعطاهم الرئيس السابق ياسر عرفات مقعد تحت نظام الكوتا، إلا أنه تم إلغاء هذا الكرسي لاحقا بعد وفاة عرفات، كما أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية التي اعطتهم اياها الحكومة الإسرائيلية لأسباب منها تسهيل تواصلهم مع الأقلية السامرة الموجودة في منطقة حولون.

أساس ديانة السامريين التوراة أي الكتب الموسوية الخمسة وهي التي كتبها موسى وهي الأسفار الخمسة الأولى في الكتاب المقدس: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد وتثنية الاشتراع.

تختلف الوصايا العشر عندهم عن وصايا اليهود لأنهم جمعوا الوصيتين الأولى والثانية (أنا الرب الهك، لا يكون لك آلهة غيري؛ لا تصنع لك تمثالا)، وزادوا وصية عن قداسة جبل جرزيم (تثنية 11: 29 و 17: 12) ولايقبلون كتب العهد القديم الأخرى التي كتبت بعد العودة من السبي.

لايعتبرون نبيا إلا موسى. يقول السامريون أنهم من نسل إسرائيل القديم أي سكان مملكة الشمال وعاصمتها السامرة، وأن أصل تقاليدهم الدينية يرجع إلى يشوع، وأن كتابهم المقدس المكتوب بالأحرف العبرية القديمة يعود إلى أيام غزو بلاد كنعان.

عقيدة السامريين ركان الديانة السامرية

تقوم عقيدة السامريين على أركان خمسةوعلى السامري أن يؤمن بهذه الأركان جميعها، حتى يحق له أن يحمل اسم سامري، وهذه الأركان هي:

1. وحدانية الله، أي أنه لا يوجد له شريك ولا مشير ولم يلد ولم يولد أبدي سرمدي قادر كامل.
2. الإيمان بأن سيدنا موسى رسوله وحبيبه وكليمه ولا إيمان بغيره البتّة.
3. الإيمان بأن التوراة (الخمسة أسفار الأولى من الكتاب المقدس) هي شريعة الله.
4. الإيمان بأن جبل جرزيم هو قبلة أنظار السامريين ومحجة قولبهم وهو الواقع مقابل جبل عيبال جنوبي مدينة نابلس.
5. الإيمان بيوم الدينونة، يوم الحساب والعقاب المعروف لدى عامة الناس بيوم القيامة.

اللغة السامرية

اللغة السامرية هي اللغة العبرية القديمة, لغة الاشارة والتصوير,كل حرف منها يشبه أحد اعضاء جسم الإنسان , وتعتبر اقدم لغات العالم اجمع وتتألف من 22 حرفا, تقرأ من اليمين إلى اليسار ,وأقرب اللغات إلى العبرية القديمة , اللغة الارامية و العربية , ولكونهم لغة سامية. أما اللغة اليهودية فهي لغة أشورية , قام بتغير اللغة من العبرية القديمة إلى اللغة الأشورية , في عهد قائدهم زوربابل قبل حوالي 2300 سنة , الرب "عزراهسوفير".

شريعة السامريين

ترتكز شريعة السامريين على الكلمات العشر، أي الوصايا العشر التي نزلت على موسى عليه السلام يوم خاطبه الله تعالى في سيناء، تختلف الوصايا العشر للسامريين عن الوصايا العشر اليهودية بحيث ان اليهودية فيها وصيّتان تحُثّ على عبادة وتوحيد الله :

1-لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.
2-لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ.

أما السّامرية فالوصيتان أعلاه نراها في واحدة وقد نجد أن الوصايا تحتوي على حفظ قُدسيّة جبل جرزيم بينما في الوصايا اليهودية لا نجد وصية حفظ قُدسيّة جبل الزّيتون.

الوصايا السامريّة هي كالآتي:

1. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.
2. لا تنطق باسم الله (إلهك) باطلاً.
3. احفظ يوم السبت لتقدّسه.
4. احترم أباك وأمك لتطول أيام حياتك.
5. لا تقتل.
6. لا تزنِ.
7. لا تسرق.
8. لا تشهد الزور.
9. لا تشتهِ بيت قريبك وما يحويه.
10. احفظ قدسية جبل جرزيم الأبدية المطلقة.

عادات السامريين

- طعام السامريين: لا يأكلون أي طعام مطبوخ خارج بيوتهم بتاتاً كما انهم يحرمون على أنفسهم اللحوم الذبوحة على غير طريقة وشريعة السامريين ولا يجمعون بين اللبن واللحم على مائدة واحدة ولا يأكلونهما معاً.

- الزواج عند السامريين: يحق للسامري أن يتزوج واحدة ولا يحل له أن يجمع بين اثنتين، وإذا ظهر له أن امرأته لا تنجب أولاداً أو أنها لا تطيعه أو اكتشف أن بها مرضاً معدياً فيحق له طلاقها بعد الإثبات، ثم الزواج بغيرها، كما أن للمرأة أن تطلق زوجها لدى القاضي الشرعي إذا أخل زوجها ولم يقم بواجبها من الكسوة والفراش وحفظ القرابة، ولا ختلف السامريون عن اليهود في الزواج إلا فيما يتعلق بزواج اليهودي من زوجة أخيه بعد وفاته كذلك أخت زوجته بعد وفاتها وكذلك بنت أخيه وبنت أخته، فهؤلاء الأربع محرمات تحريماً قطعياً عند السامريين.

- الطهارة عند السامريين: الطهارة عند السامريين ركن وأساس في دينهم، فالمرأة التي تكون في فترة الحيض يجب أن تبعتد كلياً عن أعمال بيتها مُدة سبعة أيام، والحامل إذا ولدت ذكراً تبتعد 41 يوماً وإذا ولدت أنثى تبتعد 80 عن التعامل مع الناس، كل ذلك حسب أوامر التوراة، ويجب الاغتسال مباشرة بعد جماع الزوج لزوجته، وكذلك إذا أحدث الرجل أثناء نومه، ويجب تبديل الثياب والوضوء عند الصلاة وكذلك الوضوء دائماً لدى الاقتراب من المقدسات أو الدخول إليها.

مقدسات السامريين

1. جبل جرزيم، لأنه في اعتقادهم:
أ- عليه قدم نوح قربان الشكر لله بعد الطوفان.
ب- عليه أراد إبراهيم أن يقدم ابنه إسحاق.
ج- عليه نام يعقوب ورأى السلم منصوباً والملائكة عليه.
د- إليه ابتهل موسى لرؤيته ولعمارته وعدم خرابه.
هـ - عليه بنى يوشع بن نون هيكل موسى عليه السلام بعد دخول الأرض المقدسة.
و- عليه تلا الإسرائيلون البركة (لذلك سمي جبل البركة).

2. قبور الأنبياء حول نابلس مثل: قبور الكهنة العازار وايتامر وفينحاس والسبعين شيخاً في عورتا قضاء نابلس ثم قبر يوسف عليه السلام في نابلس ثم قبور ذو الكفل ويوشع بن نون في كفل حارس.

3. قبور الأزكياء العشرة في حبرون (الخليل) وهم: آدم، شيت، أنوش، نوح، إبراهيم، إسحق، رفقة، يعقوب ولائقة، ثم قبر السيدة راحيل بين الخليل وبيت لحم.

4. قبر هارون بن عمران في جبال موآب عند وادي موسى شرقي الأردن.

5. قبور باقي أولاد يعقوب عليه السلام والمنتشرة في الأرض المقدسة منها : بنيامين في كفر سابا، لاوي في سيلة الظهر، يهودا في طلوزة، وثلاثة منهم جامع الأنبياء في نابلس.

السامريون في الأدبيات

أورد ابن حزم في كتابه الملل والأهواء والنحل

«...فأما اليهود فإنهم قد افترقوا على خمس فرق وهي السامرية وهم يقولون إن مدينة القدس هي نابلس وهي من بيت المقدس على ثمانية عشر ميلاً ولايعرفون حرمة لبيت المقدس ولايعظمونه ولهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود ويبطلون كل نبوة كانت في بني إسرائيل بعد موسى وبعد يوشع فيكذبون بنبوة شمعون وداوود وسليمان وأشعيا وأليسع والياس وعاموص وحبقوق وزكريا وأرميا وغيرهم ولايقرون بالبعث البتة وهم بالشام لايستحلون الخروج عنها...»


الشريعة المقدس( من موقع المتحف السامري)

السامرييون يؤمنون بخمسة أسفار موسى عليه السلام هي: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية,ويملكون أقدم نسخة خطية للتوراة ,ويعود تاريخها الى ما قبل 3635 سنه,وكتبها الرابع من هارون,ابيشع بن فينخاس بن العازر بن هارون ,شقيق موسى,كتبت بعد دخول شعب بني أسرائيل الى الاراضي المقدسة بثلاثة عشر سنة,مكتوبة باللغة العبرية القديمة ,والتوراة السامرية تختلف عن النسخة اليهودية بسبعة الاف خلاف ما بين حرف وكلمة واية وسورة,أما كلمة التوراة تعني التورية,حيث يجد الانسان فيها كل ما يحتاجة في هذا الوجود.

أركان الدين السامري

وحدانية الله الواحد أحد ,نبوة موسى بن عمران كليم الله ورسوله,الشريعة المقدسة,خمسة أسفار موسى "التوراة,قدسية جبل جرزيم,قبلة,السامريين ومأوى أفئدتهم,اليوم الاخر,يوم الحساب والعقاب.

لغة السامرييون

اللغة السامرية هي اللغة العبرية القديمة,لغة الاشارة والتصوير,كل حرف منها يشبة أحد أعضاء جسم الانسان,وتعتبر أقدم لغات العالم أجمع,تتألف من 22 حرفا ,تقرأ من اليمين الى اليسار ,واقرب اللغات الى العبرية القديمة ,اللغة الأرامية والعربية,لكونهم لغات سامية.

اما اللغة اليهودية فهي لغة أشورية,قام بتغيير اللغة من العبرية القديمة الى اللغة الأشورية,في عهد قائدهم زوربابل قبل حوالي 2300 سنة

الاعياد السامرية السبع

عيد الفسح
يصادف هذا العيد في الرابع عشر من الشهر الأول للسنة العبرية,عند غروب الشمس,حسب التقويم العبري السامري,وهو ذكرى خروج شعب بني اسرائيل من مصر,وتحررهم من عبودية فرعونها,ويقام في كل عام على قمة جبل جرزيم ,ويطلق علية عيد قربان الفسح,حيث فسح الله عن أبكار العبرانيين عندما ضرب أبكار المصريين.

عيد الفطير
يصادف في الخامس عشر من الشهر الأول,وهو ذكرى خروج الشعب الأسرائيلي من مصر,مدتة سبعة أيام,يأكلون فيه الفطير,بسبب ان عجينهم لم يتخمر عندما خرجو من مصر,وفي اليوم السابع منه يقوم السامرييون في الصباح الباكر ,بالحج على قمة جبل جرزيم,حيث يقيمون صلوات ختام عيد الفسح

عيد الحصاد
هو ذكرى نزلو التوراة ويعرف بعيد الاسابيع السبع وعيد البكوريم ,الثاني من بين أعياد الحج الثلاثة حيث يصعد السامرييون على قمة جبل جرزيم للصلاة ويصادف خمسون يوما من غداة سبت الفسح

عيد رأس السنة العبرية
يصادف في الأول من الشهر السابع العبري,ولمدة يوم واحد وهو اليوم الأول من أيام التكفير والذي يختم به السامرييون عيد الغفران في العاشر من هذا الشهر.


عيد الغفران
يصادف في العاشر من الشهر السابع العبري وتمتنع فيه كل نفس عن تناول الطعام والشراب و الاعتكاف فقط على الصلاة والعبادة لمدة 25 ساعة دون انقطاع ما عدا الطفل الرضيع

عيد المظال
ويعرف بعيد العرش ويصادف في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع ولمدة سبعة أيام في اليوم الاول يحج السامرييون الى قمة جبل جرزيم وهو العيد الثالث والأخير من أعياد الحج وفي هذا العيد يجب على كل بيت سامري ان يجمع الاصناف الاربعة التي ذكرتها الشريعة المقدسة وهي ثمر أشجار البهجة و سعف النخيل وأغصان أشجار الغبياء وصفصاف الوادي


من الفروق بين السامريين واليهود
Differences between the Samaritans and the Jews

ترجمة حسيب شحادة جامعة هلسنكي

١) السامريون (المحافظون على التوراة) هم بقايا بني إسرائيل من مملكة الشمال، واليهود من مملكة يهودا الجنوبية.
٢) يبلغ عدد السامريين اليوم قرابة الثمانمائة نسمة، أما عدد اليهود فيقدر بحوالي ١٣ مليون نسمة.
٣) لدى السامريين مذهب ديني واحد، وعند اليهود عدّة مذاهب.
٤) يعيش السامريون في الديار المقدسة فقط، في نابلس وحولون، في حين أن اليهود يعيشون في شتّى أقطار العالم.
٥) النسَب عند السامريين يُقرّر وفق الأب، ووفق الأم لدى اليهود.
٦) جبل جريزيم في نابلس هو مركز العبادة السامرية، وقد ورد هذا الاسم في التوراة السامرية مراتٍ عديدة، أما لدى اليهود فالمركز هو القدس، ومن المعروف أن اسم هذه المدينة لم يُذكر في التوراة.
٧) تقام صلوات السامريين نحو قِبلتهم، جبل جريزيم، وصلوات اليهود تتلى باتجاه القدس.
٨) للسامريين توراتهم ولليهود توراتهم (أسفار موسى الخمسة: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد وسفر التثنية)، وهناك زهاء ستة آلاف فرق بينهما.
٩) التوراة السامرية هي الكتاب المقدس الوحيد عندهم، أما عند اليهود فهناك إضافة لذلك أسفار الأنبياء والكتابات (المجموع ٢٤ سفرًا) والتوراة الشفوية.
١٠) توراة السامريين مكتوبة غالبًا بالخط العبري القديم أما التوراة اليهودية فمدوّنة بالخط الأشوري المربّع.
١١) المرجع الديني عند السامريين هو الكاهن الأكبر/الأعظم، أما عند اليهود فهم الحاخامون.
١٢) لدى السامريين قائمة كاملة بأسماء الكهنة الكبار ابتداءً من فنحاس، ولدى اليهود قائمة غير كاملة منذ فنحاس.
١٣) توراة السامريين قائمة بذاتها وهي البداية والنهاية، أما توراة اليهودية فمُلحقة بأسفار كما ذكرنا آنفا.
١٤) عشر وصايا عند السامريين، وتسع لدى اليهود.
١٥) توراة السامريين تقول إن المذبح على جبل جريزيم، والتوراة اليهودية تذهب إلى أن المذبح في القدس.
١٦) في التوراة السامرية هناك العبارة: الجبل الذي اخترتُه، وفي التوراة اليهودية: الجبل الذي سأختارُه (مثلا سفر التنية ١٢: ٥).
١٧) اسم المسيح لدى السامريين هو تاهب (= العائد) وهو من نسل سبط يوسف أو لاوي، وسيظهر على جبل جريزيم ، في حين أن اليهود يعتقدون أنه من نسل يهودا، وظهوره سيكون في جبل صهيون في القدس.
١٨) التقويم السامري (يسمّى: الحساب الصحيح، חשבון קשטה) يرتكز على الحسابين الشمسي والقمري، أما اليهود فيستخدمون التقويم القمري فقط.
١٩) يقوم السامري بصنع المصّة من عجين غير مختمر، أما اليهودي فيشتريها وهي مصنوعة في المخابز من عجين غير مختمر أيضا.
٢٠) لدى السامريين عيد الأضحية (القربان) في عيد الفسح، كما ُوُصف في سفر الخروج، ولا وجود لذلك عند اليهود.
٢١) لا يحتفل السامريون لا بعيد الغفران ولا بعيد الأنوار، لأنهما لم يُذكرا في التوراة، واليهود يحتفلون بهما.
٢٢) لا يشعل السامريون الشموع يوم السبت، أما اليهود فيشعلون.
٢٣) يحرم السامري من ممارسة الجنس يوم السبت، أما اليهودي فقد يمارسه.
٢٤) لا يلبس السامري غطاء للرأس كل الوقت، في حين أن اليهودي الأرتوذكسي يضع القبعة (كيپاه) معظم الأحيان.
٢٥) لا يضع السامري التيفيلين (الفلاكتريس: صندوق جلدي يوضع على الجبهة والشريط الموصول به يلفّ اليد اليسرى) كما يفسرها اليهود، واليهودي المتديّن يستعملها وقت صلاة الفجر.
٢٦) يحتل النبي موسى كليم الله مكانة خاصة جدا عند السامريين وليس الأمر كذلك عند اليهود.
٢٧) صلاة السامريين فيها قراءة الفاتحة وركوع وسجود وطهارة ووضوء أما عند اليهود فمختلفة.
٢٨) لدى السامريين ما يدعى باسم ختم التوراة، أي حفظ الطفل أو الطفلة حتى السنة العاشرة من العمر مقتطفات من التوراة غيبًا وإبراز ذلك في احتفال عام، في حين أن لدى اليهود ما يسمى ببار/ببت متسفاه في السنة الثالثة عشرة من العمر.
٢٩) يحرص السامريون على إجراء الختانة في اليوم الثامن كما ورد في التوراة أما اليهود فلا يشددون في ذلك.
٣٠) للسامري أو السامرية اسمان، الواحد عبري والآخر عربي مثل أبيشع/ناجي، پوعة/ زينب ولا وجود لهذا النهج عند اليهود.


الأورغانوم والسامريون
Organum and the Samaritans by M. Ravina
Review by H. Shehadeh

عرض ومراجعة حسيب شحادة جامعة هلسنكي

أهداني الصديق الأمريكي لاري راينرسون (Larry Rynearson) مشكورا نسخة من:
Menashe Ravina, Organum and the Samaritans. Translation from Hebrew: Alan Marbé. Israel Music Institute (I.M.I.) P.O.B. 11253, Tel-Aviv Israel, 1963, 62 pp.
أي: منشه رڤينا، الأورغانوم (تعددية الأصوات) والسامريون، نقله من العبرية ألن ماربه، معهد الموسيقى الإسرائيلي.

ولد منشه إلعزر رڤينا (ربينوفيتش1899 - 1968) الشاعر والعازف والملحّن والمعلّم وناقد الموسيقى والأدب العبري في روسيا؛ درس العزف على البيانو والتأليف الموسيقى في الكونسرفتوار في مدينة لايبزج الألمانية. قدِم إلى البلاد عام 1924وأقام في تل أبيب “مؤسسة لنشر الموسيقى”، أصدرت عددا لا يستهان به من الكتب بقلمه أو بالاشتراك مع آخرين منها: معجم موسيقى بالعبرية 1935؛ فرانس شوبرت 1938؛ أغان يمنية 1938؛ موسيقيون في إسرائيل 1942؛ أغاني أرض إسرائيل 1943؛ تفسير تاريخي وتحليل موسيقي لتسع سيموفنيات بيتهوڤن 1947؛ الجندي في الموسيقى اليهودية والعالمية 1953؛ وعن النشيد القومي -هتكڤا- (الأمل) 1968.

من المواضيع التي يعالجها المؤلف في هذا الكتيب، بالطبع باختصار، إضافة إلى الجانب الموسيقى نذكر: السامريون هم إخوة اليهود البعيدون كما قال يتسحاك بن تسڤي (1884 - 1963) ومن قبله آشر تسڤي چنسبرغ المعروف باسمه المستعار أحاد هعام (واحد من الشعب،1856 - 1927)؛ نقاء التراث؛ الكنيس ينبوع الموسيقى السامرية؛ تحليل الترانيم السامرية - اليشتبح/التسبيحة، رفع اللفافة/المدرج/المدْرَش، بار متسفاه السامري؛ تميّز تراتيل الصلاة السامرية؛ قراءة التوراة؛ الشمّاس والطائفة؛ جدول الصلوات؛ كلمات الصلوات ودروس؛ يوو هوو؛ السلم الموسيقي الخماسي.

كل ما يقوله المؤلِّف مقتصر على سامريي حولون ولا ذكر لإخوانهم في نابلس، مثلا لا يمكن التمييز بين يهودي وسامري فالأخير يبدو لك كأي قادم جديد من المشرق. يتطرق منشه أيضا إلى ظاهرة الشعور بالفخر والاعتزاز لدى السامريين لأنهم يحافظون على إرث لهم موغل في القدم. هنا، لا بد من القول، إنه من قبيل المستحيل في أغلب الحالات فرز القديم عن الأقل قدما من حيث العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية التي يمارسها السامريون وذلك بسبب شحّة المصادر المكتوبة.

يشير المؤلف إلى أن الحياة العصرية بكل أنماطها لا سيّما الموسيقى الحديثة التي بدأت تغزو بيوت الطائفة السامرية في الأعراس، على الأقل، قد تؤدي في آخر المطاف إلى خطر اندثار موسيقى الأورغانوم. ومن نافلة القول أن في موسيقى السمرة لا وجود لأية آلة موسيقية على الإطلاق، إنّها موسيقى الكلمة المقدّسة، إذ أن تلك الآلات أزيلت من الاستعمال بعد خراب الهيكل، cappella vocal music. (Thus the Organum of Samaritan prayer-song is faced with the danger of extinction, p. 8.

من المعروف أن النساء السامريات لا يشتركن في الصلوات ولكنهن يحضرن إلى الكنيس إلى مكان خاصّ لهن ويقبّلن غلاف المدرج/ لفافة التوراة/مِدْرَش عندما يرفعها الكاهن الأكبر. أصوات الذكور فقط تسمع عالياً في الكنيس في حين أن دور الجنس اللطيف في الغناء مقتصر على المناسبات الاجتماعية مثل الأعراس والختانة. تعكس الموسيقى السامرية بأمانة روح الكنيس منذ القِدم وتعتبرها الأذن الأوروبية مملّة رتيبة. وهذه الموسيقى المقدسة لدى أصحابها تمتاز بالإرتجال وبكم هائل من البدائل، ارتفاع وانخفاض في الصوت ولذلك تتعذّر كتابة نوتات لها. جوهر الأمر بالنسبة للسامري هي العبادة من كل قلبه، وضوح وفهم مفردات الصلوات، وللكلمة الجماعية المغناة القدح المعلى. غاية اتّحاد المصلين تجعلهم يتلون الصلوات بلغط لا يفقهه المستمع البرّاني ولا وجود للميزان خماسي النغمات في الصلوات لانعدام آلات موسيقية.

يبدو أن الموسيقى القديمة ستبقى كتابا “مختوما”/غامضا بالنسبة لنا (ص. 15). يظهر أن بداية الغناء المتوازي (ثلث، ربع، خمس) تعود إلى القرن السابع . الرأي السائد يذهب إلى أن آلأرغانوم قديم قِدم الجنس البشري وهو موجود في شتّى أنحاء المعمور ولم ينشأ في الكنيسة ولا صلة له بأية نظرية موسيقية. يُشار إلى أن الأرغانوم السامري يتّصف بنغمات متغيّرة بسهولة بلمسات تزيينية كثيرة جدا، إذ لا أهمية لنغم متناسق. هنالك ثلاث نغمات ولكل منها غاية معينة. يلعب طقس ختم التوراة لدى السامريين الذي يقابل بار/بت متسڤاه (ابن/ابنة الفريضة) عند اليهود دوراً هامًّا في المجتمع السامري. أولا يدّعي راڤينا أنه لا بد من طرد الشيطان من مكان الاحتفال بواسطة صراخ النسوة وحماسهن ثم يُحضَر الفتى أوالفتاة ويكون عادة معدّل العمر 8-7 سنوات وليس 1- 3 كما هي الحالة لدى اليهود الربانيين. هنا لا دخل للعمر بل لمقدرة الفتى على حفظ ما عليه من التوراة، نهاية سفر التثنية، وتلاوته أمام الحضور الغفير. في الواقع، ذكر المؤلِّف لطقس طرد الشيطان غريب عجيب في نظري إذ لا علم لي به من أي مصدر آخر والسيد راڤينا لا ينوّه ممن استمدّ هذه المعلومة.

هنالك فرق شاسع بين ترتيل الصلاة وقراءة التوراة في الكنيس إذ أن هذه القراءة محدودة أكثر من حيث الروحُ الموسيقية (ص. 84). هذه القراءة، في الواقع، نوع من السرد المنغّم تصاعديا وتنازليا. كل من استمع للتراتيل السامرية المختلفة لا شك أنه لاحظ إدخال مقاطع زائدة بدون أي معنى لها بغية الحفاظ على النغمات المطلوبة ولإضفاء مسحة من الوقار والحماس على الكلمات الدينية. مثل هذه الظاهرة تبرُز بشكل ملحوظ جدا في تلاوة (سفر الخروج 115، أَزْ ياشَرْ موشي = حينئذ سبّح موسى) وهذه الإضافات تجعل فهم المسموع صعبا حتى ولو كان كتاب الصلوات أمام ناظري المتابع. ويعتقد السامريون أن هذه الإضافات تعود بدايتها إلى مئات السنين، قرابة الثمانمائة، وهي موجودة أيضا لدى اليهود اليمنيين وهنا يخطىء المؤلّف رڤينا في قوله إن السامريين يهود (ص. 25- 35 ).

في غناء هاتين الطائفتين عدد غير محدد من الأصوات تسمع للأذن الأوروبية أعلى من اللازم حينًا وأوطأ من اللازم حينًا آخر؛ كثيرًا ما يجد المرء في غنائهم انزلاقا في النغمات، أي نغمات عرضية، طارئة (ص. 65 -75 ). انتقلت هذه الموسيقى الدينية بألحانها التي لا حصر لها شفاهًا من جيل لآخر، قرابة المائة والثلاثين جيلا. ومن المعروف أن المصلين في الكنيس يُقسمون إلى قسمين: الجانب الأيمن ومقابله الجانب الأيسر ولكل منهما دوره في الأداء وينضم الشمّاس دائما إلى الجانب الأيمن. يذكر أن الجوقة الموسيقية السامرية بإدارة السيد بنياميم راضي صدقة قد تأسّست عام 1981ولها نشاطات في مهرجانات عديدة في داخل البلاد وخارجها. من الذين اهتموا بدراسة الموسيقى السامرية يمكن ذكر التالية أسماؤهم:

R. Lachman, A. Z. Edelson, Gweshuri, Valbeh, Hoffman, R. Katz, D. Katz, Herzog, Penderetzki, , Dalia Cohen, Noam Sheriff

حاولت الباحثتان كاتس وكوهن الحائزتان على جائزة إسرائيل في الموسيقى كتابة نوتات لأغانٍ سامرية معروفة. وجدت كوهن بعض أوجه شبه للموسيقى السامرية لدى قبيلة نائية في جنوب تشيلي. مما يجدر ذكره وجود تسجيلات تمتدّ لمئات الساعات لكل الموسيقى السامرية محفوظة في مكتبة الفونيطيقا في الجامعة العبرية فيالقدس. ويذكر السامريون أربعة ملحّنين من طائفتهم وهم-;عشر وعبد الله بن سلامة الكاهن الذي عاش في القرن الرابع عشر وسعد الله بن صدقة الكثاري-- الذي عاش في القرن الخامس عشر.

لا شكّ أن دارسي الموسيقى الشرقية عمومًا والسامرية واليمنية خصوصاً سيجدون في هذا الكتيّب بعض المادة بالرغم من قدمها، إذ أنّ المرة الأولى التي سمع فيها المؤلّف منشه رڤينا صلاة سامرية كانت عام 1973وذلك عبر صوت إسرائيل. يُنهي رڤينا كتيّبه بالقول إن الموسيقى السامرية أصلية قديمة وغير عادية إطلاقا. تثير هذه الموسيقى لدى المستمع وجوب القيام ببحث حذرلأنه يمكّنه من اكتشاف أسرار الماضي السحيق في عالم الموسيقى (ص. ٦).













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /17-10-2015, 12:33 PM   #53

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي إليعزر بن يهودا أبو اللغة العبرية الحديثة

إليعزر بن يهودا أبو اللغة العبرية الحديثة

ولد إليعزر إسحق ليف پيرلمان (بن يهودا لاحقا) في ليتوانيا لأسرة متديّنة عام ١٨٥٨ وتوفي في فلسطين عام ١٩٢٢ ودفن في مقبرة جبل الزيتون. ترعرع هذا الفتى الموهوب في أسرة متزمتة، مات أبوه عندما كان ابن خمس سنوات فأعاله خاله دافيد ولفسون وأدخله إلى مدرسة الكتّاب اليهودية حيث اطّلع على أفكار حقبة التنوير، ١٧٨٠-١٨٨١ وفلسفتها، لا سيما بصدد إحياء اللغة العبرية. تولّى رعايته بعد ذلك رجل الأعمال شلومو يوناس، وتعلم الفتى الفرنسية والألمانية والروسية. بدأ بن يهودا بدراسة العبرية والتوراة في الثالثة وعندما بلغ عمره اثنتي عشرة سنة كان قد قرأ معظم التوراة والمشناه (التوراة الشفوية) والتلمود وأمل والداه أن يصبح ابنهما رجل دين، رابي. وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره شرع يولي فكرة نهضة شعب إسرائيل في فلسطين مكانة مرموقة وأهمية ملحوظة.

تجلّت هذه الفكرة بداية في مقالته الأولى ”مسألة محترمة“ (العنوان الأصلي كان:مسألة ملتهبة، شِئيلاه لوهطاه) التي نشرت في الدورية الشهرية شاحر/الفجر. ومما ورد في هذه المفالة التي عالج فيها بن يهودا موضوعاتٍ مثل نشأة القوميات، أهمية اللغة والجغرافيا للشعب اليهودي ما معناه ”لدينا لغة نستطيع أن نكتب بها اليوم كل ما يساورنا وكذلك في مقدورنا التحدث بها إن أردنا“. ننوّه في هذه العجالة أن فكرة إحياء العبرية في فلسطين لم تبدأ ببن يهودا في أواخر القرن التاسع عشر بل سبقه كثيرون مثل يهودا القلعي (١٧٩٨-١٨٧٨)، حاخام صربيا، الذي نشر مقالا بهذه الفحوى عام ١٨٤٥. انتقل بن يهودا عام ١٨٧٨ إلى باريس لدراسة الطب وبعد ثلاث سنوات قرر التوقف عن هذه الدراسة بسبب تدهور صحّته، أصيب بمرض السل وسافر إلى الجزائر للاستشفاء بالطقس الجاف هناك، وتبنّى اللفظ السفاردي وتكلم بالعبرية ونشر مقالين نادى فيهما بتبنّي اللغة العبرية في التعليم بدلا من اللغات الأجنبية.

وفي جامعة السوربون درس بن يهودا أيضا العبرية وتاريخ الشرق الأوسط، ويُذكر أن بن يهودا كان قد تحدّث بالعبرية للمرة الأولى في أحد مقاهي باريس في شارع بولور مونمرتر مع أحد معارفه ووصف هذا الحدث بما معناه ”أصوات غريبة لهذه اللغة الشرقية القديمة الميتة امتزجت بجلبة الأصوات السارّة في اللغة الفرنسية الحية، الجميلة، الثرية“.

وفي العام ١٨٨١ وصل بن يهودا إلى فلسطين عن طريق مصر حيث تزوّج في نفس العام من دفوراه واتّفقا على التكلم بالعبرية فقط مع نسلهما المستقبلي وهو الذي قال ”باللغة العبرية فقط يحيا يسرائيل في أرضه“. ووُلد لهما الابن بن تصيون الذي غيّر اسمه فيما بعد ليُصبح إيتمر بن أفي وهو الناطق الأول بالعبرية كلغة أم. عاش بن يهودا حياته بضنك، لاحقه اليهود الأرثوذكس المتزمتون الذين عارضوه في مشروعه ووصموه بامتهان قدسية العبرية ونعتوه بـ“المجنون“ ووشوا به للسلطات العثمانية مدّعين أنه يخطّط للقيام بتمرد ضد الأتراك فاعتقل وحُكم عليه بالسجن لمدة عام إلا أن البارون روتشيلد تدخّل ولم ينفذ الحكم.

ويُذكر أن بن يهودا كان معارضا لخطة تقسيم البلاد ووافق على أوغندا وطنا لليهود. وفي الوقت ذاته ربط بن يهودا العودة إلى فلسطين بالعودة إلى العبرية. بعد وفاة زوجته عام ١٨٩١ تزوّج من أختها بيلاه/پاوله/حمداه التي كانت تصغره بأربع عشرة سنة عام ١٨٩٢. وفي العام ١٩١٩ توّجه بن يهودا للمندوب السامي، هربرت صامويل، للإعلان عن العبرية واحدة من اللغات الرسمية في فلسطين وهكذا كان بعد بضع سنوات. أسّس ”لجنة اللغة“ التي تحوّلت عام ١٩٥٣ إلى ”مجمع اللغة العبرية“ في القدس وأنجز القسم الأكبر من قاموس العبرية القديمة والحديثة وساهم في إيجاد قرابة ثلاثمائة كلمة وقد كُتب لمائة وستين منها البقاء والحياة، منها، على سبيل المثال، ما معناه بالعربية: أديب (من العربية)، أوركسترا، برقية، بلدية، بوظة، تأييد، تصريح، تقدّم، ثانية، جرثومة، جندي، جوارب، خارطة، دبوس، دغدغة، دفيئة، دقيقة/لحظة، رسمي (من العربية)، زكام، سأم، ستار/برداية، شرطة، صحن، عنوان (المكان)، فرشاة، فروة، قاموس، قبعة، قطار، قلم رصاص، قنبلة، كرة، كفوف (لليد)، مبادرة، محرمة، محلقة، مراسل، مرّشَحون، مسدس، مطعم، منشفة، مهاجرون، هوية.

ويذكر أن ”ميلون“ أي قاموس كانت أولى الكلمات التي أوجدها بن يهودا بدلا من ”كتاب كلمات“ وهي ترجمة حرفية للمصطلح الألماني Wörterbuch. تُعزى بداية التحول اللغوي العبري في فلسطين إلى وصول إليعزر بن يهودا إلى البلاد في تشرين الأول عام ١٨٨١ ويُدعى عادة بلقب “أبو اللغة العبرية الحديثة” رغم أنه لم يكن وحيدا في الميدان فقد سبقه على الأقل ثلاثة من المربين المعروفين: يوسيف هليفي، باروخ بن إسحاق مطراني ونسيم بخار.

(أنظر: شلومو هرماتي، ثلاثة سبقوا بن يهودا. القدس ١٩٧٨، بالعبرية). في الميثولوجيا الشعبية هناك أبطال في مجالات متعددة، هرتصل ملك أسطوري، بيالك شاعر نبي، وإليعزر بن يهودا أبو نهضة اللغة العبرية. عندما هبّ بن يهودا اللغوي والصحفي في تنفيذ مشروعه الطموح كانت اللغة العبرية المكتوبة قد قطعت شوطا طويلا وهاما في حقبة التنوير.

من المعروف أن إليعزر وزوجته الأولى دفوراه قررا تعليم ابنهما إيتمار (بن تصيون سابقا) الملقب فيما بعد بالولد العبري الأول، اللغة العبرية المحكية، وهما في الواقع لم يكونا ناطقين لها بالفطرة كما هي الحال بالنسبة للغات الطبيعية التي تنتقل من الأب للابن. من الواضح أن الصبي قد قاسى نفسياً الكثير من هذه التجربة الفريدة (أنظر: حمداه بن يهودا، حامل العلم - حياة إيتمر بن أف“ي، ١٩٤٤، بالعبرية؛ دفورا عومر، الابن البكر في عائلة أف“ي. عام عوفيد ١٩٧١، بالعبرية) إذ أن لغة الأم بالنسبة لبن يهودا كانت الإيدش، خليط من العبرية والألمانية الوسطى، كما وأجاد الروسية كلغة أم تقريبا أما زوجته فلم تعرف العبرية عند ولادة الابن. ويبدو أن تجمع أولاد الهجرة الثانية عام ١٩٠٤ وانخراطهم سوية في سلك التعليم حيث اللغة السائدة كانت العبرية كانا السبب الرئيسي في تبلور العبرية المحكية الحديثة في خضمّ ما عرف آنذاك بمعركة اللغات، ١٩٠٨-١٩١٤ بصدد لغة التدريس.

وفي هذا الشأن يمكن مقارنة تجربة بن يهودا بتجربة بعد قرن تقريبا قام بها الدكتور عبد الله مصطفى الدنّان الفلسطيني ومخاطبة ابنيه بالعربية الفصحى. وفي معركة اللغات تلك كانت الغلبة للعبرية في كافة مستويات التعليم ابتداء بروضة الأطفال وانتهاء بالجامعة. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى، ١٩١٤ بلغ عدد الناطقين بالعبرية كلغة أم قرابة العشرين ألفا ومكث بن يهودا خلال فترة الحرب في الغرب، أمريكا وأوروبا. وفي العام ١٩٢٢ اعترف الانتداب البريطاني باللغة العبرية كإحدى اللغات الرسمية الثلاث في البلاد. ويذكر أن قسما لا يستهان به من أولياء أمور الطلاب أخذ بتعلم العبرية من أولادهم وهذه حالة غير طبيعية في عملية انتقال اللغة من الكبار للصغار.

في تقديرنا ما يسمّى عادة بإحياء اللغة العبرية المحكية الحديثة ما هو في واقع الأمر سوى تحويل لغة الكتابة في العصر التنويري إلى لغة محكية. وفي العام ١٩١١ بدأت لجنة اللغة بتصويب الأخطاء، في المجال الفونيطيقي، نرى تطابقا شبه تام بين العبرية الإسرائيلية والإيدش، وفي الصرف مثلا هناك واوالعطف الملفوظة دائما ve. والجدير بالذكر، وجود شهادات أدلى بها رحّالة بأن العبرية كانت محكية في أوساط اليهود في القدس وصفد، على سبيل المثال.من أولائك الرحالة الذين زاروا البلاد المقدسة نشير إلى أرنولد فون هارپ الألماني الذي مكث في البلاد ما بين ١٤٨٨-١٤٩٩. وفي كتابه المعدّ للسواح ألحق عيّنة من الجمل العبرية الشائعة. أضف إلى ذلك أن بعض المبشّرين المسيحيين وكذلك رؤساء دول مثل قيصر البرازيل پدرو الثاني وملكة إنجلترا، جين چري، قد كانوا على معرفة ما بالتكلم بالعبرية.

في العبرية الحديثة المكتوبة والمنطوقة بمسنوياتهما المختلفة هناك عنصر خارجي قوي جدا لا سيما من حيث المعجم والنحو. قبيل وفاة بن يهودا تسنّى له الاستمتاع بمشاهدة ثمرة جهوده، براعم المتحدثين بالعبرية

بن يهودا وإحياء اللغة العبرية الحديثة

“إحياء” هي اللفظة المستعملة عادة في هذا السياق بالرغم من عدم ملائمتها، إذ لا يمكن إحياء لغة ميتة. وبدأت عملية “الإحياء” هذه في كل من أوروبا والديار المقدسة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. وتمخّض عن هذه العملية في آخر المطاف تحويل اللغة العبرية من لغة مكتوبة ولغة الليتورجيا إلى لغة محكية ولغة قومية للشعب اليهودي كتابة وحديثا مع أن زهاء نصف هذا الشعب لا يتكلمها. والجدير بالذكر أن قرابة ربع الناطقين بالعبرية الحديثة هم عرب فلسطينيون، يحمل معظمهم الساحق الهوية الإسرائيلية.

ومن المعروف أن العبرية الحديثة هذه أصبحت اللغة الرسمية في فلسطين عام ١٩٢٢ بجانب العربية والإنجليزية، وبعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ صارت العبرية عمليا، اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وعملية الإحياء هذه لم تتحقق بمعزل عن نشاطات أخرى متعلقة بالحركة الصهيونية وتوسع الاستيطان اليهودي في فلسطين وتعدد أجناس اليهود المهاجرين إلى البلاد واختلاف لغاتهم وثقافاتهم. وهذه الظاهرة، تحوّل لغة مكتوبة بعد سبعة عشر قرنا ونيّف، إلى لغة محكية عادية بعد عقود قليلة من العمل الجاد من أجل ذلك، تُعتبر ظاهرة مستحيلة في علم اللسانيات المعاصر. الاتجاه المعاكس، تحوّل لغة محكية لأقلية ما إلى لغة عامة، أمر معروف في التاريخ اللغوي.

ومن المعروف أن العبرية كانت لغة محكية خلال أقل من خمسة عشر قرنا منذ الثالث عشر ق.م. وحتى أوائل القرن الثاني م. وهذه اللغة العبرية الحديثة مستمدّة من مصدرين أساسيين، داخلي: لغة ثلاث مراحل العبرية السابقة، لغة العهد القديم، لغة المشناة والأدب الرباني، وعبرية القرون الوسطى، والمصدر الثاني خارجي: لغات أجنبية متعددة وفي مقدمتها الإيدش وتليها الإنجليزية والروسية والفرنسية والآرامية والعربية. واليوم في العبرية ثلاثة أنماط للفظ: اللفظ الإشكنازي حيث بقيت الحركات كما هي إلا أن لفظها اندثر كما حدث بالنسبة للعديد من الحروف، الأصوات الصامتة وكذلك بالنسبة لموضع النبر والسكون المتحرك والشدّة الشديدة. اللفظ السفاردي الذي كان سائدا لدى يهود إسبانيا وإيطاليا ودول عربية عديدة وفيها بقيت الأصوات الصامتة كما هي وكذلك النبر والسكون والشدة.

فيها خمس حركات فقط لعدم التمييز بين الپاتاح والقاماتس من جهة والتسيري والسيجول من أخرى. اللفظ اليمني حافظ تقريبا على نمط اللفظ القديم إلا أنه كان غائبا عن الأماكن التي تم فيها إحياء العبرية المعاصرة حديثا وكتابة. ومن نافلة القول وجود طرق لفظية متباينة في كل من هذه الأنماط الرئيسية الثلاثة. هناك إشارات عن التحدث بالعبرية في القدس في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر، نصف قرن قبل الشروع في إحياء العبرية.

ذلك التحدث جاء كحل طبيعي لتحقيق التواصل بين اليهود الإشكناز واليهود السفارديم، تكلم الأوائل الإيدش والأواخر اللادينو والعربية، وعليه كان لا بد من لغة مشتركة بين الطرفين وتم ذلك عبر عبرية محدودة بالطبع. للأسف لا وجود لعينات من باكورة العبرية المحكية هذه، لا تسجيلات صوتية إذ أنها ظهرت فقط في خمسينيات القرن العشرين. العبرية المكتوبة الحديثة نمت وترعرعت في أوروبا أما المحكية فكانت في فلسطين بوجه خاص. ويبدو أن لقاء هذين المستويين اللغويين قد حدث بعد قدوم الشاعر اليهودي القومي، حاييم نحمان بيالك، عام ١٩٢٤ إلى البلاد.

وعناصر معينة من العبرية المحكية دخلت لغة الحوار في الأدب العبري لأول مرّة في بداية أربعينيات القرن الماضي، نتاج س. يزهار وموشيه شمير مثلا وفي لغة المتن في التسعينيات من القرن ذاته كما تتجلى الظاهرة في مؤلفات بعض الأدباء أمثال إتچار قيرت. في الفترة التنويرية، هَسْكالاه، التي سبقت مرحلة إحياء العبرية، كتب الكتّاب اليهود الأوروبيون مؤلفاتهم بالعبرية المقرائية مبتعدين عن الإرث الرباني والإيدشي. رأوا في هذه العبرية النمط السامي والملائم لهذه الكتابات قائلين بأن لغة المشناة، والآرامية، أفرب الأخوات الساميات للعبرية، لا ترقىان طهارة وجمالا إلى لغة المقرا. ومن أهم نشاطات أهل التنوير المذكور إنشاء صحافة عبرية مثل مقهيلات موسار لمندلسون في أواسط القرن الثامن عشر، همئسّيف، كيرم حيمد، هتسفيراه، هحلوتس، هميليتس، همچيد، هشاحر الخ. ولا نضيف جديدا إذا ما قلنا إن مندلي موخير سفاريم (شالوم يعقوب أبراموڤيتش ١٨٣٦-١٩١٧) قد شقّ طريقا جديدا في الكتابة العبرية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، مُدخلا عناصر لغوية حزالية وربانية ومن القرون الوسطى ومن اللغات الأوروبية.

ويذكر أن مندلي كان من معارضي فكرة إحياء اللغة العبرية المحكية. وإثر الهجرة اليهودية الثانية إلى البلاد والتي ضمّت شعراء وأدباء نرى أن اللغة العبرية الأدبية آنها قد ساهمت بقسط ما في إحياء العبرية المحكية. حال التطرق إلى ظاهرة بزوغ العبرية المحكية الحديثة يتبادر إلى الذهن تلقائيا اسم إليعزر بن يهودا (پيرلمان، ١٨٥٨-١٩٢٢) كونه “محيي/أبا اللغة العبرية المحكية والصحافة العبرية في البلاد” ويمكن اعتباره الأب الحقيقي للصهيونية الثقافية أيضا. ولد إليعزر پيرلمان في لوتسكي في لتوانيا وتيتّم من أبيه الحبادي (חב‘‘ד–حكمة وفهم ومعرفة) وهو ابن خمس سنوات. وفي عمر الثالثة عشرة التحق بمدرسة دينية وكان مديرها من أنصار حركة التنوير وتشرب الفتى إليعزر الكثير من فلسفتها.

من الواضح أن الحرب الروسية التركية عام ١٨٧٧-١٨٧٨ ونضال شعوب البلقان من أجل الحرية والاستقلال وحالة الظلم التي تعرض لها اليهود قد أثرا في ذهن بن يهودا وتبلورت لديه فكرة بعث الشعب اليهودي في فلسطين. قرر بن يهودا الانتقال إلى فلسطين للسكن فيها إلا أنه توجه أولا إلى باريس لدراسة الطب ليعتاش من هذه المهنة، ولكن سرعان ما أوقف دراسته لمرض السلّ الذي ألم به. وتناهى إلى سمعه خلال مكوثه في باريس من بعض المسافرين أن بعض اليهود الشرقيين يتحدثون بالعبرية في القدس. وتتلمذ هناك على أستاذ اللغة العبرية، يوسف هليڤي (١٨٢٧-١٩١٧)، تركي الأصل وهو أحد الثلاثة الذين سبقوا بن يهودا في نشاطاتهم من أجل جعل العبرية لغة محكية، الآخران هما باروخ بن يتسحاك ميطراني ونسيم بخار.

انتقل بن يهودا مُصطحبا زوجته دڤوراه يوناس إلى فلسطين عام ١٨٨١. بعد عشر سنوات توفيت دڤوراه بالسل وتزوج بن يهودا من شقيقتها الصغرى، حمداه التي أخذت على عاتقها مدّ يد كل معونة وسند لزوجها في مشروعه الطموح وفي الاهتمام بولديه من شقيقته. تعلمت العبرية بسرعة فائقة وأصبحت مراسلة فمحررة في أسبوعية هتسڤي (الغزال) التي أسسها زوجها عام ١٨٨٤ وهي، على ما يبدو، أول صحيفة محلية. والحق يقال إن بن يهودا لم يكن وحيدا في الميدان، وانصبّ جلّ إسهامه في التنظير والحفاظ على الجذوة. كان أول من أشار إلى ضرورة بعث العبرية عبر مقالات عديدة وإصداره لصحف وتأليفه لمعجم ضاف للغة، ١٧ مجلدا، ٨٠٠٠ صفحة.

من مقالاته التي تستحق التنويه “سؤال ملتهب” والذي غيّر عنوانه محرر الصحيفة، پيرتس سمولنسكين، إلى “سؤال وجيه/محترم” وقد نشر عام ١٨٧٩ (أنظر: http://benyehuda.org/by/sheela.html). وعلّم بن يهودا العبرية بالعبرية وفق منهاج بيرلتس لأول مرة ولكن لمدة قصيرة بسبب مرضه في مدرسة الأليانس وحاول التحدث بالعبرية فقط مع زوجته دڤوراه وابنه البكر بن تصيون/إيثمار بن أڤي المولود عام ١٨٨٢ والذي سمع العبرية في البيت فقط في غضون سنواته السبع الأولى. ومما يجدر ذكره أن هذا الصبي بدأ بالحديث عندما بلغ من العمر أربعة أعوام. ويُعتبر هذا الصبي أول ناطق بالعبرية منذ الولادة بالعبرية واعتبر “أعجوبة” في البلاد وحضر الكثيرون لرؤيته في القدس.

وكانت لهذا الصبي مربية خاصة ناطقة بالعبرية ومنعت والدته من التحدث معه لعدم معرفتها الكافية بالعبرية وقد أنذره صديقه ي.م. پينس بأن الابن هكذا سيصبح غبيا. ويذكر أن هذا الابن دأب على كتابة אמריקתה بمعنى إلى أمريكا ولم تكتب الحياة لهذه الصيغة بهاء الاتجاه. وأقام بن يهودا جمعيتين، “لغة واضحة” وأطلق عليها معارضوه تهكما “لغة لعينة” (بالعبرية تلاعب بالألفاظ: שפה בְּרורָה/ שפה אֲרורָה) و”إحياء/بعث إسرائيل” وقد نادت بالاستيطان الزراعي والعمل الخلاق والتربية القومية. كان بن يهودا على قناعة راسخة بوجوب اتحاد اليهود كي ينجح في مسعاه ولذلك تديّن من جديد هو وزوجته وأقام علاقة قوية مع الراب السفاردي الأول،يعقوب مئير (١٨٥٦-١٩٣٩) وبعد ذلك مع الراب الإشكنازي الأول المعروف، أبراهام إسحاق كوك (١٨٦٥-١٩٣٥)، وافترى عليه المتزمتون وزجّ به في السجن العثماني. وتتلخص هذه الوشاية في البلبلة بين جملتين نشرتا في صحيفة، الأولى בואו נאסוף כח ונצעד קדימה والثانية בואו נאסוף צבא ולחם כנגד המזרח أي “تعالوا نتقوى ونخطو إلى الأمام”، “تعالوا نجمع جيشا وخبزا ضد الشرق”. وبهذا التفسير الثاني والخاطىء أراد المتزمتون أن يقولوا للحكام الأتراك أن بن يهودا يدعو للتمرد والعصيان ضدهم.

وفي أعقاب هذه الوشاية اعتقل بن يهودا وحكمعليه بالسجن لعام إلا أن هبة اليهود من شتى أرجاء العالم وغضبهم أديا إلى تسريحه. ويحكى أن بن يهوذا ثابر في عمله على قاموسه ثماني عشرة ساعة يوميا كان يقضيها واقفا كيلا يغفو وينام لو كان جالسا. وقد صدرت المجلدات الستة الأولى منه عام ١٩١٠ وبعد وفاته عمل ابنه إهود وزوجته حمداه على إصدار مخطوطه برمته عام ١٩٥٩.

يذكر أن بن يهودا كان قد قضى مدة الحرب العالمية الأولى في أمريكا. وهنا لا بد من ذكر وصول مجموعة الشباب الطلائعي البيلويين أنظر سفر إشعياء ٢: ٥، “فيا بيت يعقوب تعالوا لنسلك في نور الربّ”) من روسيا إلى فلسطين ضمن أفراد الهجرة الأولى. وأولائك البيلوويون كانوا على درجة عالية من الالتزام الإيدولوجي القومي وناصروا بن يهودا علانية وبقوة في مشروعه لإحياء العبرية المحكية.

إثر وصولهم البلاد رحب بهم بن يهودا وسماهم “مواطنون وليس غرباء” وهم ساهموا في تدريس العبرية في المستوطنات وهكذا وفي العام ١٨٩٠ أصبح تدريس العبرية بالعبرية في معظم مدارس الجليل وأخذ هذا المحى زخما واضحا عند تأسيس روضات الأطفال عام ١٨٩٨ فصاعداً فمدارس ثانوية عام ١٩٠٦ في تل أبيب وفي القدس عام ١٩٠٨. في هذه الفترة كانت الحاجة ماسّة جدا لكلمات جديدة لتلائم الحياة الحديثة ولذلك نشر بن يهودا عام ١٩٠٣ معجما صغيرا وبعد ذلك بخمس سنوات بدأ بنشر معجمه الكبير المعروف.

إن الجانب التطبيقي أي التحدث بالعبرية الحديثة جرى قي مستوطنات الهجرنين الأولى والثانية وليس في القدس، حيث سكن بن يهودا وعمل. الهجرة الثانية والمسماة أيضا باسم “هجرة العمّال” تمّت بين السنتين ١٩٠٤-١٩١٤ والهجرة الثالثة كانت بين العامين ١٩١٩-١٩٢٣ وشملت كل منهما خمسة وثلاثين ألف يهودي. ظهور ثمرة العمل لجعل العبرية لغة حية كان بطيئا جدا إذ أننا نرى عشر عائلات فقط بدأت بالتحدث بها إثر جهود بن يهودا على مدار عشرين سنة. وفي عام ١٨٩٠ مثلا بلغ عدد مدرّسي اللغة العبرية في البلاد ثلاثة عشر فقط! نقص صارخ في الكلمات الأساسية للتعبير عن نواحي الحياة اليومية ونقص مثيل بصدد توفر كتب صالحة للتدريس وعدم الاتفاق على طريقة اللفظ، ألإشكنازية أم السفاردية؟

في العشر سنوات الأولى من القرن العشرين تخرجت الأفواج الأولى من تلاميذ المدرسة العبرية وبدأت الأزواج الشابة بالتحدث بالعبرية بشكل طبيعي. ويشار أن ٤٠٪ من يهود فلسطين في عام ١٩١٨ صرحوا بأن العبرية هي لغتهم الأساسية.

من الممكن تقسيم إحياء العبرية المحكية إلى ثلاث مراحل: الهجرة الأولى (هجرة الفلاحين، ١٨٨١-١٩٠٤) ووصل عدد المهاجرين إلى ٣٥ ألفا، الهجرة الثانية ١٩٠٤-١٩١٤ وعدد المهاجرين حوالي ٤٠ ألفا، وعهد الانتداب البريطاني في فلسطين. في المرحلة الأولى تركّز العمل في مدارس المستوطنات وفي دائرة بن يهودا وفي المرحلة الثانية اتسع استخدام العبرية ليشمل اللقاءات والأنشطة العامة لا سيما في القرى الزراعية اليهودية.

وفي المرحلة الأخيرة أضحت العبرية إحدى اللغات الرسمية في فلسطين عام ١٩٢٢، كما نوهنا، وذلك بفضل بن يهودا واتصاله بهربرت صامويل، المندوب السامي، وعند قيام إسرائيل أصبحت اللغة الرسمية الأولى وعمليا الوحيدة. في أعقاب وصول القادمين الجدد في إطار الهجرة الثانية أخذت دائرة التكلم بالعبرية تتسع وفي عام ١٩٠٩ أقيمت المدينة العبرية الأولى، تل أبيب، واستخدمت في شتى فروع إدارتها اللغة العبرية واختفت الإيدش من شوارع المدينة كليا. وأخذت “لجنة اللغة” التي أقامها بن يهودا وداڤيد يلين (١٨٦٤-١٩٤١) وحاييم هيرشنزون (١٨٥٧-١٩٣٥) وأبراهام موشيه لونتس (١٨٥٤-١٩١٨) عام ١٨٨٩-١٨٩٠ إلا أنها سرعان ما تفككت إلى أن عادت للعمل من جديد سنة ١٩٠٣ والتي تحولت عام ١٩٥٣ إلى مجمع اللغة العبرية، على عاتقها توفير المفردات اللازمة للأوضاع الجديدة. وكان معظم أعضاء تلك اللجنة من اليهود الإشكنازيين. ويشار إلى أن بن يهودا كان قد شرع بجمع معجم قبيل تأسيس اللجنة المذكورة رتبه أولا حسب الموضوع وبعد ذلك أبجديا.

وفي العام ١٩١١ صدرت دوسية بعنوان “لا تقل! بل قل”! وفيها ٩٨ خطأ لغويا شائعا على ألسنة الناس وتصويب ذلك. في هذه العُجالة لا مندوحة من التطرق ولو باختصارشديد إلى ما يسمى بـ”حرب اللغات”. في عام ١٩١٣ نَوت منظمة يهود ألمانيا “عزراه” تأسيس كلية هندسة وأصرت على أن تكون الألمانية لغة التدريس فيها. هبّت جماهير القرى الزراعية اليهودية ضد هذا القرار وأسقطته وأقيم التخنيون العبري في حيفا.

ويذكر أن التعصب للعبرية قد تفاقم مثلا في تل أبييب بعد إنشاء “كتيبة حماة العبرية” التي لجأ أعضاؤها إلى القوة أحيانا لمنع التحدث العلني بلغة أخرى غير العبرية، وكان شعارهم “أيها اليهودي! تحدث العبرية” ومنعوا إجراء مؤتمرات بالإيدش! لاقت عملية إحياء العبرية الحديثة، لا سيما في بدايتها، معارضة شرسة من أوساط اليهود الحرديم (المتزمتين)، إذ أنه في عقيدتهم لا يُعقل أن يستعمل المرء اللغة المقدسة لأغراض دنيوية، أضف إلى ذلك معارضتهم المعروفة للحركة الصهيوينة التي ارتبطت عضويا بمشروع الإحياء. كما ووقف في صف المعارضة كل من نادى بالتأورب ووجوب تعلم اليهود للغات أوروبا بغية تحقيق الحداثة والتعصرن.

ومن الناحية الثالثة نادى أنصار لغة الإيدش (تعود إلى القرن العاشر في ألمانيا وهي خليط من الألمانية آنذاك والعبرية) بتبنيها لغة قومية للشعب اليهودي. كما واستهتر الكثيرون من المفكرين والكتاب اليهود بواقعية فكرة جعل العبرية لغة حية.

وربما يتذكر البعض جملة هرتصل الشهيرة في كتابه “دولة اليهود” عام ١٨٩٥ حول عدم صلاحية العبرية لتلك الدولة العصرية: “مَن منا يعرف العبرية بقدر كاف ليطلب بها تذكرة قطار”. وعلق الأديب ش. برنفلد على مشروع جعل العبرية لغة محكية عادية بقوله “هذا حسب رأيي مستحيل، لم يحدث مثل هذا في أية لغة في العالم، حتى ولا في أية لهجة، إحياء اللغة بعد أن توقفت عن الاستعمال الشفوي.

إناء زجاجي مكسور لا يمكن إصلاحُه وهكذا بالنسبة للغة توقفت عن التطور الطبيعي ولم تعد حية في أفواه الشعب”. ودأب الكاتب موشيه ليڤ ليلنبلوم (מל‘‘ל) على انتقاد تجديدات “الموسّعين” المقدسيين في اللغة مثل قوله أن اللفظتين المستحدثتين “عيتون ويرحون” (صحيفة ودورية شهرية) تنتهيان باللاحقة -ون، علامة للتصغير ولا تصغير فيهما. ووجّه سهام انتقاده على لفظة מְעניין (طريف، جذاب) المشتقة من الاسم المقرائي עניין المشتق من الفعل الناقص ענה وقال كيف يجوز ذلك والنون الثانية مضافة للاسم مثل בניין, קניין (بناية/مبني، ممتلكات) ولا يمكن اشتقاق أفعال منهما. ومما قاله بن يهودا “لدينا لغة نستطيع أن نكتب بها الآن كل ما يطرأ على عقلنا وكذلك التحدث بها ممكن إن أردنا فقط”.

ويروى عنه أنه عندما طلب من زوجته تحضير كوب من الشاي له قال “خذي هذا واعملي هذا وسيكون لي هذا وأشرب”. النقص في الكلمات كان كبيرا جدا وعمل على إيجاد الناقص أفراد ومنظمات ومن الأفراد كان بن يهودا الأغزر إسهاما والذي ذهب إلى عبرنة كل الألفاظ الأجنبية وإلى الاقتراض من العربية. ومن الكلمات التي أوجدها بن يهودا يمكن الإشارة إلى ما معناه بالعربية: أديڤ (من العربية: أديب)، برقية، بوظة، بيضة، جرثومة، حمام، دبّ، دبّوس، دراجة، رسمي، رصيف، رصين، شرطة، قبعة، قطار، قومية، كُرة، مشط، مقلية، مكوى، موضة، نقانق، هوية، وردة. وهناك العديد من الكلمات عربية الأصل التي أدخلها بن يهودا إلى معجمه ولكنها لم تضرب جذورا فيها مثل: אוגה, טחלב, בחראן, בהר, דחס, גשור, זרב, דהר, דרז, זחיר, זיבק, לעיקה, קנדול, הרם; בדּורה (أوج، طحلب، بحران، بهر، دحس، جسور، زرب، زحير، زئبق، لعق، قندول، هرَم، بندورة). بعد ذلك النقص في المفردات العبرية بأكثر من قرن وربع ما زلنا نسمع مثلها كثيرا في أيامنا هذه من العامة وبعض الخاصة أحيانا، وهذا ينم عن فقر مخزونهم اللغوي وربما إهمالهم وتقاعسهم أيضا في هذا المجال.

كثيرا ما يسمع المرء في البلاد ما مقابله بالعربية “ما هذا، أعطني هذا، ما اسم هذا الخ.“ومن الناحية الثانية نرى أن العبرية في البلاد أصبحت لغة العلم والمعرفة في كل المواضيع وفي كافة المؤسسات التعليمية من روضة الأطفال وحتى الجامعة. بن يهودا كان من الداعين إلى الاقتراض بحرية تامّة من العربية مدعيا أن كل ما في العربية كان يوما ما في العبرية أيضا ويجوز لنا اقتراضه. ومن جهة أخرى عارض هذا التوجه كثيرون مثل إسحاق أڤينيري الذي كتب في كتابه المعروف ”יד הלשון‘‘ (ط. ٢، تل أبيب ١٩٦٤ ص. ٤٦٠) قائلا ما معناه “ثمة قرابة من حيث المادة والشكل بين العربية والعبرية ولكن لا وجود لقرابة في الروح والنفس بينهما”.

وهناك مثل بول ڤيكسلر من رأى في العبرية الحديثة هذه لغة غير سامية بالمرة بل لغة أو لهجة سلاڤية. وهناك نظرية جلعاد تسوكرمان القاضية أن العبرية الحديثة هي ”الإسرائيلية المحكية” وهي لغة سامية-أوروبية وهي في الواقع استمرار للعبرية القديمة وللإيدش ولغات أخرى كالروسية والبولندية والإنجليزية واللادينو والعربية.

في معمعة هذه العناصر المتباينة القدح المعلى للإيدش وذلك لأن معظم الذين عملوا في “إحياء” العبرية في العصر الحديث ومعظم طلائع القادمين الجدد إلى فلسطين في أواخرالقرن التاسع عشر وأوائل العشرين كانوا ناطقين بالإيدش كلغة أم. الرأي السائد، كما هو معروف لدارسي العبرية، هو أن العبرية الحديثة أو العبرية في دولة إسرائيل هي عبارة عن مرحلة وحلقة مكمّلة لعبرية ما سبقها، لغة المقرا ولغة حزال ولغة القرون الوسطى بمستوياتها المختلفة، ومن الجهة الثانية لا بد من ذكر تلك العناصر الخارجية المعجمية والنحوية، لا سيما طرق التعبير (مثلا نقول اليوم ما نشمع؟ أي حرفيا “ما نسمع؟ والمقصود “كيف الحال”) والتأثير إيدشي واضح.

ومعنى عبارة ما يكون وفق السياق اللغوي والتاريخي فمثلا “אשתו מתה עליו’’ عند عچنون تعني ”تأرمل” أما في العبرية اليوم كلاما، وكتابة عند البعض مثل إتچار فالمقصود “زوجته مغرمة به وبالعامية الفلسطينية بتموت عليه”. من الواضح أن مدى التأثير الأجنبي في المفردات والأسلوب وبنية الجملة العبرية الحديثة كبير وبحاجة لأبحاث إضافية لتقييمه والوقوف على مداه الحقيقي في المجالات اللغوية المختلفة (أنظر: רוביק רוזנטל, מילון הצירופים. הוצאת כתר 2009، ٩٦٢ ص. ١٨ ألف عبارة).

وجود مثل هذا التأثير، كما هي الحال في جلّ لغات البشر ولكن بدرجات متفاوتة لا يزيل عن العبرية اسم “العبرية الحديثة” بمعنى عبرية ذات أصول سامية قديمة وأخرى أورويية حديثة لا سيما الإيدش والإنجليزية والروسية والبولندية واللادينو ودور العربية في العبرية المحكية لا ينكره أحد. كما أن العبرية المحكية رغم عمرها القصير مرت بمراحل والتلاقح بين اللغة المنطوقة والمكتوبة أخذ يفعل فعله في أواسط القرن العشرين. قوام (الطبقة السفلى، سوبستراتوم) العبرية الإسرائيلية سامي، مقرائي وحزالي والسوپرستراتوم، الطبقة الدخيلة من لغات أوروبية بشكل خاص. يُقال إن خمسة يهود كانوا قد غيّروا وجه العالم: موسى النبي جاء بالشريعة؛ يسوع المسيح قال: إن المحبة أساس كل شيء؛ كارل ماركس قال إن المال كل شيء؛ سيجموند فرويد قال إن الجنس كل شيء؛ وأخيرا جاء آينشتاين وقال كل شيء نسبي. قول الأخير يناسب حال تسمية العبرية المعاصرة وطبيعة جوهرها.

أعلنت إذاعة إسرائيل في بداية العام ٢٠١٠ عن يوم ميلاد بن يهودا، السابع من كانون الثاني (١٨٥٨)، عيدا وطنيا للغة العبرية.

لمحة عن الأغيار في الشريعة اليهودية

اليهودي وفق تعريف الشريعة اليهودية هو كل من وُلد من أم يهودية أو تهوّد بموجب متطلبات الشريعة، كما أن اليهودي الذي اعتنق دينا آخر أو أنه لا يقوم بالفروض الدينية يبقى يهوديا في نظر الشريعة، وكل شخص آخر يكون چويا، أي واحد من الأغيار أو ’نوخري‘ أي غريب، حتى ولو تعبرن وتصهين لغةً وفكرًا هاتان الكلمتان العبريتان تردان في أسفار العهد القديم في سياقات متنوعة ومعنى ’چوي‘ هناك هو شعب، أي شعب، وتطور مدلول هذه اللفظة في العصر الحديث ليعني غير اليهودي مثل العجمي في العربية أي غير العربي. وردت هذه اللفظة العبرية لأول مرّة في سفر التكوين ١٢: ١-٢ بالمعنى المذكور، حيث يعد الله إبراهيم بجعله ”شعبا كبيرا“. إلا أن معنى هذه الكلمة تبدّل فيما بعد في لغة الحاخامين ولغة لفائف البحر الميت ليعني غير اليهودي.

اللغة العبرية تفرّق بين اليهودي وغير اليهودي عند الوفاة أيضا، فبالنسبة للأول يقال נפטר أي أعفي من القيام بالفروض الدينية الملقاة على كاهله، وللآخر يستعمل ما يقابل ”مات“ في العبرية. وهناك من فسّر גוי في سفر التكوين ٢٠: ٤ وكأنها ”شخص“. يذكر أن لفظة ”چوي، چوييم‘‘ في التلمود وفي أسفار المفسّرين والشريعة اليهودية تتبدّل مع العبارة ’’עובדי כוכבים‘‘ أي الوثنيين، وذلك لأن الأكثرية الساحقة من غير اليهود في تلك الحقبة الهلينية والرومانية كانت من الوثنيين الذين لم يأبهوا بوصايا نوح السبع. أولائك الوثنيون اتّسموا بسفك الدم والعهارة والقساوة إزاء اليهود.

ويذكر أن اللغوي والمفسّر ربي دافيد قمحي (المعروف بالاختصار רד’’ק، ١١٦٠-١٢٣٥؟) في معجمه ” الأصول“ حاول تفسير تحوّل دلالة چوي من شعب، أي شعب، إلى شخص غير يهودي؛ اعتاد الحاخامون، الربانيون تسمية غير اليهودي بأنه ’چوي‘ وليس من بني إسرائيل بل من شعب آخر غير مذكور. ويبدو أن معنى גויים في سفر إرمياء ١٠: ٢ هو غير اليهود. ويشار إلى أن أيدي الرقابة المسيحية في أوروبا دأبت على استبدال لفظة גוי مرة بلفظة עכו’’ם (عبدة الكواكب والأبراج) وطورا بكلمة כותי (من كوت اسم بلد في بلاد ما بين النهرين؛ السامري بنظر اليهود الربانيين وهي تسمية محقرة) عند طباعة الأسفار المقدسة اليهودية.

التوراة اليهودية تفرّق بجلاء بين شخص من بني إسرائيل المعرّف بـ”إنسان‘‘ وبين ’’الغريب‘‘. هذا يعني أن أي نوع من المساواة بين بني البشر لا علاقة له بالشريعة اليهودية البتة. هناك في الشريعة اليهودية فرق بين قتل اليهودي وقتل غير اليهودي، إذ أن الحكم على الأخير أخفُ بكثير من الأول. أنظر مثلا: أشعياء ٦١: ٥-٦؛ ميخا ٤: ١٢؛ تثنية ٢: ٤-٧.

لا يجوز انتهاك حرمة السبت من أجل إنقاذ حياة الجوي/غير اليهودي.
إذا نطح ثورُ يهوديٍ ثورَ الجوي فلا عليه أما إذا حدث العكس فيغرّم صاحبه.
سارق الجوي معفي.
من يضرب الجوي ويؤذيه معفي من دفع تكاليف الضرر ولكن إذا ضرب الجوي يهوديا فيحكم عليه بالموت.
لا يعيّن الجوي في أية وزارة حتى ولو كان متهوّدا صادقا.
القول ’’لا تكره‘‘ ساري المفعول بالنسبة لليهودي فقط، أي أنه من الجائز كره الجوي.
يجوز الانتقام من الجوي وحقده وفريضة ’’وأحبب صديقك‘‘ تقتصر على اليهود فقط.
على من يرى قبور الجوييم أن يشتم ويقول….
هناك شبه بين الجوييم والبهائم: إذا سبّب ثور ضررا لجارية فالحكم كأنه أضرّ بحمار؛ جثة الجوي لا تدنس وجوي لمس ميتا لا يتدنس فالحكم هنا كحكم بهيمة لمست ميتا.
لا يمكن قبول ذبيحة الجوي.

الموت لكل جوي يشتغل بالتوراة. هناك آراء أخرى مضادة تقول مثلا إن الچوي الذي يتعلم التوراة هو بمثابة كاهن أكبر (أنظر مثلا التلمود البابلي، عڤوداه زاراه ٣: ١). وينظر في كتاب ” توراة الملك“ لمؤلفَيه الحاخامَين يتسحاك شپيرا ويوسف إيليتسور الصادر عام ٢٠٠٩ والذي أحدث ضجة في الديار المقدسة!.
يعتبر الجوييم وفق ما ورد في أسفار الأنبياء والحكماء بهائم.
يحرّم شرب خمر لمسها چوي.

موقف التوراة الشفوية إزاء الأغيار يتّسم بالتشكيك بهم وبالعدائية، والجوي أحيانا مثله مثل البهيمة. يفسر مثل هذا الموقف كردّ فعل على ما عاناه اليهود في تاريخهم من اضطهاد وإساءة الأغيار لهم، مع هذا يشار إلى أن حياة اليهودي تساوي أكثر من حياة غير اليهودي بناء على أسس دينية وإيديولوجية يهودية. ولا يمكن التعميم في موضوع نظرة اليهودية نحو غير اليهودي، الچوي. وفق ما ورد في الچماراه لا يجوز خرق قدسية يوم السبت من أجل إنقاذ حياة الچوي في حين أن الأحكام الدينية اليهودية المعاصرة تجيز ذلك لاعتبارات مختلفة. في بعض الأحيان نجد أن موقف هذا الحاخام أو ذاك نحو غير اليهودي يعكس تجربته الحياتية؛ فهذا ربّي شمعون بار يوحاي الشهير، تلميذ ربي عقيبا، يقول ما معناه إن أفضل الأغيار هو المقتول وأحسن الأفاعي هو المدقوق رأسه! كما يحرم الاضطجاع مع چويه لأن ذلك شبيه بجماع البهيمة وذلك محرّم كما جاء في سفر اللاويين.

في كل صباح يردّد اليهودي في صلاة الفجر ’’مبارك لأنه لم يجعلني من الأغيار‘‘ وهذه البركة واحدة من الـ ٦١٣ فريضة () תרי’’ג המצוותالمفروضة على كل يهودي في حين أن ’’الغريب‘‘ مطالب بسبع وصايا نوح فقط.

وهذه الوصايا هي:

١) عدم عبادة الأوثان
٢) عدم التجديف باسم الرب
٣) عدم القتل
٤) عدم كشف العورات
٥) عدم السلب أو الاغتصاب
٦) عدم أكل اللحم بالدم
٧) عدم تعيينه قاضيا

وفي رأي موسى بن ميمون، الرمبام، (ت. ١٢٠٤) كل من يأخذ على عاتقه هذه الوصايا ويقوم بها يعتبر من ”أتقياء أمم العالم“ (חסדי אומות העולם) وله نصيب في الجنّة. وهناك من يقول إن اليهودية ليست عنصرية لأنه في مقدور كل واحد من الأغيار التهوّد ويتمتع اليهودي بخصال إيجابية أكثر من الغير شرط أن يسير وفق فروض التوراة وإلا فلا فضل له على غيره. وهذه النقطة قد تذكّر الكثيرين بالحديث النبوي ”لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى“. وفي فجر المسيحية دعي غير المسيحيين بـ ”العلمانيين“ أو pagani ومنها تتطور مفهوم الوثنيين. وترى اليهودية أن لليهود فضلا واحدا على غيرهم : إنهم أرحم من غيرهم. شعب إسرائيل أكثر من مجرّد عضو، إنه القلب أو المخ ووظيفته ضخّ الحياة للجسم كلّه وكلّما اشتدّ عود شعب إسرائيل يشتدّ الجسم كله ويقوم بواجبه على أحسن وجه وكل يبحث بطريقته الخاصة عن الخالق.

وفي كتاب ”المائدة المعدّة/الجاهزة“ ليوسف قارو (١٤٨٨-١٥٧٥) مادة وفيرة عن معاملة اليهود للأغيار مثل: لا يجوز توليد غير اليهودية؛ حظر مدح الچوي؛ حظر تعليمه أية مهنة؛ حظر إرضاع الجوي من أم يهودية إلخ. إلخ. وختاما نذكر مهنة تسمى ”جوي السبت‘‘ أي غير اليهودي، وهو عربي في الغالب الأعم في البلاد، يقوم بما يحرّم على اليهودي المتدين من أعمال يوم السبت. وكان الراب عوڤاديا يوسيف (١٩٢٠-٢٠١٣)، زعيم حزب شاس الديني، كما يذكر البعض، قد تمنّى الموت لأبي مازن والفلسطينيين بل صرّح بأن لا مكان للأغيار في العالم سوى خدمة شعب إسرائيل المختار. عند قدوم المسيح سيحظى اليهود في تقدير يوسيف بحياة أبدية أما الأغيار فبطول العمر لخدمة اليهود


نظرة على كتاب: عرب جيّدون لهليل كوهين
أ. د. حسيب شحادة جامعة هلسنكي

هليل كوهين، عرب جيّدون/صالحون. أجهزة الأمن/المخابرات الإسرائيلية والعرب في إسرائيل: عملاء ومُشغّلون،. متعاونون ومتمرّدون، أهداف وأساليب. القدس: كيتر، ٢٠٠٦، ٣٠٧ ص.

د. هليل كوهين باحث ومحاضر إسرائيلي جامعي متخصّص في شؤون الشعب العربي الفلسطيني وعلاقته بالصهيونية. ولد عام ١٩٦١ وتعلّم العربية بمخالطته العرب في قرى منطقة القدس وفي مخيم الجلزون. تناولت رسالته لشهادة الماجستير موضوع “ لاجئو الداخل” وصدرت في كتاب عام ٢٠٠٠، أما أطروحة دكتوراته فكانت عن المتعاونين الفلسطينيين مع اليهود في فترة الانتداب البريطاني ١٩١٧-١٩٤٨، وصدرت في كتاب سنة ٢٠٠٤ تحت عنوان “جيش الظلال”. الكتاب قيد العرض متوفّر أيضاً بالعربية، ترجمة السيد عصام عراف، ويجدُر بكل مثقّف عربي الاطّلاع عليه.

مهنة التجسّس والجاسوسية قديمة قدم الوجود البشري على وجه هذه البسيطة، مثلها مثل العهارة مثلا. يتألّف كتاب كوهين من سبعة فصول: بداية صداقة رائعة: نشوء طبقة المتعاونين/المخبرين؛ الشيوعيون ضد السلطة والمتعاونون ضد الشيوعيين؛ مقتحِمو الحدود، متسلّلون، مهرّبون، جواسيس؛ أرض محروقة، المعركة على الأرض؛ يكوون الوعي، رموز، تفوّهات، تربية؛ عهد/تحالف الدم، الجنود العرب في الدولة اليهودية؛ الأخ الكبير، اللجان القطرية -، هيمنة حميمية.

هناك خلاصة، تسع صفحات، في نهاية الكتاب، تتلوها ملاحظات مقسّمة وفق الفصول فلائحة مصادر ففهرست أبجدي. اتكأ المؤلف في إعداد هذا البحث، في المقام الأول، على أرشيفات أجهزة الأمن الإسرائيلية المختلفة: أرشيف دولة إسرائيل؛ أرشيف جيش الدفاع الإسرائيلي والمنظومة الأمنية؛ أرشيف تاريخ الهاغاناه؛ الأرشيف الصهيوني المركزي. لا يحيد المرء عن جادّة الصواب إن قال إن حالة العرب في البلاد ذات طابع فريد من نوعه، لا مثيل لها في أية دولة أخرى.

أهل البلاد الأصليون الذين يُطلق عليهم أسماء كثيرة مثل عرب الـ ٤٨؛ عرب الداخل؛ عرب إسرائيل؛ الأقلية القومية العربية في إسرائيل، القطاع العربي، غير اليهود في البلاد إلخ، أشير إليهم حتى مدّة قصيرة بالاسم “عربي/عربية” في بطاقات هويّاتهم، وهذه الصفة لم ترد في أية بطاقات هوية أو جوازات سفر في كافة الأقطار العربية. هؤلاء العرب، الأكثرية في البلاد منذ القرن السابع، أصبحوا بين ليلة وضحاها، أقلية بعيد العام ١٩٤٨، إذ هُجّر قرابة السبعمائة ألف فلسطيني وأصبحوا لاجئين.

أجهزة الأمن اليهودية المختلفة كانت قد اخترقت عرب البلاد حتى النخاع قبل قيام إسرائيل وحتى يوم الناس هذا. من أهدافها الأساسية تفتيت النسيج القومي والاجتماعي للعرب، انتهاج وتنفيذ سياسة ”فرِّق تَسُد” التي استخدمها الانتداب البريطاني من قبل (divide and rule, divide et impera)؛ زرع جوّ متوتّر من الشكوك والحزازات بين الناس؛ مصادرة الأراضي؛ العمل من أجل تحقيق مقولة: عرب أقلّ على أرض أقلّ؛ ضرب الحزب الشيوعي؛ تهويد الجليل كما حدث مثلا في صفد وطبريا؛ التشديد على المنافع الشخصية ووأد التوجّهات القومية الجماعية؛ تجهيل العرب وإبعادهم عن قوميتهم، أي محاولة الأسرلة والتأسرل. ليس سرّا أن تعيين المعلّمين والمدراء والمفتّشين في الوسط العربي، كان وما زال لحدّ بعيد، يعتمد أساسًا على توجهاتهم السياسية ورضا أسيادهم عنهم، وهذه السياسة أدّت إلى تدهور مستوى التربية والتعليم.

أولئك المتعاونون مع السلطات الإسرائيلية أطلق عليهم الحزب الشيوعي، العربي اليهودي، اسم “الأذناب” وثمة أسماء ونعوت أخرى دارجة مثل: عميل، جاسوس، خاين، مبيوع، فسّاد. ويذكر أن السياسة الرسمية الإسرائيلية استغلّت وما زالت تستغلّ وجود نوّاب عرب في الكنيست لتلميع وجهها وسمعتها في الساحة الدولية، لا سيّما عندما ارتدى النوّاب العرب التابعون لحزب مباي (حزب عمّال أرض إسرائيل, מפא’’י ) الكوفيةَ وألقوا كلماتِهم بالعربية وأثنوا على إنجازات الحركة الصهيونية المتمثّلة بخاصّة بمكانة الدولة العبرية عسكريا.

لا ريب في أن الانفصال عن القومية العربية يتجلّى بصورة قاطعة في الانخراط في الجيش الإسرائيلي. طرْح فكرة تجنيد العرب المسيحيين في صفوف جيش الدفاع الإسرائيلي ليس جديدا ولم يبدأ بالكاهن جبرائيل نداف وزمرته. نادى بذلك، على سبيل المثال، جريس خوري، ابن قرية الطيبة بالقرب من رام الله، الذي كان سكرتير بلدية حيفا الانتدابية. أرسل خوري رسالة إلى وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه شاريت (ت. ١٩٦٥) عام ١٩٤٨ بهذا الصدد وضمّنها خطّة لإنشاء منظّمة مسيحية إسرائيلية هدفها نشر الدعاية الصهيونية بين مسيحيي الشرق الأوسط وفي الدول الغربية. أمل، والأصح في تقديري توهّم، المسيحيون أن التجنيد سيوفّر لهم حقوقا كاملة ومتساوية في دولة إسرائيل. ونذكر هنا أيضا محاولة إلياس مطر العيلبوني في خمسينات وستينات القرن الماضي القاضية بتجنيد أهل بيته وبعض المقرّبين للجيش الإسرائيلي، وكان المطران الأسبق مكسيموس الخامس حكيم (ت. ٢٠٠١) قد أيّدها. رأى الجمهور العربي المسيحي بمثل هذه المحاولات “الجنون بعينه”.

انتهجت حكومات إسرائيل وما زالت تصعّد سياسة التمييز العنصري ضد عرب البلاد في أشكال وتحت مسمّيات وقوانين عديدة؛ الولاء للدولة يعني نيل حقوق أكثر؛ محاولة بلورة هوية جديدة “عربي إسرائيلي” إلخ. لا نضيف أيّ جديد في قولنا إنّ سنّ القوانين التمييزية المتنوعة مثل منع إحياء ذكرى النكبة ومعاقبة المخالفين لا يلغي المشكلة. النكبة مثلا ليست ذكرى تاريخية فحسب بل واقع معاش يومي ومستمر. من الواضح أن عملية الأسرلة والتأسرل منذ سبعة عقود وحتى الآن قد باءت بفشل ملحوظ. من أسباب هذا الفشل الأساسية كون الدولة اليهودية والحركة الصهيونية لم توفّرا لعرب البلاد أيّة وسيلة أو إمكانية حقيقية للانخراط الحقيقي والتأثير في الدولة.

بين دفّتي كتاب كوهين مادة غنية جدا وموثّقة حول دور المتعاونين العرب منذ ما قبل قيام الدولة وحتى بداية القرن الحادي والعشرين في تزويد المعلومات وفي الوشاية لأذرعة الأمن الإسرائيلية المختلفة وعلاقاتهم مع مشغليهم، أسيادهم. لا ريب أن حالات مثل أولائك العملاء النفسية قبل الانزلاق وبعد التورّط جديرة بالبحث النفسي والموضوع لم يُبحث بما فيه الكفاية وفق معرفتي المتواضعة في هذا المجال. من علامات هذه العمالة الخارجية التحدّث بالعبرية أو بعربية مطعمة حتى التخمة بألفاظ وعبارات عبرية. ويبدو أن التصريح الآتي الذي نُسب للجاسوس، أمين الحاج اللبناني، المعروف باسمه الحركي رومنغي، كان قد خدم إسرائيل في خلال ثلاثة عقود ناقلا لوحدة الاستخبارات ٥٠٤ معلومات هامـّة جدا عن فلسطينيي ليماسول ووصولهم للبنان بحرا. يقول ذو الشاربين المفتولين “ألقت بي المخابرات الإسرائيلية ككلب ضال، أعيش في إسرائيل بوثيقة سفر مؤقتة، بدون أية حقوق، وبدون تأمين صحي”.

إزاء هذا الوضع التعيس يتساءل المرء بكل موضوعية: كيف من الممكن للدولة الإسرائيلية أن تحرز سلاما مقبولا عادلا مع الدول العربية، مع قرابة الأربعمائة مليون عربي، في حين أنها لم تفلح بإنجاز هذا المبتغى مع المواطنين العرب في مسقط رأسهم، حوالي مليون ونصف المليون من البشر؟


العربي الوحشي والمسلم الإرهابيّ في الإعلام الإسرائيلي ..رنا عوايسة


القدس المحتلة سما على الرغم من اعتبار القانون الإسرائيلي نشر الأقوال العنصرية التحريضية خرقًا للقانون، إلا أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تدأب على إعطاء منصة للعديد من الشخصيات المتطرفة التي تقوم بالتحريض العنصري المباشر ضد الفئات التي يعتبرها الإسرائيليون "عدوًّا"، خاصة الشعب الفلسطيني. يُعرّف القانون الإسرائيلي العنصرية على أنها: ملاحقة، إهانة، احتقار، عداء، عدائية أو عنف، أو التسبب بأضرار تجاه مجموعة سكانية أو جمهور، وكل ذلك بسبب اللون أو الانتماء العرقي أو الانتماء القومي - الإثني.

كما يقضي القانون الإسرائيلي بأن من ينشر تصريحات بهدف التحريض على العنصرية، يعرض نفسه لعقوبة السجن لخمس سنوات، حتى إن لم يؤد النشر لارتكاب عمل عنصري؛ كما أن نشر أو إسماع تعابير يمكنها أن تمسّ مسًّا فظًّا بمشاعر الآخرين، يعتبر نشرًا عنصريًّا أيضًا. إنّ مسألة تجنيد وتجند الإعلام الإسرائيلي لصالح الرواية الحكومية، ولخدمة الاحتلال الإسرائيلي، ليست خافية على أحد، هذا التجند يترافق مع حملة تحريض عنصرية ممنهجة ضد العرب والمسلمين، خاصة الفلسطينيين، لتسويغ السياسات الإسرائيلية وشرعنة الاحتلال، من خلال شيطنة من تمارس العنصرية ضدّهم، ونزع صفة الإنسانية عنهم، وإلصاق صفات حيوانية بهم.

وعلى الرغم من أن القانون الإسرائيلي يُجرّم التحريض العنصري، إلا أن الشكاوى القضائية التي قدمتها منظمات حقوقية لم تؤد إلى إدانة المُحرّضين، أو حتى التحقيق معهم وتقديم لوائح اتهام ضدهم. من جهة أخرى، قدمت لائحة اتهام ضد الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر، بتهمة التحريض العنصري خلال الاحتجاجات على هدم باب المغاربة عام 2007، التهمة التي تمت تبرئته منها لاحقًا، بعد أن أثبت محاموه التناقض في أقوال الشرطة وعدم دقة ترجمة أقواله. وإن دلت سياسة الكيل بمكيالين هذه على شيء، فعلى التناغم الواضح بين المؤسستين الإعلامية والقضائية، إذ تقوم الأولى بالتحريض الإعلامي، والأخيرة بالتنفيذ الفعلي. تعتمد المقالة الحالية على رصد أجري على مدار عامين لوسائل الإعلام الإسرائيلية المركزية، العلمانية والدينية، سأتناول من خلالها أبرز حالات التحريض العنصري ضد العرب والمسلمين اعتمادًا على نصوص توراتية ووقائع تاريخية مُزيّفة.

هذه الحالات التي ينكشف عليها الجمهور الإسرائيلي يوميًّا، والتي تُشكّل وعيه حول العرب والمسلمين، وتُرسّخ الأفكار السلبية عنهم، وعلى الرّغم من أنّ بعضها يحمل إساءات عنصريّة بالغة وواضحة، فإنّها تمرّ مرور الكرام في وسائل الإعلام المركزية، دون رقابة أو محاسبة. إسناد الصراع العربي الإسرائيلي لجذور تاريخية دينية، وتبرير التحريض العنصري ضد العرب "القصور، الإحباط، والشعور اللا-واعي بالدونية مقابل اليهود، كل تلك الأمور خلقت رواسب عميقة، تُحوّلُ كل المسلمين رويدًا رويدًا إلى مجانين. إنها حرب ابن الجارية ضد ابن السيدة، حرب إسماعيل ضد إسحق، إنها حرب حتى القضاء على اليهوديّ الأخير."

قد يلخص هذا الاقتباس العنصري بقلم يعقوب شنفلد، المنشور في صحيفة "هموديع" الدينية بتاريخ 30.3.2012، والذي يعتبر النبي إسماعيل الذي يُرمزُ إليه في الإعلام الإسرائيلي بصفته "أب العرب" - ابن الجارية، بينما يعتبر إسحاق "أب اليهود" - الضحية المتفوقة عرقيًّا، قد يُلخّص جوهر محاولات وسائل الإعلام الإسرائيلية، خاصة الدينية، أدلجة الصراع العربي الإسرائيلي دينيًّا، وتبرير التحريض العنصري ضد العرب "سلالة إسماعيل"، استنادًا إلى نصوص وعقائد تُنسبُ للتوراة، وتحمل أوصافًا عنصرية تحريضية. تستند العديد من المقالات العنصرية ضد العرب المنشورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية على آية توراتية تتحدث عن النبي إسماعيل، وردت في [تكوين 16، الآية 12]: "ويكونُ إنسانًا وحشيًّا يُعادي الجميعَ والجميعُ يعادونَهُ، ويعيشُ مستوحشًا متحدّيًا كلَّ إخوتِهِ"؛ وعلى الرّغم من أن تأويل هذه الآية غير متفق عليه، حيث تُرجح بعض التفسيرات أن الترجمة الدقيقة للآية هي "يكون إنسانًا قويًّا"، أو "ويكونُ رجلاً كحمارِ الوحشِ، يدُهُ مرفوعةٌ على كلِّ إنسانٍ، ويدُ كلِّ إنسانٍ مرفوعةٌ عليهِ، ويعيشُ في مواجهةِ جميعِ إخوتِهِ"؛ إلا أن توظيف الآية أعلاه في المقالات المنشورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية يُؤكد اعتماد التأويل الأول "ويكونُ إنسانًا وحشيًّا."

أحد الأمثلة على ذلك ما ورد في مقالة بقلم أ. يتسحاقي، نشرتها صحيفة "يتد نأمان" الدينية بتاريخ 28.8.2011: "في التوارة يوجد تعريف واضح لا لبس فيه لإسماعيل، ويكون إنسانًا وحشيًّا. وقد وُصف إسماعيل ’بالوحشي‘ قبل أن يوصف ’بالإنسان‘، هذه هي حقيقة أبناء إسماعيل التي لا يمكن تغييرها أبدًا." وفي مقالة أخرى كتبها أريئيل كاهانا، نُشرت في صحيفة "ماكور ريشون" بتاريخ 14.3.2011: "هكذا أظهر لنا التاريخ القريب الذي بدأ بالعودة إلى صهيون. حافز القتل مزروع في الشعب العربي، على الأقل منذ أن التقى دربه بدرب الشعب اليهودي، اليهود يتصرفون على نحو: يد تمسك بالرسالة والأخرى بالعمل، والعرب يردون بـ ’سيكون إنسانًا وحشيًّا‘.

هذا هو طابعهم، هذه هي سماتهم." ويُطلقُ العديد من الكتاب لقب "الإسماعيلين" على العرب، كنوع من التحقير، حيث ورد في مقالة عنصرية كتبها آفي بنطوف، نشرت في موقع "كيكار هشبات" الديني بتاريخ 27.3.2011: "هكذا هم هؤلاء الإسماعيليون، المتوحشون، المتعطشون للدماء، أسوأ من الحيوانات في الغابة. في الغابة هناك حيوان مُفْتَرِسٌ وحيوان مُفْتَرَس، حيوان يفترس الآخر كي يسكت جوعه، ويربي صغاره بإخلاص. أحيانًا يقوم نمر بتربية صغار القردة، لكن الحيوانات لا تقتل الإنسان دون سبب، العرب يفعلون ذلك، يعيشون على أنقاض ضحاياهم، السكين في شمالهم، حمقى وأياديهم ملطخة بدماء أحبائنا." أما صحيفة "هموديع"، فقد عنونت مقالتها الافتتاحية بتاريخ 3.5.2011 بـ "لنلقن أبناء إسماعيل درسًا"؛ وجاء في المقالة: "نتمنى أن يتعلم الإرهابيون المسلمون من تصفية أسامة بن لادن، ويعلموا أنه من الممكن الوصول إليهم في أي مكان.

هل ستتعلم الشياطين الإسلامية الدرس وتتعظ مما حصل لبن لادن؟". وجاء في مقالة كتبها أ. يتسحاقي، نشرت في صحيفة "يتدن أمان" بتاريخ 11.4.2011: "في السنوات الأخيرة، وجد المخرج جوليانو مير-خميس ضالته في مخيم جنين، سكن هناك وهناك عمل من أجل تطوير ’الثقافة‘ الفلسطينية، معتقدًا أنه من الممكن ’تثقيف‘ أحفاد من كُتِبَ عنه في التوراة ’إنسان وحشي‘. ردود اليساريين اليهود التي كانت ضد قتل جوليانو مير-خميس تثبت أنهم لا يعرفون الحقيقة حول شخصية رعاياهم في معسكر إسماعيل. ثقافة القتل الفلسطينية، أو ثقافة القتل الإسلامية عامة، ضاربة في الجذور لدرجة أن اليسار الإسرائيلي لا ينجح في رؤيته أمرًا خطيرًا."

شيطنة الدين الإسلامي العنصرية والتحريض في وسائل الإعلام الإسرائيلية لا يقتصران على العرب فقط، بل يشملان المسلمين أيضًا، ويعتمدان على شيطنة الدين الإسلامي، وتزوير الحقائق التاريخية وإخراج آيات قرآنية عن سياقها. وعلى الرغم من تقارب المفاهيم اليهودية والإسلامية المتمثلة بتوحيد الله، ورغم العلاقات التاريخية الطيبة بين اليهود والأكثريات العربية والإسلامية التي عاشوا بينها، واحتضان الثقافة الإسلامية لليهود باعتبارهم "أهل كتاب"، ورغم تلازم مصائرهم بمصائر الإمبراطوريتين العربية والعثمانية الإسلاميتين، ودولة الأندلس، حيث لقوا النتائج المأساوية ذاتها التي لقيها المسلمون خلال الحروب الصليبية وسقوط الأندلس، بل وشاركوا أحيانًا في صدها إلى جانب المسلمين (فرّاج، 2002)؛ إلا أن الانقلاب على التاريخ وخرق الانسجام العرقي والديني بين اليهود من جهة والمسلمين والعرب من جهة أخرى، قد وقع مع استحداث الصراع الذي قادته الصهيونية على أرض فلسطين، وهو ما قضى وفرض على معظم الكتاب الإسرائيليين التركيز على عناصر الاختلاف والتناقض الديني والثقافي، في حين أكد الباحثون اليهود خلال القرن التاسع عشر على علاقة قربى ثقافية وحضارية مع المسلمين، كما أشار د. عفيف فراج في كتابه "اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية."

ويقوم معظم الكتاب الإسرائيليين بالتركيز على حالات الصدام التاريخية بين المسلمين واليهود، وعلى تهويلها وعزلها عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي وقعت ضمنه، بهدف التأكيد على أن حال اليهود في ظل الإسلام لم يختلف عن حالهم في أوروبا وألمانيا النازية، كما يُظهر الاقتباس التالي بقلم د. رؤوفين باركو، المنشور في صحيفة "إسرائيل اليوم" اليومية، بتاريخ 19.10.2011: "إلى جانب الميراث العنيف الذي تعلمه رجال حماس من محمد، هم يطبقون درسين رئيسيين تعلموه من الحصار الذي فرضه محمد على مدينة ’الكفار‘ الطائف. لقد أمطر المدينة بالحجارة الضخمة ومس بالمدنيين، النساء والأطفال دون تمييز"، وأضاف محرفًا آيات القرآن الكريم: "كيف تتعامل الشريعة الإسلامية مع أسرى العدو؟ ستجدون الإجابة في القرآن، حيث جاء فيه: اقتلوا الكفار حيثما وجدتموهم، وانصبوا لهم الكمائن في كل مكان. وجاء في القرآن أيضًا: عندما تصادفون الكفار اضربوهم بالسيف وكبلوهم بالأغلال. يبيّن مصير مئات الأسرى من قبيلة بني قريظة اليهودية الذين خضعوا لمقاتلي محمد وكبلوا وألقي بهم في صحراء السعودية الحارة جدًّا، التعامل الإسلامي الحقيقي مع الأسرى. لقد أمر محمد بذبحهم ودفنهم في مقبرة جماعية.

أجريت في هذه المرحلة أيضًا ’صفقات‘: تم بيع زوجات وأولاد اليهود الذين ذُبحوا كعبيد مقابل السلاح والبضائع. ضمن هذه الثقافة الإسلامية ’الأخلاقية‘ عاش جلعاد شاليط، وحيدًا في أسره، لا يملك أي حقوق إنسانية في مكان لا تساوي فيه قيمة الفرد - المسلم أيضًا - قشرة ثوم." كما ورد في صحيفة "هموديع" الدينية بتاريخ 22.3.2012، بقلم م. شالوم: "العالم يعرف كيف يتجاهل ويصمت، عندما يقوم اليهود في إسرائيل بالدفاع عن أنفسهم من المعادين للسامية المتوحشين من إنتاج الإسلام، والذين لا يشبعون من الإرهاب الوحشي، وفي الحالة السيئة يقومون بإدانة اليهود الذين يدافعون عن أنفسهم حين يقع قتلى يُسمون بـ’الأبرياء‘".

وورد في تقرير آخر في الصحيفة، أعده يوسف لافي، نشر بتاريخ 23.3.2012: "إنها حرب عالمية يخوضها الإرهاب الإسلامي. الأطفال اليهود، على مدار تاريخنا المروي بالدم والألم، كانوا دائمًا على رأس الأولوية بالنسبة للقتلة، العرب والمسلمون اليوم هم حَمَلَةُ صليب حَمْلَةِ الدم هذه، يجب أن يكون هذا عرضًا ساخرًا. أيديولوجيا تقدس قتل الأطفال لأنهم يهود، ترقص على دم الأطفال اليهود، تحث الأمهات على توزيع الحلوى كي يعبرن عن فرحهن بموت أبنائهن وبناتهن خلال انفجار قتلوا فيه أنفسهم وقتلوا أطفالًا يهودًا، وتجعل الأمهات ذاتهن يتمنين فقدان باقي نسلهن - تلك الأيديولوجيا تتحدث عن إسرائيل التي تقتل الأطفال الفلسطينيين، الأطفال الذين يستخدمهم المسؤولون الفلسطينيون كدروع بشرية قرب الأهداف الإرهابية. يستخدمون أطفالهم لأنهم يعرفون أن الجيش الإسرائيلي سيتنازل عن مهاجمة تلك الأهداف كي لا يمس بالأطفال، وإذا تم المس بهم- لا يتم ذلك عمدًا." وتربط الصحيفة بين ما تصفه بـ "الإرهاب العربي" وبين القرآن الكريم، من خلال مقالة كتبها يتسحاك تنينباوم، نشرت بتاريخ 23.3.2012: "الإسلاميون يحتلون الجزء بعد الجزء من هذه البلدان، إنهم لا يشكلون تهديدًا على العالم الجديد، فقط إسرائيل واليهود هم المشكلة العالمية.

النزعة الإسلامية العامة تؤثر على اليهود في الدول المتحررة أيضًا، إنهم هدف للإرهاب العربي الذي توجهه أيديولوجيا المساجد الناتجة عن القرآن. اليهودي هو ضحية - ديانة، كل من يزيله من العالم يحظى بـ ’الجنة‘ الإسلامية." اتهامات وإساءات عنصرية صريحة ولا تتوانى بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية عن توجيه إساءات عنصرية صارخة ضد الدين الإسلامي، حيث ورد في المقالة الافتتاحية لصحيفة "يتد نأمان" بتاريخ 26.3.2012: "كقاعدة، الثقافة الإسلامية تقمع بشكل شمولي حقوق المواطن حيثما وُجد، إنها ثقافة إرهاب، عنصرية، إذلال وقمع، من يحاول أن يرفع رأسه يقطعونه فورًا." كما ورد في المقالة الافتتحاية للصحيفة بتاريخ 25.3.2012: "الأيديولوجيا الأشد خطرًا من الأخريات هي الأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة، التي هدفها الأساسي سيطرة الإسلام على الغرب.

صحيح أن التعميم ممنوع، وأن الكثير من المهاجرين المسلمين يجدون أماكنهم في الدول التي هاجروا إليها، ولكن هؤلاء بقوا مع أيديولوجيا الإسلام التي تريد أن تحتل العالم كله تحت نعال دين محمد الهدامة، إنهم ليسوا أقلية بالتأكيد." وفي مقالة أخرى كتبها م. شالوم: "الكذب والمكر هما أبرز صفات العرب، إنها صفات راسخة في ’دين‘ محمد، و’اتفاقية قريش‘ تثبت أن الخداع مسموح وإجباري من أجل هزم العدو وتحقيق الأهداف." وجاء في مقالة كتبها البروفسور هيلل فايس، ونشرتها صحيفة "ماكور ريشون" الدينية بتاريخ 15.12.2010: "لقد تحول الإسلام إلى جزمة تدوس أوروبا. القيادة الأوروبية تطلب من إسرائيل إخلاء القدس، هذه هي العنصرية! أولئك اللذين ابتكروا المصطلح ’عنصرية‘ قاموا بتبنيه."

وورد في مقالة عنصرية نشرتها صحيفة "هموديع" الدينية بتاريخ 22.6.2012، بقلم يعقوب شنفلد: "الظمأ الحيواني للدم يجعل تصرفات المسلمين مجنونة، ويبدو أن الإسلام كله يحاول بسبب خيبة أمله الانتحار وجرف كل العالم نحو الضياع، يبدو أنه منذ الأزل لم يكن هنالك ما هو أكثر جنونًا من دين السيف، القتل والضياع اللذان تحزم بهما الإسلام اليوم." أما موقع "إن. إف. سي" فلم يتوانى في نشر مقالة تصف الإسلام بـ "دين الشيطان"، حيث ورد في مقالة كتبها يهودا دروري، نشرت بتاريخ 29.1.2012: "هناك من يعارضونني لأنني أعرض الإسلام كدين عنيف ودموي؛ ربما يجدون هم أكاديميًّا متسامحًا يعيش في الغرب ويدعي أن الإسلام هو دين الحب والسلام.. لكننا نعرف الإسلام أكثر منهم! أنا أتفهم أنه من الصعب على يساري أن يُليّن مواقفه ويتقبل الحقيقة الفظيعة التي تقضي بأن لا وجود لمسلمين ’صالحين‘، وأن كل هدف العرب، هنا على الأقل، هو إبادتنا! إنهم يقولون ذلك ليلًا نهارًا في وسائل إعلامهم، ولا يتوقفون لحظة عن التحريض ضدنا.

الإسلام دين الشيطان."

كما نشر الموقع إهانة صارخة للنبي محمد، عبر مقالة كتبها د. يوفل برندستيتر، نُشرت بتاريخ 8.1.2011: "إن إقامة دولة إسرائيل عبارة عن بصقة في وجه النبي محمد، الذي قال: إن اليهود لا يملكون حقًّا في العيش إلا تحت حكم الإسلام، وقد قام بسلب كل حقوقهم، وبالذات حقهم في الدفاع عن أنفسهم." تفوق العرق اليهودي الارتهان لنظرية تَمَيُّزِ "سلالة إسحق" وتفوقها العرقي على "سلالة إسماعيل"، يترافق مع الارتهان لنظرية "شعب الله المختار" والتفوق الديني على الأغيار، فما زال العديد من الكتاب الإسرائيليين مقتنعين بأن اليهود هم "الشعب المختار" المتفوق دينيًّا وثقافيًّا على الشعوب الأخرى.

يقول رؤوفين باركو في مقالته المنشورة في صحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ 19.10.2011، مؤكدًا على "التفوق العرقي" لليهود على العرب والتفوق الديني لـ"شعب الله المختار": "العديد من الفلسطينيين يعترفون بأنه في حين أن الإسلاميين مستعدون لقتل مواطنيهم وأسراهم، فإن اليهود مستعدون للتضحية بأمن مواطنيهم من أجل جندي إسرائيلي واحد موجود في الأسر؛ هذه المعادلة: تحرير مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل أسير يهودي واحد تعزز الشعور المحزن بأن رجال حماس، سلالة هاجر، يشعرون بأنهم رخيصون ولا يساوون صفرًا، وأنهم لا يعتبرون حياة الإنسان الفلسطيني ذات قيمة، مقابل التفوق الأخلاقي والقومي لليهود وإسرائيل.

إضراب الأسرى الجاري حاليًّا في السجون الإسرائيلية نموذج حي للتقييم الذاتي المشوه والمليء بالتناقضات لأبطال الإسلام الفلسطيني، الذين منعوا من جلعاد شاليط حقوقه الأساسية كإنسان وكأسير وفقًا للقانون الدولي، ومن ناحية أخرى، هم يضربون عن الطعام ويطالبون بوقاحة غير مفهومة بالرفاهيات، بالتعليم، بالغذاء، بزيارات الأقارب ومشاهدة وسائل الإعلام. هذا يؤكد أنه في مكان ما من الجزء الخلفي لدماغ الفلسطيني يوجد اعتراف ضمني بتفوق اليهود الأخلاقي.

إنهم صادقون، هناك فرق جوهري بين اليهود والإسلاميين الفلسطينيين، الحديث لا يدور فقط حول إنجازات اليهود في العلم وجوائز نوبل التي حصل عليها الشعب المختار، الحديث يدور في الأساس عن تقدير اليهود للحياة مقابل صناعة الموت التي ينتجها الإسلاميون." التحريض العنصري المبطن وإن كان يبدو أن حملات تديين الصراع العربي الإسرائيلي تدور بمعظمها على صفحات الصحف الإسرائيلية الدينية فقط، فإن ذلك يعود إلى أن الصحف الإسرائيلية العلمانية المركزية تتبع أسلوبًا أشدّ دهاءً في هذا الجانب، إذ تقوم بالامتناع عن توجيه عبارات عنصرية مباشرة للعرب والمسلمين، وتتبع أسلوب التحريض المبطن وغير المباشر.

يبرز ذلك على سبيل المثال من خلال التركيز على نشر أخبار تُظْهِرُ العرب والمسلمين بصورة سلبية تُكرس الأفكار النمطية المسبقة، إذ يتم حصر التغطية عامةَ بحوادث القتل والعنف وتغييب القضايا الجوهرية، كما يبرز التحريض غير المباشر من خلال مسألة التشديد على السيطرة الإسلامية على المسجد الأقصى ومحيطه، وما تدعيه الصحف الإسرائيلية من حفريات يجريها الوقف الإسلامي "للقضاء على الآثار اليهودية" المزعومة، وكأنها معركة يقودها المسلمون ضد الوجود اليهودي في القدس، "مركز الكون" وفقًا للمعتقدات اليهودية؛ أو كما فعلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" حين نشرت بتاريخ 2.10.2010 رسالة لأحد قرائها الذي انتقد بناء مسجد في نيويورك، مكان برجي التجارة العالميين، قال فيها: "كان يجب أن يطلق على هذا الحرج اسم ’حرج ضحايا الإرهاب الإسلامي‘، لكي نذكر العالم أن المخربين الانتحاريين هم فقط من المسلمين.

لم نسمع في أي مرة عن مخرب مسيحي أو يهودي، المسلمون المتطرفون هم فقط من يقومون بالعمليات الانتحارية ويقتلون الناس الأبرياء." أو يكون ذلك من خلال نسب حوادث عنف فردية للمسلمين عامة، وإظهار جرائم قتل غير المسلمين كأمر عقائدي في الدين الإسلامي، كما حصل في حادثة قتل شاب جزائري يدعى محمد مراح عددًا من اليهود في مدينة تولوز الفرنسية، حيث نشرت صحيفة "معاريف" بتاريخ 25.3.2012 مقالة بعنوان "الإرهاب الإسلامي حي ويضرب"؛ وجاء في المقالة التي كتبها بوعاز بيسموط: "الإرهابي محمد مراح، الذي قتل بوحشية كبيرة سبعة أشخاص، من ضمنهم معلم وثلاثة تلاميذ يهود صغار، جعل فرنسا تفهم أن هذا الورم السرطاني، الذي يُطلق عليه إرهاب إسلامي، حي ويضرب، يتنفس ويقتل أيضًا."

ولا تخلو وسائل الإعلام العلمانية من التحريض العنصري المباشر أيضًا، فكما أشرنا سابقًا إلى توجيه إساءات صريحة عبر موقع "إن. إف. سي"، نشير هنا إلى صحيفة "هآرتس" المحسوبة على اليسار الإسرائيلي، حيث جاء في مقالة كتبها يسرائيل هرئيل، نشرت بتاريخ 17.3.2012: "كان على أولئك الذين يؤمنون بأن السلام ممكن مع الفلسطينيين وأنهم شركاء، أن يقولوا الحقيقية حول التحريض الذي يقوم به شركاؤهم.

لا يمكن إثبات وجود علاقة مباشرة بين القتل في إيتمار والتحريض اليومي، الأسباب هي أسباب جذرية. خلال سنوات قتل في الجزائر ما يقارب الـ 300 ألف، وفي دارفور أيضًا، وفي لبنان، وسوريا، والعراق، ومناطق أخرى في العالم الإسلامي، التحريض الفلسطيني هو تعبير عن هذا الطابع الوحشي، وليس السبب لوجوده." كما لا يخلو الأمر من إساءات عنصرية بالغة كتلك التي وردت على لسان المذيع اليميني أفري جلعاد، الذي قال في برنامجه "الكلمة الأخيرة"، الذي بث بتاريخ 12.6.2012 على إذاعة "جالي تساهل": "في الحقيقة نريد أن نبحث عن مساحات كبيرة لنا، ولكن لا نريد أن ننسى أن الذين يدقون أبوابنا هم من أتباع الإسلام، والإسلام مرض متفشٍّ في العالم، ولا أريد أن أقول إنه سرطان العصر لأنه مصطلح منبوذ، والحقيقة أن الإسلام يسود العالم ونحن نرى ذلك في كل مكان، وهم يريدون السيطرة بأفكارهم ومعتقداتهم، وعلينا أن نكون حذرين في أمور حياتنا"؛ وقد أثارت هذه الأقوال العنصرية للمذيع أفري غلعاد غضبًا شعبيًّا ومظاهرات احتجاجية، وقدمت شكوى لمستشار الحكومة القضائي ضده، إلا أنها كالعادة، لم يؤتَ أُكُلَها.

ختامًا إذًا فالعالم الإنساني ينقسم إلى قسمين وفقًا للمقالات المذكورة: اليهود سلالة إسحق، المتفوقون دينيًّا وعرقيًا من جهة، والمسلمون "الإرهابيون" والعرب سلالة إسماعيل "المتوحشون" من جهة أخرى؛ وبهذا يتقمص مروجو حملات التحريض العنصري في وسائل الإعلام الإسرائيلية، المتمسكون بنظرية "شعب الله المختار" المتميز عن "الأغيار"، يتقمصون دور الألماني المؤمن بفوقية العرق "الآري"، دور الجلاد الذي اضطهدهم ونفذ ضدهم عمليات تطهير عرقية.

وبناءً عليه، فإن هذا "التفوق الديني العرقي" المفترض، ما هو إلا محاولة لإضفاء شرعية أيديولوجية ودينية على الاحتلال الإسرائيلي وعلى الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني الرازح تحت نيره، من خلال شيطنة "العدو" ونزع صفة الآدمية عنه باعتباره إنسانًا دونيًّا وغير سوي، لا يمكن التعامل معه وفقًا للمعايير المُتعارف عليها بين البشر؛ وما التشديد على شيطنة الدين الإسلامي ورموزه إلا محاولة إضافية لتبرير وإباحة حروب الحلفاء ضد دول إسلامية وعربية تحت ذريعة ما يُطلق عليه "الجهاد الإسلامي العالمي." وفي ظل هذا الواقع الذي يعج بالتناقضات والمغالطات، لا غرابة في أن يجد المتابع لوسائل الإعلام الإسرائيلية في الصفحة ذاتها، تحريضًا عنصريًّا ضد العرب والمسلمين، وأسفله خبرًا ينتقد "عنصرية ومعاداة السامية" لدى الفئات ذاتها التي يُحرّض ضدّها بشكل عنصري ممنهج. * نشرت المقالة في مجلة "سجال" التي يصدرها مركز "إعلام".


بحث "إعلام": الإعلام الإسرائيلي يختزل مسألة حقوق الإنسان باليهوديّ فقط!

القدس المحتلة سما نشر مركز "إعلام" مؤخرًا نتائج بحث شامل تناول مسألة "خطاب حقوق الإنسان في الإعلام الإسرائيلي". يفحص البحث، الذي عمل عليه كل من د. أـمل جمّال وخلود مصالحة، تغطية حقوق الإنسان في الإعلام الإسرائيليّ، وذلك من خلال استخدام أدوات كمّـيّة ونوعيّة. كما يتناول البحث درجة تعامُل الإعلام العبريّ مع الحقوق السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة لمجْمَل مكوِّنات المجتمع الإسرائيليّ.

ويعّد البحث رياديًا في المجال إذ لم يجْرِ التطرّق حتّى الآن إلى هذه القضية على نحوٍ مُرْضٍ ومنهجي. أُجرِيَ البحث في الفترة الواقعة بين الشهرين نيسان وتمّوز من العام 2011، وشمل عيّنة من وسائل الإعلام المركزيّة في إسرائيل: "يديعوت أحرونوت"؛ "معاريف"؛ "هآرتس"؛ "يسرائيل هَيوم"؛ "القناة الأولى"؛ "القناة الثانية"؛ "القناة العاشرة". على الرغم من عدم ضمّه لجميع وسائل الإعلام الإسرائيليّة، فإنّ اتّساع العيّنة، وكمّيّة التقارير التي جرت تغطيتها في هذا البحث، مكّنت من التوصّل إلى استنتاجات عامّة حول أنماط تغطية حقوق الإنسان في الإعلام الإسرائيليّ، لا سيّما على ضوء التشابه الكبير في الخطاب بين وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة. تبيّن من النتائج أن الإعلام الإسرائيلي يعالج قضايا ويطرح أحداثًا تتعلق بحقوق الإنسان دون التنويه إلى نوعية الحقوق أو انتهاكها، الشيء الذي يخلق انطباعًا خاطئًا. كما تبيّن أن الإعلام الإسرائيلي يعالج القضايا التي تحظى بشعبية ويؤكد على الحقوق العامة للمجتمع الإسرائيلي اليهودي، الشيء الذي يعكس تملقه للمجتمع لأسباب ترويجية-ربحية.

كما وتبيّن من تحليل مضامين الأخبار في عينة البحث بأن الإعلام الإسرائيلي يتحفظ من استعمال خطاب ومصطلحات حقوق الإنسان لأسباب تتعلق بعدم شعبية هذا الخطاب في المجتمع الإسرائيلي، وبأنها لا تريد أن تظهر بحلة يسارية، حيث أن خطاب حقوق الإنسان يعتبر يسارياً ومناف للمصالح القومية في إسرائيل. القناة العاشرة الأكثر إهتمامًا بمضامين تتعلق بحقوق الإنسان ولكن بنسبة أقل من 50%! ومن المعطيات الكمية التي أظهرها البحث خلال الفترة المذكورة يظهر على أنه قد جرت مراجعة 1318 تقريرا في وسائل الإعلام المطبوعة فيما جرت مراجعة 267 تقريرًا في وسائل الإعلام المرئية (1585 تقريرا). حصّة القناة العاشرة كانت الأكبر في التطرّق إلى موضوعات تتعلق بحقوق الإنسان، حيث عالجت 45.68% من مجمل التقارير في هذه القناة مضامين وأخبار تتعلق بحقوق الإنسان (دون وضوح دعمها أو انتهاكها لحقوق الإنسان). تلتها القناة الأولى بنسبة 45.68%. حلّت القناة الثانية في المكان الثالث من حيث كمّـيّة التقارير التي تناولت مضامين ذات ارتباط بحقوق الإنسان، ووصلت إلى نسبة 40.9%.

في الصحافة المكتوبة، تبوّأت صحيفة "هآرتس" المكان الأوّل في مقدار تغطية مواضيع تتعلق بحقوق الإنسان، حيث تناولت نسبة 21.23% من تقاريرها التي فحصتها العيّنة هذا الموضوع. حلّت صحيفة "يسرائيل هَيوم" في المكان الثاني، وبفارق غير كبير عن صحيفة "هآرتس"، وأظهرت العيّنة أنّ 20.74% من تقاريرها عالجت قضايا تتعلق بحقوق الإنسان.

18.6% من التقارير في صحيفة "معاريف" وَ 17.95% من التقارير في صحيفة "يديعوت أحرونوت" عالجت مضامين تتعلق بحقوق الإنسان. 384 تقريرًا فقط من مجمل العينة تناولت مضامين تعلق بحقوق الإنسان! كما ويُستشَفّ من البحث أنه من مجمل التقارير التي تم رصدها (1585 تقريرا) 259 تقريرًا صحفيًّا فقط، وَ 125 تقريرًا من النشرات الإخباريّة التلفزيونيّة، قامت بمعالجة مضامين تتعلق بحقوق الإنسان، أي بمعدّل 384 تقريرًا فقط! عندما يجري فحص عدد التقارير التي تعالج مضامين تتعلق بحقوق الإنسان في العيّنة بأكملها (384 تقريرًا)، يتبيّن أنّصحيفة "هآرتس" هي صاحبة المقدار الأكبر نشر تقارير تتعلق بحقوق إنسان (22.40%). اهتمام صحيفة "يديعوت أحرونوت" بحقوق الإنسان كان أقل ووصل نسبة الـ (21.88%)، وجرى نشر 14.58% من مجمل التقارير تتعلق بحقوق الإنسان في صحيفة "يسرائيل هَيوم"، ونُشرت نسبة 8.59% من التقارير التي تتعلق بحقوق الإنسان في صحيفة "معاريف".

وتُبيّن من مراجعة الصحافة المرئيّة أنّ 11.72% من التقارير التي تناولت مضامين تتعلق بحقوق الإنسان عُرضت على شاشة القناة الثانية، بينما عُرضت نسبة 9.64% من التقارير تتعلق بحقوق الإنسان على القناة الأولى. 71% من تقارير حقوق الإنسان تتعلق بحق الإسرائيلي اليهودي فقط! تُظهر نتائج البحث أنّ غالبية التقارير المتعلّقة بحقوق الإنسان (71.1%) تطرّقت إلى حقوق الجمهور اليهوديّ، فيما تطرّقت نسبة 9.9% من التقارير إلى حقوق الجمهور الفلسطينيّ داخل إسرائيل، وتناولت نسبة 9.4% من مجمل التقارير اخبارا تعلقت بحقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيّين سكّان الأراضي المحتلّة. 3.1% من التقارير تطرّقت إلى حقوق المستوطنين في الأراضي المحتلّة، وحظيت حقوق الفلسطينيّين في القدس الشرقيّة بتغطية لا تزيد عن 1.3% من مجمل التقارير.

الإعلام الإسرائيلي يدعم كل فئات مجتمعه وينتهك حق الفلسطينيّ تبرز هذه المعطيات مدى الانشغال بحقوق الإنسان الخاصّة بالمجتمع اليهوديّ على مختلف أطيافه، وهامشيّة التقارير التي تُعالج حقوق مجموعات عينيّة داخل هذا المجتمع. تَبرز على نحو خاصّ هامشيّةُ الانشغال بحقوق الإنسان في مدينة القدس الشرقيّة، لا سيّما على ضوء الانتهاكات اليوميّة للحقوق هناك.

علاوة على ذلك، لا تحظى انتهاكات الجيش الإسرائيليّ والمستوطنين لحقوق الإنسان باهتمام كبير في الإعلام الإسرائيليّ. في الحالات التي ظهر فيها تناول لحدث كهذا، لم تُظهر التقارير تأييدًا دائمًا للجهة التي انتُهكت حقوقها، ولا يجري النظر إلى حقوق هؤلاء كقيمة قائمة بذاتها، أو كتلك التي يُفترض فيها أن تخضع لاعتبارات قيميّة كونيّة.

التغطية الإعلاميّة لانتهاك حقوق الفلسطينيّين تتأتّى من خلال المنظور الأمنيّ، لا من خلال منظور حقوق الإنسان. يذكر أنه وبحسب النتائج، خصّص الإعلام الإسرائيليّ صفحات كثيرة لتغطية الاحتجاجات في الشارع الإسرائيليّ، وتعامل مع نفسه في بعض الأحيان كجزء من هذه الاحتجاجات. الإعلام الإسرائيلي يدعم حقوق الفئات المسحوقة من مجتمعه تُظهر النتائج كذلك أنّ 9 مجموعات مختلفة تحظى بالاهتمام في التقارير التي دخلت عيّنةَ البحث. المجموعات هي: النساء؛ المسنّون؛ الأطفال؛ ذوو الاحتياجات الخاصّة؛ السجناء والموقوفون؛ المتضرّرون من هدم المنازل؛ المتضرّرون من إجراءات سياسيّة؛ العمّال الأجانب وآخرون.

يُظهر على نحوٍ جليٍّ أنّ المجموعة التي حظِيَتْ حقوقها بالمعالجة الأعلى هي مجموعة المتضرّرين من إجراءات سياسيّة (36.2%)، تليها مجموعة السجناء والموقوفين (6.5%)، فالأطفال ( 5.7%)، ومن ثَمَّ النساء (4.9%). وفقًا للمعطيات يظهر أن الإعلام يميل نحو تأييد حقوق الفئات المسحوقة في المجتمع، كالنساء والمعاقين والمسنّين والأطفال وغيرهم. وعلى الرغم من أنّ تعامُل الإعلام الإسرائيليّ مع هذه المجموعات يميل نحو النـزعة المُقَوْلَبة، فإنّه لا يتجاهل حقوقها.

الإعلام الإسرائيلي غير متصالح مع حقوق الإنسان بالإضافة إلى ما ذكر سابقًا فأنه من ابرز إستنتاجات البحث أيضًا تجاهُلَ الإعلام الإسرائيليّ للقانون الدوليّ والمواثيق الدوليّة التي صادقت عليها إسرائيل. كما وتظهر النتائج أنه ثمّة خشية مبطّنة لدى الإعلام الإسرائيليّ من استخدام خطاب حقوق الإنسان، أو مفردات تُستقى من عالم حقوق الإنسان. عوضًا عن ذلك، يجري استخدام مصطلحات عاطفيّة يُفترض فيها أن تستدرّ التعاطف، أو أن تخلق النفور من حدث أو سلوك معيّن. د. جمّال: الإعلام الإسرائيلي مساهم في تأجيج الصراع الفلسطيني- إسرائيليّ وفي تعقيبه على البحث يؤكد د. جمّال أن هذا البحث أظهر غياب خطاب ومصطلحات حقوق الإنسان في الإعلام الإسرائيلي، وسط طغيان للخطاب الأمني واستخفاف بمجموعات مختلفة، وعلى وجه الخصوص فلسطيني الـ48 والفلسطيني بشكل عام.

ويشير إلى أن أهمية ومحورية حقوق الإنسان وتجذيرها في الخطاب الإعلامي من أجل بلورة رأي عام متعاطف مع حقوق الإنسان لها أهمية خاصة في السياق الإسرائيلي. ويضيف د. جمّال على أن الإعلام الإسرائيلي وبصيغته الحالية يساهم في تأجيج الصراع العربي الفلسطيني بتجنده التام للرواية الإسرائيلية المؤسساتية بطبيعة الحال. فمعطيات البحث تظهر تجاهُلَ الإعلام الإسرائيليّ للقانون الدوليّ والمواثيق الدوليّة التي صادقت إسرائيل عليها نفسها! كما وتظهر ليس فقط هامشية التعامل مع حقوق الفلسطيني عبر صفحات الإعلام، إنما مدى إنتهاك الإعلام الإسرائيلي لحقوق الفلسطيني بالمقابل دعمه القوي لحقوق الإسرائيلي.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /19-10-2015, 01:59 AM   #54

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي

الجذور الفرعونية والآشورية لعيد الفصح (قراءة تاريخية)
.د ناصر إسماعيل اليافاوي


مزاعم اليهود يحتفل اليهود بعيد الفصح اليهودي، والذي يعرف عندهم بعيد الخروج، زعما منهم ان هذا العيد تخليدا لليوم الذي خرجوا فيه من مصر بقيادة موسى، والذي وافق يوم شم النسيم في مصر، والذي وفر لهم الغطاء للهروب من مراقبة المصريين لهم، حيث تعود المصريون حتى الآن على الخروج من منطقة وادي النيل إلى مناطق خلوية ليشموا نسائم الربيع. الفصح عند المسيحيين يعتبر عيد الفصح من أهم الأعياد المسيحية، ويعرف في اللغة الهولندية باسم "باسن"، والكلمة مشتقة من كلمة "باسكا" اليونانية القديمةpascha ، ويعرف في اللغة العربية بعيد القيامة ايضا، وحسب معتقدات المسيحيين انه العيد الذي يعود فيه السيد المسيح إلى الحياة بعد صلبه، وقد اتفقت معظم الكنائس في العالم المسيحي على اعتبار يوم الأحد الذي يلي اكتمال القمر، بين أواخر مارس، وبداية أبريل، هو يوم عيد الفصح، الذي يلي يوم الجمعة الحزينة التي صلب فيها المسيح ..

مغالطة تاريخية : وهذا يدل على أن عيد الفصح بما في ذلك عيد الفصح اليهودي هو أقدم مما يعتقد الكثيرون. ذلك أن الاعتماد على التقويم القمري يشير إلى أن العيد ظهر عندما كان الإنسان يعتمد في حياته على الصيد وجمع الثمار البرية والرعي، وبعد تحول الإنسان إلى الزراعة أصبح التقويم الشمسي أهم له من التقويم القمري لأهميته الحاسمة في كل العمليات الزراعية من غرس وحرث إلى الحصاد، ولمعرفة موسم الأمطار وفيضانات الأنهار وغيرها، دراسة عالم الآثار الإيطالي فابريتشو موري تنسف مزاعم اليهود هذه النتيجة تتفق مع أبحاث عالم الآثار الإيطالي فابريتشو موري، الذي يؤكد أن معظم المعتقدات التي ظهرت في مصر الفرعونية كانت منتشرة في منطقة الصحراء الكبرى، عندما كانت غابات مطيرة، وقبل أن تتصحر، ودليله على ذلك دراساته التي استقاها بعد زيارات عديدة لمنطقة تاسيلي وأكاكوس في جنوب غرب ليبيا، ودراسته لرسومات وجدت داخل كهوف تعود إلى أكثر من عشرين ألف سنة، ويؤكد موري بأن التصحر دفع الناس إلى الهجرة إلى المكان الوحيد الذي ظل غنيا بالماء وهو نهر النيل، حاملين معهم معتقداتهم وأساطيرهم.

أساطير الطوارق الذين فضلوا عدم الهجرة، والبقاء والتكيف مع الصحراء تؤكد ما ذهب إليه موري. أسطورة" يانس وتانس" الطارقية تشبه إلى حد بعيد أسطورة إيزيس وازوريس في مصر، وأسطورة " تموز وعشتار" في العراق، وهي نفس الأسطورة التي رحلت إلى اليونان باسم" اوذيس وافروديت"، وعند الرومان تغير اسم افروديت إلى فينوس. تحاول هذه الأساطير تفسير دورة الحياة في عالم النبات، وتفسير ظاهرة الموت عند الإنسان وغيره، وتتفق جميعها على أن اله الخصب والحياة يختفي في عالم الظلمات نصف عام، ويعود ليظهر إلى عالم النور بقية العام، وتكون عودته في فصل الربيع، لهذا تحتفل معظم شعوب الشرق الأوسط التي كانت مهدا للحضارة الإنسانية بعيد الربيع الذي يتخذ عدة أسماء، فهو " النوروز" عند الإيرانيين والأكراد واليزيديين الذي يعني " اليوم الجديد"، والذي يوافق يوم 21 مارس، وهو اليوم الذي يتساوى فيه طول النهار والليل، وهو نفس العيد الذي يحتفل به المصريون ويعرف بعيد " شم النسيم"، ويكون في اليوم الذي يلي عيد القيامة.

الجذور العراقية الآشورية وطوارق الصحراء للعيد (رؤية مطابقة): يحتفل الآشوريون في العراق يوم الأول من أبريل بعيدهم الأبرز"خابا نيسان"، والذي يخلد عودة الإله مردوخ إلى الحياة بعد موته بثلاثة أيام، مثلما يحدث مع السيد المسيح بالضبط، وهذا ما يؤكد أن عقيدة " التثليث" التي تعتبر ركنا أساسيا في العقيدة المسيحية، بالإضافة إلى ألوهية المسيح هي في الحقيقة أقدم من المسيحية بآلاف السنين، وهي رمز الخصب، وتوارث الحياة، ونقلها من جيل إلى آخر، إلا أن ظهور طفل ذكر وليس أنثى بين يدي إيزيس، ومريم العذراء يدل أن البشرية كانت قد غادرت مرحلة المجتمع الأمومي، وتوغلت في المجتمع الأبوي الذي لا يزال يهيمن على مجتمعات الشرق الأوسط بزمن طويل، ويؤمن الآشوريون بالاقانيم الثلاثة " الإله الإنسان الطبيعة"، وهذا ما يظهر جليا في الرسومات الفرعونية، التي تصور ايزوريس والى جانبه زوجته إيزيس وهي ترضع ابنها الإله حورس، وفوق رأسها قرنان بينهما هالة القمر، ذلك لأن إيزيس هي آلهة القمر عند الفراعنة، وهي نفس الصورة التي نراها في الكنائس، والتي تظهر السيدة مريم وهي ترضع ابنها يسوع المسيح، وفوق رأسها هالة شمسية، والفرق بين الصورتين يدل على انتقال الإنسان من مرحلة عبادة القمر التي ميزت المجتمعات الأمومية، إلى عبادة الشمس عند المجتمعات الأبوية، وحتى اليوم تنتقل السلطة بين الطوارق من زعيم القبيلة ليس إلى بكره من الذكور، ولكن إلى أكبر أبناء أخته، كما لا تزال رموز الآلهة تانيت آلهة الخصب ودرء الحسد والشر رائجة حتى اليوم في معظم الكرة الأرضية، رمز خمسه وخميسه والسمكة وارتباطها بعيد الفصح ويأتي رمز الكف المفتوحة الذي يعرف في شمال أفريقيا باسم " الخميسة "، ورمز السمكة، مؤشر واضح على الجذور الفرعونية والحضارات القديمة لهذا العيد ،ولهذا لا يزال المصريون حتى اليوم يأكلون السمك المملح في عيد شم النسيم النجمة السداسية تراث فلاحى في شمال افريقيا والى وقت قريب كان الفلاحون في شما أفريقيا يرسمون النجمة السداسية على المحصول الذي حصدوه من القمح والشعير، قبل كيله تبركا كما يقولون بنجمة الملك سليمان، وهم لا يعرفون أن هذا الرمز أقدم من سليمان وداوود بوقت طويل، ذلك أن أهم رمز اختصت به الآلهة تانيت هو المثلث، الذي تكون قاعدته إلى أسفل ورأسه إلى أعلى، والذي عرف فيما بعد بكونه الرمز الذكري عند الإنسان، ثم ظهر الرمز المؤنث، أو ما يشير لفرج الأنثى على شكل مثلت قاعدته إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، وفي وقت لاحق جمع العبرانيون بين المثلثين، كما يظهر الآن في نجمة داوود، كرمز للقاء الأنثى والذكر، أو كرمز للخصوبة، وتواصل الحياة.

الجذور الجرمانية (الألمانية ) للفصح يسمى عيد الفصح في اللغات الجرمانية باسم " ايستر" وهو اسم اله الربيع عند القبائل الجرمانية، حيث يتم تلوين البيض المسلوق مثلما يفعل المصريون منذ أقدم العصور، وقد تم اختيار البيضة باعتبارها رمز انبعاث الحياة، وحتى اليوم يأكل الناس في أوروبا شوكولاطة على شكل بيض ملون، وعلى شكل حيوانات تميزت بالقدرة على النجاة من الصيد والموت، وفي مقدمتها الأرنب. الفسيخ والبصل والخس رمزا للحياة والفحولة كما يأكل المصريون في عيد شم النسيم الذي يحتفل به المسلمون والأقباط كميات كبيرة من السمك المملح، والذي يعرف باسم "الفسيخ"، والذي يعتبر رمزا من رموز عودة الحياة، وخاصة وأنهم أتقنوا حفظه قبل عيد شم النسيم في علب معدنية، كمحاولة منهم لمحاربة التفسخ، وحفظ السمك صالحا للأكل، كما يأكلون البصل والخس الذي كان يرمز عندهم للفحولة

الآثــار والتــوراة فــي فلسطيــن ..ادعــاءات وحقائــق ...محمد حجازي


سعى الآثاريون الإسرائيليون ومنذ بداية الصراع إلى تشويه التاريخ القديم لهذه المنطقة استناداً إلى مروياتهم التوراتية حيث استندوا في مشروعهم السياسي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين إلى حقهم التاريخي المزعوم كما جاء في التوراة التي شكلت بالنسبة لهم المستند والتعبئة الأيدولوجية لفكرتهم.

ووصل هذا التشويه إلى حد تزييف بعض قطع الآثار التي تعود إلى حقبة بناء الهيكل الثاني على حد زعمهم، فقد أوردت صحيفة هآرتس يوم 26/3/2004 خبراً مفاده أن مسؤولين في سلطة الآثار الإسرائيلية يأكدون أن المكتشف الأثري " رمانة العاج " الذي يحمل كتابه قديمة مأخوذة من التوراة وتم عرضه في متحف " غراند باليه " الفرنسي في باريس مزيف، حيث تبين وجود العديد من المكتشفات الأثرية المزيفة والتي تعود إلى فترات تاريخية مثل عهد الهيكل الثاني. ويضيف مسؤولوا سلطة الآثار الإسرائيلية، إن اكتشاف أمر أعمال التزييف هذه سيسبب مشكلة لا تقدر بثمن لعلم الآثار، إذ أن هناك عدداً كبيراً من الأبحاث والنظريات في علم الآثار استندت إلى هذه المكتشفات المزيفة. التي كانت تقوم بها شبكة إسرائيلية تعمل منذ أكثر من 15 عاماً وتضم في عضويتها متخصصون في علم الآثار، ويرأس هذه الشبكة شخص يدعى " عوديد غولان " وهو جامع للمكتشفات الأثرية ويشارك أيضاً في هذه الشبكة وسطاء وأشخاص أقاموا شركات وهمية لبيع الآثار.

بلا شك أن التوظيف الآثاري لحالة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ولّد مشكلة وقضية معقدة أدى إلى تشويه التاريخ الحقيقي للمنطقة وقدم فرضيات عديدة لم يتم البرهة عليها " لأن النظريات إذا لم تقرن بآثار تبقى فرضيات بانتظار البرهنة عليها آثارياً ".

وحول هذه المواضيع نشرت صحيفة القدس بحثاً هاماً للباحث أحمد عثمان بتاريخ 4/12/1995، تحت عنوان " الدلائل الأثرية تناقض قصة احتلال بني إسرائيل لأرض كنعان بقيادة يشوع ". ورد فيه أنه لم يتم العثور على أدلة آثارية تتعلق ببعض الشخصيات والأحداث، بالطريقة التي وردت في كتب العهد القديم. ويتطابق هذه الكلام مع حديث آثاريين من الولايات المتحدة الأمريكية يقول " كينيت هولوم " – أستاذ الحفريات بجامعة مريلاند الأمريكية – من أنه" لم يعد هدف عملنا هو إثبات أو نفي صحة ما جاء في الكتب المقدسة، وإنما هو مساعدة العلماء على فهم الثقافات القديمة.

وكان فرع الدراسة المعروف باسم " بيبليكال أركيولوجي " او حفريات الكتب المقدسة الذي بدأ منذ مئة عام، وكان هدفه الرئيس هو مجرد العثور على بقايا أثرية تؤكد صحة ما ورد في التوراة، لكن الوضع تغير بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لم يتم العثور على أية دلائل تتفق مع بعض القصص التوراتية مثل قصة " يوسف الصديق " أو قصة خروج بني إسرائيل من مصر أو غزوهم لأرض كنعان.

أما الدكتور " كمال الصليبي " صاحب الكتاب الشهير التوراة جاءت من جزيرة العرب الذي أحدث ثورة في المرويات التوراتية لهذه المنطقة يجيب على الغموض الذي أصاب علماء الآثار الأمريكان ودفعهم لتغيير هدفهم الأساسي، فيقول : " إن اليهود لم يكونوا أول من استوطن فلسطين، بل هناك " الفلسطينيون " أي ( الفلستيون ) الذين وصولوا بلا شك من غرب شبه الجزيرة العربية قبلهم "هذا الحديث يخالف به الكاتب فرضية بأنهم جاؤوا من بحر إيجه،" فصارت البلاد تعرف باسمهم، وهناك أيضاً الكنعانيون الذين نزحوا من غرب شبه الجزيرة العربية في زمن مبكر،عندما تفرقت قبائلهم في الأرجاء ( سفر التكوين 10: 18 ) ليعطوا اسمهم لأرض كنعان ( كنعن ) على امتداد الساحل الشامي، شمال فلسطين، في المنطقة التي سماها الإغريق فينيقيا ( على اسم الفينيقيا في عسير ).

إن الهجرات الفلستية والكنعانية إلى هناك لا بد أن تكون قد نمت وازدادت بمرور الزمن، واستناداً إلى الكتب التاريخية للتوراة العبرية، فمن الواضح أن المملكة الإسرائيلية قد أسست في غرب شبه الجزيرة العربية بين أواخر القرن الحادي عشر ومطلع القرن العاشر قبل الميلاد، وإلى حد كبير على حساب مجتمعات مثل الفلستينيين والكنعانيين إثر هجرتهم، من شبه الجزيرة العربية إلى الشام التي ازدادت حجماً في تلك الفترة على إثر الهزائم المتتالية التي ألحقها بنو إسرائيل بهم في مواطنهم الأصلية.

وتحايلاً على الموضوع، خرج علماء الآثار الإسرائيليين بنظرية جديدة، تقول أن السبب الرئيس لعدم العثور على مستندات آثارية يهودية في فلسطين يعود إلى أن يهود الأمس قد تبنوا الحضارة الكنعانية القديمة في فلسطين لأن حضارتهم " العبرية " كانت أضعف من أن تنافس الحضارة الكنعانية، وتبنيهم لهذه الحضارة أدى إلى تطوير الحضارة الكنعانية نفسها حيث نتج عنها حضارة يهودية ولكن بلباس كنعاني، طبعاً هذا هوس تاريخي مكشوف لأن هذا الافتراض لا يصمد أمام الحقائق التاريخية والآثارية.

ويضاف إلى ذلك الإدعاء إدعاء آخر يقول : بأن فلسطينيي اليوم جاءوا إلى البلاد مع بداية الفتح العربي لفلسطين وهذه مقتطفات من مقال أوردتها صحيفة معاريف يوم 4/9/96، تحت عنوان من هو الكنعاني. أهم ما جاء فيه " أن الإدعاء العربي الفلسطيني بأن عرب هذه البلاد هم ورثة وأحفاد الكنعانيين إدعاء قديم جداً فمنذ العشرينات كانت القيادة العربية الفلسطينية قد ذكرت هذه المسألة للبريطانيين والغرض منه هو البرهنة على أن عرب البلاد قد سبقوا أبناء إسرائيل الذين غزوا البلاد من الخارج. فإذا كان إدعاء الفلسطينيين بأنهم ورثة الكنعانيين " والكلام لكاتب المقال " فلماذا لم يحافظوا على اللغة الكنعانية القديمة؟.

يرد على هذا الإدعاء مؤرخ أمريكي " بالرغم من انه معروف بتحيزه لدولة إسرائيل " بيرنارد لويس" يقول أن عدد العرب الذين صاحبوا عملية الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام منذ بداية الفتح وحتى نهاية الدولة الأموية لم ِيزد عن ربع مليون شخص. هذا الرقم وحتى لو افترضنا بأنه صحيح فهو لا يشكل مستند وحجة قوية عند ِعلماء الأجناس. والمصادر التاريخية العربية وهي الأوثق في هذا المجال قدرت عدد العرب الذين جاءوا من اليمن والحجاز للمشاركة في فتح بلاد الشام حوالي 40- 50 ألف مجند وهنا يجدر الإشارة أن بلاد الشام كانت الممر الوحيد للجيوش العربية الإسلامية إلى شمال إفريقيا والأندلس التي فتحت تلك البلاد. بمعنى إن إقامة هؤلاء الجند كانت متحركة وليست دائمة إلا بحدودها الدنيا.

إن الإدعاء السائد بين يهود العالم بأنهم من سلالة بني إسرائيل وبأن اليهود ليسوا مجتمعاً دينياً فحسب بل شعب وريث لبني إسرائيل، وأن له الحقوق التاريخية لبنى إسرائيل إنما هو إدعاء باطل أصلاً، لأن بني إسرائيل شعب باد منذ القرن الخامس قبل الميلاد وهو غير صحيح حتى في حال إقرار المبدأ بأن للشعوب حقوقاً تاريخية في أراضٍ معينة تبقى قائمة على حساب الآخرين مهما طال الزمن. وأقل ما يقال في هذا المبدأ أنه غير مقبول إلا من أصحاب الهوس العرقي. فمن المؤكد عند علماء الأجناس أن شعب إسرائيل البائد قد انصهر في مجتمعات عربية وتحول مع مرور الزمن إلى المسيحية فالإسلام ومن البديهي أن العرق بحد ذاته لا يموت، وإنما الذي يموت هو المجتمع والانتماء والاسم وذلك عن طريق التحول من واقع اجتماعي تاريخي معين إلى واقع آخر.

ومن جهة أخرى هناك آثاريين إسرائيليين جدد بدؤوا مؤخراً يتحدثون علانية عن العلاقة بين المرويات التوراتية والآثار المكتشفة في المنطقة ففي مقال مطول للباحث الآثاري " د. زئيف هيرتسوغ "، يقول بأن المكتشف الأثري يناقض بوضوح الصورة التوراتية " بأن مدن كنعان لم تكن ضخمة ولم تكن محصنة ولم تكن رؤوسها في السماء كما ورد في التوراة وهذا ما هو إلا بدعة لاهوتية لا تستند إلى أي حقائق على الأرض. ويتسائل الكاتب في مكان آخر من المقال إذاً من نكون نحن وما هو أصل الإسرائيليين فإن لم تكن هناك دلائل حول الخروج من مصر وحول الرحلة في الصحراء واحتلال المدن الكنعانية فلا بد من وجود فرضية أخرى.

" إسرائيل فنكلشتاين من " أهم الآثاريين الإسرائيليين " اقترح النظر للمستوطنين على أنهم الرعاة الطبيعيون الذين تجولوا في منطقة الجبل في العهد البرونزي المتأخر، فكان لهم اقتصاد تبادلي ومع انهيار النظام الحضري والزراعي في الأغوار أصبح لديهم دافع للتوطن والاستقرار. وينهي الكاتب مقاله بالاعتراف بأن المجتمع الإسرائيلي اليوم أصبح ناضجاً جزئياً للاعتراف بالظلم الذي لحق بسكان البلاد العرب، ومستعد لقبول المساواة في الحقوق إلا أنه ليس معنياً بشكل كاف لتبني الحقائق الأثرية التي تدحض الأسطورة التوراتية.

وإذا كان الإسرائيليون سعوا إلى ذلك بشكل حثيث رغم تناقض استنتاجاتهم وتسليمهم بكثير من الحقائق التي تدحض وتخلخل المصداقية التاريخية للوصف التوراتي، نقوم نحن الفلسطينيون والعرب بصياغة تشويه آخر يدعم ويساند أفكار وطرح منظروا اليمين المتطرف من آثاريين وسياسيين.

فشعار المسيرات والتظاهرات الشعبية سواءً الفلسطينية منها أو العربية، " خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود "، بلا شك أن هذا الشعار يعني أن يهود اليوم " المستوطنون المهاجرون إلى فلسطين " من مختلف أصقاع الأرض، هم امتداد تاريخي ليهود الأمس، ومنهم يهود خيبر " شبه الجزيرة العربية " وهو تسليم خاطئ يضعنا في إشكاليات عديدة شديدة الالتباس يفسر الصراع على أنه ديني إسلامي – يهودي وليس له طابع سياسي وحقوق شعب … الخ. ويجعل من كل يهود العالم أعداء للمسلمين. إن الغوص في موضوع المرويات التوراتية من قبل ساسة معاصرين وتوظيفها لخدمة قضاياهم السياسية المعاصرة يقدم مادة تحريضية قوية مغلفة بغلاف ديني لليمين الإسرائيلي ويولد من جهة أخرى ردود فعل عند الطرف الآخر العربي والفلسطيني والإسلامي بشكل عام تجعل من كل يهود العالم معادين للحقوق الفلسطينية والعربية في هذه المنطقة ويشوه الصراع الحقيقي الذي هو في جوهره صراع شعب أنتُزع من أرضه وشرد وحرم من ممارسة سيادته على أرضه. وهي القضية التي حظيت بإجماع دولي كبير.

"صناعة الخوف" المركب الاهم للأمن القومي الاسرائيلي ..اطلس للدراسات


غزة \ اطلس للدراسات \تهديدات الأمن القومي الإسرائيلي، مصطلح أو مفهوم دارج الاستخدام، ويستخدم بكثافة عالية في الخطاب والإعلام الإسرائيلي، وبات أحد المفردات لأزمة الخطاب السياسي الإسرائيلي، وهو ينطوي على جاذبية وقوة سحرية غريبة تجعل أي تناول له يقفز الى العناوين المركزية ويحظى بمتابعة شغفة ويستشهد به كأحد المسلمات، سواء في سياق التدليل أو التبرير أو الاستنتاج؛ هذا برغم ان تهديدات الامن القومي الاسرائيلي تضم تشكيلة واسعة مما يعتبر تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي، وتخضع عناصرها للتغيير وأولوياتها للتبديل بحسب الجهة التي تحددها وتطلقها، وهاكم عدد من تهديدات الأمن القومي الإسرائيلي (الملف النووي الإيراني، استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي، العلاقات الأمريكية الإيرانية وترميم العلاقة الاسرائيلية الأمريكية، صواريخ حزب الله وغزة، المحافظة على قدرة الردع الإسرائيلية، مخرجات (الشتاء) العربي وتعاظم القدرات العسكرية والتسليحية للجماعات المسلحة، تحول إيران الى دولة إقليمية عظمى ذات نفوذ إقليمي، القنبلة الديموغرافية والخصوبة العالية للمرأة الفلسطينية وضمان يهودية الدولة وديمقراطيتها، غياب السلام، مقاطعة إسرائيل وعزلها، شكل الحروب الجديدة ووصولها للجبهة الداخلية وعدم القدرة على حسمها).

هذه بعض أهم تهديدات الأمن القومي الاسرائيلي التي نقرأها ونسمعها بين الحين والآخر، وهي مختلفة ومتنوعة، ويختلف تدرج أولويتها بحسب أجندة ودوافع ووظيفة الجهة التي تحددها، فالمستوطنون يعتبرون الخطر على استمرار الاستيطان هو التهديد الأهم، والأمنيون ينقسمون بين أولوية الخطر الإيراني وأولوية صواريخ حزب الله ...الخ.

بيد ان التهديد الحقيقي الأكبر للأمن القومي الاسرائيلي لن نعثر عليه، لا في خطاباتهم ولا في دراساتهم وأبحاثهم، وهو عدم القدرة على الاستمرار في إنجاح صناعة الخوف، فصناعة الخوف تعتبر اللبنة الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي، الخوف من الآخرين على اختلافهم.

إسرائيل دولة قامت على الخوف، ولا زالت تقوم عليه، وتبرع كثيراً في زراعته، وتعزز في عقول أبنائها انها دولة تعيش وستظل تعيش على حافة الكارثة، فالخوف هو الضد الأبدي التي ستظل تصارعه، وينتج معه حيوية التطور والبقاء والتلاحم الداخلي، وكأن مؤسسو إسرائيل عرفوا منذ البداية ان دولتهم غير قابلة للحياة والبقاء والازدهار بدون استمرار الخوف من الآخرين، فلا بد لبقائها من الاستمرار في زراعة الخوف وصناعة الأعداء والتهديدات القومية.

الخوف هو الركن الأكثر أصالة في نشأة الصهيونية وإنتاج وإنجاح مشروعها الصهيوني (البعث القومي اليهودي) منذ مؤتمرهم الصهيوني الأول في سويسرا عام 1897 الذي قام على الممارسات اللاسامية في أوروبا وروسيا تجاه اليهود، وجاءت المذابح التي ارتكبت بحق اليهود على أيدي النازيين إبان الحرب العالمية الثانية كمعجزة من السماء لانتصار الفكرة الصهيونية على ما سواها بين اليهود أنفسهم.

الاعلام والدعاية الصهيونية العالمية لا زال وسيبقى يستخدم صناعة الهولوكوست، وسيظل يقصف مواطني العالم بالإحصاءات عن الممارسات اللاسامية لابتزاز العالم، ولتذكير اليهود وحثهم على الهجرة الى إسرائيل.

الخوف في إسرائيل لا يخضع فقط لاعتبارات الأجندة والايديولوجيا، فيبدو انه مركب عضوي بات جزءاً من الـ DNA للدولة التي قامت على الاغتصاب والقتل والتشريد، وسلب حقوق شعب لا زال يناضل للعودة واسترجاع حقوقه، وأن الدولة التي قامت على امتلاك القوة والتفوق وعلى التواطؤ والتآمر الدولي؛ لابد لاستمرارها من استمرار تفوقها واستمرار التواطؤ الدولي، وهي أمور غير مضمونة تلقائياً، ولضمان استمرارها لابد من المثابرة على زراعة الخوف وتوظيف اللاسامية.

نتنياهو هو أكثر من يجيد زراعة الخوف واستثماره، ولا ينفك يستخدم خطاب التخويف في كل مناسبة تتاح له، وآخرها كان في ذكرى "المحرقة"، فقد أعاد على مسامع مستمعيه التهويل من مخاطر اتفاق إطار لوزان الذي يمنح إيران القدرة على تهديد وجود إسرائيل، وذكر زعماء الغرب بماضي دولهم المتساهل حيال النازية وحيال المجازر ضد اليهود، منتقدا تساهلهم مع إيران، ومؤكداً على ان اليهود يضطرون مرة أخرى لمواجهة مصيرهم لوحدهم في ظل صمت العالم.

ريفلين ويعلون أعادا تقريبا الخطاب نفسه المحذر والمهول والمخوف من التساهل الغربي تجاه التوجهات الإيرانية، التخويف من إيران أو من حماس وحزب الله أو من ما يسمونه بالتطرف الإسلامي، يستخدم كفزاعة وكمبرر للتهرب من تقديم أي مبادرات أو بدائل سياسية إيجابية، فالخوف من حماس يبقي على مبررات الحصار، والخوف من صواريخ حزب الله يبقي على مشروعية الأعمال العدوانية ضد لبنان وضد سوريا، والخوف من الفلسطينيين يبقي على مبررات الاحتلال والاستيطان، والخوف من فلسطينيي الداخل يبقي على مبررات تشريع العنصرية وخطابها، والخوف من إيران يفرض استمرار حصارها ومعاقبتها، والخوف من الأخطار الكامنة المستقبلية يبرر الأعمال العدائية "الوقائية" الاستباقية ضدها، فالخوف في إسرائيل يصنع السياسة، والسياسة بدورها تعيد إنتاج الخوف.

الويل لإسرائيل لو توقفت عن الخوف وإطلاق صيحات الصراخ المحذرة من "الذئب"، فكانت ستتوقف عن الحياة، وكأن مبدأها "أنا خائف فأنا موجود".

بحث: تعامل الإعلام الإسرائيلي مع النكبة يتراوح بين إنكارها وإنكار المسؤولية عنها


أظهرت نتائج بحث أجراه مركز "إعلام" بالتزامن مع الذكرى الـ 66 لنكبة الشعب الفلسطيني أن تعامل الإعلام الإسرائليلي مع النكبة يتراوح بين انكارها وانكار المسؤولية عن حدوثها والنظر إليها كتهديد مستمر يهدف لنزع الشرعية عن إسرائيل. كما يبين أن إزدياد الحراك الفلسطيني لإحياء النكبة يفرضها على الأجندة الإسرائيلية.

ونشر مركز إعلام اليوم ملخص البحث الذي سيصدر قريبا بعنوان "نكبة فلسطين في أوساط الجمهور الإسرائيلي: أنماط الإنكار والمسؤولية" للبروفيسور أمل جمّال وسماح بصول، ويعتمد على رصد وتحليل المقالات والأخبار التي تطرقت للنكبة ونشرت في الإعلام العبري خلال السنوات 2008 حتى 2012 ووصل عددها الى 318 مقالًا وخبرًا نشرت في الصحف: هآرتس، يديعوت أحرونوت، معاريف، يسرائيل هيوم وهموديع.

ويوضح القيمون على البحث أن أهميته تكمن في توفيره قراءة لمساحة المعرفة والوعي الإسرائيلي في كل ما يتعلق بالنكبة وطرق التعامل معها على الصعيدين الشعبي والرسمي.

وأظهرت النتائج أن الكم الأكبر من المقالات والأخبار المتعلقة بالنكبة نشرت في العام 2011 حين إجتاز الفلسطينيون من مخيمات اللاجئين في سوريا خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل خلال إحيائهم لذكرى النكبة، الأمر الذي يؤكد أن الحراك الفلسطيني وإحياء ذكرى النكبةبطرق مبتكرة وغير مألوفة له أثر كبير على الجمهور والإعلام الإسرائيلي، وكلما إزداد الحراك والتمسك بالرواية الفلسطينية يزداد الإهتمام بالرواية الفلسطينية عالميًا، وكذلك إسرائيليًا سواء على الصعيد الرسمي او الإعلامي، لكنه يقابل في معظم الحالات بإنكار النكبة.

أما على الصعيد التحليلي لمضامين الاخبار والمقالات المنشورة، يُظهر البحث أن هناك خمسة أشكال لكيفية تعامل الجمهور الإسرائيلي مع موضوع النكبة وهي: إنكار النكبة والتعامل معها كإختراع لدعم الدعاية الفلسطينية وتزوير التاريخ، إنكار المسؤولية لحدوث النكبةوليس إنكار حدوثها، النكبة هي حدث تراجيدي مستمر حتى يومنا هذا، النكبة هي تهديد مستمر يهدف لنزع الشرعية عن إسرائيل، النكبة هي ذاكرة جمعية يجب إحترامها.

وبرز من خلال النتائج أن هناك تباينًا ما بين إنكار النكبة وإنكار المسؤولية لحدوثها، لكن الكم الأكبر من الأخبار يرى في النكبة تهديد مستمر يهدف لنزع الشرعية عن إسرائيل، وهذا ليس بالأمر المفاجئ في ظل تعاظم التعامل السلبي من قبل المؤسسة الإسرائيلية مع موضوعالنكبة والمتمثل بسلسلة من القوانين وعلى رأسها "قانون أساس – الميزانيات" الذي ينص بمعاقبة المؤسسات والجمعيات التي تعتبر يوم "الإستقلال" كيوم حداد او حزن.

أما إسقاطات إنكار النكبة أو إنكار المسؤولية لحدوثها فتتمثل بمحاولات محاربة الذاكرة الجماعية والرواية الفلسطينية وما يترتب على ذلك من حملات إعلامية تبرزها كأكذوبة، الى جانب محاولات طمس ما تبقى من معالم القرى الفلسطينية المهدمّة.

ويتضح من خلال البحث أن هناك ستة دوافع أساسية لانكار النكبة تتلخص في ما يلي:

- أيديولوجية، تعكس التخوف من زعزعة الفكر الصهيوني.
- أخلاقية، تتعلق بانكار إسرائيل المسؤولية الأخلاقية لحدوث النكبة.
- نفسية، تتعلق بالحفاظ على كون اليهود ضحية.
- إستراتيجية، تتعلق بتملص إسرائيل من المسؤولية في قضية اللاجئين الفلسطينيين وكونهم مركب أساسي لحل النزاع.
- قانونية، تكمن في الخوف من محاسبة ومقاضاة الإسرائيليين المسؤولين عن حدوث النكبة وفتح النقاش في الحق على الأرض وأملاك اللاجئين.
- دبلوماسية، تتعلق بوضع إسرائيل في موقف دفاعي يعزز الموقف الفلسطيني.

إلى جانب تعاظم إنكار النكبة البارز جليًا في الإعلام الإسرائيلي، يجد الباحثان أن هناك كما لا بأس به من المقالات والأخبار التي تتطرق للنكبة كحدث تراجيدي ومأساة شعب، لكن هذه التعددية في الآراء ما هي الا محاولة لتصوير الخطاب الاعلامي والجماهيري الإسرائيلي على أنه موضوعي، لكنها في حقيقة الأمر محاولة لتبييض صفحة الإنكار الممنهج والممؤسس.

من الجدير ذكره بأن مركز إعلام سينظم ندوة خاصة لعرض نتائج البحث بمشاركة مجموعة من الصحافيين والاكاديميين ستعقد في مدينة يافا نهاية شهر أيار الحالي كجزء من الفعاليات لاحياء ذكرى النكبة الـ 66.

وقالت سماح بصول، المشاركة في البحث، لعرب ٤٨ إن هناك محاور أساسية في البحث تناولت كل الأخبار والمقالات ومجمل المواد الصحفية التي تناولها الإعلام العبري في العام 2011 حول النكبة وذلك في أعقاب تشريع قوانين، ومنها قانون النكبة، وتغريم كل مؤسسة تعتبر يوم"استقلال اسرائيل" يوم حزن، وغيرها من القوانين، حيث بينت كل تلك المواد الإعلامية حالة من الإجماع المجنّد لدحض الرواية التاريخية للنكبة وتخويف المجتمع الاسرائيلي من هذه الرواية، بحيث عكست الانكار الواضح للنكبة".

وأضافت بصول: في عامي 2011-2012 وبعد اتساع النشر حول النكبة في الإعلام الخارجي-(ليس العربي والفلسطيني)، ظهرت أصوات إعلامية قليلة وخافتة، خارجة عن هذا الإجماع إلا أنها شكلية، أو فلنقل محاولة لـ "تبييض الوجه"، من خلال اعتبار الفلسطينيين ضحية لحدث تاريخي، مع محاولة تحميل الفلسطينيين والعرب مسؤولية النكبة، وتنصل إسرائيل منها واعتبارها حربا خسرها العرب.

وأضافت بصول: "يبين البحث أن الإعلام الاسرائيلي هو بوق واحد يطلق نفس الصوت بنغمات مختلفة".

وقالت إن هناك دوافع كثيرة لعدم الاعتراف بالنكبة، فيدعون بأنهم غير مسؤولين عنها، وبطريقة أو بأخرى- يحملون الفلسطينيين مسؤوليةالنكبة لأن الإنكار مهم لهم بدافع الخوف من الرواية الحقيقية والتي من شأنها زعزعة الثقة لدى المواطن اليهودي بالرواية الصهيونية، بكل ما يمكن أن ينطوي على تداعيات واستحقاقات يترتب عليها هذا الاعتراف، ومن بينها حق العودة وغيرها من الاستحقاقات.

انتصار الصهيونية أم بداية انكسارها ...أطلس للدراسات

صحيفة "اسرائيل اليوم" اليمينية والأوسع انتشاراً في إسرائيل، عنونت صفحتها الأولى، 23 سبتمبر, 2014 ، بـ "انتصار الصهيونية: ستة مليون يهودي في اسرائيل"، الذين تم الكشف عن معطياتهم الاحصائية عشية رأس السنة العبرية، وقد حاولت الصحيفة ان تبث في قرائها الشعور بالفخر بعد أن أصبح تعداد الدولة الكلي على حافة التسعة ملايين، مع التركيز على ان اليهود من بينهم 6,104,000، وقد تطرق نتنياهو لهذا الرقم تحديداً بوجه خاص "عشية رأس السنة اجتاز عدد سكان إسرائيل 8 مليون نسمة وليس أهم من ذلك، لأول مرة في تاريخ اسرائيل يعيش في إسرائيل أكثر من 6 مليون يهودي"، وشدد نتنياهو على أن "لهذا العدد معنىً مزدوج في ضوء المسار الذي اجتازه شعبنا في القرن الماضي"، في إشارة منه للمزاعم الصهيونية لرقم ضحايا المحرقة النازية.

تحتفل الصحيفة، كما كل المؤسسة الصهيونية، بنجاح وانتصار المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، بتحويل فلسطين الى مركز التجمع المركزي لليهود، وإلى مركز استقطاب واستيعاب، ليس لأصحاب الأيديولوجيات فحسب، بل لكل اليهود الباحثين عن الرفاهية والتقدم، تتنافس في ذلك مع العواصم الغربية.

لكنهم، وهم يحتفلون بالنجاح ويباهون بالإحصاءات من مختلف أنواعها، بما فيها كمية استهلاك الاسرائيلي للشوكولاتة والانفاق على السياحة؛ يطمسون عن عمد أية إحصاءات أخرى حتى لا تفسد حفلتهم، يخفون إحصاء أسماء "محمد وأحمد"، والأهم انهم يظهرون مسيرة النجاح وكأنها مسيرة كفاح مشرق يحتذى به، مسيرة أمل ودموع وعرق وتضحيات، ويتهربون، بل يخفون عن جمهورهم إحصاءات حقيقة مسيرة مشروعهم القائم على القتل والتشريد والتنكيل وقوة الاحتلال، حتى بعد أكثر من ستة وستون عام لا زالوا لا يتجرؤون على كشف أرشيف مسيرتهم، ليس لأبنائهم، بل أمام الباحثين المؤرخين من الصهاينة أنفسهم، خوفاً من تحطم روايتهم وانهيار "صرح حضارتهم" المبني على الأكاذيب وتزييف التاريخ واختلاق الأساطير.

كما لا يقصون على أبنائهم كيف ارتبط استمرار بقاء المشروع الصهيوني بالاستعمار والامبريالية والأنظمة العنصرية، كيف ان حركة التحرر القومية لليهود "الحركة الصهيونية" ارتبطت بتأييد الاستعمار الفرنسي للجزائر وفرض الهيمنة البريطانية على مصر والتحالف مع الامبريالية لقهر الحركات التحررية للشعوب في آسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا، وكيف ارتبطت مسيرتها بتحالف عضوي مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

نعم انتصرت الصهيونية في فلسطين لأنها كانت جزءاً من المصالح الامبريالية وبعض أنظمة الرجعية العربية، انتصرت بفعل أكبر مؤامرة دولية على شعب صغير أعزل وبسيط، غالبيته العظمى كانت من بسطاء الفلاحين، نعم انتصرت الصهيونية عندما أقر العالم قرار تقسيم فلسطين، وعندما أقامت كيانها بالقوة سنة 48، وعندما احتلت ما تبقى من فلسطين وبعض أراضي العرب سنة 67.

نعم انتصرت الصهيونية عندما وقعت مصر "كامب ديفيد"، وعندما قام أول رئيس مصري منتخب وممثل جماعة الاخوان بمخاطبة عزيزه "بيرس" ومتمنياً لإسرائيل أن تعيش بأمن وسلام واستقرار، وانتصرت عندما اعترفت م. ت. ف. بإسرائيل، وعندما وقعت الأردن اتفاقية "وادي عربة"، وعندما قدم العرب مبادرتهم للسلام التي تقوم في جوهرها على الاعتراف والتطبيع وشطب حق العودة عبر التحايل عليه بجعله أسير الموافقة الإسرائيلية، وانتصرت عندما قاتل الفلسطيني الفلسطيني، وعندما ذبحت غزة أكثر من مرة على مرأى ومسمع العرب، وعندما أعلن أبو مرزوق ان حركته على استعداد لكسر الطابو والتفاوض المباشر مع إسرائيل، انتصرت الصهيونية عندما سحق العراق ودخلت سوريا ذروة مسيرة التفكك والانهيار، وأصبحت اسرائيل جزء من تحالفات واصطفافات إقليمية ضد تحالفات أخرى، وبات البعض يراها جزءاً من الحل، وعندما لم تعد تكتفي بعلاقات العرب السرية معها، وعندما أصبحت بعض دول افريقيا قواعد للنفوذ الإسرائيلي، وعندما غيرت الهند والصين سياساتها الخارجية لصالح تعزيز مصالحها مع إسرائيل.

انتصارات زائده قتلت حلم الاستقرار

كثيرة وكثيرة جداً مؤشرات وملامح ومراحل الانتصارات الصهيونية، لكنها جميعاً انتصارات وهمية عابرة ترتسم عليها علامات استفهام كبيرة، طالما ان مستقبل مشروعهم لا زال محل تساؤلات، وطالما لا زالوا يحتفظون بجنسياتهم الأخرى، والأهم طالما لم تهزم روح الفلسطيني.

إن الانتصار الحقيقي التام المنجز للصهيونية يكون عندما تتحول اسرائيل الى دولة طبيعية، بدون نزاعات وصراعات وتهديدات لطبيعة وجودها بفعل مجرد وجودها، إنها انتصارات فائضة كثيرة لكنها لم تتحول الى الانتصار الأهم، بل خنقت وقتلت المشروع الصهيوني وجعلته عرضة لتهديدات لا يمكن السيطرة عليها ولا يمكن الاستمرار في الصمود أمامها، انتصارات أوصلتهم الى سكرة نشوة القوة والغرور فأذهبت عقلهم وقدرتهم على الاستشراف السليم للمستقبل فأعمت عيونهم وغيبت بصيرتهم، فأضاعوا الفرصة التاريخية الأهم لتثبيت انتصارهم باعتراف عربي إسلامي يحول اسرائيل الى دولة جوار تعيش بأمن بفعل الاستقرار والسلام، لا بفعل العيش على الحراب، اعتراف يشرعن النفوذ والهيمنة الإسرائيلية.

بيد ان الأطماع الاسرائيلية بالمزيد والمزيد من الانتصارات وفرض الوقائع، حتى لم يعد الواقع يحتمل أي تسوية، فالطمع يقتل صاحبه، وربما سيكتب التاريخ في المستقبل ان أطماع إسرائيل قتلتها، فلم تستطع ان تستغل نافذة الفرصة التاريخية بفعل الطمع ونشوة القوة وضعف أعدائها.

ولم يعد بالإمكان العودة لما كان من فرصة، رغم حالة الضعف والتفكك العربية والانقسام الفلسطيني، فعلى الرغم من المضاعفات الخطيرة للتفكك العربي على مستوى دعم القضية الفلسطينية، وعلى الرغم من مساوئ الانقسام الفلسطيني؛ فإن لكليهما فضيلة على المستوى الاستراتيجي لمشروع التسوية، حيث لم تعد ثمة جهة عربية مركزية ضابطة ومنظمة للعالم العربي تستطيع أن تفرض إرادتها السياسية لا سيما فيما يتعلق بالتسوية، وقد كان محقاً نتنياهو عندما اعتبر أمس المبادرة العربية جزءاً من الماضي، وأنها ربما كانت مناسبة في مرحلة سابقة لكنها غير مناسبة بالمرحلة الحالية بعد ان تفككت سوريا وانهار العراق وتعيش الدول العربية عملية إعادة تشكل داخل زحمة الفوضى والاقتتال.

لم يعد ممكناً اليوم الحديث بجدية عن مبادرة عربية للسلام، وفي ظل التطرف الاسرائيلي لم يعد ممكناً أن تنتخب زعامة اسرائيلية تتركز أجندتها على صنع السلام؛ كل ذلك يجعل حل الدولتين والتوصل الى تحقيق وإرساء السلام أمراً من الماضي الذي تجاوزه الحاضر كثيراً، ويجعل كل انتصارات الصهيونية بلا مستقبل حقيقي.

فضلاً عن أن الحرب الأخيرة على غزة جعلت المواطن الإسرائيلي، رغم كل ما يقولون له من انتصارات الصهيونية، يبحث عن انتصاره الحقيقي؛ انتصار الاستقرار والشعور بالأمن، فلا يجده إلا خارج المكان الذي كان يجب أن يكون الملاذ الأكثر أمناً وموطن اللجوء الحقيقي حسب المشروع الصهيوني.

بداية الانكسار

انتصارات الصهيونية الكثيرة الماضية رسمت صعوداً بيانياً مضطرداً، وصل ذروته وبات من الماضي، وبحسب لغة الرسوم البيانية فإن مسيرة اسرائيل بصورتها الكلية في حالة انحدار، برغم طائرات الشبح "اف 35" وغواصات الدولفين والتنين النووية، لقد بدأ ربما مشهد الانحدار وبداية الانكسار بهروب جيشهم من جنوب لبنان مايو 2000، ولاحقا بتفكيك مستوطنات القطاع، ثم بحربي التموزين 2006 و2014، ومنذ ان سقط جيشها وانتهى كقوة احتلال، أي قادر على الاقتحام والاحتفاظ باحتلال ما سيطر عليه، إنها قمة السريالية وغياب المنطق الرياضي ان تبدأ عملية الانكسار في ظل ذروة الانتصارات.

قراءة في كتاب " الصهيونية والنازية .. ونهاية التاريخ "
بقلم: تقديم وإعداد / أحمد رمضان لافي
للراحل د. عبدالوهاب المسيري

في المقال السابق كنا قد تناولنا الموضوع بشكلٍ عام وقضية الإبادة بشكلٍ خاص على أن نستمر بشرح مضمون الكتاب بشيءٍ من التمحيص, وفى هذا المقال سنتناول شرح الفصل الأول من الكتاب ,وفيه يشرح قضية الإبادة والمصطلحات المرتبطة بها في سياقها الحضاري الغربي بشكلٍ عام والألماني بشكلٍ خاص, حيث يرى أن مصطلح الإبادة بعموميته يُطْلَق على القضاء على شعب قضاء كاملاً .. أما في الخطاب الحضاري الغربي فيمكن القول بأنه محاولة النازيين التخلص من الجماعات اليهودية في ألمانيا والغرب عن طريق تصفيتهم جسدياً, ويرى الكاتب بأن مصطلح الإبادة لم يقتصر على التصفية الجسدية بل يَضُم في طياته التهجير الترانسفير والسخرة والتجويع وأخيراً التصفية الجسدية.. وهذا هو الأقرب للراوية.

كما رصد الكاتب أن التحولات الاقتصادية والسياسة لعبت دوراً هاماً في موضوع الإبادة ضد اليهود في أوروبا بشكلٍ عام وألمانيا بشكل خاصٍ. إلاَّ أن تَبَنٍّى ألمانيا النازية الإبادة كوسيلة لحل بعض الإشكاليات التى واجهتها كان له دوافع أُخرى حضارية وثقافية ونفسية.. وقد نبع هذا المفهوم في أوروبا ونظرتهم للأقليات منذ عصر النهضة حيث لم يوجد أي إطار قانونى أو أخلاقي للتعامل مع الإثنيات أو الأقليات وخاصة اليهودية فانتشرت النظرة الدونية الأوروبية لما هو غير مسيحي .

وفى هذا الإطار اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية اليهود بأنها جماعة شاهدة على عظمة وانتصارات الكنيسة. وجعلت من اليهود جماعة وظيفية فقط .. كذلك استخدم الإقطاع هذه الجماعة كوسيط لمص دماء المجتمع من خلال اللعب كوسيط بين المجتمع وبين طبقة الاقطاع من خلال امتصاص فائض القيمة من الجماهير ومن هنا كان العداء المجتمعي لليهود أيضا. ولم يختلف الوضع بعد عصر النهضة حيث جاءت البروتستانتية .. وجعلت من اليهود أداة لعودة المسيح مرة أخرى وهذا مشروط بعودة اليهود الى أرض الميعاد وفى ذلك فقد استخدمت البروتستانتية اليهود كجماعة وظيفية ولكن بشكل عقائدى كما استخدمتها الكنيسة الكاثوليكية كشعب شاهد, وعلى هذا الأساس تعامل الغرب مع اليهود على أنهم جماعة نفعية اقتصادياً أو عقائدياً.. وتم تقسيم اليهود بشكل هرمى فأعلى الهرم اليهود ذوا المنفعة العالية وهذه الفئة لها كامل الحقوق وأما من هو في الأدنى فيجب التخلص منه.

كما يرى الكاتب أن الغرب بعد عصر النهضة وباتساع رقعة التفكير والفلسفة في كل شيء حتى على الانسان نفسه باعتباره كائنا يختلف عن الطبيعة له طبيعته وله قوانينه وله معياريته وبذلك فقد مركزيته الإنسانية حتى وجد نفسه كالآلة مادى مُجَرَّدْ من كل مواصفات الإنسان وتَجَرَّدْ من المصطلحات الدالة على الإنسانية أو البشرية, ومن هنا تحولت الإنسانية الغربية إلى "سوبرمن" بمعنى إمبرياليون يتحكمون في كل البشر والطبيعة , وإلى "سبمن" وهم دون البشر يكونوا أداتيين يُذْعِنُوْن للإرادة الامبريالية, وبعد تقسيم اليهود إلى نفعيين وغير نفعيين فكان الفائض من الغير النفعي لابد من التَخَلُّص منه إما بالترانسفير أو الإبادة, ويُبْحِر الكاتب في هذا المجال ويوضح بأن هذه الثقافة أضحت ثقافة لمعظم شعوب أوروبا المتنفذة وذلك بعد تحويل الانسان إلى مادة توظيف فقط,, ولم تكتفى بالشعوب والأقليات التى تعيش في أوروبا بل تعدت هذه الثقافة المحيطات والبحار والحدود القارية للكرة الأرضية ,,فكانت من أهم تلك المظاهر نقل "البيوريتانز" وهم الساخطين سياسيا ودينيا في أوروبا إلى أمريكا المكتشفة حديثا حينئذ ,, كما نقلت الفاشلين والمُجْرِمِين أيضا .. وتَبِعَتهَا عمليات ترانسفير بهدف خِدمِة الإنسان الغربي فقط ومن ذلك تم نقل الأفارقة مُكَبَلِيْن بالحديد للعمل كعبيد , وتحويلهم إلى مادة استعمالية رخيصة, كما نقلت جيوش غربية للسيطرة على ما يمكن السيطرة عليه من أراضي الدول الأفريقية والأسيوية المتخلفة من وجهة نظر أوروبا..

كما تم نقل العديد من اليونان الى تركيا وبالعكس خاصة بعد الحرب العالمية الاولى,, ونقلت ألمانيا أكثر من 31 مليون من غير الأمان واستبدلتهم بألمان في أوروبا الشرقية...وهناك الأمثلة كثيرة في ترسيخ مفهوم الترانسفير التى قامت بها الثقافة الغربية بما يخدم مصالحها, وارتكز النازيين الألمان في إبعاد اليهود وترحيلهم ونقلهم على هذه الثقافة التى أصبحت جزءا من حياة الغربيين. وقد كانت هذه الثقافة مُكَوِّن أساسي لمرحلة أخرى وهى الإبادة حيث استشعر "البيوريتانز" أنهم مستوطنين لأرض بلا شعب ضد سكان البلاد الاصليين .. ولذلك فهي تُعَدْ أُولى الأيدولوجيات الإمبريالية الإبادية وبكل الأحوال فقد اعتبر النازيون أن نظامهم النازي وممارساته الإبادية هى ثمرة من ثمار الثقافة الغربية التى تكونت وتبلورت من خلال التشكيل الحضاري الغربي , ولم تكن ألمانيا فقط تعيش هذه الثقافة وحدها, حتى أعداء النازية مارسوها وتمنوا أن يفعلوها,, فهذا "تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا يقول أنه كان ينوى تجويع الألمان وتدمير المدن الألمانية وحرقها وحرق غاباتها , وحتى اليهود أنفسهم كانوا يطالبون بهذا, فكتاب اليهودي "فلاديمير جابوتنسكى" عام 1934 كان يُنَادى بتدمير ألمانيا حيث يقول : " لابد من تدمير ألمانيا فالشعب الألماني بأسره هو عدو لنا" , أما الكاتب اليهودي " تيودور كاوفمان" في كتابه " لابد من إبادة ألمانيا" هو أكثر المواقف تُحَرِّض على إبادة ألمانيا ولعل النازيين استفادوا من هذا التحريض وجعلوه مبرراً لما فعلوه باليهود واعتبروهم السباقين لهذا,, فكان لكل ما سبق بمثابة تشكيل هوية ثقافية خاصة بالألمان وكيفية التعامل مع الغير ومن أولويات الغير كانوا اليهود لدرجة أن أحد الألمان ويدعى " ولهلم مار" في كتابه " انتصار اليهودية على الألمان " بين الهيمنة اليهودية على الاقتصاد والثقافة, كما أسس جماعة أعداء اليهود.

وعندما سيطر الحزب النازي على مقاليد الحكم في ألمانيا اعتبر الحزب اليهود قطاعات غير نافعة بل وضار ة بألمانيا , فَهُمْ من وجهة نظر الحزب سبب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وإذلالها واعتبر الحزب أيضا الماسونية والماركسية هي مُجَرَّدَّ حِيَلْ لليهود للسيطرة على ألمانيا ولذلك قرر الحزب التخلص منهم وليجعلوا المجال الألماني خالٍ من اليهود كعرق مُضِرْ .. ولِيُطَهِرُوا بذلك ألمانيا من نَجَسِهِمْ وليحافظوا على العِرق الجيرمانى الأصيل الذى سيحكم العالم فبدأ هتلر بترحيل آلاف اليهود إلى بولندا وغيرها, ناهيك عن الموروث الاقتصادي اليهودي الذى تحكم في حركة المال في ألمانيا والذى نتج عنه فجوة كبيرة من العداء الشعبي أيضا الألماني لليهود على أثر ذلك.

بحث إسرائيلي: جهاز الموساد هو الذي قتل يهود المغرب


القدس المحتلة\سما\في بحث أكاديمي غير مسبوق، نشره المؤرخ الإسرائيلي، د.يغآل بن نون، من جامعة بار إيلان، المتاخمة لتل أبيب، كشف النقاب عن أن جهاز الموساد الإسرائيلي (الاستخبارات الخارجية) أرسل في أوائل الستينيات من القرن الماضي خلية كبيرة بأمر من القائد أيسر هارئيل، لتنفيذ أعمال إرهابية ضد اليهود، واتهام السلطات المغربية بذلك، لكي تسمح للحركة الصهيونية باستجلابهم إلى فلسطين المحتلة.

وبحسب البحث، الذي نشرته صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ الاسرائيلية، فإن رئيس الموساد قال إنه من أجل تنفيذ العملية، يتحتم على الموساد تقديم ضحايا يهود، وبعد فترة قصيرة جداً، قامت السلطات المغربية باعتقال شابين يهوديين مغربيين، من عملاء الموساد، وخلال التحقيق معهما توفيا إثر التعذيب، كما أن شاباً ثالثاً قُتل في السجن نتيجة التعذيب.

ولفتت الصحيفة إلى أن خطة رئيس الموساد نجحت، ذلك أن موت الثلاثة في السجن سبب صدمة كبيرة، الأمر الذي ساهم إلى حد كبير في إقناع الملك المغربي في ذلك الحين بالإسراع بالتوقيع على اتفاق مع كيان الاحتلال بموجبه يتم السماح لليهود بالهجرة من المغرب إلى الكيان الاسرائيلي حديث العهد، على حد قول المؤرخ الإسرائيلي، الذي ركز في بحثه على قيام الموساد الإسرائيلي بترك العملاء المحليين في المغرب ليقعوا في أيدي النظام الحاكم.

يُشار إلى أن عدد اليهود في ذلك الوقت كان حوالى 160 ألفاً، وكان السواد الأعظم منهم يتبوأ مناصب رفيعة في النظام الحاكم، ووصل أحدهم إلى منصب وزير لدى الملك المغربي، وعلى الرغم من ذلك، فقد قرر الموساد، بعد أن حصل على الضوء الأخضر، من المؤسسة السياسية، القيام بأعمال غير أخلاقية بهدف استجلاب اليهود من المغرب إلى الأراضي المحتلة.
ولفت الباحث إلى أن المغرب كان في تلك السنوات هدفاً مركزياً للموساد، ودرج رئيس الجهاز على زيارته سراً أربع مرات في السنة، فقد قامت الخلية التي أرسلها الموساد بتجنيد شباب يهود للعمل في الجهاز، كما أن الجهاز قام بإحضارهم بشكل سري إلى الأراضي المحتلة لإجراء تدريبات عسكرية، شملت تدريبات على تنفيذ عمليات إرهابية، كما أنهم التقوا في "إسرائيل" مع رئيس وزراء الاحتلال آنذاك، دافيد بن غوريون، ومع وزير الأمن موشيه دايان. علاوة على ذلك، كشف المؤرخ في بحثه الأكاديمي النقاب عن أن الموساد قام باستئجار سفينة كبيرة، وبواسطتها قام بتهريب اليهود من المغرب، ونجحت السفينة في مهمتها 13 مرة.

ولكن المؤرخ عينه، يقول في البحث إنه في المرة الـ14 غرقت السفينة، الأمر الذي أدى إلى وفاة طاقمها الإسباني و44 يهودياً مغربياً كانوا على متنها، وهنا يقول المؤرخ إن الموساد أهمل إهمالاً شديداً، وقال للصحيفة الاسرائيلية: أنا لا أزعم أن السفينة تم إغراقها عن سبق الإصرار والترصد، ولكن الإهمال كان متعمداً، وتابع قائلاً: راجعت البروتوكولات التي سبقت عملية السفينة للمرة الـ14، فتبين لي أن وزيرة الخارجية غولدا مائير، قالت في جلسة الحكومة إنه يتحتم على "إسرائيل" أن تقوم بعملية تؤدي إلى صدمة في المغرب، حتى ولو كلف الأمر موت العديد من المواطنين اليهود العزل، على حد تعبيرها، وبالتالي، أضاف المؤرخ، فإنهم قاموا باستئجار سفينة غير صالحة. إنهم لم يُغرقوها، ولكنهم كانوا على علم وعلى دراية بأنها ستغرق في البحر.

وفعلاً، أحدث غرق السفينة ضجة عالمية وكتبت الصحف الغربية والعالمية عن الحادث المأساوي، مشددة في تقاريرها على أن اليهود الذين أرادوا الهرب من البلد العربي الإسلامي ماتوا في عرض البحر، وهو الأمر الذي أدى إلى تأليب الرأي العام العالمي ضد المغرب، كما قال المؤرخ الإسرائيلي.

وتابع قائلاً إن الموساد استغل الحادث المأساوي لحث اليهود على مغادرة المغرب والهجرة إلى الكيان الاسرائيلي، وقام العملاء في المغرب بنشر بيان باسم الجالية اليهودية في المملكة عبرت فيه عن رفضها لهذه الأعمال، وتابعت أنه بعد ألفي عام هناك فرصة ذهبية لعودة اليهود إلى أرض الآباء والأجداد، وتابع البيان قائلاً إننا نعرف أن الإسلام يعارض معاداة السامية، ولكن هناك أناسا في المغرب، الذين قرروا قتل اليهود بأي ثمن، ونحن من جهتنا نعي بأن مصير هؤلاء سيكون مثل مصير هتلر والنازي آيخمان، جاء في البيان المفبرك، وقام الموساد بتوزيع عشرات آلاف النسخ من البيان الاستفزازي لليهود وللمسلمين على حد سواء، كما قام عملاء الموساد بتعليقه على حيطان المنازل والمحلات التجارية.

وقالت ميريت غحمون، أرملة قائد شعبة الموساد في المغرب في تلك الفترة، أليكس غحمون، إن المخطط الذي أعده الموساد كان يقضي بأن يعرف اليهود في المغرب بأن الجهاز سيُخرجهم من المملكة شاءوا أم أبوا، وبموازاة ذلك إجراء مفاوضات مع ولي العهد المغربي، لأن العرب لا يفهمون إلا هذه اللغة: من ناحية قم بأعمال إرهابية، ومن الناحية الأخرى قم بإجراء المفاوضات، على حد تعبيرها.

وأضاف البحث أنه بعد توزيع البيان، توقع الموساد بأن تقوم الشرطة المغربية برد قاس على الذين قاموا بنشره، ومع ذلك أكد على أن الموساد تحايل على اليهود المغاربة، وقال لهم لا تتركوا بيوتكم، نحن نتحكم بالوضع، وهذا الأمر أدى إلى مقتل ثلاثة يهود مغاربة، ضُبطوا وهم يُعلقون البيان. وعن هذا التصرف قال الباحث الإسرائيلي: أراد من وراء ذلك أن يتم اعتقال أكبر عدد من اليهود لكي يُحدث صدمة في العالم من بطش النظام في المملكة، الأمر الذي يؤدي إلى حملة تعاطف دولية مع اليهود، على حد قوله.

ونقلت الصحيفة العبرية عن ميخال فعكنين- بريندر قولها إن والدها توفي في السجن المغربي وهو في الـ34 من عمره، وتوجهت للموساد للحصول على ملفه، إلا أن الجهاز لم يقُم لأسباب غير معروفة بتلبية طلبها. ولفتت الصحيفة الاسرائيلية إلى أن الموساد رفض التعقيب على الأسئلة التي وجهتها له.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /19-10-2015, 02:21 AM   #55

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي دراسة عن مخطط برافر الإسرائيلي ...بقلم: إياس الخطيب

دراسة عن مخطط برافر الإسرائيلي ...
قلم: إياس الخطيب
مقدمة:

مخطط برافر القاضي بتهجير السكان البدو من أراضيهم في النقب أقصى جنوب فلسطين المحتلة، ما هو إلا نكبة جديدة تضاف لسجل نكبات الشعب الفلسطيني، وجريمة عنصرية تضاف لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، ووصمة عار جديدة تضاف لسجل كل من صمت ويصمت عن ما تمارسه دولة الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بأنواعها بحق الشعب الفلسطيني، سواء في الداخل أوالخارج، أو حتى على الأرض المحتلة نفسها.

بعد ما وجدته من صمت قاتل، وشبه انعدام لردود الأفعال عربياً ودولياً وخاصة فلسطينياً، وإن كان هناك بعض ردود الأفعال ولكنها لا ترتقي لحجم المآساة التي ستقع على أهل النقب، اجتهدت لعمل هذه الدراسة، للعمل على نشرها علها توضح حجم النكبة الجديدة، وتكون بداية لردود أفعال وممارسات واقعية تنقذ أهلنا في النقب.

كما أنني تمزقت عندما عرفت من البعض أنهم لا يعرفون من هم سكان النقب، ولا حتى هل هم فلسطينيون أم دروز أم يهود؟، وصعقت لمدى الاضمحلال في الثقافة لدى البعض بأنهم يعتبرون النقب جزء من دولة غير فلسطين!!!، والبعض يعتبرون البدو القاطنين بها أنهم يهود شرقيون (سفرديم)، لهذا يعانون من حكومة الاحتلال!!!

عليه قررت العمل على هذه الدراسة لأستهدف بها ايضاح:

أولاً: النقب جزء من فلسطين التاريخية.
ثانياً: سكان النقب البدو هم فلسطينيون ممن لم يهاجروا في نكبة 1948م.
ثالثاً: كشف مخطط برافر وأهدافه وابرازه للجميع وخاصة الإعلام.

النقب مساحة وسكان:

تعد منطقة النقب أوسع الأرضي مساحة في كنعان التاريخية، ونصف مساحة فلسطين المحتلة، وتمتد من مدينة بئر السبع وقرية الفالوجة، حتى (بقعة أم الرشراش) مدينة إيلات على الجانب الغربي من خليج العقبة. هذه المنطقة الشاسعة التي تبلغ مساحتها ما يقارب 13 مليون دونم، عبر التاريخ كان يقطنها العموريون. أثناء فترة العثمانيين كانت تعتبر منطقة تابعة لسيناء يحكمها أمراء قبيلة الترابين وشيوخ من قبائل التياها والعزازمة وقبائل أخرى. يبلغ عدد سكان كبرى مدن النقب مدينة راهط 71.000 نسمة، ومدينة اللقية 15.000 نسمة، وعرعره النقب (12.000 نسمه) وكسيفه (11.000 نسمه) وحورة (10.000 نسمه) في حين يبلغ عدد سكان القرى البدوية (الغير معترف بها) 86,000 نسمة.

وعاصمة النقب هي مدينة بئر السبع تقع على بعد 50 كيلو متراً فقط جنوبي شرقي مدينة غزة وتبلغ مساحة مدينة بئر السبع 2890 دونماً، وتقع مدينة بئر السبع غرب البحر الميت بنحو 75كم وشرق البحر الأبيض المتوسط بنحو 85كم، وترتفع عن مستوى سطح البحر 175م، وتقع في الجزء الجنوبي لفلسطين، وفي الجزء الشمالي لصحراء فلسطين (صحراء النقب)، على نصف قاعدة المثلث الذي تشكله الصحراء تقريباً. وهي مدينة قديمة جداً، سكنتها القبائل الكنعانية، دعيت بئر السبع على الأرجح نسبة إلى آبار سبعة قديمة بها، وقيل أنها دعيت بذلك نسبة إلى البئر التي حفرها سيدنا إبراهيم والنعاج السبعة التي قدمها لزعيم المنطقة (إبيمالك) لخلاف وقع بين رعاتها.

ازدهرت وعمرت في عهد الأنباط والرومان، وكانت محطة للقوافل التجارية التي تعبر البلاد، وكانت في القرن الثاني الميلادي قرية كبيرة بها حامية عسكرية رومانية، وقد عرفت بعد الفتح الإسلامي ببلدة (عمر بن العاص)، حيث أقام بها قصراً له إلا أن قلة الأمطار وكثرة المحول وتحول طرق المواصلات أدى إلى تأخر هذه البلدة وخرابها. وقد أعاد العثمانيون بناءها عام 1900 وجعلوها مركزاً لقضاء يحمل اسمها، وقد نمت بئر السبع بسرعة، فبعد أن كانت قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن 300 شخص في عام 1902 بلغ عدد سكانها عام 1922 حوالي 2356 نسمة، وعام 1945 قدروا 5570 نسمة ثم ارتفع عدد كانها إلى 7000 نسمة في عام 1948 وكانت خلال الحرب العالمية الأولى قاعدة للجيوش العثمانية. وقد احتلتها القوات البريطانية بتاريخ 31 تشرين أول 1917، فكانت أول مدينة فلسطينية تحتلها القوات البريطانية.

وتعتبر بئر السبع مركز للتجارة والاتصالات بين تجار القدس والخليل وغزة والمجدل والقبائل البدوية. ويقع قضاء بئر السبع جنوب فلسطين، ويحده من الغرب قضاء غزة، ومن الشرق الأردن، وجنوب البحر الميت ووادي عربة، ومن الشمال قضاء الخليل، ومن الجنوب خليج العقبة وشبه جزيرة سيناء. وقد تطورت مدينة بئر السبع، حيث بنيت فيها داراً للبلدية ومضخة للمياه ومطحنة للحبوب ومسجد ومدرسة للبنين، وغرست الأشجار على جنباتها، إضافة إلى خط السكة الحديد الذي ربطها بباقي مدن فلسطين وحتى الحدود المصرية.

وفي منتصف آيار/ مايوعام 1948، تشكلت حامية للدفاع عن المدينة مؤلفة من أفراد الشرطة المحلية والهجّانة (راكبي الجمال المسلحين)، وعدد من المناضلين والشباب المتطوعين من أبناء المدينة من البدو، وتولى قيادتهم عبد الله أبو ستة.
خاضوا معارك باسلة دفاعاً عن المدينة أمام هجمات المنظمات الصهيونية المسلحة، وسقطت المدينة بأيدي الصهاينة في صباح 21/10/1948 بعد معركة ضارية وغير متكافئة.

بعد نكبة 1948هاجر البدو من النقب بأعداد كبيرة منهم باتجاه غزة واستقروا فيها، وبقي قسم منهم في بئر السبع.
سعي اليهود لإبعاد وتشريد البدو من الصحراء الفلسطينية (النقب) من أجل زيادة السكان اليهود، لذلك حرموا البدو من رخص البناء أو الاستقرار في المنطقة، واستمرت هذه السياسة منذ عام 1948 حتى الآن. وقد انتشرت في قضاء بئر السبع المنشآت العسكرية الاسرائيلية والمستعمرات اليهودية التي تتزايد مساحتها تدريجياً لتتحول إلى مدن مثل ديمونة وعراد، وإيلات، ونتيفوت، وافقيم، يروحام.

ماهية مخطط "برافر- غولدبرغ":

هي خطة "تسوية أوضاع الاستيطان البدوي في النقب" كما أسمتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، اقترحتها لجنة "برافر" التي أقيمت لتقديم خطة لتطبيق توصيات لجنة "غولدبرغ" التي رفضها السكان العرب في النقب في السابق، وقد أدخل يعكوف عميدرور، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تعديلات قبل أسبوع من عرضها على الحكومة، وستؤدي الخطة إلى ترحيل 30 ألف مواطن عربيّ من أرضه وتجميعهم في مجمعات التركيز السكاني القائمة (البلدات مثل حورة وكسيفة وقرى مجلس أبو بسمة)، ومصادرة حوالي مليون دونم (سيتبقى للعرب فقط 90 ألف دونم).

وأعلنت حكومة الاحتلال، التي ألقت بغموض شديد حول تفاصيل الخطة وجدول تطبيقها، أنّ الخطة مكونة من أربع أسس:

(1) ترتيب الاستيطان البدوي المشتت في النقب.
(2) تطوير اقتصادي للمجتمع البدوي في النقب.
(3) تنظيم وضع ملكية الأرض.
(4) وضع إطار لتطبيق الخطة وفرضها ضمن جدول زمني واضح

وادعت حكومة الاحتلال أنّ "الخطة هي جزء من مجمل المشاريع الحكومية لتطوير النقب وأن هدفها هو دمج أفضل للبدو في المجتمع الإسرائيلي، وإلى تقليص الفوارق الاقتصادية بين المجتمع البدوي وباقي المجتمع الإسرائيلي!"، وأنّها ستقرّه كقانون ملزم وإعادة تنظيم وسائل تطبيقه وفرضه، كما عيّنت حكومة الاحتلال الوزير بيني بيغن ليشرف على تطبيق الخطة. ووفقا للتقارير الحكومية فإن تكلفة هذا المخطط تبلغ 6.8 مليار شيكل (حوالي ملياري دولار) بينها 1.2 مليار شيكل سيتم رصدها لتطوير البلدات البدوية التي سيتم نقل البدو إليها.

في أعقاب إعلان قرار مصادقة حكومة الاحتلال الإسرائيلية على مخطط "برافر" تظاهر المئات من الفلسطينيين في الداخل، أمام مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بناء على دعوة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. وجائت هذه التظاهرة، بمشاركة كافة القوى السياسية العربية في الداخل، احتجاجا على خطة "برافار – غولدبيرغ"، والتي تهدف إلى تصفية ملكية عرب النقب لأراضيهم بشكل نهائي. وكان رئيس لجنة المتابعة، محمد زيدان، قد بعث برسالة إلى رئيس الحكومة يطالب فيها بإزالة الخطة عن جدول الأعمال، وفتح حوار مع ممثلي عرب النقب بمشاركة لجنة المتابعة.

أهداف مخطط برافر:

المخطط الإسرائيلي "برافر" القاضي بمصادرة قرابة مليون دونم من أراضي البدو بالنقب، وهدم نحو 30 قرية وتشريد قرابة مائة ألف من قاطنيها. حيث تهدف إسرائيل من خلال هذا المخطط إلى تهويد وعسكرة الجنوب ومنع أي تواصل جغرافي ما بين النقب وغزة وسيناء، عبر تجميع البدو البالغ عددهم أكثرمن 200 ألف نسمة على أقل، من مائة ألف دونم بمنطقة السياج التي هي أشبه بمعسكرات تجميع ومخيمات لاجئين. وعقب على ذلك المخطط رئيس لجنة المتابعة العربية العليا محمد زيدان بقوله: "الإضراب الشامل ووحدة الصف التي تجلت بالمظاهرة الجبارة بمثابة رسالة للحكومة الإسرائيلية بأن للنقب أهله وأصحابه ونرفض التفريط بشبر من ترابه".

وشدد على أن الداخل الفلسطيني يعيش أجواء انتفاضة الأرض، فالمؤسسة الإسرائيلية تتعامل معه بعقلية الاستعمار العسكري وتنظر إليه على أنه خطر ديمغرافي وأمني على الدولة. وخاطب حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالقول إن "نكبة 48 لن تتكرر، ومخطط "برافر" ما هو إلا محاولة لإكمال مشهد النكبة، لكننا نؤكد حسمنا لمستقبلنا ومصيرنا مع الأرض، إما أن نكون فوقها أعزاء أو شهداء ببطنها". وحذرت قيادات الأحزاب والحركات والفعاليات الشعبية والوطنية الحكومةَ الإسرائيلية من المضي بمشروعها لتهجير الفلسطينيين، مؤكدة رفضها لأي مساومة وإصرارها على التمسك بالأرض وحقوق الملكية لعرب النقب.

والأهداف الخفية هي:

1. عزل النقب عن محيطها العربي (غزة – سيناء).
2. تعزيز وجود المستوطنات في النقب خاصة في المناطق التي تعتبر خصبة من ناحية اقتصادية معادن ورمال وخصور نارية.
3. بناء مراكز عسكرية واستخباراتية بالقرب من المحيط العربي خاصة مصر والأردن وخليج العقبة.
4. العمل على تسهيل مخطط بناء قناة البحرين الأحمر والميت، وفتح مجال لخط السكة الحديد الذي سيربط القناة مع البحر المتوسط للاستغناء عن قناة السويس.

المراوغة الإسرائيلية:

ويرى مراقبون أن المؤسسة الإسرائيلية تراوغ وتسعى للاستمرار بشكل تدريجي بسياسة التهجير والتشريد، وهي تخشى من مغبة اندلاع مواجهات مسلحة مع السكان البدو بالنقب إذا ما أقدمت على إخلائهم بالقوة. غير أن النائب بالكنيست طلب الصانع -وهو من النقب- أكد أن المؤسسة الإسرائيلية بمختلف أذرعها تسعى من خلال هذه المخططات إلى جر البدو بالنقب لمواجهات وصدام مسلح. وبيّن أن "أحزاب اليمين تنتظر الفرصة لاندلاع أي نزاع مسلح بالنقب، من أجل نزع الشرعية عنا وإظهارنا أمام المجتمع الدولي على أننا نمثل خطرا أمنيا".

موقف منتدى التعايش في النقب من مخطط برافر:

مخطط برافر قدم آمقترح قانون بواسطة وزارة العدل في تاريخ 3 يناير 2012 . وفي حال مر هذا المقترح في البرلمان , فان الدوله ستقوم بسلب عشرات الالاف من الدونمات اراضي البدو التي ورثوها..آما انها ستقوم بهدم قرى عديده وتهجير قسري لسكانها ونقلهم لبلدات قائمه , تعاني من الفقر والبطاله.

ومع ان القانون سمي “قانون تنظيم الاستيطان البدوي في النقب الا ان المقترح خالي من أي خريطه او تفاصيل عن شكل هذا التنظيم , والقرى المعنيه بالتنظيم, القانون بغالبيته يتحدث عن التعويضات التي ستعطى مقابل الارض , وعلى الذي لم يوافق على هذه التعويضات التوجه للمحام خلال خمس سنوات من يوم المصادقه على القانون في الكنيست , او انها ستسجل باسم الدوله اوتوماتيكيا. ايهود برافر والذي آان نائب رئيس مجلس الامن القومي ورئيس قسم السياسات في مكتب رئيس الحكومه اقترح خطه والتي من المفترض ان تنهي النزاع على الاراضي بين البدو في النقب والدوله .

برافر كان من المفترض ان يطبق توصيات لجنه سابقه (لجنة غولدبرق) قرر ان يكتب خطه جديده ولم يشرك في صياغتها أي من عرب النقب , ولاصلاح هذا الخلل تقرر في جلسة الحكومه 3707 البند 3 ا-د بانه يجب الالتقاء بالبدو بعد اعلان مقترح القانون وشرح المخطط واخذ ملاحظات الجمهور خلال فترة استماع ل 45 يوم تم تمديدها لاحقا ل 75 يوم حتى تاريخ 18.03.2012 نحن نعتقد ان الخطه ستاتي بنتائج سلبيه على النقب , فبدل ان تعمل الدوله على تحقيق المساواه المدنيه والتمييز المصحح لسنوات تهميش عديده عانى منها البدو , فانها تعمل على التضييق على البدو في النقب والتعامل معهم بالقوه , وهو امر حتما سيؤدي الى اتساع عدم المساواه بين العرب واليهود في النقب مما يهدد سير الحياه في كل النقب اعتراضنا على اقتراح القانون ينبع من آونه قانون تمييزي وليس عادلا وغير قابل للتطبيق آما انه لن يلبي المطالب المستقبليه لاسكان البدو لذلك نحن في منتدى التعايش السلمي في النقب نعارض بشده ومن النواحي اقتراح هذا القانون ونطالب الحكومه بعدم طرحه على جدول اعمال الكنيست , كما نطالب الحكومه للاعتراف بكل القرى الغير معترف بها في النقب جزء من خطه توضع وعدم وضع خطط تؤدي لازالة هذه القرى.

تسلسل طرح مخطط برافر وردود اللأفعال في الإعلام:

من موقع مكتب رئيس الوزراء:

من يوم 28.10.2007 تم تكليف وزير البناء والاسكان لتشكيل لجنة توصيات قرار رقم 2491ב على ان توصي للحكومه بكيفية تنظيم السكن البدوي في النقب في يناير 2008 وبعد فحص معمق لتقرير لجنة غولدبرق لتنظيم السكن في النقب تمت المصادقه على القرار رقم 4411 تحت عنوان “تقرير مشروع تسوية تنظيم السكن في النقب (لجنة غولدبرق). في قرارها قررت الحكومه تعيين طاقم لبحث كيفية تطبيق التوصيات , وقد عينت لهذه المهمه السيد ايهود برافر رئيس قسم االتخطيط في مكتب رئيس الحكومه”.

- في 31 مايو 2011 انتهى طاقم التطبيق من تقديم ملاحظاته وتعديلاته على تقرير غولدبرغ.
- في 11 سبتمبر 2011 وافقت الحكومه الاسرائيليه على مخطط برافر.

مخطط برافر في الاعلام العربي

أعضاء برلمان أوروبيون يعربون عن قلقهم الشديد بخصوص مخطط برافر 14-06-2012 موقع عداله قدمت المحامية سهاد بشارة من مركز “عدالة” يوم أمس الأربعاء 13 حزيران 2012، إفادة مفصلة أمام مجموعة العمل بخصوص الشرق الأوسط في البرلمان الأوروبي. وتمحورت شهادة “عدالة” حول مخطط برافر الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية، والذي يهدف إلى تهجير قرابة 70 ألف مواطن عربي بدوي قسرًا من أراضي أبائهم وأجدادهم في النقب. وكان رئيس هذه المجموعة، عضو البرلمان السيد هنس جيرت بوترينغ، ألماني الجنسية، قد وجه في وقت سابق من هذا الشهر دعوة رسمية لمركز عدالة لطرح موضوع مخطط برافر أمام المجموعة.

النقب: مسيرة سيارات وخيمة ومظاهرة ضد مخطط برافر 2012-06-11 موقع وصحيفة الصناره اقرت لجنة التوجيه العليا لعرب النقب، في جلستها الأسبوعية يوم أمس، فعاليات شهر حزيران النضالية، وذلك ضمن سلسلة الفعاليات المناهضة لمخطط “غولدبرغ-برافر”.

المفوضية الأوروبية تنتقد مخطط “برافر ” لتهجير عرب النقب موقع بكرا 06/06/2012

أصدرت المفوضية الأوروبية هذا الشهر، تقريرها المرحلي السنوي حول تنفيذ الشر اكة الأوروبية الاسرائيلية (تقرير السياسات للدول المجاورة الشريكة)، حيث أشار التقرير الى أن التطوّر بما يخص الجماهير العربية داخل اسرائيل جاء محدودا، وأن حقوق الجماهير العربية لا زالت محدودة خلال العام 2011.

تقرير للأمم المتحده يدعو اسرائيل لسحب مشروع قانون برافر موقع العرب وصحيفة كل العرب الثلاثاء, 03 نيسان 2012

نشرت اللجنة الأممية للقضاء على التمييز العرقي تقريرها السنوي الذي تصدر من خلاله جملة توصيات يتم اتخاذها بناءاً على معلومات تقدم للجنة من قبل الدول ومن قبل مؤسسات غير حكومية وقد تطرقت اللجنة في توصياتها لمخطط برافر وأبدت اللجنة مخاوفها من تنفيذ هذا المخطط وقد استندت في ذلك الى معلومات وتقرير مفصل كان قد بعث به منتدى تعايش السلمي في النقب للمساواه المدنية الى اللجنة قبل فترة.

مخطط برافر يعزز التمييز العنصري وينتهك حقوق البدو في القرى غير المعترف بها 01/04/2012 جمعية حقوق المواطن

قدمت منظمات حقوق الانسان، عدالة وجمعية حقوق المواطن، للحكومة صباح اليوم 1/4/12، تحفظاتها بخصوص مذكرة القانون لتنظيم سكن البدو في النقب، وبخصوص تطبيق مخطط برافر فيما يتعلق بالعرب البدو في القرى غير المعترف بها.

منتدى التعايش السلمي في النقب: إقرار مخطط برافر هو تصعيد ضد أهل النقب موقع العرب وصحيفة كل العرب الاحد, 11 ايلول 2011

"العرب والمحرقة النازية".. د. عبد الله البياري

الكتاب: العرب والمحرقة النازية: حرب المرويات العربية - الإسرائيلية المؤلف: د. جلبير الأشقرالناشر: دار «أكت سود» الفرنسية، وصدرت حديثاً ترجمتها العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة بالتعاون مع دار الساقي – بيروت.الكاتب: هو جلبير الأشقر الباحث اللبناني، والبروفيسور في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية، في جامعة لندن، والذي غادر لبنان سنة 1983، إلى أوروبا، حيث عمل أستاذا في جامعة باريس الثامنة، ومن ثم باحثا في مركز مارك بلوك في برلين. له العديد من المؤلفات و البحوث التي ترجمت إلى أكثر من 15 لغة. منهم كتاب "السلطان الخطير" بالتعاون مع الكاتب الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي، وكذلك أيضا الكتاب معرض التقديم بين أيدينا، و الذي صدر أولا بالفرنسية، ومن ثم ترجم إلى الإنجليزية ومنها إلى العربية عن طريق المركز القومي للترجمة في القاهرة بالتعاون مع دار الساقي البيروتية، ويقع الكتاب في 560 صفحة من القطع الكبير.

وقد قدّم للكتاب كل من:(رشيد خالدي، أستاذ كرسي إدوارد سعيد في الدراسات العربية المعاصرة في جامعة كولومبيا، نيويورك) بقوله:"يجمع جلبير الأشقر بين فهم المؤرّخ العميق لآلية الخطاب السياسي العربي والمقاربة الرهيفة للجوانب الصادمة في كلّ منحى من مناحي هذا الموضوع… دراسةٌ رصينة". (هنري لورنس، بروفسور كرسي التاريخ العربي المعاصر في الكوليج دي فرانس، باريس) قائلا:"قراءة هذا الكتاب، بحجمه كما بجودته العلمية، إنما تقدّم عزاءً عظيماً في زمن نرى فيه أناساً، يزعمون أنهم مثقفون أو جامعيون، يستسلمون للهذيان عند إثارة موضوع كهذا".

يتوزع الكتاب على فصلين وصفيين لزمنين اثنين:"زمن المحرقة"، حيث يتقصى فيه المؤلف اليساري التوجه، ردات الفعل العربية على النازية ومعاداة السامية خلال الفترة مابين عامي 1933 و 1947.و"زمن النكبة"، و الذي يجري فيه تقديم المواقف العربية من اليهود ومن المحرقة ومن الكيان الصهيوني الوليد، منذ 1948 إلى الآن. هناك حالة من السأم المعرفي تنتاب القارئ العربي لدى سماعه بكتاب يتناول المحرقة النازية، ويعزى ذلك إلى الإفتراض المبدئي لدى العقلية العربية، أن مجرد تناول تلك القضية، إنما يصب في النهاية إلى مأسسة الجانب الإسرائيلي من الرواية وشرعنته، مهما ادعت تلك السردية أو المقاربة الموضوعية والحياد، ولو أداتيا بعنوان يفترض الندية أو المقابلة كما هو عنوان الكتاب بين أيدينا. قبل الدخول في متن الكتاب بفصليه، لا بد لنا أن نتوقف كما أراد الكاتب، أمام تصديره لكتابه بفصل بعنوان درامي: "كلمات مثقلة بالألم"، والذي يستهله الكاتب بالسؤال عن "الاسم الذي يجب أن يعطى لجائحة باقية إلى الأبد، هي من حيث الأخلاق الإنسانيةغير قابلة للتسمية"، لا بد ان يستفز فينا كضحايا مقابلين أولا وكبشر ثانيا، ذلك "العجز عن التسمية" شيئا، ألا يعني ذلك إفرادها دون غيرها من تمثلات المحن الإنسانية، وما يؤسس له ذلك الإفراد من جعلها سقفا أو معيارا أو مقياسا للمعاناة الإنسانية.

وهو بالضبط ما أراده "صناع المحرقة" بحسب تعبير نورمن فنكلستين*1 في كتابه "صناعة المحرقة"، وهو أيضا أساس تحويل الهولوكوست إلى الهولوكاش بتعبير د. عبد الوهاب المسيري*2، وهو أيضا ما أشار "أبراهام بورغ"*3، عندما شرط على الدولة الإسرائيلية لكي تصل لـ"الإسرائيلية المشتهاة أو النظيفة" أن تتحرر من الصهيونية في نموذجها الهرتزلي، تلك الصهيونية التي تشكل المحرقة أساس تبريراتها للاستحواذ بدور الضحية والجلاد في آن بلا استفظاع، بجعل بقية المآسي الإنسانية أدنى مرتبة من تلك اليهودية، وهي نفس المحنة التي أشار لها آبا إيبان*4 وزير الخارجية الأسبق قائلا: "إن المحرقة حاضرة في حياتنا أكثر من الله".

يتناول الكاتب في الفصل الأول من كتابه، كيف أن معاداة السامية أنتجت الحركة الصهيونية (؟؟؟)*5، حيث عملت الحركة الصهيونية على الاستفادة والتوظيف الأمثل لترحيل يهود ألمانيا، طمعا في "ألمانيا طاهرة من اليهود"*6 بما يتلاءم مع أهدافها، وهي بحسب وجهة نظر بن غوريون وفلسفة الكارثة المفيدة، التي ينسبها إليه المؤرخ شبتاي تيفيت، وينقل عنه توم سيغف (الذي يراه الأشقر صاحب أفضل كتاب عن موقف الإسرائيلين من المحرقة) قوله في 1939:"لو كنت أعرف أنه يمكن إنقاذ الأطفال اليهود جميعهم في ألمانيا بنقلهم إلى إنجلترا، بينما لا يمكن إلا نصفهم بنقلهم إلى فلسطين، لإخترت الخيار الثاني، لأننا لا نواجه حساب هؤلاء الأطفال فقط، بل الحساب التاريخي للشعب اليهودي أيضا"، وهو ما يثبت إمكانية الحل الأوروبي والأمريكي.

"العرب غير موجودين" هكذا يقول جلبير الأشقر في هذا الفصل من كتابه، فهم "غير موجودين كذات سياسية وأيديولوجية متجانسة"، لذا فالكاتب يعود في هذا الفصل ليستعرض بشيء من التشريح الزمني مواقف التيارات الأيديولوجية العربية كالماركسية والليبرالية التغريبية والقومية والإسلامية، مركزا على حقيقة أن رفض النازية والمحرقة تم من دون المساس برفض الصهيونية، اللهم إلا بعض التيارات التي انحسر ذلك الرفض لا عن سبب موضوعي إنما عن آخر لوجيستي – إن صح التعبير- كالماركسية التي تأثرت بموقف الاتحاد السوفياتي لدى توقيعه الاتفاقية الألمانية عام 1941 وموافقته على قرار التقسيم عام 1947. لذا فقد جاء سعي جلبير الاشقر لتفصيل تلك المواقف وتبايناتها باعتبارها جزءا من المروية العربية في تلك الحقبة الزمنية، إنما هو محاولة لمعالجة الصور النمطية التي تحيط بهذا الموضوع، والتي يوظفها الخطاب الصهيوني لنظيره اليمين العالمي، والذي وإن كان له نفس الطرح في خطاب اليمين الأرثوذكسي الإسلامي، واللائي يصبّون في النهاية في مصلحة الكيان الصهيوني بما يسبغونه من استحواذ للضحية من جهة وإنكار لتلك التضحية من جهة أخرى على وزن الفعل ورد الفعل لايختلفون في الجنس.

ومن تلك البنى النقدية ما صبّه الكاتب على "دعاة الجامعة الإسلامية الرجعيين و/ أو الإسلاميين" مثل رشدي رضا وشكيب أرسلان والحكم السعودي وغيرهم وصولا إلى الحاج أمين الحسيني، الذي كرس له 66 صفحة من كتابه، مفصلا ما أسماه علاقة الحسيني وهتلر، وكون تلك العلاقة لا تعدو تقاطع مصالح، داعيا إلى وجوب قراءة الحدث ضمن سياقه التاريخي وليس بصورة معممة، فقد كان حدثا محدود التأثير، بل وأدين حينها، بما يمنع إصدار صورة نمطية عن العرب بتأييدهم لجريمة المحرقة، وهو ما تعكسه المقالة التي أصدرها متحف "ياد فاشيم" لما سمي موسوعة الهولوكوست والتي تناولت الحاج أمين الحسيني، وهي المقالة الثانية حجما بعد تلك التي تناولت هتلر، ولذلك قيمته. وهو أيضا ما فشلت محاكمة أيخمان في إثباته انطلاقا من افتراض تورط المفتي تورطا مباشرا في المحرقة.

أما في الفصل الثاني من الكتاب، بعنوان "زمن النكبة" فالكاتب يقسم ذلك الزمن إلى زمن عبد الناصر 1948-1967، وزمن منظمة التحرير الفلسطينية 1967 – 1988، ومن ثم زمن المقاومات التي غلب عليها الطابع الإسلامي 1988 – الآن. وفي هذا الفصل يتم تقديم النكبة من خلال "رؤية بني موريس" المؤرخ الإسرائيلي "الجديد" (؟؟؟)، والذي يصفه كاتبنا بأنه صاحب مسار مثقل بالأعراض المرضية، فموريس الذي أظهر وعيا موضوعيا تاريخيا حدثيا كاملا بالنكبة وأحداثها عام 1948، يتناقض مع تبريراته الكاذبة للتطهير العرقي للفلسطينيين، بقوله: "هناك ظروف تاريخية تبرر التطهير العرقي"، حيث يوضح موريس في لقاء مع صحيفة هآرتس عام 2004: "عندما يكون عليك الاختيار بين التطهير العرقي والإبادة – إبادة شعبك أنت – فإنني أفضل التطهير العرقي "، حيث وتأسيسا لتلك النظرية المخلة أخلاقيا، يأسف بني موريس أن بن غوريون لم يطهر أرض إسرائيل كلها، موجدا "الحل الكامل" وأن ذلك كان "خطأه القاتل".

في زمن عبد الناصر، يرى الكاتب استئثارا قوميا بالقضية، على حساب التغريبيين الليبراليين والماركسيين وإنشغال الإسلاميين بمعاركهم، والتركيز على عقلية "رمي اليهود في البحر"، وثمارها العكسية التي بنيت على ثقافة "بروتوكولات حكماء صهيون" وما فيها من عوار. وفي زمن منظمة التحرير، يسجل الكاتب مواقفا أكثر إطلاعا ورفعة كذلك الذي سجله خطاب الشاعر الفلسطيني المقاوم محمود درويش بلسان الفصائل الفلسطينية:"إذا كان من واجبنا الأخلاقي أن نقبل الرواية اليهودية عن الهولوكوست كما هي، من دون التدخل في النقاش حول الجانب الإحصائي للجريمة...

فإن من حقنا أن نطالب أبناء الضحايا بالاعتراف بمكانة الضحايا الفلسطينيين وبحقهم في الحياة و الاستقلال". فالمحرقة في واقع الأمر، حدث له من العمر ما يتعدى الستين عاما، وقد ارتكبها طرف غير عربي من دون أن يكون هناك أي تحريض أو مشاركة عربية، بينما النكبة نتاج جريمة تطهير عرقي بحسب تعبير المؤرخ إيلان بابيه، قام بها "ضحايا الضحايا" بحسب تعبير د. إدوارد سعيد، وهي جريمة لا تزال مستمرة، ولا حل يتبدى لها في الأفق، والأنكى أن فاعليها يستكثرون على أصحابها أن يصبح لهم مسمى لسرديتهم الخاصة (بحسب تسيبي ليفني).

في النهاية إذا كنا نوافق د.عزمي بشارة فيما ذهب إليه بقوله: "إن إنكار الهولوكوست يمنح كلا من إسرائيل وأوروبا اليمينية عدوا مريحا"، وكما اعتبر كاتبنا أن حب السامية ومعاداتها وجهان لعلمة واحدة تجعل "اليهود غرباء بالنسبة لمحبي السامية والمعادين لها على حد السواء" كما ارتأت الكاتبة الألمانية إلينورا شتيرلنغ، فإن مبدأ "عدو عدوي صديقي" غير مجدٍ في التعامل مع المحرقة كجرم تاريخي، إلا أن ذلك لا ولن يجعل من عدوي أقل وطأة جرائمية تجاهي من عدوه هو تجاهه.

الهوامش:* القراءة بين أيدينا هي ورقة قدمها الكاتب لقسم الدراسات الإسرائيلية كلية اقتصاد وعلوم سياسية جامعة القاهرة بتاريخ ديسمبر/كانون أول 2010.1:نورمن فنكلستين: كاتب أمريكييهودي ومختص في العلوم السياسية، خاصةً في الشؤون اليهودية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني. حصل على الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة برنستون. وعمل في عدد من الكليات والجامعات الأمريكية. والدا فنكلستين هما من ******ن من المحرقة. عرف عن نورمان فنكلستين إثارته الكثير من الجدل على خلفية نقده الأكاديمي الحاد للكثير من الكتاب البارزين الذين اتهمهم بتحريف الوثائق بهدف الدفاع عن سياسات وممارسات إسرائيل.

وقد عرف عنه دعمه للقضية الفلسطينيةوخوضه في مواضيع حساسة مثل الصهيونية والتاريخ الديموغرافي لفلسطين فضلاً عن آرائه حول صناعة المحرقةحيث يرى أن المحرقة (الهولوكوست) يتم استغلالها لتمويل إسرائيل ولتحقيق مصالحها.

ورغم كل النقد الذي وجه إلى آراء فنكلستين، فقد حظي أيضاً بمديح عدد من أبرز المؤرخين من أمثال راؤل هيلبرج (Raul Hilberg) أهم خبير في الهولوكوست وآفي شليم (Avi Shlaim) فضلاً عن المفكر نعوم تشومسكي. وقد صنفته إسرائيل بالعدو اللدود كما هو الحال مع حزب الله.

2: عبد الوهاب المسيري: مفكر مصريإسلامي، وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونيةأحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين. الذي استطاع من خلالها برأي البعض إعطاء نظرة جديدة موسوعية موضوعية علمية للظاهرة اليهودية بشكل خاص، وتجربة الحداثة الغربية بشكل عام، مستخدماً ما طوره أثناء حياته الأكاديمية من تطوير مفهوم النماذج التفسيرية.

3: أبراهام بورغ: عضو الكنيست، ورئيسه السابق، عمل مديرا للوكالة اليهودية، صاحب كتاب (فلننتصر على هتلر) و(زمن المحرقة: لنخرج من رمادها)، و الذين اعتبرا وثيقة طلاقه من الصهيونية في صورتها الهرتزلية، معللا ذلك بأنها السبب في لاأخلاقية الدولة الإسرائيلية، وعجزها عن الوصول لحالة الإسرائيلية النظيفة

4: آبا إيبان:دبلوماسي وسياسي إسرائيلي، عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، انضم إيبان للعمل مع حاييم فايتسمانفي المنظمة الصهيونية العالمية في لندنفي كانون الأول/ديسمبر عام 1939.وبعد بضعة أشهر، التحق بالجيش البريطاني كضابط مخابرات، حيث تمت ترقيته إلى رتبة ميجور. خدم كضابط اتصال للحلفاءفي فلسطين. في عام 1947، واعتماداً على مهاراته اللغوية، ترجم رواية يوميات نائب في الأريافلتوفيق الحكيم من اللغة العربية.عاد إيبان إلى لندن للعمل في الوكالة اليهودية، ثم سافر إلى نيويورك، حيث كانت الجمعية العامة للأمم المتحدةتدرس "مسألة فلسطين"، تم تعيينه كضابط اتصال مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة بشأن فلسطين حيث استطاع تحقيق الموافقة على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود القرار 181.قام بتغيير اسمه إلى كلمة " أبا " العبرية (إلا أنه نادرا ما كان يستخدم بشكل غير رسمي)، ومعناها "الأب"، حيث رأى نفسه الأب الروحي لدولة إسرائيل. أمضى إيبان عشر سنوات في الأمم المتحدة، وأيضا عمل بمثابة سفير لدى الولايات المتحدة ومن ثم وزيرا للخارجية، وهو صاحب المصطلح الشهير: حدود أوشفيتس (نسبة إلى معسكرات الاعتقال النازي) قاصدا حدود 67.

5: وقع الكاتب هاهنا في اختصار مخل لمنشأ الحركة الصهيونية حيث اعتبرها إحدى نتاجات النازية، في حين أن أي قارئ للتاريخ وبالذات الإستعماري والفترة التالية له، لا يمكنه فصل المنشأ الإستعماري والطبيعية المتماهية مع العقلية الاستيطانية الاستعمارية للحركة الصهيونية مع الاستعمار، بل والتي تطورت أكثر إلى ما يمكن وصفه بالإحلال، وهو صيغة متقدمة من الاستعمار وأكثر لا أخلاقية، عملت على تطهير الأرض من شعبها وسكانها الأصليين، وقامت بإحلال شعب مغاير مكانهم بلغتهم وتأويلاتهم وتاريخهم المستورد وأيديولوجياتهم وإنتماءاتهم وحتى بتاريخهم وجغرافياتهم المختلفة والمغايرة لتخلق كيانا هجينا، إن تلك السقطة لتجعل أي مقاربة للكتاب معرض القراءة هاهنا صعبة بوجود هذا العوار المعرفي الحاد.وهو ما في رأيي سبب هذا الكم من التهاني للكاتب من الأوساط الإسرائيلية عندما صدر الكتاب أعلاه.

6: إحدى مقولات أدولف هتلر الزعيم النازي.

كتاب إسرائيلي جديد يؤكد دفع رشاوى لمندوبي الأمم المتحدة للتصويت على قرار التقسيم


في كتاب جديد لبيني موريس"1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى":

• الحركة الصهيونية دفعت رشاوى لمندوبي الأمم المتحدة ومارست ضغوطا اقتصادية على دول للتصويت إلى جانب قرار التقسيم• ويدعي أن الحرب عام النكبة لم تكن صراعا على الأرض وإنما "جولة الجهاد الأولى في العصر الحديث.. الصراع بين عالم ظلامي إسلامي وبين عالم متنور"
• ويدعي أن الجيوش العربية كانت أكثر عددا وعدة عام النكبة• ويدعي أيضا أن ما يسميه "حرب الاستقلال" كانت "حرب وجود ودفاع عادلة"• ويوازي بين اللاجئين الفلسطينيين والمهاجرين اليهود من الدول العربية• ويشكك في حقيقة وجود "شعب فلسطيني" عام النكبة• وفي الوقت نفسه يوثق حقيقة العثور على 12 جثة في رمال يافا لعرب من يافا عثر في ثيابهم على بطاقات هوية شخصية زرقاء

• الكاتب أنطوان شلحت: موريس يبرر التطهير العرقي ويعتبر أن عدم استكماله كان خطأ.. وهو ينطلق في أبحاثه من موقع المتحمس للصهيونية ومن منطلق ضرورة تجميلها• د.مصطفى كبها: موريس أصبح أكثر محافظة وأيديولوجية من مؤرخي المؤسسة الإسرائيلية يختلف بيني موريس عن غيره من مجموعة "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين ليس فقط في تمسكه الثابت بالصهيونية فكرا وممارسة، وإنما أيضا في كتاباته التاريخية وآرائه السياسية التي تبزّ من حيث عدائها للفلسطينيين وللعرب وللمسلمين أشد المؤرخين الصهيونيين التقليديين تطرفا.يطرح اليمين واليمين الصهيوني المتطرف منذ فترة، أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي والعربي - الإسرائيلي ليس صراعا سياسيا على الأرض؛ وإنما هو صراع ديني بين عالم إسلامي ظلامي وبين إسرائيل المتنورة التي تقف في طليعة العالم الحر المتنور في الصراع ضد الفلسطينيين والعرب الذين يخوضون حربا دينية ضد إسرائيل.

ويطرح هؤلاء أن لا حل لهذا الصراع سوى إلحاق الهزيمة بالفلسطينيين والعرب، وأن أي انسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة لا يقدم السلام قيد أنملة، وفقط بعد هزيمة الفلسطينيين والعرب الذين يخوضون حربا دينية إسلامية ظلامية ضد إسرائيل المتنورة، وفقط بعد أن لا يبقي في قلوبهم أي بصيص من الأمل في إمكانية هزيمة إسرائيل، فإنهم سيقبلون بوجود إسرائيل وسيكفون عن المطالبة بانسحابها من المناطق الفلسطينية والعربية المحتلة.

في هذا السياق صدر مؤخرا كتاب بيني موريس والذي يسعى فيه إلى إعادة كتابة تاريخ حرب 1948 من هذا المنظورففي مقابلة مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، أجرتها معه "يديعوت أحرونوت"، يكشف من خلال بحث، وصف بأنه واسع النطاق، عن وثائق نشرت في كتاب جديد "1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى"، تؤكد أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوى من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947.ويدعي موريس أن الحرب في عام النكبة (1948) لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار "الجهاد الأول"، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه من غير المؤكد أن إسرائيل ستنتصر فيها. بحسب موريس.وبالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين التاريخية، فإن توترا انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار يعني قيام "دولة إسرائيل"، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية، الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى "عدّ الرؤوس"، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة."في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط".

ويكتب موريس في هذا السياق أن "الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية.. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التصويت.. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها.. مندوب غواتيمالا أبدى حماسا زائدا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالا من منظمات يهودية أمريكية كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه كان على علاقة بفتاة يهودية..

ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك".ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة، إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم.كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط. وتمت أيضا ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة على عدد من الدول، وخاصة تلك التي رفضت أن تأخذ رشاوى مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم. ويشير في هذا السياق إلى عدد من رجال الأعمال الصهاينة، مثل صامويل زموراي رئيس "شركة الفواكه الموحدة" وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي.

وتلفت الصحيفة إلى أن هذه الحقائق لم تكن مفاجئة نظرا لوجود ما يشير إلى ذلك. كما سبق وأن أتى المؤرخ ميخائيل كوهين على ذكر ذلك، وأيضا كتب توم سيغيف عن ذلك من خلال ما كتبه عن تخصيص ميزانية مليون دولار لـ"عمليات خاصة".تجدر الإشارة إلى أن موريس نفسه يعتبر هذه الوسائل "مشروعة"، انطلاقا من أن "قيام دولة إسرائيل كان على جدول الأعمال والغاية تبرر الوسيلة"، إضافة إلى ادعائه بأن الرشوة أفضل من الحرب العالمية الثالثة التي هدد بها العرب في حال قيام الدولة، بحسبه.وفي كتابه الجديد يحاول موريس أن يجعل الصراع العربي – الإسرائيلي صراعا دينيا.

حيث يدعي أن ما اعتبر حتى الآن أنه صراع جغرافي بين مجموعتين قوميتين، صراع سياسي ذو طابع عسكري، يجب أن ينظر إليه على أنه حرب جهاد".ويجيب موريس في المقابلة أن الحرب (عام 1948) كانت ذات طابع ديني، بالنسبة للعرب على الأقل، وأن العنصر المركزي فيها هو دافع الجهاد، إلى جانب دوافع أخرى سياسية وغيرها. وبحسبه فإن الأهم بالنسبة للعرب هو "عنصر الكفار الذين سيطروا على أرض إسلامية مقدسة، ويجب اقتلاعهم منها. وأن الغالبية الساحقة في العالم العربي رأوا في الحرب حربا مقدسة أولا".

ويستند موريس في ادعائه هذا إلى وثيقة بريطانية بشأن فتوى لعلماء الأزهر، والتي تتضمن، بحسبه، الدعوة إلى الجهاد العالمي، موجهة لكل مسلم، بالتجند إلى الحرب المقدسة، وإعادة فلسطين إلى حضن الإسلام وإبادة الصهيونية.ويقول موريس أيضا، إنه يجد صعوبة في عدم انتباه المؤرخين لذلك. وفي الوقت نفسه يفترض أنه ربما يكون قد أولى هذه الوثيقة أهمية أكبر ما تستحق، خاصة و"أننا نعيش في عصر يوجد فيه الجهاد على الطاولة.. هذا صراع بين عالم ظلامي إٍسلامي وعالم متنور.. وأنا أعتقد أنه في العام 48 كانت جولة الجهاد الأولى في العصر الحديث"، على حد تعبيره.واستنادا إلى "نظريته" تلك، يصل موريس إلى نتيجة مفادها أن الحديث هو عن "أمور مطلقة، بمعنى أنها لا تحتمل الصلح".

ويضيف، على سبيل المثال، أنه لن يكون هناك صلح بين حماس وإسرائيل.. قد تحصل تسويات تكتيكية، ولكنها ليست أساسية.. فهم لن يتقبلوننا، لأن الأرض بالنسبة لهم إٍسلامية، وأن الله أمرهم بتدميرنا، وهذا ما يتوجب عليهم فعله".ويتابع أنه "في العام 48 كان الفهم الإسرائيلي التلقائي بأن جميع العرب قرويون سذج لا يفقهون شيئا، وهذا غباء.. مثلما حصل في العام 2006 عندما صوتوا لحركة حماس.. عندها قال الإسرائيليون إن السبب يعود إلى قيام حماس بتوزيع الهدايا والحليب مجانا، ولكن هذا خطأ أيضا، فهم يعرفون لمن هم يصوتون، مثلما كان يعرف العرب في العام 48.. الدين بالنسبة لهم مهم جدا، وإبادة الصهيونية مهمة جدا".

وردا على سؤال حول اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن، يجيب بأن هناك "سلاما باردا... العالم العربي لم يتعايش مع هذا السلام، ولا مع وجود إسرائيل، والعنصر الديني في الصراع يتصاعد مع مرور السنوات، وهو قائم أيضا لدى جماهير واسعة من الجانب اليهودي".ولا يغفل موريس التأكيد على أن ما يسميه بـ"حرب الاستقلال" هي "حرب وجود ودفاع عادلة".إلى ذلك، يتضمن الكتاب تطرقا إلى ممارسات الجنود الإسرائيليين خلال الحرب، فيشير إلى 12 حالة اغتصاب قام بها جنود إسرائيليون. من بينها قيام 3 جنود باغتصاب فتاة فلسطينية من مدينة عكا، وذلك بعد قتل والدها أمام ناظريها، ثم قاموا بقتلها في نهاية المطاف، وحكم عليهم بالسجن لمدة 3 سنوات فقط. كما تتضمن حالة اغتصاب فتاة من مدينة يافا لم يتجاوز عمرها 12 عاما. في المقابل يشير إلى حالة واحدة جرت فيها محاولة لاغتصاب مجندة إسرائيلية في "الهاجاناه" من قبل من الجيش العربي إلا أن الضابط المسؤول عنهما أطلق عليهما النار، وأنقذ المجندة.

وبحسبه فإن الجرائم التي ارتكبها الجنود الإسرائيليون عام 48 تفوق تلك التي ارتكبت في حروبات أخرى. ويقول "كان هناك كثيرون ممن تركوا غرائزهم تتحكم بهم.. بعضهم جاء من معسكرات الإبادة في أوروبا مصابين بعدواها، وسعوا للانتقام من الأغيار.. بعضهم حارب سنة كاملة لأن العرب أجبروهم على القتال.. بعضهم أراد الانتقام لمقتل أصدقاء لهم..

لكل شعب هناك نقاط سوداء في تاريخه، والأعمال الظلامية التي وقعت في هذه الحرب هي نقطة سوداء في تاريخنا يجب استخلاص العبر منها".وردا على سؤال بشأن تخصيص الكاتب جزء واسع من الكتاب لمجزرة دير ياسين، يقول موريس إنه بالنسبة لليهود فإن أهم ما حصل في دير ياسين هو أنها كانت المسرّع لهروب العرب من البلاد. ويضيف أن العرب تحدثوا عن دير ياسين في البث الإذاعي وجرى تضخيم المجزرة التي وقعت، ما دفع سكان حيفا ويافا إلى الاعتقاد بأن "الإيتسيل" قادمون لارتكاب مجزرة مماثلة. أما بالنسبة للعرب فإن ديرياسين تمثل ما حصل عام 48، وتمثل "الشر اليهودي".ويضيف أن ديرياسين لم تكن المجزرة الوحيدة، حيث وقعت أعمال قتل كثيرة، مثل اللد حيث قتل 250 شخصا غالبيتهم لم يكونوا مقاتلين، وقتلوا أسرى في داخل المسجد.

كما وقعت مجزرة أخرى في يافا يكشف عنها الكتاب. وبحسبه فإنه بعد سيطرة "الهاغاناه" على يافا تم العثور على 12 جثة، عثر في ثياب أصحابها على بطاقات هوية شخصية إسرائيلية، الأمر الذي يؤكد أن المجزرة وقعت بعد سيطرة "الهاغاناه" على المدينة وتوزيع البطاقات الزرقاء على ما تبقى من السكان.وفي إجابته على سؤال الصحيفة عما إذا كان من الممكن إجراء مقارنة بين "طرد وهروب الفلسطينيين من البلاد" وبين "مغادرة اليهود للدول العربية"، يجيب موريس بأنه يفضل أولا استعمال كلمة "هفرحاه" أي "دفع العرب إلى الهرب"، وبحسبه فإن "الهروب" هو الشكل العام، وبعد ذلك جرى تدمير قراهم ولم يسمحوا لهم بالعودة، أما عمليات الطرد الحقيقية فقد حصلت في مواقع معدودة فقط.

ويضيف ثانيا أن الحرب أدت إلى نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبنفس الدرجة أدت الحرب إلى "دفع اليهود إلى الهرب" من الدول العربية، بعد أن تم نهب ممتلكاتهم. ويدعي في هذا السياق أيضا أن الأرقام كانت مماثلة. ويسوق موريس في هذا السياق قول موشي شاريت، عام 49، بأن ما حصل هو "تبادل سكان".

ويعقب موريس بأنه يوجد منطق في ذلك، وأن الاختلاف هو أن "اللاجئين اليهود" تم استيعابهم في إسرائيل، في حين أن العرب لم يقوموا باستيعاب "اللاجئين الفلسطينيين" وظلت قضيتهم قائمة.كما يدعي موريس في كتابه، الذي يتضمن أيضا معطيات حول ميزان القوى وكميات السلاح، أن الإسرائيليين كانوا قلائل بحوزتهم كميات قليلة من السلاح، مقابل جيوش عربية كثيرة ومجهزة بالعتاد والذخيرة. ويتابع أن عدد المقاتلين العرب تناقص تدريجيا خلال الحرب، وبعد الجولة الأولى حاول الأردنيون الخروج من الحرب، وبعد ما حصل في اللد والرملة خرجوا نهائيا، وبعد فترة معينة توقف السوريون عن القتال بسبب نقص السلاح، وبقي المصريون حتى الجولات الأخيرة في كانون الأول/ ديسمبر 1948، على حد قوله. ويستدرك موريس فيضيف أن الجيوش العربية كانت قليلة العدد نسبيا، بالمقارنة مع نسبة التجنيد من "الييشوف" اليهودي، فيشير إلى تجنيد ما يقارب 100 ألف جندي من بين 650 – 700 ألف يهودي.

وإضافة إلى ذلك، يشكك موريس بمدى صحة حقيقة وجود شعب فلسطيني في العام 1948، بادعاء أن الوعي السياسي القومي كان ضعيفا في وسط الفلسطينيين، وعدم قدرتهم على إقامة جيش قطري بدلا من حالة وجود عدد من المقاتلين في كل مدينة وقرية.ويختتم الكتاب بقوله: "كان هناك انتصار في العام 48، ولكن ذلك لا يضمن بقاء دولة إسرائيل. فقيام الدولة في العام 48 أثار ردود فعل رافضة في وسط العرب وغريزة شديدة للانتقام. العالم العربي يرفض تقبل وجودنا. وحتى لو تم التوقيع على اتفاقيات سلام، فإن رجل الشارع والمثقف والجندي يرفضون الاعتراف بإسرائيل. وإذا لم يكن هناك حل سلمي بين الشعبين، فإن النهاية ستكون مأساوية لواحد منهما".

ويخلص في نهاية المقابلة إلى القول بأنه من الصعب أن يكون لديه أسباب للتفاؤل بشأن احتمالات إسرائيل، حيث أن العالم العربي، وبمساندة العالم الإسلامي، يزداد قوة ومن الممكن أن يكون لديهم سلاح نووي. كما أنه لا يوجد في الأفق ما يشير إلى احتمال التوصل إلى تسوية في السنوات الخمسين القادمة، وحتى يحصل ذلك يجب إضعاف العالم العربي، الأمر الذي لن يحصل إلا بعد نضوب النفط، والذي لن يكون قبل 50 -100 عام. الكاتب أنطوان شلحت: بيني موريس و"نقد" الصهيونية من موقع المتحمس لها ويقول الكاتب أنطوان شلحت إن بيني موريس هو من أوائل "المؤرخين الإسرائيليين الجدد" أو "الما بعد صهيونيين"، الذين أخذوا في أبحاثهم الصادرة منذ ثمانينيات القرن الفائت يلتفتون، من جهة، إلى ما ترتب على المشروع الكولونيالي الصهيوني من آثام وخطايا بحق الشعب العربي الفلسطيني، ومن جهة أخرى يستأنفون على الرواية التاريخية الصهيونية التي اعتمدت على الكذب وقلب الحقائق رأسًا على عقب.ويمكن القول إن موريس كشف الكثير فيما يتعلق بفظائع الاحتلال وطرد الفلسطينيين في سنة 1948 في كتابه الأهم وهو "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين 1947- 1949"، ومن ثم في كتابه "تصحيح خطأ".

لكن موريس يختلف عن غيره من هؤلاء المؤرخين بحقيقة أن أبحاثه لم تكن من موقع مناهضة الصهيونية وطابعها الكولونيالي واحتلالها فلسطين بل من موقع المتحمس لها ومن منطلق "ضرورة تجميلها"، فضلاً عن أنه ظلّ محتفظًا بمواقف عنصرية إزاء أهل البلد الأصليين، كشف عنها بصورة سافرة بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سنة 2000، ولا سيما في سياق مقابلة مع صحيفة "هآرتس" قال فيها من جملة أشياء أخرى "إن الدولة اليهودية ما كانت لتقوم من دون اقتلاع وطرد الـ 700 ألف فلسطيني.. لذلك، كانت هناك ضرورة لاقتلاعهم من أجل تنظيف العمق وتنظيف المناطق الحدودية".

وأكد أيضا أن "هناك ظروفا في التاريخ تبرّر التطهير العرقي.."، مضيفًا "إن عدم استكمال الترانسفير (على يد دافيد بن- غوريون في سنة 1948) كان خطأ". ولم يكتف موريس بالحديث عن الماضي، بل "تطلع" أيضا إلى المستقبل بقوله: "إذا شارفت إسرائيل على وضع ينشأ فيه تهديد مصيري، كما حدث في سنة 1948، فمن المحتمل أن تضطر إلى العمل كما عملت في ذلك الوقت"!.

ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه، المناهض للصهيونية وصاحب كتاب "التطهير العرقي في فلسطين"، والذي يُدرج اسمه سوية مع موريس وغيره في إطار تيار "المؤرخين الجدد"، أن موريس أطلعه، خلال أول لقاء بينهما في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، على وجهات نظره الحقيقية التي وصفها بابه بأنها "وجهات نظر عنصرية بغيضة تجاه العرب عامة وتجاه الفلسطينيين على وجه الخصوص". ولهذا السبب نجد أن بابه يستشيط غضباً إزاء الادعاء القائل إنه وموريس من أنصار اليسار، على الرغم من الاختلاف في المنهج والسياسة. ويتهم بابه موريس بأنه "انتهازي".

من ناحية أخرى، يؤكد كثيرون أن كتاب موريس الأصلي عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المُشار إليه أعلاه "كُتب تمشيًا مع الاتجاه الذي هبت فيه الريح في إبان تلك الفترة، أي تمشيًا مع روح المرحلة، وكانت وجهة نظره وقتئذٍ حول التاريخ بأن التطهير العرقي في فلسطين لم يتم نتيجة لخطة رئيسة".

لكن بعد فوز زعيم حزب الليكود اليميني بنيامين نتانياهو في انتخابات سنة 1996، "كان من الصعب الحصول على درجة البروفسورية في جامعة إسرائيلية. من هنا بدأ التحول، حيث وجد- موريس- أنه سيكون من السهل أكثر الحصول على عقد عمل ثابت ودرجة البروفسور إذا ما قام بتهوية وتلميع وجهات نظره التي آمن بها أصلاً". وبناء على ذلك فإنه في الطبعة الجديدة (الإنكليزية) لكتاب موريس هذا تحوّل التطهير العرقي إلى خطة رئيسة، ووجه نقده إليها "لأنها لم تكن ناجعة بدرجة كافية!".

د.مصطفى كبها: موريس أصبح أكثر محافظة وإيديولوجية من مؤرخي المؤسسة الإسرائيلية ويقول المؤرخ والأستاذ الجامعي د. مصطفى كبها إنه ليس من جديد في كتاب بيني موريس الجديد سوى سعيه الدؤوب لتبرير ردته وجنوحه نحو الكتابة التاريخية الأيديولوجية بشكل أصبح فيه أكثر محافظة وإيديولوجية من مؤرخي المؤسسة.ففي منهجية كتابته لم يحد موريس عن آلية تقديس الوثيقة وعدم مقابلتها مع أي مصدر آخر، خاصة المصادر الشفوية التي من شأنها أن تلقي الضوء على ما تم تغييبه من حقائق في الوثائق الإسرائيلية التي اعتمدها موريس أساساً لبحثه. ولعل إحداها قضية الأعداد وحجم القوات التي يتصدى لها موريس ويحاول من خلالها تثبيت أسطورة "القليلون مقابل الكثيرون" أو "مجتمع مدني ناشئ مقابل سبعة جيوش".

تبدو محاولة موريس هذه محاولة بائسة لأن الرواية الرسمية التي صدرت في كتاب ألفه جملة من الضباط السابقين والمؤرخين العسكريين الإسرائيليين، وصدرت عن الجمعية الإسرائيلية للتاريخ العسكري وبمساعدة من قسم الـتأريخ في الجيش الإسرائيلي عام 1999 تنفي ذلك، وتؤكد على التفوق العددي والنوعي للقوات اليهودية في الحرب.وثمة ملاحظة مهمة تتعلق بحجم هذه القوات قياساً بالقدرات العسكرية العربية في حينه ، فمن الضروري التأكيد بان حجم القوات العربية التي دخلت فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 لم يواز قرابة ال20% من القدرات العربية العسكرية الحقيقية في حينه، فقد كان مجموع ما دخل فلسطين ليلة الخامس عشر من أيار أو تواجد فيها قبل ذلك (قوات المتطوعين ) هو 23000 مقاتل توزعوا على النحو التالي: الجيش المصري 10000 مقاتل (منهم 2000 من المتطوعين )، الجيش الأردني 4500 مقاتل (بعضهم كان قد تواجد في فلسطين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية)، الجيش العراقي 3000 مقاتل (منهم 1500 تواجدوا في فلسطين قبل ذلك وعملوا ضمن وحدات جيش الإنقاذ)، الجيش السوري 3000 مقاتل (منهم 1500 خدموا في وحدات جيش الإنقاذ )، الجيش اللبناني 1000 مقاتل والجيش السعودي 1500 مقاتل (عملوا تحت إمرة القيادة المصرية).

علماً بأن هذه القوات غير المتناسقة افتقدت إلى قواعد عمل جدية وإلى آليات إمداد ناجعة وباستثناء الجيش الأردني (وبشكل معين الجيش العراقي) الذي كان حسن التجهيز والتدريب، وذلك لاشتراك بعض وحداته في الحرب العالمية ضمن المجهود الحربي لقوات الحلفاء.وكانت باقي الجيوش غير مهيأة للقتال الفعلي، ولم تشترك معظم وحداتها بالقتال بشكل فعلي من قبل، هذا فضلاً عن سوء التسليح وفساد الذخيرة (الذي عانى منه الجيش المصري على وجه الخصوص) الشيء الذي جعل النجاح بالمهام العسكرية المناطة بهذه الجيوش أمراً يشابه المستحيل. في الحلقات القادمة سنستعرض ما قامت به هذه الجيوش من مهام عسكرية رغم كل القيود والقسريات التي وضعت فيها. يؤكد د.كبها أن الكشف ليس جديدا، وإنما الجديد هو توثيقها للمرة الأولى.وهنا يشير إلى أنه هذه القضية كانت قد أثيرت في وسائل الإعلام في ستينيات القرن الماضي، إلا أنها ما لبثت أن هدأت بسرعة.وبحسبه فإن الجثث تعود لأشخاص من عرب يافا، تم قتلهم ودفنت جثثهم في الرمال.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /19-10-2015, 02:33 AM   #56

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تحالفٌ غريب ...الهند وإسرائيل، شريكان حريصان على سريّة علاقتهما...

تحالفٌ غريب ...الهند وإسرائيل، شريكان حريصان على سريّة علاقتهما...

الليموند ديبلومتيك / ايزابيل سان-ميزار* قمّة هنديّة-إفريقيّة في نيودلهي في نيسان/إبريل 2008؛ وأخرى بين أمريكا اللاتينيّة والعالم العربي في آذار/مارس 2009 في الدوحة (قطر)؛ وثالثة جمعت بين أمريكا اللاتينيّة وإفريقيا في جزيرة مارغاريتا (فنزويلا) في أيلول/سبتمبر 2009. من سمع بهذه القمم؟ الصين أضحت أوّل زبونٍ للنفط السعودي، متقدّمة على الولايات المتّحدة؛ والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل ينسّقون مواقفهم الاقتصاديّة والسياسيّة. من سمع بذلك؟ حتماً تبقى الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي هما اللاعبان المهيمنان، ولكنّهما يواجهان طموحات غير مسبوقة، يعبّر عنها بقوّة وحزم. تفتح طرق جديدة، وتقيم أطر تعاون محدثة، ويصار إلى وضع تحالفات لا تمليها الإيديولوجيات الاشتراكية ولا تلك للعالم الثالث، والتي يجب التعلّم على قراءتها تماماً خارج أيّ منطق تحليلٍ ينبع من الحرب الباردة. هكذا يطلق تحليل العلاقات غير العادية بين الهند وإسرائيل المنشور أدناه مجموعةً من المقالات سنخصّصها إلى تلك الشراكات الجديدة غير المعروفة. ولدت الهند وإسرائيل بفارق سنةٍ واحدة، في العامين 1947 و1948، كلاهما على أنقاض الإمبراطورية البريطانية، عقب مسارٍ تقسيميّ اتّسم بالعنف.

ودخلا كلّ من جهته في حلقة صراعات معقّدة، تميّزت بمواجهات مسلّحة متكرّرة. غير أنّ أوجه الشبه هذه لم تخلق تناغماً خاصّاً بين هذيْن البلديْن. بل العكس صحيح. فمنذ العشرينات، تضامن قادة الحركة الوطنية الهنديّة مع عرب فلسطين في مواجهتهم الإمبريالية البريطانية، وعارضوا الرغبة الصهيونية بإنشاء دولةٍ يهودية. هكذا صوّتت الهند ضدّ خطّة تقسيم فلسطين، خلال الجمعية العموميّة للأمم المتحدة التي انعقدت في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، ولم تعترِف بإسرائيل إلاّ في العام 1950. واستمرّت حتّى الثمانينات بالتضامن مع الدول العربية - ضمن منظمة الأمم المتحدة كما في حركة دول عدم الانحياز - للدفاع عن حقّ الفلسطينيّين بالحصول على دولةٍ مستقلّة. مثلث استراتيجي مع الولايات المتحدة لم يكن هذا الموقف مجانيّاً. فالهند كانت قلقة إزاء اصطفافٍ محتملٍ للعالم المسلم لصالح المطالب الباكستانية حول موضوع كشمير.

كما لعبت ضرورات أخرى دورها، خصوصاً حول موضوع الأمن في مجال الطاقة: فنيودلهي كانت تعتمد، بصورةٍ واسعة، على دول الشرق الأوسط للتموّن بالنفط. أضِفْ أنّها كانت تعوّل على المال الذي كان يرسله رعاياها الكثر، العاملون في دول الخليج، للتخفيف من وطأة العجز الخطير في ميزان مدفوعاتها في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ( . لكنّ الشرخ بين الهند وإسرائيل قد تقلّص على مرّ العقود. فبدءاً من الستينات، أقام البلدان علاقات سرّية تطال المجاليْن العسكري والمخابراتي. وأبدت إسرائيل استعدادها لمساعدة الجيش الهندي في حروبه مع الصين (في العام 1962)، ومن ثمّ مع باكستان (في العامين 1965 و1971). حتّى أنّ وزير الدفاع موشي دايان، أجرى زيارةً سرّيةً إلى الإدارة الهندية، في العام 1978، للبحث معها حول تعاونٍ محتمل.

أخيراً، أقامت نيودلهي علاقات دبلوماسية رسمية مع تل أبيب في العام 1992. وساهمت في تسهيل هذا القرار الظروف الدولية التي اتّسمت، في الوقت نفسه، بنهاية الحرب الباردة وبمؤتمر مدريد حول الشرق الأوسط الذي انعقد في تشرين الأول/أكتوبر 1991، الذي فتح الاحتمالات لتحقيق السلام. لكن قرار الهند هذا كان نابعاً أيضاً من خيبةٍ إزاء النتائج المحدودة التي حقّقتها سياساتها السابقة: فإضافةً إلى إخفاقها في الحدّ من تأثير باكستان على الدول العربية، شهدت مرّات عدّة على اعتماد منظّمة المؤتمر الإسلامي قرارات تدين مواقفها إزاء كشمير. إن كان حزب المؤتمر (يساري معتدل) هو الذي أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فإنّ الحزب الهندوسي المتطرّف، "بهاراتيا جاناتا BJP"، هو الذي دفع بهذه الشراكة إلى أوجها ومنحها كامل معناها، خلال تواجده في السلطة بين العامين 1988 و2004. فهذا الحزب المتخوّف من العالم الاسلامي، لا بل المعادي له، لم يجِد أيّ حرجٍ في الإفصاح عن مؤازرته الصريحة لتل أبيب.

صحيحٌ أنّه في مجال السياسة الداخلية، لم يشعر هذا الحزب إطلاقاً بأنّه مقيّد برأي الأقلّية المسلمة الهندية، على عكس حزب المؤتمر؛ إلاّ أنّ ظروف ما بعد 11 أيلول/سبتمبر قد سمحت بتعزيز هذا الرابط الجديد؛ فقد راق لحكومة التحالف التي ترأسّها حزب "بهاراتيا جاناتا" الترويج لفكرة إنشاء جبهةٍ للديموقراطيات الليبرالية، في مواجهة تهديد الإرهاب الإسلامي. ويمكن اعتبار استضافة الحكومة الهندية لرئيس الوزراء آرييل شارون، في أيلول/سبتمبر 2003، احتفاءً بذكرى... اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، تجسيداً رمزياً لذلك. أفضت هذه الرؤية السياسية إلى الحلم بمثلّثٍ استراتيجيّ بين إسرائيل والهند والولايات المتحدة . وقد تمّت صياغة هذه الفكرة للمرّة الأولى في 8 أيار/مايو 2003، من قبل السيد براجيش ميشرا، الذي كان حينها مستشاراً قوميّاً للأمن الهندي، خلال العشاء السنوي الذي تنظّمه الجمعية اليهوديّة الأميركية (AJC)، حيث قال: "اجتمعنا هنا اليوم لنتذكّر معاً فظاعة الإرهاب، وللاحتفاء بتحالف المجتمعات الحرّة الملتزمة محاربة هذا الوباء. كانت كلّ من الولايات المتحدة والهند وإسرائيل، أهدافاً أساسية للإرهاب. وعليها أن تواجه معاً هذا الشبح الرهيب نفسه، ألا وهو إرهاب الأزمنة المعاصرة" .

عقب ذلك، جرت نقاشات بين ممثّلين عن الحكومات الثلاث، خصوصاً حول مسائل الدفاع ومحاربة الإرهاب، في حين كان يتمّ على خلفيّتها تقاربٌ مصيريّ بين مجموعات الضغط المُوالية للهند ولإسرائيل في واشنطن. في العام 2004، ساهمت عودة حزب المؤتمر إلى السلطة، من خلال ترأسه حكومة التحالف، في التخفيف من حدّة هذا البعد الإيديولوجي؛ لكنّ جوهر العلاقات الإسرائيلية الهندية لم يتأثّر إطلاقاً بذلك، كونه يطال قطاعي الدفاع والأمن اللّذيْن يتمتّعان بالأولويّة. طبعاً تشعّبت العلاقات، ونشأت أشكالٌ من التعاون في قطاعات الزراعة والسياحة والعلوم والتقانات. وبالرغم من بقائها مُرتهنة بشكلٍ واسعٍ لصناعة الماس (التي شكّلت حوالي 50 في المئة من الحجم الإجمالي للواردات والصادرات بين البلديْن في العام 2008) ، ارتفعت قيمة هذه المبادلات التجارية من 200 مليون دولار في العام 1992 إلى 4 مليار دولار في العام 2008. لكنّ المسائل الدفاعية بقيت تشكّل الموضع الأساسي للتعاون. فاستمراريّة صناعة الأسلحة الإسرائيلية رهنٌ بصادراتها. فحتّى نهاية التسعينات، كانت الصادرات تتمّ في غالبيّتها إلى الصين. بيد أنّ الفيتو الذي مارسته الولايات المتحدة ضدّ نقل التقنيات الحسّاسة إلى بكين، قد أرغم تلّ أبيب على التوجّه نحو أسواقٍ أخرى، منها الهند. وقد اتّضح بأنّ تغيير الوجهة هذا كان مثمراً، كونه تمّ في مرحلةٍ كان يسمح فيها النموّ الاقتصادي لنيودلهي أخيراً بتمويل احتياجاتها (الكبيرة) في المجال الدفاعي.

من جهتها، كانت الهند تبحث عن مموّنين جدُد، لأنّ مُصنّعي التجهيزات الروس لم يملؤوا سوى جزء من الفراغ الذي خلّفه اختفاء شريكتها السوفياتية السابقة (فقد تمّ تفكيك العديد من الشبكات الإنتاجية في قطاع صناعة الأسلحة السوفياتية، أو تعطيلها لفترةٍ طويلة بعد العام 1991). أخيراً، تقرّبت الولايات المتحدة هي أيضاً من الهند، ما سهّل نقل التقانة. تشكّل الرادارات الإسرائيلية من طراز فالكون - وهي منظومة رادار طوّرته الشركة الإسرائيليّة لصناعات الطيران والدفاع (IAI) للقوات الجويّة الهندية - خير مثالٍ على ذلك. فبعد منعها عن الصين في العام 2000، سمحت واشنطن ببيعها إلى الهند. فاستنتجت نيودلهي من ذلك بوضوح أنّ التقارب من تلّ أبيب سيسمح لها بالحصول على التقانات الحديثة التي ترفض الولايات المتحدة تصديرها مباشرةً. هكذا، وخلال عشرة أعوام، فرضت تلّ أبيب نفسها من بين المموّنين الأوائل للهند بالأسلحة، والتي أصبحت بالتالي سوق التصدير الأولى لها. إذ يُقدّر حجم العقود التي أبرمت خلال العشرة أعوامٍ المنصرمة بحوالي 10 مليارات دولار .

تميّزت إسرائيل، بشكلٍ خاصّ، بالمرونة والتجاوب السريع. المرونة، لأنّ الدولة تكيّفت على الفور مع خصوصيّات القوّات المسلّحة الهندية، التي كانت صُنّعت تجهيزاتها في روسيا السوفياتية؛ لذا وقّعت عقوداً مربحة جداً لتحديث التجهيزات الروسيّة: لتزويد كافّة أنواع الدبابات، وحاملات الطائرات، والمروحيات والطائرات الحربيّة بتجهيزات إلكترونية إسرائيلية. أمّا التجاوب السريع فتبيّن مع التزويد الطارىء للجيش الهندي بالذخائر خلال المواجهة مع باكستان في كشمير، في العام 1999، فيما عرف حينها بـ"أزمة كرغيل" .

تركّز التعاون الصناعي بين البلدين على قطاعيْن طليعيّيْن: رادارات المراقبة وطائرات الاستطلاع من دون طيّار من جهة، وأنظمة الصواريخ من جهة أخرى. بالنسبة إلى القطاع الأول، تمّ توقيع عقدٍ بقيمة 1.1 مليار دولار في العام 2004 لبيع ثلاث أنظمة فالكون. أمّا بالنسبة إلى الصواريخ من طراز باراك، فقد بدأ التعاون في العام 2001، مع عقدٍ بقيمة 270 مليون دولار لبيع نظامٍ دفاعيّ مُضادّ للسفن الحربية. وقد دخل التعاون الصناعي منعطفاً، في كانون الثاني/يناير 2006، عندما قرّر البلدان المبادرة إلى تطويرٍ مشتركٍ لجيلٍ جديد من الصواريخ. ومن خلال انخراطها في عمليّة نقل التقانة، وضعت إسرائيل نفسها في موقع المنافس للروس، المُلتزمين كذلك بالتطوير المشترك للصواريخ البعيدة المدى "cruse" مع الهنود. أخيراً، في العام 2007، أعلن البلدان عن مشروع خصّص له 2.5 مليار دولار للتطوير المشترك لنظامٍ للدفاع الجوي يعتمد على صواريخ الباراك، إنّما يتّجه هذه المرّة للقوّات الجويّة والبرّية على السواء.

مجال آخر للتعاون الحسّاس:

هو التصوير عبر الأقمار الاصطناعية. ففي كانون الثاني/يناير 2008، أطلقت الهند قمراً إصطناعياً للتجسّس من الجيل الأخير لمصلحة إسرائيل، قادراً على رصد معلومات تتعلّق بالمنشآت الاستراتيجية الإيرانية.

وفي نيسان/إبريل 2009، أطلقت قمراً آخر لحسابها الخاصّ، تمّ التزوّد به بصورة طارئة بعد اعتداءات بومباي (مومباي) التي أوقعت، في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، 170 قتيلاّ، والتي كشفت حينها عن شوائب خطيرة في مجال مراقبة الأراضي. وكذلك في إطار "ما بعد اعتداءات بومباي" نفسه، اشترت الهند رادارات إسرائيلية بقيمة 600 مليون دولار، لتعزيز جهاز الإنذار الخاصّ بها على طول شاطئها الغربيّ.

لا شكّ أنّ إسرائيل تتمتّع بمركزٍ متميّزٍ لمساندة الهند في جهدها لتحسين جهاز إحكام الأمن على أراضيها، وبصورةٍ أشمل، لتوطيد التعاون معها الذي كان وثيقاً في مجال محاربة الإرهاب. فقد ساعد الإسرائيليّون في بناء سياجٍ على طول خطّ المراقبة مع باكستان. كما أمّنوا العديد من أنظمة المراقبة لمنع تسرّب المجاهدين الإسلاميين، وهم على الأخصّ من المتدخّلين الخارجيّين القلائل الذين قصدوا مسرح العمليّات في كشمير. لكنّ نيودلهي لا تزال حتى اليوم، على غرار المجتمع الدولي، تؤيّد إنشاء دولةٍ فلسطينية مستقلّة وقابلة للحياة. إلاّ أنّه على مدى الأزمات المتعاقبة بين إسرائيل وجيرانها، اتقنت الدبلوماسية الهندية فنّ المراوغة. فتقضي مقاربتها للموضوع بفصل العلاقة الثنائية عن تقلّبات الوضع في الشرق الأوسط، أي بتعبيرٍ آخر حماية تعاونها مع إسرائيل أوّلاً، مع تفادي تأليب الدول العربية ضدّها. من هنا التصاريح الرسميّة غير الحاسمة، التي تدين بالتتالي، لترجيح الدفّة، الاعتداءات الإرهابية العمياء على إسرائيل، وقساوة "الردود الانتقامية".

هكذا بدأت الدبلوماسية الهندية تحبّذ في عملها لعبة التوازنات الصعبة، حيث طوّرت نيودلهي في بداية الألفية الثانية، بالتزامن مع تقرّبها من إسرائيل، علاقاتها مع إيران. فقبل استقبالها آرييل شارون في أيلول/سبتمبر 2003، استقبلت، في كانون الثاني/يناير من العام نفسه، الرئيس محمّد خاتمي. وقد منح هذا التقارب مع إسرائيل الهند، بصورة متناقضة نوعاً ما، رافعةً جديدة لسياستها في الشرق الأوسط: فكون دعمها لم يعُد مضموناً بقدر ما كان عليه في الماضي، تعلّمت دول المنطقة مراعاة مصالحها. حرج في نيودلهي إبّان الحرب على لبنان إنْ كانت العلاقة مع إسرائيل لا تزال ممارسة دقيقة وحسّاسة، فالأمر يتعلّق بأسبابٍ داخلية أكثر منها خارجية.

إذ يجب مراعاة مشاعر الأقلّية المسلمة (14 في المئة من السكّان)؛ كما يجب الأخذ في الاعتبار موقف الشرائح السياسية اليساريّة التي ورثت التقليد المُعادي للإمبريالية، والتي تتحرّك ضدّ أية سياسة مؤيّدة علناً لإسرائيل. هكذا يفضّل أصحاب القرار في الهند التحفّظ والسريّة في الحديث عن تعاونهم مع الدولة العبريّة. طبعاً من الأصعب المحافظة على هذا الخطّ خلال الأزمات: فقد جسّدت حرب لبنان في العام 2006 ارتباك نيودلهي، التي اكتفت في البداية بإدانات متردّدة للعمليّة الإسرائيلية، قبل أن ترفع النبرة تحت ضغط الأحزاب الشيوعيّة والناخبين المسلمين. وفي النهاية، اعتمد البرلمان المحتقِن قراراً بالإجماع يدين العدوان.

تجاذبات الهند حول موضوع الشرق الأوسط مليئة بالعبر. فهي، على المستوى الدبلوماسي، محصّلة لاستقطابٍ متوقّع بين دُعاة الموقف التقليديّ المُوالي للعرب ومؤيّدي الشراكة مع إسرائيل. لكنّها تكشف أيضاً، بدقّةٍ أكبر، عن نزاع داخليّ، بين ضرورة مُراعاة أقليّة مشكّلة من 160 مليون شخص، تجعل من الهند ثالث دولةٍ مسلمةٍ في العالم، وانبهارٍ غير مُعلنٍ بالأساليب الحربية التي تعتمدها إسرائيل. أساليبٌ قد تراود البعض في نيودلهي الرغبة باختبارها ضدّ الحركات الإرهابية المُتمركزة في باكستان. * باحثة متخصّصة في قضايا الأمن في جنوب آسيا، أستاذة في "معهد الدراسات السياسية" في باريس وفي "المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية" (Inalco).

الآثــار والتــوراة فــي فلسطيــن..ادعــاءات وحقائــق ..محمـد حجـازي

سعى الآثاريون الإسرائيليون ومنذ بداية الصراع إلى تشويه التاريخ القديم لهذه المنطقة استناداً إلى مروياتهم التوراتية حيث استندوا في مشروعهم السياسي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين إلى حقهم التاريخي المزعوم كما جاء في التوراة التي شكلت بالنسبة لهم المستند والتعبئة الأيدولوجية لفكرتهم.ووصل هذا التشويه إلى حد تزييف بعض قطع الآثار التي تعود إلى حقبة بناء الهيكل الثاني على حد زعمهم، فقد أوردت صحيفة هآرتس يوم 26/3/2004 خبراً مفاده أن مسؤولين في سلطة الآثار الإسرائيلية يأكدون أن المكتشف الأثري " رمانة العاج " الذي يحمل كتابه قديمة مأخوذة من التوراة وتم عرضه في متحف " غراند باليه " الفرنسي في باريس مزيف، حيث تبين وجود العديد من المكتشفات الأثرية المزيفة والتي تعود إلى فترات تاريخية مثل عهد الهيكل الثاني. ويضيف مسؤولوا سلطة الآثار الإسرائيلية، إن اكتشاف أمر أعمال التزييف هذه سيسبب مشكلة لا تقدر بثمن لعلم الآثار، إذ أن هناك عدداً كبيراً من الأبحاث والنظريات في علم الآثار استندت إلى هذه المكتشفات المزيفة.

التي كانت تقوم بها شبكة إسرائيلية تعمل منذ أكثر من 15 عاماً وتضم في عضويتها متخصصون في علم الآثار، ويرأس هذه الشبكة شخص يدعى " عوديد غولان " وهو جامع للمكتشفات الأثرية ويشارك أيضاً في هذه الشبكة وسطاء وأشخاص أقاموا شركات وهمية لبيع الآثار. بلا شك أن التوظيف الآثاري لحالة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ولّد مشكلة وقضية معقدة أدى إلى تشويه التاريخ الحقيقي للمنطقة وقدم فرضيات عديدة لم يتم البرهة عليها " لأن النظريات إذا لم تقرن بآثار تبقى فرضيات بانتظار البرهنة عليها آثارياً ".وحول هذه المواضيع نشرت صحيفة القدس بحثاً هاماً للباحث أحمد عثمان بتاريخ 4/12/1995، تحت عنوان " الدلائل الأثرية تناقض قصة احتلال بني إسرائيل لأرض كنعان بقيادة يشوع ".

ورد فيه أنه لم يتم العثور على أدلة آثارية تتعلق ببعض الشخصيات والأحداث، بالطريقة التي وردت في كتب العهد القديم. ويتطابق هذه الكلام مع حديث آثاريين من الولايات المتحدة الأمريكية يقول " كينيت هولوم " – أستاذ الحفريات بجامعة مريلاند الأمريكية – من أنه" لم يعد هدف عملنا هو إثبات أو نفي صحة ما جاء في الكتب المقدسة، وإنما هو مساعدة العلماء على فهم الثقافات القديمة.

وكان فرع الدراسة المعروف باسم " بيبليكال أركيولوجي " او حفريات الكتب المقدسة الذي بدأ منذ مئة عام، وكان هدفه الرئيس هو مجرد العثور على بقايا أثرية تؤكد صحة ما ورد في التوراة، لكن الوضع تغير بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لم يتم العثور على أية دلائل تتفق مع بعض القصص التوراتية مثل قصة " يوسف الصديق " أو قصة خروج بني إسرائيل من مصر أو غزوهم لأرض كنعان.

أما الدكتور " كمال الصليبي " صاحب الكتاب الشهير التوراة جاءت من جزيرة العرب الذي أحدث ثورة في المرويات التوراتية لهذه المنطقة يجيب على الغموض الذي أصاب علماء الآثار الأمريكان ودفعهم لتغيير هدفهم الأساسي، فيقول : " إن اليهود لم يكونوا أول من استوطن فلسطين، بل هناك " الفلسطينيون " أي ( الفلستيون ) الذين وصولوا بلا شك من غرب شبه الجزيرة العربية قبلهم "هذا الحديث يخالف به الكاتب فرضية بأنهم جاؤوا من بحر إيجه،" فصارت البلاد تعرف باسمهم، وهناك أيضاً الكنعانيون الذين نزحوا من غرب شبه الجزيرة العربية في زمن مبكر،عندما تفرقت قبائلهم في الأرجاء ( سفر التكوين 10: 18 ) ليعطوا اسمهم لأرض كنعان ( كنعن ) على امتداد الساحل الشامي، شمال فلسطين، في المنطقة التي سماها الإغريق فينيقيا ( على اسم الفينيقيا في عسير ).

إن الهجرات الفلستية والكنعانية إلى هناك لا بد أن تكون قد نمت وازدادت بمرور الزمن، واستناداً إلى الكتب التاريخية للتوراة العبرية، فمن الواضح أن المملكة الإسرائيلية قد أسست في غرب شبه الجزيرة العربية بين أواخر القرن الحادي عشر ومطلع القرن العاشر قبل الميلاد، وإلى حد كبير على حساب مجتمعات مثل الفلستينيين والكنعانيين إثر هجرتهم، من شبه الجزيرة العربية إلى الشام التي ازدادت حجماً في تلك الفترة على إثر الهزائم المتتالية التي ألحقها بنو إسرائيل بهم في مواطنهم الأصلية.

وتحايلاً على الموضوع، خرج علماء الآثار الإسرائيليين بنظرية جديدة، تقول أن السبب الرئيس لعدم العثور على مستندات آثارية يهودية في فلسطين يعود إلى أن يهود الأمس قد تبنوا الحضارة الكنعانية القديمة في فلسطين لأن حضارتهم " العبرية " كانت أضعف من أن تنافس الحضارة الكنعانية، وتبنيهم لهذه الحضارة أدى إلى تطوير الحضارة الكنعانية نفسها حيث نتج عنها حضارة يهودية ولكن بلباس كنعاني، طبعاً هذا هوس تاريخي مكشوف لأن هذا الافتراض لا يصمد أمام الحقائق التاريخية والآثارية.

ويضاف إلى ذلك الإدعاء إدعاء آخر يقول : بأن فلسطينيي اليوم جاءوا إلى البلاد مع بداية الفتح العربي لفلسطين وهذه مقتطفات من مقال أوردتها صحيفة معاريف يوم 4/9/96، تحت عنوان من هو الكنعاني. أهم ما جاء فيه " أن الإدعاء العربي الفلسطيني بأن عرب هذه البلاد هم ورثة وأحفاد الكنعانيين إدعاء قديم جداً فمنذ العشرينات كانت القيادة العربية الفلسطينية قد ذكرت هذه المسألة للبريطانيين والغرض منه هو البرهنة على أن عرب البلاد قد سبقوا أبناء إسرائيل الذين غزوا البلاد من الخارج.

فإذا كان إدعاء الفلسطينيين بأنهم ورثة الكنعانيين " والكلام لكاتب المقال " فلماذا لم يحافظوا على اللغة الكنعانية القديمة؟. يرد على هذا الإدعاء مؤرخ أمريكي " بالرغم من انه معروف بتحيزه لدولة إسرائيل " بيرنارد لويس" يقول أن عدد العرب الذين صاحبوا عملية الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام منذ بداية الفتح وحتى نهاية الدولة الأموية لم يزد عن ربع مليون شخص. هذا الرقم وحتى لو افترضنا بأنه صحيح فهو لا يشكل مستند وحجة قوية عند علماء الأجناس. والمصادر التاريخية العربية وهي الأوثق في هذا المجال قدرت عدد العرب الذين جاءوا من اليمن والحجاز للمشاركة في فتح بلاد الشام حوالي 40- 50 ألف مجند وهنا يجدر الإشارة أن بلاد الشام كانت الممر الوحيد للجيوش العربية الإسلامية إلى شمال إفريقيا والأندلس التي فتحت تلك البلاد.

بمعنى إن إقامة هؤلاء الجند كانت متحركة وليست دائمة إلا بحدودها الدنيا. إن الإدعاء السائد بين يهود العالم بأنهم من سلالة بني إسرائيل وبأن اليهود ليسوا مجتمعاً دينياً فحسب بل شعب وريث لبني إسرائيل، وأن له الحقوق التاريخية لبنى إسرائيل إنما هو إدعاء باطل أصلاً، لأن بني إسرائيل شعب باد منذ القرن الخامس قبل الميلاد وهو غير صحيح حتى في حال إقرار المبدأ بأن للشعوب حقوقاً تاريخية في أراضٍ معينة تبقى قائمة على حساب الآخرين مهما طال الزمن. وأقل ما يقال في هذا المبدأ أنه غير مقبول إلا من أصحاب الهوس العرقي.

فمن المؤكد عند علماء الأجناس أن شعب إسرائيل البائد قد انصهر في مجتمعات عربية وتحول مع مرور الزمن إلى المسيحية فالإسلام ومن البديهي أن العرق بحد ذاته لا يموت، وإنما الذي يموت هو المجتمع والانتماء والاسم وذلك عن طريق التحول من واقع اجتماعي تاريخي معين إلى واقع آخر. ومن جهة أخرى هناك آثاريين إسرائيليين جدد بدؤوا مؤخراً يتحدثون علانية عن العلاقة بين المرويات التوراتية والآثار المكتشفة في المنطقة ففي مقال مطول للباحث الآثاري " د. زئيف هيرتسوغ "، يقول بأن المكتشف الأثري يناقض بوضوح الصورة التوراتية " بأن مدن كنعان لم تكن ضخمة ولم تكن محصنة ولم تكن رؤوسها في السماء كما ورد في التوراة وهذا ما هو إلا بدعة لاهوتية لا تستند إلى أي حقائق على الأرض. ويتسائل الكاتب في مكان آخر من المقال إذاً من نكون نحن وما هو أصل الإسرائيليين فإن لم تكن هناك دلائل حول الخروج من مصر وحول الرحلة في الصحراء واحتلال المدن الكنعانية فلا بد من وجود فرضية أخرى.

" إسرائيل فنكلشتاين من " أهم الآثاريين الإسرائيليين " اقترح النظر للمستوطنين على أنهم الرعاة الطبيعيون الذين تجولوا في منطقة الجبل في العهد البرونزي المتأخر، فكان لهم اقتصاد تبادلي ومع انهيار النظام الحضري والزراعي في الأغوار أصبح لديهم دافع للتوطن والاستقرار.

وينهي الكاتب مقاله بالاعتراف بأن المجتمع الإسرائيلي اليوم أصبح ناضجاً جزئياً للاعتراف بالظلم الذي لحق بسكان البلاد العرب، ومستعد لقبول المساواة في الحقوق إلا أنه ليس معنياً بشكل كاف لتبني الحقائق الأثرية التي تدحض الأسطورة التوراتية.

وإذا كان الإسرائيليون سعوا إلى ذلك بشكل حثيث رغم تناقض استنتاجاتهم وتسليمهم بكثير من الحقائق التي تدحض وتخلخل المصداقية التاريخية للوصف التوراتي، نقوم نحن الفلسطينيون والعرب بصياغة تشويه آخر يدعم ويساند أفكار وطرح منظروا اليمين المتطرف من آثاريين وسياسيين.فشعار المسيرات والتظاهرات الشعبية سواءً الفلسطينية منها أو العربية، " خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود "، بلا شك أن هذا الشعار يعني أن يهود اليوم " المستوطنون المهاجرون إلى فلسطين " من مختلف أصقاع الأرض، هم امتداد تاريخي ليهود الأمس، ومنهم يهود خيبر " شبه الجزيرة العربية " وهو تسليم خاطئ يضعنا في إشكاليات عديدة شديدة الالتباس يفسر الصراع على أنه ديني إسلامي – يهودي وليس له طابع سياسي وحقوق شعب … الخ.

ويجعل من كل يهود العالم أعداء للمسلمين. إن الغوص في موضوع المرويات التوراتية من قبل ساسة معاصرين وتوظيفها لخدمة قضاياهم السياسية المعاصرة يقدم مادة تحريضية قوية مغلفة بغلاف ديني لليمين الإسرائيلي ويولد من جهة أخرى ردود فعل عند الطرف الآخر العربي والفلسطيني والإسلامي بشكل عام تجعل من كل يهود العالم معادين للحقوق الفلسطينية والعربية في هذه المنطقة ويشوه الصراع الحقيقي الذي هو في جوهره صراع شعب أنتُزع من أرضه وشرد وحرم من ممارسة سيادته على أرضه. وهي القضية التي حظيت بإجماع دولي كبير.

من هي أبرز الجماعات الدينية اليهودية المتربصة بالمسجد الأقصى؟

القدس المحتلة / سما / ما بين جماعات دينية متطرفة وعصابات صهيونية، أصبح المجتمع الإسرائيلي بكل مكوناته يتربص بالمسجد الأقصى المبارك وهو ما كشفته الاقتحامات الاستفزازية التي قام بها يهود متطرفون خلال الفترة الماضية للمسجد، وشهدت مواجهات عنيفة بين المصلين وشرطة الاحتلال التي تدعم هذه الاقتحامات خلال الفترة الماضية. ووقعت مصادمات بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين المرابطين بالأقصى لمنع يهود متطرفين من اقتحامه وسط تصاعد الدعوات اليهودية لاجتياحه بمناسبة أعيادهم.

وغالبا ما تتواكب مصادمات بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين المرابطين بالأقصى مع الأعياد الدينية اليهودية ما يعرف بمسيرات شد الظهر، أو أسوار القدس التي يقوم بها متطرفون يهود إلى القدس، ولاسيما إلى حائط البراق المسمى عندهم بحائط المبكى أو الحائط الغربي. هذه (الأعياد) تعود جذورها إلى التلمود الذي يعد الكتاب الأول الذي تعتمد عليه الجماعات اليهودية المتطرفة في استقاء فتاواها، بالرغم من أنه ليس من الكتب السماوية المنزلة.

ويرى عدد من المؤرخين أن جميع المنظمات الدينية والصهيونية التي تشارك في عمليات اقتحام الأقصى ينطلقون من فكرة أساسية ومحورية وهي الإيمان بأساطير تلمودية وادعاءات صهيونية لبناء ما يسمى بالهيكل الثالث، حيث يزعم تراث اليهود أن الهيكل تم تدميره مرتين أولهما إبان ما يعرف بلسبي البابلي ليهود فلسطين عام 586 ق.م.، والمرة الثانية كانت عام 70 ميلاديا، إبان ما يعرف بالسبي الروماني ليهود فلسطين.

جماعة إحياء الهيكل وهي جماعة يهودية من أكثر الجماعات تطرفا، وتسعى لضم الجماعات اليهودية المهتمة بهدم الأقصى في جماعة واحدة، وتمثل الإطار العام لمعظم المنظمات المعنية بما يدعونه جبل الهيكل، ويتزعمها الحاخام هليل وايز. جماعة حراس الهيكل وتضم 4 منظمات هي معهد الهيكل: تأسست عام 1983 على يد كل من الحاخام يسرائيل أرييل، وموشي نيمان، ومايكل بن حورين في الحي اليهودي بالقدس، ويؤمن قادتها بأن بناء الهيكل لن يتم عن طريق المعجزات بل من خلال مبادرات عملية فعالة، وتتلقى هذه المنظمة دعما من الحكومة الإسرائيلية وبعض المنظمات الصهيونية القومية، إضافة إلى بعض الجماعات المسيحية الأصولية.

إلى جبل حامور وهي جماعة أكاديمية تهتم بالعمل النظري، وأعضاؤها الأساسيون من مستوطنة يتزهار، مثل الحاخام يتسحاق شابيرا، ودودي دودا كيفيتش، وشاي داوييم، ويوسي بلاي، وتعمل هذه الحركة على تنظيم حملات متكررة لتوجه اليهود إلى الحرم القدسي، كما تعقد دورات لطلاب المدارس الدينية لهذا الغرض. الحركة من أجل إنشاء الهيكل ويرأسها الحاخام يوسف البويم، وتنشر وسط أتباعها أن الهدف الحقيقي من وراء إنشائها هو تهويد الحرم القدسي الشريف وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، وتقوم هذه الجماعة بإصدار منشورات تحريضية في أوقات الأعياد اليهودية ولاسيما المرتبطة منها بالهيكل، مثل ذكرى خراب الهيكل المزعوم يوم 9 أغسطس، كما تنظم دوريا مسيرات وزيارات لأتباعها إلى الحرم القدسي وذلك من خلال دعوتهم عن طريق الإنترنت أو التجمعات العامة.

مدرسة الفكرة اليهودية وهي مدرسة دينية أسسها عدد من الأعضاء السابقين في حركة كاخ اليهودية المتطرفة، وتقع بالقرب من الحي الإسلامي بالقدس، ودورها ينحصر في تخريج جيل من اليهود المتدينين الواعي بأهمية ما يصفونه بجبل الهيكل وحق اليهود فيه، وتحصل على دعم مالي من بعض الأحزاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة مثل الحزب الديني القومي المعروف باسم المفدال. جماعة بناء الهيكل من الجماعات الدينية التي تتولى الجوانب العملية لتنفيذ ما يسمى باستعادة الشعائر وغيرها من الممارسات المتعلقة بالهيكل، ويرأسها الحاخام ديفيد إلباوم. وحركة حراس الكهنة و تتمثل مهمتها في المساعدة في تأدية الشعائر المقدسة في الهيكل المزعوم.

حركة إسرائيل الفتاة بزعامة الحاخام لخمان كاهانا، والتي تم تغيير اسمها مؤخرا لتعرف باسم جماعة كهانا نسبة لزعيمها، ويتركز نفوذها في حي طريق باب الواد، عند مكان يعرف بـ (كوليل جورجيا) في البلدة القديمة في القدس. وأثارت هذه الجماعة صداما دمويا مع السكان العرب المقدسيين في عام 1983، عندما نظمت مسيرة لإدخال التوراة إلى (كنيس كوليل جورجيا) في احتفال ديني يمرون خلاله بجوار حائط البراق، ويحاولون أحيانا اقتحام الحرم، لكن السكان العرب تصدوا للمسيرة باعتبارها مظهرا للتهويد.

جماعة كاخ فهي من أشهر الجماعات اليهودية المعنية بهدم الأقصى، وقد تأسست عام 1972 على يد الحاخام اليهودي الأمريكي مائير كاهانا، ومن أتباعها المتطرف جودمان الذي قام بهجوم على الأقصى يوم 11 أبريل 1982. جماعة أمناء الهيكل جماعة دينية متطرفة تسعى إلى تهويد منطقة المسجد الأقصى، ويقع المقر الرئيسي لها في مدينة القدس المحتلة، إلا أن لها فرعا في الولايات المتحدة يقوم من خلاله متطرفون من كاليفورنيا بتقديم دعم مالي لها.

منظمة التاج الكهنوتي منظمة تعود جذورها إلى الحاخام أبراهام يتسحاق كول، ويؤمن أتباعها بأنهم طلائع الحركة التي ستبدأ المسيرة في الهيكل، كما أن لديها خططا هندسية جديدة لإنشاء الهيكل المزعوم. وكانوا حتى عهد قريب يمتنعون عن الذهاب إلى المسجد الأقصى الذي يسمونه جبل الهيكل حتى تصدر فتوى لليهود بالصلاة عنده، وقد صدرت تلك الفتوى عام 1985.

حركة إعادة التاج يتزعمها الحاخام يسرائيل فويختونفر الذي يحرك مجموعة عنيفة من الشباب المتعصبين، ويخططون للاستيلاء على بيوت ومبان عدة في القدس بدعوى أنها كانت يوما ملكا لليهود.

جماعة الاستيلاء على الأقصى أعضاؤها يدعون علنا إلى هدم المسجد الأقصى، إضافة إلى طرد جميع المسلمين مما يسمونه أرض إسرائيل، ومن أهداف هذه الحركة أيضا تهويد مدينة الخليل، والاستيلاء على المسجد الإبراهيمي الذي أطلقوا عليه اسم كنيس ماكفير، ومن أبرز رموزها: يسرائيل أرييل، والحاخام كورن الذي يعد المرشد الروحي لعدد من اليهود الذين قاموا بالاعتداء على المسجد الأقصى عام 1986.

ومازال العدوان مستمرا من قبل هذه الجماعات اليهودية المتطرفة على المسجد الأقصى ومدينة القدس. والسؤال الذي يطرح نفسه على الساحة الفلسطينية أين القانون الدولي والشرعية الدولية والأممية من وقف الاعتداءات على المسجد الأقصى والمصلين وتهويد مدينة القدس؟

محطم دولة اليهود الخزر سفياتوسلاف أيغورفيتش .. د.ابراهيم علوش

د. إبراهيم علوش ما أن ظهر كتاب "القبيلة الثالثة عشرة" عام 1976 للروائي الهنغاري الأصل البريطاني الجنسية أرثر كوستلر، الذي نسب فيه كوستلر اليهودَ الغربيين (الأشكناز) لقبائل الخزر التركية الأصول التي كانت تحكم في القرن العاشر الميلادي المنطقة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود، حتى قامت قيامة اليهود والصهاينة ولم تقعد، وكتبوا ردوداً عديدة على كوستلر تشكك بالدقة التاريخية لكتابه.

وما برح العلماء اليهود ينشرون دراسة جينية تلو أخرى تشكك بعلاقة الأشكناز بالخزر، منها دراسة نشرت عام 2005.

ويشير اللغويون اليهود أن الأشكناز إن كانوا خزريي الأصول، فإن اللغة اليديشية التي يتحدثونها تخلو فعلياً من التأثيرات التركية التي ينتسب إليها الخزر... الخ...

ومع أن كوستلر كان يهودياً صهيونياً اعتبر أن مشروعية "إسرائيل" تنبع من القرار الدولي بتأسيسها وليس من أي عهد توارتي أو علاقة جينية مع العبرانيين القدامى، فإن العبرة السياسية لدراسته التاريخية بسيطة تماماً: إذا كان الأشكناز الذين يسيطرون على الكيان الصهيوني واللوبي اليهودي العالمي خزراً، أي ترك المنابت، فإن ذلك يخرجهم من العرق السامي، كما أنه يخرجهم من نسب سيدنا إبراهيم، ومن أي عهد للنبي موسى، فهم ليسوا من أحفاد العبرانيين القدماء... وهذا لا يفقدهم الحق ب"أرض الميعاد" فحسب حسب توراتهم نفسها، بل يحرمهم أيضاً من حق توجيه تهمة "معاداة السامية" لمن يعاديهم في الغرب لأنهم ببساطة ليسوا "ساميين" (بالرغم من التحفظ على كل تعبير "ساميين")!

لذلك، كان لا بد لعلوم التاريخ والجينات واللغويات أن تثبت أن الأشكناز ليسوا خزراً ولو وقفت كل تلك العلوم على رأسها، لأن مصلحة اليهود والإمبريالية العالمية تقتضي ذلك، ولهذا فإننا لا نستطيع أن نثق بالمصداقية العلمية أو بمهنية أي من البحوث التي تدحض كوستلر ما دامت المشروعية التاريخية للكيان الصهيوني والمشروعية السياسية للوبي اليهودي العالمي على المحك.

بجميع الأحوال، الأمر الذي لا شك فيه هو أن ثمة شعب هو الخزر كان يقطن يوماً ما المنطقة الواقعة إلى الشمال من ضفاف بحري قزوين والأسود، وأن ذلك الشعب المؤلف من قبائل شبه حضرية شكل له دولة في القرن السابع الميلادي، أي في نفس الفترة التي قامت فيها الدولة العربية-الإسلامية الأولى. ومما لا شك فيه أيضاً أن تلك الدولة الخزرية الصاعدة خاضت سلسلة من الحروب مع العرب في القرنين السابع والثامن الميلادي.

وقد وقعت أولى تلك الحروب عام 650 ميلادي كما جاء في تاريخ الطبري، حيث تقدمت قوة عربية بقيادة عبد الرحمن بن ربيعة لفتح شمال القوقاز وحققت اختراقاً حقيقياً حتى اصطدمت بقوة خزرية ردتها على أعقابها على أبواب مدينة بلنجار، التي أصبحت في فترة ما عاصمةً لدولة الخزر. وقد تمددت دولة الخزر وبسطت نفوذها على شبه جزيرة القرم بعد ذلك فيما استمرت المساجلات بينها وبين الدولة العربية-الإسلامية الصاعدة على تخوم ما يعرف اليوم بكردستان وإيران، وقد تحالفت دولة الخزر أبان ذلك مع البيزنطيين، قبل أن تقوى شوكتها وتدخل في صراعات معهم.

وفي 710 ميلادي، تصاعدت الغزوات المتبادلة بين العرب والخزر دون معارك مهمة حتى استباح الخزر عام 730 م مدينة أردبيل في شمال غرب إيران اليوم، وقتلوا واليها العربي أبو عقبة الجراح بن عبدالله الحكمي، وقطعوا رأسه، وشنوا حملة في العام الذي تلا على الموصل في العراق، فتصدت لهم قوة أموية بقيادة مروان بن محمد (الخليفة مروان الثاني فيما بعد) وهزمتهم، وتابعت القوة العربية حملتها المظفرة عبر القوقاز وهزمت الجيش الخزري عام 737 م، واحتلت عاصمتهم آنذاك واسمها أتيل، ولم يتمكن الجيش الأموي من البقاء بسبب القلاقل الداخلية في الجبهة الخلفية، فأضطر للانسحاب، وهنا انقلب بولان حاكم الخزر، بعدما أعلن إسلامه، ليؤكد على استقلاليته عن الخلافة الإسلامية وعن البيزنطيين المسيحيين في آنٍ معاً، فأشهر يهوديته في خطوة سياسية أخذت بعين الاعتبار بأن العرب والبيزنطيين كلاهما يعترف باليهودية ديانةً سماوية.. وتهودت مع بولان الطبقة الخزرية الحاكمة على الأقل.

وكان الخزريون قبل ذلك وثنيين، ويقال أن ذلك حدث عام 740 م، وهكذا نشأت دولة الخزر اليهودية. وفي الفترة التي تلت، تمددت تلك الدولة حتى نهر الدانوب في الغرب، وبعد غزوة كبيرة للخزر على شمال غرب فارس في زمن العباسيين، هادنها العباسيون وأقاموا العلاقات السلمية معها.

وتشير المراجع التاريخية إلى أن دولة الخزر تلك لعبت دور حامية حمى يهود العالم، فكانت تقيم العلاقات السياسية والتجارية مع الجاليات اليهودية البعيدة (غير الخزرية)، وكانت تتبنى قضاياهم، وتنتقم لهم إن تعرضوا لأذى، وكانوا يهاجرون إليها، وكان حكامها يستقدمون الحاخامات من حول العالم لتعليم اليهودية للخزريين الذين لم تنتشر اليهودية تماماً بينهم إلا بعد فترة طويلة من الزمن. المهم أن دولة الخزر بين أواسط القرن الثامن الميلادي والقرن العاشر كانت بالنسبة ليهود الأمس ما تمثله "إسرائيل" ليهود اليوم: دولة اليهود الوحيدة في العالم.

وإذا كان العباسيون، خاصة في القرن التاسع والعاشر، قد هادنوا الخزر وتركوهم لشأنهم، على قاعدة احترام ميزان القوى وخطوط التماس، فإن الجبهة الشمالية الشرقية لدولة الخزر اليهودية كانت تتبلور فيها دولة "رس كييف" من اقوام سلافية ينسبها الروس والأوكرانيون والروس البيض لأنفسهم، ولو كان مؤسسوها الأوائل من التجار الاسكندنافيين.

وقد قويت دولة "رس كييف" تدريجياً، وفي ظل أميرها إيغور حاصرت القسطنطينية عاصمة البيزنطيين مرتين، في عام 941 ثم في عام 944 م، حين رُدت على أعقابها. وفي بداية عام 945 م قتل الأمير إيغور في قلاقل داخلية في دولته، وكان لا يزال في الثالثة والثلاثين من عمره، وكان احد أبنائه "سفياتوسلاف" Sviatoslav، موضوع هذه المادة، لا يزال في الثالثة من عمره (ولد عام 942 م)، فعقدت أمه أولغا معاهدة مع البيزنطيين بعد أن أصبحت وصيةً على العرش حتى بلغ سفياتوسلاف السن القانونية لتولي الحكم عام 963 م.

وكانت لحظة تولي سفياتوسلاف للحكم في "رس كييف" بداية النهاية بالنسبة للدولة اليهودية الخزرية التي انتعشت على مدى قرنين ونيف. فانطلق سفياتوسلاف الأمير الشاب، وهو المحارب الذي كره الإدارة وعاش مع الجيش، في سلسلة من الحملات العسكرية المتواصلة لتوسيع دولته حتى أصبحت خلال أقل من عشر سنوات أكبر دولة في أوروبا تتمدد من نهر الفولغا إلى البلقان.

وقد كانت دولة الخزر أقوى دولة في أوروبا الشرقية وقتها، وكانت عائقاً أمام تمدد دولة "رس كييف" غرباً وجنوباً، كما أن الخزر كانوا يتقاضون المكوس والضرائب على التجارة بين الشمال والجنوب عبر البحر الأسود، وكان ذلك أحد الموارد المالية الرئيسية لدولتهم وجيشها، ولكنه كان يضعف دولة السلاف الناشئة.

المهم، استند سفياتوسلاف في البداية للتحالف الذي أقامته أمه مع البيزنطيين عقب مقتل أبيه عام 945، وإلى التوتر الذي اعترى العلاقات البيزنطية-الخزرية بسبب "اضطهاد اليهود" المزعوم في بيزنطة. وبدأ الحملة ضد دولة الخزر الإقليمية، وهاجم مدينة "ساركل" الخزرية عام 965 م ومحقها، وأقام فيها مستعمرة سلافية، ثم استباح مدينة "كيرش" (تاموطرقان) الخزرية في القرم ولم يحتلها.

وفي عام 968 أو 969 م اجتاح هذا البطل السلافي المقدام عاصمة دولة اليهود الخزر "أتيل" وأزالها من الوجود، حتى قال أحد زوارها: "هاجم الرس، فلم تبقَ فيها حبة عنب ولا زبيبة، ولا ورقة شجر على غصنها"، وما برح العلماء ينقبون عن آثارها حتى اليوم، وفي عام 2008 أعلن فريق من علماء الآثار الروس أنهم اكتشفوا بقاياها أخيراً! وبعد تدمير القوة المركزية للخزر، ترك الأمير الشاب سفياتوسلاف في طريقه كثيراً من الإمارات الخزرية الصغيرة ليتوجه لمحاربة قوى إقليمية أكثر أهمية، وبعدها بسنوات قتل سفياتوسلاف في عام 972 وهو لم يزل في الثلاثين من عمره في كمين نصبه له بعض أتباعه من قومٌ أتراك (غير الخزر) بتآمر مع البيزنطيين الذين خشوا نفوذ سفياتوسلاف وتصاعد قوته، خاصة بعدما دخل مناطق نفوذهم في أدريانوبل (أديرن) مما أثار الرعب في شوارع القسطنطينية وفتح صفحة جديدة من المعارك بين "رس كييف" وبيزنطة (مما اشغلها عن العرب والمسلمين).

ولأن سفياتوسلاف كان محارباً وليس رجل دولة يبني المؤسسات، فقد تفككت الدولة التي أسسها بعد مقتله وتصارع خلفاؤه على فتاتها... مع أن دولة "رس كييف" عادت وصعدت بعد ذلك بزمن. ومن المهم أن يعرف العرب هذا الأمير السلافي الذي حطم دولة "إسرائيل" الخزرية في أوروبا الشرقية قبل أكثر من ألف عام، وهو أمير محارب عرف عنه شدة البطش وشدة التقشف، فكان لا ينتقل مع عربات أو أواني في حملاته، ولا ينام في خيام، بل يفترش البطانية التي يضعها على حصانه، ويضع السرج تحت رأسه كوسادة. وإذا أراد أن يأكل، كان يلقي بشرائح اللحم التي يقطعها بسكينه على النار. وكان يحلق رأسه إلا من ذنبٍ في أعلى رأسه، ولكنه كان كثيف الشاربين، ويلبس رداء أبيض دوماً.

وأخيراً، فإن ما لفت نظري لوجود الأمير سفياتوسلاف أيغورفيتش هو صورة النصب المقام له في روسيا على حصانه بعد أن أطاح بسيفه بمحارب يهودي خزري، ونلاحظ في تلك الصورة حافر حصان سفياتوسلاف وهو يدوس على درع ذلك اليهودي المحلى بنجمة داوود... فما أجمل تلك الصورة وذلك النصب!

من هم «المستعربون» في إسرائيل؟

تتواصل المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي في أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، للأسبوع الثاني على التوالي. وتحاول إسرائيل بقبضتها الأمنية وأدواتها الاستخبارية السيطرة على أعمال العنف وإحباط حدوث انتفاضة فلسطينية ثالثة. وتشكل "وحدة المستعربين" إحدى أهم أدواتها.

وقد برز استخدام قوات الاحتلال عناصر "المستعربين" في شكل واضح في مواجهة التظاهرات الفلسطينية الأخيرة، وهم يرتدون اللباس الفلسطيني ويتسللون ملثمين إلى تجمعات الشبان الفلسطينيين أثناء مواجهتهم القوات الإسرائيلية، ويقومون باستدراجهم والمساهمة في اعتقالهم وتسليمهم إلى سلطات الاحتلال، وقتلهم في بعض الأحيان.

ويقوم عناصر هذه الوحدة بالتجوّل في المناطق الفلسطينية، ويتخفون بلباس مواطنين فلسطينيين، ويتم اختيارهم تبعاً للمهمة واحتياجاتها. وقامت هذه الوحدة بعمليات اغتيال عدة لعدد من القيادات والناشطين الفلسطينين، إضافة إلى عمليات تتبع وتقصي معلومات حول الشبان المشاركين في الاحتجاجات ضد الاحتلال الإسرئيلي.

تاريخياً، يعود إنشاء وحدة "المستعربين"، إلى الخمسينات من القرن الماضي بعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948، وكانت تتبع "جهاز الأمن الداخلي" الإسرائيلي (شاباك).

ومهمة أفراد هذه الوحدة هي الاندماج مع اللاجئين الفلسطينيين داخل الدولة العبرية وفي مخيمات اللجوء في الدول العربية.
وتولى قيادة هذه الوحدة التي تم حلها أواخر العام 1959، شموئيل موريا، الذي ولد في العراق باسم "سامي معلم".

ويقول موريا في مقابلة أجرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية معه في العام 1998، إنه "توجب على المستعرب في ذلك الوقت أن يعيش كالعربي تماماً، لا أن يتنكر بزي عربي فقط، وأن يقيم بيتاً وأسرة ويولد له أطفال".

وأشار إلى أن فكرة تشكيل وحدة "المستعربين" نشأت لدى "جهاز الاستخبارات الإسرائيلية" (موساد) الذي استغل موجات اللاجئين الفلسطينيين خلال حرب العام 1948 من أجل زرع العملاء اليهود في الدول العربية وجاراتها إبان الحرب وبعدها.
وحصل هؤلاء العملاء على هويات عربية أخذت من اللاجئين، ومن خلال هذه الهويات المستعارة، عمل العديد منهم مثل إيلي كوهين في دمشق الذي أعدم في العام 1965، وباروخ مزراحي الذي زرع في اليمن واعتقل ونقل إلى مصر حيث أطلق سراحه، موضحاً أن هؤلاء تخصصوا في إرسال التقارير عن الإعداد للحرب أو أي خطوات غير عادية أخرى في الدول التي عاشوا فيها.

وقرر جهاز "شاباك" استخدام الأسلوب ذاته في أوساط العرب داخل الدولة العبرية الذين كانوا يخضعون في ذلك الوقت إلى حكم عسكري مشدد.

وجند موريا المرشحين من الشبان اليهود من مواليد الدول العربية وذوي الدراسة الثانوية. واعتبر تشكيل هذه الوحدة أحد الأسرار الكبيرة في الأوساط الاستخبارية الإسرائيلية. وقال موريا، إن "المشكلة التي واجهت اليهود المستعربين إضفاء اللكنة الفلسطينية عليهم، ولذلك ركزوا على تعلم الدراسة الدينية".

وأكد موريا أن وحدة "المستعربين" حُلت بعد تراكم المشاكل الاجتماعية التي نجمت منها، إذ "اضطر" هؤلاء إلى الزواج من عربيات مسلمات نتيجة لتعرضهم للضغوط في المحيط العربي الذي عاشوا فيه.

وأوضح إنه "عندما قررنا حل الوحدة وإخراج المستعربين من الميدان، ظهرت متاهات محيرة وصعبة: ما العمل مع الزوجات والأبناء؟ هل نخرجهم معهم؟". وأضاف: "من أحمد العربي عليك فجأة أن تعود لتصبح يوسي اليهودي وعليك أن تحدث زوجتك بالحقيقة، حقيقة أنك لست الوطني العربي الذي أحبته وإنما يهودي".

وأشار موريا إلى أن "الأسر تمزقت وتفرقت، وهوية الأولاد باتت مشكلة، خصوصا ًعندما يصل الابن إلى سن الخدمة في الجيش ويتوجب عليه أن يقرر إن كان سيتجند أم لا. فهو يعرف أن أمه عربية وأباه يهودي، ويسأل نفسه إلى أين عليه أن يوجه بندقيته".













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /21-10-2015, 02:49 PM   #57

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي على عَتَبة الكَنِيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود

على عَتَبة الكَنِيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود


« الشعبُ الجَحود، الحَرون، القُلَّب» دانتي[1]

عَتَبة

العَتَبة في لسان العرب دَرَجةُ البيت وخَشَبةُ الباب[2]، تقيم الحدّ بين الخارج والداخل، وتعني العبور والتجاوز. أمّا الكَنِيْس (بيت كْنيسِتْ بالعبريّة) فهو معبد اليهود؛ دارٌ للاجتماع والصلاة وتِلاوة التوراة، كان ظهوره علامةً في تاريخ اليهود[3].

وعليه، فقد أردنا «على عتبة الكنيس» مدخلاً يُدني الخارج من الداخل وينفتح على المغلَق؛ يقرّب إلى الأذهان معتقداتٍ ومفاهيمَ يهوديّة ما زال يكتنفها جوٌّ ملبّدٌ بالغموض والتعميم والأحكام الجاهزة، مستضيئين بالمثل المغربيّ القائل: «أخبار الدار على باب الدار»[4]، مستهدِين بنصوص التوراة والتَّلْمود وأحداث التاريخ ومؤلَّفات الراسخين في العلم.

إنّ اهتمامنا باليهوديّة لا ينبع من شعار: «إعرف عدوّك»! فبين اليهوديّة والصِّهيونيّة بَونٌ دلّ عليه شعراءُ المقاومة الفلسطينيّة أنفسُهم[5]؛ ولا ينبع من الآية الكريمة ﴿يا أهلَ الكتاب تعالَوا إلى كلمة سواء﴾[6]. إنّنا، إذ نبحث في الدين اليهوديّ، نستبطن أيضاً كُنْهَ عشرات الديانات والمذاهب الأخرى[7]. قال عبّاس محمود العقّاد: «لقد حملت اليهوديّة أعباء التوسّط بين الديانات الوثنيّة وعقائد التوحيد»[8]. إنّ الدين اليهوديّ هو سَلَف الدين المسيحيّ الذي اعترف ب «العهد القديم» وضمّه إلى جانب «العهد الجديد» طيَّ الكتاب المقدّس[9]؛ وهو سَلَف الدين الإسلاميّ الذي قصّ قَصص الأنبياء وأكمل رسالاتِهم، وكان النبيّ محمّد خاتمَهم[10].

إنّ اليهوديّة متأصّلة في التاريخ، حقيقيّاً كان أو أسطوريّاً، وفي التاريخ كما في الأسطورة حقيقة ينسجها العلماء أو تحيكها مخيّلة الشعوب؛ فقد اهتمّ اليهود بالتاريخ المقدّس أي بعَلاقتهم بالربّ / يَهْوَه[11]، وكانوا أوّل مَنِ اكتشف التاريخ بصفته تجلّياً للإله، حين حاولوا أن يؤلّفوا من حوادث العهد القديم وَحدةً متناسقة يقود فيها الله تاريخ اليهود. ويبدأ التاريخ لديهم بخلق العالم، وينتهي بظهور المسيح المنتظَر. ولذلك، ينتظم الدينُ اليهوديّ في تاريخ اليهود الاجتماعيّ والسياسيّ.

متاهة الاسم

وفي التوراة يُسمّى اليهود[12] بالعَبرانيّين وإسرائيل: اسم العَبرانيّين يدلّ على هجرة إبراهيم وعشيرته من بلاد دِجْلة والفُرات (أُور وحرّان) وعبورِهم إلى أرض كَنْعان، كما يدلّ على أصلهم البدويّ وعلى حياتهم القبليّة القائمة على العبور والتنقّل والارتحال[13]. أمّا اسم إسرائيل (بالعبريّة يِسْرَئِيل) فمعناه الحَرْفيّ «الذي يصارع الإله» أو «يجاهد مع الإله»، وهو الاسم الذي كُنّي به يعقوب (بن إسحق بن إبراهيم) عندما صارعه ملاك في الحُلم حتّى مطلع الفجر، ليعجم عُوده قبل أن يُختار نبيّاً، تَبيّنَ في ما بعد أنّه الإله[14]. وتحمل التسمية معنيَين: الصراع والقداسة، وتشير إلى فردٍ من نسل يعقوب، وتدلّ على فَخار. وبعد وفاة الملك سليمان وانشقاق المملكة (كما سيأتي لاحقاً)، تأسّست تباعاً مملكتا إسرائيل (880-721 ق. م.) ويهودا (730-587 ق. م.)، وسُمّي سكّان المملكة الأولى إسرائيليّين وسكّان المملكة الثانية يهوداً. وكذلك بعد السبي البابليّ، سُمّي العائدون يهوداً ثمّ شملت هذه التسمية كلّ أفراد هذا الشعب في العالم.

إذاً، ساد اسم العَبرانيّين المرحلة بين إبراهيم وموسى، ولمع اسم بني إسرائيل في مرحلة الخروج من مصر، ومكث الاسمان (إسرائيل ويهودا) جنباً إلى جنب حتّى تدمير مملكة إسرائيل. بعدها، تُرك المجال لاسم اليهود حتّى القرن التاسع عشر، حين بدأ اسم الصِّهيونيّين يلوح في الأفق مرادفاً لليهود[15]. ولعلّ التاريخ يجلو حقيقة الاسم ويكشف حقيقة الدين.

اليهود عبر التاريخ

كان العَبرانيّون، قبل أن ينحدر منهم الشعب اليهوديّ (= أحمد الربّ[16])، فرعاً في الدوحة الساميّة، قذفت بهم الجزيرة العربيّة إلى أُور (= نور، لهب) وحرّان (= طريق، قافلة) في بلاد الرافدين، في القرن العشرين قبل الميلاد، واستقرّوا في نهاية المطاف بأرضِ كَنْعان (= بن حام بن نوح، بلاد الأرجوان، الأرض المنخفضة)، أرضِ الميعاد (فلسطين[17]). لغتهم الأصليّة هي الآراميّة، أمّ العبريّة والعربيّة في آنٍ معاً. عبدوا إلهاً واحداً أسمى، كانوا له عبيداً وخدماً ورعيّةً وأمّة، وكانوا يفاخرون به الشعوب والقبائل المتاخمة، على الرغم من تأثّرهم بالديانات التعدّديّة. وكانت عبادتهم وتفاوت الحضارة موضوعَ احتكاك بمَن جاورهم وتحدٍّ، نتج عنه العَداء والاضطهاد والانعزال، وكأنّ الأمم من حولهم حَلْقة من نار لا يستطيعون منها فكاكاً.

للآباء[18] والأنبياء دورٌ رئيس في تاريخ الدين اليهوديّ، يتحدّثون بِاسم الله ويتحدّث الله من خلالهم، بَدْءاً بإبراهيم ( 2000 ق. م. = الأب الكريم)، جَدّ الشعب اليهوديّ، وأبي الأديان التوحيديّة الثلاثة[19]. تجلّى له الله وهو ابن تسع وتسعين وجرى بينهما عهد، أن يعبد ونسله الربّ على أن يعطيهم الربّ أرضَ كنعان[20]، فوصفته الكتب المقدّسة ب «الخليل» أي حبيب الله[21]. رُزق من جاريته المصريّة هاجَر إسماعيل (= يسمع الله)، أبا العرب[22]، وكان إبراهيم في السادسة والثمانين. وحين بلغ المئة، رُزق من زوجته المصريّة سارة (= أميرة) التي كانت في الثانية والتسعين إسحق (= يضحك). وقد امتحن الله إبراهيم في إسحق[23]، ومات عن 175 عاماً. أمّا يعقوب (= يعقب، يحلّ محلّ 1725-1575 ق. م.) فهو ثالث آباء اليهود، أنجب 12 ولداً / سِبطاً تحدّرت منهم قبائل اليهود الاثنتا عشْرة التي يتكوّن منها شعب إسرائيل[24]. وبعد أن حلّت مجاعة بأرض كَنعان، نزح أحفاد إبراهيم (يعقوب وبنوه) إلى أرض الكِنانة (1700 ق. م.). وكان أن استعبدهم الفرعون رعمسيس الثاني (1290-1224 ق. م.)، وسخّرهم في أعمالٍ عمرانيّةٍ جبّارة، كبناء المدن وتشييد المعابد وإقامة التماثيل، ممّا يحتاج تنفيذها إلى قوّةٍ بشريّةٍ هائلة، ثمّ أسرف في قتلهم وذلّهم، فأذاقهم الأمرّين.

بعد عشْر بلايا أنزلها يَهْوَه بالمصريّين لحثّ الفرعون على التوبة (الدم، الضفادع، البعوض، الذباب، الطاعون، الجُذام، البَرَد، الجراد، الظلام، موت الأبكار[25])، خرج موسى (بالمصريّة= وُلد، وبالعبريّة= المـُنتشَل من الماء) ببني إسرائيل العبيد، أحفاد يعقوب وورثة يوسف، من أرض العبوديّة (1230 ق. م.) بعد أن أقاموا بأرض مصر 430 سنة[26]. وبعد أربعين سنة من الهِيام في صحراء التيه ما بين مصر والشام[27]، شارفوا أرضَ الميعاد. ولأنّ موسى كان يصغي إلى يَهْوَه وهو يكلّمه، اكتسبَ لقب «كليم الله»[28]؛ فبعد ثلاثة أشهر من الخروج من مصر، وعلى سفح جبل حُوريب (جبل سيناء وجبل موسى)، أوحى يَهْوَه إليه بالشرائع الدينيّة والأخلاقيّة المعروفة بالوصايا العشْر التي خُطّت على لوحَيْن من حجر بإصبع الخالق، ودُعيت لوحَي العهد (لوحوت هَبْريت) أو الشريعة[29]. ولذا، فإنّ موسى عند اليهود هو أبو الأنبياء، ومؤسّس الدين اليهوديّ.

خَلَفَ موسى يشوعُ (= يَهْوَه خلاص) بن نون نبيّاً وقائداً عسكريّاً، واستمرّ حكمه 28 عاماً، ويروي سفرُه أخبارَه. تحت قيادته دخل اليهود أرضَ الميعاد، بعد مراحلَ من الغزو والتسلّل (1250-1200 ق. م.). وإبّان ستّ سنوات، نجحوا في الاستيلاء على أرض الكَنْعانيّين الطيّبة «أرض حنطة وشعير وكَرْم وتين ورمّان، أرض زيت وعسل»[30] استيلاءَ «قطيع من الذئاب الهزيلة الجائعة»[31] على جماعة مستقرّة آمنة، وسفكوا الدماء «زكاةً تقدمةً للربّ»[32]، وربُّهم إله إسرائيل، ربُّ الجنود وربّ القوّات و«رجل حرب»[33].

تأثّر اليهود بالديانة الكَنعانيّة تأثُّراً عميقاً ومتعدّدَ الأشكال: في عبادة بَعْل[34] التي أثارت سخط الأنبياء[35]؛ وفي الشعائر والأناشيد والمزارات وأماكن العبادة والطبقة الكهنوتيّة؛ حتّى الموسيقى التي عزفها داود وسليمان، وتصميم الهيكل، وكلمة «هيكل» نفسها كانت كلّها كَنعانيّة[36].

وإنّ مفهوم اليهود كونهم «شعب الله المختار»[37] يدلّ على امتياز خاصّ وتفوّق؛ «كونوا لي قدّيسين، لأنّي أنا الربّ قدّوس، اتّخذتكم بدل سواكم من الشعوب لتكونوا لي»[38]. وفي التراث التقليديّ اليهوديّ أنّ الله عرضَ التوراة على الشعوب الأخرى، ولم يقبل النهوضَ بمسؤوليّتها سوى الإسرائيليّين، فالاختيار إذاً عبءٌ ومكرمة، وتكليفٌ وتشريف؛ «الله شتّت شعب إسرائيل بين الأمم لكي ينشر الاعتقاد بالله»[39]. إنّ الشعب المختار هو الذي يتعرّض لدرجة من المسؤوليّة الخُلقيّة والمحاسبة المعنويّة أمام الله، وما نزل بهم من مِحن وويلات إنّما هو عقابٌ لهم على عصيانهم وسوء حملهم الأمانة. والسؤال هنا: كيف يَعِدُ الله شعباً بمنحه أرضاً (كَنْعان) يملكها شعبٌ آخر (الكَنْعانيّون)؟ وأيّ نظريّةٍ تتيح لشعبٍ أن يقتلع شعباً آخر من أرضه؟ الجواب أنّ الأرض، من وجهة نظر يهوديّة، مُلكٌ للإله (بَعْل إيل يَهْوَه) الذي خلق الأرض؛ «أمّا الأرض فلا تُباع مطلقاً لأنّ ليَ الأرض، وأنتم غرباء ونزلاء عندي»[40]. وماذا يختار شعبٌ خَبِرَ حياة الحَلّ والتَّرحال، بين أخصب البقاع وأقفرها؟ لن يختار الصحراء، ولن يعود القهقرى إلى بيت العبوديّة، ولكنّه يروم «أرضاً تدرّ لبناً وعسلاً»[41].

ويأتي عهد الملوك، ويصل تاريخ اليهود إلى الملك داود (= محبوب)[42]. كان داود عازفاً ماهراً على المزمار وشاعراً مرتّلاً. انتصر على الفارس الفلسطينيّ العملاق جُلْيات (= سبي أو نفي، جالوت في القرآن)، فجعله شاول (= سُئل، طالوت في القرآن)، صهرَه وأحد قادة جندِه. وقد انتحر شاول (1025-1005 ق. م.) مع حامل سلاحه بعد أن هزمه الفلسطينيّون على جبل جِلْبوع (= عين متفجّرة)[43]. وغدا داود الملكَ الثاني على مملكة يهودا، وجعل عاصمتها القدس (أورشليم= أساس السلام). صمّم بناء هيكل (هيخال) يوضع فيه «تابوت العهد» (تيڤا) الذي يحمل الوصايا العشْر، لكنّه لم يعمّر لكي ينفّذ خطّته (1005-970 ق. م.). ومثلما مات موسى على عَتَبة أرض الميعاد، مات داود على عَتَبة الهيكل. دام حكمه 40 عاماً، ولم تدم مملكته إلّا 73 عاماً، وجسّد الأنموذج المثاليّ لاستقامة الحكم المقرون بالإخلاص التامّ والولاء للشريعة الإلهيّة، وكأنّه حقّق حُلم إبراهيم.

وبعد داود، سليمان الحكيم[44]؛ شاعرٌ وفيلسوف كُنّي ب «الجامعة»، «قال ثلاثة آلاف مثل، وكانت أناشيده ألفاً وخمسة»[45]. لم يطلب إلى الله في حُلمه سوى البصيرة ليحكم الشعب، فأعطاه حكمةً يُضرب بها المثل وحياةً مديدة. وبنى سليمان على قِمّة جبل صِهيون، داخِلَ قصره، الهيكلَ الأوّل في القدس[46]. حكم 40 عاماً (970-930 ق. م.) وكان عهدُه عهدَ سلام بحقّ، فاسمه مشتقّ من شالوم= رجل سلام، خلافاً لما كان عليه أبوه. أخباره ومغامراته كثيرة: بلقيس ملكة سبأ زارته، وزواجه من ابنة الفرعون، وبناؤه أسطولاً تجاريّاً في البحر الأحمر، «وكان له سبعمئة زوجة من الأميرات، وثلاثمئة من السراري»[47]. ولعلّه أراد من هذه الزيجات الكثيرة أن يوطّد صداقته مع الأمم.

كان عصر الملك داود وابنه سليمان الحكيم (وكلاهما ملكٌ في العقيدة اليهوديّة لا نبيٌّ كما في الإسلام) عصراً ذهبيّاً. وإليهما نُسبت أسفارٌ من المزامير[48] والأناشيد (صوت الشباب) والحِكَم والأمثال (صوت الشيوخ). ولكنّ وَحدة بني إسرائيل لم تدم طويلاً؛ فبعد موت سليمان (930 ق. م.)، وانقسام المملكة (إسرائيل في الشمال وعاصمتها شكيم / نابلس وإلهها إلوهيم / الله= الخالق العظيم، والإله الأعلى؛ ويهودا في الجنوب وعاصمتها أورشليم / القدس وإلهها يَهْوَه / الربّ= هو الذي كان)، وإبّان الفوضى السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة والأخلاقيّة، ظهر أنبياء راؤون حذّروا من إهمال العهد المقدّس، وهاجموا الكهنة وانتقدوا الملوك، ودعَوا إلى نبذ الفساد والرجوع إلى حياة الطهر والنقاء، في طليعتهم:

إشَعْيا (= يَهْوَه خلاص، 734-680 ق. م.)، «ملك الأنبياء» لفصاحته، كان يقول الحقيقة بحزم غير عابئ بوعيد الملوك[49]، مشى عارياً حافياً ثلاث سنوات[50]، وتبرّم بذبائحِ الهيكل[51]، وأشاد بالمحبّة الإلهيّة[52]، وتنبّأ بظهور المخلّص[53]، وأعدّ له الطريق[54]، وبشّر بإلهٍ هو ربّ العالَمين لا يكون إلهَ قبيلة أو قوم أو شعب[55]. إضطهده الملك منسّى، وأعدمه مشطوراً بالمنشار[56].

إرْمِيا (= يَهْوَه رفيع، 626-586 ق. م.) «النبيّ البَكّاء» لمراثيه، ركّز على عَلاقة الفرد الشخصيّة بالله ومسؤوليّته تجاه فعله وعلى الخبرة الدينيّة الذاتيّة[57]، مارس دعوته أربعة عقود، وكان نذيراً، واتّسم خِطابه بالمأسويّة لأنّه رأى الكارثة الوشيكة الحدوث[58]، وفي أيّامه سقطت أورشليم تحت حصار نبوخذ نصّر، وبدأ «سبي بابل»، فدعا شعبَه إلى الخضوع لأنّ الربّ استعمل ملك بابل لأهدافه[59]، وكان مصدرَ عزاء لأبناء شعبه ونبيّاً كاتباً، فكتب إليهم يطلب اندماجَهم في بلدهم الجديد وعبادة يَهْوَه فيه. وكان تلميذُه وكاتبُه باروخ يدَه اليمنى. وقد اختفى معه في الصحراء هرباً من رجال الدين اليهود الذين كانوا يعبدون بعل.

بعد انقسام المملكة، غزا البابليّون اليهودَ غيرَ مرّة وفي آب 586 ق. م.، وبعد حصار دام عشرين شهراً، خرّبوا أورشليم ودمّروا الهيكل المقدّس، ونقلوا كنوزه إلى بابل[60]، واقتيد من أشراف اليهود آلاف الأسرى: «سبى نبوخذ نصّر أهل أورشليم وجميع الأمراء والقادة وهم عشَرة آلاف، والمهرة من العمّال، ولم يترك في يهودا إلّا مساكين الشعب»[61]. ومنذ ذلك الحين، حجب المؤرّخون اسم «العَبرانيّين» عمّن نجا من المذبحة، وصاروا يسمّونهم «اليهود». وقد دام عهد بني إسرائيل في أرض كنعان من دخول يشوع بن نون إلى سقوط مملكة يهودا زهاء خمسة قرون، وكان مَثَلُهم، في زحمة الحضارات الكبرى، مَثَل مَن أصرّ على الوقوف وسط سوقٍ صاخب فدهمته السيّارات[62]. وفي مرحلة السبي البابليّ الذي استمرّ 140 عاماً، ظهر كلٌّ من النبيَّيْن حَزْقيال ودانيال.

حَزْقيال (= إيل يقوّي)؛ «نبيّ السبي»، كان في شبابه خادماً لإرْمِيا، وسُبي إلى بابل 597 ق. م.، وكان خطيباً كاتباً كتب أحاديثه كلَّها، وإذا كان ثمّة أنبياء يسمعون الصوت الإلهيّ، فإنّ حزقيال كان يرى ما تحتويه النبوءة[63]، وكان يعلّل اليهودَ بأنّ الله مع شعبه المختار أينما حلّ. وإذا كان إرميا تنبّأ بعودة الهيكل واستعاض عن هيكل الحجر بهيكلٍ في قلوب البشر[64]، فإنّ حزقيال تنبّأ طوال اثنتين وعشرين سنة بردّ اليهود إلى أرض إسرائيل، وبعودة الهيكل واستحالة العبادة بعيداً عنه[65]. وقد مات مقتولاً على يد أحد يهود السبي البابليّ.

دانيال (= إيل ديّان) آخر الأنبياء الأربعة الكبار، أتى به نبوخذ نصّر إلى بابل، وخدمَ في قصره الملكيّ وفسّر له حُلمه[66]، فعيّنه حاكماً، وجعله داريوس الفارسيّ أوّلَ وزرائه. وحين دسّ عليه أعداؤه طُرح في جُبّ الأسُود، ولكنّ الربّ نجّاه. وَرَدَ لقبُ المسيح «ابن الإنسان» في سفر دانيال[67]، وكان آخر ما كُتب من الأسفار (164 ق. م.) وتتوالى فيه اللغتان العبريّة والآراميّة.

وبعد غزو حاكم الإمبراطوريّة الفارسيّة كورُش بابل (539 ق. م.)، أي بعد سبعين عاماً من السبي البابليّ كما تنبّأ إرميا[68]، سَمَح لليهود بالعودة من منفاهم إلى موطنهم (537 ق. م.). وقد عاد 42 ألف يهوديّ فقط في رحلةٍ دامت 3 أشهر[69]، بينهم 12 من رؤساء الكهنة[70]، في حين آثر المسبيّون الأغنياء البقاء حيث هم عملاً بنصيحة النبيّ إرميا[71]، فكانوا أوّل الشَّتات (Diaspora).

بعد 17 سنة (520 ق. م.)، بادر العائدون بقيادة عَزْرا (= عون)[72] إلى إعادة بناء الهيكل المقدّس الثاني على غرار الهيكل الأوّل - باستثناء تابوت العهد الذي اختفى ولم يَعُد له من أثر- ولم يُدشّن إلّا في 23 آذار 515 ق. م. ويمكن أن يُدعى عَزْرا «موسى الجديد والمشرِّع الثاني وأبا اليهوديّة»؛ فمنذ ذلك الحين وُلدت على يديه وأيدي خلفائه دولةٌ دينيّة كهنوتيّة وضعت سلطانها في أيدي رجال الدين. وتعهّد اليهود بعدم تزويج بناتهم للأمم ولا بنات الأمم لأبنائهم[73]، حرصاً منهم على تماسك العشيرة، فدخل اليهود مرحلة انطواء على الذات جعلت منهم جماعة منغلقة عِرقيّاً ودينيّاً، وتكلّسوا داخل مئات النواميس والقواعد والقيود الشكليّة[74].

عاش اليهود تحت سلطة الإمبراطوريّة الفارسيّة زُهاءَ 200 عام، والمرجّح أنّ الفرس هم أوّل من أطلق على بني إسرائيل اسم اليهود، وعلى عقيدتهم اسم اليهوديّة[75]. عرف اليهود الديانة الزرادُشتيّة في بابل وتأثّروا بها: الشريعة الجديدة التي حملها عَزْرا معه من بابل بأمرٍ من ملك فارس، كورُش، ألبست الإلهَ القديم يَهْوَه زِيّ «إله السماء» الفارسيّ أهورامزدا [76]؛ سفرُ زكريّا (= يَهْوَه ذُكر)، الذي كُتب في العام 518 ق. م. أي بعد السبي (586 ق. م.) وقبل تدشين الهيكل الجديد بثلاث سنوات (515 ق. م.)، ذَكَرَ الشيطان (ساطان= الخصم المقاوِم) أوّلَ مرّة في التوراة[77]؛ سفرُ أيّوب (= التائب)، ظهر فيه الشيطان مجرِّباً، منافساً الربّ، معادلاً الحيّة في جنّة عَدْن، ما يردّنا إلى العقيدة الثنويّة الفارسيّة التي تساوي بين إله الخير أو النور وإله الشرّ أو الظلمة. وبعد السبي، يبدو التمييز أشدّ وضوحاً بين عالَـم الملائكة وعالَـم الشياطين، وتغدو مملكة الشرّ منظّمة على غرار مملكة الخير؛ ولكي يستعرض مؤلِّف سفر طوبيّا (= يَهْوَه طيّب) عمل الشيطان، يستلهم بعض القَصص الشعبيّ الفارسيّ، ويطلق عليه اسم «أزموداوس» (= المهلِك)[78]؛ وفي حين كان يهود ما قبل السبي يعتقدون أنّ الموتى ينحدرون إلى عالم سفليّ هو «وادي ظلّ الموت» كما البابليّون، صاروا بعد السبي يؤمنون، على غرار الزرادُشتيّين، بقيامة الجسد، وصاروا يعتقدون أنّ «المسيح» المنقِذ المنتظَر سوف يأتي على سحاب السماء في نهاية العالم[79].

بعد إطاحة الإسكندر المقدونيّ بالإمبراطوريّة الفارسيّة وعرش ملكِها داريوس (331 ق. م.)، أقام سيطرته على الأراضي اليهوديّة، ولكنّه منحَ اليهودَ حمايتَه ووقّر الهيكل[80]. وقد تأثّر الفكر الدينيّ اليهوديّ (أسفار أيّوب والأمثال والجامعة) والطقوس الدينيّة بالثقافة اليونانيّة (فكرة القضاء والقدر، وفلسفة اللذّة والإلحاد)، وشابهَ يَهْوَه الإلهَ اليونانيّ زيوس (= ضوء النهار) في نزقه وبطشه وتجهّمه كأنّه إلهٌ في هيئة إنسان أو ملكٌ قوميّ، على الرغم من انكفاء اليهود على أنفسهم، كما تأثّروا قبلاً بالحضارات البابليّة والكَنْعانيّة والمصريّة والفارسيّة، إذ ليس ثمّةَ عزلة مطلقة. ويبدو أنّ العقيدة اليهوديّة قادرة على الاستعارة وعلى التوفيق بينها وبين سواها من غير أن تفقد هُويّتها.

ويحلّ العهد الرومانيّ. بعد أحداثٍ كثيرة من العنف والشغب والعصيان، وبعد أن قتل اليهود ما يربو على 5000 جنديّ رومانيّ، حاصر الرومان بقيادة تيطُس أورشليم خمسة أشهر، وقطعوا ما حولها من النبات والشجر، وما لبثوا أن هدموا أسوارها الثلاثة، واجتاحوا المدينة وأصلوا الهيكلَ الثاني ناراً حامية على الرغم من معارضة تيطُس ومن استماتة اليهود في الدفاع عنه، وعرض الرومان على أنقاض المدينة المقدّسة الرمزَ الرومانيّ وهو العُقاب الذهبيّ، وشتّتوا اليهود (9 آب 70 م.) إلى أصقاع العالم، وجعلوا «مدينة داود» مستوطَنة رومانيّة وثنيّة، وظلّوا سنواتٍ طويلة يسكّون نقوداً تحمل على أحد وجهيها صورة امرأة يهوديّة مقيّدة اليدين، تجلس حزينة تحت نخلة[81]. وقد أدّى دمار الهيكل إلى نقطة تحوُّل في تاريخ اليهود استمرّ ألفي عام.

في أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 وُلدت طلائع الحركة الصِّهيونيّة (من صِهْيون= حصن، رابية تقوم عليها أورشليم، وكثيراً ما يُطلق اسم صِهيون على أورشليم كلّها[82]) التي سَيّست الدينَ اليهوديّ ووظّفت اللغةَ العبريّة في مآربَ سياسيّة وعنصريّة لا عَلاقة لها بالدين.

دعا «أبو الصهيونيّة الحديثة» الصِّحافيّ الهنغاريّ اليهوديّ ثيودور هرتزل (1860-1904) إلى إنشاء دولة يهوديّة في فلسطين وعودة اليهود إليها. وهذه العودة، في نظر هرتزل، ليست مجرّد هدف سياسيّ أو اجتماعيّ، بل هي تحقيق معتقد دينيّ بالمسيح المنتظَر. وقد لقيت أفكاره قبولاً واسعاً نظراً إلى التيّارات الشديدة المعادية للساميّة في ذلك الحين[83]. تبعه، في خضمّ الحرب العالميّة الأولى وصفقاتها (1917)، وعد وزير الخارجيّة البريطانيّ الصهيونيّ جيمس بلفور (1848-1930) بإنشاء وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطانيّ، ويولد شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، أي إنّ اليهود أصبحوا شعباً بلا أرض، وأصبحت فلسطين أرضاً بلا شعب؛ صياغة حرفيّة وترجمة سياسيّة لمقولتَيْ «الشعب المختار» و«أرض الميعاد»[84]. بعد الحرب العالمية الثانية ومِـحْرقة الإبادة (الهولوكوست، يونانيّة= حَرْق القربان؛ بالعبريّة= شواه) التي ارتكبها النازيّون ضدّ اليهود[85]، أصيب العالم بالهلع وشعر بالعطف على الضحايا، فأُعلن رسميّاً قيام دولة إسرائيل في 5 أيّار 1948، وفي عيد الاستقلال 1967 أصبحت القدس عاصمة دولة إسرائيل اليهوديّة بعد أن كانت مدينةً إسلاميّة مهمّة إبّان 1300 عام، باستثناء فترةٍ وجيزة حين احتلّها الصليبيّون.

وتُطلَق تسمية «صِهيونيّ» اليوم على كلّ مَن يؤمن بالإيديولوجيا الصِّهيونيّة من خلال القيام بالاستيطان في فلسطين، أو دعم الاستيطان فيها ماليّاً وأدبيّاً. ولم يُسكّ مصطلح «الصِّهيونيّة» بمعنى «الحركة اليهوديّة السياسيّة باتّجاه فلسطين» إلّا في 20 آب 1897 في مؤتمر بازل بسويسرا، ووُلد مع هذا المصطلح الصهيونيّة السياسيّة والفكريّة والأدبيّة. وليس كلّ صِهيونيّ يهوديّاً[86]. ويمكن القول: بعد ظهور ما يُسمّى «دولة إسرائيل»، أصبحت اليهوديّة مصطلحاً دينيّاً، والعَبرانيّة مصطلحاً ثقافيّاً، والإسرائيليّة والصِّهيونيّة مصطلحَين سياسيّين[87].

كُتُب اليهود المقدّسة

في السبي، وبعد تدمير كلّ ما كان يميّز اليهود شعباً فريداً اختاره الله، بدأوا بإعادة تقييم إيمانهم، وأرادوا أن يعرفوا كيف أمكن لهذه الكارثة أن تحدث، وما جنت أيديهم كي يستحقّوا هذا المصير الرهيب، فراحوا يدرسون تراثهم تاريخاً وقصصاً وشرائعَ وتقاليد بحثاً عن أجوبة. وعندما عاد «شعب التوراة» من بابل كان شعباً يختلف اختلافاً عظيماً عن ذلك الذي خرج.

يتألّف الكتاب المقدّس اليهوديّ (العبريّ) من ثلاثة أقسام:

- التوراة (توراه= الهداية والإرشاد، الشريعة) أو أسفار موسى الخمسة (التكوين- الخروج- اللاويّين أو الأحبار- العدد- التثنية) وتشكّل الناموس اليهوديّ. وتُستعمل كلمة «توراة» مجازاً للإشارة إلى التراث الدينيّ اليهوديّ كلِّه. وحين سأل أحدُ الأمميّين ذوي النفوذ الحاخامَ هِلّيل (Hillel): «ما التوراة؟»، أجاب: «لا تعامل الآخرين بما لا تريدُ أن يعاملوك به. هذا هو كلّ التوراة (هذه هي الشريعة)، والباقي تفسير. والآن اذهبْ وادرس»[88]؛

- أسفار الأنبياء (يشوع- القضاة- صموئيل 1 و2- الملوك 1 و2- إشعيا- إرميا- حزقيال- الأنبياء الصغار)؛

- أسفار الكتابات (المزامير- الأمثال- أيّوب- نشيد الأناشيد- راعوت- المراثي- الجامعة- أستير- دانيال- عَزْرا ونَحَمْيا- أخبار الأيّام 1 و2).

تختصر لفظةُ «تَنَخْ» الأقسامَ الثلاثة (توراه، نبيئيم، كتوبيم[89]). ويبلغ عدد الأسفار 24 سِفراً / كتاباً قائماً بذاته، وضعَها عددٌ من المؤلّفين بالعبريّة، ووضعوا بعض أجزائها بالآراميّة، على امتداد ألف وخمسمئة عام تمّ جمعها في القرن 7 ق. م. ومن المرجّح أنّ المسيح كان يبشّر ويعظ بالآراميّة، ولكنّ تعاليم العهد الجديد كُتبت باليونانيّة، باستثناء إنجيل متّى الذي كُتب أوّلاً بالآراميّة، ثمّ تُرجم إلى اليونانيّة[90].

ترجم الكتابَ من العبريّة والآراميّة إلى اليونانيّة القديمة 72 حَبراً يهوديّاً جاؤوا من أسباط إسرائيل الاثني عشر، ستّة من كلّ سِبط، فعُرفت الترجمة بالسبعينيّة. بُدئت في الإسكندريّة القرنَ الثالث ق. م. لكنّها لم تتمّ إلّا في 283 م. وإن روت الأسطورة أنّها تمّت في 72 يوماً. ثمّ ترجم سان جيروم (347-420 م) الكتابَ المقدّس[91] من اليونانيّة والعبريّة إلى اللاتينيّة، وهي الترجمة المعروفة بالفولغاتا (Vulgata) أي الميسَّرة الشعبيّة، ومن ثَمّ تحوّلت إلى كتابٍ شعبيّ، فكانت أوّل كتاب طبعه غونتبرغ (1456). أمّا أوّل من ترجم التوراة إلى العربيّة فهو سَعْدِيّا بن يوسف (892-942 م.)، وهو أوّل فيلسوف يهوديّ ذائع الصيت في القرون الوسطى، بعد أن أدرك أنّ العبريّة أمست لغةً ميتة، وكان أُعجب بالترجمات التي حقّقها العرب عن الفلسفة اليونانيّة.

تنقسم التوراة إلى فصول أو إصحاحات هي بمثابة السُّوَر في القرآن الكريم، وآيات مرقّمة، تصف ما مرّ به الشعب اليهوديّ إبّان ألفي عام من تاريخه قبل الميلاد: الأحداث التاريخيّة، والعادات والأخلاق، والشرائع، وأناشيد مختلف المناسبات، والتأمّل الفلسفيّ في الحياة. نقرأ التوراة فنشاهد الدراما البشريّة على امتداد مئات السنين مكرورة مشهداً مشهداً ويوماً بيوم، وكم من مأثورات كفصوص ألماس اندثرت أممها وزال أكثرها وحفظها الكتاب، وغدا صرحاً في تراث الإنسانيّة! ولكنّ هذا الكتاب الفريد لم ينجُ من تأويل الشارحين ونقد العلماء وشكّ الفلاسفة، ولا سيّما أسفار موسى الخمسة المركّبة من عناصر مختلفة، منها ما هو قصصيّ، وما هو تشريعيّ وتعليميّ[92].

وإذا كانت التوراة حجر زاوية اليهوديّة، وإذا كان اليهود وجدوا العزاء في التوراة بعد أن فقدوا هيكلهم على أثر السبي البابليّ (586 ق. م.)؛ فإنّ كتاب التَّلْمود (= التلمذة، التعليم) هو العمود المركزيّ، ظهر على أثر الغزو الرومانيّ (70 م.) بعد الشَّتات (الدياسبورا)، وبعد هدم الهيكل الثاني ليسدّ فراغاً في الحياة الدينيّة، وليشدّ عُرا الهُويّة اليهوديّة، ويكون لهم العزاءَ في مِحَنهم، والملجأ والسلوى، والمعلّمَ والمربّي. وفي التراث اليهوديّ أنّ التَّلْمود وحيٌ إلهيّ أيضاً تنزّلَ على موسى شفويّاً (ومن هنا تسميته بالتوراة الشفويّة)، ومن ثَمَّ كُتب فيه بدقّةٍ وعناية أعمالُ الفقهاء من الحاخامات (= الحكماء) طالت مختلف جوانب الحياة اليهوديّة[93]، وكانت هيكلاً رمزيّاً ووطناً متنقّلاً حملوه معهم أنّى رحلوا. إنّ التوراة هي دين العبرانيّين وأدبُهم في العصور القديمة، والتَّلْمود هو دين اليهود ورايتُهم في العصور الوسطى. ومِن الباحثين مَن يرى في بروتوكولات حكماء صِهيون[94] دستورَ اليهود في العصر الحديث دينيّاً ودنيويّاً.

يتألّف التَّلْمود من صنفين من النصوص، الأوّل هو المِشْنا (= التثنية، التَّكرار)[95]، وسُمّي كذلك لأنّه يُثنّي أو يكرّر الشريعة الأولى (التوراة). وهو عبارة عن 6 أقسام في 63 باباً، ينطوي تحتها 525 فصلاً، تجمع نحو 4000 قاعدة ناموسيّة باللغة العبريّة، لِ 150 معلّماً على مدى 8 قرون، في التشريعات والفتاوى والأحكام التي تناقلتها الأجيال 14 قرناً. أمّا أقسام المِشنا فهي:1- البذور (الزراعة والعمل)؛ 2- الفصول (الأعياد والراحة)؛ 3- النساء (الأسرة والزواج والطلاق)؛ 4- الأضرار (المجتمع والقوانين المدنيّة والجنائيّة)؛ 5- المقدّسات (الأشياء المقدّسة وخدمة الهيكل)؛ 6- الطهارات (المأكولات والمشروبات وقوانين الحلال والحرام) تكمّل التوراة (الشريعة المكتوبة) وتفسّرها. وتختصر لفظة «شاس» الأقسام الستّة.

والصنف الثاني من النصوص هو الجِمارا (بالآراميّة= الختام، التتمّة) عبارة عن سجالات ومواعظ وقصص وأساطير تدور على المِشنا باللغة الآراميّة وتفسّرها فِقْرة فِقْرة. وكما أنّ المِشنا أطول من التوراة، فإنّ الجِمارا أطول من المِشنا. والعَلاقة بين هذه الثلاث هي عَلاقة المتن بشرحه ثمّ بحاشيته. ويؤمن الفرّيسيّون[96] بأنّ العالم لا يصلح من غير التوراة والمِشنا والجِمارا؛ فهي كالماء، وهما كالخمر والخمر المعطّرة[97].

ومعظم المِشنا نصوص قانونيّة وتعليمات ووصايا وقرارات تنتمي إلى الهالاخا (= السُّنّة والشريعة)، وأهمّ قواعد الشريعة سبع: الاعتراف بسلطة القانون في المجتمع[98]، تحريم عبادة الأوثان[99]، والكفر بالله[100]، والقتل[101]، وممارسة الجنس غير الشرعيّة[102]، والسرقة، وتناول لحوم بعض الحيوانات[103]؛ أمّا الجِمارا فمعظم نصوصها حكايات ومناقشات وأقوال مأثورة وإشارات صوفيّة وفولكلوريّة تدخل في الهاجّادا (= القصص)، وكأنّما الأولى هي لغة العقل، والثانية لغة القلب، والكلّ موسوعةٌ يهوديّة منقطعة النظير.

وثمّة نسختان من التَّلْمود، الأولى التَّلْمود الفلسطينيّ كُتب نحو 450 م. (750.000 كلمة)، والثانية التَّلْمود البابليّ 550 م. وهذا الأخير هو النصّ الأكبر (2.5 مليون كلمة) والأوثق والأوسع تداولاً. وفي حين يشترك التَّلْمودان في المتن أي في المِشنا، فإنّهما يختلفان في التفسير أي في الجِمارا. وينفرد التَّلْمود البابليّ في اشتمال الجِمارا على سبعة أبواب لا تقابلها المِشنا.

ويجسّد التَّلْمود نظرةً عقائديّة إيجابيّة إلى العالم؛ فهو يصف عالماً يعمّه الخير مغموراً بنعم الله وخيراته المتاحة لكلّ أولئك الذين يتبعون تعاليمه، وينتظمه تيّاران مختلفان: إنسانيّ حنيف[104]، وعنصريّ عِدائيّ[105]، والتيّار الثاني فيه أبرز وأبين. وكثيراً ما تُصوِّر لغة التَّلْمود الله بعبارات تشخّص الذات الإلهيّة؛ منها أنّ الله أبٌ لأبنائه، وهو يرتدي كساءً كهنوتيّاً للصلاة، وهو يرعى المرضى ويُنزل الراحة والسكينة على الذين ماتوا. أمّا لغة المِشنا فهي مزيج من لغة التوراة ولغة العامّة، قريبة من الحياة اليوميّة (شرطاً واستفهاماً واستطراداً وتَكراراً)، وكانت صلة وصل بين العبريّة القديمة والعبريّة الحديثة، وفيها أثرٌ من الآراميّة واليونانيّة واللاتينيّة. وفي حين تمتاز المِشنا بالإيجاز، فإنّ الجِمارا تُسهب وتُطنب عن قصدٍ وتعمُّد، كأنّها اقتطفت ألفاظَها من أفواه الحكماء طازجةً لم تذوِها خمسةَ عشَر من القرون.

عقائد اليهود

أ- الموت، الروح، البعث

لم ينشغل اليهود كثيراً بالحياة بعد الموت (كالمصريّين القدامى)، ولم يكن هدفهم خلاص الروح، بل ركّزوا على هذا العالم وأطايبِ العيش فيه (كأنّهم أنصار اليونان وبخاصّةٍ أبيقور)[106]، وكان ثوابهم وعِقابهم مقصورَين على الحياة الدنيا، يتمّان داخل الزمان (أيّوب مثالاً). وقد ربطوا سلوكهم الاجتماعيّ بالدين وكأنّه أوامر إلهيّة، وسعَوا جهدهم إلى الإخلاص للربّ الذي لا يناله موت، والقادر على انتشال الإنسان من قبره[107]. ولم يقل كتابهم إلّا النَّزْر اليسير في دار الحساب والثواب والعقاب، وليس في دينهم وضوحٌ في شأن الحياة بعد الموت، بل وصفٌ لمملكة السلام المرتجاة على هذه الأرض[108]. من هنا تشاؤم سفر الجامعة وقنوطُه. قال هيغل: «ليس لليهود أيُّ إيمان بخلود النفس لأنّ الفرديّة لا توجَد في ذاتها ولذاتها... لا قيمة للفرد في اليهوديّة وليس له حريّة من أجل ذاته»[109].

وثمّةَ أسفارٌ تشي بتأثيراتٍ بابليّة ويونانيّة وفارسيّة في مشكلة الموت؛ عندما يموت الفرد، أصالحاً كان أم شرّيراً، يعود إلى التراب، وتذهب روحه وجسده إلى «شيول»، أرض الأموات، وهي هاويةٌ مظلمة تحت الأرض (كأنّها كور السومريّة ودار هاديس اليونانيّة)، لا يصعد منها الهابط إليها. وتتّضح هذه الرؤية العدميّة في سفر أيّوب. ولكن بعد احتكاك اليهود بالفرس[110]، أي بعد السبي البابليّ، آمنوا بأنّه سيكون «يوم الربّ» يوم دينونة (محاكمة) شاملة وبعث للأموات روحاً وجسداً[111]، كما في التقليد الإيرانيّ الزرادُشتيّ لنهاية العالم. وقد وردت أوّل إشارة إلى حياة ما بعد الموت في سفر دانيال، آخر أسفار التوراة: «وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ هَؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَهَؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلاِزْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ»[112]. من هنا اهتمامُهم بالدفن والمدافن.

ويحاول الأدب الصوفيّ اليهوديّ (القبّالاه) أنّ يهوّن من هول الموت ونهائيّته، فيطرح فكرة تناسخ الروح (جِلْجول نْشاموت)؛ روح الإنسان لا تفنى لأنّها «شمعة الربّ»، تعود إلى أصلها بعد موت الإنسان. ومُعتقَد التناسخ (Samsara) أساسٌ في الديانة الهندوسيّة، تسرّبَ إلى بابل من الهند[113].

ب- المسيح المنتظَر (ماشيَّح= ممسوح بالزيت المقدّس)

آمنت الزرادُشتيّة بانتصار قوّة الخير (أهورا مزدا) على قوّة الشرّ (أهريمان) في نهاية المطاف ليعمّ نعيم السعادة الأبديّة في كلّ مكان[114]؛ وآمنت الهندوسيّة بعودة فشنو، الإله الثاني في الثالوث الهنديّ، إلى الأرض ممتطياً طائر الغارودا (Garouda) وممتشقاً سيفاً من لهب في نهاية الدورة الرابعة من عمر الأرض، ليخلّص الأبرار ويُهلك الأشرار[115].

في مرحلة ما بعد اليهوديّة الكتابيّة (التوراتيّة)، وبعد جملةٍ من النكبات، ونتيجة الإيمان بالرِّفعة والاختيار، وتحت تأثيرٍ فارسيّ بابليّ، تأصّلت فكرة مجيء المسيح المخلّص، وهو ملك مظفَّر من نسل داود، و«ابن الإنسان»[116] يجمع بين الإله والإنسان، وهو تجسُّد الإله في الطبيعة والتاريخ والإنسان، يعدّل من مسار التاريخ اليهوديّ بل البشريّ، ويخلّص اليهود من ضائقتهم، ويجمع شَتاتهم، ويهزم أعداءهم، ويُنيلهم ما يستحقّون من مجدٍ وسؤدد، ويحقّق نبوءة المملكة اليهوديّة القائمة على أحكام التوراة، ويتّخذ من أورشليم عاصمةً له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفويّة، ويبدأ الفردوس الأرضيّ الذي يدوم ألفَ عام، فتخصُب أرض إسرائيل، وينبت القمح عالياً في لبنان مثل أشجار النخيل، وتطرح السماء قمحاً وفطيراً[117]، «ويسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي، ويرعى العجل والشبل معاً، وتصاحب البقرة الدبّ، ويأكل الأسد التبن كالثور»[118]. وقد بشّر بالمسيح المنتظَر أنبياء كثيرون، وتأخُّر وصولِه ناجمٌ عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهوديّ، وعودتُه مرهونة بتوبتهم. وبالـمِحْرقة التي نَكَبَ بها النازيّون اليهودَ، فقدَ كثيرون منهم صبرهم ورجاءهم. ومع ذلك، فما انفكّ هذا الحُلم الورديّ يداعب خيال اليهود منذ السبي البابليّ.

ج- التصوّف اليهوديّ الحلوليّ (قبّالاه)

قبّالاه (= القبول) مذهب القائلين بأنّ الإيمان هو قبول التراث، وما يتلقّاه المرء تواتراً عن السلف، وتدلّ اللفظة على الحكمة الإلهيّة التي حُفظت وجرت بها الرواية الشفويّة. والحكمة التي كانت أداة الله في خلق العالم هي التوراة أو أسفار موسى الخمسة. والتوراة كُتبت قبل الخلق بنارٍ سوداء على نارٍ بيضاء، ما يعني أنّ التوراة الحقيقيّة لا تدركها أبصار البشر. واتّخذت القبّالاه شعارَها كلمات النبيّ دانيال: «ويُضيءُ الحكماءُ (أي شعب الله) كضياءِ الأفلاكِ في السَّماءِ، والذينَ هَدَوا كثيراً مِنَ النَّاسِ إلى الحقِّ يُضيئونَ كالكَواكِبِ إلى مدى الدهر»[119].

ظهرت القبّالاه في فرنسا، ثمّ اكتسبت نفوذاً كبيراً في إسبانيا القرنَ الثالث عشر، ومن ثَمَّ أصبحت مدينة صَفَد، في الجليل، قِبلة القبّالاه (1421). رفدتْها تأثيرات هنديّة وإيرانيّة ويونانيّة ومسيحيّة وإسلاميّة، وعكفت على إحياء تعاليم موسى وحكماء العهود القديمة، ودرست التَّلْمود واعتبرت المِشنا «مقبرة موسى»، ومارست السحر من خلال الأبجديّة العبريّة ولا سيّما الأحرف الأربعة (يهوه) والأرقام والنصوص ونجمة داود[120]، وارتبطت بعلوم سحريّة كالتنجيم والفراسة وقراءة الكفّ وتحضير الأرواح.

وكتاب القبّالاه المقدّس هو زوهار (= النور، الضياء؛ 1000 صفحة، 850 ألف كلمة)، وهو للقبّاليّين كالتَّلْمود للحاخاميّين، مرتّب وَفْق ترتيب أسفار التوراة. وقد تزامن مع ظهور المطبعة العبريّة، فطُبع في القرن السادس عشر طبعتين كاملتين. وهو عبارة عن تحليل لاهوتيّ للتوراة باللغة الآراميّة، وبخاصّةٍ أسفار موسى الخمسة، وفيه صور مجازيّة ومواقف جنسيّة صارخة تعبّر عن عَلاقة الإله بشعبه[121]. وأهمّ الموضوعات التي يعالجها: طبيعة الإله، وكيف يخلق نفسه من خلال التجلّيات النورانيّة العشَرة، وكيف يكشف عن نفسه لمخلوقاته، وأسرار الأسماء الإلهيّة، وروح الإنسان وطبيعتها ومصيرها، والخير والشرّ، والخلاص.

تمهّد القبّالاه لممارسها طريقاً يستطيع الفرد من خلاله أن يتطوّر من الهو إلى الأنتَ فالأنا أي من الإله المتخفّي، إلى الإله الذي يعبّر عن كيانه ويدركه الناس، فالإله المكتمل المتجلّي[122]، ويَسري روحيّاً حتّى يبلغ الحضرة الإلهيّة، فيسيطر على قوى الطبيعة وينشر الحضور الإلهيّ في العالم الدنيويّ ويهزم الشرّ ويتمتّع برونق السكينة. وقد تشرّبت الروحانيّةُ اليهوديّة الحديثة هذا المفهوم؛ فاليهود قادرون على إصلاح العالم عبر مبادراتٍ اجتماعيّة وبيئيّة وسياسيّة. وقد أدّت القبّالاه دورَ المقاومة الروحيّة ليهود الشَّتات، وغرست في قلب اليهود الإيمان بالمسيح المنتظَر، وشكّلت جزءاً من تاريخ الأفكار (أو التاريخ الثقافيّ) في أوروبّا بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر.

شعائر اليهود

أ- المعبد (الكَنيس): نبتتْ نبتة الكنيس في عهد السبي (586 ق. م.)، وعندما دُمّر هيكل القدس مرّةً ثانية (70 م.)، كانت دُور العبادة (الكُنُس) قد انتشرت في أحياءَ كثيرة في الأراضي اليهوديّة، واصطُلح على تسميتها بالعبريّة «بيت كْنيسِتْ» أي دار الاجتماع. وحاول المعبد أن يكون صدىً للهيكل؛ فبُني في أماكنَ مرتفعة، وأكثروا فيه من النوافذ وزخرفوها، لا سيّما الجدار الشرقيّ (مِزْراح)، الذي يتّجه نحو موقع الهيكل في القدس[123]، وأهمّ أوانيه «التابوت المقدّس» أو «الهيكل» الذي تُحفظ فيه التوراة وأسفار الأنبياء. غالباً ما يُزيَّن بنجمة داود ولوحَي العهد والشمعدان (المينوراه[124]). ويستطيع عشَرة أشخاص من الذكور البالغين أن يتّفقوا ويُنشئوا كَنيسهم من غير كاهن، إذ «لا وسيط بين من يُدعَون أطفالَ الله وأبيهم الذي في السماء»[125]. ولا طرازَ خاصّاً به، يؤمّه الرجال والنساء. يغسل روّاد المعبد أيديَهم قبل دخول الكَنيس عند حوض، ولا يخلعون نِعالهم عند الصلاة. ومذ دُفع باليهود إلى الشَّتات، كان الكَنيس يؤدّي وظائفَ متعدّدة، أهمّها تعليم القراءة والكتابة (واللغة العبريّة) اعتماداً على النصوص الكتابيّة المقدّسة، ويُسمّى المعبد عندئذٍ بيت الدراسة (بيت هامدراش).

ب- البيت (المنزل): بعد تدمير أورشليم (70 م.)، أصبح البيت اليهوديّ كَنيساً، والأب كاهناً، والمائدة مذبحاً، والشموع مينوراه. ولا يخلو أيُّ بيتٍ يهوديّ متمسّكٍ بدينه من رموز كثيرة تدلّ على المعتقدات الروحانيّة والدينيّة؛ منها التدثّر بحجاب، كاعتمار اليرمُلكة وإسدال الطاليت[126]، للصلاة سَحَراً وعصراً وغروباً[127]. وعلى يمين الأبواب الخارجيّة وأبواب الحجرات تُثبّت أوعية صغيرة من جلد (مْزوزاه)، بمثابة تميمة تحتوي كلمات الربّ تدعو إلى طاعته[128]، وتذكّرهم بالخروج من مصر حينما وضعوا علامة الدم على بيوتهم حتّى يهتدي الربّ إليها[129].

ج- طقوس البلوغ (أو الانتقال): أيّ طفل يولد لأمّ يهوديّة يُعَدّ يهوديّاً، وبعد أسبوع يُطلق عليه اسمه ويُختن[130]. وعند بلوغه الثالثة عشْرة (الثانية عشْرة للإناث)، سنّ التكليف بأداء الوصايا والشرائع، يمرّ بمرحلة من الإعداد الدينيّ حتّى ينتقل إلى سنّ البلوغ. وبعدها مرحلة الزواج، وهو إجباريّ بعد سنّ العشرين[131]، وهو سُنّة مُهمّة في الدين اليهوديّ لأنّ كتابهم لم يفرض عليهم التنسّك، بل فرضَ الإنجاب والتكاثر في أمّةٍ صغيرة كانت تتوق إلى زيادة عددها وسط الأقوام المحيطين بها كيلا تذوب فيهم. إنّ عبادة يَهْوَه كانت تتمّ داخل الأسرة والسلالة (آباء وملوك وكهنة)، ولأنّ الأبوّة والأمومة أسمى فضائلِ الرجل والمرأة «يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق بامرأته، ويكونان جسداً واحداً»[132]، والإحجام عن الزواج «يُطفئ نور الله، وينتقص ظلّه في أرضه، ويُبعد رحمته عن إسرائيل»[133]. يتمّ عَقد الزواج في الكَنيس بإشراف حاخام وشاهدَيْن. وتُتلى الصلوات في أثناء مراسم الزواج وتُقرأ وثيقة الزواج جِهاراً، ويضع العريس خاتَماً في إصبع عروسه. ويُختتم الاحتفال بوضع كأس زجاجيّة فارغة على الأرض ثمّ يوطأ عليها فتتحطّم، رمزاً إلى تحطيم الهيكل، وصدىً للمزمور: «إنْ نَسيتُكِ يا أورشليم فَلْتَنْسَني يَميني. ولْيَلتَصِقْ لساني بِحَنَكي إِن لم أذكرْكِ وَلَمْ أفَضِّلْكِ على ذرْوة أفراحي»[134]. وتُجيز اليهوديّة تعدُّد الزوجات وتُبيح الطلاق[135].

د- الدفن والحِداد: من أهمّ طقوس اليهود الاحتفاليّة دفنُ الميت؛ يَغسلون الجثّة[136]، ويلفّونها بأكفان من كتّان ويربطون الرأس بمنديل[137]، وكثيراً ما يربطون كلّ طرف على حدة[138]، ويحملون الميت إلى القبر في نعش، والنعش سرير بلا غطاء[139]. ومن اليهود مَنْ يدفن موتاه في التوابيت، والتابوت صندوق له غطاء. أمّا اليهود الشرقيّون فيدفنون موتاهم في الأرض مباشرةً كما يفعل المسلمون. وقد غيّر اليهود الإصلاحيّون كثيراً من طقوس الدفن، فأصبحوا يدفنون موتاهم في ملابسَ عاديّة، كما أنّهم يصرّحون بإحراق الجثّة (كالهندوسيّين) خصوصاً بعد غزو العلمنة، ما أثار حفيظة اليهوديّة المحافظة/ الأرثوذكسيّة (سليلة الفرّيسيّين) لأنّها تتنافى مع الشريعة اليهوديّة، إذ لا يجوز تدمير جثّة الإنسان الذي خلقه الله في أحسن صورة ومآله إلى التراب. ولهم قبور عائليّة خاصّة[140]، ومقابر عامّة[141]. وقد سمّى أيّوب القبرَ بيتَ ميعاد كلّ حيّ[142]، وسمّاه سليمان البيتَ الأبديّ[143]. كان معنى الدفن لديهم هو الرقود مع الآباء والاجتماع بالأهل؛ ومن هنا، يشترط بعض اليهود في وصاياهم نقل جثثهم إلى إسرائيل لدفنها في أرض الميعاد، كما تتجسّد الرابطة بين اليهود وإسرائيل في حالات أخرى برشّ تراب من الأرض المقدّسة على تابوت الميت قبل دفنه، أو وضع كيس من ترابها تحت رأسه. وتعقب الموتَ فترةُ حِداد (أڤيلوت) تستمرّ إلى اثني عشر شهراً.

هـ- الأعياد والمواسم (حَجّيم أوموعاديم): من شأنها أن تربط الماضي بالحاضر، والأحياء بالأموات. والأعياد اليهوديّة كثيرة جدّاً، ورد أكثرها في سفر اللاويّين، الإصحاح 23؛ أهمّها:

- السبت، هو عيد اليهود الأسبوعيّ، يوم الراحة والعبادة وتلاوة الصلوات والنصوص المقدّسة في المنازل والمعابد، لأنّه في معتقدهم اليوم السابع الذي استراح فيه الربّ بعد أن خلق الكون في ستّة أيّام وقدّسه[144]، وتُكرَّم في السبت ذكرى الخروج من مصر[145]. وقد كبّلت شعائر يوم السبت اليهود وعزلتهم واستعبدتهم ولـمّا تزل تكبّل المحافظين منهم؛ جاء في التَّلْمود: «لا يجوز أن يخرج الخيّاط بإبرته قبيل الغروب عشيّة الجمعة، ولا الكاتب بقلمه، ولا يجوز لمعلّم المدرسة أن يقرأ»[146]. حتّى لَيكاد يضيق جسم الحياة ذَرْعاً برداء الشريعة التي لم تترك للفرد اليهوديّ حريّة الاختيار في حياته العامّة أو الخاصّة.

- رأس السنة اليهوديّة «روش هشّانا»، وإذا كان التقويم الميلاديّ يبدأ بميلاد المسيح والتقويم الإسلاميّ يبدأ بهجرة النبيّ، فإنّ التقويم اليهوديّ يبدأ بلحظةٍ كونيّة هي خلق العالم. يستهلّ اليهود تقويمهم كلّ عام باحتفال سنويّ يصادف اليوم الأخير من شهر أيلول واليوم الأوّل من تشرين الأوّل (كما رأس السنة البابليّة)، وتُشعَل فيه النيران على جبل الزيتون ويُنفَخ بالبوق (شوفار)[147]. والسنة اليهوديّة سنة قمريّة يبدأ كلّ شهر منها مع مولد كلّ هلال جديد.

- يوم التكفير أو الغفران «يوم هَكيبوريم»، يصادف بعد عشَرة أيّام من رأس السنة (10 ت1)، وهو اليوم الذي نزل فيه موسى من جبل سيناء، مرّةً ثانية، حاملاً لوحَي الشريعة، بعدما غفر الربّ لليهود خطيئةَ عبادةِ العجل المسبوك.

- عيد الفصح «پيسَح» (= العبور)، يحلّ في 15 نيسان إحياءً لذكرى خروجِهم من مصر وعبورِهم البحر الأحمر وخلاصِهم من العبوديّة[148].

- عيد الحصاد «سوكوت»، يبدأ أواخرَ أيّار ويستمرّ 7 أيّام، ويتميّز بمواكب الفرح والغناء والرقص، ويحيي ذكرى خيمة السُّعُف التي آوت اليهود في العراء أثناء الخروج من مصر[149].

- عيد الأسابيع «شفوعوت»[150]، يُحتفل به بعد سبعة أسابيع من عيد الفصح، في 6 حَزيران، والغرض منه الاحتفال بنزول التوراة والوصايا العشْر على موسى، فهو إذاً عيد زواج الإله والشعب يقدّمون في أثنائه باكورة الفاكهة إلى الكنيس. وبعد مضيّ شهر وأسبوع (9 آب)، يستذكرون بأسىً بالغ مناسبة تدمير الهيكل في القدس (على أيدي البابليّين 586 ق. م. والرومان 70 م.).

- يوم المـِحْرقة (الهولوكوست) «يوم هاشواح»، ابتدأ إحياء ذكراه بعد الحرب العالميّة الثانية في 27 نيسان. وكذلك أضيف يوم الاستقلال «هاعتسماؤوت» الذي يتمّ الاحتفال به في 5 أيّار، ذكرى إقامة دولة إسرائيل ونكبة فلسطين.

و- الصلاة عند حائط المبْكى أو حائط الدموع: هو الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى (ويسمّيه المسلمون حائط البُراق[151])؛ جدارٌ منحوت من سور جبل صِهيون كان يحيط بالهيكل قديماً، بناه ملك يهودا هيرودوس (72-4 ق. م.) في ظلّ الرومان سنة 20 ق. م.، طوله 48 م. وارتفاعه 17 م. يعتبر اليهود هذا الحائط البقيّة الوحيدة الباقية من هيكل سليمان «بيت يَهْوَه»، إذ بعد هدمه لم يحلَّ محلّه مبنىً مركزيٌّ آخر يكون لهم عَلَماً من نار[152]. وقد أطلق عليه العرب المقْدِسيّون اسم «حائط المبكى» نسبةً إلى الطقوس التي كان اليهود يؤدّونها قُبالة الحائط حِداداً وتفجُّعاً على خراب هيكل سليمان، مذ تحوّلت أورشليم مستوطَنة رومانيّة، وسُمح لليهود بزيارتها ابتداءً من منتصف القرن الثالث، يوماً واحداً في السنة (9 آب)، يوم ذكرى هدم الهيكل. وبات هذا الحائط رمزاً يهوديّاً دينيّاً ووطنيّاً. ولعلّ ما حفظ لليهود وحدتَهم شعائرُهم.

خَرْجة

لم نعدُ في محاولتنا حدَّ العَتَبة، وإن شئنا التلخيص فقد استقطر موسى بن ميمون[153] جوهرَ الدين اليهوديّ في ثلاثةَ عشرَ مبدأً بسيطاً ولكن عميقاً؛ قال: «أومن إيماناً تامّاً بأنّ الله موجود، وأنّه واحد ووَحدته غير منقسمة، وأنّه غير جَسَدانيّ، وأنّه أزليّ، وأنّ الصلاة تُرفع إليه وحدَه، وأنّ كلام الأنبياء كلَّه صحيح، وأنّ موسى هو زعيم الأنبياء، وأنّ الناموس الذي أُعطي موسى وصل إلينا من دون تبديل، وأنّ ذلك الناموس لن يتبدّل ولن يحلّ محلّه أيُّ ناموس آخر، وأنّ الله يعرف كلّ أفعال البشر وأفكارهم، وأنّه يكافئ المطيع ويعاقب المنحرف، وأنّ المسيح سوف يأتي، وسوف تكون هناك قيامة للأموات»[154].

إنّ الدين اليهوديّ هو عَصَب المجموعة البشريّة اليهوديّة، تراكمت عقائده وشرائعه وطقوسه وقواعد سلوكه وأخلاقه وتبلورت على مدى آلافٍ من السنين؛ من عصر الآباء، فالقضاة، فالملوك، فالأنبياء، فالكَتَبة، فالمعلّمين، فالمفسّرين... ومن عَبرانيّ، إلى إسرائيليّ، إلى يهوديّ، إلى صِهيونيّ، إلى حامل جنسيّاتٍ عالميّةٍ شتّى... ومن أور وحرّان إلى كَنعان، فمصر، فتيهٌ في صحراء سيناء، فعودةٌ إلى «أرض الميعاد»، فمنفىً بابليّ، فعودةٌ جديدة، فشَتات رومانيّ في أرجاء العالم، فعودةٌ متجدّدة، أو أملٌ بعودة... إنّ الحدود الفاصلة بين الدول والبلدان تتراءى في عين اليهوديّ آثارَ جراحٍ لم تلتئم.

هذا الرحيل الدائم في الهُويّة والمكان والزمان، هذا التَّرحال الضارب بجذوره في أعماق التاريخ كأنّه لعنة، جعل اليهوديّ يخبر الخوف والكراهية والقنوط، ويشعر بالنفي الأزليّ وبالاغتراب الروحيّ، كأنّما كُتب عليه هجرةٌ وعودة أبديّتان في بحثٍ غير ذي جدوى عن وطن. وإذا كان المرء نتاج تاريخه، فقد استقطر كافكا، الروائيّ التشيكيّ اليهوديّ (1883-1924) جوهرَ التجربة اليهوديّة: «منذ أربعين سنة وأنا أتجوّل بعيداً عن أرض كَنعان، وأتلفّت صوبها كالغريب. إنّ المسألة هي في واقع الأمر لونٌ من التيه الصحراويّ المعكوس الذي يجد فيه المرءُ ذاتَه تقترب على نحوٍ دائمٍ من الصحراء... مع أنّني كنتُ منذ زمنٍ طويل في الصحراء»[155].

د. جوزف لبُّس*: على عَتَبة الكَنِيس. محاولة في فهم اليهوديّة واليهود
------------------------
* متخصّص بالآداب العربيّة. أستاذ في الجامعة اللبنانيّة، وجامعة القدّيس يوسُف - بيروت.
[1] الكوميديا الإلهيّة، ترجمة كاظم جهاد (بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، ط1، 2002)، «الفردوس»، 32: 132، ص1024 بتصرّف.
[2] إبن منظور، لسان العرب (بيروت، دار صادر، ط3، 1994)، 1/576.
[3] رشاد الشاميّ، موسوعة المصطلحات الدينيّة اليهوديّة (القاهرة، المكتب المصريّ لتوزيع المطبوعات، 2002)، ص65-66. أنظر أجمل خمسين كنيساً في العالم على الرابط التالي:
http://www.lovinjewmag.com/1517/les-...ogues-du-monde
[4] أورده سعيد يقطين في تقديمه كتاب عبد الحقّ بلعابد، عتبات جيرار جينيت من النصّ إلى المناصّ (بيروت، الدار العربيّة للعلوم، ط1، 2008)، ص13.
[5] رجاء النقّاش، محمود درويش شاعر الأرض المحتلّة (القاهرة، دار الهلال، ط2، 1971)، ص224-234.
[6] آل عمران، 64.
[7] نفرّق في الاستعمال بين كلمتَيْ «ديانة» و«دين»؛ ففي حين نستعمل الأولى في سياق الحديث عن دياناتٍ محدّدة غير توحيديّة، نطلق الثانية على الأديان التوحيديّة (السماويّة). أنظر لكاتب هذه السطور: مطر من ورد - دراسة في ثنائيّة الدين والفنّ ونصوص مختارة (بيروت، دار المشرق، ط1، 2012)، ص11، الحاشية 2.
[8] عبّاس محمود العقّاد، إبليس (صيدا - بيروت، المكتبة العصريّة، لا ت)، ص89، 95.
[9] ورد تعبير «العهد القديم» في رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس، 3: 14، ويدلّ على أسفار الكتاب المقدّس السابقة للمسيح. أمّا تعبير «العهد الجديد» فورد في إنجيل متّى، 26: 28؛ وفي الرسالة المذكورة، 3: 6، ويدلّ على أسفار الكتاب المقدّس التابعة للمسيح. ويُراد بكلمة «العهد» الميثاق بين الله والناس. وفي إنجيل متّى، 5: 17 «ما جئت لأنقض بل لأكمّل». وفي كاتدرائيّة شارتر الفرنسيّة نرى على إحدى الواجهات الزجاجيّة إشعيا النبيّ حاملاً على كتفيه متّى الإنجيليّ، وفي أخرى بولس الرسول منهمكاً في طحن الحَبّ الذي يقدّمه إليه موسى.
[10] وردت كلمة «التوراة» في القرآن الكريم 18 مرّة؛ وفي سورة المائدة، 44 ﴿إنّا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيّون﴾؛ وورد اسم موسى 136 مرّة، واسم هارون 19 مرّة، واسم داود 16 مرّة...
[11] يَهْوَه اسم من أسماء الله وأكثرها شيوعاً وقداسة، معناه هو الذي كان، أعلن به ذاته وصفاته لموسى والشعب (الخروج، 6: 2-3). وقد تغيّرت دلالات الاسم وَفْق العهود. أنظر: قاموس الكتاب المقدّس في الموسوعة المسيحيّة العربيّة الإلكترونيّة (albichara.com). ويقول عبّاس محمود العقّاد (الله، صيدا - بيروت، المكتبة العصريّة، لا ت، ص111): «لا يُعرف اشتقاق هذا الاسم على التحقيق. يصحّ أنّه من مادّة الحياة، ويصحّ أنّه نداء لضمير الغائب، لأنّ بني إسرائيل كانوا يتّقون ذكره توقيراً له، ويصحّ غير ذلك من الفروض». ونحن نفرّق في الاستعمال بين الأسماء «الله والإله والربّ ويَهْوَه» وَفْق السياق.
[12] «يهود» (بالعبريّة يهوديم) جمعٌ لمفرد «يهوديّ» نسبةً إلى «يهودا» أي «يهوذا»؛ أُطلقت هذه الكلمة (يهوذا) بادئ ذي بَدء اسمَ علم على رابع أبناء يعقوب من ليئة ورئيس أحد الأسباط الاثني عشر (التكوين، 29: 35)، ثمّ أُطلقت على سبط أو مملكة يهودا التي تألّفت من أسباط الجنوب بعد انفصال الأسباط العشَرة (وأبرزها سبط بنيامين) التي ألّفت مملكة إسرائيل في الشمال (الملوك الأوّل، 12: 20؛ الملوك الثاني، 16: 6)، وفي أثناء السبي البابليّ (587-539 ق. م.) شاعت التسمية (أستير، 9: 1-6)، وبعد العودة من السبي، غدت مألوفة (عزرا، 5: 8). وتحمل كلمة «يهوديّ» في الحضارة الغربيّة مدلولاتٍ ومضامينَ سلبيّة مثل بخيل، غير شريف، عبد المال، تاجر، مرابٍ. وارتبطت الكلمة في الإنكليزيّة بِاسم يهوذا الإسخريوطيّ الذي باع المسيح بثلاثين قطعة من الفضّة. عبد الوهّاب المسيري، موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة (القاهرة، دار الشروق، ط2، 2005)، 1/102. أمّا أسطورة «اليهوديّ التائه»- التي نشأت في الآداب الشعبيّة الأوروبيّة بعد الحروب الصليبيّة وتطوّرت في القرن 16 مع أوضاع اليهود الاجتماعيّة والسياسيّة- فنِتاجُ موقف الكنيسة من اليهود من ناحية، والدور الذي يؤدّيه اليهود في المجتمع الذي يعيشون فيه من ناحية أخرى، ويبدو فيها اليهوديّ مواطناً مسكيناً قنوعاً متديّناً أحياناً، متشرّداً لا يظهر إلاّ مع العواصف ويجلب النحس والدمار حيناً آخر، فقيراً مرّةً، متزنّراً بالجواهر مرّةً أخرى، راضياً بالعقاب الذي نزل به في البدء (التيه والانتظار)، ولكنّه شكّاك متذمّر ومتربّص في ما بعد، متمرّد ثائر يهزّ قبضته في وجه الإله أخيراً. غسّان كنفاني، في الأدب الصهيونيّ (بيروت، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط3، 1987)، ص73-88.
[13] منح الكَنعانيّون العَبرانيّين هذا اللقبَ (التكوين، 39: 14)، إذ سمّوا إبراهيم أبرام العبَرانيّ (التكوين، 14: 13) بعد أن عَبر نهر الفرات إلى فلسطين (يشوع، 24: 2). واستعمله العَبرانيّون أنفسُهم (التكوين، 43: 32؛ صموئيل الأوّل، 13: 3)، وإن كانوا يفضّلون تسمية «إسرائيليّين» (التثنية، 10: 12). ولا يزال هذا الاسم (العَبرانيّون) مستعملاً إلى اليوم، مع أنّهم يحملون اسم اليهود الذي نشأ من السبي البابليّ كما سيأتي لاحقاً. أنظر: قاموس الكتاب المقدّس والمحيط الجامع في الكتاب المقدّس والشرق القديم في الموسوعة المسيحيّة العربيّة الإلكترونيّة (albichara.com). وإنّ تفسيرنا أسماء العَلَم في هذا البحث مستقى من هذين المعجمين. كما أنّنا اقتبسنا آيات الكتاب المقدّس، وبخاصّةٍ العهد القديم، وَفْق ترجماته الأربع (المشتركة، والأميركيّة، والكاثوليكيّة، والتفسيريّة) المنشورة على الموقع المذكور.
[14] «لا يكون اسمُك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنّك صارعتَ الله والناس فغَلبت» (التكوين، 32: 29). وانظر كذلك: هوشع، 12: 4-5.
[15] محمّد بيّومي مهران، بنو إسرائيل (الإسكندريّة، دار المعرفة الجامعيّة، 1999)، 1/29-51.
[16] «وحبلت [ليئة زوجة يعقوب] مرّةً رابعة وأنجبت ابناً فقالت: في هذه المرّة أحمد الربّ. لذلك دعته يهوذا (ومعناه: حَمْدٌ)» (التكوين، 29: 35). وقال أبو عمرو بن العلاء: سُمّي اليهود يهوداً «لأنّهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة». تفسير القرآن العظيم (الرياض، دار طيبة، ط2، 1999)، 1/285. وفي القرآن الكريم، الأعراف، 156 ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تُبْنا (عن عبادة العجل واهتدينا إلى دين موسى).
[17] الفلسطينيّون (الفلستيّون) من شعوب البحر، هاجروا من جزر اليونان وخاصّةً كريت (إقريطش)، واستقرّوا على ساحل كَنعان في 1225 ق. م. وأعطوها اسمَهم. وكانت كنعان إذّاك مستعمَرة مصريّة ضعيفة، فثبّت العبرانيّون والفلسطينيّون أقدامهم في البلاد، وكثيراً ما تفوَّق الفلسطينيّون على أعدائهم بسبب تفوُّق أسلحتهم الحديديّة إلى أيّام حكم داود، وما لبثوا أن اندمجوا في الكنعانيّين. فيليب حتّي، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ترجمة جورج حدّاد وعبد الكريم رافق (بيروت، دار الثقافة، ط3، لا ت.)، 1/196-201. ويرى كمال الصليبيّ أنّ الفلستيّين لم يكونوا مستوطنين غرباء وفدوا من الخارج، ولكنّهم كانوا من شعوب غرب شبه الجزيرة العربيّة، جاوروا بني إسرائيل على الساحل وفي المرتفعات، وتكلّموا اللغة نفسها، وكانت أراضيهم متداخلة، وانتهى أمرهم كشعب ذي شأن على تلك الأرض قبل انتهاء شأن بني إسرائيل بخمسمئة عام. التوراة جاءت من جزيرة العرب، ترجمة عفيف الرزّاز (بيروت، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط6، 1997)، ص251-254-258.
[18] المقصود بكلمة «الآباء» آباء اليهود: إبراهيم وإسحق ويعقوب الذين تلقَّوا وعوداً إلهيّة بأن تكون أرض كَنعان من نصيبهم، ويرتبطون برباط الدم والنسَب والعِرق. ويمكن أن تشمل هذه الكلمة موسى وهارون. المسيري، 1/399.
[19] يُعتبَر إبراهيم جَدّ المسيح الأعلى عند المسيحيّين، وعند المسلمين جَدّ محمّد وأبا المؤمنين وباني الكعبة، وورد اسمه في القرآن 69 مرّة. جاء في آل عمران، 65-67: ﴿يا أهل الكتاب لمَ تُحاجّون في إبراهيم وما أُنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بعده أفلا تعقلون* ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾. وقد مثّلت الإيقونوغرافيا الشعبيّة إبراهيم بطريركاً هائماً إلى أحد جنبَيْه الكبش الضحيّة وإلى الجنب الآخر ابنه إسماعيل وأمامه الملاك جبريل يحمل سكّيناً طويلاً. مالك شبل، معجم الرموز الإسلاميّة، ترجمة أنطوان الهاشم (بيروت، دار الجيل، ط1، 2000)، ص30-31.
[20] التكوين، 17: 7-8.
[21] إشعيا، 41: 8؛ رسالة يعقوب، 2: 23؛ سورة النساء، 125.
[22] يَشيع في أدبيّات الفكر الدينيّ اليهوديّ عداءٌ لإسماعيل والإسماعيليّين (العرب)، كأنّما لم يكن لإبراهيم سوى ابنٍ وحيد هو إسحق، أو أنّ إسماعيل أدنى منه مرتبةً، لأنّ إسماعيل ابن جاريةٍ مصريّة، وتزوّج هو نفسه مصريّة ويمنيّة. ولذلك يقولون: «إنّ النسل الراقي بدأ بيعقوب». ويعتقدون أنّ غريزة الشرّ أكبر من غريزة الخير بثلاث عشْرة سنة، وهو فارق العمر بين إسماعيل وإسحق. ومن هنا ربّما كانت السنة الثالثة عشْرة سنّ البلوغ عند الفتى يغدو فيها يهوديّاً قلباً وقالباً، ثابتاً في الخير. ومن نافل القول إنّ إسماعيل مُستبعَد من العهد الذي عُقد بين الخالق وإبراهيم والذي بموجبه ورث نسلُ إبراهيم أرضَ كَنعان. الشامي، ص158-159؛ المسيري، 1/400.
[23] وردت قصّة التضحية بإسحق (عَقيدا) في التكوين، 22. ولكنّ بعض علماء الإسلام، بناءً على بعض الحجج والروايات، يقولون إنّ الله امتحن إبراهيم في إسماعيل لا في إسحق وبمكّة لا بفلسطين. مهران، 1/ 144-152. ولم يأتِ في القرآن نصّ صريح حاسم. أنظر: الصافات، 99-113.
[24] وردت أسماء أبناء يعقوب وأمّهاتهم في التكوين، 35: 23-26؛ أمّا يوسف (= الربّ يزيدني)، الابن الحادي عشر من أبناء يعقوب وأحبُّهم إليه، فقد حسده إخوتُه وتآمروا عليه فباعوه بيعَ الرقيق لقافلةٍ تجاريّة كانت تقصد مصر، وغدا يوسف مفسّر أحلام الفرعون، وعزيز مصر، أي الناظر الأكبر في أرضها ورئيس مخازنها. وما لبث يوسف أن استدعى أباه وإخوته جميعاً للإقامة معه. وردت قصّة يوسف في آخر التكوين، الإصحاحات 37-50.
[25] الخروج، الإصحاحات 7-11. وانظر حاشية التلمود التفسيريّة على هذه الآفات واشتدادها واحدة في أثر الأخرى في: أحمد إيبش، التلمود كتاب اليهود المقدّس (دمشق، دار قتيبة، 2006)، ص189-197.
[26] الخروج، 12: 40-41. ويرى بعض الباحثين أنّ إقامة بني إسرائيل في مصر كانت 215 سنة. أحمد شلبي، اليهوديّة (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط8، 1988)، ص261.
[27] العدد، 14: 28-35. قال ابن خلدون (المقدّمة، القاهرة - بيروت، دار الكتاب المصريّ واللبنانيّ، 1999، ص249): «إنّ حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذلّ والقهر والقوّة إلى جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يُسام بالمذلّة. وإنّ الأربعين سنة أقلّ ما يأتي فيها فناءُ جيل ونشأةُ جيل آخر».
[28] سجّلَ الخروج (20: 2-17) والتثنية (5: 7-21) أهمّ صيغ الوصايا العشْر التي تلقّاها موسى في سيناء، وهي: «1- لا يَكُنْ لكَ آلهةٌ غيري. 2- لا تصنَعْ لكَ تِمثَالاً مَنحوتًا ولا صورَةَ شيءٍ مِمَّا في السَّماءِ مِنْ فَوقُ، ولا مِمَّا في الأرضِ مِنْ تحتُ، ولا مِمَّا في المياهِ مِنْ تَحتِ الأرض. لا تسجدْ لها ولا تَعبُدْها. 3- لا تَحلِفْ باَسْمِ الرّبِّ إلهِكَ باطلاً. 4- أُذكُرْ يومَ السَّبتِ وقدّسه. 5- أكرِمْ أبَاكَ وأُمَّكَ. 6- لا تقتُلْ. 7- لا تزْنِ. 8- لا تسرِقْ. 9- لا تشهَدْ على غيرِكَ شَهادَةَ زُور. 10- لا تشتَهِ بيتَ غيرِكَ. لا تشتَهِ اَمرَأةَ غيرِكَ ولا شيئًا مِمَّا لهُ». وكانت الوصايا جزءاً من الصلاة في الهيكل. وقد يكون موسى عَرَفَ التوحيد في عهد أخناتون الذي لم تعِش عقيدته أكثر من عَقدين (1367-1350 ق. م.). راجع في هذا الصدد: سيغموند فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت، دار الطليعة، ط4، 1986).
[29] كسر موسى هذَيْن اللوحَيْن عندما هبط من جبل سيناء، ورأى قومه يعبدون العجل الذهبيّ الذي صنعه هارون لقومه من حُليّهم (الخروج، 32: 1-19)، رِدّةً منهم إلى الديانة المصريّة، وأحرق موسى العجلَ بالنار وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل (الخروج، 32: 26-28). ولكنّه بأمرٍ من الربّ، نحت لوحَيْن بديلَيْن منهما (الخروج، 34: 2-28). وقد حُفظ اللوحان في تابوت العهد بخيمة الاجتماع (مِشْكان) في صحراء سيناء، من عصر موسى إلى عصر سليمان. وبعدها، حُفظا في قدس الأقداس بهيكل سليمان. ويُروى أنّ شظايا اللوحَيْن القديمَيْن قد حُفظت في المكان نفسِه. يستخدم الصهاينة العجلَ الذهبيّ رمزاً إلى اليهود الذين يعيشون خارج الأرض المقدّسة، أمّا خيمة الاجتماع فتعبّر عن سُكنى الإله وسط شعبه. وأمّا تابوت العهد أو عرش يَهْوَه، وهو صندوق مغطّى بالذهب من داخل ومن خارج، يقف عليه ملاكان باسطان أجنحتهما ووجهاهما نحو الغطاء (الخروج، 25: 10-22)، فيرمز إلى العهد مع الإله. الشامي، ص174، 199؛ المسيري، 1/408-409.
[30] التثنية، 8: 8.
[31] غوستاف لوبون، اليهود في تاريخ الحضارات الأولى، ترجمة عادل زعيتر (الجيزة، مكتبة النافذة، ط1، 2009)، ص53.
[32] العدد، 31: 41.
[33] الخروج، 15: 3. ولا تزال لفائف الشريعة (مخطوط أسفار موسى الخمسة) تُمرَّر بين صفّين من المقاتلين الشاهرين أسلحتهم في الحفلات العسكريّة الإسرائيليّة، ولا تزال بعض القوّات الإسرائيليّة تحمل معها هذه اللفائف التي كُتب عليها: «انهض أيّها الإله ودع أعداءك يتشتّتون واجعل مَن يكرهك يهرب مِن أمامك». المسيري، 2/58.
[34] «بَعْل» كلمة فينيقيّة تعني السيّد أو المولى أو الزوج أو المالك أو الربّ. وعلى الرغم من أنّ مجمع الآلهة الكَنعانيّ كان يرأسه «إيل»، فإنّ ابنه بعل إله الخصب كان يمثّل الدور الأساسيّ في المجمع، فأصبحت كلمة بعل مرادف كلمة إله. ولم يكن البعل إلهَ حرب مثل يَهْوَه، بل كان مسالماً، وكان اليهود يعبدونهما معاً: يهوه حين تشتدّ الأزمات، وبعل حين تنفرج، ولم يلبث الأوّل أن حلّ محلّ الثاني. المسيري، 1/ 408؛ حتّي، 1/ 222؛ مهران، 4/ 419-429.
[35] في طليعتهم إيليّا (= يَهْوَه إلهي، النصف الأوّل من القرن التاسع ق. م.)، وهو الناسك الذي تحدّى بَعْل الكنعانيّ بِيَهْوَه، وأعلنه ربّاً وحيداً في إسرائيل، ورُفع إلى السماء بمركبةٍ ناريّة. قارنَه بعض اليهود بموسى، وحسبه بعضهم الآخر المسيح، ومنهم من قال بأنّه يبشّر بمجيء المسيح. سمّاه القرآن الكريم إلياس والياسين، وذكره مرّتين: الأنعام، 85؛ الصافات، 123-132. وفي الفولكلور اليهوديّ هو «اليهوديّ الأزليّ الجوّال» يواسي الأرامل والأيتام والعُجّز، وعند أطفال اليهود يقابل «بابا نويل» في أوساط المسيحيّين. أنظر أخبار إيليّا في الملوك الثاني، الإصحاحان 1-2. ويمكن قراءة سيرته في السنكسار (جونيه، منشورات المكتبة البولسيّة، ط4، 1988)، 2/ 244-460؛ الشامي، ص41-42؛ كنفاني، ص86؛ حسن ظاظا، الفكر الدينيّ الإسرائيليّ - أطواره ومذاهبه (معهد البحوث والدراسات العربيّة، 1971)، ص116-127.
[36] المسيري، 1/ 394؛ حتّي، 1/ 206-223-225؛ كارين أرمسترونغ، القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث، ترجمة فاطمة نصر ومحمّد عِناني (القاهرة، سطور، 1998)، ص72-73.
[37] التثنية، 7: 6.
[38] اللاويّين، 20: 26.
[39] أغسطس روهلنج، الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة يوسف نصرالله (الفجّالة، مطبعة المعارف، ط1، 1899)، ص103.
[40] اللاويّين، 25: 23. ويُنظر في هذا الصدد روجيه غارودي، فلسطين أرض الرسالات السماويّة، ترجمة قُصَي أتامي وميشيل واكيم (دمشق، دار طلاس، 1991)، ص90-91.
[41] الخروج، 3: 8؛ اللاويّين، 20: 24؛ العدد، 14: 8؛ التثنية، 6: 3.9
[42] أنظر أخبار داود في صموئيل الثاني، ولا سيّما الإصحاحات 9-20 التي يعدّها فيليب حتّي «قطعة رائعة من الإنشاء التاريخيّ لم يُكتب مثلها» (1/205)؛ وفي الأخبار الأوّل، الإصحاحات 11-29. ويمكن قراءة أخبار الحروب التي خاضها داود مترجمةً عن الأصل العبريّ في حرب داود، ترجمة كمال الصليبي (عمّان، دار الشروق، ط2، 1991).
[43] صموئيل الأوّل، 31: 1-6.
[44] أنظر أخبار سليمان في الملوك الأوّل، الإصحاحات 1-11، وفي الأخبار الثاني، الإصحاحات 1-9. أمّا قصّة افتتان داود بزوجة قائد جيشه أوريّا (بَتْشابَع= ابنة اليوم السابع) واحتياله حتّى قتلَ زوجها فتزوّجها (صموئيل الثاني، 11: 2-15)، وأنّ ابنه سليمان ثمرة زنى (صموئيل الثاني، 12: 24) فقصّةٌ شجبها المفسّرون المسلمون؛ جاء في الكشّاف للزمخشري (الرياض، مكتبة العبيكان، ط1، 1998، 5 /253) أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ «من حدّثكم بحديث داود على ما يرويه القَصّاص جلدته مائة وستّين». ورُوي أنّه حُدّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحقّ، فكذّب المحدّثَ به، وقال‏:‏ إن كانت القصّة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وإن كانت على ما ذكرتَ وكفّ الله عنها ستراً على نبيّه فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر‏:‏ «لَسماعي هذا الكلام أحبُّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس»‏.‏ وعلّق على هذه القصّة ابن كثير في تفسيره (7/ 60)، قال: «قد ذكر المفسّرون ههنا قصّة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليّات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتّباعه». ثمّ إنّ سورة (ص) وفيها يخاطب الله داود ويصفه بحميد الأوصاف لا يلائمها القَدْح. وقد أحبّ الله سليمان وخصّه بمعجزات، فسخّر له الريح والطير والإنس والجنّ (الأنبياء، 80؛ النمل، 16). فخر الدين الرازي، عِصمة الأنبياء (القاهرة، مكتبة الثقافة الدينيّة، ط1، 1986)، ص111-128. وفي المزمور 51، يلوم النبيّ ناثان (= الإله أعطى) الملكَ داود على فعلته، فيطلب الخاطئُ المغفرة. وقد شاع بين اليهود المتشدّدين حَلْق شعر النساء تأسّياً على الخطايا التي ارتكبها داود. الشامي، ص59.
[45] الملوك الأوّل، 5: 12.
[46] إستغرق بناؤه سبع سنوات، واشتغل فيه 185 ألف عامل، في حين استغرق بناء القصر ضِعف هذه المدّة.جاء وصف هيكل سليمان في الملوك الأوّل، الإصحاحات 6-8؛ وفي الأخبار الثاني، الإصحاحات 2-4؛ فبدا وكأنّه الفردوس المفقود.
[47] الملوك الأوّل، 11: 3.
[48] المزامير هي «الزَّبور» بالعربيّة. جاء في سورة النساء، 163 وفي سورة الإسراء، 55 ﴿وآتينا داود زَبوراً﴾. وهي من أصل يونانيّ (سالموس) تعني رنين الأوتار أو أنشودة، وهي كتاب ترانيم إسرائيل، وأكبر أسفار الكتاب المقدّس (150 مزموراً). ميلر وهوبر، تاريخ الكتاب المقدّس، ترجمة وليم ووجدي وهبه (القاهرة، دار الثقافة، ط1، 2008)، ص25، 46.
[49] أنظر، على سبيل المثال: إشعيا، 1: 3-9.
[50] م. ن.، 20: 3.
[51] ن.، 1: 11-17.
[52] «إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج، ولو كانت حمراء كالأرجوان تصير كالصوف» (إشعيا، 1: 18).
[53] ن.، 59: 20. «ها هي العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عِمّانوئيل» (إشعيا، 7: 14). ومعنى عِمّانوئيل الله معَنا.
[54] ن.، 61: 1-2.
[55] ن.، 45: 21-22؛ 48: 12-13؛ 66: 1-2.
[56] يُعتقد أنّ في الرسالة إلى العبرانيين (11: 37) إشارة إلى استشهاده منشوراً.
[57] «في تلك الأيّام لن يُقال: الآباء أكلوا الحصرم والأبناء يضرسون. بل كلّ واحد بخطيئته يموت، ومن يأكل حصرماً تضرس أسنانه» (إرميا، 31: 29-30).
[58] م. ن.، 4: 23-26.
[59] ن.، 27: 6-8.
[60] اشتهرت مراثي إرميا على أطلال أورشليم. أنظر: مراثي إرميا، 2: 10-21.
[61] الملوك الثاني، 24: 14. وقد خلّد أحد شعراء اليهود ذكرى هذه القافلة البائسة في المزمور 137.
[62] ه. ج. ولز، معالم تاريخ الإنسانيّة، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد (الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، ط3، 1967)، 2/20.
[63] أهمّ رؤاه تلك الرؤيا عن العِظام الجافّة المبعثرة في أرجاء الأرض التي قُدّر لها أن تلتحم وتُبعث وتشكّل الشعب الحيّ المعافى. ويُقرأ نصّ هذه الرؤيا أيّام السبت في كلّ الكُنُس اليهوديّة في العالم. أنظر: حزقيال، 37: 1-11. وهو يصف الهيكل العتيد بالتفصيل وكأنّه يرى صورته بأمّ العين (حزقيال، الإصحاحات 41-48).
[64] إرميا، الإصحاحات 30-33.
[65] حَزقيال، 7: 1-27، 20: 1-44.
[66] إقرأ حُلم نبوخذ نصّر «التمثال العظيم»، وتفسير دانيال في سفره، 2: 31-45.
[67] دانيال، 7: 13-14؛ متّى، 24: 30، 26: 64.
[68] إرميا، 25: 11.
[69] روى سفر عَزْرا ونَحَمْيا (وهما سفرٌ واحد في الكتاب المقدّس اليهوديّ) العودة وإعادة بناء الهيكل ثمّ أسوار المدينة.
[70] عزرا، 8: 24.
[71] «إعمَلوا لِخيرِ المدينةِ التي سبَيتُكُم إليها، وصلُّوا مِنْ أجلِها. ففي خيرِها خيرُكُم». (إرميا، 29: 7)
[72] كان عزرا كاهناً كاتباً عالماً بالشريعة (عزرا، 7: 11)، يُعزى إليه أنّه أوّل من جمع أسفار التوراة ونظّمها وفسّرها، وأوّل من بنى الكنيس في بابل وفلسطين، وحمل إلى فلسطين الأحرفَ الآراميّة المربّعة الشكل، المعروفة بالخطّ الأشّوريّ، التي مهّدت لنشوء الأبجديّة العبرانيّة الحاليّة. أنظر: قاموس الكتاب المقدّس. وعزرا هو عُزَيْر الوارد ذكرُه مرّةً واحدة في القرآن الكريم، سورة التوبة، 30 ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾.
[73] عزرا، 9: 12.
[74] ما فتئت عزلة اليهود بادية في كثيرٍ من مجتمعات الغيتو (Ghetto)؛ تقع أحياء اليهود وحاراتهم في العالم خارج أسوار المدينة، أو يفصلها عنها حائطٌ خاصّ. هذه العزلة السكنيّة تعبّر عن شعور الأقليّة بالخطر والتوتّر والخوف من الاضطهاد، فتسعى إلى الاحتشاد في نقطةٍ واحدة ضماناً للحماية في حظيرةٍ واحدة ككلّ قطعان الرُّحَّل. جمال حمدان، اليهود أنثروبولوجيّاً (القاهرة، دار الهلال، 1996)، ص117- 119.
[75] شلبي، ص86.
[76] عزرا، 1: 1-11. وانظر أيضاً: فراس السوّاح، آرام دمشق وإسرائيل - في التاريخ والتاريخ التوراتيّ (دمشق، دار علاء الدين، ط5، 2002)، «اليهوديّة والنظام العالميّ الجديد للإمبراطوريّة الفارسيّة»، ص274-290.
[77] زكريّا، 3: 1-2.
[78] طوبيّا، 3: 8؛ معجم اللاهوت الكتابيّ (بيروت، دار المشرق، ط3، 1991)، ص463. لا يندرج هذا السِّفر في الكتاب المقدّس اليهوديّ، ولكنّ اليهود يقرأونه وهو يحظى باحترامٍ كبير. تاريخ الكتاب المقدّس، ص58.
[79] دانيال، 7: 13-14.
[80] أنظر «ذكرُ إسكندر بن فيلبُّس ومسيرِه إلى داريوس وخبرِه مع اليهود» في تاريخ يوسيفوس اليهوديّ (بيروت، 1872)، ص24-38.
[81] أرمسترونغ، ص259-260.
[82] جاء في المزمور (137: 1) على لسان جماعة إسرائيل بعد سبيهم إلى بابل: «على ضفاف أنهار بابل جلسنا، وبكينا عندما تذكّرنا صِهيون». وعن أهمّية جبل صِهيون، انظر: أرمسترونغ، ص32-33.
[83] أصدر هرتزل في العام 1896 كتاب الدولة اليهوديّة، وفي العام 1902 رواية الأرض القديمة الجديدة، فبشّر بولادة الحركة الصهيونيّة التي اكتسبت بسرعة فائقة أبعاداً عالميّة.
[84] ألّف بلفور (Balfour) كتباً عديدة في الفلسفة الدينيّة، من أهمّها: دفاع عن الشكّ الفلسفيّ (1879)، وأسس الاعتقاد الدينيّ (1893)، والإيمان بالله والفكر (1923). وثمّةَ شوارع في تل أبيب (= تلّ الربيع) سُمّيت باِسمه، وأطلق اليهود اسمَه على أبنائهم. المسيري، 2/220.
[85] تختلف الأرقام في شأن عدد اليهود الذين قضَوا ضحيّة الإبادة النازيّة بين مليون وأربعة ملايين وستّة ملايين. المسيري، 1/193.
[86] المسيري، 1/103؛ 2/197 وما يليها؛ كنفاني، ص35 وما يليها. وللمزيد، يُنظر: ريجينا الشريف، الصهيونيّة غير اليهوديّة، ترجمة أحمد عبد العزيز (الكويت، عالم المعرفة، العدد 96، ديسمبر 1985)؛ روجيه غارودي، إسرائيل بين اليهوديّة والصهيونيّة، ترجمة حسين حيدر (بيروت، دار التضامن، ط1، 1990).
[87] طارق السويدان، اليهود.. الموسوعة المصوّرة (الكويت، الإبداع الفكريّ، ط1، 2009)، ص36.
[88] كنوز التلمود، ص41-42 بتصرّف. والحاخام هِلّيل وُلد في بابل (ت 10 م.)، وكان رئيس المجلس الدينيّ الأعلى (السنهدرين)، لُقّب بالشيخ العتيق، ساند اليهود مئة عام قبل دمار الهيكل الثاني (70 م)، ويُعزى إليه أنّه أوّل من اهتمّ بتخطيط المِشنا وتجميعها وتقسيمها إلى أقسام مختلفة. ظاظا، ص78.
[89] تُلفَظ الكاف العبريّة كافاً إذا وقعت في أوّل الكلمة، فإن وقعت في وسط الكلمة أو في آخرها، لُفظت خاءً. الشامي، د.
[90] علي عبد الواحد وافي، الأسفار المقدّسة في الأديان السابقة للإسلام (الفجّالة – القاهرة، دار نهضة مصر، ط1، 1964)، ص12-13.
[91] يتألّف الكتاب المقدّس، وَفْق الكاثوليك، من 73 كتاباً؛ العهد القديم (46 كتاباً) والعهد الجديد (27 كتاباً)، ترجمته الرهبانيّة اليسوعيّة إلى العربيّة (1881)، وأسهم الشيخ إبراهيم اليازجي في تنقيح نصوص العهد القديم. ومن أشهر ترجماته ترجمة أحمد فارس الشدياق (1851)؛ والترجمة الأميركيّة للمرسلَين الإنجيليّين عالي سمِث وكرنيليوس فاندايك والمعلّم بطرس البستاني (1864) هذّب عبارتَها الشيخ ناصيف اليازجي وراجعها الشيخ يوسف الأسير؛ والترجمة التفسيريّة (كتاب الحياة) قامت بها لجنة من اللاهوتيّين من مختلف الكنائس كاثوليكيّة وأرثوذكسيّة وإنجيليّة (1988)؛ وللشاعر يوسف الخال والأب بولس الفغالي ترجمة سُمّيت بالمشتركة (1993).
[92] نشير، على سبيل المثال، إلى فيلو الإسكندريّ اليهوديّ (30 ق. م.- 50 م.) أوّل شارح معروف، وأوّل من استعمل اللوغوس أو الكلمة وسيطاً خَلَقَ الله به العالم؛ وإلى الإمام ابن حزم الأندلسيّ (ت 456 هـ.) مؤلّف كتاب الفصل في المِلل والأهواء والنِّحَل؛ وإلى الفيلسوف اليهوديّ باروخ سبينوزا كاتب رسالة في اللاهوت والسياسة [1670]، ترجمة حسن حنفي (بيروت، دار التنوير، ط1، 2005)؛ وإلى المؤرّخ اللبنانيّ كمال الصليبيّ (1929-2011) صاحب كتاب خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل (بيروت، دار الساقي، ط1، 1988)؛ وإلى رائدَين يهوديَّين في علم الآثار وتحقيق النصوص إسرائيل فنْكلْشتاين ونيل إشر سيلْبرمان مؤلّفَي كتاب التوراة اليهوديّة مكشوفة على حقيقتها، ترجمة سعد رستم (دمشق، صفحات للدراسات والنشر، 2009). وفي القرآن الكريم، المائدة، 13 ﴿يحرّفون الكَلِم عن مواضعه ونسُوا حظّاً ممّا ذُكّروا به﴾، وفي الجمعة، 5 ﴿مَثَل الذين حُمِّلوا التوراة ثمّ لم يَحملوها كمَثَل الحمار يحمل أسفاراً﴾.
[93] يستند الحاخامات إلى الآية التالية: «وقال الربّ لموسى: إصعد إليّ إلى الجبل وأقم هنا حتّى أعطيك لوحَي الحجارة والشريعة والوصيّة التي كتبتُها لتعليمهم» (الخروج، 24: 12). ويزعمون أنّ لوحَي الحجارة هما الوصايا العشْر، والشريعة هي التوراة، والوصيّة هي المِشنا التي كتبها الأنبياء، والتعليم هو الجِمارا التي وضعها الحاخامات. ظفر الإسلام خان، التلمود تاريخه وتعاليمه (بيروت، دار النفائس، ط8، 2002)، ص14.
[94] بروتوكولات حكماء صِهيون هي مذكّرة قُدّمت إلى المؤتمر الصهيونيّ المنعقد برئاسة هرتزل في مدينة بازل بسويسرا العام 1897، حين كان الصهاينة يعدّون العدّة لإحياء دولة إسرائيل وتأسيس مملكة صِهيون العالميّة. بلغ عدد البروتوكولات 24 بروتوكولاً، وهي تتّفق مع تعاليم التوراة والتلمود والقبّالاه. ويمكن في هذا الشأن مراجعة: الخطر اليهوديّ - بروتوكولات حكماء صِهيون، ترجمة محمّد خليفة التونسيّ (بيروت، دار الكتاب العربيّ، ط4، لا ت)؛ فكتور مارسدن، بروتوكولات حكماء صِهيون، ترجمة عجاج نويهض (بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، ط4، 1996). أمّا عبد الوهّاب المسيري واستناداً إلى التحليل النصيّ وبعض الحقائق التي نُشرت عنها، فيرى أنّ البروتوكولات وثيقة مزيّفة ساذجة كتبها بالروسيّة موظّف روسيّ قيصريّ متطرّف كان يعمل في الكنيسة الروسيّة الأرثوذكسيّة (1905). أنظر كتابه: البروتوكولات واليهوديّة والصهيونيّة (القاهرة، دار الشروق، ط3، 2003).
[95] ترجم متن التلمود - المِشنا أستاذ اللغات الشرقيّة بكليّة الآداب، جامعة القاهرة، الدكتور مصطفى عبد المعبود سيّد منصور (الجيزة، مكتبة النافذة، ط1، 2007-2009) فجاء في 6 مجلّدات و2400 ص. وفي العام 2012 صدرت ترجمة التلمود البابليّ مع الجِمارا تحت إشراف مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان بالأردنّ، فجاءت في 20 مجلّداً و7100 ص.
[96] طائفة أو فرقة يهوديّة تمسّكَ أعضاؤها بدقائق الممارسة الدينيّة وتطرّفوا في تطبيق أحكام الشريعة، وتباهَوا بالتقوى والفضيلة، فازدرَوا سواهم ووقعوا في التزمُّت والشكليّة. لعلّ اسمهم، وقد شابهوا طبقة المجوس الزرادُشتيّين، مشتقّ من الفُرس؛ أو لعلّه يعني المفسّرين، من العبريّة «فرش» أي شرح وفسّر، أتباعَ عزرا المتضلّعين من علم التوراة. ولعلّه يعني أخيراً المنشقّ (من فَرَزَ) لأنّهم انشقّوا عن عامّة اليهود المؤمنين بتعاليم التوراة. أطلق عليهم أعداؤهم هذه التسمية، وكانوا يسمّون أنفسهم «الأحبار» أو «الربّانيّين». وهم يعتقدون في الملائكة والبعث في الحياة الدنيا والمسيح المنتظر، ويؤمنون بأزليّة التوراة وعصمة الحاخامات، لا يقدّمون القرابين في المعابد، ولا يتزوّجون، ويحافظون على وجودهم بالتبنّي. أنظر على التوالي: الأب صبحي حموي اليسوعيّ، معجم الإيمان المسيحيّ (بيروت، دار المشرق، ط2، 1998)، ص354؛ معجم اللاهوت الكتابيّ، ص605-606؛ مقدّمة سهيل زكّار لكتاب أحمد إيبش، التلمود كتاب اليهود المقدّس (م. س.)، ص16؛ مقدّمة كمال الصليبي لكتاب حروب داود، ص35؛ خان، ص32؛ شلبي، ص218-219.
[97] أغسطس روهلنج، الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة يوسف نصرالله (الفجّالة، مطبعة المعارف، ط1، 1899)، ص32.
[98] أنظر أسس هذه الفرائض والأحكام في ميخا، 6: 8.
[99] التثنية، 12: 2-12؛ 13: 2-19؛ عاموس، 5: 4-6-14-15-21-23.
[100] م. ن.، 6: 1-13؛ 22: 22-29. على الرغم من مآسي أيّوب، فهو لم يكفر بربّه، فضاعف ما كان له قبلاً، وعاش أيّوب 140 سنة ورأى بنيه وبني بنيه إلى أربعة أجيال. (أيّوب، 42: 10-17).
[101] العدد، 35: 16-31.
[102] الأحبار / اللاويّين، 20: 9-18؛ هوشع، 4: 11-13.
[103] اللاويّين، 11: 2-20؛ التثنية، 14: 3-21.
[104] مثلاً: «نجوم السماء تبكي مع من يبكي خلال الليل؛ المعرفة تَنشد السلام في العالم؛ احترمْ كلّ أحد، كأنّه معلّم تعلّمتَ منه شيئاً؛ تحت أجنحة السرافيم تمتدّ أذرع الرحمة الإلهيّة، مستعدّة دائماً لتقبّل الخاطئين؛ العنف في بيت مثل دودة في يقطينة؛ كلّ من لا يضطهد الذين يضطهدونه، وكلّ من يقبل التعدّي في صمت، وكلّ من يعمل الخير لأجل الحبّ، وكلّ من يبتسم في شدّته، أولئك هم أصدقاء الله، وعنهم قالت التوراة: إنّهم سوف يُعلَمون يوم القيامة كالشمس في الضحى». كنوز التلمود، ص35-65-70-78؛ خان، م. س.، ص87، 89.
[105] مثلاً: «حين خلق الله الإنسان أخذ تراباً من جانب القدس ومن أربعة أركان العالم، ونفخ في منخريه نسيم الحياة؛ خُلق العالم من أجل إسرائيل». كنوز التلمود، ص27، 103.
[106] أنظر على سبيل المثال الجامعة، 3: 1-22؛ 9: 1-12.
[107] المزامير، 30: 4.
[108] إشعيا، 11: 6-8.
[109] هيغل، العالم الشرقيّ، ترجمة إمام عبد الفتّاح إمام (بيروت، دار التنوير، ط3، 2007)، ص182-183.
[110] أنظر كتابنا: مطر من ورد، ص109.
[111] إشعيا، 26: 19؛ دانيال، 12: 13. وفي دانيال رؤيا قديم الأيّام وابن الإنسان، 7: 9-14؛ ورؤيا وقت الغضب، 10: 1-19.
[112] دانيال، 12: 2.
[113] مطر من ورد، ص82 متناً وحاشية؛ الكنز المرصود في قواعد التلمود، ص47؛ شلبي، ص267.
[114] مطر من ورد، ص107.
[115] يُصوَّر طائر الغارودا بجناحَيْن ووجه ومخالب نسر وجذع وساقَيْ إنسان. الوجه أبيض، الجناحان قُرمزيّان، الجسم ذهبيّ؛ في حين يُصوَّر فشنو باللون الأزرق وله أربع أذرع تحمل الدبّوس والحَلَزون والأسطوانة وزهرة اللوتس. خورخي لويس بورخيس ومرغريتا غيرّيرو، كتاب المخلوقات الوهميّة، ترجمة بسّام حجّار (الدار البيضاء - بيروت، المركز الثقافيّ العربيّ، ط1، 2006)، ص101. أنظر إحدى صوره على الرابط التالي:
http://www.exoticindiaart.com/produc...vaikuntha-OR39
[116] دانيال، 7: 13.
[117] المسيري، 2/ 104-105؛ خان، ص60. قال مارتن لوثر: «إذا كان الله لا يُرسل إليّ مسيحاً من عنده يختلف عن المسيح الذي ينتظره اليهود، ويعلّقون عليه رجاءهم، فأفضلُ لي لو مُسختُ خنزيراً، فلا أبقى بعد ذلك إنساناً. فأيُّ خير ينالني من مسيح اليهود إن كان لا يُنقذ نفسي من وهدتها الروحيّة؟». مارتن لوثر، اليهود وأكاذيبهم، ترجمة محمود النجيري (الجيزة، مكتبة النافذة، ط1، 2007)، ص146. نشر لوثر هذا الكتاب في العام 1542، دعا فيه إلى طرد اليهود إذا لم يتحوّلوا إلى الدين المسيحيّ. وشجّع ذلك الموقفُ اضطهادَ اليهود في أوروبّا إبّان القرنين السادس عشر والسابع عشر، وشدّد من عزلتهم.
[118] إشعيا، 11: 6-7.
[119] دانيال، 12: 3.
[120] نجمة داود (ماجين دافيد) سداسيّة الشكل، تتألّف من مثلّثَيْن متساويَيْن متقاطعَيْن. عُرف هذا الرمز بِاسم خاتم سليمان (حوتام شلومو) الذي يطرد الأرواح الشريرة. لم ترد إشارة إلى شكل نجمة داود لا في التوراة ولا في التلمود، ولكنّها ذُكرت للمرّة الأولى في كتاب عنقود الكافر ليهودا هَداسي في القرن الرابع عشر الميلاديّ. رمزت إلى مملكة إسرائيل في عهد داود، وتظهر اليوم على عَلَم إسرائيل. رشاد الشامي، الرموز الدينيّة في اليهوديّة (جامعة القاهرة، مركز الدراسات الشرقيّة، 2000)، ص49-55.
[121] أنظر نماذج من هذه المواقف والصور في: المسيري، 2/ 73-74.
[122] السويدان، ص198.
[123] «وصلّوا إلى الربّ جهةَ المدينة التي اخترتها» (الملوك الأوّل، 8: 44).
[124] هو شمعدان ذهبيّ ذو فروع سبعة (ستّ شُعَب + الساق) كان يوضَع في خيمة الاجتماع. وفي الخروج (25: 34) أنّ الإله أوحى بصنعه على شكل شجرة (الحياة) كؤوسها على شكل زهرة اللوز بعُقدتها وأوراقها. وفي زكريّا (4: 10) تفسيرٌ أنّ السبعة السُرُج «هي أعين الربّ الجائلة في الأرض كلّها». ويُفسَّر الشمعدان أيضاً بأنّه يرمز إلى أيّام الخلق الستّة إضافةً إلى يوم السبت. وهو شعار رسميّ لدولة إسرائيل. المسيري، 2/59. أنظر الرابط: http://en.wikipedia.org/wiki/File:Menorah_0307.jpg
[125] كنوز التلمود، ص76.
[126] اليرمُلكة طاقيّة صغيرة أو قَلَنْسُوة تغطّي أعلى الرأس، ويعتمرها الملتزمون على الدوام. والطاليت شال أبيض خاصّ بالصلاة تتخلّله خطوطٌ زرقٌ أو سود، وذو أذيال أربعة تنتهي بأهداب (صيصيت) تذكّر بوصايا الربّ (العدد، 5: 38-39)، يُسدَل على الكتفين. الشامي، الرموز الدينيّة في اليهوديّة، ص59-75. أنظر الطاليت على الرابط التالي:
http://www.worldofjudaica.fr/juda%C3...ah_pri%C3%A8re
[127] للتوسّع في شؤون الصلاة اليهوديّة أنواعاً وأقساماً وكتباً ومواقيت وطقوساً ونصوصاً، انظر: ظاظا، ص167-193.
[128] يُكتب في المزوزاه جزآن من التثنية، 6: 4-9؛ و7: 12-16؛ الرموز الدينيّة في اليهوديّة، ص79-82.
[129] الخروج، 12: 12-13.
[130] الخِتان (ميلّاه) في اليهوديّة علامة العهد بين الإله وإبراهيم وجماعة إسرائيل، يمنحهم الأرض فيقدّمون إليه القربان، ومن لم يُختن لا يحلّ الإله فيه ولا يُعتبر فرداً من الشعب المقدّس. ولذا كان يتمّ الخِتان ولو يوم السبت. وذكرت التوراة الخِتان في عدّة مواضع، أهمّها في التكوين، 17: 10-15. وعرفه المصريّون منذ أقدم العصور، بل إنّ إبراهيم الخليل لم يقم بعمليّة الختان إلاّ بعد عودته من مصر. ولعلّ اليهود عرفوا الختان من تلك البلاد. وبعد أن كانوا يقدّمون إلى الإله قرابين بشريّة، اكتفوا بجزء من الإنسان، وهو ما يُقتطع في عمليّة الختان، رمزاً إلى التضحية. المسيري، 2/ 47-48؛ مهران، 1/ 357-358؛ شلبي، ص205.
[131] يُرجَّح أنّ عادة الزواج المبكر بين اليهود حتّى وقتٍ قريب (سنّ الرابعة عشْرة للبنت والثامنة عشْرة للصبيّ) كانت مسؤولة عن نوع من الانحطاط الجسميّ انعكس في القامة ضآلة. حمدان، ص131.
[132] التكوين، 2: 24.
[133] ذكره وافي، ص51.
[134] المزامير، 137: 5-6.
[135] أنظر على سبيل المثال: التثنية، 17: 17، 22: 13-29، 24: 1-4.
[136] أعمال الرسل، 9: 37.
[137] يوحنّا، 20: 7.
[138] م. ن.، 11: 44.
[139] صموئيل الثاني، 3: 31؛ لوقا، 7: 14.
[140] التكوين، 25: 10؛ 49: 31؛ 50: 13.
[141] الملوك الثاني، 33: 6؛ إرميا، 26: 23.
[142] أيّوب، 30: 23.
[143] الجامعة، 12: 5.
[144] التكوين، 2: 1-3؛ وراجع الوصيّة الرابعة من الوصايا العشْر في التثنية، 5: 7-21؛ الخروج، 20: 2-17.
[145] الخروج، 20: 8-11؛ إشعيا، 56: 1-8؛ 58: 13-14. وكلمة «السبت» في العبريّة (شبّات) تعني «الراحة»، وفي العربيّة «القَطْع». أنيس فريحه، أسماء الأشهر والعدد والأيّام وتفسير معانيها (طرابلس، جرّوس برس، ط1، 1988)، ص180-181.
[146] متن التلمود - المِشنا، القسم الثاني «موعيد»، المبحث الأوّل «شبّات»، الفصل الأوّل ج، ص33.
[147] ورد في المزامير، 81: 4: «أنفخوا بالبوق في هَلّة البدر، وعند اكتماله ليوم عيدنا». وجاء في التلمود كتاب اليهود المقدّس (ص374-375): «لماذا يصنعون البوق من قرن الكبش؟ لكي يذكّر الربّ الكبش الذي ضُحّي به بدلاً من إسحق. ويتمّ النفخ بالبوق لردّ الإنسان إلى رشده وتنبيهه إلى الوقت الذي يمضي بسرعة، وتذكيره بيوم الدينونة العظيم الذي يُنفخ فيه بالصُّور، وبقيامة الأموات». أنظر الشوفار على الرابط التالي:
http://ekladata.com/u6ePCE6r4ohY672WzbjjL3Works.jpg
[148] التثنية، 16: 1-8؛ اللاويّين، 23: 4-8. في ختام ليلة عيد الفصح، يُقال: «العام القادم في القدس»، أمّا في فلسطين فيُقال: «العام القادم في القدس المشيّدة». الشامي، موسوعة المصطلحات الدينيّة اليهوديّة، ص179.
[149] اللاويّين، 23: 43.
[150] التثنية، 16: 9-17.
[151] جاء في لسان العرب (10/15) أنّ البُراق دابّة امتطاها الرسول ليلة الإسراء؛ سُميّت بذلك لنصوع لونها وشدّة بريقها وسرعة حركتها الشبيهة بالبرق. وفي كتاب بورخيس (م. س.، ص35) أنّ مسلمي الهند يتصوّرون البُراق بوجه إنسان وبدن حمار وذَنَب طاووس.
[152] كشفت التنقيبات الأثريّة في أورشليم عن موقع المدينة وأساسات سورها الذي يعود إلى 1800 ق. م. والإصلاحات المتتالية التي خضع السور لها حتّى دمار المدينة 587 ق. م. على يد نبوخذ نصّر، وكشفت عن أساسات سور هيرودوس، غير أنّ علم الآثار لم يعثر على مدينة العصر الذهبيّ ولا على القصور التي شادها سليمان. أمّا الهيكل الذي بناه في القرن العاشر فلم يتمّ العثور على حجرٍ واحد من أساساته أو أيّ أثر يدلّ على أنّه قد قام في يومٍ من الأيّام. السوّاح، ص150-152.
[153] موسى بن ميمون (1135-1205 م.) أعظم فلاسفة اليهود في العصور الوسطى. وُلد في قُرْطُبة، وهاجر إلى فاس وفلسطين والإسكندريّة، وتوفّي في القاهرة، ونُقلت رُفاته إلى طبريّة. كان تلميذ ابن رشد وطبيب أسرة صلاح الدين. لم يعترف إلّا بأسفار موسى الخمسة. أمّا الصلاة فيجب أن تكون صمتاً. اختصر أسفار موسى واختصر التَّلْمود وشرحه بعنوان مِشنا توراة، وهو أعظم كتبه بالعبريّة. وأشهر مصنّفاته دلالة الحائرين، كتبه بالعربيّة بحروف عبريّة حتّى لا يقرأه غير اليهود (حقّقه حسين آتاي، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينيّة، لا تاريخ، 847 ص)؛ وهو محاولة أرسطيّة للتوفيق بين الدين والفلسفة على غرار ابن رشد في الإسلام وتوما الأكوينيّ في المسيحيّة. لُقّب أمير الفلاسفة. وقد تأثّر بفكره الفيلسوفُ الهولّنديّ اليهوديّ سبينوزا (1632-1677). للمزيد انظر: عبد المنعم الحفني، موسوعة فلاسفة ومتصوّفة اليهوديّة (القاهرة، مكتبة مدبولي، 1994)، ص39-44، 124-132.
[154] وردت في كتاب السراج، وهو تفسيرٌ دقيق للمِشنا مكتوب بالعربيّة، ألّفه وهو بعدُ في الثالثة والعشرين من عمره. والمقتبس عن أديب صعب، الأديان الحيّة (بيروت، دار النهار، ط3، 2005)، ص140-141.
[155] يوميّات فرانتس كافكا، تحرير ماكس برود، ترجمة خليل الشيخ (هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ط1، 2009 )، 28 كانون الثاني 1922، ص474. وفي أحاديثه إلى صديقه يانوش يقول: «إنّ المدينة اليهوديّة القديمة الموبوءة التي تعيش فينا حقيقةٌ أشدّ رسوخاً من المدينة الحديثة النظيفة التي نعيش فيها. وما فتئنا نعبر حُلماً [هو أرض كَنعان] بأعينٍ مفتوحة، في حين لسنا سوى شبحٍ من زمنٍ غبر». فلسطين في رسائل كافكا، ترجمة محمّد أبو خضور (دمشق، دار النمير، ط1، 1999)، ص137-138 بتصرّف.
إضافةً إلى المصادر والمراجع المذكورة في الحواشي، استند بحثنا إلى المراجع التالية: وِل ديورانت، قصّة الحضارة، ترجمة محمّد بدران (بيروت - تونس، دار الجيل، 1998)، 2/ 321-398، 14/5-143؛ ميرسيا إلياد، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينيّة، ترجمة عبد الهادي عدس (دار دمشق، ط1، 1986-1987)، 1/ 203-228، 411-434؛ 2/ 273-302؛ 3/ 171-196؛ ميغوليفسكي، أسرار الآلهة والديانات، ترجمة حسّان إسحق (دمشق، منشورات علاء الدين، ط4، 2009)، ص333-376؛ سهيل بشروئي ومرداد مسعودي، تراثنا الروحيّ، ترجمة محمّد غنيم (بيروت، دار الساقي، ط1، 2012)، ص409-449.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا نتعلم من دراسات التعلم اثناء النوم salam100s قسم الصحة و الطب 5 29-11-2012 06:20 PM
((صور + وثائق)): عقيدة أهل السنة والوهابية في (تجسيم الله) عقيدة بوذية يهودية؟؟! أبو حيدر11 قسم الحوار الإسلامي 5 18-07-2010 06:24 PM
مصادر عراقية: وفود يهودية تزور معبدا في مدينة الحلة بشكل منتظم صادق للابد القسم السياسي 1 14-08-2008 03:31 PM
(مكتبة القرآن الكريم ) دراسات وبحوث قرآنية ’’ وكتب قيمة JO0ORYA قسم القرآن الكريم 4 17-05-2008 06:08 AM
الكتاب الإلكتروني دراسات في علم الأصول كشكول قسم الكتاب 0 01-08-2007 04:47 PM


الساعة الآن 01:11 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education