العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإسلاميـة > قسم الحوار الإسلامي

قسم الحوار الإسلامي الحوارات و المناظرات و البحوث العقائدية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /23-07-2009, 01:40 AM   #1

مرآة التواريخ
رحمه الله و أسكنه فسيح جناته و حشره مع محمد و آل محمد

 رقم العضوية : 1308
 تاريخ التسجيل : Dec 2007
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 2,454
 النقاط : مرآة التواريخ is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 13

مرآة التواريخ غير متواجد حالياً

افتراضي كتاب ( محنة التراث الآخر ) للكاتب المستبصر إدريس هاني الحسيني ــ كتاب قيم في بابه

«محنة التراث الآخر»




النزعات العقلانية في الموروث الإمامي




مقاربة في :



الكتابة التاريخية – علم الكلام – الحكمة



أصول التشريع




إدريس هاني


*****
ترجمة المؤلف : السيد إدريس هاني الحسيني

إضغط على صورته الآتية لتدخل على ترجمته



*****






الفهرس


كلمه المركز
مقدمة


الفصل الأول: الكتابة التاريخية
نقد الخطاب التاريخي العربي
ابن جريرالطبري
ابن كثير
ابن خلدون
الآخر ، الإمامي ، فى ضوء الرؤية (الملليه)
الاماميه فى المقروئيات الاستشراقيه
الامتداد داخل الفكر العربى المعاصر
الجابرى.. واللامعقول الشيعي!


الفصل الثانى: علم الكلام
خصائص العقيدة من منظور علم الكلام
الحسن والقبح ، العقليين
الوحده والتوحيد
نظريه التوحيد
نظريه العدل الالهى
القضاء والقدر
القضاء والقدر والموقف الوسط
عقيده الجبر من منظور فلسفى
مفهوم الاختيار عند ابن سينا ، ومفهوم القدره بالفعل عند الأول
الخواجة نصير الدين الطوسي ، وفلسفه الاستجابة للمنقول!
اختيار المضطر عند صدر المتألهين
الجبر الفلسفي وامتداداته في مجال أصول الفقه
عقيدة البداء ، والفلسفة التفاؤلية!
التجسيم ، الرؤية ، وقدم القرآن


الفصل الثالث: الحكمة
التفكير الفلسفي عند الإمامية
صدر المتألهين الشيرازي
الانطلوجيا المشائيه في قمة نضجها
نظريه الحركة الجوهرية
الحركة في مقوله الجوهر:


الفصل الرابع: أصول التشريع
التدوين وتأصيل الأصول
محنه توحيد القراءات
النظر المعرفي وآليات الاشتغال في مرحله النص
مفهوم التأويل ، وثنائيه الظاهر والباطن
المماثلة عند المؤولة ، مقاربه منطقيه
أسباب تضخم النزولات التأويلية في الأئمة العلويين
تاريخية الاجتهاد عند الإمامية
المدرسة الصادقيه
عصر الغيبة وبداية التأصيل الإمامي
الاجتهاد ومشروعيه النظر الفقهي
مفهوم الاجتهاد ، وإشكالية التفريع
وأخيرًا
المصادر
الهوامش


يتبع ...


ــــــــــــــــــــ
ملاحظة/ حين ننتهي من نسخ الكتاب هنا كاملاً ، سأضع رابط تحميل الكتاب (WORD) إن شاء الله







  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-07-2009, 01:41 AM   #2

مرآة التواريخ
رحمه الله و أسكنه فسيح جناته و حشره مع محمد و آل محمد

 رقم العضوية : 1308
 تاريخ التسجيل : Dec 2007
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 2,454
 النقاط : مرآة التواريخ is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 13

مرآة التواريخ غير متواجد حالياً

افتراضي

كلمه المركز
لعل القضيه الاساس التى تواجه المسلمين ، فى هذه الحقبه من تاريخهم ، هى السعى من اجل تحقيق مشروع اسلامى نهضوى متكامل.
وقد مثلت الثنائيه: التراث / الحداثه المحور المركزى فى هذه القضيه ، فكتب الكثير فى هذا المجال ، وتعددت الروى و تنوعت.
وبدا واضحا ، للباحث المسكون بهم بلوره المشروع النهضوى المتكامل ، ان معظم المشاريع المقدمه رات الى هذه القضيه ، وبخاصه الى ما يتعلق منها بالتراث ، من منظور عقدى ، فغلبت ، كما يقول مولف هذا الكتاب (الايديولوجى على الابستمولوجى والبراغماتى التعبوى على المعرفى النقدى وهموم الحاضر على نزاعات الماضى).
وكان التراث الذى قدم ، فى معظمه ، صوره عن الماضى تتشكل وفق المنظور الذى يرى منه الباحث ، وتتلون بالوانه ، فيجد القارى نفسه ، كما يقول جيل جاستون امام (تاريخ يودى دور الايديولوجيا).
واللافت ، فى هذا المجال ، ثابت لم يتحول منذ اللحظه التاريخيه التى تحدد فيها الزمن الثقافى العربى والاسلامى وفق الاطر التى اتاحها مشروع التدوين الذى نهض فى ظل السلطان.
يتمثل هذا الثابت ، غير المتحول على الرغم من سيروره التحولات التاريخيه ، فى ثبات بوره الرؤية ومركزيتها ، والاستمرار فى نفى الاخر الذى اقصته هذه البوره منذ ذلك الزمن ، ما يجعل محنة هذا التراث الاخرالمقصى المهمش قائمه ودائمه.
فقد واجه هذا التراث منعا شديدا امورست ضده مختلف اشكال التصفيه ، ما حدا به الى ممارسه ما يحمى به نفسه من النفى والالغاء. فضاع قسم كبير منه ، واهمل القسم الباقى ، او روى اليه من دون معرفه به ، فكان الهوى يملى ما تفرضه بيئه ما ، سياسيه ، او ثقافيه... ، وتراكم ذلك بمرور الزمن ، فساد الجهل به وتشوهيه.
وليس من شك فى ان اى مشروع نهضوى لا بد له ان يقتضب معرفه لتراث من منظور موضوعى شمولى تكاملى ، بغيه بلوره وعى تاريخى بالذات ، وهذا لا يتم ان بقيت محنة الاخر المقصى المنفى قائمه فى تراثنا.
يعي المولف هذه الحقيقه ، فينطلق فى مشروعه لصياغه رؤية موضوعه متكامله للتراث من التراث الاخر غير الرسمى ، وقد اختار لمشروعه هذا نموذجا من (الموروث الامامى) الذى تعرض طوال تاريخه للاقصاءمن دائره التاثير ، ساعيا الى التحول بذلك الثابت وكسر التمركز حوله ، وسبيله الى ذلك ما قدمته الثقافه الانسانيه من امكانات ، وبذلك يواجه اشكاليه الاتصال بالاخر وكيفيته ، فيفيد من الامكانات الابستمولوجيه والميثودولوجيه على صعيدى النظر وآليات البحث.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية



مقدمه
الطريق الى التراث صعب مستصعب. والمغامره فى استكشاف وهاده ومنعطفاته مهمه خطره. لهذا السبب ، تحديدا ، ظل موقفنا منه موقف المتردد او الولهان ، لا ندرى ما ينبغى فعله ، ومن اين يجب ان نبدا؟! غير انناسرعان ما فوجئنا بغمر جارف من القراءات ، اجتاحت حقل التراث ، وشرعت فى اقامه الحد عليه بسوط الحداثه ، كما استضعفته تحت سلطه خطاب مناهج شتى ، آنئذ عزمنا على اقتحام هذا المعترك ، عنوه -لاخلسه- ، كى نساهم قدر الوسع ، بجهدنا الذى لا يسمح لنفسه باكثر من العمل فى اطار مشروع محاوله للفهم ، وتقريب ما تعذر استيعابه من قبل الناظرين فى دفائن التراث ، او ما استنكفوا عن مقاربته ، لاسباب ، مازلنا نصر على انها غير موضوعيه وغير نزيهه ، البته! فى هذا البين ، شهد التراث اختراقا واسعا من قبل تيارات علمويه وايديولوجيه ، كلها تتنافس على كسب الرهان فى سباق خاسر من الاساس ، لسبب بسيط ، هو ان الصوره الصراعيه لهذه التيارات كانت قد اكتملت خارج حقل التراث. وهى حينما اقتحمته ، لم تكن تطمح الى اكثر من كسب جوله فى مسلسل التبارى. ولذا لم تستطع هذه المناهج تشكيل منظار حقيقى لفهم يقوم بمعزل عن موثرات النزعات الايديولوجيه ، والتيارات الفكريه لخطاب الحداثه.
ومن هنا ، كنا اضفنا الى التراث ازمه جديده ، زادت فى تمنعه عن الظهور التام ، بكافه كوامنه وخفاياه. نعم ، لا ننكر ان الحداثه ، بغض النظر عن انشقاقاتها وخلافاتها ، ظلت قضيه فارضه نفسها على عالمنا العربى بمنظومته الفكريه والقيميه ، واتاحت لنا امكانيات ابستمولوجيه وميتودولوجيه مكينه ، على صعيد النظر وآليات البحث.
امام هذا الوضع ، كيف نستطيع الظفر بفهم شمولى وتكاملى ، للتراث؟ وما هو السبيل الى بلوره وعى تاريخى عربى ، ينزهنا عن هذه النزعات الموثره على البحث التاريخى وآليات النظر فى وقائعه؟ هنا ، تنتصب امامنا جمله من النماذج ، فى قراءه التراث. بعضها يقدم نفسه كمشاريع كبرى ، متكامله فى بحث التراث والفكر التاريخى العربى. وبعضها الاخر ، لم يكن يمثل اكثر من هجعه لم تستوف كافه الشروط ، لقراءه شامله ، وجذريه للتراث.
تمثل اطروحه حسين مروه ، حول النزعات الماديه فى الفلسفه العربيه والاسلاميه ، مغامره مبكره ، ومهمه صعبه على صعيد القراءه الشموليه للتراث ، حيث تناولت كافه جوانبه ، واعتمدت آليات التداخل فى مكوناته المعرفيه والاجتماعيه والتاريخيه.
وهى على احاطتها واستيعابها لمختلف جوانب الماده التاريخيه ، فى حقل التراث العربى ، كانت قد اطرت رويتها ضمن المنظور الماركسى ، الذى ، على ما كان له من ميزه الانفتاح على تاريخ البوساء المحرومين والنزعات الاجتماعيه والاقتصاديه التى ظلت قابعه على هامش الاسطريوغرافيا العربيه ، فان الاشكال ظل قائما ، باعتبار ، ان تحكم النزعه الاقتصاديه فى آليه الاشتغال ، داخل حقل التراث ، ما فتى يصر على تغييب العوامل الاخرى ، واهميتها فى تفسير نسبه كبيره من مظاهر التاريخ العربى والاسلامى. ولا تزال هذه الاليه مصره على تركيز المنظور الاقتصادى ، فى جمله من المقاربات ، كما هوالامر عند د. طيب تيزنى ود. عبداللّه العروى او د. جلال العظم..
ومن الجانب الاخر ، تقوم تجربه حسن حنفى ذات الابعاد الايديولوجيه الواضحه ، فى اعاده قراءه التراث العربى ، على قاعده الاختيار الذاتى والخصوصيه العربيه والاسلاميه ، انطلاقا من تراثنا العقلانى ، حيث تمثل مدرسه الاعتزال ، اوج هذه العقلانيه. لكننا نبقى نلمح تاثير الابعاد الايديولوجيه التلفيقيه ، التى بمقدار ما تحرص على صياغه رؤية ايجابيه وثوريه للتراث ، فانها تتساهل فى نقدها للتراث المعتزلى ، وتعطى الاولويه للايديولوجى على الابستمولوجى ، وللبراغماتى التعبوى على المعرفى النقدى ، كما تغلب هموم الحاضر على نزاعات الماضى ، ويكون التلفيق فيها بديلا عن النقد الجذرى ، القائم على آليات اكثر صرامه وانضباطافى اشتغالها.
وتبقى تجربه اركون ، هى ما يمثل خيار النقد الجذرى للتراث ، وفق آليات اكثر انضباطا ، من الناحيه المنهجيه. فالخاصيه الاكثر اهميه فى المشروع الاركونى ، تكمن فى فسحه المجال ، امام القراءه الشامله ، التى تتناول الجوانب المغموره من التراث ، والحقول التى احاط بها تابو (الممنوع) و(اللامفكر فيه). وهو مشروع تقوم آلياته على رؤية يتقاطع عندها خطاب المنهج واستراتيجيه التاويل ، اى تلتقى عندها الحداثه ومابعدها. وهنا ، تكمن احدى اكبر الملاحظات المنهجيه ، حيث لم يستطع اركون التخلص من تجاذب تيارين متنازعين فى مشروعه. ان النقد الجذرى الاركونى للتراث ، تاره ينحو الى خيار العقلانيه وفق خطاب الحداثه ، وتاره يستهين بالمنهج وخطابه ، فينزع الى كشف الانساق اللغويه على طريقه شتراوس وفوكو.. وهدم المركزيه السياسيه فى التراث ، وخرق سلطه المتعالى وتقريب المهمش. ويبقى الجانب الغامض فى هذه المغامره الاركونيه ، هو ان التراث بقى حقلا لمقاربات تنحو بعيدا عن فهمه خارج الاطر النظريه ، لخطاب مناهج الحداثه ، ولا يعير الاليه التراثيه نفسها اى قيمه فى الكشف عن حقائقها.
اما ما يتعلق بمشروع الجابري فهو على الرغم من سعه معالجته ، يمثل تجربه نقديه لا تمثل (النقد) الجذرى للتراث.
انه بالاحرى توظيف لما هو ابستمولوجى فى سبيل صياغه رؤية ايديولوجيه -تشطيريه وهواجسيه- تراهن على مشروع عقلانيه عربيه تكرس المعطى المضمونى ، لمصادرات الخطاب التاريخى الكلاسيكى على قاعده التصالح مع مقررات الاسطريوغرافيا العربيه فى افق ازمتها. وتبقى الاليه التى يستند اليها مشروع (الجابري) ، غامضه ، وتوليفيه ، تتقاطع عندها المناهج والمخططات (الايديولوجيه والابستمولوجيه) والاتجاهات (ماركسيه وبنيانيه وتاويليه) والخطابات (الحداثه والسلفيه).
وفى النتيجه ، نجد انفسنا دائما امام مشروع ايديولوجيا ، يهيمن عليها الهاجس السياسى وتطغى عليها النزعه السلفيه.
لقد ظلت هذه النماذج ، تمثل الخيارات البارزه على صعيد التفكير العربى المعاصر. وهى ، فى اختلافها ، وقعت فى مازق النظره التجزيئيه والتشطيريه ، التى قل ما نجد فيها نقدا جذريا للتراث ، ولا تفسح المجال امام التراث الاخر.
ولا باس هنا من الاشاره الى احد المشاريع الفتيه ، وان كانت تنطوى على نقد عميق لما الف حول التراث ، اعنى ، مشروع د.طه عبد الرحمن ، الذى افتتحه بكتاب: (تجديد المنهج فى تقويم التراث). نلاحظ ان انضباطا صارما ، ورويه حذره كانت تهيمن على التحليل النقدى للمولف. فقد عاين ما كانت تقع فيه من م آزق ، مجمل القراءات الايديولوجيه والتجزيئيه للتراث.
والحق ان د.عبدالرحمن ، استطاع ان يستبدل(تهويل) خطاب الحداثه ، برويه (تهوينيه) ، تعيد الاعتبار الى ما اسماه بالتقريب التداولى للتراث ، كما تهدف الى انجاز قراءه تكامليه له ، استنادا الى الاليه ، نفسها ، التى توسلت بها مضامين التراث. الا اننا نلاحظ - رغم كل ذلك الادعاء- ان المشكله ، تعود مره اخرى ، لتستهول عقل التراث ، باليات غارقه فى التجريد ، تنظر فى المضمون الابستمولوجى ، بعيدا عن النزعات التاريخيه ذات التاثير البارز فى نظام المعرفه. ففى الوقت الذى يصر فيه د.طه عبد الرحمن ، على اعتبار جانب التداخل المعرفى وتكامل التراث ، فانه لا يعير اى اهتمام لمقاربه الجانب السياسى والاجتماعى ، فى ضوء هذا التداخل. مع ان النقد هنا ، لن تكون له اى مصداقيه ، طالما ان د.عبد الرحمن ، لم يباشر فعلا فى مشروع تنفيذى ، حيث هناك فقط ، يكون للحديث معنى.
ان اهميه ما نعمل على ابرازه فى هذه المناسبه ، هو محاوله للفهم ليس الا ، ومغامره فى تقريب تراث المحنه او بالاحرى ، محنة التراث الاخر. وذلك انطلاقا من اختيار ابستمولوجى ، يراعى التداخل الكلى لمكونات العقل التراثى ، ويستند الى آليه التقريب الظواهرى -الفينومينولوجى- وهو الخيار الاكثر تجاوبا مع المعطي ، كما انه يتيح الرؤية من داخل حقل التراث الاخر ، واعتماد شرط المعايشه والاستئناس بمعطياته ، آليه فى التقريب الابستمولوجى لهذا المعطى. وهكذا نكون قد ادينا مهمتين: الاولى: اننا لا نسعى الى اكثر من انجاز فهم مشروع للتراث ، ياخذ بعين الاعتبار ، البعد التاريخى لمظاهره. واعتماد منظومه الافكار الموسسه للتراث الاخر وملابساته ، كمعطيات فى هذا التقريب.
الثانيه:
الانطلاق من التراث الاخر فى صياغه رؤية متكامله للتراث ، ليس همها تهويل التراث مقابل خطاب الحداثه ، وليس العكس ، تهوين التراث امام منجزاتها. بل ان المتقابلين هنا هو التراث الرسمى من جهه ، والتراث اللامفكر فيه من جهه اخرى ، اى نحن بازاء محاوله لتقريب اللامفكر فيه ، وكسر التمركز من داخل حقل التراث ، كخطوه اولى هادفه الى الحوار الكونى بين التراث والحداثه على قاعده حوار الخصوصيه مع ذاتها!..

فى هذا السياق ، تاتى محاولتنا هذه ، من اجل تقديم صوره عن الاخر المقصى ، فى صميم موروثنا الثقافى والتاريخى. وقد اخترنا لذلك نموذجا من التراث -كتاطير اجرائى للبحث-: (الموروث الامامى). فكان البحث يتجه صوب ابراز مكامن النزعات العقلانيه فى هذا الخطاب. وتكمن اهميه هذا الاختيار ، فى كونه خارج دائره التاثير ، لانه ينطلق جغرافيا ومعرفيا من موقع التراث المتمركز. ولان الحديث عن محنة التراث الاخر ، تقتضى اعاده النظر فى المعطى التاريخى ، للاسطريوغرافيا العربيه ، بدانا حديثنا عن نقد الخطاب التاريخى العربى. فكان المجال الاول لمقاربتنا هو (الكتابه التاريخيه). ثم انتقلنا الى مجال (علم الكلام)لاجراء مقاربتنا لاليات الاشتغال الكلاميه فى المدرسه الإمامية ، مستحضرين اهم الاشكاليات المطروحه حينئذ. فاوضحنا ما به امتيازها ، وما هو من مختصات النظر فى الخطاب الكلامى الامامى.

اما الحقل الثالث ، فيتعلق بمجال (الحكمه) ، حيث يتجلى الدور الابرز للمدرسه الاماميه. وقد كان اختيارنا لمصطلح (الحكمه) مدبرا ، اذ ثمه ما يميز حقا بين (الفلسفه) Kihmosoriid و-(الحكمه)Oidosomorii فالاشتغال الفلسفى عند الإمامية ، ظل مجالا لتقاطع ثلاثه تيارات متكامله: المشائيه ، والاشراقيه ، ومقتضيات الموروث الإمامي الاصيل ، فهى بالدرجه الاساس فلسفه الهيه. ومن هنا قدمنا نموذجالهذه الحكمه من خلال الفيلسوف الشيرازى ، صدر المتألهين ، حيث تناولنا الاشكال الانطلوجى فى فلسفته ، وايضا عرضا لارائه حول (الحركه الجوهريه).

وقد كان من المفترض ان اتعرض لمبحث الفلسفه الاشراقيه عند شهاب الدين السهروردى ، لتكتمل بذلك الصوره الحقيقيه لنموذجين من الفلاسفه الإمامية ، مثلا معا اتجاها فاردا ، فى مجال النظر الانطلوجى ، واكتسبا سمعه خاصه ، على الرغم من غياب الاهتمام الجاد بفلسفتهما ، باستثناء الجهود التى قام بها هنرى كوربان فى هذا الخصوص ، وبعض المحاولات غير الكافيه فى هذا المجال. وقد حالت دوننا وذلك ظروف ، وهو ما اعتبره ثغره فى هذا المبحث.
كما كنا نطمح ، للحديث عن شكل آخر لهذه الفلسفه ، وهو ما مثلته (مدرسه الحكمه) ، بزعامه الشيخ الاوحد ، احمد بن زين الدين الاحسائى. وهو مشروع طموح لفلسفه اشراقيه يتحكم فيها منزع اخبارى شديدالصله بفلسفه (الامامه)! وقد حال دوننا وذلك ، ما كنا نفتقده من معطيات وثائقيه ، اذ لم اتوصل ببعض من تلك المخطوطات ، للشيخ الاوحد ومدرسه الحكمه ، الا بعد انتهائى من هذا المبحث.

اما الحقل الرابع ، فيتعلق بمجال اصول التشريع ، حيث تتبعنا تاريخيه التاصيل وآليات الاشتغال الفقهى ، وتبيان مواقع الخصوصيه والتميز ، فى مسار النظر الفقهى الامامى. وهى مهمه لا تزال تقتضى تقريبا اوسع ، نظرالتشعب المطلب وسعه حقوله.

ان اولى الصعوبات التى تواجه الباحث فى التراث الاخر -وهو حقا ما يجعله مجالا لتصور محنوى بامتياز- مشكلتان ، احداهما تمثل سببا تاريخيا للاخرى. فهو اولا تراث واجه منعا شديدا ، حدا به الى العزله والانطواء. وبعد ان دخل فى سلك الممنوع ، ضاع جزء كبير من آثاره ، وغابت الوثيقه ، فامتنع لزوما لذلك ، عن ان يكون حقلا سهلا للقراءه والفهم. ولعل ندره المعطيات ، وقله الوثائق ، هما ما كان منعنا من توسيع البحث ، ليشمل الاشكال الاخرى للموروث الإمامي ، اعنى ما يتعلق بالمخطوطات الاخباريه ، او تلك التى تتعلق بمدرسه الحكمه للشيخ الاوحد -كماسبق ذكره- مع اننى آمل بان يتفهم بعض العوائل فى البحرين والاحساء ، اهميه نقل هذه المخطوطات واخراجها ، كى ترى النور ، وبذلك تسهل على الباحثين مهمتهم.
ويبقى املنا فى ان تكون هذه المساهمه ، خطوه فى طريق التعريف بالتراث الاخر ، تعقبها محاولات اخرى. وكل ذلك فى سبيل تراث عربى واسلامى مكتوب ومقروء ، وقبل ذلك ، متحاور مع ذاته ، ومن اجل مشروع عقل عربى واسلامى نهضوى متكامل ، متحرر من رواسب الخطاب التاريخى العربى ، وسياسه التوزيع الجغرافى للمعرفه ، سعيا الى وحده الحقيقه فى موروث متكثر الوجوه ، وهو ما يتيح لنا امكانيه لتاويل تراثنا ، على قاعده فهم امثل للمعاصره!

الفصل الاول :
الكتابه التاريخيه

((التاريخ ابن زمانه) والقلق الذى يعتريه ، هو ذاته القلق الذى يعترى قلوبنا وعقولنا..)
BRAUDEL_ECRITS Sur L'Historie.

حينما تجعلنا رذيله النسيان لا نكاد نسمع سوى قرقعه سلاسل العبيد وصوت الوشاه ، حينما كل شيء يرتجف امام الطاغيه ، وعندما يصبح السعى الى نيل رضاه وتحمل جوره ، امرين خطيرين. حينئذ ، يكون المورخ مطالبا بالانتصار للشعوب. فعبثا يستمتع نيرون ، طالما يوجد داخل الامبراطوريه ، تاسيتوس!)

نقد الخطاب التاريخى العربى

تواجهنا اشكاليتان حقيقيتان اثناء تحليلنا لازمه الخطاب التاريخى العربى :
الاولى تتعلق بالتاريخ ذاته ، من حيث هو معرفه ، او تقنيه صائغه لمشاهد الماضى ، والماده التاريخيه التى تمثل البوره الحيويه للمورخ! .
والثانيه ، تتعلق بطبيعه الخطاب التاريخى العربى ، بما يمثله من خصوصيه وفراده ، تساهم -نسبيا- فى عزلته عن التطور الحاصل فى ميدان البحث التاريخى ، ومناهجه.

الاولى ، تتصل بامكانيه الحديث عن تاريخ علمى -علم التاريخ- وحدود موضوعيته ، ووظيفته داخل دائره العلوم الانسانيه ، ومن ثمه الحديث عن التاريخ كعلم ، والمورخ كذات ، والتاريخ كماده موضوعيه ، وعن العلاقه الصعبه ، والمازومه بين هذه العناصر الثلاثه. والثانيه ، لها صله بازمه شامله ، تعم مجمل العقل العربى وازمته الحضاريه وتخلفه التاريخى. انها حقا ازمه ، طالما اثارت نقاشا واسعا دون ان تجد حلا لها مناسبا. ونلاحظ ان مدار الاشكاليه يتلخص فى سوال جوهرى: كيف نقدم فهما معقولا وواقعيا لاحداث الماضى؟ .
او بتعبير آخر ، كيف نجعلها -اى الاحداث- تعرض فى حقيقتها ، خارج التحكم الذهنى للمورخ. وهل بمقدورنا عزل المورخ عن الماده التاريخيه ، او هل من الممكن ان يمنح المورخ اجازه لمخياله لحظه انشغاله بتلك الماده؟! .
اننا ندرك تمام الادراك -ان الاحداث التاريخيه ، تعرض فى كليتها ، وان كان الامساك بجزئيتها -كما يقول ريمون آرون- لا يقل صعوبه عن ادراك كليتها((1)).

غير ان السوال المثار هاهنا: هل هذه الكليه من وضع التاريخ ام هى من صياغه المورخ؟ فالماده التى تعرض على درجه معقده من التمفصلات والعلائق ، تعكس رايا او رغبه ساكنه فى لا وعى المورخ. اننا بالتالى وعلى ما يراه -جيل جاستون- امام تاريخ يودى دورالايديولوجيا((2)).
وهو صوره للتاريخ ، لا تكاد تختلف عن التاريخ المخيالى ، وبالتالى ، لن نكون خارج عالم (الاسطوره).
وهناك سوال آخر: هل ازمه الخطاب التاريخى العربى ، ظاهره لازمه لهذا الخطاب من حيث هو عربى ، ام انها تتعلق بالخطاب التاريخى بصوره عامه؟.
طبعا هناك اكثر من مرتاب فى حقيقه (علميه التاريخ) ، وجدواه على صعيد حاضرنا. لذا هناك من تعرض للازمه ذاتها فى (التاريخ) الاوروبى ، مع انه ظل مجالا حيا لهذه الثوره العقلانيه.
من هنا نتساءل عن الاسباب التى جعلت المثقف العربى المعاصر ، يرى ان الاشكاليه تكاد تنحصر فى خطابنا التاريخى العربى ، او بتعبير آخر نقول: ما معنى ان يكتب قسطنطين زريق -مثلا- (نحن والتاريخ) ، ويكتب عبداللّه العروى (العرب والفكر التاريخى)((3))؟.

انه تحديدا ، لم يكن من الممكن اثاره سوال كهذا ، الا فى العصور المتاخره ، حيث استنفذ التاريخ القديم كل اغراضه ، وادى كل مهامه على صعيد التطاحن والتصارع السياسيين والمذهبيين ، اللذين ظل الماضى العربى والاسلامى اسيرا لهما. ولم يكن من الممكن ايضا ، اثاره سوال كهذا فى التفكير العربى المعاصر ، لولا تلك الحركه التطوريه التى حدثت فى مجال (التاريخ) خلال القرنين الاخيرين. مع ان التاريخ ذاته ، صناعه عربيه اصيله. بلا شك سوف نجدنا على اتفاق مع كل النقوض الموجهه الى الكتابه التاريخيه عند العرب. لكننا لا نجد فى المقابل اى تقدم ناجح فى تنفيذ الانجازات التى تبلورت على صعيد التنظير للكتابه التاريخيه. من هنا لا نعتقد ان (علميه) التاريخ ، هى صناعه اوروبيه خلال القرن التاسع عشر ، بهذا المعنى الحصرى الذى ذهب اليه (فرنسوا شاتلى)((4)) ، بل هى اقدم من ذلك بكثير ، فالعرب كانوا مورخين كبارا ، لولا انهم وقعوا فى نوع من التماهى والمزج ، بين التاريخ والعقيده. لقد قدم ابن خلدون نقدا يكاد يكون جذريا للاسطريوغرافيا العربيه السابقه لعهده.
وهى التى انزلت (التاريخ) المعاصر رتبه (العلم) ، منذ اكتشاف(المقدمه)! لكننا لم نعثر على تطبيق حقيقى لهذه النظريه على مستوى عرض الاحداث وفلسفتها منذ ابن خلدون حتى فيليب حتى او عبداللّه العروى او.. وما شهدناه هنا لا يعدوا ان يكون محاوله سلبيه واستلابيه ، لتبديل تورخه بتورخه (Historisation اننا بتنا امام اشكاليه متعذره ، ام ان ذلك حقا ما عناه (بول فاليرى)((5)) بان التاريخ علم خطير جدا.

لقد تعلمنا -ونحن فى المراحل الاولى للتعليم- ان التاريخ ، علم بالماضى! غير ان السوال الذى كبر معنا هو: هل حقا استطاع التاريخ الظفر بعلميته؟! بلا شك ، ان تعريفا -مغرورا- كهذا اتى سابقا لاوانه. فقد كان اجدر بنا تعريفه بانه: صوره عن الماضى تزيد وتنقص بحسب رؤية المورخ. معرفه صيغت وكيفت على وفق ذهنيه ما. ومن ثمه فنحن امام مشاهد لا نكاد نعقل منها سوى الشكل الخارجى ، فيما مضمونها ظل يتشكل فى قوالب مختلفه. اى اننا امام تاريخ مخيالى ، تتسارع فيه وتيره الزمن ، وسير الاحداث على هوى المورخ وطبيعه المخيال التاريخى الذى تفرضه بيئه ماسياسيه او ثقافيه او... هكذا اصبح الخطاب التاريخى العربى يشكوا اكثر من اى قطاع معرفى آخر ، شده الفقر العلمى.
وقد افادنا كثيرا ذلك التطور الحاصل فى العلوم الانسانيه ومناهج التفكير العلمى المعاصر ، ومن ثمه تلك الابتكاره المذهله فى مجال البحث التاريخى ، (تاريخ التاريخ) وفلسفته ، لكى نظفر بعد عده قرون بتاريخ ، لا اقل انه لا يتردد فى ان يدعى لنفسه العلميه والقدره على ضبط تفسير حقيقى لما جرى فى الماضى ، وكيف جرى. اننا بالتالى امام ثوره معرفيه مست صميم الكتابه التاريخيه ، وتبين فى ضوءها ، ان تاريخنا العربى -بغض النظر عن مدى دقه الخطاب التاريخى المعاصر وعلميته- لا يزال فى حاجه الى تحررمن رواسبه التى تعكس ذهنيه سادت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين! والعرب فى مقدمه الامم المدعوه الى الاخذ بهذه المكتسبات ، لانهم كانوا ولا يزالوا -وهذا قدرهم- مشدودين الى التاريخ ومتماهين معه((6))! لكن وعلى الرغم مما حصل من تقدم علمى على صعيد مناهج التاريخ؟ فان ذلك لا يعنى ان الازمه انحسمت بشكل مطلق.
فقد كنا امام علم بكيفيه التاريخ ، ولسنا امام علم التاريخ بالمعنى الحقيقى للعلم ، فاذا كان هيرودوت او ابن خلدون ، قرآ الاحداث وفق المخيال الذى تسمح به بيئتهما التاريخيه ، فان ول ديورانت او ارلوند توينبى ، لم يفعلا اكثر من قراءه الماضى بعقليه معاصره جدا. اذن ، العلميه فى التاريخ لا تزال مجازيه جدا ، وفى اطار نظرى محدود. ذلك بان هذه المحاوله العقلانيه التى بدات من كانط الى هيغل ، لم تات بشيء غير انها عكست طموحا لتحقيق الدقه الممكنه فى ميدان التاريخ ، ولم نعثر بعدها سوى على نوع من الاستقراء لتحقيبات وتوصيفات لمناهج البحث التاريخى((7)).
لكننا من جهه اخرى ، انتهينا الى نمط آخر من المفاهيم ، ينتهى الى جعل التاريخ ، تاريخا مخياليا ، كما فى فينومينولوجيا الروح الهيغليه((8)).

ويبقى السوال فارضا وجوده: هل هذا يعنى استحاله وجود وعى تاريخى ، ما دام ثمه استحاله فى الظفر بمعطيات دقيقه قدر الامكان على صعيد الماده التاريخيه؟ فهذا -لو ثبت- سوف يعطى مبررا كافيا لاعداءالمذهب التاريخى ، كى يقصوه من دائره العلوم الجاده والمهمه؟ او بتعبير آخر ، هل سيصبح التاريخ مذكرات يتسلى بها الامراء -كما يقولون-؟! .
طبعا ، ان الحديث هنا يتجه صوب اشكاليه تعم كامل ميدان المعرفه ، الا وهى ازمه اليقين. وقد استطاع العقل العلمى المعاصر ، التكيف مع الموقف النسبى من العلوم. فالنسبيه ليست طعنه حقيقيه فى خاصره اليقين ، بل هى موقف ينتزع منه روح الثبوت ، ليجعل العالم كله مسرحا جديرا بان يتعايش فيه الثابت والمتحول. هكذا تعلمنا الثوره العلميه والتجريبيه ، بان لا نعوض صعوبه القبض على اليقين ، باعتماد العنصر الخارق مفسرا وحيدا لما يجرى فى عالم الاشياء. ان النسبيه ، هى عوده بالمعرفه الى احضان المعيوش ، وتحليل العالم فى اطار نظام العلاقات وقانون السببيه ودراسه الانسان فى المجال. وفى ميدان البحث التاريخى ، من الصعوبه اهمال نتائج مدرسه الانال((9)) ، ومجمل نتائج الثوره التاريخيه ، التى جعلت التاريخ يحتكم الى المحيط ويستنطق الحفريات ويتجاوز نوعا ما دائره الروايه ، الضيقه. انها ثوره -بالفعل- ستجعلنا ندرك ان تاريخنا العربى والاسلامى ، هو جمله الانجازات البشريه داخل مجال زمنى (تاريخ) ، ومكانى (جغرافيا).
والتداخل بين المجالين يتمظهر فى مدى النشاط الاجتماعى والاقتصادى والثقافى والبيئى.. هذا ما يدفعناخطوات مهمه على صعيد اليقين التاريخى الذى نعنى به هنا ، احراز المعرفه التاريخيه فى صميم هذا التداخل. اذ ذاك ندرك ان حركه الفتح لم تكن (فتحا) دائما. وسنعلم بعدها طبيعه الصراع الايديولوجى والسياسى فى التاريخ العربى والاسلامى. وسنعلم ان التاريخ القدسانى لم يكن دائما كذلك.

بل كثيرا ما كان مظهرا خارجيا لتاريخ سياسى. على الاقل ، نملك التحليل فى ضوء معطيات جديده ، نستطيع التوصل اليها خارج تاثير مصادرات الخطاب التاريخى الكلاسيكى ، ومعطيات كتاب الملل والنحل. وهى بعد هذا لن تكون سوى عوده الى ما كان اخفق فى تطبيقه مورخون ، حاولوا ربط التاريخ بالمجال ، مثل اليعقوبى والمسعودى.
لقد كان التاريخ -حقا- صناعه عربيه ، تميز بها العرب وتميزت بهم طيله هذه الفتره من سياده الفكر العربى والاسلامى. ولم تكن وليده لحظات التثاقف التى ظلت جاريه على قدم وساق بين العرب والبلاد التى خضعت لحملاتهم او الثقافات التى احتكوا بها عبر الترجمه. فحتى عصر التدوين ، كان التاريخ عند اليونان ، تاريخ خيال وخرافه.. انه بمعناه الاخر -غير العربى- ش زرژژخب - اسطوره ، وهو ما يفيد عند العرب معنى الخرافه -ا اتثب-. فقد ظل العرب فى مختلف عهودهم ، يميزون بين التاريخ والاسطوره ، كما ناغموا بين هذه الاخيره ، والخيال ، اى اللاحقيقه ، واللامكان حخررث -ج .

ان القرآن يتحدث عن قصص الوحى ، بانها حقائق من الماضى ، (نبأ من قبلكم) وليست (اساطير الاولين).. هذا التمييز ، هو الذى جعل العرب والمسلمين -بعد ذلك- يميزون بين التاريخ والاسطوره ، اى بين مايمكن ان نسميه ، علم حقيقى بالماضى ، وبين تامل تخييلى ذرخژح خب ، لا زمانى ولا مكانى. وقد كانت القصه فى القرآن ، تمثل جمله من الاحداث وقعت فى الماضى ، وتساق لغرض (العبره). وحينما تتكرر جمله من الاحداث لتعزز عبره ما ، فذلك معناه ، ان ثمه علاقه بين تلك الاحداث. وهناك بالتالى (سنن) وقوانين تاريخيه تربط بينها ، (ولن تجد لسنه اللّه تبديلا). اننا امام ولاده حقيقه لفلسفه التاريخ ، قمينه بان تكون مقدمه لما سياتى بعد ذلك فى مقدمه ابن خلدون((10)) ، اى اننا امام مهمه عسيره على المورخ ، هى تجميع الماده التاريخيه بكيفيه علميه ، الشواهد والادله.. ثم تفسيرها بربطها مع بعضها فى تسلسل وقائعى يجمع بينه(قانون) ، ثم تشكيل ماده (العبره)! وهى العبور من الماضى الى الحاضر. هكذا كان ابن خلدون كغيره من الاشاعره واهل الحديث الرافضين للسببيه فى اطار نظريه المعرفه ، لا يجد مناصا فى جعلها اساسا لفلسفته التاريخيه..

ان مشكله العرب والمسلمين فى مجال الكتابه التاريخيه ، تكمن فى كونهم حولوا هذه الممارسه الموضوعيه الى وظيفه لتركيز ايديولوجيا ما او اثبات الشرعيه لكيانات سياسيه مختلفه ، التاريخ العربى قتلته السياسه.لذا جاء مجزا ومتلبسا ، بناء على تجزئه الخريطه السياسيه والمذهبيه التاريخيه للعرب والمسلمين. فالمورخ ، بالدرجه الاولى ، رجل منخرط -رغما عنه- فى الصراع السياسى. لان قطاع المعرفه كله بيد البلاط ، ولاحديث حينئذ عن استقلال المورخ! وحينما لا يستقل المورخ لا يستقل التاريخ. هكذا ورثنا تاريخا عربيا متناقضا ومتمذهبا ومنمطا.
لقد كان التاريخ عند العرب ، يمثل نبا عن الماضى. ولا يمكن ضمان صحه النبا الا بتحديد معيار الاخذ والرد فى روايه النبا.
هكذا اصبح النبا لا يوخذ عن غير الثقه ، تنفيذا لما جاء فى الكتاب: (اذا جاءكم فاسق بنبافتبينوا). لقد فهم العرب من هذه الايه ، ان الخبر اذا جاء من فاسق ، يجب التثبت عنده والتبين.
فيغدوا مفهوم الايه بعدها ، ان غير الفاسق اذا جاء بنبا فلا يجب على المسلمين التثبت. من هنا ركزوا على عداله الراوى.(فالثقه) وهو عكس (الفاسق) مصدر مهم للروايه. وقد عمل المسلمون وسعهم فى ضبط الرجال وابتكار علم جديد يعنى باحوال الراوى. غير ان التجربه الاسلاميه انتهت الى نوع من التجزئه السياسيه والمذهبيه ، جعل مفهوم الثقه ذاته يخضع لمعايير ذلك التشطير المذهبى. فلم يعد علم الرجال يحظى بتلك المكانه العلميه ، ما دام مفهوم (الثقه) اصبح شانا مذهبيا.
وقد كان هذا هو اول تصدع فى الكتابه التاريخيه عندالعرب.

وسوف نقدم هنا نموذجا لذلك الاختلاف المنهجى فى الكتابه التاريخيه العربيه ، كتمهيد لبحث موقع الاخر المقصى فى صميم هذه التورخه العربيه ، وبالذات ما يتعلق بالتاريخ لمعرفه الاخر!

ابن جريرالطبرى

حينما يجرى الكلام عن شيخ المورخين العرب (الطبرى) ، يرين على انظارنا السوال عن الاسباب التى جعلت تاريخ (الرسل والملوك) يحظى بتلك المكانه الكبيره والاهميه القصوى فى التراث العربى. مع انه لم يكن اول كتاب فى تاريخ العرب والمسلمين ، ولا كان مورخه ذو سابقه فى الميدان. فقد ارخ قبله كثيرون امثال ابى حنيفه الدينورى ، واليعقوبى.. هذا الاخير الذى كان له الدور البارز فى احداث تجديد فى صميم الكتابه التاريخيه عند العرب؟ هناك عوامل كثيره متداخله ، تفسر لنا كيف استطاع الطبرى محو سمعه ما كتب قبله ، وكيف تمكن من الاستئثار بالرياده على صعيد الكتابه التاريخيه العربيه.
ان اهم تلك الاسباب ، هو البعد المذهبى لشخصيه اليعقوبى ، ليس من حيث هو امامى خالص ، بل لان تاريخه لم يفصل على رغبه وطموح الدوله العباسيه. كما لم يراع متطلبات المرحله السياسيه القائمه ، ووظيفه المورخ داخلها ، كما نجح فى ذلك الطبرى. لقد كتب اليعقوبى تاريخه على وفق تراتبيه مغايره ، كان الغرض منها هو التاريخ للتاريخ. حاول اليعقوبى -مل ء جهده- ان يظهر تاريخه فى مستوى من النزاهه الموضوعيه العلميه ، لم تتوفر لمن جاء قبله او بعده.
اما الاسباب الاخرى ، فتتلخص فى كون الطبرى ، لم يكن مورخا خالصا. بل هو قبل كل شىء ، فقيه ومحدث وقاضى. وهذا ما ساعده على انجاز مدونته الاخباريه الشامله على اساس اسلوب (الاسناد) ، الذى ظل يمثل المنهج الاكثر اهميه لدى المحدثين. من هنا عمل الطبرى ، ليس على اقتفاء طريق المحدثين فى جمع الاخبار -فحسب- بل ايضا فى تنظيمها وتوثيق رجالاتها ، مما اضفى على كتابه طابعا دقيقا بالمقاييس العلميه لعصره. وقد يكون للاسباب الاخرى دور كبير فى ذلك المجد الذى حققه الطبرى بمولفه ، غير اعتماده على الاسناد. وهو فى قدرته على التصرف فى الاسانيد والمتون وانتقائها على وفق معايير سياسيه محض! .

نعم ، لقد مثل الطبرى نموذجا للمورخ المستقل نسبيا ، لكن دون ان نغفل تواطوه الضمنى مع سياسه عصره ، ذلك الاستقلال الذى كان نتيجه استغناءه بثروته التى ورثها عن آبائه بطبرستان((11)). وهو فوق هذا وذاك صاحب مذهب فقهى خاص ، مما يقوى الاعتقاد باستقلاله. ان الطبرى المستقل بشخصه ، ظل مراعيا لسياسه عصره ، ومسايرا لطموحها -على عكس اليعقوبى- وهذا ما يظهر فى طريقه السرد وانتقاء الاخبارواختيار مصادر التلقى... فقد كان يعتمد مصادر مختلفه ، وينتقى اخباره منها بحسب متطلبات الوضع السياسى. اى انه سلك اسلوب الصمت والسكوت عن كثير من التفاصيل التى من شانها ازعاج العباسيين ، لكنه لم يلزم نفسه المقدار ذاته من التحفظ حينما تعرض لاخبار الدوله الامويه.
فعندما يتعرض لحوادث عصره ، فهو تحديدا بغدادى الهوى ، و-(يعكس موقف السلطه المركزيه) كما يقرر روزنتال. ونجد الملاحظه ذاتهاعند برنار لويس ، حينما يوكد على ان وجهه نظره التاريخيه بخصوص القرامطه ، تقوم على اطلاع بسيط ، وهى لا تتجاوز (نظره اى بغدادى فى زمانه)((12)).
ان الذين درسوا تاريخ (الرسل والملوك) ، يعتبرونه مشروعا لتاريخ شمولى للامه. غير انه سرعان ما نكتشف ذلك التجزىء فى موقف الطبرى من تاريخ الاتجاهات الكبرى التى شكلت كيان الامه. انه يعطى الاولويه لوجهه النظر العباسيه ، مع مراعات متكلفه لذهنيه الجمهور. وهو ما يبرر الاسباب التى جعلت الطبرى يسلك طرقا مختلفه فى تدوين اخبار العرب وغيرهم. وهى كلها طرق تكشف عن ذكاء مورخ يعى خطواته المنهجيه وعارف بذهنيه عصره. لقد عاصر الطبرى كل التيارات التى كان لها نفوذ كبير على صعيد الخريطه الفكريه والمذهبيه والسياسيه للعالم الاسلامى.. فعلى هامش الخلافه العباسيه المركزيه ، هناك التيار الشيعى العلوى الذى كان يمثل المعارض الاقوى للعباسيين ، التيار الذى سوف يخوض عده ثورات سياسيه واجتماعيه. وهناك تيار الخوارج الذى انتشر اتباعه فى مختلف البلاد الاسلاميه. وهناك بقيه الاتجاه الاموى المهزوم الذى تقلصت دائره نفوذه لتنحصر فى الاندلس..
وهناك التيار السلفى المتدفق ، الذى يمثل حينئذ القاعده الرئيسيه فى المجتمع. ان وضعا كهذا من العسير التعاطى معه دون الوقوع فى اى مازق ، خصوصا اذا كان الامر يتعلق بمهمه فى صعوبه مشروع تاريخ شمولى يتصل بوحده الامه! فاذا لم يكن من العسير على الطبرى ان لا يتحفظ فى اخباره عن الدوله الامويه تحفظه بخصوص الكثير من تفاصيل العصرالعباسى ، فكيف يتسنى له ارضاء تلك التيارات التى تحظى بنفوذها داخل العالم الاسلامى ، وفى الوقت ذاته تمثل جبهه معارضه للسلطه العباسيه. وهل فى وسع الطبرى المورخ ان يرضى فى الان نفسه كلا من الشيعه والعباسيين والسلفيين؟! هناك ما يفسر لنا حرص الطبرى على ارضاء كل هذه الاطراف ، مع انه لم يحقق النجاح المطلوب. فقد بلغ عنه انه الف ثلاثه كتب ، عرض فيها فضائل اربعه شخصيات اسلاميه. كتاب فضائل ابى بكر وعمر ، كتاب فضائل على بن ابى طالب ، كتاب فضائل العباس. ويظهر جليا سبب اختياره لهذه الشخصيات الاربعه.

فقد كان كتابه عن فضائل على بن ابى طالب يرمى الى استعطاف التيار الشيعى ، بينما كتابه عن فضائل ابى بكروعمر فهو موجه الى العامه ، فى حين كتب فضائل العباس استرضاء للعباسيين. خصوصا حينما نعلم ان الطبرى لم يتم كل هذه الكتب. ويظهر من ذلك انه كان يباشر فى كتابه الفضائل تحت تاثير الظروف حتى اذا باشر كتاب فضائل العباس ، اتته المنيه قبل استكماله.
هكذا نفهم الاسباب التى جعلت الطبرى يقتصر على روايات ابى مخنف الازدى فى اخباره عن الامويين ، على الرغم من ميول قبيله الازد الواضحه فى معارضتها للامويين. ان اعتماد روايات ابى مخنف هذا ، مصدرا لتدوين احداث الصراع بين العلويين والامويين ، وايضا اخبار الخوارج وصراعهم ضد على بن ابى طالب او الامويين ، لم يكن يزعج آنذاك غير دوله بنى اميه البائده. وهو بالتالى يرضى نوعا ما عموم العلويين وبالدرجه الاساس خلفاء بنى العباس.

اما حول اخبار العباسيين ، فانه اعتمد ، كما ذهب روزنتال وبرنار لويس على منقول بسيط يمثل وجهه النظر البغداديه. مع انه بذل كل جهده للتصرف فى كثير من الاخبار ، لتجنب حساسيه العباسيين. لهذا السبب لجا الطبرى الى تعزيز روايه لابن اسحاق الذى كتب (مغازيه) للخليفه المنصور ، بخصوص واقعه بدر الكبرى ، وهى حادثه من شانها احراج العباسيين. فقد كان العباس جدهم الاكبر ، حتى ذلك الوقت فى صفوف المشركين. وايراد حدث كهذا من شانه تقويه موقف العلويين. من هنا وتجنبا لهذا الاحراج ، سيعمل الطبرى على توجيه هذه الاخبار فى نوع من (التخفيف) ، يجعل موقف العباس وبنيه فى تلك المرحله اهون من موقف باقى المشركين. والروايه تقول ان عاتكه اخت العباس ، رات حلما ليله بدر ، وكان بيوت مكه قد انهارت على اصحابها. وقد نهضت ثائره ابى جهل حينما انتشرخبر حلم عاتكه.. فصرخ فى وجه العباس: يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه البنيه؟ اما رضيتم ان تتنبا رجالكم حتى تتنبا نساوكم؟ وقد عاتب العباس نسوته على سكوته ، فقصده ليله غد ، للرد عليه ، الا انه انثنى بعد ان سالمه ابو جهل((13)). وهذا ما كان يدل على ان العباس ، وان كان حتى ذلك الوقت فى صفوف الكفار ، الا انه لم يكن هواه خالصا معهم. وفى ذلك ما فيه من التقرب الى العباسيين ورفع الاحراج عن تاريخه لاحداث بدر.
ان اسلوب انتقاء الاخبار وتصنيفها والسكوت عن بعض التفاصيل والاسهاب فى اخرى حسب متطلبات الوضع السياسى العباسى ، هو ما طبع تاريخ الطبرى وحقق نجاحه.
لكن السوال الحاسم هنا ، هل استطاع الطبرى النجاح فى مهمته ، وهل استطاع ارضاء الجميع؟ .
نلاحظ ان الطبرى رغم استقلاله النسبى كفقيه ومورخ ، انتهى الى ارضاء العباسيين اكثر من غيرهم. فلان كان نجح فى تجميع ماده تاريخيه مهمه ، افاد منها المورخون اللاحقون ، فانه لم يوفق لارضاء الاطراف المتخاصمه التى حاول الطبرى ارضاءها. واكبر مثال على ذلك تعرضه لنقمه السلفيين الذين طوقوا داره وراموا قتله ، واتهموه بالرفض. وذلك بعد ان تجاهل الطبرى فى كتابه (اختلاف الفقهاء) ذكر اسم احمل بن حنبل ولم يعتبره من الفقهاء.. كما انه ابدى رايه فى التنزيه ، حينما ساله الحنابله عن خبر (الجلوس) ، وانشد: (سبحان من ليس له انيس .. ولا له فى عرشه جليس)((14)) وقد حاول الطبرى ارضاءهم بتاليف كتاب يعتذر فيه الى الحنابله ، كما اخفى كتابه (اختلاف الفقهاء) الذى اكتشف مدفونا فى داره بعد موته((15)).

فالطبرى لم يكن مورخا تابعا ، ان كلاما كهذا يجعلنا فى حيره من امرنا ونحن نخلط بين المورخ المنتمى حقيقه لسياسه البلاط وبين المورخ المنتمى لبيئه وسياسه عصره. فلا نشك فى استقلال الطبرى ولو فى حدود معينه. وان انتماءه لا يتعدى مراعات حساسيه الوضع السياسى والتوازنات التى عاصرها. اما كونه موضوعيا ، فلا! ان الطبرى تصرف فى اخبار كثيره ومارس عمليه انتقاء دقيقه.. فهو وان كان لم يكذب او ينتحل فى الروايه ، فقد تصرف واظهر بعضها واخفى الاخر ، وترك امر تنقيحها على القارىء ، لذا يقول: (وليعلم الناظر فى كتابنا هذا ان المتمادى فى كل ما احضرت ذكره فيه انما هو على ما رويت من الاخبار التى انا ذاكرها والاثار التى انا مسندها الى رواتها فيه ، دون ما ادرك بحجج العقول ، واستنبط بفكر النفوس الا القليل اليسير منه. فما يكون فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه او يستشنعه سامعه من اجل انه لم يعرف له وجها فى الصحه ولا معنى فى الحقيقه ، فليعلم انه لم يؤتَ فى ذلك من قبلنا ، وانما اتى من بعض ناقليه الينا ، وانا انما ادينا ذلك على نحو ما ادى الينا)((16)).

فعلى الرغم من ذلك ، فان الطبرى استطاع النجاح فى ان يقدم مدونته الشامله فى نوع من الاستقلال مع شيء من التحيز ، لذا لم يكن محايدا.
واذا ما اردنا البحث عن موقف الطبرى من التشيع -الذى هو موضوع بحثنا- فاننا نجد محاوله قصوى يبدلها الطبرى لارضاء الشيعه وتناول اخبارهم فى تاريخه بنوع من الحياد. غير اننا لا ننسى ان الطبرى لم يكن ليجعل لاى طرف من الاطراف اهميه فوق حساسيه العباسيين. فحينما يتعلق الامر بالشيعه ، فهو يقرر وجهه النظر البغداديه ، اى تلك التى ترضى كلا من العباسيين وقليلا ما تراعى حساسيه السلفيين.. ولهذا السبب اتهموه بالرفض. فقد كان الطبرى مدفوعا بمشروعه الطامح لارضاء جل الاطراف ، الى التصرف بذكاء فى بعض الاخبار التى من شانها ان تقوى الطرف الشيعى ، او تثير حنق الاطراف الاخرى فقد تفادى قدرالامكان ان يظهر فى تاريخه منحازا لفرقه ، او منتصرا لها.

لكن السوال الجوهرى هنا: الى اى حد نجح الطبرى فى استراتيجيته هذه؟

والجواب الحقيقى ، يكمن فى ما ستكشف عنه المراحل اللاحقه ، حيث بروزمجاميع جديده للتاريخ الاسلامى. فعلى الرغم مما بدله الطبرى ، فقد خانه موقفه فى الكثير من المناسبات. هناك ملاحظه اخرى جديره بالتامل ، فقد حاول الطبرى اخفاء عباره بكاملها من حديث (الدار) فى تفسيره الكبير ، حيث يعتبر خبرا حاسما بالنسبه للشيعه والعلويين فيما يتعلق بامر الوصيه بالامامه.
فالخبر كما رواه جماعه من الاخباريين والمورخين ، انه لما نزل قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الاقربين)((17))«الحجرات/94-95» ، قام الرسول(ص) يدعو اقرباءه وفيهم عمه ابو لهب فقال(ص) : (يا بنى عبد المطلب ، انى واللّه ما اعلم شابا فى العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به ، انى قد جئتكم بخير الدنياوالاخره. وقد امرنى اللّه عز وجل ان ادعوكم اليه فايكم يومن بى ويوازرنى على هذا الامر على ان يكون اخى ووصيى وخليفتى فيكم؟ فسكت القوم ولم يجيبوا الا على ، قال: (انا يا رسول اللّه اكون وزيرك على مابعثك اللّه) وبعد ان كرر الرسول(ص) دعوته لقومه ثلاث مرات ، التفت اليهم وقال: (هذا اخى ووصيى وخليفتى فيكم (او عليكم) فاسمعوا له ، واطيعوا) فقام القوم يضحكون ، ويقولون لابى طالب: (قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك اميرا).

ولا ادرى كيف اورد الطبرى نص هذا الخبر فى تاريخه كاملا -اللهم ان كان مقصودا- ثم يتصرف فيه ويصوره فى تفسيره.
فقد ذكر الخبر فى (جامع البيان) على هذا النحو: (فايكم يوازرنى على هذا الامر ، على ان يكون اخى وكذا وكذا.. الحديث)((18)).
ولعله برر هذا التجاوز والاخفاء الذى تكرر فى كتبه وخاصه تاريخه الى خشيه سوء الفهم عند العامه. وهو ما يعبر عنه بالكراهيه فى نقله لحوادث سنه 30هـ.. (وفى السنه اعنى سنه ثلاثين كان ما ذكر من امر ابى ذر ومعاويه واشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينه وقد ذكر فى سبب ذلك امور كثيره كرهت ذكر اكثرها)((19)).
وقد تبين ان ما كره الطبرى ذكره فى هذه الحوادث ، امورا تمس الخليفه الثالث عثمان بن عفان ، كما نجدها عند احد المقتفين لطريقه الطبرى ، وهو المورخ ، ابن الاثير ، الذى قال: (وفى هذه السنه كان ما ذكر من امر ابى ذر واشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينه وقد ذكر من امر ابى ذر واشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينه وقد ذكر فى سبب ذلك امور كثيره من سب معاويه اياه وتهديده بالقتل وحمله الى المدينه من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينه على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به)((20)).

ولكننا ندرك الدوافع التى جعلت الطبرى يتصرف فى خبر الانذار ، مع انه لا يحتوى على اى مساس مباشر باحد الخلفاء ولا يتعرض بالتشنيع لاحد من السلف.. كل ما فى الامر ان حديث الدار -كما عرف عندالمحدثين- يعكس موقفا حاسما ، قد يمثل احراجا للطبرى الذى كتب تفسيره لكافه المسلمين. فلجا الى اخفاء لفظ (الوصى) للاسباب ذاتها. هكذا حاول الطبرى ارضاء الجميع -وتقليم اظافر كل الفرق- مع تعزيزموقف العباسيين -الموقف الرسمى- سعيا الى تحقيق مشروعه التاريخى الوحدوى لارجاع التوازن المفقود. ولا ندع ان طريقه الطبرى فى التصرف فى الاخبار كانت بزياده او نقيصه ، بل بترجيح بعضها على البعض ولو على حساب الوثاقه وقوه السند ، والعمل على اخفاء وحذف بعض العبارات من الخبر ، بخلاف ما عرف عن بعض المورخين ، حيث ذهبوا الى اكثر من ذلك بالزياده فى الاخبار وتخيل بعض الوقائع التى لم تتحقق على ارضيه الواقع التاريخى العربى. لكننا لا نبرىء الطبرى من حيث انه اورد اخبارا تخييليه لوضاعين كان يدرك ضعف وثاقتهم ، والقى مسووليه ما اوردوه عليهم. تاركا ما حفلت به مدونات سابقه لعهده ، رغم اعترافه باهميتها واعتماده عليها فى اكثر من مورد. فقد كان معياره يقوم على صيانه التوازن المفقود داخل الامه ، فى اطار مشروع يستهسل اهميه اليقين والصحه فى الاخبار. ان اكبر مازق وقع فيه شيخ المورخين العرب ، وقاده اليه مشروعه التاريخى القائم على ايديولوجيا الوفاق والتوازن والوسط ، هو ما قام به من اشاعه لاخبار سيف بن عمر التميمى ، الذى لم يكن يمثل قبل الطبرى مصدرا موثوقا. فعلى الرغم مما نعت به هذا الاخير من كذب ودس فى الاخبار من قبل الجمهور ، الى حد الاجماع ، نجد الطبرى يعتمد رواياته كمصدر اساسى ووحيد لتدوين اخبار عصر الخلفاء الاوائل. وبفضل تالق تاريخ الطبرى ، راجت روايات سيف بن عمر ، وتقبلوها دونما تمحيص. لقد اعتمد الطبرى -ايضا- روايات سيف بن عمر فى احداث الخليفه عثمان. وعلى الرغم من انه كره ذكر الكثير من التفاصيل بهذا الشان حرجا من ذكر ما من شانه التشنيع بالخليفه ، فقد اعتمد فريه سيف بن عمر ، حول الدور المشبوه لعبداللّه بن سبا فى كل هذه الاحداث التى انتهت الى اغتيال الخليفه عثمان. يقول: (وفى هذه السنه كان ما ذكر من امر ابى ذر ، واشخاص معاويه اياه من الشام الى المدينه ، وقد ذكر فى سبب اشخاصه اياه من الشام الى المدينه امور كثيره كرهت ذكر اكثرها ، فاما العاذرون معاويه فى ذلك فانهم ذكروا فى ذلك قصه كتب بها الى السرى يذكر ان شعيبا حدثه عن سيف ، عن عطيه عن يزيد الفقعسى قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقى ابا ذر.. الخ)((21)).
ان الطبرى هنا يكره التعرض لتلك التفاصيل ، تفاديا للاحراج. غير انه لم يلتفت الى اخبار من قبله كالبلاذرى او اليعقوبى مثلا ، من اولئك الذين لم يجعلوا مسووليه كل احداث ما عرف بالفتنه الكبرى ، على كاهل رجل مجهول كعبداللّه بن السوداء (ابن سبا). لكنه يتحدث عن ان العاذرين لمعاويه ساقوا اخبارا من ذلك القبيل ، وذكر سندها. وهنا -وكما سبق وذكر- يفترض من الباحث التحقيق فى صحه الخبر. ان خبر ابن سبا ، مما انفرد به سيف بن عمر. وراجت تلك الروايه بعد ان اعتمدها الطبرى فى سياق سرده لاحداث كره ذكر تفاصيلها ، وانتقى من بين عشرات الاخبار ، خبر سيف بن عمر المعروف بميوله الامويه وتبريره لهفوات الخلفاء. وقد ذاع هذا الخبر وتناقله المورخون الذين جاووا من بعده ، خصوصا ذوى الميول الرسميه او السلفيه ، كما اخبروا بذلك انفسهم. مع ذلك نرى ان سند الخبر فيه رجال عرفوا جميعا بالكذب والاختلاف فى الروايه. فالسرى هذا الذى ذكره الطبرى ، شخصيه مجهوله ، لان ثمه اكثر من (سرى) كلهم غير معاصر للطبرى ، ما عدا السرى بن عاصم ابن سهل ، وهو ممن عرف عند المحدثين بالوضع والكذب.اما شعيب الذى اخبر عنه السرى هذا ، فهو مجهول ايضا. وقد روى عنه سيف بن عمر التميمى واسند له اخبارا غريبه.. مع ان سيف بن عمر هذا ، من اشهر الوضاعين والمتعصبين للنزاريه ، المتحاملين على اليمانيه((22)).

وان ميل الطبرى الى اخبار كهذه فيه نوع من التساهل وربما التعمل فى ترجيح اخبار على اخرى بغير مرجح معقول ، سوى ما كان يهدف اليه الطبرى من تفادى ازعاج الحشود السلفيه ، ونوعا ماحساسيه خلفاء بنى العباس. ان اهميه اخبار سيف بن عمر تكمن -بغض النظر عن وقوعها فى نمط تخييلى- فى انها تجعل عبا مسووليه الفتنه على شخصيه مختلقه. وفى ذلك ، ما فيه ، من ترويح على ضميرالمتعصبين للسلف. فهذا شخص يهودى متنكر ، وعدو للاسلام.. والنتيجه ، هى انه من الخطوره ، بالنسبه لمورخ عاصر القرن الرابع الهجرى ، ان يعترف بامكانيه وجود خطر على الاسلام من داخل المسلمين.فالتاريخ القدسانى مهما بلغ من احتياط فى المس بالمقدس ، فانه لا يجد ادنى حرج فى اخفاء الحقائق والتصرف بها. ان الحقيقه فى حد ذاتها ليست من اهداف هذا النمط من التاريخ. لان هذا الاخير ليس اكثر من وظيفه ايديولوجيه لتعزيز كيان ما ، سياسى او ثقافى.. وتبرير دووب لاحوال الهيئات ذات السلطه النافذه. فالطبرى وهو يتصرف فى الحقيقه من دون كذب ، انما كان يصيغ صوره للحقيقه ، مزيفه ، وهذه هى حقيقه الايديولوجيا. انها موقف تبريرى ، قد يكون لا شعوريا ، ينتهى الى صياغه مزيفه عن الواقع ، من اجل خدمه فكره ما.
هكذا يمكننا القول ، ان الطبرى لم يستطع ان يقدم لنا سوى تاريخا ايديولوجيا.

ابن كثير

ويمكننا ان نتعرض لنموذج آخر للكتابه التاريخيه العربيه ، ويتعلق الامر هذه المره بمحدث واضح الانتماء ، مارس التاريخ بدافع اعاده بناء الحقيقه القدسانيه كما يتصورها السلفى. انه الحافظ ابن كثير الذى يوقفنا امام نمط آخر للكتابه التاريخيه عند العرب ، تلك التى تجعل من الانتصار للمذهب ، غايتها القصوى. فابن كثير يقدم لنا نفسه كمحدث اولا ، ثم كمورخ ثانيا. وما يجعله يختلف هنا عن الطبرى الفقيه المورخ ، هو وضوح انتمائه.
ان ابن كثير -اذن- يقدم نفسه كمورخ يهدف الى تبرير تاريخ قدسانى للسلف. وكمحدث ، فهو يستطيع ان ياخذ ويرد ما شاءت له ضرورات المذهب من اخبار ، من اجل صياغه الموقف المقبول لدى التيارالذى يمثله. بينما كان الطبرى يقدم تجربته على اساس التاريخ الشمولى الذى يراعى طموحا وحدويا. مع اننا نملك القول ، بان تميز كليهما عن ابن خلدون واضح. لان الدفاع عن المذهب يختلف عن الدفاع عن السلطه. ان ابن كثير يمثل اتجاها سلفيا على طريقه (سلفه) الذهبى.
وفى اعتقادنا ، ان السلفيه قديما وحديثا ، لم يكن من هواجسها الميل الى السلطه كغايه لذاتها ، وان ظهرت حالات استثنائيه بهذا الخصوص ، وانماظلت حاله ، لا نقول عنها انها مذهبيه ، بل موقف اصولى متعصب ، يحمل قضيتين: الاولى ، ظاهر المعنى وحرفيه النصوص ، والثانيه ، تمثل تجربه السلف بشكل عام دون تاويل او انتقاء. وهذا ما يعنى ان الكتابه التاريخيه حينما يتولاها نصير السلفيه ، سوف تكون محاوله ارتجاعيه دووبه ، وتبرير متواصل للاخطاء والانحرافات. وهو ما يعيد تسطيح التاريخ ونصب التابوهات المنهجيه فى طريق تقصى الاثر ، وهو ما يوسس لظاهره العموم والاجمال فى التحقيق التاريخى عند العرب.
انه من الصعوبه فهم حقيقه هذه المنهجيه التاريخيه اذا لم نقاربها فى ضوء منظومتها العقديه. فالسلفى حينما يكتب فى اى مجال من المجالات ، فهو ليس وفيا لمجاله ، كما لا يتناول موضوعاته بروح التخصص والصنعه.. بل يمارس نوعا من الجدل التغالبى ، يهدف الى تطويق الاخر ، الذى عاده ما يعنى عند السلفى ، زنديقا او بدعيا. ولانه يقف من العقل موقفا سلبيا ، فانه يجد نفسه مرغما للدخول الى هذه التجربه بعقلانيه رثه تمثل اسوا نموذج للايدلوجيا. فابن كثير ، يمثل محاوله من هذا القبيل ، على غرار محاوله ابن تيميه فى ردوده على المنطقيين. انهم بالدرجه الاساس محدثون او حشويون ، ينطلقون من الخبر ، وينتهون اليه. وماهو اخطر من ذلك ، هو طريقتهم فى التسليم بتفسير ظاهرى كما تقدمه الالفاظ. وهو من جهه اخرى تيار يولى الاهميه الكبرى للسلف ، انه اتجاه الحفاظ الذين لا يرون اى ضروره للاجتهاد او انماء المفاهيم ، ما دام السلف الصالح قد قدم اكمل نموذج على الاطلاق. وما على اللاحقين الا اقتفاء طريقهم ، والسعى الى استعاده نموذجهم المفقود. عمليه ارتجاعيه يستلب فيها الزمن بجميع تخارجاته ، فى بعد واحد ، هو الماضى السلفى! هكذا نملك ضبط البواعث الايديولوجيه ، فى تاريخ ابن كثير ، الذى يعمل من خلال التاريخ الى تقديم نموذج جاهز ، يتم فيه تبرير وتجهيز حياه السلف (الصالح) ، كمعيار لكل الخطايا التى حصلت فى التاريخ العربى والاسلامى ، او تلك التى ستحصل دائما فى دنيا البشر. فلان كان الطبرى يتصرف فى اخبار السلف كى يرسم نموذجا توفيقيا ، لاقرار السلم المجتمعى واعاده التوازن والوحده للامه ، فان ابن كثير ، سيدوس كل هذه الاستراتيجيه ، من اجل كتابه تاريخيه تتوسل بوسائل غائيه ، تهدف الى جعل تاريخ السلف تطبيقا كاملا لاحكام القرآن ، او بتعبير آخر ، لجعله تاريخا قرآنيا((23)).
ومهمته هنا لا تقل خطوره عن مهمه الباحث عن وحده الامه والتهدئه بين الفرق والمذاهب الاسلاميه ، خصوصا حينما يتعلق الامر باحداث الفتنه الكبرى ، التى تمثل عقده اساسيه لدى المورخ السلفى ، حيث هنا فقط ترتبك ادواته النظريه ، ويكون مضطرا الى القفز عليها ، والتعتيم عنها. فهدف المورخ السلفى ، ليس هو عرض الاحداث كما هى -بله فلسفتها- ، بل الغايه القصوى ، ان يجد فى غمر هذه الاحداث ما هو قابل للتبرير ، وما يصلح ان يكون عنصرا قادرا على رسم صوره قدسانيه للسلف.
نجد من الجانب الاخر ، ان اهميه تاريخ ابن كثير -البدايه والنهايه- تفوق عند قطاع كبير من المسلمين ، اهميه تاريخ الطبرى نفسه. وهذا اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ، سلفيه المورخ ، وهى صفه جديره بان تجعل قطاعامهما من المسلمين يقربونه اكثر من غيره. ربما كان جمهور العامه قد تعاطف مع تاريخ الطبرى فى بدايه الامر ، مقارنه مع من سبقه. لكن سرعان ما سيتغير الموقف منه. وهو ما سيفسر لنا الاسباب التى جعلت ابن كثير يقدم على كتابه مدونه تاريخيه جديده.
ونحن فى البدايه نتساءل: اذا كان ابن كثير لم يات بجديد بعد الطبرى ، فلماذا اقدم على كتابه التاريخ؟ .
لقد تفقد ابن كثير كل الاحداث التى توقف عندها الطبرى واحجم عن الخوض فيها. فالطبرى قد يضحى بالنص من اجل الوصول الى الوفاق. فى حين نجد ابن كثير يضحى بالوفاق من اجل تحديد موقف السلف.وكلاهما قد يضحى بالحقيقه من اجل بلوغ غايه ايديولوجيه ما.
ابن كثير اذن ، يحمل ادوات ، هى الادوات ذاتها التى يتوسلها انصار السلفيه فى جميع حقول المعرفه ، اعنى احديه المعنى الظاهر للنصوص ، وتقديس الماضى على علاته فالزمان عند المورخ السلفى ، ينقسم بحسب القرب او البعد من عصر البعثه. فهناك عصر الصحابه ، وهناك عصر التابعين ، وتابع التابعين.. فاذا ثبت لدى الاخبارى السلفى ان افضل العهود ، عهد الرسول(ص) ، ثم الذى يليه ، فمعنى ذلك ان المورخ وهو ابن العهود المتاخره دائما ، يجد نفسه ملزما بهذه الحقيقه. حيث لا يكتفى باحترامها ، بل بتبريرها ايضا. حتى اننا نجد المورخ ذاته يتحول لدى الاجيال اللاحقه ، الى جزء من هذه الظاهره السلفويه ، ويعتبر تاريخه جامعا مانعا ، ان لم يكن تاريخا سنيا ، فيما التواريخ اللاحقه -دائما- هى تواريخ بدعيه. فكيف يتسنى للمورخ السلفى ان يورخ بموضوعيه كافيه ، لعصرالخلفاء الاوائل ، خصوصا وانه مطالب بان يرقى بعهدهم الى درجه قصوى من المعصوميه.
ان المعيار الذى يحدد رؤية السلفى للتاريخ ، ليس طبيعه الماده التاريخيه فى حد ذاتها ، بقدر ما هى تلك الاطر النظريه التى تتحكم بذهنيته ، حيث يغدوا التاريخ السابق ، هو تاريخ افضل العهود على الاطلاق ، وفعل البشر الراشدين ، والمبشرين بالجنه ، وربما المغفور لهم ما تقدم وما تاخر من ذنوبهم((24)).

فابن كثير اعاد صياغه الاحداث وفق هذا التصور ، لذا كنا امام تاريخ صراع بين انصار السلف (الصالح) وانصار البدعه. وهو مهما اختلفت حيثياته يبقى تاريخا ايديولوجيا! وقد تظهر تلك الحقيقه جليه حينما تناول احداث بغداد خلال القرن الرابع.
فقد كان مورخنا السلفى يقرا الاحداث بذهنيه المحدث الذى يجعل المعيار الاساسى هو (السنه). وكسلفى ، فهو يحمل فهما معينا للبدعه. فالتاريخ ليس ساحه للتفاعل الاجتماعى وحصيله فعل وممارسه بشريه ، بل هو تاريخ التزام او خروج عن السنه. وهنا يتم ابعاد جميع العوامل الاخرى السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه ، التى تمثل ابعادا اساسيه ومقومه للتاريخ الانسانى.
هكذا نجد ابن كثير لا يتوانى عن اتهام اصحابه الذين قاوموا البدعه بالبدعه ، بكونهم جهله ومبتدعه ايضا. لذا نجده يقول بخصوص احداث سنه 389هـ (.. ولما كانت الشيعه يصنعون فى يوم عاشوراء ماتما ، يظهرون فيه الحزن على الحسين بن على ، قابلتهم طائفه اخرى من جهله السنه. فادعوا ان فى اليوم الثانى عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير ، فعملوا له ماتما ، كما تعمل الشيعه للحسين ، وزاروا قبره ، كما يزار قبر الحسين ، وهذا من باب مقابله البدعه ببدعه مثلها. ولا يرفع البدعه الا السنه الصحيحه. ودامت السنه على هذا الشعار القبيح مده سنين)((25)).
ويتضح ذلك اكثر فيما ذكره عن احداث 375 قائلا: (فيها فى عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عاده الروافض ، ووقعت فتنه عظيمه ببغداد بين اهل السنه والرافضة ، وكلا الفريقين قليل عقل او عديمه ، بعيد عن السداد. وذلك ان جماعه من اهل السنه اركبوا امرأه وسموها عائشه ، وتسمى بعضهم بطلحه وبعضهم بالزبير. وقالوا: نقاتل أصحاب علي !! ، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير)((26)).
طبعا ، ابن كثير هنا يقصد بـ (اهل السنه) ، جماعه من متطرفى الحنابله. لهذا فهو يستشنع عليهم مواجهه البدعه ، باخرى تماثلها. وهذا يعنى ، انه -مبدئيا- لم يكن من الممانعين فى تقتيل هولاء الحنابله للشيعه ، على ان يتم ذلك وفق شريعة الجهاد. هكذا يخفف ابن كثير من لهجته ، حينما يصف تلك المجزره الرهيبه التى شهدها مسجد براثا ، حيث راح ضحيتها عدد كبير من الشيعه.. (ثم تسلطت اهل السنة على الروافض ، فكبسوا مسجدهم ، مسجد براثا الذى هو عش الروافض ، وقتلوا بعض من كان فيه من القومة)((27)).
لقد تبين ان الذهنيه التى ارخ بها الطبرى للوقائع ، كانت مشبعه الى حد ما بوعى سياسى ، مستقل عن اى جهه من الجهات. يمكننا اعتباره تاريخا ايديولوجيا لمورخ منتمى الى عصره ، وممثلا لجهه الوسط. غير ان تاريخ ابن كثير ، هو تاريخ ايديولوجى ذو غايه مذهبيه خالصه. وحتى وان ظهر احيانا معارضا لسياسه عصره ، فهو نمط من التاريخ المحافظ ، يرمى الى تفقيه الحدث وتفسيره وفق منظور شرعى. او هو تاريخ يمثل مسرحا لصراع دائم ومحتدم بين اهل السنة وممثلي التيارات البدعية. فلا مجال لاى عامل آخر فى الفعل التاريخي العربي.

ابن خلدون

الى جانب هذين النمطين من الكتابه التاريخيه العربيه -التوفيقى والمذهبى- ثمه نموذج آخر ، مثله احد رموز الكتابه التاريخيه واحد موسسى فلسفه التاريخ عند العرب: عبد الرحمن بن خلدون. ذلك النمط الذى يمكن نعته بـ : التاريخ المتسيس. وهو نوع من الكتابه التاريخيه ، تنطلق من داخل الظروف والملابسات السياسيه ، التى تنخرط فى لعبتها بشكل سافر. وهو على غرار النمطين السابقين ، لا يقدم نفسه كتاريخ مسؤول عن عرض الاحداث بصوره موضوعيه ، والبحث عن فلسفه حقيقيه للمعطيات التاريخيه ، وانما يتناول الوظيفه التاريخيه من المنظور ذاته الذى تدور حوله الوظيفه السياسيه. وهى وظيفه تجعل الحقيقه متماهيه مع الموقف البراغماتى لشخصيه مارست السياسه بدون شروط مسبقه او حتى دون مبادىء مقرره((28)).

لا شك فى ان الحديث عن ابن خلدون ، يفيدنا فى ابراز ظاهرتين ميزتا الكتابه التاريخيه عند العرب.
الاولى ، تتعلق بموقف المورخ من الفرق والتيارات المعارضه. وهو موقف يفسر بانتماء المورخ الى دائره السلطه. فيتحول بذلك التاريخ الى ممارسه للتهميش من جهه ، وتعزيز كيان سياسى ما من جهه اخرى.
اما الثانى ، فيتعلق بتقنيات التزوير المدبره ، والموقف التحريفى الواعى باغراضه.
وابن خلدون هنا يمثل الظاهرتين معا. فهو من جهه يجسد مثال المورخ الغارق فى انتماءاته السياسيه ، حيث تجلت آثار ذلك واضحه فى تاريخه. ومن جهه ثانيه ، يمثل المورخ البارع فى اعاده بناء الاحداث التاريخيه ، ومحاوله تكييفها بما يتماشى مع التيار العام ، والراى الرسمى الغالب. مع ذلك نجد مورخنا المغربى ، ظل يمثل فراده ناذره على صعيد (الكتابه التاريخيه) من حيث الموقف النقدى الذى ضمنه مقدمته ، وجسد به ما يشبه قطيعه معرفيه فى هذا المجال. وهذا امر لا نملك نكرانه ، على الرغم من الاضطراب الفكرى الواضح فى آثاره. فلقد اعتاد الباحثون على التعاطي مع الاثر الخلدونى من منظور فينومينولوجى بحت. لذا اعفوا انفسهم من عناء البحث فى طبيعه تشكل افكاره. وظلت وظيفتهم لا تتجاوز فهم مضمون النص الخلدونى دون البحث فى جينيالوجياه. غير اننا حينما نهم ببحث الجزء الثالث من (المقدمه) ، تواجهنا تلك التناقضات الحاده التى بدا فيها ابن خلدون نصيرا لظلاميه فتاكة. ها هنا يفقد المنظور الفينومينولوجى جدواه ، وتنبعث الحاجه الى اقحام الابستمولوجيا بقوة فى هذا المجال.
اما عن سبب هذا التناقض بين عقلانيته التاريخيه كرائد سابق لاوانه فى ميدان فلسفه التاريخ ، وبين لا عقلانيته الفلسفيه ، فذلك راجع الى وقوعه كضحيه ، لتيارات جذب ، استهوته كفقيه وسياسى ومتصوف. فقد كان ابن خلدون فى الجزء الاخير من المقدمه -خصوصا ما يتعلق بالفلسفه- اقرب الى ابى حامد الغزالى منه الى ابن رشد. ولسنا ندري فى اى الظروف ، حقا ، كتبت (المقدمه) ، التى جاءت منفرده عن (التاريخ)((29)).
بل اننا لا نملك حقيقه الوثيقه الاولى للمقدمه التى اهداها السلطان ابى العباس((30)) ، حتى يتسنى لنا معرفه اى من تلك الاجزاء ، طالتها مراجعته. فلا نستبعد ان يكون ابن خلدون ، الذى قضى فتره طويله كقاضى القضاه ، بمصر -التى ظلت حتى حين تتمتع بوضع علمى متميز- افاد من بعض الاثار العلميه ، التى ما كان له ان يتعرف عليها فى مثل بيئه الشمال الافريقى الغارق عصرئذ فى غمر من التصوف الشديد السلبيه. وليس من الغرابه ان يكون ابن خلدون قد صادف رسائل اخوان الصفا واطلع على مقالاتهم ، خصوصا ما يتعلق بنظريته فى العمران. ولسنا هنا نروم النيل من ابن خلدون لاى سبب من الاسباب. نعم ، اننا ، ومن خلال البحث فى حقيقه الافكار التى تخللت مقدمته ، وطبيعه المجال الذى شهد بروز هذه الشخصيه ، لا نرى ما يميز ابن خلدون عن غيره من المتقدمين او المعاصرين. لقد بنى شهرته على اساس الدعم الكبير الذى ظفر به -لا اقل اثناء تفرغه لكتابه التاريخ- وايضا على اساس عزله مجال الشمال الافريقى ، وبعده عن التفاعل مع ما جرى من مخاضات معرفيه فى الشرق الاسلامى. كما ان وجوده فى بيئه محكومه خلال القرن الرابع عشر الميلادى بجمود فكرى ، ساعده على النبوغ السريع ، بما كان قد اقتبسه من علماء سابقين اخفى فضلهم عليه.
ان قيمه ابن خلدون لا تتجاوز الاجزاء الاولى من مقدمته. وتبدو المرحله المعاصره جدا من تاريخنا ، هى المرحله التى اكتشف فيها الاستشراق ابن خلدون. حيث لم يكن هناك من مبرر موضوعى للحديث عن عبقريه حقيقيه ، من خلال بعض الاجزاء من كتاب واحد. مع ان معظم كتاباته وافكاره نافيه -ضمنيا- لما ورد فى المقدمه ، كما لو ان هذه الاخيره كانت مجرد انتحال. ههنا نجدنا نستصعب على طريقه الكثير من الباحثين ، الحديث عن قطيعه معرفيه فى مجال التاريخ ، يورخ لها بظهور ابن خلدون ، لان هذا لا ينسينا التحقيق فى ذلك الشرخ الواضح ، بين ابن خلدون صاحب المقدمه ، وابن خلدون الذى لا تكاد تظهره افكاره الاخرى ، الا بمظهر الفقيه التقليدى -وربما ايضا المتعصب- الطامح الى العثور على مكانه فى حاشيه السلطان. وقد كان من شان ثوره كهذه -ان صحت-ان تجد آثارها ، قبل كل شيء ، فى تاريخ ابن خلدون ذاته ، حيث سنشاهد فى مجال التطبيق ، ابشع نموذج للتاريخ الرسمى ، واسلوبا لا يقاس حتى باقل المورخين حظوه. وقد لا نجد فى تعصب المعاصرين ، لما فى المقدمه -وهو عظيم بلا شك- سوى تخوفا من التمادى فى هذا التساول الذى هو بمثابه لغز حقيقى فى هذه التجربه الخلدونيه الغامضه! لانه اذا ما اثبتنا بان المقدمه لم تكن سوى تجميع لما اقتبس من روادسابقين ، كابن سينا ، واخوان الصفا. فان ذلك حتما سينتهى بنا الى ما قرره د.محمد اسماعيل ، عن نهايه اسطورة ابن خلدون!
وبما اننا لا نتساهل فى راى كهذا ، مفتقر الى الوضوح الكافى((31)) ، فاننا نكتفى هنا بالقول ، ان ثمه عوامل منعت الباحثين من المضى الى الزوايا الاخرى غير المقدمه ، كتلك التى جعلت باحثا فى مستوى (هاملتون جيب) ، لا يرى فيه اكثر من فقيه مالكى ، طالما سعى الى تبرير السلطه.
ان سيره ابن خلدون ، تحيلنا بدورها الى نموذج آخر للتاريخ العربى ، وهو ذلك الذى تزاوله شخصيه سياسيه ، كان التاريخ بالنسبه اليها محطه اخيره اودعت فيها ثمره خبرتها الطويله فى الرهان السياسى. وما دام ان هذه المدونه -وخلافا لما سبقها- كتبت برعايه البلاط ، ودعم من السلطان ابى العباس((32)) ، فلا مجال -اذن- للحديث عن تاريخ موضوعى ، وقطيعه فعليه مع الكتابه التاريخيه السابقه. فلم يكن منتظرا من ابن خلدون ، رائد هذه القطيعه المعرفيه ، ان يستصحب الحقائق ذاتها ، ووجهه النظر التقليديه ، بشان الحركات المناهضه للعباسيين. اذ لم يكن ثمه من مبرر ، على من جعل طبيعه العمران ، معيارا للنظر التاريخى ، ان تغيب عنه الاسباب الموضوعيه التى ادت الى ثوره الزنج وقيام حركه القرامطه.. هذا فى الوقت الذى بدل فيه جهدا كبيرا -بدى فيه اكثر انحيازا من اسلافه- للدفاع عن موقف خلفاء بنى اميه وبنى العباس ، وتبريرسلوكهم السياسى((33)).
هناك بالنتيجه ، ازمه خطاب تاريخى لدى العرب ، نستطيع تلخيصها فى كون التاريخ العربى ظل وثيق الصله بفن كتابه (الملل والنحل) ، حيث غدى صناعه ايديولوجيه محض. فلم نستطع حتى مع ابن خلدون ، الظفربتاريخ موضوعى يتقصى الاحداث من منطلق بحثى خالص وبروح علمى ، ياخذ بالحسبان ، قانون تطور العمران وجدل البنيات الاجتماعيه وسنن التاريخ العامه((34)).
ولسنا ننكر هاهنا ، ان العرب ، بقدر ما هم رواد هذه التجربه التاريخيه ، لم يتمكنوا من تحريرها من الرواسب الايديولوجيه السائده. نعم ، ليس ذلك يعزى الى قصور فى صميم الكتابه التاريخيه العربيه ، ما دامت هذه الاخيره رهينه بالحاله الثقافيه لعصر ، قدر له الخضوع لرقابه سلطانيه ومذهبيه شديده ، وشهد تماهيا عجيبا بين المعرفه والسلطه.
ان التاريخ هو الصنعه الوحيده فى عالم المعرفه الاكثر تاثرا بظاهره التزييف والتحريف وسلطه الايديولوجيا. ليس ذلك -فحسب- من حيث هو مجال استقرائى محض ، او انه اكثر العلوم بعدا عن اليقين ، ولكن لانه صناعه مقرره لمخاطبه العامه ، اكثر مما هو خطاب نخبوى. والحال ، ان التيارات العقلانيه -على الرغم من انها مثلت قوه معرفيه مهمه فى التاريخ الاسلامى- عانت من تقلص كبير على مستواها الاجتماعى والديمغرافى. فى حين ان التاريخ ، هو ثقافه جماهيريه ، موجهه لاكبر قطاع ممكن من الناس((35)).
فهل معناه ، انه آن الاوان لاعاده النظر فى هذا الموروث التاريخى؟ .
او هل ان تاريخنا العربى لم يكتب حتى الان((36))؟! .
بالتاكيد ، وما دام ان تاريخنا حتى الان لم ينزل من كبريائه -وديكتاتوريته- لانصاف التراث الاخر ، المهمش ، والممنوع.. وما دام ان وظيفته هى اقصاء صوت المعارضه التاريخيه من دائره المشروعيه ، مثلما ظلت وظيفه ، كتابه (الملل والنحل) ، هى اقصاءه من دائره الفكر الاسلامى ، وبالتالى من عالم الحقيقه. فما دام هذا حال تاريخنا العربى ، ووضعه الذى لا يزال يتخبط فيه ، فان الحاجه الى كتابته مجددا ، تبقى ناجزه وملحه!

ازمه الخطاب التاريخى

التاريخ كايديولوجيا

الاخر ، الإمامي ، فى ضوء الرؤية (الملليه)

الذى عليه معظم مورخى الفرق الاسلاميه واصحاب الملل والنحل ، ان التشيع -بشكل عام- ان فى المجال العقدى او التشريعى ، ظل محلا للبدع وماوى (للضلالات) الوافده ، عبر الترجمه او بواسطه الاحتكاك ، بالفلسفه الاغريقيه والمدارس الاشراقيه التى ازدهرت فى الاسكندريه ، وذلك التيار الغنوصى والهرمسى ، الذى امدت به المزدكيه الايرانيه الفكر العربى والاسلامى ، خلال العصر العباسى ، عصر سلطه الخرسانيين. لكن وعلى الرغم من هذه الهجمه الواسعه التى ساهم فى تعميقها جمهره من العلماء ، وايضا الخلفاء ، الذين احتفظوا بعدائهم الشديد ، للشيعه ، نجد هولاء -ورغما عن كل ذلك- تمكنوا من الاستمرارفى الوجود باصرار نادر وعزيمه فذه((37)).
وخلافا للكثير من الفرق التى اندرست والتهمها النسيان من جراء الحصار والتهميش المفروضين ، حقق الشيعه انتصارات مماحكاتيه على خصومهم من خلال تراث كامل من التعاليم التى مست جميع مناحى المعرفه مزوده بوسائل الدفاع والاحتجاج واتقان دقيق لاساليب الجدل والمناظره. غير ان قراءه سريعه فى التراث المذهبى المرتبط بالعقيده الشيعيه ، تكشف عن انهاكانت تتاثر بمسار تاريخى ، امتزج فيه العنصر السياسى بالعنصرين الثقافى والروحى. اقتضى ، ان يكون الشيعه فى اغلب اطوار وجودهم التاريخى ، واكثر المراحل تفاعلا وعطاءا ، انصارا للفلسفه والنزعات العقليه.ولا شك فيما يعنيه هذا الاحتضان من اهميه تاريخيه على صعيد الانقسامات التى شهدتها البنيه الايديولوجيه والمذهبيه للمسلمين ، فقد كانت الفلسفه ، وهى آخر محطه انتهى اليها علم الكلام ، اساسا فكريا ورافداثوريا لدى القوى التراثيه المعارضه. وبما ان الشيعه ، مثلوا على طول الخط ، تلك الفئه المضطهده ، الاكثر تضررا وانقهارا ، وبالتالى الاكثر حركيه وتفاعلا مع الاوضاع السياسيه ، فان انتصارهم للفلسفه((38)) ، وهى استجابه تنطوى على موقف عقلانى ، اعمل الشيعه كامل وسعهم لغايه تجذيره فى تراثهم المعرفى ، انتهى الى الاستقلال بها حتى عن حدود علم الكلام الذى كان قد استنفذ اغراضه وامسى حبيس قيوده ، حيث استطاع الاشاعره -فيما بعد- استثمارهالصالح تدمير احدى اهم الاسس التى انبنى عليها علم الكلام والفلسفه ، الا وهو العقل.
وقد كان لاحتضان الشيعه للفلسفه ، مغزى تاريخيا وسياسيا ، فضلا عن كونه حاجه ابستيمولوجيه ، فرضته ضروره مواجهه كيانات سياسيه متشبعه بثقافه الجبر ، ومودلجه بالفكر الاشعرى او السلفى المعارضين للعقلانيه. فالفلسفه ، اذن ، -سواء عنينا بها الوافد ، الاجنبى او ذلك المعطى الفلسفى النابع من طبيعه تعاليم ائمتهم- وفى ضوء المعطى التاريخى ، الذى واجهه الشيعه ، كانت حاجه تاريخيه -ايضا- واطارا مكن الشيعه من تطويق الكيان السياسى ومحاصرته معرفيا وثقافيا.

فهى -اى الفلسفه- وسيله تسخيريه ، وموقع يملك الكثير من الامكانات الفكريه والنظريه لتاسيس المذهب على قوالب اكثر انضباطا وانتظاما ، وفوق هذا وذاك ، استطاع الشيعه ان يعتمدوا على رهان المنهج والنظام والعقل ، الامر الذى منح مذهبهم شكلا عقلانيا وبناء نسقيا. لولا ان الطبيعه الماساويه ، التى لم تبرح العقل الشيعى المناضل ، وجدت فى تلك المقابسات الثقافيه التى انتجها العصر العباسى ، خير معين لتقويه الموقع الدراماتيكى الذى يسم الفكر الشيعى ، بمزيد من النزعات الاشراقيه والافلاطونيه المحدثه ، كاطار يخولها نوعا من الاندماج والتعايش الداخلى ، بين بعد الفكر وبعد المعاش.. فظروف الاضطهاد ومحنه الاباده ، ستنتهى الى مسلك الاخفاء والتكتم -تقيه- مما يعنى خلق راموز تداولى -مفارق- للتعبير عن الممنوع واللامفكر فيه ، وهو ما يعنى بالنتيجه ، (تصويفا) لتراث مضطهد تسوده لغه التاويل ، وتتكثف فيه دائره الباطن! ومما لا شك فيه ، ان الحملات التى تولاها فريق من المورخين ، بصفتهم يمثلون موسسه معرفيه ذات اهميه قصوى فى صوغ وتوجيه خطاب السلطه ، خلال العصور الاسلاميه المديده ، كانت قد خلفت آثارها على جميع من اهتم بعد ذلك بالتاريخ السياسى والفكرى لهذه الفرقه ، خصوصا وان الكتابه التاريخيه كانت قد شهدت محددات منهجيه انتظمت فيها مصادر التلقى ، فاصبحت معايير الجوده فى التدوين والاخبار راجعه الى الذيوع ، وهو ما كان متيسرا لجماعه من المورخين ساهمت ظروف ما فى تبويئهم هذه المواقع المتقدمه على صعيد الشهره. فى حين تم حصار او تغييب المورخ المنتمى الى خط المعارضه ، مهما بلغت قدراته ومهاراته التى لا تقل عن نظرائه من مورخى السلطه. ونواجه المشكله ذاتها فى الكتابه التاريخيه التى تولاها مستشرقون محدثون ، وايضا بعض المورخين والمفكرين المعاصرين من العرب ، الذين اتبعوا الطرائق التقليديه نفسها او الاسلوب الانتقائى نفسه ، مما جعلهم يميزون حتى بين مصادر التحليل التاريخى عند المستشرقين.. ذلك ان الاستشراق لم يكن يمثل بوجه عام ، بنيه موحده او تنويعه على ثوابت ميتافيزقيه حاكمه على العقل الاوروبى ، كما نحى بعض نقاذ الاستشراق من العرب((39)) ، ولكنه خبره مختلفه على صعيد الرؤية والاستيعاب. من هنا لا نجازف ، اذا ما اشرنا الى تحرر بعض من اولئك المستشرقين ، من ضغطه التراث الرسمى ، لينفذوا بالدراسه والبحث المعمق والاحتكاك المباشر بالوثائق والمدونات الشيعيه ، ليقفوا على حقائق ظلت حتى حين ، مهمله او غير مفكر فيها ، وانتهوا الى نتائج جديده ومهمه. هذا انما يدل على ان ازمه الخطاب التاريخى العربى كانت قد تجلت-على الرغم من كبرياء عقل الاستشراق الاوروبى وضخامه امكاناته الابستمولوجيه واجهزته المفاهيميه الغنيه- فى صميم الكتابه الاستشراقيه ذاتها. وقد تجلى ذلك بوضوح فى ذلك الفارق الاساسى الذى نلحظه بين مختلف الابحاث ، عند جيب وهنرى كربان وبرنار لويس..

ان طائفه من المستشرقين استطاعوا ، ليس فقط التميز عن نظرائهم الاوربيين فى البحث والدرس ، بل استطاعوا حل هذه الازمه المزمنه فى الخطاب التاريخى العربى ، بحيث توصلوا الى وضع اللمسات على كثير من الحقائق التاريخيه الخاصه بالتشيع ، ان على الصعيد الفكرى او السياسى.
هذا بعد ان اصبح امر الوثيقه الشيعيه متعسرا على الباحثين ، بحكم الظروف التاريخيه التى احاطت بالشيعه ، وغياب الوثيقه الشيعيه بفعل ارتباطها بالحركات السريه ومفهوم النخبه والحجاب والتقيه ، وما اليها من مفاهيم ومفردات يصعب الامساك بحقيقتها ويتعسر معها ظهور الوثيقه.ويوكد على هذه المشكله التاريخيه ، اغلب الذين كتبوا عن الشيعه ، من المستشرقين ، سواء برنارد لويس او كوربان.

ولعله من المفيد ، التعرض لتلك المحنه التى واجهت الشيعه باضطهاد جديد ، او ما يمكن وصفه باخطر انواع الاضطهاد ، الا وهو الاضطهاد المعرفى ، حيث يتم تزوير وتحريف وتشويه تاريخهم وتراثهم ، ونعتهم بما من شانه تعميق عزلتهم وهى عمليه تواطا فيها جيل كامل من الكتاب القدماء ، وورثها عنهم فريق من المستشرقين ، خصوصا الطبقه الاولى منهم. وسوف يعمل على استثمارها جيل جديد من المعاصرين العرب.

فقد قامت الكتب القديمه بتاسيس خطاب تقليدى ، آزر السلطه فى اقصاء الوجود الشيعى كماساهم فى صنع تلك الصوره المشوبه بكل اشكال القدح والتجديف ضد التشيع! وبفعل تجذر هذه الرؤية ، اصبح من الطبيعى ان تتحصن كل المواقع العلميه من الخطر الشيعى فى التاريخ والفقه وعلم الحديث...مما يدل على ان هناك عنصرا تامريا ظل يعمل فى تواطى مع كل مكونات المجتمع السياسى ، للقيام بالدور نفسه ، الا وهو اغتيال ، كل محاوله شيعيه للاختراق.

لذلك اخرجوا الشيعه من الاجماع ، ووصفوهم بالكفر والزندقه. غير ان التشيع استطاع النفاذ الى تلك المجالات التى كان اهل السنه قد رفضوها وحاربوها ، كالفلسفه والتصوف.. وتركوا آثارهم واضحه عليها.
بل حتى على صعيد الروايه ، يتضح ذلك جليا فى طرائق الجرح والتعديل كما تاصلت فى الدرايه السنيه وعلم الرجال ، فقد كان من داب بعض المحدثين -مع وجود الاستثناء- ان يجرحوا فى الراوى الرافضى ، لمجرد انتمائه.
لا نستطيع هنا تعميم هذا الموقف على عموم رواه الاخبار ، اذ هنالك منهم من التزم بطرائق التجريح والتعديل ، وتمكن من الفصل ما بين عنصر الثقه فى الراوى وبين ميولاته المذهبيه ، وذلك نلحظه جليا عن بعض علماء الحديث كالذهبى صاحب كتاب (الاعتدال) ، على الرغم من مواقفهم المتعصبه والشديده على الشيعه.
فمثلا ، نجد صاحب (التهذيب) يورد قول ابن عدى فى شان الراوى الشيعى (اجلح ابو حجيه الكندى) : (اجلح شيعى صدوق «...» اجلح له احاديث صالحه ويروى عنه الكوفيون وغيرهم ، ولم ار له حديثا منكرا مجاوزا للحد ، لا اسنادا ولا متنا الا انه من شيعه الكوفه وهو عندى صدوق)((40)).

ويذكر الجوزجانى فى شان سعيد بن كثير: (سعيد بن كثير فيه غير لون من البدع ، وكان مخلطا غير ثقه)((41)).
وحينما نستبين الاسباب الكامنه وراء هذا الحكم من خلال كلام لابن حجر ، نجده يقول: (سعيد بن كثير بن عفير رمى بالتشيع)((42)).
لكننا نواجه نوعا آخر من مدونى الاخبار ، حملوا حملات قاسيه على الشيعه ، واذكر منهم صاحب الصواعق المحرقه -ابن حجر الهيثمى- المتوفى سنه 974هــ ، فقد اورد فى كتابه -الصواعق المحرقه- اخبارا غريبه ، مثل حديثه المرفوع الذى يقول فيه: يكون فى آخر الزمان قوم يسمون الرافضه ، يرفضون الاسلام فاقتلوهم فانهم مشركون)((43)).
وبذلك يصنفهم فى عداد المشركين ، وما يعنى ذلك عند محدث فقيه ، من احلال دمهم واموالهم ، بالاحرى ان يكونوا موضع ثقه لروايه الاخبار. لكننا ، وعلى الرغم من ذلك الحصار الذى فرضه مدونوا الاخبار على الروايه الشيعيه ، نجد مدوناتهم غاصه بالكثير من هذه المرويات ، كما نجد ضمن رجالهم ، رجالا عرفوا بالميل الى التشيع.. اذ لا مندوحه امامهم للاخذ بها ، بل لعله لم يكن فى وسعهم سوى ذلك ، مخافه اندراس الخبر. فابن الخطيب البغدادى ، يفسر قول على بن المدينى: لو تركت اهل الكوفه لذلك الرأي ـــ يعنى التشيع ـــ خربت الكتب.. يقول(ابن الخطيب) : (قوله خربت الكتب يعنى لذهب الحديث)((44)).
لقد ظلت كلمه (رافضي) تحمل شحنه خاصه لدى الكثير من المتحاملين على الشيعه ، واكثر فى ذلك العوام ، حتى غدت كلمه (الرافضى) عباره قدحيه لا تحمل اى مضمون لدى العامه ، مما دعى على بن عيسى الى القول: (لو سئلوا عن معنى الرفض لما عرفوا) ، بل هذا ما دعى احد موسسى احدى المذاهب الاربعه ، الشافعى للقول: (ان كان الرفض حب آل محمد فليشهد الثقلان بانى رافضى) .
وقد ذهب ضحيه هذه الحمله الكاسحه رواه اخبار من اهل السنه انفسهم ، مثل الطبرى والنسائى ، هذا الاخير الذى اتهم بالتشيع فى الشام ، لما الف كتاب (خصائص الامام على) ورفضه الكتابه عن معاويه ، بل اتهم بالتشيع فى الحديث من قبل البعض ، كابن عبد البر. وقد تكرر ذلك فى كتابات المتقدمين بشكل يوحى بان الشيعه اصبحوا يمثلون الوجه الاخر للكفر والشرك.. على الرغم من ان بعض كتاب السير والفهارس ، كانوا قد كلفوا انفسهم بعض العناء فى سبيل التمييز بين انواعهم وطبقاتهم كما نلاحظ ذلك عند ابن النديم وابن خلكان.. لقد بلغ البغض -اذن- للشيعه حدا ، حيث اصبح امرا مستساغا للاعلان عنه وكافيا للقدح فيهم ، فنجد صدر الدين بن على الحسينى ، حينما يصف السلطان ركن الدين ابى الظفر بركيارق بن ملكشاه ، فى كتابه (اخبار الدوله السلجوقيه) يقول: («...» وكان حسن السيره لما يصلح للسلطنه مواظبا على العدل والعماره وحفظ بيت المال والصدقه يرجع الى التدين والقول حسن الاعتقاد كثير البغض للباطنيه والروافض «...»)((45)).
ولا يرى مورخ الدوله السلجوقيه اى نقيصه فى المقام ، حينما يتعرض لمسير ضياء الملك الى (الموت) ، وما احدثه من تدمير واباده للشيعه.. (وفى سنه احدى وخمس مائه سار ضياء الملك احمد بن الوزير نظام الملك وزير السلطان ومعه الامير جاولى الى الموت فهزموا الباطنيه وقتلوا منهم مقتله عظيمه)((46)).
ولم يكتف خصوم الشيعه بهذا ، بل نلاحظ ان لفظه (رافضى) اصبحت تحمل مدلولا تهكميا باعثا على السخريه ، كما تفنن فى جمع اخبارها صاحب (العقد الفريد) ابن عبد ربه.. يقول: (قال لى الشعبى – وذكرنا الرافضه- : يا مالك انى درست الاهواء كلها فلم ار قوما احمق من الرافضه ، ثم قال: احذرك الاهواء المضله شرها الرافضه ، فانها يهود هذه الامه ، يبغضون الاسلام كما يبغض اليهود النصرانيه ولم يدخلوا فى الاسلام رغبه ولا رهبه من اللّه ولكن مقتا باهل الاسلام وبغيا عليهم)((47)).
كما يورد حكايه فى باب كتاب الياقوته فى العلم والادب من كتابه الاخير: قال ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: اخبرنى رجل من روساء التجار قال: كان معنا فى السفينه شيخ شرس الاخلاق ، طويل الاطراق ، وكان اذا ذكر له الشيعه غضب وارد وجهه وروى من حاجبيه ، فقلت له يوما: يرحمك اللّه ، ما الذى تكرهه من الشيعه ، فانى رايتك اذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما اكره منهم الا هذه الشين فى اول اسمهم ، فانى لم اجدها قط الا فى كل شر وشوم وشيطان وشعب وشقاء وشنار وشرر وشين وشوك وشكوى وشهره وشتم وشح ، قال ابو عثمان: فما ثبت لشيعى بعدها قائمه((48))! .

ونستطيع تبين محنة الشيعه فى ظل هذه الحمله الواسعه على كيانهم ، فى ان الكذب الموجه ضد الشيعه كاد يجد له ما يبرر مشروعيته. فقد كان ابو حيان التوحيدي ، وهو من قرن اسمه بمن وصفوا بالميل الى الالحاد والزندقه ، كابن الراوندى وابى العلاء المعرى ، يحاول تبرير كذبه فى الروايه الذى شهد به محدثون كثار ، بانه انما كتبها ضد الرافضه.. ومن هناك يذكر الذهبى قول جعفربن يحيى الكحال ، قول ابو نصر الشجرى ، له ، بانه (سمع المالينى يقول: قرات الرساله -يعنى المنسوبه الى ابى بكر وعمر مع ابى عبيده الى على -رضى اللّه عنه- على ابى حيان ، وقال: هذه الرساله عملتها ردا على الرافضه ، وسببه انهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء ، وكانوا يغلون فى حال على ، فعملت هذه الرساله)((49)).
لم تكن الرؤية النافذه والاقتدار العلمى كافيين لازاله هذه الترسبات ، التى تراكمت على الحقيقه الشيعيه. اذ ان الكتابه التاريخيه حتى ذلك الحين ، لم تكن قد ظفرت بموضوعيتها ، لذا كان المذهب يحدد وعى المورخ رغم كل محاولاته ، للحرص على حياده. فلا عقلانيه المعتزله استطاعت ان تمنعهم من الوقوع فى شراك النقوض التقليديه لاهل الاهواء والتعصب ، ولا حياديه الطبرى جعلته يقدم الاحداث دون التصرف فيها. ولا حاجه بعد ذلك الى ايراد مثال آخر عن ابى حامد الغزالى وعبد الرحمن بن خلدون ، هذان العالمان الاشعريان اللذان ، على الرغم من نبوغهما العلمى المشهود وسعه اطلاعهما وذكائهما الكبير ، وقعا فى الطرائق التقليديه نفسها ، التى كان منشاها اوساط السلفيه واهل الحديث ، دون ان يفوتهما الاسهام فى تزييف الكثير من الحقائق التاريخيه (ابن خلدون) او الدخول فى مماحكات غير منصفه (الغزالى). لقد استطاع ابن خلدون ، ان يكشف عن مازق الخطاب التاريخى العربى ، غير انه ما ان تجاوز المقدمه حتى كان اكثر تعصبا من سابقيه ، لطرائقهم التاريخيه ، على ان ابن خلدون كان اكثر جراه من اسلافه ، فى اعاده كتابه التاريخ بالصيغه التى تعاكس طموحه العلمى ، والمنهج النظرى الذى اجترحه فى المقدمه. وقد كشف الاسلوب الذى اتبعه ابن خلدون فى سرد اخبار الشيعه -وهو اسلوب قدحى غارق فى الطعون التقليديه- انه احدرموز الاشعريه بامتياز. وهو الامر نفسه بخصوص ابى حامد الغزالى الذى وضف كل امكانياته المعرفيه فى الانتصار الى مذهب الفقهاء الاشعريين((50)).
لا شك ان اقرب وصف يمكن نعت العالمين به ، هو نفسه ما وصف به ابو القاسم البلخى الكعبى ، ابن الراوندى ، -كان علمهما اكثر من عقليهما.

الاماميه فى المقروئيات الاستشراقيه

كان للحركه الاستشراقيه هى الاخرى- دورا بارزا فى اعاده طرح السوال على تراثنا العربى والاسلامى. وايا كان الموقف الذى انطلقوا منه فى ابحاثهم او الغايات التى كانت تحدد ميولهم ، فان المفاهيم والتقنيات التى وضعوها فى سبيل استكناه اغوار حقيقه الفرق المضطهده ، كشفت -على اقل التقادير- عن ازمه خطاب تاريخى عند المسلمين. فلا شك فى ان المستشرقين مهما اختلفت طرائقهم ، ورغم اشتراكهم فى بعض النواحى التى يمليها الوضع الثقافى والعلمى لاوروبا ذات النزوع العقلانى ، فاننا لا نجد بدا فى ان نجزى فى نظرتنا لهم ، باعتبارهم لا يعبرون جميعا عن بنيه موحده ، بل اننا لا نستطيع ان نصفهم بالنزعه التامريه ، وان بدا ان هناك صلات وظيفيه تمت بين بعضهم والموسسات الاستعماريه فى العالم العربى والاسلامى. فالطابع الوظيفى لا نكاد نجد له اى مبرر فى دراساتنا هنا ، لان البعد الاكاديمى واضح فى كثيرمن ابحاثهم ، ومن السهوله تمييزه عن العناصر الايديولوجيه الدخيله عليه. من هنا ، نلاحظ تلك الصعوبه التى واجهها بعض المستشرقين الذين تخصصوا فى التاريخ الفكرى والسياسى للشيعه ، بخلاف نظرائهم الذين اكتفوا بملامسات سطحيه كان لها اثر على تحليلهم التاريخى. ان اولى تلك العقبات التى واجهها المستشرق المختص بهذه الفرقه ، هو تلك الصعوبه -كما ذكرنا- فى العثور على الوثيقه الشيعيه ، ذلك ان اقدم المصادر التاريخيه التى احتكرت الاخبار عن الشيعه ، هى مصادر السنه. واقدمها واهمها ، هو (تاريخ الرسل والملوك) لجعفربن جرير الطبرى الذى وقع هو الاخر فى م آزق ايديولوجيه ، جعلته ، رغم موضوعيته التى حرص عليها ، يقدم اخبارا غير دقيقه ومنصفه.. وقد يصعب علينا كما تقدم ، ارجاع ذلك الى موقف شخصى من الطبرى الذى راح هو نفسه ضحيه عدم تعصبه ، لكن مرد ذلك الى البيئه العامه وما كانت تفرضه على المورخ من قيود. كما وقع ضحيه اخبار غريبه وموضوعه لسيف بن عمر التميمى ، مبدع اسطوره الاصل السبئى للتشيع ، رغم انه اقتفى طريقه المحدثين فى تنقيح الاخبار ، فقد فاته اجماعهم على ترك روايات سيف بن عمر. وعلى الرغم من ذلك كله ، نجد الطبرى قد تبوا مقعدا مهما((51)) فى تاريخ الكتابه التاريخيه عند العرب ، تلك المنزله التى سيشاركه فيها جمع من المورخين الذين نهجوا اسلوبا توليفيا او متحيزا ، كابن خلدون. وهى مكانه لم يحض بها مورخون من طراز البلاذرى او النوبختى.. لا ننسى -ايضا- ان عددا من المستشرقين ، كانوا قد تولوا ترجمه ونشر بعض المخطوطات التاريخيه ، الحاكيه عن الفرق والمذاهب الاسلاميه.. فقد قام حسححذژ .آ.ب بترجمه جزء من كتاب (الفرق بين الفرق) الى اللغه الانجليزيه ، تحت عنوان: ت تات اپ ا-ت بت ا اآت بابت پ ب ((52)) ، وهو مولف لابى منصور عبدالقاهربن طاهر التميمى الاشعرى ، البغدادى (متوفى عام 429هـ) ، من اقدم المصنفات فى تاريخ الفرق ، بعد كتاب (مقالات الاسلاميين) لابى الحسن الاشعرى (متوفى عام 330هـ). وتجدر الاشاره الى ما تميز به هذا المولف من تعصب مخل باهميته المصدريه ، وقد اعتمده الشهرستانى (متوفى عام 548هـ) فى كتابه الشهير (الملل والنحل) ، ولهذا السبب تحديدا ، انتقده الرازى فى (مناظراته) ، باعتباره استند الى البغدادى ، وقد كان هذا الاخير -حسب الرازى دائما- شديد التعصب على المخالفين.
ونذكر ، بالاضافه الى ذلك ، كتاب (الفصل فى الملل والاهواء والنحل) لابى محمد على بن احمد بن حزم الظاهرى (متوفى عام 456هـ) ، ترجمه الى اللغه الانكليزيه ثب اتآپ اب پ ثب .پ ((53)) ، تحت عنوان: -حخث حخژ ح ر ژحخس رحرزحژحب -ثب ث پ پ ب ث .
كما ترجم الى الاسبانيه من قبل المستشرق الاسبانى (اسين بلاتيوس)((54)) تحت عنوان ش چچ ررزرح حا ذحشچب ذحچ آ ژچژس خخ خدحز ژچححپ ژچپ حا چح خژخزا چخزرژژخب س ث .

وقد كان ابن حزم ، من اكثر العلماء تعصبا لامراء بنى اميه ، واكثر من سابقيه تحاملا وقسوه على المخالفين. كما تجدر الاشاره الى كتاب (التمهيد فى الرد على الملحده المعطله والرافضه والخوارج والمعتزله) ، للقاضى ابى بكر الباقلانى (متوفى عام 403هــ) ، الذى اطلع عليه الاب رتشارد يوسف مكارثى اليسوعى ، وقام بتصحيحه ونشره((55)).
كما تجدر الاشاره الى كتاب (الرد على فضائح الباطنيه) لابى حامد الغزالى(متوفى 505هـ). فقد اهتم به عدد من المستشرقين ، وتولى طبع قسم منه (غولدزهير). وهو كتاب بلغ فى طعونه ونقوضه على الباطنيه ، حدا ، جعل الرازى فى رسالته التى انتقد فيها الشهرستانى والبغدادى ، متهما اياه بارتكاب اغلاط ، وعدم معرفته بالمذهب الاسماعيلى((56)).

لقد ظلت هذه الكتب وامثالها ، مصدرا رئيسيا للتعريف بتاريخ الفرق والمذاهب عند المسلمين ، مما جعل الكثير من المستشرقين ، ذوى النزعه الاكاديميه ، يعيدون النظر فى هذا النسق المرجعى ، حيث مارس تاثيراسلبيا ملحوظا على الخطاب التاريخى الاسلامى ، لفتره مديده من الزمان. ولا شك فى ان اقدام هذا الرهط من المستشرقين ، على اعاده نقد الوثائق التاريخيه المتعلقه بالماضى العربى والاسلامى ، كان قد احدث-بالفعل- ثوره معرفيه جديره بالاحترام ، على الرغم من كل ما يمكن ملاحظته فى غمر هذه التجربه الاستكشافيه الجباره! نستطيع ان نذكر (فلهوزن) ، وهو من بين اولئك المستشرقين ، الذين وقعوا ضحيه هذا النسق المرجعى ، الذى ركزته الترجمه. فقد قام (فلهوزن) بعرض الاحداث التاريخيه التى شهدها القرن الاول ، انطلاقا من الفريه الشهيره التى روج لها كتاب الفرق الاسلاميه. وهى الفريه التى توحى بالاصل السبئى للتشيع. منشئا بذلك صله موهومه بين التشيع واليهوديه. وليس بعيدا عن هذا التسطيح ، الراى الذى مثله (جوبينو) و-(دوزى) ، اذ ربطا كلاهما بين التشيع والثنويه الفارسيه.

وقد ظلت هذه ، هى النظره السائده لدى المستشرقين الذين ولعوا بالبحث والتنقيب عن الاشباه والنظائر. فلا عجب ان كان (دوزى) قد ارجع التشيع الى فارس ، فقد علل من جانب آخر ، تجربه ابن حزم الظاهرى ، التى كشف عنها فى طوق الحمامه-وهو افضل ما كتب عند العرب فى موضوع (الحب)- بكونه راجعا الى الاصول المسيحيه. وكان (بلاتيوس) ، قد رد ببساطه على هذا الحكم السطحى ، استنادا الى ما رزح به التراث العربى من اشكال التعبير عن الحب والغرام ، كما تخبر بذلك اشعارهم فى الغزل.

ونجد المنحى نفسه عند (سنوك) حينما نسب فكره المهدى -فى العقيده الشيعيه- الى اصل مسيحى. وقد رد على ذلك ماسينيون ، الذى اعاد فكره المهدى الى اصولها الاسلاميه ، الناشئه عن تعاليم القرآن وعرف المسلمين. فكان هذا الاسلوب طاغى على مستشرقين قدامى ، اعتادوا على تقريب الفرق الاسلاميه بارجاعها الى اصول منحوله فى الديانات او الملل السابقه. لا شك فى ان مرد هذا الاختلاف ، الى تاثير تلك المصادر التى سهلت عليهم القيام بمقارنات سريعه سطحيه ، للخروج بنتائج تركيبيه غير دقيقه من الناحيه العلميه. وقد كانت مصادر فى اغلبها سلفيه مثل كتاب(كتاب الشرح والابانه على اصول السنه والديانه) لابن بطه العبكرى ، وكتاب (الرد على الجهميه) لابى سعيد الدرامى او اشعريه ، مثل كتاب (التبصير فى الدين وتمييز الفرقه ******ه عن فرق الهالكين) لابى المظفرالاسفرائينى وكتاب (اللمع فى الرد على اهل الزيغ والبدع) للاشعرى نفسه. او معتزليه مخاصمه ، مثل كتاب (فضيله المعتزله) للجاحظ وكتاب (الانتصار) للخياط المعتزلى. لقد اهتم فلهوزن بتاريخ الاسلام والعصر الجاهلى -ما قبل الاسلامى- وهو فى عرضه ذاك ظل متاثرا بوجهه النظر التاريخيه المتصالحه مع العصر الاموى ، والمدافعه عن الاسلام المركزى ضد التيارات المعارضه.وهو فى الاصل ، لا يكاد يختلف عن وجهه النظر العنيفه ، التى مثلها اليسوعى (لامانس) الذى اظهر انحيازا عجيبا الى الامويين ، معربا عن استهتار واسلوب قدحى فى تناول الاشخاص الهاشميين ، وتحديدا على بن ابى طالب ، لهذا سمى ، (مطرب الامويين). ولا نوافق راى من اعتبر فلهوزن باحثا معتدلا ، وغير متعصب ، لان ذهنيه البحث عن النظائر ، والتحيز المفرط ، والقراءه السيئه للاحداث ، ظلت ظاهره باديه فى كتاباته. لقداعتمد (فلهوزن) روايه ابى مخنف ، وفضلها على باقى الروايات ، مشيدا باسلوبه ونزاهه وصفه للاحداث. ولم تكن ميول ابى مخنف لتثير انتباه فلهوزن ، هذا فى حين ظل يهون من اهميه ما كتبه مورخون آخرون امثال اليعقوبى ، الذى لم يتردد مستشرقنا فى اتهامه بالسذاجه. وفى اختيار اخبار ابى مخنف فى وصف نزاعات العصر الاموى ، كان ينحو -بوضوح- منحى لامانس نفسه ، حيث بدل جهدا كبيرا فى تبرير كل المقاتل والجرائم التى قام بها الامويون ، يقول فى هذا الصدد: (وعلى الرغم مما فيها «اى روايه ابى مخنف » من الوان الاساطير ، فانها لا تحجب عنا الماده التى بفضلها نستطيع ان نكون احكاما سليمه. فعمربن سعد يراجعه ضميره فى مسلكه بازاء الحسين ، ولهذا ينظر اليه بنوع من الرقه ، بينما نحننراه شخصا يثير السخط لانه تجاوز اعتبارات ضميره لا شيء الا ليحتفظ بما وعد به من ولايه..)((57)).

وبعيدا عن القراءه المتوثبه للاحداث ، كما فعل فلهوزن ، حيث كان يقرا الوقائع على هواه ، وبالكيفيه التى تتيحها له مواقفه وميوله الواضحه فى الدفاع عن الكيان الاموى ، بعيدا عن ذلك نجد نظرته بهذا الخصوص ، تعانى نوعا من الاضطراب والتعمل. اذ سوف يعمل على تلفيق صوره وشائجيه ، تتداخل فيها عناصر الثالوث الخطير: التشيع والسبئيه وفارس. فلان كان اهل فارس ، بدافع من العداء للعرب ، ونظرا لوضعهم كموالى ، انضووا تحت لواء التشيع للهاشميين ، فان السبئيه التى تسمى ايضا الكيسانيه ، سوف تدفع بالتشيع الى مزيد من الحده ، تجاه الاسلام السنى. ونلاحظ الاضطراب باديا فى ذلك الربط الذى اقامه ، حيث لما (ارتبطت الشيعه بالعناصر المضطهده ، تخلت عن تربه القوميه العربيه. وكانت حلقه الارتباط هى الاسلام. ولكنه لم يكن ذلك الاسلام القديم ، بل نوعا جديدا من الدين.. واتخذ نقطه ابتداءه من بدعه غريبه غامضه اختلطت بها المختاريه وهى (السبئيه). والسبئيه كانت قد اتخذت اتجاها انشا يسيطر على طبقات واسعه بحيث اضطرت الشيعه بوجه عام الى اتخاذ موقف اشد حده بازاء الاسلام السنى ، وازداد ابراز الخلافات بين الشيعه والسنه)((58)).

وفلهوزن بلا شك ، يجهل الكثير من الابعاد التى تثوى وراء حقيقه التيارات المعارضه. فقد تبنى وجهه النظر الرسميه ، التى عاده ما تكون فى متناول باحث لم يكلف نفسه اكثر من الاقتباس السريع من كتاب الملل والنحل ، وسرد الوقائع على وفقها. هكذا ، نجده يستعرض وجهه النظر الشائعه ، بخصوص التصور الإمامي ، للامامه ، وانتقالها من النبى الى احفاده على اساس الارث الاسرى. ونلاحظ فى هذا العرض نوعا من التساهل يبديه فلهوزن ، حينما يكون المركز متهما ، فى حين يبالغ فى تهوين المورخ المنحاز الى فرقته. والنظره الكليه فيما كتبه فلهوزن تثبت هذا التحيز ، ابتداءا باستصحاب الرؤية اللامانسيه فى مجال تحليل المعتقدات وهى نفسها الرؤية التى تظهر فى مجال تحليل الاحداث السياسيه. وهو لا يرى راى (دوزى) فى كون التشيع مذهبا ايرانيا ، وهى المقاربه التى تحاول الخضوع لمنطق النظير فى ذلك الموروث الفارسى الملوكى ، حيث يظهر الملك ، كسليل للالهه الدنيا. وهى بلا شك رؤية تفتقر الى الحس التاريخى فى ضبط مسار تشكل هذه العلاقه ، التى لم تكن اكثر من علاقه تاريخيه ، لها اسبابها فى عوامل تاريخيه وجيو-سياسيه ، وايضا اجتماعيه ، فى علاقه ايران بالعرب. وقد استبعد (فلهوزن) ذلك ، باعتبار الاصل العربى للتشيع ، ووجود الرؤية ذاتها فى التشيع العربى. لكن (فلهوزن) هنا ، يقيم تنويعا جديدا على قاعده النظائر ، اذ يحاول اقامه تلك العلاقه على وفق ما تتيحه مصادر التاريخ الرسمى ، الا وهى الصله بين التشيع والسبئيه. وذلك سعيا الى تقويه وجهه نظره فى الاصل اليمنى -العربى ، للتشيع. وحتى يصل الى تفسيرمنسجم ، للتصور الشيعى عن الامامه ومتفرعاتها ، فهو يحاول انشاء صله اخرى بين التشيع والفكر اليهودى ، حيث يراه اقرب اليه من الزرادشتيه الايرانيه ، (بيد انه يلوح ان مذهب الشيعه ، الذى ينسب الى عبداللّه بن سبا انه موسسه ، انما يرجع الى اليهود اقرب من ان يرجع الى الايرانيين)((59)).

وهكذا ، فان كان (دوزى) يرى فى فكره الامام الشيعى ، امتدادا لعقيده فارس فى الملوك -الالهه ، فان (فلهوزن) لا يكاد يخرج عن الاطار نفسه فى الاحالات على النظائر ، فيرى ان فكره النبى -الملك ، بدعه يهوديه ، (ان الفكره القائله بان النبى ملك يمثل سلطان اللّه على الارض ، قد انتقلت من اليهوديه الى الاسلام)((60)).
ان الطابع التبريرى فى كتابات فلهوزن ، يتجلى باوضح صوره فى اسلوبه السردى للاحداث ، حيث لم يكن ينحو بعيدا عن النصوص التقليديه ، لتلك المصادرات التى اعتمدها فى مشروعه التاريخى. والنزعه التى قرا بها الاحداث ، لم تكن تقدميه او تحرريه كما هو المتوقع من قارىء اوروبى ديمقراطي ، تستثيره المظالم والمقاتل ، ليبحث فى ملفاتها الممنوعه او الممتنعه ، عن القراءه. هكذا يحاول (فلهاوزن) وعلى طول المشوار ، تعزيز الموقف السياسى الاموى ، مهونا من بشاعه جرائمه. اما نكبه كربلاء ، فهى -وكما سوف نلاحظ تقريبا مع جولدزهير- مجرد (ميلودراما) ، فى حين يمثل مقتل عثمان ، ماساه -تراجيديا((61)).
وهكذا ، اتفق ان غطت الواقعه كل عيوب الحسين ، لينطلق التاريخ الانفعالى على اساس علقه الدم النبوى ، الذى يجرى فى عروقه. ففلهاوزن ، الذى عبر فى تاريخه عن ميزاجيته الحاده تجاه التراث الاخر ، تراه هنا ، يهون من جريمه قتل الحسين ، وسلوك شمربن ذى الجوشن ، المتمرس فى الاجرام. فيقول -مثلا-: (ومن هنا يسود شعور سابق ضده ، لا نرانا ملزمين بالمشاركه فيه)((62)).
فهو يمعن النظر حتى فى وصف ابى مخنف لشمر ، مبررا ذلك ، باحترامه لقداسه المعسكر (الذى فيه الحسين والنساء)((63)).
ويوكد على ذلك مره اخرى: (وكان بنو اميه يدللونهم (اى احفاد النبى))((64)).
اما (جولدزهير) ، وهو المستشرق المجرى ، الذى بحث فى تاريخ الفرق ، وافكارهم ، فانه ينقلنا الى موقف آخر ، بقدر ما هو يتسع للرغبه فى البحث الموضوعى والانصاف ، فانه يظل اسير ما تقرر عند (فلهوزن). ففى الجمله ، يتبدى موقف جولدزهير ، كمناصر للاسلام الرسمى ، تاريخا وعقيده ، فى اطار نزعه تهوينيه ، تحول تاريخ المعارضات ، الى ماوى للمروق والانحراف. وهى النزعه التى ساهم فى نشاتها ، ذلك الفيض من المعطيات المعرفيه ، للمصادر الاسلاميه ، الاكثر تحيزا وتعصبا فى تعرضها للوقائع. و-(جولدزهير) لا ينفى كونه اعتمد فى ذلك على كتاب الفرق والملل والنحل ، يقول: (وانا نصادف فى الفرق الاسلاميه ، كابن حزم والشهرستانى وغيرهما ، صورا متعدده لهذه العقائد ، لا يزال فريق من الناس فى بعض البقاع يومن بها الى اليوم..)((65)).
وهو بذلك يكشف عن انه اكتفى بوجهه النظر الرسميه فى قراءه الاحداث ودراسه الافكار الاخرى. ويعزز جولدزهير موقف نظيره فلهوزن بخصوص الاصل العربى للتشيع -فالتشيع كالاسلام عربى فى نشاته وفى اصوله التى نبت منها((66))- بناء على المعطيات نفسها كما حللها فلهوزن. الا انه لا يجد مانعا من نسبه التشدد الطارى على التشيع -خصوصا فى مجال النظر الفقهى- الى الموروث الزرادشتى. اى ان التاثيرالايرانى ، تاثير تاريخى ، وظاهره لاحقه على التشيع ذى الجذور العربيه ، حيث يحسن الحاقه بالافكار اليهوديه والمسيحيه. والحق ، ان جولدزهير لم يقع فى المنحى ذاته لفلهوزن ، فيما يتعلق بالنزعه (اللامانسيه) ، لوصح التعبير ، تلك التى تقيم دفاعاتها وتبريراتها للجرائم الامويه على اساس من التهوين فى ما لحق المعارضه من اضطهاد وتقتيل. بل ان جولدزهير ، هو اكثر من ذلك ، يستعرض كلاما يصحح من خلاله جمله من الاخطاء التى وقع فيها الباحثون ، بخصوص التشيع ، مثل معادات السنه وعدم الاخذ بالحديث ، وقضايا اخرى تتعلق بالمسائل الفقهيه((67)).
ويقف جولدزهير من التاريخ السياسى العلوى ، موقفا لا يكاد يتحرر فيه من تلك التقريرات السابقه لفلهوزن ، على الرغم من حرصه على ان يظهر عرضه فى صوره منصفه وموضوعيه ، وذلك باعتبار ان اخفاق المشروع العلوى ، ناتج عن سوء تدبير ، وضعف فى الناحيه السياسيه. هذا الاخفاق الذى سوف ينتهى الى نوع من التراجع والياس والتعويض ، برجعه الامام العادل ، والتغيير المتوقع ، على الرغم من انه يجعل من العقيده المهدويه ، تاثيرا مسيحانيا ويهوديا ، ولعل ايضا ثمه ما يوحى بوجود شراكه فى هذا الاعتقاد من قبل خصومهم السنه. وهو ما يوكد على ان تحليلا او فهما مستوعبا للمعطى العقدى والتاريخى ، لم يكن حاضرا ، بقدر ما كانت الاليه المتحكمه فى هذه القراءات ، نزعه متوثبه ، تستند الى منهج الاشباه والنظائر. فهو على الرغم من ذلك الحرص الذى ابداه فى بدايه حديثه او الذى كان يظهر بين الفينه والاخرى ، ظل حريصاعلى موقفه من الاسلام المركزى ، حيث اعتبره معطا يمثل الاجماع. لذلك فان ضعف النظر السياسى هو ما جعل العلويين (يسيئون اختيار الفرص الملائمه للقيام بالثوره ، كانت ثوراتهم تمنى دائما بهزائم لا مفرمنها..)((68)).
وعلى الرغم من التاريخ الماساوى للعلويين المضطهدين ، فان جولدزهير ، يعتبر ذلك ، وعلى غرار -فلهوزن- مجرد نزعه مسرحيه نزعوا اليها ، حيث صوروا (تاريخ آل البيت تصويرا اخاذا)((69)).
فالتشيع الذى ظل مأوى للمضطهدين والناقمين على الاوضاع السياسيه والاجتماعيه ، هو من ناحيه اخرى ، وخلافا -للاسلام السنى- كان قد تشبع (بالروح الاستبداديه المطلقه)((70)).
يقه مورخى الفرق الاسلاميه ، تواجه محنة تاريخ المضطهدين ، نوعا من التهوين والقراءه المعكوسه بما يعمق هامشيتها ، ويدعم سياسه النسيان تجاه مقاتلها. وقد نقف من خلال استشفافنا لما تقرر فى هذه العروض ، على ان قسما لا باس به من المستشرقين ، لم ياخذوا بوجهه النظر (الماسينيونيه) ، فى التداخل والمعايشه ، لتراث المهمشين. فجولدزهير كدوسى وفلهوزن ولامانس... يستندون على المعطيات ذاتها ، كما يعتمدون الخطه نفسها مع بقاء الفارق الضئيل فى اسلوب عرضهم ، وطريقه تناولهم للموضوعات. استطيع تمييز فريق من المستشرقين ، استطاعوا ان يثبتوا جداره يقل لها مثيل من بين نظرائهم.. واعنى بذلك كل من ماسينيون وايفانوف ، واخص بالذكر ، برنار لويس وهنرى كوربان ، الميزه الاساسيه التى توفرت لهولاء ، تتجلى فى انهم انفتحوا اكثر من نظرائهم واساتذتهم فى المدارس الاستشراقيه ، واحتضنوا التاريخ العربى والاسلامى فى شموليته التى لا تسمح باهمال الوجه الاخر منه ، والاستناد فقط ، الى الراى السنى.فقد تجاوزوا تلك التقريرات التى تشكلت بفعل التاثير التقليدى للمصادر الاولى ، بل استطاعوا النفاذ ، بنباهه وحميميه ، للامساك بتاريخ المعارضه. كان (لوى ماسينيون) على الرغم من صلته التى ظلت وثيقه الى حد ما بالاستشراق التقليدى ، الموسوم معظمه ، بالنزعه الروحانيه.. وعلى الرغم مما اتهم به من صلات -من بعيد او قريب((71)) مع الموسسه الاستعماريه ، باحثا جريئا ومتميزا بذكائه واستيعابه ، حيث تجلت فرادته فى نبذ اساليب الربط المالوفه لدى نظرائه ، بين الفرق الاسلاميه المهمشه كالمتصوفه وبين اصول الديانات والفلسفات الاخرى ، كما هو واضح لدى اتين بلاتيوس وجولدسهير ورينان((72)).
وقد اهتم بالمنابع المستقله للتجربه الروحيه ، كما تجلت فى الاسلام الصوفى والشيعى ، بتقرير ان (هناك فى القرآن بذورا صوفيه حقيقيه ، وهى بذور قابله لنمو مستقل لا يحتاج الى اخصاب خارجى)((73)).
وقد تراءت تجربه الحلاج ، لماسينيون على انهار رحله الايمان الحقيقيه كما جسدتها حياه رمز للتصوف الاسلامى ، وهى ماده خصبه لما سيقوم به من اعمال ، تركت آثارها نافذه ، على صفحه الاستشراق. حيث قدم اطروحتيه: (عشق الحسين بن منصور الحلاج شهيد الصوفيه فى الاسلام الذى اعدم فى بغداد فى 26 آذار سنه 922). و-(بحث فى اصول المعجم التقنى للتصوف الاسلامى)((74)).

يتحرر ماسينيون من سلطه تمركز الاسلام السنى ، ومن نسقه المرجعى فى تكوين رؤية حول التراث العربى الاسلامى ، ليس فقط ، تعيد الاعتبار لهذا الجانب المغمور ، والهامشى ، بل ستبعث منه تجربه رائدة ، وفعالة. ويعبر عن ذلك التحول الذى طبع خبرته فى الدراسه الاسلاميه ، بما يعكس ميلا جديدا ، يورخ له ب: (ربيع 1908) ، حيث قيامه برحله بعيده فى صحراء كربلاء والنجف ، بالعراق ، وهو ما يمدنا بحقيقه الاختيار الماسينيونى ، ومدى علاقته الحيويه بالتجربه الشيعيه ، نظرا واحتكاكا ، يقول: (كونى بدات فى الدراسات الاسلاميه عند اصدقاء سنيين (سلفيين) فى القاهره وفى بغداد ، تعلمت (فلسفيا) ان اعطى الحق للامويين على العلويين ، وليزيد على الحسين الذى قتل (بسيف جده) (تعبير عميق لم افهم فحواه وحقيقته الا بعد حين ، فيما يتعلق بهذا المتمرد البرومثيوسى). وكان ينبغى لى ذلك الانعزال عن القافله ، فى صحراءكربلاء والنجف (فى ربيع 1908) حيث كانت تختمر لدى المبعدين الموامره (الماسونيه) ضد الاستبداد الحميدى ، لكى اشارك (و(اعانى) فى حياه ونذور وامانى الحجاج الى زياره المقامات الشيعيه فى العراق (وادى السلام والامام الحر و(لعنه نار على) التعويذه الماساويه قرب ضريح سلمان نفسه)((75)).
وقد انجذب ماسينيون الى الحلاج((76)) ، حينما وجد عنده ، رغبته الملحه فى الحصول على ذلك المزيج ، ذى المغزى الروحى بين الحب والشهاده. فى لحظه يعبر فيها عن هذه التجربه: (اذكر باننى اقتربت من الاسلام ومن دراسه التصوف الاسلامى ، وفى جحودى وتشكيكى وعيشى خلافا لما ينبغى ، صفعتنى كلمه الحلاج اثارت بجمالها مفارقه كبيره عندى: (فى صلاه الحب ، تكفى ركعتان ، ولكن الوضوء الذى يجعلهمامقبولتين ينبغى ان يكون بالدم). انها مفارقه ظاهريه: الدم العادى نجس ، خصوصا عند المسلمين ، حسنا ، ولكن دم الشهيد.. الشهيد عند المسلمين يدفن كما هو دون غسل ، الشهيد لا يغسل ، فدمه طاهر لانه دم الروح. ان شهاده الدم لدى المتصوفه ولدى السنه هى شهاده الحياه ، حياه الروح..)((77)).
ان تجربه الحلاج ، الروحيه ، التى انتهت به الى حدود الشهاده ، مشهد يرسم تلك العلاقه الحميمه بين تجربه المسيح وموقف الحلاج.. لكنها فى منشاها الاول ، تعود الى صدمه مستشرق انتهت به الحيره والمحنه ، الى الانقطاع الى تراث المعارضه وما يختزنه من اسرار ، ربما غرائبيه ، زاد فى تركيزها التعليم السنى ، هو بمثابه رصيد روحى مهمل ، ومضطهد. لكنه فعال ، وباعث لحياه الروح ، وهى خبره فريده لذلك العشق الصوفى المعزز بايمان عميق بوحده الشهود الى حد التبشير والاعلان ، فالشهاده! لكن الوجه الاخر لهذه الخبره العميقه الروحيه رالاستشهاديه- تتجلى فى ذلك الرافد الشيعى ، الذى عكسته صدمه الرحله الى المواقع الراشحه بالمشاهد المعبره -كربلاء والنجف- والاحتكاك بطقس يحمل البذور الحيه للحقيقه التى لن توجد بعد انتهاء الرساله.. الا برجعه ابن لفاطمه ، الذى ستجعله يولد فى قلبها من جديد ، (بقدر ما كان يتراجع الاعتقاد بعوده المسيح (عيسى) الذى اعطى المكانه الرابعه فى ديماس الروضه ، كان يكبر امل انبعاث المهدى المتحدر من ذريه النبى. وبعكس الراى الشائع بين المستشرقين كما بين السنيين الحديثين بان مفهوم (المهدى) هو مفهوم (موسلم) لمعطى انبعاثى غريب (عن المزدكيه او عن اليهو -مسيحيه) فانى ارى استشراقا اصيلا (المقيم للعدل) قادما ليعيد العدل باسم اللّه للمجتمع الاسلامى. انه استشراق قد نما اكثرفاكثر عند الجنس الضعيف والمضطهد. فاطمه الزهراء هى الوحيده التى احست عند موت النبى محمد بان والدها لم يكمل رسالته بالنسبه للمجتمع (خاصه بالنسبه للمسلمين من غير العرب). وبقى تفكيرها متعلقابه حتى بعد الموت ، ولم تتقبل الافتراق ، ولم تستطع تصورا بان هناك من سيخلفه (لا على ولا ابا بكر) وبالشكل الاكثر بدائيه وسذاجه للايمان بالبعث (او (بالرجعه)) كانت تريد ان تجعله يولد من جديد فى قلبها)((78)).
لقد شغلت فاطمه حيزا مهما فى هذه الخبره العرفانيه التى قد تصل مع ماسينيون الى حدود الشطح الصوفى. لكنه يجد مضامينه حقيقيه فى تراث (الممنوع)! ففاطمه ، هذا الطراز النموذجى لشخص يحمل ابعادا تتسع الى التشكل المستحيل ، (فاطمه ام ابيها) ، والى حقائق كبرى تجعلها حقا مثال المراه الكامله وينبوع (الرافه الكونيه) ، انها اخيرا ، رهينه (كلام) ابيها ، فى محك عرض الاحتكام للّه الى مسيحيى نجران فى حادثه المباهله.. ففى (الادعيه الشيعيه ، فاطمه التى هى نموذج المراه الكامله ، ترمز الى منبع الرافه الكونيه ، ونجد ذلك فى الخطبه الشهيره المنسوبه لنصير الدين الطوسى سنه 1278 (ذات الاحزان) : وانها لكذلك بواقع كنيتها (ام ابيها) خلعها عليها ابوها (نعرف ان كل مسلم يحمل اسمه العلم واسما آخر هو الكنيه). وفاطمه موضوعه مكان آمنه ، تتحمل آلام المخاض فى كل ذكور سلالتها. لقد تحقت على هذا النحو ، فى الزمن التاريخى. بشكل لا واع ، فهى فى يوم المباهله ، يوم عرض الاحتكام للّه الذى قدمه محمد لمسيحيى نجران ، كانت احدى الرهائن الخمسه لكلام ابيها. الرهينه الاساسيه ، كونها فى الوقت نفسه الابنه والام والزوجه ، الصله الجسديه الواحده للاربعه الاخرين: بديلتهم)((79)).

هذا السر النافذ فى قضيه فاطمه ، يتجسد بصوره رمزيه تنطوى على مغزى تاويلى عميق ، هو المغزى الذى يتجاوز فى نجاحه واهميته تجارب الانبياء السابقين ، كما تحقق فى محك (المباهله).. انها ، بالتالى ، تجربه المراه التى مثلت ، بهذه الكيفيه العجيبه ، نموذج الرحمه ، وحاضنه المستضعفين ، والمتمرده على الولات ، وصاحبه السر الخفى.. وهى فوق كل هذا بديل عن خديجه امها ، بدل زوجات النبى العاقرات ، وهو سرتعلق العلويين بها.. فصوره (فاطمه التاريخيه كما يقدمها (لامنس) فى مهاتراته ، حيث يحاول (مطرب الامويين) ان يقنع قراء (انسكلوبيديا الاسلام) باشاعات عدائيه ، كانت قد اشيعت ضدها خلال فتره الخلافه الامويه ، عندما كان الفقهاء والمشرعون الموالون لعلى خلال فتره الخلافه الامويه ، يلاحقون ويقتلون من قبل ابناء الاعداء اللدودين لفاطمه وابيها ، انها شخصيه تعيسه غاطسه بالحداد بشكل مستمر ، انها (ظل امراه..ندابه ، تعانى من فقر الدم) ، زوجه رجل (اقرع ، مكرش واعمش). والحقيقه ان فاطمه بالنسبه للنبى ، كان بديلا لامها خديجه. احاديه الزواج مثلها ، (ربه البيت) ملجا (المستضعفين) ، حيث كانت تلجا صحابه النبى الخاصه والغرباء الذين اسلموا ولم تقبلهم القبيله العربيه كصحبه. واليها يعود الفضل فى تعلق العلويين عبر القرون بالمومنين الفقراء والمحرومين واصحاب الصنعه والفلاحين. ودفاعا عنهم وليس من اجل الحصول على اقطاعه (حصه) بالميراث: (انها) صدقه اهل البيت (مثل حفيدها حسن بن حسن (ت: 97هـ) منذ 61هــ) انها طلبت من ابيها ، بطفوليه ، بستان نخيل بفدك ، وابوها نسى الامر ومات بدون ان يوصى بالارث ، وجاء ابوبكر لفرط عدالته ليرفض اعطاء فدك لفاطمه((80)) ، ناسيا ان المراه مثال النعمه (المثل الاعلى) لا يمكن ان تتقبل ابدا الصد والخيبه. كان ينبغى لفاطمه ، رهينه الضيافه العربيه ، التى كانت تصلى ليس من اجلها وانمامن اجل الاخرين ، ان تموت بشعور التخلى الربانى ، مصلوبه فى ثكلها ، حامله بيدها لابيها الميت (البيعه) يمين الولاء ، (شباك الرسول) ، رهن وعده بالعوده لاصطحابها اولا بعد موتها. فى الواقع ، توفيت فاطمه بعده ب-(75) يوما ، اذ انها ولدت قبل الاوان طفلا ميتا ، محسن ، (صاحب السر الخفى). ثم اسيئت معاملتها كمتمرده ، لانها رفضت الخروج من (بيت الاحزان) والذهاب لتقديم الولاء. فقد (حلت شعرها) وهو التعبيرالنبيل عن الحزن الاقصى لامراه حره ، حزن ستجدده يوم الانبعاث: استنكار المراه)((81)).
كانت تلك باختصار ، رؤية مستشرق مهووس بتجربه العشق الصوفى ، والغوص فى تراث (الممنوع) ، حيث تنتصب الحقيقه الشيعيه بمشاهدها وتعاليمها ، محطه رئيسه فى هذا المعبر العرفانى ، نحو الحلاج العاشق والمعشوق.. واحد من النماذج الكبرى فى هذه المغامره الاستشراقيه! كذلك وللوهله الاولى نلاحظ عناصر الشجاعه متوفره جميعا فى المستشرق الفرنسى ، برنار لويس ، حينما رفض فريه الاصل السبئى للتشيع كما قال بها ، سابقوه ، وهى الفريه التى ما ان دخلت (تاريخ الطبرى) حتى اصبحت مفتاحا فعالا لفهم النهوض الشيعى.. يقول: (وينسب كثير من المورخين المسلمين بدايات التشيع الثورى الى رجل اسمه (عبداللّهبن سبا) وهو يهودى يمانى عاصر عليا ، وكان يدعو الى تاليهه فامر على بحرقه لما دعا اليه. ومن هنا قيل: ان اصل التشيع ماخوذ من اليهوديه)((82)).
ويزعم برنار لويس فى السياق نفسه ، ان الصوره قد توضحت لكثير من المستشرقين بعد ذلك: (ولكن التحقيق الحديث ، قد اظهر ان هذا استباق للحوادث وانه صوره مثل بها الماضى وتخيلها محدثو القرن الثانى الهجرى من احوالهم وافكارهم السائده حينئذ. واظهر فلهاوزن وفريد ليندر بعد دراسه المصادر دراسه نقديه ، بان الموامره والدعوه المنسوبتين الى ابن سبا من اختلاق المتاخرين. وبين كايتانى ايضا فى فصل حسن الحجه ، ان موامره كهذه ، بهذا التفكير وهذا التنظيم ، لا يمكن ان يتصورها العالم العربى المعروف عام 35هـ بنظامه القبلى القائم على سلطان الابوه ، واوضح انها تعكس احوال العصر العباسى الاول بجلاء..)((83)).
ولا يجد لويس اى حرج فى ان ينعت مصادر السنه فى التعريف بالحركه الباطنيه ، بالقصور والضعف ، ما دام ان اقدم كتاب يعرف بهذه الحركه (الطبرى) ، الذى لم يخف استياءه من اسلوبه الغير الدقيق ، خصوصافيما يتعلق بعجزه عن الربط بين زعماء القرامطه فى سوريه المنحذرين من ذريه محمد بن اسماعيل بن جعفر وبين المدعى الفاطمى فى شمال افريقيا ، كما اعتبر وجهه نظره عن هذه الحركه ، لا تتجاوز النظره العاديه لاى شخص بغدادى فى زمانه.. واهم من ذلك انه (لم يحاول ان يبحث عقائد الفرقه اذا استثنينا لمحته الخاطفه عن كتاب قرمطى منسوب الى القرامطه)((84)).
والامر هنا ، حسب اعتقاد ، برنار لويس ، لا يتوقف عند الطبرى ، بل هو يكشف ايضا عن ذلك الطابع المسرف لكتاب الملل والنحل بشكل عام ، حيث بالغوا فى احصاء الفرق واختلاقها بسهوله ، خصوصا ، وان كثيرامنهم فقهاء ، يصعب الاعتماد عليهم فى تحصيل الاخبار الدقيقه.. يقول: (نعم ، للفقهاء عيوب تقلل الاعتماد عليهم ، فهم يتحاملون تحاملا شديدا على الفرق التى يصفونها ولا يرون فى صالحهم ان يرسموا صوره واضحه صحيحه عن تطورها ، وكثيرا ما كانت معلوماتهم عنها خاطئه فنسبوا اليها مبادىء انكرها اصحابها باشمئزاز واستغراب «...» فكيف نتوقع منهم اذا ان يميزوا تمييزا صحيحا بين الجماعات المارقه المتخالفه؟ زد على ذلك ان كثيرا منهم يتقيدون بحديث منسوب الى النبى يقول: (ستفترق امتى ثلاثا وسبعين فرقه كلها فى النار الا واحده) فكانوا يزيدون فى عدد الفرق المارقه او ينقصون منها بمقدار مايلائم هذا العدد)((85)).
وهكذا بات صعبا على الباحث التساهل فى بحث تاريخ الفرق الموسومه بالضلال ، وايا كانت طبيعه البحث ، فلن تكون له سوى تلك القيمه الموقته. خصوصا ما يتعلق بتاريخ التشيع فى القرن الاول ، فهو (لا يزال يتطلب تمحيصا كثيرا. ويجب اعتبار ما يلى من البحث محاوله ذات قيمه موقوته)((86)).
غير اننا ، نثمن فى برنار لويس ، تلك الجراه والنباهه ، التى جعلته يقتفى طريق الاستاذ ماسينيون فى اختراق النسق المرجعى للتاريخ العربى والاسلامى ، وذلك من خلال اعتماده على كتاب (الشيعه) للنوبختى ، الذى اعتبره اغنى المصادر واوثقها.. وهو ما لم يعهد على الباحثين الذين لم يتحرروا فى المقام من ذلك التاثير السلبى للمصادر التقليديه ، كما وضحنا سابقا.. لكننا قد لا نتفق مع برنار لويس فى جمله من الاراء حول الشيعه ، وهى آراء بحثيه محض. لكن روح التحقيق والنظر ، التى تحلى بها الاستاذ برنار لويس ، تشفع له فى كل الاخطاء التى وقع فيها بهذا الخصوص((87)).
وهذا ما يوكد على انها اخطاء باحث منصف خانه التعليل. ولا تفوتنا الاشاره هنا الى ان اهم ما توصلنا اليه هذه الابحاث ، ليس هو الدفاع او التحيز الى فرقه دون اخرى. لان هذا سوف يكون تنويعه على تقاليد مضت ، كان البحث ينطلق فيها من دائره الى اخرى فى جو من التفاضل والتغالب ، فضلا عما تتركه هذه الطريقه من تزييف للحقيقه.
ولكن ابحاثا كهذه ، تنطلق من خارج هذا الميل -وان وجدت لها ميول اخرى مع التحفظ- لتعيد الاعتبار الى جزء من التاريخ ظل طيله حقبه من سيطره الخطاب التاريخى العربى التقليدى يواجه النسيان الى الحدود القصوى من الاهمال والتهميش. وتفيدنا الخبره الطويله التى اثمرت نتائج محترمه لدى هنرى كوربان ، بان الدراسه التى تنطلق من داخل التراث العقدى والفكرى لدى الجماعه موضوع الدرس ، هى التى تمكننا من احراز نتائج ايجابيه. وقد كان الاسلوب الظواهرى -رغم ما يمكن اثارته حول هذا المفهوم- اداه فعاله ، مكنت كوربان ، من تجاوز كل الشكوك التى غدتها ظروف القمع والحصار التاريخيين ضد الشيعه. وقد تبين ان هذا المنهج الظواهرى ، لا اقل ، فى حدود استبيان اللامفكر فيه ، داخل الترسبات الناتجه عن الاخطاء والمغالطات الشائعه ، يبقى منهجا فعالا ومنتجا ، من الناحيه البراغماتيه! لقد اعطى كوربان للتشيع ، سمه خاصه يتفرد بها. وهو هنا يسلك طريق ماسينيون فى ارجاع هذه السمات الى طبيعه التراث التعليمى لهذه الفرقه. ليس ذلك فيما يتعلق ببعض جوانب العقيده المذهبيه فى(المهدى) ، او (الامامه).
بل ، فى ميدان الفلسفه ، وهو ما اغنى فيه البحث ، لم يال جهدا فى ردها الى الاصول الشرعيه ، اى القرآن وكلام الائمه. فلقد (غذى الفكر الشيعى ، ومنذ البدايه ، الفلسفه ذات النموذج النبوى واعنى به النموذج الذى يتعلق بالدين النبوى. والفلسفه النبويه تلح بدورها على فكر لا يسور نفسه لا بالماضى التاريخى ، ولا بالحرف الذى يثبت التعليم تحت اشكال العقائد ، ولا بالافق الذى يحد ينابيع وقوانين المنطق العقلانى)((88)).
ويتجلى هذا المنزع الظواهرى لدى كوربان فى عمليه رد الاعتبار الى احدى اهم المصادر الحيه فى الفكر الشيعى ، تلك التى امدته بماده تامليه غنيه وارضيه فلسفيه خصبه. اعنى بذلك كتاب (نهج البلاغه) الذى جمع خطبا واقوالا للامام على بن ابى طالب ، جمعها الشريف الرضى. وقد مال البعض الى التشكيك فى نسبه هذا الكلام الى الامام. وليس سهلا على كوربان ان يخالف رايا سائدا لدى الباحثين الذين صعب عليهم ايجاد صله بين مضمون هذا الكلام المتضمن لكل مفاهيم العصور اللاحقه وصاحبه الذى عاش فى حدود القرن الاول. لكن كوربان لم يكلف نفسه عناء مناقشه هذا الراى ، فقد تبنى نهجا ظواهريا فى تقبل اسناده الى صاحبه.. (ولقد اثيرت بعض الشكوك حول صحه بعض اجزاء هذه المجموعه.
على ان الكتاب يبقى ، على كل حال ، من مولفات المرحله المتقدمه فى الاسلام. وان اضمن الامور لفهم محتواه ، هو ان نفهمه بصوره ظواهريه ، نعنى كما يدل عليه القصد من وضعه: فكائن من كان حامل القلم ، الامام هو الذى يتكلم ، ومن هنا تاثيره البين)((89)).
والملاحظه الاخرى هاهنا تتعلق بتعاطى كوربان مع التراث الشيعى باهتمام فائق ربما صعب على كثيرين استيعاب تاويلاته التى ظل فيها مدينا لهذا الفكر ، الذى لم تتاسس باطنيته على مرجعيات خارج هذا الاطارالمعرفى الذى اوجده الاسلام. وليس سليل غنوصيه مستورده على النحو الذى يجرى عاده فى اجواء المثاقفه التى يسعى مذهب ما الى استكمال نقائصه بالاستعاره من عناصرها.. فباطنيه التشيع تقوم على جوهرالاسلام ذاته ، وهى اساس هذه الفلسفه النبويه. فالباطن هو مستودع الحقيقه الغائبه ، وفى انتظارها ، يبقى الرهان على ظهورها الكامل وليس على الجديد. ان الانتظار هنا ، ليس انتظارا للجديد ، بل ، بظهور وانكشاف شامل ، للحقائق المستوره. فالفلسفه النبويه ، بهذا المعنى ، تبقى (اذن اساسا علم معاد)((90)).

وهكذا تعود النزعه الباطنيه الى اصولها الماصوله (ان يكون التشيع فى جوهره باطنيه الاسلام ، فذلك ما يترتب على النصوص نفسها وعلى تعاليم الائمه قبل اى شيء «...» وبامكاننا ان نضاعف هذه الاستشهادات باحاديث مماثله ، فهى تشير بشكل يثير التقدير الى (وجود) التشيع وكيانه ، ووعيه بانه باطنيه الاسلام ، وانه ليستحيل علينا تاريخيا ان نرجع الى ما هو اقدم من تعاليم الائمه للوصول الى منابع الاسلام الباطنى. ولذلك فان الشيعه الحقيقيين هم اولئك الذين يحملون اسرار الائمه ، بل ، فى مقابل ذلك ، ان الذين زعموا او يزعمون وقف تعاليم الائمه على الظاهر ، اى على بعض مسائل الفقه والطقوس ، يعرضون عما هو جوهر التشيع ويتجاهلونه)((91)).
اننا مع هنرى كوربان ، نكون ازاء باحث بعيد المدى ، محلل قدير ، ومدقق فى اكثر المتون الشيعيه غموضا ، قارئا وموولا من موقع الشيعه التاريخى او تعاليم ائمتهم. لكننا فضلا عن هذا ، نكون امام صديق حميم لهذه الفرقه ، ومعايش لها فى مواطنها. فهى خبره لا تقل عن سابقه ، ماسينيون. مع تميزها بسعه الاطلاع ، وقوه الاستئناس بالمكونات الجوانيه حيث قضى اكثر من عشرين سنه من تلك المعايشه.

ان اهم ما نخرج به ، بعد هذا السفر الكوربانى المضنى ، هو التاكيد على النزعه التعادليه فيما يخص مجال الحقيقه والشريعه داخل الموروث الامامى. ولسنا نرى فى تركيز كوربان على الطابع الباطنى ، اى محاوله اختزاليه على طول ابحاثه ، سواء فيما يتعلق بالسهروردى او الشيخ الاوحد ابن زين الدين او غيرهما. فقد ظلت نظره لا اقل تحمل مظاهر الملاحظه الظواهريه التى ترفع عن الباحث عناء سلطه المصادر المعاديه ، ووجهه نظر الخصوم ، المتحيزه! وبهذه العجاله ، نكون قد قدمنا نماذج حيه من الاستشراق المتخصص ، مما يوكد على انه -خصوصا فى مرحلته الثانيه- كان قد قدم خدمه فائقه الى تراثنا العربى والاسلامى ، وتحديدا نقول ، ان الجزء الاكاديمى المتخصص منه ، وايضا المنتمى الى المدرسه الماسينيونيه ، استطاع النفوذ اكثر فى خفايا هذا التراث ، ومن ثمه ، الجهد لتحريره من نقائضه. مع انها تبقى محاولات -على اهميتها- خطوه ضروريه لتحرير الموروث الاخر من الغموض الذى ساهم فى ايجاده ، وتكريسه ، الكتابه التاريخيه ، والخطاب التاريخى العربى الكلاسيكى!

الامتداد داخل الفكر العربى المعاصر الحديث

هنا يتعلق فى الاصل بذلك الامتداد الاستشراقى فى مجالنا العربى. وهى محاوله غير متجانسه فى استيعابها وميولها ، انعكست بشكل فوضوى ، ساهم فيه الباحث المختص وغير المختص. محاوله انطلقت من العالم العربى ، تنحو الى اعاده قراءه التراث العربى والاسلامى ، بالمفاهيم الاستشراقيه ذاتها ، لكن بعد ممارسه انتقائيه لتحرير هذا الاستشراق من ميوله المشبوهه ، وتاسيسه على ميول جديده ، تتراوح بين الرغبه فى منح الرهان للمقترب الماركسى كما الفينا ذلك لدى ماركسيين عرب مثل الطيب تيزنى ، وعبداللّه العروى ومحمد جلال العظم ، وحسين مروه.. او تسخيره فى اطار خطه ايديولوجيه لمشروع نهضوى عربى ، وهو ما نجده حاضرا بقوه فى كتابات محمد عابد الجابري والى حد ما ، حسن حنفى.
بالنتيجه ، لم تكن هذه المحاولات لتاتى بجديد غير انها زادت فى تازيم الصله بهذا التراث ، الذى لم يعد الرهان يتجه فيه ناحيه فهمه واستيعابه ، بقدر ما اصبح فى محاولات الباحث العربى المتطلع الى النموذج الاوروبى الموسوم بالعقلانيه والمنزع العلمانى ، مجالا سجاليا مثمرا ، وميدانا لشحذ المناهج المسخره بتوليفه يمليها الهاجس السياسى والترسيمه الايديولوجيه.

ومما يوسف له -فى اطار بحثنا- ان هذه المحنه التى واجهها الإمامية ، وجدت من يعمل باجتهاد ، على تحيينها ، باساليب ، لا تختلف -جوهريا- عن النقوض التقليديه وان كانت تتخذ لها بين الفينه والاخرى تنويعا اصطلاحيا يتوسل بمفاهيم اكثر حداثيه ، واخص هنا تلك المحاولات التى دشنها الباحث المغربى محمد عابد الجابري خلال الثمانينات ، فى اطار مشروع نقد العقل العربى. الى جانب عدد آخر من الكتابات العربيه ، ذات الطابع الشمولى او التجزيئى.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /25-07-2009, 06:36 AM   #3

مرآة التواريخ
رحمه الله و أسكنه فسيح جناته و حشره مع محمد و آل محمد

 رقم العضوية : 1308
 تاريخ التسجيل : Dec 2007
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 2,454
 النقاط : مرآة التواريخ is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 13

مرآة التواريخ غير متواجد حالياً

افتراضي

الجابري ((92)) .. واللامعقول الشيعى!

الخاصيه التى تتبادر الى الذهن ، ونحن نقرا ابحاث د.الجابري حول الفكر الشيعى وتاريخه السياسى ، هى تلك المحاوله التى لم تقطع مع طرائق الجدل ، حتى وهى تتستر وراء مناهج ومفاهيم ، تبدوا -فى ظاهرها-علميه ، وبرهانيه((93)).

على انه لا يكفى ، فى التحليل العلمى ، ايراد المفاهيم العلميه ، هذه التى من اليسير تحويلها الى اساس لرويه مفارقه ، حينما لا نحسن استحكامها او توظيفها.

لم تكن محاوله الجابري ، اذن ، سوى عمليه جريئه ، لتحيين ذلك الصراع التقليدى ، الذى يتم فيه الانتصار لعقلانيه فانتازيه ، تجد اطارها -بتكلف واسراف زائدين- فى ظاهريه ابن حزم وسلفيه ابن تيميه((94)) ، وهى محاوله تراثيه استهدفت العقل نفسه عند المعتزله وعموم الفلاسفه ، فى حين لا يجد المشروع العقلانى ، كما خطط له الجابري ، اطاره الحالم ، فى اسهامات الفلاسفه المسلمين ، الذين نعتهم بانصار العقل المستقيل.

لا ندرى ، اذا كان الجابري هنا ينحو فى كل ذلك ، منحى جدليا((95)) ، ارغمه على ممارسه انتقائيه مبتسره فى اغلب الاحوال ، من تقارير استشراقيه ، وقعت فى المازق ذاته ، الذى اشرنا اليه آنفا. ما عدا ذلك ، لم تعكس تلك المحاولات ، اى المام بالتاريخ او الفكر الشيعيين ، كما تدل على ذلك مصادره المعتمده.

نعزو تلك المحاوله التى لم تحقق النجاح المطلوب الى الهاجس السياسى والايديولوجى الساكن -بقوه- فى اعماق مشروع الجابرى.. مضافا اليه عدم التخصص ، والبعد عن المصادر ، والسرعه -وهى آفه كل مشروع ايديولوجى- فى تركيب الصور والاحكام التاريخيه.

ويكفى ، فى هذا الاطار ، تصدى الكثير من النقاد الى تفكيك هذا المشروع وبيان هواجسه ونقائضه. وحينما نعود الى جمله المصادر التى اعتمدها الجابري فى تناوله للفكر الشيعى ، وهى العمليه التى ستكشف ، ليس فقط ، عن عجز فى الاستيعاب ، بل ، وهو الاخطر من ذلك ، عن عجز فى الفرز بين مختلف الفرق الشيعيه ، خصوصا الاسماعيليه منها والاثنى عشريه.

بل حتى على صعيد العرفان الشيعى ، فى تلك الصله التى اوجدها فيما بين تصوف ابن عربى او الجنيد وعموم الباطنيه وبين التيار الغنوصى.. الخلط الذى يعود الى ذهنيه البحث عن الاشباه والنظائر ، كما تعكسها مجمل الابحاث الكلاسيكيه ، الناظره فى تلك العلاقات. لكننا ، وبغض النظر عن هذه الملاحظه ، نعود للقول ، اننا نعثر على مصادر هزيله جدا ، من الصعوبه بمكان تقبلها ك آثار مرجعيه كافيه ، لتشكيل رؤية متكامله عن التشيع. نجد اعتمادا بسيطا على ما لا يتجاوز ثلاثه او اربعه مصادر((96)).

فى مقابل ذلك ، وبالاضافه الى عدد من المصادر الاستشراقيه ، مثل ابحاث هنرى كوربان -الذى اساء الجابري فهمه- ، نجد ماده مصدريه غنيه ، تتعلق بجمله من المولفات ذات المنزع السلفى او السنى الاشعرى ، واعنى بذلك كتاب: (مقالات الاسلاميين) للاشعرى ، وكتاب: (الفرق بين الفرق) ، لعبد القاهر البغدادى ، و(نهايه الاقدام فى علم الكلام) للشهرستانى و-(المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين) لابى رشيد النيسابورى ، و-(فتاوى) ابن تيميه ، الخ.

ولا يخفى الجابري -مثلما يفعل دائما((97))- هذه الحقيقه التى عبر عنها فى كتابه (العقل السياسى العربى) : (وان جميع من له المام باحداث القرن الهجرى الاول يعرف كيف ان مصادرنا التاريخيه او بعضها على الاقل- المصادر السنيه عموما- تجعل (الفتنه) زمن عثمان ، من تدبير شخص ، اسمه عبداللّه بن سبا (...) وقد اطلقت مصادرنا التاريخيه على حركه المعارضه لمعاويه ، اسم (السبئيه) نسبه الى عبداللّه بن سبا هذا)((98)).

لقد وقع الجابري بين قوى جذب مختلفه ، بين نزعه تمركز الاسلام السنى ، التى تاثر فيها ، لا اقول بهاملتون جيب فحسب ، بل بمجمل البيئه الثقافيه للباحث ، وبين ذلك الجهل الكبير بالتراث الاخر ، بالاضافه الى جاذبيه المشروع النهضوى فى بيئه ، اقتضت الانتصار الى مجمل الفرقه الاندلسيه والمغربيه ، حيث يسير على مجدد الخطاب التاريخى العربى التقليدى ، ان يجعل فلاسفه الشرق ، وفى مقدمتهم ، الشيعه ، يدفعون ثمن هذا الصرح الايديولوجى الضخم! ولا يكلفه ذلك اى جهد معرفى لاقامه الحد على جزء طليعى من التراث العربى والاسلامى ، فى محيط لا يوفر رايا جديدا. هاهنا ، تستبد الايديولوجيا بالبحث ، ويستغنى الباحث المنتمى ، عن الاليه الابستمولوجيه فى استكشاف البنيه الحقيقيه ، التى تستقر فى مكامن هذا الخطاب التاريخى المتعصب لمعصوميته المزعومه ، والمتسلح بعناصر غير معرفيه: عناصر الغلبه ، والتمركز ، والامر الواقع! .

وليس غريبا ، ان نقع مع الجابري على صور من التلفيق ، واخرى من الوعى المفارق. فالجابرى عندى ، لا يناقض نفسه. هو وفى لعالمه الفكرى ومشاريعه الحالمه. فالتناقض -وهو منطقى- من شان الجهد العلمى والنظر المعمد بموضوعيه الباحث.

غير ان الجابري هنا يتمسك بمنهج خطابى ، ويستثمر كما هائلا من المصادرات الخطابيه ، للوصول الى غايته ، انه مشروع تستبد النتيجه بمقدماته. والمشروع النهضوى بكيفيته الايديولوجيه ، عنصر كاف لتشكيل العله الغائيه لهذا التطاحن والتضارب الذى لا يخلو من افتعال.

هكذا بتنا نرى مع الجابري ، انقلابا جذريا فى رؤية الاشياء ، وجراه خطابيه تتنكر لمتطلبات النظر الابستمولوجى. مع هذا الانقلاب ، يتشكل المعقول الدينى لدى الجابري ، على مصادرات الخطاب التاريخى العربى ، المتواصل الخطو ، على طريق النفى والاقصاء والتغليب. والمعقول الدينى هو المشروع الظاهرى المعادى للمعقول العقلى. فالعقلانيه الجابريه تجد خياراتها فى نماذج من المعقول الدينى ، حيث يستحيل ابن حنبل ، قمه هذه العقلانيه.

وفى نزوه لا يستسيغها الا بطش الايديولوجيه -المبتذله- تصبح السينويه ، ثلمه فى مسيره هذا المعقول الدينى والعقلى معا.. رده دينيه وعقليه! ويقام الحد فى معركه لا هواده فيها ، على انصار اللامعقول: الرازى ، اخوان الصفا ، جابر بن حيان ، الفارابى ، ابن سينا ، وبصوره ضمنيه الامام جعفر بن محمد الصادق.

فالمعقول الدينى ، لا تجسده سلفيه الخطاب ، بقدر ما تمثله معياريه القرب من دائره السلطه او البعد عنها! ولذا الفينا ميلا شديدا ، من الباحث ، الى تسويغ مواقف وانتماءات ، تقع فى قلب ذلك اللامعقول الدينى..ابن عربى ، الذى كادت اندلسيته تشفع له للحاق بالكتله المغربيه الاندلسيه رائده المعقول الدينى والعقلى ، شانه ، شان ابن خلدون.

اما الغزالى ، فقد كان لذاكرته السياسيه ودوره البارز فى خلق التوازن او التنكر المعرفى ، عاملا ، ساهم فى انتشاله ، بقدره قادر ، من ماواه الباطنى ، ربما يعود ذلك الى اشعريته التى كرس لها جهده اثناء توليه المسووليه فى المدرسه النظاميه ، او لمعاركه الضاريه التى خاضها ضد الباطنيه الاسماعليه.

بناء عليه ، ليس الجابري ، فى ما اختلقه من عوالم فانتازيه ، متناقضا ، انما كان مهووسا بعلم نهضوى ومشروع سياسى ، ومن شان مشروع كهذا ان يسحق فى طريقه اشخاصا ويضحى بافكار! التشيع ، فى راى الجابري ، لا يحظى بجذور فكريه اصيله فى تعاليم الاسلام. فهو ، وان كان فى نشاته الاولى ، تيارا سياسيا محضا -وهو ما اكد عليه عدد من المستشرقين ، نذكر منهم برنار لويس- الا انه فى تكوينه المذهبى اللاحق ، كان من وحى اليهودى المتاسلم عبداللّه بن سبا ، وهذه فكره اخذها -على علتها- من المصادر السنيه ، حسب تقريره السابق((99)).

وهذا التشيع الذى بدا سياسيا -نتيجه ظروف تاريخيه- سرعان ما انتظم فى تعاليم دخيله ، انتحلها ، بشكل منتظم ، هشام بن الحكم ، بالنسبه لعموم الشيعه الإمامية ، وميمون القداح ، بالنسبه للاسماعيليه.

ومن خلال هذه المماحكه ، يحاول الباحث لفت الانظار الى كون الازمه التى تفجر عنها ذلك الصراع السياسى الاول ، وبالتالى الموقف الشيعى من على بن ابى طالب ، يصعب الامساك بها.. فى حين ، لم تعد الجماعه التى ناصرت عليا ، تملك اى مشروعيه ، غير انها ضاله ، وانتهى بها الاخفاق السياسى الى مد الجسور مع القوى المتامره ، ضد السلطه السياسيه القائمه ، وضد الاسلام بشكل عام. وهذا اسلوب دشنه اصحاب الملل والنحل ، يتجدد بكامل عناصره فى هذا الخطاب. فالشرعيه التى يمكن ان يحتج بها الطرف الشيعى ، او الاصول التى تحدد هذه الهويه المتجذره فى تاريخيه الاسلام نفسه ، تكمن فى ذلك الموقف الاول من على بن ابى طالب ، موقف سياسى قام وانتهى ، وبقيت امتداداته تشهد نوعا من الخروج والمروق الى ان غير مجراها عبداللّه بن سبا ، واكتمل صرحها مع الامام الصادق وحاشيته الهرمسيه الظلاميه! وهذا يعنى -بالتاكيد- ان الموقف الاخر فى هذا المشهد السياسى الاول -المشروع نوعا ما-انتهى هو الاخر ، ولم تبق له اصداء فى دائره البيان او المعقول الدينى السائد. ليس الا الشيعه ، يحملون آثارا باهته ، وضاله ، عن ذلك الموقف السياسى ، ويستحضرونه فى بكائيه شبيهه ، فى ميثولوجيتها وضلالها ، ايضا ، ببكائيات اليهود. لقد انهى الجابري هذا الصراع ، دون ان يخبرنا ان كان فعلا ، انتهى ، ومتى ، ومن انهاه؟! فهذا الطرف الذى تمركز ، هو الراى الثالث المحايد هكذا يوحى الجابرى- اى الاسلام الاصيل والمعقول الدينى! .

من هنا تواجهنا صعوبه فى الاهتمام بهذا الراى. باعتباره عرضا منقولا ، لا جده فيه! وهو فوق هذا ، مجرد استثمار ، يتخذ منحى تغليب جزء من التراث على آخر فى مغامره صعبه! هكذا يهيئنا الجابري لمواجهه منهج ، لا يفرق من اى غرائبيه. فاذا كان ارجاع التشيع الى عبداللّه بن سبا ، قال بها مستشرقون والتزموها -وبعضهم تخلى عنها حينما وقف على علاتها- فان الجابري ، سيلتزم بكل الاراء التمثيليه التى قال بها المستشرقون.اى بالاصل السبئى -اليهودى للتشيع ، وايضا الفارسى الغنوصى.. والبوذى والمسيحى لمقاربه العرفان الشيعى وانتظاريته. ولعله فاته ان يرجع الطقس الماتمى الذى احياه بنو بويه فى القرن الرابع الهجرى ، الى اصوله فى طقوسيات (البورورو) و(النامبغوارا) فى الامريكتين!

اذن ، نحن امام مشروعيه زئبقيه ، للموقف الشيعى. مشروعيه لم تبرح كونها فى الزمن الاول ، ولاء سياسيا لعلى بن ابى طالب ، حيث فى عصر هذا الاخير تنطلى اللعبه ، على خليفه لا يحسن السياسه ، فلا يكون على بن ابى طالب ، متزعم الحمله التصحيحيه ر (الفتنه) ، بل كان الامر هنا يتعلق بيهودى مجهول الاصل ، وظف شخصيه على بن ابى طالب فى موامره يهوديه. ذلك ، فى ترجيحى ، الدافع الاساسى الذى جعل الجابري ، يغالى الى ابعد الحدود فى هرمسيه التشيع. وهى فكره اخذها عن كوربان كما اكدنا سالفا ، وتعود فى الاصل الى ماسينيون. وقد طرحها كوربان فى سياق تاويلى مغاير لما رامه الجابري ، الذى الف اخفاءالكثير من مصادره وبتر العديد من النصوص ، التى من شانها ان تكون شواهد ضد خطواته الانتقائيه.

وقد تبين موقف كل من ماسينيون وكوربان ، حول التعاليم الاصيله للنظر الشيعى. يقتفى الجابري طريقه كوربان فى عرض التعاليم الشيعيه الموسسه للفكر الباطنى ، مع الفارق ، بان كوربان يجعل الباطنيه نتيجه طبيعيه للتعاليم الاسلاميه الاصيله.

والسياق الذى اتبعه كوربان هو التوصل الى ما مفاده ان الباطنيه هى السمه الاساسيه لفلسفه الاسلام ، التى هى فلسفه النبوه.

فاذا كانت التعاليم الشيعيه كما مثل لها كوربان ، بعينات ، دقيقه ومنسجمه ، مما يعطى الاحساس بمعقوليه الربط ، ونزاهه الباحث ، فاننا ، مع الجابري ، نجدنا امام تقمص باهت ، ابهت من محفزاته الايديولوجيه نفسها.
يخفى كل هذه الاحالات ، جميعا ، ثم يجعل من تعاليم الائمه ، اساسا لما سيشيده جمهور العرفانيين من حجج شرعيه على مذهبهم ، العرفانيون بمن فيهم رواد التصوف السنى المتهرمسين ، كابن عربى والجنيد والحلاج...

كما ان من بين تلك التعاليم التى يقوم عليها صرح العرفان المتين ، ما ينقله الباحث ، من روايه عن ابى هريره.. انه قال: (حفظت من رسول اللّه(ص) وعائين ، فاما احدهما فبثثته ، واما الاخر ، فلو بثثته قطع منى هذا البلعوم)((100)).
هذا الخبر ، هو كلام لابى هريره الدوسى. اقتضى الالتباس ، او التلبيس ، ان يكون خبرا موسسا للعرفان. وهذا كلام صادر عن شخصيه لم يحص لها التاريخ ميزه روحيه او عرفانيه ، ناهيك عن ان كلاما كهذا ، يعكس موقفا سياسيا ، لشخصيه كانت تتحرك براى ثالث -ان لم نقل- برويه انتهازيه فى حادثه مقتل عثمان وما بعده((101)).

لا تقف محاوله الجابري عند هذا الحد ، فقد واصلت سعيها ، و-(جهادها) لطرد الشيعه من دائره الاسلام. كانت ذهنيه الاقصاء حاضره بكل قوه فى مشروع الجابرى. هذا الاقصاء الذى لم يكتف بتسخير ملف الهرمسيه -الورقه الخطيره- فى هذه اللعبه لملاحقه كل من بدا له فيه اثر من تلك العقلانيه التى تسمو على منطق (الظاهر).

لقد كانت استراتيجيه (البنينه) ( ذرخژچژخدچزس ژح س زژث ) اكثر حده ومضاء ، حيث تم استثمارها فى تشطير التراث واللعب على شتى اوراقه. (البنيه) هذه التى تتحول من شامتها (الابستمولوجيه) الى لعبتها الخطابيه.

(بنيه) تنتقل -وقد جعلها الجابري تنتقل رغما عنها- لنحضى مع هذه الرحله(الابتسميه) داخل ترسبات الخطاب التاريخى العربى ، ببنيه ، غير ثابته ، غير قاره ، اى ، بالنتيجه -المنطقيه- لا بنيه! فمن ثلاثيه (البيان) و(البرهان) و(العرفان) الى ثلاثيه (القبيله) و(الغنيمه) و(العقيده)! كانما عسيرعلى الباحث فى بنيه العقل العربى ، ان يحدد بنيه واحده ، للمعرفه والسلطه ، كما لو انهما مجالان ، لا ينتميان الى عقل واحد ، او طبيعتهما تقتضى بنيتين مختلفتين.

وهذا التجزيئى فى النظر ، لم يكن الا استجابه لمقتضيات الجدل الايديولوجى الذى خاضه الباحث فى عمليه التغليب. ومهما تزحزحت هذه البنيات من مجالاتها ، حسب مقتضيات خطابيه ، فانها تبقى مكسوره امام معياريه المسافه من السلطه.
ويصل الهوس الايديولوجى بالجابرى الى حد استصحاب الموقف السلفوى الغاضب والفاقد للاعصاب. فيبتكر قاموسا جديدا -ومموها ايضا- من مفردات الطعن ، تتوظف فيه معطيات حداثيه ، وتحل محل الطعون التقليديه. هكذا ، لا يتردد الجابري فى ان ينعت الاشخاص المتمنعين على مشروعه بشتى انواع القدح ، فى تنكر يضفى طابعا اصطلاحيا يوحى بموضوعيه القدح وتقدميه القادح! فيتحول الامام على بن ابى طالب فى معاركه السياسيه الى مجرد مغامر ، جاهل بالسياسه ، التى اتقنها معاويه ، كما ان ابنه (ابن الحنفيه) كان حامل مركب نفسى ، يسعى الى ايجاد معوضاته فى فروسيه نادره النظير.

كما يكون احد احفاده (الامام الصادق) متزعما لحاشيه مبتدعه ظلاميه!؟ .
اذن ، لا شك فى اننا ، امام مازق مثل هذا ، يجب ان نعلن القطيعه التامه. ليس فقط ، مع الموروث الهرمسى العرفانى او الشيعى ، بل القطيعه مع الشرق كله. فالبيانيه المشرقيه رغم كل جهودها الجباره لم تلق من الباحث المغربى التقدير المطلوب. انها بيانيه مهدده ، مجاوره لمجال محايث ، جغرافيا وتاريخيا للامعقول! هكذا ، يكون الشرق ، شرقا ، والغرب غربا. او على حد تعبيره ، بضاعه الشرق ترد اليه. يوهمنا الباحث هنا ، بوجود كتله تاريخيه واقعيه ، شملها مجال جغرافى واحد.

يقحم الجابري عامل الجغرافيا فى تاريخيه اكتسحت المجال.
تاريخيه (عقاديه). نحن فى نهايه المطاف ، مع مستشرق خانته الجغرافيا والتاريخ ، ينظر الى الشرق نظره برانيه. مشروعه العربى ، القومانى ، لا يجد اى حرج فى المساهمه -او الموامره- المعرفيه ، لاقتطاع هذا الجزء من الحضاره العربيه الاسلاميه ، اقتطاعا معرفيا ، وهو اشد خطوره من الاقتطاع الجغرافى.!لم يعد المجال ينقسم الى عقل بيان ، وعقل عرفان ، ولا الى سنه وشيعه. فهذه المره سوف ينقسم العقل ، الى عقل الشرق وعقل الغرب ، عقل العرفان والغنوص والتشيع ، وهو فى النهايه عقل اللامعقول العقلى ، واللامعقول الدينى.. وعقل البيان ، والبرهان ، والمعقول العقلى ، والدينى.. لقد اقر الاستشراق بايمان الشرق ، وارتاى (القلب) للشرق ، و(العقل) للغرب. مع الجابري يبقى هذا الشرق خاويا على عروشه ، لا (قلب) ولا(عقل) لا دين ولا علم.

ما اشدها عنصريه وعقده من الشرق! ولا بد ، فى راى الجابري ، من احداث هذه القطيعه التى ابتدات فى دائره عقيديه ، مذهبيه ، لتنتهى الى حاله جغرافيه استقطابيه: شرق وغرب.

يعلن هنا الجابري نفسه غربيا! قطيعه لم يستشعرها عقل التراث ، حينما كان الجدل الايديولوجى على اشده ، ينصب على الفكره والشخص ، او على الملل والنحل. ولا يعكس اى احساس بوجود كتلتين تاريخيتين وجغرافيتين: مشرق ومغرب! ذلك لان النظام العرفانى ، بخصائصه الشيعيه -الهرمسيه ، كان قد اثر الى حد ما فى فكر المشرق الاسلامى ، حيث يتم توظيف العقل ، كاساس ابستمولوجى لدعم اللامعقول ، (اذن لقدكانت الفلسفه فى المشرق متجهه الى الوراء. لقد استعملت العقل لاضفاء نوع من المعقوليه على ما هو (لا عقل) ، على نزعتها الصوفيه. ومن هنا اكتسبت طابع المسيره الفلسفه الدينيه)((102)).

من هنا مشروع تاسيس (ثقافه اصيله مستقله عن ثقافه اهل المشرق)((103)) يتولى هذه المسيره تكتل ثقافى -موهوم- تاطر بانتماء جغرافى ، هو حلم هذه النهضه العربيه المنشوده ، واساسها التاريخى.. (ان ما ننشده اليوم من تحديث للعقل العربى ، وتجديد للفكر الاسلامى ، يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلميه والمنهجيه المعاصره..

بل ايضا ، ولربما بالدرجه الاولى ، يتوقف على مدى قدرتنا على استعاده نقديه ابن حزم وعقلانيه ابن رشد واصوليه الشاطبى وتاريخيه ابن خلدون «...» انه باستعاده العقلانيه النقديه التى دشنت خطابا جديدا فى الاندلس والمغرب مع ابن حزم وابن رشد والشاطبى وابن خلدون ، وبها وحدها ، يمكن اعاده بنيه العقل العربى من داخل الثقافه التى ينتمى اليها ، مما يسمح بتوفير الشروط الضروريه لتدشين عصر تدوين جديد فى هذه الثقافه)((104)).

هكذا ، نستطيع الامساك باحدى العناصر المحركه لهذا الشطح الايديولوجى المهووس بانفصاميه وقطيعه بالغتين. وهما وجهان يخفيان ميلا متنكرا ، الى نوع آخر من الصيروره والاتصال ، فى مستوى خطاب السلطه!

لكنها بالنتيجه تبقى عناصر خطابيه تخلق عالما من المسميات ، امعانا فى نهج الاخفاء! فالمعقول الدينى ، هو الوجه الاخر للعلمانيه التى يطفح بها الفكر المغربى -الاندلسى ، حيث يقوم البيان على البرهان.
(الفكرالرشدى كان اقرب الى فكر عصر النهضه فى اوروبا منه الى فكر ابن سينا «...» ونظريه ابن رشد فى العلاقه بين الدين والفلسفه ، قد تكون اثرت بكيفيه او باخرى فى رواد العلمانيه فى اوروبا)((105)).

وفى مقام آخر ، تكون كامل الفرقه الاندلسيه تجسد هذا المنحى العلمانى ، (فان الفلسفه فى الاندلس ، فلسفه ابن ماجه وابن طفيل وابن رشد ، قد تاسست على العلم ، على الرياضيات والمنطق ، مماسيجعل منها فلسفه علميه علمانيه)((106)).

ولا يتوقف الشطح هنا ، بل يمتد الى ابعد من ذلك ، عودا الى التغليب. فالتفاضل هنا لا يتم الا بالنفى ، (.. كل من عاش او يعيش لحظه ابن سينا بعد ابن رشد ، انما قضى او يقضى حياته خارج التاريخ ، وبالفعل قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ.. لاننا تمسكنا بلحظه ابن سينا ، بعد ان (ادخلها) الغزالى فى الاسلام ، وعاش الاوروبيون التاريخ الذى خرجنا منه لانهم اخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته وما زالوايفعلون)((107)).

هذه اللحظه السينويه ، بقدر ما هى خارجه عن نطاق العقل ، والتاريخ ، هى ابعد ما تكون عن دائره الاسلام ( الدين) ، فقد كان الغزالى هو من تولى ادخالها -ليس فى دائره البيان فحسب- بل فى دنيا الاسلام!! هذه السينويه العملاقه الضخمه ، لم يعترف لها الجابري باى ماثره على صعيد الانا (التراث) او الاخر (الغرب). فاوروبا الناهضه ، المتعلمنه ، قامت على نقيض هذه السينويه الغنوصيه ، السحريه ، الروحانيه.

ولهذا السبب بالذات ، انتهى تمسكنا بلحظه ابن سينا -نحن العرب- الى هامش التاريخ. لا ندرى ان كان الجابري حقا يعى ما يقول -وهو طبعا واعى به- ، اذ فى اى دائره من دوائرنا المعرفيه -نحن العرب- «البيان ام العرفان ، ام البرهان » او فى اى حيز جغرافى او تاريخى ، سادت فيه هذه اللحظه السينويه وكانت لها سلطه تسندها ، وتومنها. مع ان الجابري يتحدث عن العرب ، بينما ظلت السينويه شيعيه عرفانيه ايرانيه.

ربما كان حتما على هذه السينويه التى ربطت مصيرها بالتشيع والعرفان ، ان تقيم هى وانصارها- خلف التاريخ ، مثلما ظلت للاسباب ذاتها خارج العقل ، وخارج المعقول الدينى! حتى ولو انهافى اللحظه التى (كان الفكر الفلسفى ، فى جميع ارجاء العالم الاسلامى ، يغط فى سبات عميق ، قام هولاء المعلمون فى المدرسه (السينويه) الايرانيه يقودون الاسلام الشيعى الى اعلى مراتب وجدانه الفلسفى)((108)). حتى لو تخرج من هذه السينويه رموز علميه ، لها مكانتها فى تراث النهضه الاوروبيه ، ابن الهيثم (965-1038م) الذى كان (لكتابه المناظر وبحثه فى البصريات اثر عظيم على اللاتين فى القرن الثانى عشر. وهو واضع تحليل فى الادراك البصرى لا يزال ، الى يومنا هذا نموذجيا ، وسوف نلتقيه عند فيتلو)((109)).

اوروبا الناهضه تمسكت ب-(ب تتب اپ جآ ) ، هكذا عرفته ، واجتاحها طبه ورياضياته. كما تمسكت بطب الرازى وفلكه ، وكيمياء جابربن حيان. اسماء بارزه كانت اساسا لتلك النهضه العلميه الجباره. وخلال فتره طويله فى تاريخيه النهضه الاوروبيه ، كانت هناك اسماء تتردد ، مثل ، پ ثآث ب تتب اپ جآ ، تب چآب پ آ ، ب ثآب بپ آ هذه اسماء تنتمى لما اسماه الجابري العقل المستقيل وهم -حقا- من قادنا خارج التاريخ! التاريخ الذى دخلته اوروبا حينما اطاحت بهذه الفرقه السينويه! لكننا نملك استئناف الرحله داخل التاريخ. وابن خلدون ، لحظه مهمه فى هذه القطيعه ، بين التاريخ واللاتاريخ. لا نعلم ان كان ابن خلدون نفسه قد وفق الى تطبيق هذا الاكتشاف العلمى ، على تاريخ صراعى ، سلطانى! من منع فيلسوف التاريخ من تحقيق المهمه الثانيه بعداكتشافه منطق التاريخ؟! الجابري ، يرجعها الى محض فشل.

تتوقف الاليه الابستمولوجيه ، والاحالات. فاى ميزه تبقى لهذه اللحظه الخلدونيه ، ان كان التاريخ فيها يجرى خارج عقل التاريخ ، وينزل رتبه اقل ممن سلط عليهم فى (مقدمته) سيف النقوض والطعون! فهل اعادنا -ابن خلدون- حقا الى علم التاريخ؟ (ان تاسيس التاريخ على البرهان كان يتطلب من ابن خلدون خطوتين اثنتين: كان عليه ان يخترع الطريقه البرهانيه الصالحه للتطبيق فى ميدان التاريخ ، اى (منطقا) جديدا خاصا بالتاريخ ، وكان عليه ان يوظف هذا المنطق الجديد توظيفا ينقل التاريخ فعلا من ميدان اللاعلم الى مستوى العلم. اما الخطوه الاولى فقد استطاع ابن خلدون انجازها ، واما الخطوه الثانيه فقد اخفق فيها. لقد نجح ابن خلدون فى اكتشاف علم جديد يصلح ان يكون -على الاقل من وجهه نظره- معيارا صحيحا يتحرى به المورخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه) ، ولكنه فشل فى تطبيق هذا (المعيار فى مولفه التاريخى الضخم..)((110)).

الا ان الجابري ، لا يعطينا تفسيرا موضوعيا عن هذا الفشل. لا يقدمه فى اطاره التاريخى ، وفى بعده المقاصدى ، الذى ظل حاضرا فى الخطاب التاريخى الخلدونى.. اين السياسه فى كل ذلك؟ هنا تكمن صعوبه التناول الابستيمولوجى للظاهره ، حينما يشوبها طلاء الانتماء. او لما تحدق (ميدوزا) المعقول الدينى لتحجر تلك الجراه! هل فشل ابن خلدون حقا فى التطبيق؟ ام انه تراجع عنه؟ فان كان الاخبار الموجه ، والتبديع والاقصاء والمدح والذم ، يكشف عن مجرد فشل فى الانجاز ، فما ذنب مورخى الرسل والملوك! هكذا ، ومن الجهه الاخرى ، نرى طموحا لابتعاث بنيه للفكر العربى من داخل ثقافته. البنيه التى يمكن الامساك بعناصرها الاساس ، فى نقديه ابن حزم ، وعقلانيه ابن رشد وتاريخيه ابن خلدون.. مع اننا لا نكاد نلمس تماهيا حقيقيا فى هذه الاتجاهات المختلفه ، حتى وان جعلها الباحث تنم عن انشغال مشترك ، وتنطلق من قلق واحد! ما يعنى استحاله الوقوف على بنيه ما فى هذه الامشاج المذهبيه. لقد كانت تاريخيه ابن خلدون براغماتيه ، هى ما اعاد الفكر العربى الى الوراء -حقا-. فقد عادى ابن خلدون ، الفلاسفه الذين دافع عنهم ابن رشد ، كما حمل ابن حزم على اهل القياس الذى اقام عليه الشاطبى بناءه الاصولى ، وامتدح طريقتهم ابن خلدون ، وظل ابن رشد سندهم الارسطي((111)).

اى بنيه ستنبعث من هذه الانتماءات المختلفه ، وان كان الجامع بينها ، المجال الجغرافى ، والانتماء الى امراء بنى اميه بالاندلس!؟ لقد اجترح الجابري اسلوبا (فاردا) فى تناول الفكر الشيعى. فلا نكاد نفرق معه ، بين التشيع والعرفان والغنوصيه.

فان كان جزء من التصوف ، هو وحده ما وقع ضحيه الاختراق الغنوصى ، فان التشيع ، اصبح عرفانيامطلقا! لا يكلف الجابري نفسه عناء التفريق بين طبقاته او مذاهبه. لا يجد افتراقا جوهريا بين العرفانيين ، والاماميه ، فالشيعه بالنتيجه ، كلهم باطنيه! وهذا انما يكشف عن جهل كبير بالتراث التأصيلي لدى الإمامية الاثنى عشريه منهم ، على صعيد علم الاصول والدرايه والفقه الاستدلالى! فلقد تبلور عقل برهانى جبار عند الإمامية فى العلوم الشرعيه ابتداء من القرن الرابع الهجرى حتى الان.

ومن هنا ، وحينما نتناول قضيه الاجتهاد ومسائله ، كالبناء العقلانى ، ومباحث الالفاظ التى اقحمها الإمامية فى علم الاصول والمنطق معا ، سوف يتبين ، انهم ، امعنوا نظرهم فى مفهوم القرينه والحد الوسط فى القياس المنطقى ، وهو -حسب الجابرى- ما لم يتقيد به العرفانيون عموما ، والشيعه الباطنيه على وجه الخصوص. ويرجع الجابري ، فى عمليه تسطيحيه ، زعم انها مسهبه ، لضبط الاليه الذهنيه التى يعتمدها العرفانيون والشيعه (فى تاويل الخطاب القرآنى) ، مفهوم الاعتبار او الاشاره ، وهى (القرينه) التى تحل عندهم محل الدليل عند المتكلم ، والحد الوسط عند المناطقه والعله بلغه الفقهاء ، الى مفهوم المماثله (ب پ بتپ آتآ ). وذلك تعبيرا عن القاعده العرفانيه (النظيريذكر بالنظير) او مفهوم (المثل والممثول) الاسماعيليه. لقد حاكم الجابري مفهوم (المثل) بذهنيه بيانيه ، انطلاقا من معطيات المنطق الصورى ، وهو مع ذلك يرى التفسير الشيعى اذا ما اعتبر هذه المماثله لا تخرج عن كونها وسيله ايضاح. فلا وجود لاى مشكله ما دامت تلك هى وظيفه التمثيل ، غير ان الشيعه فى نظره ، يخرجون عن هذه الوظيفه ، ليخلقوا عالما آخر من المطابقه. هكذا يعطينا مثالا عن (تفسيرهم) للايه الكريمه: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فباى آلاء ربكما تكذبان ، يخرج منهما اللولو والمرجان) «الرحمن/55».

فـ (عندما فسر الشيعه قوله تعالى «الايه » بان المقصود ب-(البحرين) : على وفاطمه ، وب(البرزخ) : محمد(ص) وب-(اللولو والمرجان) الحسن والحسين ، فانهم لم يفعلوا اكثر من اقامه مماثله بين بنيتين:الاولى هى تلك التى عناصرها: على وفاطمه ومحمد والحسن والحسين وعلاقه القرابه بينهم ، وهى البنيه (الاصل). والثانيه هى تلك التى عناصرها: البحران والبرزخ واللولو والمرجان والعلاقه التى تقوم بينها ، وهى البنيه (الفرع). وعلاقه المماثله بين هاتين البنيتين كما يلى: محمد/على/ فاطمه ، برزخ/ بحر/ بحر ، على/ فاطمه/ الحسن/ الحسين ، بحر/ بحر/ لولو/ مرجان).

هكذا ، ادعى الكاتب ، بجراه ، انه يقدم فهما ابستمولوجيا للعرفان الشيعى ، من خلال احالته الى عنصر المماثله ، الذى سرعان ما يبارحه العرفانيون ، الى المطابقه! وهنا ابان الكاتب عن عجز الباحث المتسلح بذهنيه البيان الظاهرى ، والبرهان الصورى ، عن فهم حقيقه العرفان الشيعى ، الذى اعتبره -جهلا منه- دون العقل منزله! هذا العقل الذى قيم به الكاتب العرفان والتشيع ، هو ما وصفه اخوان الصفا بالحجاب. اى ذلك العقل الظاهرى الذى يحجب عن الباحث ، الحقيقه المغموره! وما كان على الجابري -حينما طرق مجال العرفان- ان يتحدث عن (تفسير) ، لان آليه هذا الاخير تختلف جوهريا عن آليه التاويل العرفانى. وحتى يتيسر فهم هذه الحقيقه ، يجب اعاده النظر فى عقل البيان ذاته الذى خضع الى بناء مفهومى ، قيد المعرفه ، وحاصر العقل ، وكان بالتالى ، (حاجبا) للحقيقه! وعلى عادته ، يرد الكاتب ، مفهوم (المماثله) او (النظير المذكر بالنظير) ، الى اصل فيتاغورى.
ذلك لاعتبار بسيط ، ان ارسطو ، ذكر ان الفيتاغوريين كانوا يعتمدون كثيرا على مفهوم (المماثله). ينسى الكاتب انه ، فى هذه الاحالات الفجه ، كان يمارس المنهج ذاته ، (النظير المذكر للنظير) ، ويتجاوز الوظيفه الاشاريه للمماثله الى المطابقه..
(منهج المماثله الذى تعتمده العرفانيه الاسماعيليه ، بل كل العرفانيات ، والذى ربما يرجع اصله الى الفيثاغوريين)((112)).

وقد يجهل الجابري ـــ وطبيعى ان يجهل ميدانا كهذا ليس من اختصاصه فضلا عن انه ليس من هواه ـــ ، بانه اساس هذا العقل المماثلاتى ، لم يكن نابعا من اصول اجنبيه ، بل هو اسلوب ثاو فى تعاليم الاسلام ذاته ، كماتضمنتها نصوص القرآن والسنه واقوال الائمه الشيعه. وكان ذلك هو اساس التاويل ، كما مارسه جمهور القراء فى عصر النبي (ص).

لهذا السبب تم احراق نسخ من القرآن فى عصر عثمان ، لجماعه من القراء الذين ثمن النبي (ص) قراءاتهم ، فى عهده ، وشهد بشرعيتها ، مثل ابن مسعود((113)) وابن عباس... ان عصر التدوين وما جاء به من مفاهيم ، مثل الاجماع ، واولويه الظهور العرفى للالفاظ ، وانقسام المعنى الى حقيقه ومجاز ، والمعنى الوحيد الحصرى للفظ الواحد ، كلها مفاهيم ، كانت قد قضت على احدى اهم ركائز التاويل ، الا وهى: فكره (تعدد الوجوه). والعاده التى سار عليها القراء فى عصر الرساله وبعدها -الى ما قبل عصرالتدوين- لم تكن هى تفسير القرآن ، وفقا لهذه المعياريه البيانيه المشيده على البرهان الصورى.. حيث يستبد اللفظ بالمعنى ويحجر عليه. لقد كانوا (موولين) بواسطه (تعدد الوجوه) او ما يعرف (بتعددالقراءات)((114))! هكذا ارتبطت (الفتيا) -وبالتالى الفقه والدرايه فى مفهوم ما قبل التدوين- بالتاويل((115)).

وفى التفسير الماثور ، نعثر على عينات من هذه المماثله الفيثاغوريه -ان جاز هذا الربط الجابرى- فى فهم النصوص ، فقد فسر النبي (ص) كلمه الظلم ، بالشرك ، فى الايه (الذين لم يلبسوا ايمانهم بظلم) على اساس المماثله ، بالاحاله الى وصيه لقمان لابنه: (يا بنى لا تشرك باللّه ، ان الشرك لظلم عظيم).
وهو منهج قام عليه التاويل وهو مناط تفسير القرآن بعضه ببعض.. هكذا يسهل علينا فهم قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه ، فاولئك هم الظالمون) اى المشركون ، وهكذا تنتظم تلك العلاقه المعنويه بين كل من الشرك والكفر والظلم.
لسنا ، بعدئذ ، نعرف ، ان كان مفهوم (ب پ بتپ آتآ ) ، هو موروث المعقول العقلى اليونانى ذاته ، الداعم للمعقول الدينى ، ام انه كان القاعده الابستمولوجيه الرئيسيه للعرفان المتهرمس ، ام كان ذلك وسيله الجابري نفسه فى ربط هذه بتلك واحاله هذا الى ذاك.

ويدعى الجابري ان العرفانيين ، متصوفه كانوا ام شيعه اماميه ام اسماعيليه ، مجمعون على ان العقل (حجاب) ، ولهذا يقول: (والواقع ان العقل حجاب يمنع من الانزلاق بالمماثله الى المطابقه ، من القفز من النظر اليهاعلى انها مجرد وسيله من وسائل الايضاح الى اتخاذها اساسا ل (البرهان)((116)).

ومن هنا كان التشيع فى طليعه التيارات القائمه فى ، والداعمه ل-(اللامعقول)! ما هو جدير بالذكر ، ان البحث المعمق فى مفهوم العقل ، من خلال تعاليم الائمه الشيعه ، يكشف عن ان المعنى المراد ، هنا -بالحجاب- هو ما شاع تداوله فى عصر التدوين. اى ذلك العقل الموقنم الذى يحد من امكانات العقل المتعدده ويحكم على الحقيقه بالظهور السطحى لها. ذلك الظهور الذى يعزر السلطه ولا ينفيها! على هذا الاساس كان قياس العرفانيين والشيعه ، دون جامع ، (القياس العرفانى اذن ، قياس بدون جامع ، بدون حد وسط. بدون رقابه عقليه.
انه انزلاق بالمماثله بوصفها مشابهه فى العلاقه بين بنيتين الى المطابقه بينهما بصوره تجعل الواحده منهما مرآه للاخرى..)((117)).

هنا ، يخلط الكاتب بين مفهوم الاعتبار ومفهوم الحد الوسط القياسى. الاعتبار هو اماره تفتح المجال للانتقال الى علاقات اخرى ، وايضاحات اخرى ، وبالنتيجه الى مطابقات ، ما دام الكشف عن الواقع احد مقاصدالاعتبار! وافساح المجال -ايضا- امام العقل ليعانق المعانى الممكنه والمحتمله ، التى يتيحها النص. هنا تتاكد سلطه النص وديناميكيته فى كبح المعنى واظهاره حسب منطقه الداخلى. فالاعتبار هو مفتاح هذه الديناميكيه التاويليه ، التى قبل ان تكون (مماثله) ، كانت عمليه تفكيك وتركيب ، بالمعنى الدياليكتيكى للتركيب((118))! العمليه التى بها -فقط- يتم انماء المعرفه ، واخراج النص من تحجره! فلا يمكن القول -اذن-ان القياس العرفانى (الاعتبار) هو قياس بدون جامع وبدون رقابه عقليه الا اذا فهمناه فى ضوء تلك العلاقه التمثيليه ، كما يهوى الباحث ممارستها. وليس انزياحا من العلاقه الايضاحيه الى المطابقه.
انه آليه مستقله تقع-عكس ما نحى الجابرى- فوق العقل ، عقل البيان ، بتقنياته البرهانيه الظاهريه والقياسيه والتفسيريه.

فالنص هنا كائن حى ، متحرك.. يملك ديناميكيه تجعله قابلا لمواصله اضاءاته. النص الذى ان اخضعناه الى تقنيات البيان الجابريه (الظاهريه) ، سوف يموت مع (اسباب النزول)((119)) .

ومع (اسبقيه الحقيقه على المجاز)! يبقى نصا ميتا يستصحب للذكرى والتبرك ، لا ليكون بوره معرفيه متواصله ، او ليكون (فيه تبيان لكل شيء)((120)) «النحل/89» ويبقى المستوى الدلالى الاستبدالى للباطن غير مستواه السياقى الظاهرى ، هو معنى المعنى ، كما يسميه عبد القاهر الجرجانى((121)). هذه الخاصيه الديناميكيه لنص يتمنع على بيانيه صوريه ، لا يجد ماواه الطبيعى الا فى هذه الهرمينيوطيقيه الاستبداليه! فلا شبه بين طبيعه الاستنباط العرفانى والاستنباط البيانى.

الخلاف بينهما فى الطبيعه والوسيله معا ، وليس فى الوسيله فقط ، كما ذهب الجابرى. والعقل الذى اعتبره الشيعه (حجابا) لم يكن المراد منه (العقل) بما هو القدره البشريه على التامل المحض. فاذا ما رفض الشيعه او عموم العرفانيين آليات عصر التدوين ، فذلك لا يعنى رفض العقل! هذامع اننا نرى ان القياس والمماثله التى لا تنتهى الى المطابقه ، هى تلك الاليه البرهانيه التى مكنت عقل البيان من الانخراط فى دائره (المعقول العقلى) و-(المعقول الدينى).. لكننا نجد معارضه شديده لهذه الاليه ، من دائره البيان ذاتها ، لا ، بل من دائره البيان الاندلسى ، ابن حزم الظاهرى فى الفقه وابن مضاء القرطبى فى النحو. كما ان قياسا كهذا والعليه التى حاربها انصار الظاهريه الجابريه ، مما كافح ابن سينا وحاشيته لتثبيته.اولئك الذين يوهلهم دفاعهم عن هذه المضامين البرهانيه -عند الجابرى- ليظفروا بموقع خارج دائره العقل المستقيل.

دعنا نرى فى احدى نصوص اخوان الصفا ، وهم فى زعم الجابري انصار العقل المستقيل ، وان رسائلهم هى مدونه هرمسيه ، ان كان فعلا اخوان الصفا يقفون هذا الموقف من العقل والفلسفه والعلوم: (ولكن اشرهم على اهل الدين والورع ، واضرهم على العلماء ، واشدهم على عداوه الحكماء ، هذه الطائفه الظلمه المجادله المخاصمه.. الذين يخوضون فى المعقولات وهم لا يعلمون فى المحسوسات ، ويتعاطون البراهين والقياسات وهم لا يحسنون الرياضيات ، ويتكلمون فى الالهيات وهم يجهلون الطبيعيات ، ويتصدرون فى المجالس ويتجادلون فى اشياء لا تفيد فى الدين علما ، ولا تنتج فى الحكمه فائده ، مثل كلامهم فى التعديل والتجويز والجزء الذى لا يتجزا... ويعارضون الحكماء والعلماء ، ويشنعون عليهم مثل قولهم: ان علم الطب والنجوم باطل ، وان الكواكب جمادات وان الافلاك لا وجود لها ، وان علم الطب لا منفعه فيه ، وان علم الهندسه لا حقيقه له ، وان علم المنطق والطبيعيات كفر وزندقه)((122)).

ولمزيد من الاطلاع ، يذكر اخوان الصفا كلاما آخر: (اعلم ان فى الناموس اقواما يتشبهون باهل العلم ويتدلسون باهل الدين ، لا الفلسفه يعرفونها ، ولا الشريعه يحققونها ، ويدعون مع هذا معرفه الاشياء ، ويتعاطون النظر فى خفيات الامور الغامضه البعيده ، وهم لا يعرفون انفسهم التى هى اقرب الاشياء اليهم ، ولا يميزون الامور الجليه ، ولا يتفكرون فى الموجودات الظاهره المدركه بالحواس المشهوره فى العقول ، ثم ينظرون فى الفطره والفلقه والجزء الذى لا يتجزا وما شاكلها من المسائل فى الامور المتوهمه التى لا حقيقه لها فى الهيولى ، وهم شاكون فى الاشياء الظاهره الجليه ، ويدعون فيها المحالات بالمكابره فى الكلام والحجاج فى الجدل ، مثل دعواهم ان قطر المربع مساو لاحد اضلاعه ، وان النار لا تحرق ، وان شعاع البصر جسم يبلغ فى طرفه عين الى فلك الكوكب ، وان علم النجوم باطل ، وما شاكل ذلك من الزور والبهتان فاحذرهم يا اخى ، فانهم الدجالون الذلقون الالسن ، العميان القلوب ، الشاكون فى الحقائق ، الضالون عن الصواب)((123)).

هذا النص ، يكفى ردا ، على ادعاء الجابري ، بان اخوان الصفا او السينويه التى كان لها الفضل فى التاسيس للقياس البرهانى ومساله العله التامه ، فى الاسلام ، لم يكونوا اعداء للعقل! كيف يتصور المرء ، ان من هذا الماوى الظلامى ، القاتل للعقل ، والهائم فى (فلسفه التحظيم الذاتى).. ان تتخرج عبقريات الطب والهندسه والرياضيات والبصريات والكيمياء والفلسفه؟! .

لقد تحدث الجابري عن كتاب (الكافى) للكلينى ، غير اننى ارجح انه لم يقرأه ، قراءه عالمه! او لعله لم يطلع عليه سوى فى مصادر غيره! ولو انه قراه تلك القراءه المذكوره ، لوجد ان هذه المدونه التى تعتبر اهم جامعه اخباريه لدى الشيعه ، جعلت اول كتاب لها ، (كتاب العقل والجهل) ، وفيه نقرا عينات من الاخبار الداله على قيمه العقل فى مستوى المعقول الدينى والعقلى.

نقرا ، مثلا: عن ابى جعفر قوله: (لما خلق اللّه العقل استنطقه ثم قال له: اقبل فاقبل ثم قال له: ادبر فادبر ، ثم قال: وعزتى وجلالى ما خلقت خلقا هو احب الى منك ولا اكملتك الا فى من احب ، اما انى اياك آمر واياك انهى واياك اعاقب واياك اثيب)((124)).

قال الرسول(ص) فى ما يرويه الكلينى ايضا: (ما قسم اللّه للعباد شيئا افضل من العقل ، فنوم العاقل افضل من سهر الجاهل واقامه العاقل افضل من شخوص الجاهل ولا بعث اللّه نبيا ولا رسولا حتى يستكمل العقل ، ويكون عقله افضل من جميع عقول امته وما يضمر النبي (ص) فى نفسه افضل من اجتهاد المجتهدين ، وما ادى العبد فرائض اللّه حتى عقل عنه ولا بلغ جميع العابدين فى فضل عبادتهم ما بلغ العاقل والعقلاء هم اولوالالباب الذين قال اللّه تعالى (وما يتذكر الا اولو الالباب)((125))).

ولا ضير فى ان نعرض تلك الوصيه التى تلقاها هشام-ابن الحكم عن موسى بن جعفر كما اوردها الكلينى فى (الكافى) ، مع بعض التصرف.. يقول: (يا هشام ، ان اللّه تبارك وتعالى اكمل للناس الحجج بالعقول ونصرالنبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالادله «...» يا هشام ، ان العقل مع العلم فقال: (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون) «...» يا هشام: ان للّه على الناس حجتين: حجه ظاهره وحجه باطنه ، فاما الظاهره فالرسل والانبياء والائمه واما الباطنه فالعقول)«...» يا هشام ، كان امير المومنين (على بن ابى طالب) يقول: ما عُبدَ اللّه بشىء افضل من العقل...)((126)).

اذن ، لقد كان التشيع -والعرفان فى طريقه- هو ما سوف يضحى به الجابري فى مشروع اعاده انتاج موقف السلطه ، موقف المعقول الدينى المتسلح بالمعقول العقلى ، على تلك الاسس المتينه. وقد سحقت الاليه الخطابيه (الجابريه) كل من صادفت فى طريق التشيع ، حتى العرفان السنى. فالعرفان هو مظهر ذلك الوافد الهرمسى ، الذى انتقل الى الحقل الثقافى العربى ، محدثا بذلك رده عقليه ودينيه. هاهنا يسفر مارد السياسه عن وجهه! لقد كانت الغنوصيه والهرمسيه تيارين يهددان الاسلام.. سواء من حيث هما اجنبيان عن الفضاء الثقافى العربى ، او لكونهما تياران ظهرا فى الازمنه المتقدمه على الاسلام. ولهذين الاحالتين ، ابعاد وظيفيه ينبغى فهمها على حقيقتها. فالقديم هنا يحيل على ما قبل الاسلام ( جاهليه) والاجنبى ، الى المعادى والمحارب ( دار الحرب)! لهذا السبب -بالذات- سوف تنفتح عليهما قوى الاعتراض داخل المجتمع العربى والاسلامى ، ولان التشيع فى مقدمه تلك القوى ، سيكون اول من يتهرمس فى الاسلام. ولانه يمثل طليعه هذا الاعتراض.. ( الرفض) ، فسوف يكون والاكثر ايغالا فى الغنوصيه والهرمسيه..
اى ، متهرمسا كله! هذه الغنوصيه المعاديه ، لم تكن مناقضه للاسلام بحسب طبيعتيها القديمه ( الجاهليه) او الاجنبيه ( المناقضه) ، بل هى ايضا محاربه له! والجابرى ، هنا يدمج بعدين لهذه الحرابه: بعد الدين وبعد السياسه.. (الغنوص اذن كان يحارب الاسلام دينيا وسياسيا ، وفى هذا النضال استعان الاسلام بالفلسفه اليونانيه وعنى بايجاد عالم من العلوم الدينيه العقليه يشبه عالم العصر المدرسى فى اوروبا العصور الوسطى. فكان الاسلام الرسمى قد تحالف اذن مع التفكير اليونانى والفلسفه اليونانيه ضد الغنوص)((127)).

هكذا ، فمن الطبيعى ان يعادى الشيعه الاسلام الرسمى ، ما دام اساس عقيدتهم قد شحن بهذا الموروث الغنوصى ، المعادى -مبدئيا- والمحارب ، للاسلام. وتدويلا لهذا الصراع ، ينتقل عدوان الشيعه الاصيل للاسلام -الدين ، الى عدوان ضد الاسلام- السلطه. فى النتيجه ، نكون امام معارضه منبعثه من موقع العداء للاسلام -الدين ، وليس من داخل الواقع التاريخى وتمخضاته الاجتماعيه والسياسيه. فهى ماوى للخارجى ، الوافد ، اما انتقالا منه اليها ، او هروبا ، منها ، اليه! فى كل الحالات ، سوف يتازر الجانبان الى درجه التماهى ، ليحققا -معا- (الغنوص والشيعه) وظيفه مشتركه: القضاء على الاسلام! .

فى مقابل ذلك ، سينفتح الاسلام الرسمى -المعقول الدينى- على الفكر اليونانى -المعقول العقلى- يتازرا فى سبيل القضاء على (الغنوص) عدو المعقول العقلى ، والشيعه ، اعداء المعقول الدينى. المعارضه هى ، اذن ، ماوى للتامر ، للامعقول ، للادين! فقد (كان المناهضون للحكم العربى من الاقليات الدينيه والمانويه خاصه ، يطعنون فى القرآن وفى مصدره الالهى بدعوى ان معانيه معروفه لا جديد فيها وان ما فيه من اخبارمستقاه من التوراه او من الموروث القديم بصوره عامه)((128)).

اما السلطه ، وهى هنا -امويه او عباسيه- القائمه على (العصبانيه) الخلدونيه ، و(القبيله -الغنيمه) الجابريه.. فهى بسحر ، ساحر ، ترقى الى منزله المعقول الدينى ، والمعقول العقلى. وبحلم المامون -الذى كان شديداعلى المعقول الدينى الحنبلى- يتم هذا الفصام ، بين خندقين((129)).

هكذا يتحدد انتساب الباحث عن بنيه العقل العربى ، او بالاحرى الناحت لبنيه عقل السلطه. وينخرط بكل قوه فى صراع قديم ، متجدد اوبالاحرى ، متسلل. وبالوسائل التى تنطوى على المضامين نفسها ، فيحل (الهروب العرفانى) محل الخروج والرده ، و(اللامعقول العقلى) محل الجاهليه ، و(اللامعقول الدينى) محل الكفر والزندقه. انها اسماء تحمل المضامين ذاتها ، القديمه ، التحامل والنفى والاقصاء ، اسلوب الطعون وتسويغ الامر الواقع! هنا يوجد جدول ان اى شكل من الاعتراض ، سياسيا كان ام مذهبيا ، هو بالتالى كفر ، وخروج عن الاسلام.

فمن لا يرى راى السلطه السياسيه ، فهو كافر متزندق. بقدر ما تكون معارضا سياسيا ، تكون كافرا متزندقا ، من عارض تزندق.على هذا الاساس يقوم مشروع العقل العربى (الجابرى)! رشديه ، توسس لعلمانيه ، توسس لمعقول عقلى ، هو وسيلتها التسخيريه لدعم سلطه زمنيه ، تمت على اثر حلم -مطبوخ- ورويا -مدبره- للمامون! لم يحدثنا الجابري ، ان كان المعقول العقلى اليونانى الذى سخرته السلطه فى مواجهه معارضه متهرمسه ، هو ذاته قد يعادى المعقول الدينى.

فان كان الباحث قد اعطى الطبيعه التسخيريه لهذا المعقول العقلى اليونانى لصالح السلطه ، كيف لا يرى فى غنوصيه فارس والاسكندريه وجند سابور.. وسيله تسخيريه للمعارضه ، ان كان الامر ، ولا بد ، يجب ان يخضع الى هذا الشكل من التسخير او الاختراق! هذا ، من دون ان ننسى دائما المحاوله الحثيثه لتسويغ الواقع السياسى ، والطعن فى كل بادره للتغيير. التغيير لا يمكن ان ينبعث من الداخل ، ان هناك دائما عناصر دخيله ، وافده ، غازيه.. هى من يحدث ذلك التغيير -الغدر ، التغيير -التامر..التغيير- العدوان! ولكى يخفى الجابري غلوه العراكى ، يتبرا من ان يكون قد خاض حربا ايديولوجيه.. (وذلك ما حاولنا القيام به ، لا يهدف شن حرب ايديولوجيه عليه ، بل فى اطار تحليلنا النقدى للنظم المعرفيه فى الثقافه العربيه)((130)). ص هذا الكلام الطارى عن براءه مشوبه ، يعنى ان عنصرا عدائيا ، عراكيا ظل مستورا تحت هذه البراءه المزعومه.
نعم ، اننا برويا المامون ، سنقصم ظهر غنوصيه وافده ، محاربه.
غنوصيه فارسيه ، او شيعيه ، فى عصر المامون ، حيث سلطه العجم والخراسانيين.. وحيث هذه الرؤية المامونيه ستخوض حربا بلا هواده فيها على اهل الحشو والحديث ، وتحديدا ، سيكون ضحيه هذه اللحظه ( القطيعه) ، احد قمم العقلانيه ( المعقول الدينى) : ابن حنبل! هكذا تكون الورقه رابحه من كلتا جهتيها.
حلم يوسس للمعقول الدينى -بفتح المجال امام المعقول العقلى- ويبطش ، البطشه الكبرى ، بالمعقول الدينى ( ابن حنبل وجماعته)! لقد ظل الجابري يبحث عن العرفان كبنيه عامه. لذلك بدت له آثاره ماثله فى مختلف مكونات الحقل الثقافى العربى والاسلامى ، عند الشيعه ، والمتصوفه! .

لكن ، سرعان ما ينزاح الباحث عن هذا المسلك الابستمولوجى ، ليبحث فى عمليه انتقال الموروث العرفانى من التشيع الى التصوف السنى ، ذلك الانتقال ، الذى تم بواسطه الاطلاع! فالحاجه الى العرفان لدى الشيعه ، مصدرها ، مروق وزندقه وتبييت ، وتواطو بين محارب الاسلام -الدين- ومهدد الاسلام -السياسه- فى ضوء التماهى المذكور ، بغض النظر عن اى اساس ابستمولوجى لهذه العرفانيه الطافحه ، ولاى باعث اجتماعى او سياسى لها. لكنه لا يذكرنا ، على اى وجه تقبل التصوف السنى هذه العرفانيه المتشيعه او المتهرمسه! هل ثمه دوافع الدوافع نفسها: محاربه الاسلام ( الدين والسلطه)؟ لا نعثر على تبرير حقيقى لذلك! غير ان العرفان المتهرمس ، كان قد دخل دائره البيان السنى بفعل الاطلاع العفوى ، لعالم رحاله ، وليس لحاجه ابستمولوجيه او اجتماعيه. ربما كان بسبب خروج ابن عربى ، من حيزه الجغرافى ( الاندلس) ، فى سفرته الى الشرق ، هى سبب هذه البلوى ، اطلاعه على مقالات الاسماعيليه ، وربما ، بصوره مباشره ، على الكتابات الهرمسيه.

هذه البلوى تبدا بمبارحه المكان ، الذى اطربه الباحث فرقته الصامده فى وجه اللامعقول العقلى والدينى على السواء. هذه المبارحه من المكان ، لم توثر فى احدى عناصر الفرقه المغربيه ، ابن خلدون ، مثلا.

اذن ، الامر ، حينما يتعلق بالعرفان ، وصلته بدائره البيان ، يكون شكلا من اشكال الغزو.. (.. ومن جهه اخرى ، فان هذا (الغزو) العرفانى لدائره البيان الذى حصل فى وقت كان فيه هذا الاخير قد استكمل تشييدصرحه المعرفى)((131)) ، وليس مثاقفه من قبل عناصر منتميه الى عالم البيان ، ربما ساعدها -او حفزها- الموقف من السلطه الى فك عزلتها داخل هذا التلقين المعرفى الصلب! فالعرفان ، مهما بلغ امره فى دائره البيان ، ولدى (قمه العرفان فى الاسلام)((132)) ابن عربى ، فانه لا يتجاوز اطار الحقيقه والسلوك الى مجال الشريعه.. فعلى (الرغم من تصوفه الباطنى الصريح والجامع «اى ابن عربى » يقول بالاخذ بالظاهر فى مسائل الشريعه ، كما نجد خطابه الباطنى ذاته مطبوعا بالطابع البيانى ، سواء على مستوى المصطلح والمفاهيم او على مستوى طريقه التعبير وآلياته.

وهكذا يمكن القول ان ابن عربى كان بيانيا فى باطنيته..)((133)). مع ان الباحث لا يوضح ، ان كان هذا الموقف مبيتا من ابن عربى ، تفاديا لبطش الفقهاء ، ودهاقنه المعقول العقلى ، الظاهرى! .

لكن وبغض النظر عن ذلك ، فان هذا النص يكشف عن سياق ما ، انشغل الباحث بانمائه لان هذه الرؤية القاسيه ، لطبيعه العرفان ، الغازى للبيان ، ليكون العرفان وهو صنعه تامريه بدعيه ، شيعيه فى الاساس ، تجد قمتها فى شخصيه تنتمى لدائره البيان -السنى ، والمجال الاندلسى- تفقد مدلولها حينما ينتقل الجابري الى سياق آخر ، هو ان ابن عربى الذى جنب مسائل الشريعه ، باطنيته ، وقال بالظاهر ، سوف يعمل على توسيع دائره العرفان لتشمل الشريعه ، فضلا عن الحقيقه.. (وهكذا ، وبمنطق اهل البيان وبالاستناد الى مرجعيتهم وآلياتهم فى الاستدلال ، يوسع ابن عربى دائره العرفان لتشمل (الشريعه) فضلا عن (الحقيقه) ، جاعلا من الكشف ليس فقط تجليا للذات الالهيه للعارف بل ايضا (العلم اليقين) بما هوصحيح وما هو غير صحيح فى الشريعه)((134)).

هكذا يغزو ابن عربى بباطنيته مجال الشريعه ايضا ، فضلا عن الحقيقه! هذا ناهيك عن التهافت الداخلى لهذه القراءه المتشنجه ، حينما ادعى الجابري ان ابن عربى كان يعرض العرفان بآلية بيانيه. كيف ، بعد هذه المحاوله المستميته لانزال العرفان وآليته الذهنيه منزله ادنى من منزله العقل.
كيف تستطيع آليه المعقول الدينى والمعقول العقلى ، ان تحتضن -من دون نشاز- ذلك اللامعقول الدينى واللامعقول العقلى! كيف ، اذاكانت آليه العرفان تتجلى فى ذلك الانزياح عن المماثله من دون رقابه عقليه ، ان تحافظ على شطحها وحقائقها ، حينما تعرض باليه بيانيه متشدده! وهل العقل -الحجاب كما اجمع العرفانيون ، يستطيع ان يقدم العرفان ، ويحدث بذلك اختراقا لدائره البيان. اذن ، لما بقى العرفان ، عرفانا ، ولما كان لدائره البيان فضل فى ايجاد الرقابه العقليه الحصينه لعالمها المعقولى! .
فهذا -كما سبق قولنا- لا يعبر عن تناقض. لان الجابري ، وهو يوسس لمشروع يكتنفه الكثير من الغموض ، لم يكن يمثل عقلا بيانيا ، حتى يكون التناقض مذمه له حينما يكون متهما به. بل هو ناحت فى التراث على اساس عله غائيه ، تضحى بكل ما من شانه اعاقه النتيجه!ولذلك ، تظل المعياريه ، حتى فى هذه الحدود الضيقه ، متصله بمعياريه القرب او البعد من السلطه.
فكلما اتجهنا نحو المعارضه ، كلما توغلنا فى مجاهيل الغنوص والهرمسيه ، او بتعبير آخر: تزندقنا واوغلنا فى الكفر ، حتى اذا دخلنا فى اقوى معارضه (التشيع) ، كنا قد دخلنا الهرمسيه ذاتها ، ما دام ان التشيع قد تهرمس نهائيا. وكلما اقتربنا من السلطه ، كلما اتجهنا صوب عقل البيان ، المعقول الدينى ، الاجماع ، او بتعبير صريح ، دخلنا:الاسلام!اتجاه الاسلام اتجاه السلطه اتجاه المعارضه اتجاه الكفر كلما تقدمنا فى اتجاه السلطه ، تقدمنا تبعا لذلك باتجاه الاسلام ، والعكس صحيح.

بهذا يكشف الجابري ، فى مغامرته التجزيئيه والتغليبيه ، فى حقل التراث العربى والاسلامى ، ومن خلال جراته ، واستسهاله لمخاطر هذا الحقل ، عن انه كان يوسس -وهو لا يناقض نفسه ، اى انه واع ، جدا ، بخطواته الفكريه -لخطاب سلفى ، عمل على تحيينه ، وتجديد اصطلاحاته مع الابقاء على مضمونه. خطاب تتجسد حرفيته وظاهريته- المعاديه للمعقول العقلى ذاته- فى دائره البيان! انه خطاب يعانق منطقا بيانيا ، صوريا ، تشوبه سلفيه ظاهريه حروفيه ، تجللهما معا ، سلطويه متمركزه. وقد يكون من المناسب ان نقول ، ان اكثر العناصر عداء للمعقول الدينى والعقلى ، ظلت هى ، هذا الثالوث المسيطر ، ذو الاضلاع الحميمه المتكامله ، خطاب غاياته سلطويه ، قاعدته سلفيه وذهنيته ظاهريه! اذا كان ذلك ما تراءى للجابرى بخصوص التشيع ، وفى مجال الحقيقه ، فان ميدان الشريعه ايضا طاله قسم من الطعون ، حينما اعتبر الشيعه لا يظفرون بفقه فعال. انه (فقه متوارث).

وليس ذلك مرده فقط ، الى قصورالمصادر التى استند اليها الباحث ، ولم تسعفه فى تكوين رؤية حقيقيه حول طبيعه النظر الفقهى عند الإمامية ، كما ليس مرد ذلك الى الخلط بين الإمامية والاسماعيليه حيث لم يقع نظره على تراث فقهى كبير لدى الاسماعيليه ، يضارع تراثهم الفلسفى! بل مرد ذلك الى نظره معكوسه ، تقلب وجه التراث ، ويتحول المتوارث الى الديناميكى ، والعكس صحيح! لقد صادر الجابري على ان الزمن الشيعى مغلق ودائرى. وهو فى ثباته كالمكان. ومن هنا فالشيعى او العرفانى ، يرى نفسه قادرا على الحراك فى كل اتجاهاته ، الزمن بتخارجاته الثلاثه.. كما يملك الحضور فيه والغياب عنه.

من هنا لا بد من ان ينتهى الى المصادره على ثبات فقههم وطبيعته الوراثيه ، على اساس المنظور الكوربانى حول فلسفه المعاد او انتظار ظهور الحقيقه المستوره ، (الظهور التام). فالفقه هو بالتالى نتيجه اجتهاد. وثمره نظر متواصل يلحظ الواقع وتطور الزمن. من هنا اهميه المقاصد.

طبعا ، الجابري لم يكلف نفسه البحث فى التراث الفقهى الإمامي ، حتى يستطيع بناء حكم كهذا ، توصل اليه من طريق تكهنى ، وقياس ناقص! وكان يكفيه ان يتساءل ، ان كانت ظاهره (الحفاظ) مما شهده التراث الشيعى ، طالما ان ظاهره الحفاظ كانت ملازمه لكل فقه متوارث. اما الدائره التى يقف عليها مشروع الجابري الظاهرى ، فقد احتضنت ظاهره الحفاظ ، وساهمت فى انهاء (قصه) الاجتهاد ، فى القرن الرابع الهجرى.

وهو بالذات ، زمن الاجتهاد الفقهى الشيعى ، الذى سيثمر مع مرور الزمن ، تراثا فقهيا وعقلانيا مهما ، كما سنوضع فى ما بعد! ان هذه الانتظاريه -التفاوليه- التى اساء الجابري استيعابها ، تتحول الى زمن دائرى ، وقار. فى حين ، هى جوهر لحقيقه روحيه وسياسيه ، كافره بالزمن السيال على دروب التظلم. اى الزمن المتحرك على غير ممشاه الحقيقى ( الزمن الثابت)((135)).

فالوجه الاخر ، لهذه الثباتيه الزمانيه ، هى الديناميكيه الفعال ، المتحركه بكيفيه اراديه ، تجعل الانسان سيد مجاله ومداه! فالعقل الشيعى ، ككل عقل ، فعاليه ذهنيه ذات اصل غيرمفارق. وهناك فضاءات اشتغل فيها هذا العقل فكانت بذلك احدى تلويناته ، كونه عقل انبثق عن ماساه.

وتتحول تلك الماساه الى نظام رموز واشارات ، تبقى هى اللون الطاغى على الفكر الشيعى اليومى ، تشده بالماساه ، تركزها وتخترق بها الزمن ، لتتحول الماساه الى الذاكره المعاشه والخارقه فى آن. تتعالى على الزمن ( الزمن الردى ء) فى نغمه متصله ، تجعل من كل يوم عاشوراء ومن كل ارض كربلاء! .

ان ما يبدو زمانا مغلقا وعقلا مانعا ، هو عقل التزام! وعقل الرفض لمنشيء الماساه ، «الماساه مله واحده ». فالزمن الماساوى ينغلق ليزداد وعيا بماساويته. فلا ينفتح الزمان المغلق الا مع التغيير ، ليكون الانفتاح حقيقيا.كان العقل الماساوى ، يستبعد وجود الزمان المنفتح من دون تغيير.

المانعيه هنا هى تحقيق لعقل ملتزم ، تصل به القناعه بالتغيير الى مستوى (نكن او لا نكون)! ومع ذلك ، فان العقل الشيعى لم يقتصر على عقل الماساه ، بل تجاوزها ، ليلامس ما سماه بعقل العقل ، بتقنيات المعاقله العالمه! ففى المنطق والاصول والفقه.. لم تحضر الماساه بثقلها كله ، ولا كان هناك مجال لاى هرمسيه -جابريه- مزعومه.

ينهض العقل الشيعى ليرتفع بالعقل الاسلامى الى ارقى مداركه! هكذا اثمر الزمان الشيعى ، المتظاهر بثباته الكاذب ، المحتال ، تطورا فلسفيا ومعرفيا هائلا. اقتحم دائره البيان ، دائره الزمان المتحرك ، المنفتح ، احدث تغييرا رهيبا ، فى التاريخيه الاسلاميه وجغرافيتها. ناضل ، ثار ، حكم ، اجتهد! بينما ظل الزمان البيانى ، الحراكى ، متيما بسلفويته ، ارتجاعيا ، مهادنا ، (حفاظيا) ، حشويا ، زمانا متوقفا!


ـــ نهاية الفصل الأول من الكتاب ـــ


يتبع ...








  رد مع اقتباس
قديم منذ /25-07-2009, 12:47 PM   #4

أبوعلي99

الصورة الرمزية أبوعلي99

 رقم العضوية : 6357
 تاريخ التسجيل : May 2009
 جنسك : ~ الجنس: male
 المكان : صغيرة لكن في قلبي كبيرة
 المشاركات : 745
 الدين , المذهب : رافضي
 النقاط : أبوعلي99 is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 9
 الهوايات : محاربة النواصب

أبوعلي99 غير متواجد حالياً

افتراضي

كتاب قيم
بارك الله في المؤلف
وشكراً أخي مرآة التواريخ














التوقيع - أبوعلي99

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نقاش حول كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب).. المسمري قسم الحوار الإسلامي 28 17-04-2009 04:31 PM
بإمكان الأخوة تنزيل كتاب: (هوامش نقدية على كتاب آية التطهير وعلاقتها بعصمة الأئمة) التلميذ قسم الحوار الإسلامي 50 03-01-2009 06:27 PM
حقيقة كتاب فصل الخطاب في "إثبات" تحريف كتاب ربّ الأرباب أين وأين ؟!! الحيدري الحسيني قسم الحوار الإسلامي 83 06-11-2008 08:39 PM
تحميل كتب المستبصر الدكتور محمد التيجاني ، اول مرة 11 كتاب متين العلوي قسم المستبصرين 6 02-11-2008 01:56 AM


الساعة الآن 11:12 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education