العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإسلاميـة > قسم حوار الأديان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /14-08-2011, 03:20 AM   #1

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي دراسات يهودية


حوار مع الدكتور جعفر هادي حسن الأكاديمي
المتخصص في الشؤون اليهودية والصهيونية

يعتبر الدكتور جعفر هادي حسن من الأكاديميين المتخصصين في القضية اليهودية والصهيونية والملمين بها. في هذا الحوار يلقي الأضواء الكاشفة على حقيقة الصراع الدائر بين العلمانيين والمتدينين والفرق الدينية اليهودية والأحزاب اليهودية الموجودة في الكيان الصهيوني أو في الولايات المتحدة الأمريكية. كما يتطرق الأستاذ جعفر هادي حسن إلى معاناة اليهود المغاربة داخل الكيان الصهيوني وإلى التحالف الحاصل حاليا بين الصهيونية والمسيحية اليمينية الأمريكية. وهذا نص الحوار الشامل معه:

هل تقوم الدولة اليهودية على رؤية دينية؟

لا تقوم الدولة اليهودية على رؤية دينية، ومؤسسوها لم يستولوا على فلسطين بسبب معتقد ديني لأن الغالبية العظمى منهم لم يكونوا يؤمنون باليهودية كدين سماوي حتى أن هؤلاء رفضوا إضافة كلمة الرب عندما اقترحها المتدينون أن تكون في ما يسمى ببيان الاستقلال.

وقوانين الدولة اليهودية اليوم هي قوانين غير معتمدة على الشريعة اليهودية بل هي قوانين يشرعها الكنيست (البرلمان). ومنذ بداية ظهور الدولة وافق بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل على أن تكون بعض القضايا المدنية تحت سيطرة اليهود الأرثوذكس مثل الزواج (ليس هناك زواج مدني في إسرائيل) والطلاق والاعتراف بيهودية اليهودي. وكذلك وافق بن غوريون على أن يكون السبت عطلة رسمية وكذلك المناسبات الدينية الأخرى. وكان بن غوريون قد وافق لهم على تأجيل طلاب المدارس الدينية من الخدمة في الجيش، وهؤلاء اليهود الأرثوذكس بعضهم متشدد في معتقده وممارسته الدينية ويسمى هؤلاء حريديم (من الجذر العبري حرد الذي يعني (ارتجف خوفا من الرب)، وبعضهم أقل تشددا ويسمون بالعبرية داتيم (متدينين).

واليهود الأرثوذكس اليوم قوة عددية في إسرائيل ولهم تأثير اقتصادي وسياسي كبير وأصبح لهم مدن خاصة بهم مثل مدينة بني برق. ولليهود الأرثوذكس مدارسهم الخاصة بهم ومؤسساتهم التربوية والاجتماعية.

هل توجد فرق متعددة بين اليهود وماهو الاختلاف بينها؟

يبدو اليهود لغيرهم بأنهم طائفة واحدة ولكن من ينظر إليهم عن قرب يكتشف أن هناك فرقا ومجموعات متعددة ومختلفة. وبعض هذه الفرق قديم وبعضها حديث. وقبل الدخول في الحديث عن هذه الفرق أود أن أذكر بأن فرقة اليهود الأرثوذكس تعتبر نفسها الممثل الحقيقي للدين اليهودي التاريخي حيث توارثته عن الأجداد. وهذه الفرقة لا تعترف ببقية الفرق الأخرى وتعتبرها خارجة عن اليهودية، واليهود الأرثوذكس يمثلون حوالي 41% من مجموع يهود العالم ولكنهم أصحاب تأثير كبير خاصة في إسرائيل حيث هم المسؤولون عن الشؤون الدينية. ويتميز أتباع هذه الفرقة في أنهم أكثر تشددا في الممارسة الدينية وتطبيق الشريعة اليهودية حيث يطبقون أوامرها ونواهيها بكل تفصيلاتها وحذافيرها كما يفهمونها هم. كما أنهم يؤمنون بأن التوراة كلها بكلماتها وحروفها قد أنزلت على موسى وأوحيت له من قبل الرب ولم يزد عليها ولم ينقص منها شيء وهي معصومة من الخطأ.

كما يؤمن هؤلاء بقدسية التلمود وأنه هو الكتاب الثاني في قدسيته بعد التوراة، بل إنهم يطلقون عليه اسم التوراة الشفوية أي أنه أوحي به ونقله الأجداد شفاها ثم وضع في كتاب. ومن اليهود الأرثوذكس مجموعة تطلق على نفسها اليهود المحدثون وطريقتهم في تطبيق الشريعة اليهودية تعد مذهبا، ولكنهم أخذوا يبتعدون شيئا فشيئا عن الاتجاه العام لليهود الأرثوذكس وليس بعيدا أن يصبحوا فرقة مستقلة في المستقبل.

أما الفرق الأخرى، فبعضها قديم وبعضها حديث. وأهم الفرق القديمة هي فرقة اليهود القرائين. وكانت هذه الفرقة قد نشأت في بغداد في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. وكان الذي أنشأها عالم يهودي اسمه عنان بن داود وكان عنان قد رفض قدسية التلمود واعتبره كتابا كبقية الكتب ألفه الحاخامون ومن اختلافاته مع اليهود الأرثوذكس أن يعترف بيهودية اليهودي الذي ولد لأب إلى جانب من ولد لأم. كما حرم الزواج من بنت الأخ وبنت الأخت كما أن عدد صلاتهم يختلف عن اليهود الأرثوذكس إلى غير ذلك من اختلافات كثيرة. ومنذ نشأتها أصدر الحاخامون قرارا بإقصائه من اليهودية وحرموا الزواج من فرقته والتعامل معها ومازال هذا الأمر باقيا إلى اليوم. ويوجد الغالبية العظمى من القرائين في إسرائيل ويقدرون بعشرات الآلاف.

وفي بداية القرن التاسع عشر ظهرت فرقة جديدة في ألمانيا حيث اعتقد مجموعة من اليهود في ألمانيا بأن اليهودية يجب أن تصلح حتى تكون ملائمة للعصر الحديث فهي قد مر عليها أكثر من ألفي سنة ولابد من تجويدها ومنذ قرنين وهذه الفرقة مستمرة في تطبيق اصلاحاتها ولذلك سميت فرقة اليهودية الإصلاحية وهذه الفرقة لا تؤمن بعصمة التوراة وتعتقد بوجود أخطاء وتناقضات فيها كما أنها لا تعتقد بقدسية التلمود تجيز أن تكون المرأة حاخامة تؤم الصلاة وتقوم بأداء عقود الزواج والطلاق إلى غير ذلك. ويوجد أكثر أتباع هذه الفرقة الذين يزيد عددهم علي المليون ونصف في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي بداية القرن العشرين انشقت مجموعة من هذه الفرقة وأطلقت على نفسها اليهودية المحافظة والفروق ليست كثيرة بين الفرقتين إلا أن اليهودية المحافظة ترى أن الوحي مازال مستمرا ولم ينقطع، وأحكام هذه الفرقة أقل تحررا من الفرقة الأم، ويوجد أتباع هذه الفرقة في الولايات المتحدة أيضا وعدد أتباعها أكثر من عدد أتباع اليهودية الإصلاحية. وللفرقتين نشاط صهيوني كبير وهما ممولان رئيسان لإسرائيل.

وهناك فرقة أخرى خرجت من فرقة اليهودية المحافظة تسمى فرقة إعادة بناء اليهودية وهي فرقة تتميز بأنها لا تعتبر اليهودية شريعة فقط وإنما تضم أشياء أخرى غيرها كالأدب والموسيقى والأغاني والتقاليد الشعبية والشريعة اليهودية هي جزء من هذه اليهودية. وهي أيضا لا تعتقد بعصمة التوراة ولا بقدسية التلمود وتعترف بيهودية من ولد لأب يهودي أيضا. وهذه الفرقة تعتبر فرقة صغيرة إلى حد ما حيث لا يزيد أتباعها عن ثلاثين ألفا. وموطن هذه الفرقة اليوم هو الولايات المتحدة الأمريكية حيث عاش وتوفي مؤسسها الحاخام فرد خاي قبلان، وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في منتصف القرن الماضي.

ومن هذه الفرق فرقة اليهود اليسوعيين (نسبة إلى اليسوع عيسي) وما يميز أتباع هذه الفرقة هو أنهم يؤمنون باليهودية كشريعة وتقاليد ويؤمنون أيضا بعيسى كنبي ومخلص ظهر سابقا وسيظهر مرة أخرى ويخلص العالم من شروره.ومعروف أن كل اليهود لا يعترفون بعيسى نبيا بل ولا ممارسا لليهودية، وكان ظهور هذه الفرقة في بداية القرن العشرين، ولكن أتباعها يعتقدون بأن أصول فرقتهم تعود إلى القرن الأول الميلادي حيث كان هناك يهود آمنوا برسالة عيسى أيضا، ولهؤلاء اليوم معابدهم الخاصة بهم وفقههم وأكثر ما يوجدون اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية وتصل أعدادهم إلى عشرات الآلاف ويحاربهم اليهود الأرثوذكس بشدة ويصدرون البيانات دائما ضدهم.

ومن الفرق الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين فرقة تتميز في أنها تؤمن بأن اليهودية هي من نتاج اليهود كبشر (ولذلك تسمى باليهودية البشرية) وليس هناك أوامر أو نواه الاهية وإنما اليهود أنفسهم هم الذين وضعوها. وهم كذلك ينكرون تاريخية خروج اليهود من مصر وينكرون وجود إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان. وكان الحاخام شيرون هو الذي أسس هذه الفرقة في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي ولهذه الفرقة كنيسها ومؤسساتها وهي منتشرة في أمريكا وأوربا ويصل عدد أتباعها إلى ما يقرب من ثلاثين ألفا، ولها مراكز في إسرائيل أيضا.

وهناك فرق من إثنيات أخرى مثل فرقة يهود أثيوبيا التي تسمى الفلاشا وهناك فرقة اليهود العبرانيين الإسرائيليين وهي أفرو-أمريكية يصل عدد أتباعها في الولايات المتحدة الأمريكية إلى عشرات الآلاف، ويوجد بضعة آلاف منهم في إسرائيل، بينما يوجد أكثر اتباع فرقة الفلاشا في إسرائيل حيث يصل عددهم إلى سبعين ألفا. ومن هؤلاء مجموعة تسمى الفلاشا مورا الذين يعتقدون بأن أصولهم يهودية ولكن المبشرين حولوا أجدادهم في أثيوبيا إلى مسيحيين. والوكالة اليهودية تهجر هؤلاء تدريجيا إلى إسرائيل بمعدل 200 كل شهر ويبلغ عددهم أكثر من عشرين ألفا.

يتردد بين الفينة والأخرى حديث عن صراع بين فئتين داخل المجتمع الصهيوني فئة المتدينين وفئة العلمانيين، ما هي حقيقة الصراع بين العلمانيين والمتدينين وماهي طبيعته؟

هناك اليوم صراع بين هؤلاء المتدينين والعلمانيين في إسرائيل، وهو صراع كان قد بدأ منذ ظهور الدولة وأخذ في الازدياد منذئذ بسبب تزايد أعداد اليهود بالهجرة وبالزيادة الطبيعية عن طريق الإنجاب. وقد كثر عدد العلمانيين في السنين الأخيرة بسبب هجرة حوالي مليون مهاجر روسي أكثرهم غير متدينين. كما أن عدد اليهود الأرثوذكس يزداد كثيرا بالإنجاب حيث يولد للعائلة ما معدله ثمانية أطفال أو تسعة. وزيادة العدد بين الفئتين تزيد احتكاكهما وحدوث المشاكل بينهما.

كما أصبح لليهود الأرثوذكس في العقدين الأخيرين ثقل سياسي بسبب الأحزاب التي أنشأوها، وأخذ هؤلاء يطالبون عن طريق هذه الأحزاب بتطبيق الشريعة اليهودية في كثير من مناحي الحياة اليومية وخاصة في السبت. وهذا ما يعتبره العلمانيون تضييقا عليهم وتدخلا في شؤونهم، كما أن المتدينين الأرثوذكس أخذوا يزاحمون العلمانيين في أماكن سكناهم واضطر هؤلاء إلى المغادرة إلى أماكن أخرى كما حدث ويحدث في القدس.

ومن مظاهر الصراع بين الفئتين تهجم المتدينين على العلمانيين في أدبياتهم واتهامهم بالتخلي عن هويتهم اليهودية وذلك بتخليهم عن الشريعة اليهودية، ويعتبرون هذا سببا في جلب عقاب الرب على اليهود كما يقول هؤلاء.

وينظر المتدينون إلى رموز الدولة مثل الكنيست والمحكمة العليا والجيش على أنها تمثل العلمانية التي تخالف الشريعة اليهودية وأن الجيش خاصة الذي يخدم فيه الذكور والإناث هو بؤرة فساد علمانية، ولذلك يرفض هؤلاء تجنيد بناتهم وأولادهم في الجيش. والغالبية العظمى من هؤلاء الأولاد يدرسون في مدارس دينية (شيفوت) حيث تنفق عليها الدولة، وعدم خدمة هؤلاء في الجيش يثير حفيظة العلمانيين وغضبهم خاصة وأن هؤلاء المتدينين يدعون بأن دراستهم الدينية هي التي تحفظ الدولة واليهود من الأذى.

ومن مظاهر الخلاف بين الفئتين هو أن الكثير من العلمانيين خاصة اليساريين منهم يؤيدون إنشاء دولة فلسطينية وهو ما يرفضه معظم المتدينين الذين يعتقدون بأن إرجاع الأراضي إلى الفلسطينيين مخالف للشريعة اليهودية. وكما ذكرت فإن هذا الصراع مستمر وهو يشتد يوما بعد يوم حتى أن بعض العلمانيين كانوا قد اقترحوا أن تقسم الدولة إلى قسمين قسم للمتدينين وحدهم والقسم الآخر لغير المتدينين.

وهل حقا أن اليهود موحدون أم أن هناك تناحرا وصراعا، أي هل هناك صراع يهودي يهودي وبم يتمثل؟

إلى جانب الصراع العلماني الديني هناك صراع بين الفرق اليهودية نفسها في إسرائيل، فاليهود الأرثوذكس المسؤولون عن المؤسسة الدينية (رئاسة الحاخامية) في إسرائيل لا يعترفون بالفرقة اليهودية الإصلاحية ولا بفرقة اليهودية المحافظة (اللتين يبلغ عدد المنتمين إليهما في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاثة ملايين شخص) وهناك اختلافات كثيرة بين اليهودية الأرثوذكسية والفرقتين الأخريين، ولأن الأولى لا تعترف بيهودية من ينتمي إلى هاتين الفرقتين، فإن أعضاءهما يواجهون مشاكل كثيرة في إسرائيل في قضايا كالزواج والطلاق والدفن ويهودية أبنائهم إلى غير ذلك من قضايا. ويوجد الآلاف من هؤلاء في إسرائيل وتصدر رئاسة الحاخامية بيانات بين فترة وأخرى يحذرون فيها اليهود من الذهاب إلى كنيس هؤلاء والصلاة فيها. كما أن رئاسة الحاخامية لا تعترف أيضا باليهود اليسوعيين وهؤلاء هم يهود ولكنهم يؤمنون بالمسيح عيسى كنبي ومخلص، ويصل أتباع هذه الفرقة في إسرائيل إلى بضعة آلاف.

والصراع بين هذه الفرق مازال في بدايته، وهو يزداد كلما ازداد عدد المهاجرين من الفرق الأخرى إلى إسرائيل وهو لاشك سينعكس سلبا على الوضع الاجتماعي داخل إسرائيل ويخلق مشاكل كبيرة بين اليهود أنفسهم داخل إسرائيل، وهو ما كان قد حدث بينهم قديما.

نسمع عن يهود يسمون حراس المدينة ناتوري كارتا، ماذا عن هؤلاء؟

هم من المجموعات الدينية غير الحزبية، وهذه المجموعة موجودة في فلسطين قبل نشوء الدولة. وهي من المجموعات التي رفضت الصهيونية وعارضتها ومازالت، وتعتبرها حركة ضارة بالشريعة اليهودية ومناقضة لها، وبسبب ذلك فإن هذه المجموعة تعارض إقامة دولة يهودية وتعتبر إسرائيل دولة كافرة وليست دولة يهودية لأنها في رأي هذه المجموعة تعوق ظهور المسيح المخلص اليهودي الذي هو في رأيها سينشئ الدولة اليهودية طبقا لشريعة موسى. وبسبب ذلك فهم يحرمون على أنفسهم العمل مع الدولة ولا يشاركون في نشاطاتها بل ولا يشاركون في انتخاباتها.

ولهؤلاء مجلس حاخامين وهو الذين يرشدهم ويوجههم، كما أنهم يطالبون بتطبيق الشريعة اليهودية في كل مناحي الحياة وهم يستعملون العنف أحيانا من أجل ذلك. ويمنعون غير المتدينين من الدخول إلى مناطقهم ويضيعون إعلانات بهذا الشأن في الأماكن العامة والشوارع.

ولهؤلاء مدارسهم الخاصة بهم. وهم في الغالب لا يأخذون أموالا من الدولة لمدارسهم بل إن الجماعة نفسها هي المسؤولة عن التمويل. وهم لا يدرسون الموضوعات غير الدينية في مدارسهم مثل التاريخ ويحرمون تدريس اللغات الأجنبية وهم يتكلمون اليديش في حياتهم اليومية ويعتبرون الكلام باللغة العبرية محرما لأن العبرية في رأيهم لغة مقدسة. ولهذه الجماعة محكمتها الخاصة بها. وهم لا يأكلون طعاما إلا ما تجيزه لهم محكمتهم وليس غيرها. ويتزوجون فيما بينهم ولا يزوجون شخصا من خارج الجماعة.

وبالنسبة للقضية الفلسطينية فإنهم يؤيدون دولة فلسطينية، بل إنهم يريدون أن تقوم دولة للعرب واليهود على أرض فلسطين، ولهم علاقة ممتازة بالفلسطينيين وهم يتظاهرون دائما ضد وجود إسرائيل كما أنهم ينشرون بعض الأدبيات التي تعرض أفكارهم ومواقفهم.

نحن هنا في المغرب، نولي اهتماما كبيرا للقضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني لها، وهناك يهود مغاربة غرر بهم وهجروا إلى هذا الكيان، أسألك فضيلة الأستاذ عنهم، كيف هو حال اليهود الشرقيين وخاصة المغاربة؟

غالبا ما يقسم المجتمع اليهودي الاسرائيلي إلى شريحتين رئيسيتين هما اليهود الاشكنازيم واليهود السفارديم وبينهما اثنيات صغيرة أخرى مثل الفلاشا والقوقاز وغيرهما ويطلق الأشكنازيم على اليهود ذوي الأصول الأوروبية والسفارديم على غيرهم من أصول شرقية. ولكن الأفضل والأصح أن يطلق الاسم الشرقيون على من يسمون السفارديم وهم اليوم يهود الدول العربية وإيران وأفغانستان وغيرها. لأن سفارد اسم يطلقه اليهود عادة على شبه جزيرة إيبريا.

تقصد إسبانيا والبرتغال..

أجل، سفارديم أصلا تطلق على اليهود من شبه جزيرة إيبريا. وكان يهود البلاد العربية قد وصلوا إلى إسرائيل بعد ظهور الدولة بفترة قصيرة. ولما كانت الدولة غير مستعدة لإسكان مئات الآلاف في بيوت مناسبة فقد وضعوا في بيوت موقتة وتكونت من هذه البيوت شبه مدن كبيرة سميت (معبروت) (انتقالية)، وكانت هذه المجمعات مزدحمة ووسائل العيش والراحة فيها بدائية. كما كان هؤلاء اليهود يعاملون من قبل موظفي الوكالة اليهودية الذين كانوا في الغالب أوروبيين معاملة قاسية تتسم بالتعالي والإهانة. كما كانوا يستهزئون بالسلوك الديني للمهاجرين ويجبرونهم علي مخالفة الدين بإجبارهم على أكل اللحم غير الحلال وقص جدائلهم ونزع الغطاء (القلنسوة)من رؤوسهم. وكان يهود اليمن قد اشتكوا من ذلك كثيرا.

كما أن يهود اليمن مازالت عندهم مشكلة قديمة مر عليها خمسون سنة ومازالت لم تحل إلى الآن. فهؤلاء يتهمون الموظفين المسؤولين في هذه المجمعات الانتقالية بأنهم سرقوا منهم آلاف الأطفال عند ولادتهم من المستشفيات وأعطوهم ليهود آخرين، ومازال هؤلاء يطالبون بالتحقيق في هذه القضية وكشف الحقائق عنها. وكنت قد كتبت أكثر من مقال عن هذا الموضوع.

وكيف يعامل اليهود المغاربة في إسرائيل؟

معاملة اليهود المغاربة لم تكن تقل سوءا عن معاملة اليهود الشرقيين الآخرين، وقد عرض قبل سنتين فيلم وثائقي في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي عن هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل وكان عنوان الفيلم الرياح القديمة، التاريخ المغربي وعرض الفيلم في أربع حلقات، وقد تطرق إلى حياة اليهود في المغرب قبل هجرتهم ووصفها بأنها كانت حياة مريحة تتسم بالأمن والسلام. وقد انتقد الفيلم معاملة يهود المغرب في إسرائيل حيث عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية وأوكلت لهم أعمال دونية لخدمة الأشكنازيم ومصالحهم السياسية. وقد أدلى بعض الشخصيات اليهودية المغربية بشهاداتهم وذكروا تجاربهم التي مروا بها والمعاملة السيئة التي كانوا يلقونها من الأشكنازيم. وكان من الذين أدلوا بشهادتهم شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق. وطبقا لما ورد في الفيلم فإن اليهود الأشكنازيم سخروا من ثقافة المغاربة وحاولوا تدمير هويتهم وشخصيتهم، وأثاروا الأبناء ضد الآباء كما شجعوا الثقافة الأحادية وهي الثقافة الأشكنازية العلمانية كي تدخل في وجدان اليهودي المغربي.

ويشعر أولاد وأحفاد يهود المغرب بالحيف والظلم التاريخي الذي لحق بهم من قبل الأشكنازيم. وقد أثار الفيلم جدلا ونقاشا استمر لفترة طويلة بين الفئتين، وقد علق اليهودي المغربي دانيال بن سيمون (وهو صحفي ومؤلف) أنه من الممكن أن يتغاضي اليهود المغاربة بعد طول هذه الفترة عما حدث، ولكن هناك شعور بالألم بينهم بل وبين كل اليهود من شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وإذا لم تسمع إسرائيل لهذه الآلام فإنها تنتهي. وقال: إنه ليس مهما أن يكون بعض الوزراء في الحكومة من اليهود الشرقيين بل المهم أن يصبح هؤلاء جزءا من البلد وجزءا من المؤسسة. ومنذ الثمانينيات أخذ اليهود المغاربة ينشئون أحزابا مثل حزب شاس ومنظمات مثل منظمة قوس قزح التي تطالب بالمساواة والعدالة بين اليهود الشرقيين والغربيين. كما كتب الكثير من اليهود الشرقيين روايات وقصص تعبر عن غضبهم للتجربة السيئة التي مروا بها عند قدومهم إلى إسرائيل ولكن أكثر اليهود الشرقيين في مدن التطوير، وهي مدن من الدرجة الثانية في إسرائيل.

اسمح لي بالانتقال إلى محور آخر لا يقل خطورة وأهمية، ويتعلق بالمسيحية والصهيونية والتداخل والتحالف بينهما حاليا في الإدارة الأمريكية، فاليمين المسيحي يؤمن بقيام إسرائيل ولكنه أيضا يؤمن بضرورة إدخال اليهود في الدين المسيحي كيف ينظر اليهود إلى ذلك؟

المسيحيون الصهيونيون (هم سموا كذلك لأنهم يؤمنون بالفكر الصهيوني على أساس ديني) يعتبرون وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود تحقيقا لما جاء من نبوءات في الكتاب المقدس وكذلك يعتبرون ظهور إسرائيل كدولة ضمن هذا السياق وأيضا حرب عام 1967 التي احتلت فيها إسرائيل مناطق واسعة من الأراضي العربية. وطبقا لتأويلاتهم لعبارات في الكتاب المقدس فإن هؤلاء يعتبرون وجود إسرائيل كدولة مقدمة لابد منها تسبق الظهور الثاني للمسيح عيسى الذين ينتظرونه. ولذلك هم يساعدونها ماديا ويؤيدونها سياسيا ويعتبرون أعداءها أعداءهم، ولابد أن نذكر هنا بأن ما يقول به هؤلاء إنما هو مبني على تأويلات قابلة للرد والنقض. وأكثر المسيحيين الآخرين لا يقولون بذلك ولا يؤمنون به. وأكثر المسيحيين الصهيونيين يعتقدون بأن اليهود سيقبلون رسالة عيسى ويؤمنون به عندما يظهر مرة أخرى، وبعضهم يقول إنه بعد حدوث معركة الهرمجدون قبل ظهور عيسى الثاني سيقتل نصف اليهود والنصف الآخر الذي سيبقى سيؤمن برسالة عيسى. وبعض هؤلاء يقول بضرورة التبشير بين اليهود ليعتنقوا المسيحية من أجل خلاصهم، وهذا يثير غضب اليهود.

كيف يستقبل اليهود هذا؟

نظرة اليهود إلى كل هذا ليست واحدة، فاليهود الأرثوذكس (متشددون وغير متشددين) يرفض ما يقوله هؤلاء ويعتبرونه إهانة لهم ولدينهم ولذلك فإنهم لا يقبلون مساعدتهم ويرفضون التعاون معهم إلا بعض الأفراد. ولكن أكثر اليهود لا يهتمون بما يقول به هؤلاء بل ويعتبرون أقوالهم سخفا من القول. والمهم عندهم الحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع المادية والمعنوية وهذا هو رأي السياسيين في إسرائيل العلمانيين والقوميين مثل ييريز وشارون ونتنياهو.

ما هي نقاط الاتفاق بين المنظمات اليهودية المتطرفة والمسيحيين الصهيونيين؟

تتفق المنظمات المسيحية الصهيونية والجماعات اليهودية المتطرفة على نقاط كثيرة وأهم هذه النقاط هو العمل المستمر والمثابر للاستيلاء على كل فلسطين. ومن أجل هذا تصرف المنظمات المسيحية أموالا طائلة كثيرة على توسعة المستوطنات الحالية وبناء مستوطنات جديدة. كما أنهم يقومون بالتعاون مع الجماعات اليهودية المتطرفة -مثل عطرة كهونيم (تاج الكهنة)- في الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين بالغش أو الخداع أو القوة خاصة في مدينة القدس.

كما أن هذه المنظمات والجماعات تتعاون على جلب اليهود وإسكانهم في الأراضي المحتلة والذين ينفقون على ذلك هم المسيحيون الصهيونيون. وكان لهؤلاء دور كبير في جلب مليون مهاجر روسي إلى إسرائيل في السنوات القليلة الماضية. وقد تخصص عمل بعض المنظمات المسيحية في جلب المهاجرين إلى إسرائيل حتى لو كان هؤلاء مشكوكا في يهوديتهم، وعمل هؤلاء يعتمد على تأويلات لبعض عبارات الكتاب المقدس في أن جمع اليهود في فلسطين يعجل بظهور عيسى مرة أخرى.

وتتعاون المنظمات المسيحية هذه مع المنظمة اليهودية المتطرفة المعروفة باسم منظمة أمناء جبل الهيكل على الإنفاق والتخطيط لتهديم المسجد الأقصى وبناء ما يسمى الهيكل اليهودي الثالث. وعملية التخطيط هذه قائمة اليوم على قدم وساق. وقد أنشئت مؤسسات من أجل هذا الغرض، وأهم هذه المؤسسات معهد اسمه معهد الهيكل حيث تعرض فيه الأدوات التي ستستعمل في الهيكل المقبل وملابس الكهنة والمنوراة (الشمعدان) الضخمة الذهبية التي ستكون في وسطه، وهؤلاء اليهود يعتقدون بأن الهيكل اليهودي كان مكان الحرم القدسي الشريف ولذلك يجد تهديمه وبناء الهيكل مكانه.

ويعتقد اليهود المتطرفون أن بناء الهيكل اليهودي يجب أن يسبق ظهور المخلص اليهودي ولذلك يجب بناؤه حتى يكون مهيئا لظهوره. والمسيحيون الصهاينة يعتقدون أيضا بأن بناء الهيكل الثالث هو أيضا مقدمة للظهور الثاني للمسيح عيسى. ومعروف أن هذه الآراء معتمدة على تأويلات ليس لها نصيب من الصحة بل هي إيدلوجية سياسية مغلفة بتأويلات دينية، وأغلب المسيحيين لا يؤيدونها كما ذكرت ويتفق المتطرفون المسيحيون واليهود على اعتبار الفلسطينيين عدوا، فاليهود المتطرفون يعتبرون الفلسطينيين عائقا أمامهم للاستيلاء على ما يقولون أنها أرضهم على الرغم من أن سكان الأرض الأصليون هم الفلسطينيون واليهود هم القادمون إليها من الخارج.

وينظر هؤلاء اليهود إلى الفلسطينيين على أنهم أحفاد العماليق الذين جاء ذكرهم في التوراة كأعداء لبني إسرائيل يلاحقونهم ويؤذونهم بعد خروجهم من مصر. وينظر هؤلاء إلى كل من يقاومهم على أنه من أحفاد هؤلاء العماليق. وقد جاء عن هؤلاء في سفر الخروج وقال الرب لموسى: اكتب هذا ذكرا في كتاب وضع في أذني يشوع أني سأمحو ذكر عماليق محوا من تحت السماء... وبنى موسى مذبحا وسماه الرب رايتي قال إن يدا قد ارتفعت على عرش الرب والحرب قائمة بين الرب وعماليق من جيل إلى جيل ولذلك فإن قتل الفلسطينيين عند هؤلاء لا يثير فيهم وخزة ضمير. وقد قال أحد حاخامي هؤلاء بأن المقبوض عليهم من الفلسطينيين المقاومين يجب أن تجرى عليه التجارب العلمية كالحيوانات.

والمسيحيون الصهيونيون يعتقدون بأن العرب هم أعداء لشعب الله المختار (اليهود) ومن يؤذيهم يؤذي الرب كما يقولون وهؤلاء يقومون بكل ما يستطيعون لإيذاء العرب سياسيا وعسكريا واقتصاديا من خلال جماعات الضغط في الولايات المتحدة الأمريكية.

أجرى الحوار: حسن السرات


جعفر هادي حسن ... سيرة ذاتية مختصرة

حاصل على البكالوريوس (ليسانس) من جامعة بغداد باللغة العربية والعلوم الإسلاميةحاصل على الماجستير من جامعة بغداد باللغة العربيةحاصل على البكالوريوس (ليسانس) (شرف) من جامعة مانشستر (بريطانيا) باللغات السامية (عبرية ارامية سريانية فينيقية).

حاصل على الماجستير باللغة العبرية والدراسات اليهودية والدكتوراه في الموضوع نفسه من جامعة مانشستر أيضا.

كان أستاذا في جامعة مانشستر ومغيل وسالفورد والجامعة العالمية للعلوم الإسلامية (لندن) ورئيس قسم اللغة العربية في الكلية الإسلامية للدراسات العليا (لندن) وهو الآن رئيس مركز اللغة العربية (لندن).

عضو الجمعية البريطانية للغويين وجمعيات أخرى كثيرة.

له كتاب اليهود الحسيديم وفرقة الدونمه بين اليهودية والإسلام وفرقة اليهود القرائين .

نشر مئات الدراسات باللغة العربية والإنكليزية طلب منه كتابة أكثر من موضوع لدائرة المعارف الإسلامية (تركيا) ونشر منها موضوعان إلى الآن.

يدعى كثيرا لإلقاء محاضرات عامة وكان آخرها محاضرة في مجلس اللوردات البريطاني وله مشاركات كثيرة في الفضائيات ومقابلات باللغة الانكليزية أيضا.








التعديل الأخير تم بواسطة الجشعمي ; 14-08-2011 الساعة 03:24 AM
  رد مع اقتباس
قديم منذ /14-08-2011, 03:36 AM   #2

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي "قضايا وشخصيات يهودية" للباحث جعفر هادي حسن

"قضايا وشخصيات يهودية" للباحث جعفر هادي حسن
تجليات الصراع العلماني – الديني وانعكاساته على المجتمع الإسرائيلي

صدر عن "دار العارف" في بيروت كتاب فكري قيّم بعنوان "قضايا وشخصيّات يهوديّة" للباحث العراقي د. جعفر هادي حسن، المختص باللغة العبريّة والدراسات اليهوديّة. يتألف الكتاب بقسميه "قضايا" و "شخصيات" يهودية من أربعة عشر فصلاً عزّزها الباحث بعدد كبير من المصادر الأجنبية والعربية والمُترجَمة وبعض الإحالات لعدد من الصحف والدوريات البريطانية والإسرائيلية.

استهلّ الباحث كتابه بقضية "اليهود الحريديم" وهي واحدة من القضايا المهمة التي شغلتْ الباحثين والدارسين منذ نشوئها وحتى الآن، كما شغلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ إعلان دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا. أشار الباحث جعفر هادي إلى أن اليهود كانوا يعيشون في "غيتوات" حتى عصر النهضة، لكن حياتهم تغيّرت بالكامل إثر القوانين التي أصدرتها الدول الأوروبية بحق اليهود، وسميّت في حينه "قوانين تحرير اليهود"، إذ ترك اليهود منعزلاتهم السكّانية وأصبحوا في مواجهة واقع جديد عليهم أن يتعاطوا معه ويستثمروه لمصلحتهم الشخصية.

انقسم الأرثودكس إلى مجموعتين وهما "الأرثودكس المحدثون" الذين يقبلون الجديد شرط أن لا يتدخل في الدين ولا يؤثر عليه. و"الحريديم" وهم متدينون متشددون جداً. ومن مظاهر هذا التشدّد أنهم يرفضون الانفتاح على معطيات الحياة الحديثة، لا يشاهدون التلفاز، ولا يستعملون لُعب الكومبيوتر، ويعتبرون هذا الانفتاح مخالفاً للتوراة والتعاليم التلمودية، لذلك فإنهم يسكنون في أماكن معزولة ومُقتصرة عليهم، ويسعون إلى تكريس ظاهرة الفصل بين الجنسين. أما في الشَتات فقد قاموا باشياء غريبة لا تتلاءم مع روح العصر إطلاقاً، إذ منعوا أبناءهم من أشياء كثيرة من بينها تعلّم لغة البلد الذي يعيشون فيه، أو إرتداء الملابس الأوروبية الحديثة، أو الدخول إلى الجامعات، وتكريساً لهذه القطيعة اللافتة للانتباه فقد ظلوا يستعملون "اليدش" وهي لغة اليهود الأشكيناز في أوروبا الوسطى. وأكثر من ذلك فقد تركّز منهجهم الدراسي على تدريس الكتب الدينية اليهودية فقط مع أشياء أولية من مبادئ الحساب لأنهم يعتبرون المواد غير الدينية لا قيمة لها، بل أنهم لا يدرّسونها أصلاً.

تركّز الفرق اليهودية المتشددة على فكرة "الشعب المختار" الذي اصطفاه الله من بين البشر وميّزه عن الآخرين. وقد أورد الباحث جعفر هادي في هذا الصدد مثالاً من سفر الأحبار 20 / 26 يقول: "وقد ميّزتكم من الشعوب لتكونوا لي". وهذه الفكرة العنصرية ينفيها العديد من المفكرين والباحثين العلمانيين اليهود الذين يرون الحياة بعين المنطق والعقل. يعتبر الحريديم التوراةَ كتاباً مُوحى به، وأنه معصوم عن الخطأ، لذلك فهم يؤمنون بكل ما ورد فيه جملة وتفصيلاً، في حين ينظر آخرون إلى هذا الكتاب من زاوية أخرى مُخالفة لهذا الرأي اليقيني الصارم. يمتلك التلمود القدسية ذاتها على الرغم من كونه مجرد تعاليم شفوية لا غير.

ينقسم اليهود الأرثودكس إلى ثلاث فئات بحسب رؤيتهم إلى دولة إسرائيل وموقفهم منها، حيث تساند الفئة الأولى دولة إسرائيل وتباركها، وتعتبرها بداية خلاص اليهود، أما الفئة الثانية فهم لا يرون في إسرائيل دولة شرعية على الرغم من أنها حقيقة واقعة ومتجسّدة أمام أعينهم، لكنهم لا يتمنون زوالها في الوقت نفسه، فيما تذهب الفئة الثالثة مذهباً مغايراً تماماً حيث تعارض هذه الفئة وجود الدولة اللاشرعية من وجهة نظرهم لأنها تؤخر ظهور المسيح المخلّص.

مدارس الحريديم

تنقسم "اليشيفوت"، مدارس اليهود الدينية إلى ثلاثة أقسام وهي "اليشيفوت الصغرى"، و"الغدالوت" و"الكولليم". كنا قد أشرنا سابقاً إلى العزلة التي يعيشها اليهود الحريديم، فالنساء يتعرضن للقمع والمصادرة والتهميش، وطلاب الكولليم يتعرضون إلى مضايقات من نوع آخر فهم لا يستطيعون ارتياد السينمات أو الذهاب إلى صالات المسارح.

لا يؤدي الغالبية العظمى من طلاب اليشيفوت الخدمة العسكرية، وبعضهم يُؤجَلون منها. وقد أُقِرّ هذا الأمر منذ تأسيس الدولة الإسرائيلية، ولاتزال هذه الممانعة قائمة حتى يومنا هذا. البنات المتدينات أيضاً لا يخدمن في الجيش، ولكن يجب عليهن أن يذهبن إلى المحكمة الدينية ويعلنَّ أمام قُضاتها بأن سبب عدم أدائهنَّ الخدمة هو ديني! بعد كل هذا الابتزاز الذي يمارسه اليهود الحريديم ألا يحق للشباب العلمانيين أن يتحاملوا على هذه المجموعة الدينية المتشددة التي تتهرب من أداء الخدمة العسكرية بشتى السبل بحجة أن دولة إسرائيل غير شرعية حيناً، وتأخير ظهور المسيح المخلّص حيناً آخر، وحماية التوراة تارة، والحفاظ على العادات والتقاليد اليهودية تارة أخرى؟

مَنْ هو اليهودي؟

تتواجد في إسرائيل عدة فرق دينية، لكنها غير مُعترَف بها من قبل المؤسسة الدينية "اليهود الحريديم" التي تحدّد، هي وحدها، منْ هو اليهودي. وهي لا تعترف بالفرق الأخرى، ولا منْ يتهوّد عن طريقها. القانون لم يُعرِّف منْ هو اليهودي، والمؤسسة الدينية تطالب بأن يُعرّف اليهودي طبقاً للشريعة اليهودية "الهلخا"، أي إما أن يتحوّل الشخص عن طريقهم أو أن تكون أمه يهودية.

يؤكد الباحث جعفر هادي بأن أولى المشاكل قد بدأت في عام 1958 عندما أصدر وزير الداخلية قراراً أمر فيه أن يسجّل الشخص يهودياً "إذا إدعّى بنية صادقة أنه يهودي"، ويسجّل الأبناء على وفق هذا الإدعاء، ولكن اليهود الأرثودكس إحتجوا وقالوا بأن هذا الإدعاء لا يجعل الشخص يهودياً، ويجب تحديد هوية اليهودي طبقاً للشريعة اليهودية التي أشرنا إلى تشددها سابقاً. لم ينفع قرار اللجنة التي شكّلها بن غوريون ورأسها بنفسه بأن "الشخص يُسجّل يهودياً إذا أعلن بنِيّة صادقة أنه يهودي، ولا يعتنق ديناً آخر"، وكذلك يُسجّل أبناء الأبوين يهوداً حتى وإن كان أحد الأبوين غير يهودي، لكن الحاخامين الأرثودكس اعترضوا وقالوا إن تسجيل الشخص يهودياً من زواج مختلط (من أب يهودي وأم غير يهودية) سيخلّف مشاكل عديدة، هذا فضلاً عن كونه لا يتفق مع الشريعة اليهودية.

تناول الباحث جعفر هادي في هذا الفصل عدداً من القضايا التي تسلّط الضوء على صرامة المؤسسة الدينية وهمينها على إصدار القرارات المتعلقة بتعريف اليهودي وما ينطوي عليه هذا التعريف من تداعيات خطيرة. لاشك في أن هناك المئات وربما الآلاف من هذه القضايا غير أن الباحث جعفر هادي قد توقف عند أربع قضايا تكشف عن عمق هذه المشكلة وجديتها، وهذه القضايا هي قضية القس دانيال، وبنيامين شاليط، وشوشانه ميلر، وباولا، وقد واجه هؤلاء الأربعة مشكلات كبيرة من بينها منْ كان يهودياً وتحوّل إلى المسيحية الكاثوليكية مثل القس دانيال، إذ رفضت المحكمة قرار منحه الجنسية بحجة (أن الذي يتحوّل إلى دين آخر يخرج عن كونه يهودياً)، ومنهم من رُفِض لأنه لم يتهوّد عن طريق اليهودية الأرثودكسية، أو لم تكن أمه يهودية، أو تهوّد لسبب عاطفي. والأغرب من ذلك أن باولا مُنحت الوثيقة، لكن كُتب عليها (غير صالحة خارج إسرائيل)، أي أنها يهودية بـ (ظرف المكان).

ثمة أسباب غير منطقية تُبطل، مع الأسف الشديد، تهوّد البعض من اليهود، فقد ألغى أحد الحاخامين المتشددين في أميركا يهودية امرأة متزوجة لأنها لبست بنطالاً، ولم تغطِ شعرها طبقاً للطريقة الأرثودكسية! وعلى الرغم من أهمية القضايا الجوهرية المُثارة سلفاً، وغرابة البعض منها لعدم إنسجامه مع روح العصر إلا أن الباحث جعفر هادي يرى أن الجدل والصراع سوف يستمران إلى أجل غير مسمّى طالما أن اليهود الأرثودكس متشبثين بآراهم وقناعاتهم الدينية الصارمة التي خلقت فجوة كبيرة بين الأرثودكس وبقية الفرق الدينية اليهودية، اضافة إلى صِدامها المتواصل مع العلمانيين المتنوّرين الذين يقودون الحياة الإسرائيلية إلى الضفة الآمنة دائماً، ولولاهم لإختلّت حسابات هذه الدولة التي يراها الحريديم وبعض الفرق الدينية الأخرى المتشددة غير شرعية ولا معنى لها!

قانون العودة

يؤكد الباحث جعفر هادي على الدور الكبير الذي تلعبه مؤسسة الوكالة اليهودية في تهجير اليهود من مختلف أنحاء العالم إلى إسرائيل. وتبذل هذه الوكالة قصارى جهدها من أجل إقناع منْ تهجرّهم بأنهم من القبائل الضائعة وآخرهم مجموعة قبائل تسكن الحدود الهندية – البورمية "مينمار" التي أسمتهم بقبائل "المنسه". تأخذ رئاسة الحاخامية على عاتقها مهمة التأكد من صحة يهودية هؤلاء المهجّرين، وهي المؤسسة الوحيدة التي تشكِّك على الدوام في يهودية أي مُهجَّر إذا لم يكن يتبع المنهج الأرثودكسي المتشدد. وهذه النقطة هي إحدى أبرز أسباب التوتر بين العلمانيين المتفتحين والأرثودكس المتشددين.

يناقش الباحث جعفر هادي في هذا الفصل عدداً من الفرق اليهودية التي هجّرتها الوكالة من مختلف أرجاء العالم إلى إسرائيل ويتوقف عند الصعوبات التي يواجهها هؤلاء اليهود في أثناء وصولهم إلى إسرائيل. وأبرز هذه الفرق هي فرقة القرّائين اليهود ،والإصلاحيون والمحافظون،وفرقة إعادة بناء اليهودية، واليهود الفلاشا، واليهود اليسوعيون، والعبرانيون الإسرائيليون، وفرقة اليهود البشرية. لم تعترف الرئاسة الحاخامية بهذه الفرق لأسباب عديدة يتعلق أغلبها بالتهوّد خارج إطار اليهودية الأرثودكسية، أو لأن الأم غير يهودية. فلم تعترف الرئاسة بفرقة القرائين اليهود لأنها منحرفة عن القيم والمفاهيم الأرثودكسية، أو لأنهم رفضوا أن يكون التلمود مصدراً ثانياً للشريعة اليهودية. أما سبب رفضهم لفرقتي الإصلاحيين والمحافظين فيتمثل بعدة نقاط يمكن إجمالها بالآتي: (أنهم لا يؤمنون بعصمة التوراة من الخطأ، ولا يعتقدون بقدسية التلمود، ولكنهم يقبلون بعضه، كما أنهم يجيزون أن تكون المرأة حاخامة وتقوم بكل ما يقوم به الحاخام من امامة الصلاة والقاء العظة والزواج والإشراف على طقوس المناسبات الدينية، ويعتبرون الشخص يهودياً من جهة الأب وكذلك من جهة الأم، كما أنهم يجيزون الزواج المختلَط "بين اليهود وغير اليهود"، ولا يمانعون أن يصبح المثْلي حاخاماً والمثلية حاخامة).

تجاوزت (فرقة إعادة بناء اليهودية) السقف العالي الذي حددته الفرق السابقة التي اختلفت على أشياء جوهرية غير أن هذه الفرقة التي يرأسها مردخاي قبلاي الذييعتقد أن اليهودية ليست ديناً فقط، وإنما هي "حضارة دينية متطورة" شارك في تكوينها وإنتاجها عدة عناصر متعددة مثل الأدب والتراث الشعبي والفن والتقاليد (والدين هو واحد منها).وهذا رأي واقعي جداً يمكن أن يتلمّسه أي إنسان عاقل وحصيف".لا يرى مردخاي أن التوراة قد أُوحيَ بها، أو أنها معصومة من الخطأ لأنها كُتبت من قبل كُتّاب مُختلفين وفي عصور مختلفة". وفضلاً عن ذلك فإنها تتوفر على أفكار جامدة ومتحجرة مرَّ عليها زمن طويل جداً وعلى اليهود أن يراجعوها ويعيدوا النظر فيها.شذّب القائمون على هذه الفرقة العديد من كتبهم وصلواتهمكما حذفوا الجملة المثيرة للجدل وهي (إن اليهود هم شعب الله المختار)، ويرى مؤسسو هذه الفرقة المتفتحة أن هذه الفكرة عنصرية، ولا تتفق مع روح العصر، بل أنها تعزز ظاهرة التمييز العنصري المقيتة،فكل شعب له دور في التاريخ، واليهود مثل الآخرين ولا يتميزون عنهم بشيء.

شككت الرئاسة الحاخامية بيهودية الفلاشا بحجة أنهم لا يعرفون التلمود، ولا أحكامه، ولديهم ممارسات مسيحية مثل الرهبنة، ويعترفون بيهودية الشخص من الأب. كما طلبت منهم أن يتحولوا إلى اليهودية الأرثودكسية، وأن يختتنوا ختاناً شرعياً على الرغم من أنهم مختونون! لا شك في أن معاملتهم من قبل اليهود المتشددين تنطوي على تفرقة عنصرية واضحة، ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية.

قد تختلف الرئاسة الحاخامية مع فرقة يهودية ما لسبب واحد كما هو الحال مع فرقة اليهود اليسوعيين الذينيؤمنون بيهودي مخلّص، خلافاً لليهود اليسوعيين الذين يؤمنون بالمسيح عيسى (يسوع) الذي ينتظرون ظهوره الثاني. قد تكون شعائر تهوّد بعض الفرق اليهودية الأخرى وقناعاتهم الفكرية هي السبب الرئيس وراء عدم الإعتراف بهم كما هو الحال مع (فرقة العبرانيين الإسرائيليين) الذين يؤمنون بالكتب الخمسة من العهد القديم بوصفها كُتباً منزّلة، ولا يعترفون بالتلمود الذي هو المصدر الثاني للشريعة، ويقدّسون عيسى بن مريم كنبي، ويستشهدون بأقواله كثيراً، ولا يمارسون الشعائر اليهودية المعروفة.

أما الفرقة الأخيرة التي لم تعترف بها الرئاسة فهي (فرقة اليهود البشرية) التي يقول مؤسسهاشيرون وين، صاحب كتاب (يهودية بدون الله)، إن أعضاء هذه الفرقة، من وجهة نظره، هم الذين إبتدعوا اليهودية، ولا علاقة لها بخالق أو بوحي منزّل،وهم ينتقدون التوراة نقداً شديداً، ويرون فيها الكثير من الأخطاء والتناقضات.

المجموعات المعارضة للحركة الصهيونية

يتوقف الباحث جعفر هادي عند بعض المجموعات المعارضة للحركة الصهيونية مثل مجموعة (أغودات إسرائيل) التيتدعو إلى مجتمع يهودي منفصل سياسياً وثقافياً عن تأثير الحركة الصهيونية. وكان أبرز زعمائها يعقوب دي هان الذي اغتالته (الهاغاناه) عام 1924 لأنه رتّب لقاءً لبعض زعماء الأرثودكس مع الشريف حسين وإبنه الملك عبدالله اللذين كان يزوران شرقي الأردن آنذاك، وقد أبدى هؤلاء رغبتهم في العيش بسلام مع الفلسطينيين. كان دي هان من أشد المنتقدين للصهيونية،غير أن وصول المهاجرين الجدد من بولندا وألمانيا بعد صعود النازية أثرّ على (أغودات) فأخذت تميل إلى التعاون مع المؤسسات الصهيونية اقتصادياً وسياسياً، الأمر الذي دعا مجموعة (نطوري قارتا) إلى رفض التعاون معها، ثم الانفصال عنها عام 1935.

تعني نطوري قارتا (حرّاس المدينة)،وهي مجموعة غير سياسية ترفض الصهيونية، وترفض دولة إسرائيل على أساس ديني، وليس على أساس سياسي. وقدأصبح رئيسها بعد الإنفصال عن أغودات عمرام بلاو وظل حتى وفاته عام 1974. أصدرت (نطوري قارتا) عام 1944 صحيفة (السور)، وبدأت تنتقد الحركة الصهيونية،وتطالب الأمم المتحدة أن تكون القدس تحت اشراف دولي.وكان الحاخام عمرام بلاو يخرج متظاهراً ومحتجاً ضد الدولة، وقد سُجن (153) مرة. وقد وضع على باب منزله لوحة كتب عليها (أنا يهودي ولست صهيونياً) بالعربية والعبرية والإنكليزية. وهم يعتقدون أن إسرائيل ليست دولة علمانية حسب، وإنما هي ترفض الإله والتوراة والشعب اليهودي، وهي دولة غير شرعية ومخالفة لمعتقدات الشريعة اليهودية لأنها أُنشئت على فكرة الصهيونية وهي فكرة باطلة لأنها تخالف معتقدات ظهور المسيح المخلّص اليهودي الذي سينشيء الدولة اليهودية الحقيقية.

يمتنع أعضاء (نطوري قارتا) من المشاركة في الانتخابات البلدية والعامة، ويحثون الآخرين على عدم المشاركة فيها، بل هم يشددون على ضرورة عدم إطاعة قوانين هذه الدولة الزائفة. ومن مظاهر رفض هذه الدولة أنهم لا يرسلوا أبناءهم إلى مدارس الدولة، ولا يؤدوا الخدمة العسكرية، ويرفضوا الهوية التي تصدرها الدولة للمواطنين.

يتنصّل أعضاء (نطوري قارتا) من أية علاقة مع الصهاينة، ويؤكدون باستمرار على أن الشعب اليهودي يعارض إلحاق الأذى بالشعب العربي. لقد أقسم اليهود أمام الرب على ثلاثة أشياء جوهرية وهي: (ألا يستعجلوا الخلاص، وألا يدخلوا فلسطين جماعات بالقوة، وألا يثوروا على الشعوب التي يعيشون بينها) وهم يعتقدون أن الخلاص أمر إعجازي لا دخل للبشر فيه لأن الرب هو المسؤول عن خلاصهم.

النازية والصهيونية

يرى الباحث جعفر هادي أن العلاقة بين النازية والصهيونية وطيدة. ومع ذلك فإن جماعة (نطوري قارتا) ترى أن مصير المشروع الصهيوني هو الفشل الذريع. وأن المحرقة النازية هي عقاب الرب لليهود لأنهم وافقوا على المشروع الصهيوني. وهم يتهمون الصهيونيين بالتعاون مع النازيين.

ويورد الباحث معلومات كثيرة في هذا الصدد منها أن الوكالة اليهودية كانت تعلم علم اليقين بأن مذبحة اليهود قادمة، وأنها سوف تطال مليون يهودي هنغاري وبولندي، لكن المسؤولين فيها لم يوصلوا هذه المعلومات إلى البريطانيين والأميركيين الذين كان بإمكانهم أن يضربوا هذه الأمكنة أو يساعدو في هروب اليهود من المعسكرات التي هُيأت لهم. تدعو (نطوري قارتا) إلى تفكيك دولة إسرائيل لأن وجودها، بحسب رأيهم، يسبب مشاكل كثيرة في منطقة الشرق الأوسط. أما المجموعة الثانية المناهضة للصهيونية فهي (الحسيديم الستماريم) التي لا تختلف بحسب رأي الباحث جعفر هادي في آرائها وتوجهاتها عن (نطوري قارتا) كثيراً، غير أنها أقل حضوراً ونشاطاً منها. يُنسب الحسيديم إلى مدينة ساتومار الهنغارية، ويصل عدد أتباعها إلى مائة ألف نسمة، إلا أن الكثيرين لا يعرفون عنها أي شيء لندرة نشاطاتها. يقف زعيمهم الحاخام يوئيل تيتلباوم ضد الصهيونية وإسرائيل. وكان يؤكد باستمرار على أن إنشاء إسرائيل كان معوّقاً لظهور المخلّص ومؤخراً له، ولولا ظهور دولة إسرائيل لظهر المخلّص. يتمنى تيتلباوم أن تنتهي زوال دولة إسرائيل بضربة إلهية، وليس على أيدي الشعوب الأخرى. ويعتبر حرب عام 1967 إغراءً من الشيطان واختباراً من الخالق لليهودي المؤمن. لا يقتصر انتقاد تيتلباوم للحركة الصهيونية، وإنما يمتد ليشمل رجال الدين الذين ساهموا في إشعال الحرب وتأجيجها، وإضفاء الغطاء الشرعي لها.

الصراع العلماني – الديني في إسرائيل

يُوصِف الباحث جعفر هادي إسرائيل بأنها مجتمع مهاجرين، إذ ينقسم المجتمع الإسرائيلي إلى إثنيات متعددة مثل السفارديم، والأشكينازيم، والروس، ومجموعة كبيرة من اليهود السود الفلاشا، والأفارقة الأميركيين، ومجموعات صغيرة جاءت من أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. ثم يمضي الباحث في وصفه إذ يقول إن المجتمع الإسرائيلي منقسم سياسياً أيضاً إلى يمين ويسار، ومن حيث الشريعة اليهودية فهو منقسم إلى متدينين وغير متدينين، ويوجز هذا الصراع بأنه قائم بين المتدينين والعلمانيين. فاليهود الحريديم يرفضون التعايش مع العلمانيين، بينما تقبل الفرق اليهودية الأخرى التعايش مع العلمانيين ويصفهم الباحث بأنهم أكثر قبولاً لهم وتسامحاً معهم. أما الفرق اليهودية الأخرى، مثل الأرثودكس المحدثين، فهي لا تمانع من العيش معهم أو السكن بينهم، ولا تجد في ذلك ضيراً على الإطلاق. ويؤكد الباحث جعفر هادي بأن الصراع العلماني- الديني يأتي في المقدمة بعد الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

بدأ هذا الصراع بعد بدء الهجرة الأولى التي قام بها اليهود الروس عام 1882 بعد اغتيال القيصر عام 1881، وقد انقسم هؤلاء إلى مجموعتين وهما (محبة صهيون) و (البلويم). كان بعض المهاجرين من البولنديين وكان غالبيتهم من اليهود غير المتدينيين، بل من الكارهين لليهودية وتقاليدها. أما المتدينون المقيمون في فلسطين فقد جاؤوا للسكن فيها لأسباب دينية، إذ أن الحاخامين كانوا يحرّمون الهجرة الجماعية إلى فلسطين قبل ظهور المخلّص، ويعتبرون إسرائيل دولة غير شرعية ومخالفة لأوامر الرب. قامت الجماعات الدينية بإنشاء مؤسسات ومدارس دينية كرد فعل لما قام به العلمانيون من مؤسسات متفتحة وحضارية تتناغم مع روح العصر. تطور الصراع العلماني- الديني واشتد إثر إناطة قوانين الأحوال الشخصية بالمؤسسة الدينية (الرئاسة الحاخامية) وأصبحت هي التي تبت في أمور الزواج والطلاق والميراث والدفن وتحديد هوية الشخص فيما إذا كان يهودياً أو غير يهودي، وتعفي طلاب المدارس الدينية من أداء الخدمة العسكرية أو تأجيلهم. تفاقم هذا الصراع بعد احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية عام 1967، وبناء المستوطنات، وتوسع الاحتكاك بعد أن سكنت المجموعتان في مستوطنات الأراضي المحتلة، وقد تجلّى هذا الصراع في عدد من الأوجه توسع الباحث في شرحها وتفصيلها.

ففي باب الأحزاب والجمعيات أشار الباحث إلى احتدام الصراع بين الأحزاب الدينية والعلمانية.

يورد الباحث جعفر هادي أنموذجين لهذة الأحزاب، الأول هو حزب (شاس) وزعيمه الحاخام عوبودياه يوسف الذي لا يترك مناسبة إلا ويشتم فيها العلمانيين والفلسطينيين والعرب. وكرد فعل لظهور الأحزاب الدينية ظهرت أحزاب علمانية جديدة من بينها حزب شينوي (التغيير) المنحل الذي أنشأه توم لبد لمحاربة الحريديم بسبب سيطرتهم على الحياة العامة في إسرائيل.

أما بصدد الجمعيات فقد أورد الباحث جعفر هادي أسماء خمس جمعيات أو منظمات علمانية تحارب ما يصطلحون عليه بسيطرة اليهود الحريديم على الحياة العامة في إسرائيل مثل منظمة (شعب حر) و(المستهلكين الأحرار) و(المعرفة الحقيقية) و(منع سيطرة اليهود الحريديم) و(الأغلبية الصامتة)، أما المنظمة الوحيدة التي كانت تدافع عن اليهود الحريديم فهي منظمة (منوف) التي ترّد عنهم التُهم التي توجهها لهم المنظمات العلمانية المتحضرة.

عزلة اليهود الحريديم

أشار الباحث جعفر هادي غير مرة إلى أن اليهود الحريديم يفضلون العيش في منعزلاتهم السكانية بعيداً عن العلمانيين والمجموعات الدينية الأخرى الأكثر تفتحاً منهم والفلسطينيين بطبيعة الحال، بل هم يعتبرون السكن مع العلماني أمراً غير صحي، كما يجدون في عزلتهم نوعاً من القوة والحصانة الذاتية. وقد أفضى هذا السلوك الجماعي إلى نشوء أحياء خاصة بهم سرعان ما تطورت لتصبح بلدات أو مدناً كبيرة مثل (حي شعاريم)، و (بني برق) التي بلغ تعدادها السكاني نحو (140) ألف من اليهود الحريديم عام 2006. وقد أنشأها المستوطنون من المتدينين والحاخامين عام 1924، وهي من المدن الأكثر كثافة سكانية، وتقع إلى الشرق من مدينة تل أبيب. وقد غيّروا أسماء شوارعها، وأزالوا الأعلام الإسرائيلية منها لأنهم لا يعترفون بدولة إسرائيل، وإفتتحوا فيها أول مخزن تجاري للنساء تعزيزاً لظاهرة الفصل بين الجنسين المتخلفة. وقد أورد الباحث مدناً عديدة أخرى من بينها مدينة (نتيفوت)، و (بيطار عيليت) وغيرهما من المدن الحريدية. كما يتصدى العلمانيون للحريديين الذين يحاولون السكن في القدس، فهؤلاء الناس مختلفون عن بقية المجموعات اليهودية في لباسهم وطعامهم وشرابهم وسلوكهم وحتى في لغتهم التي تبدو مختلفة عن لغة العلمانيين لأنها تتمترس وراء كلمات واصطلاحات دينية صرف. لا يلتزم العلمانيون بيوم السبت فهم يقودون سياراتهم، ويفتحون دكاكينهم ومقاهيهم، ولا يلتزمون بملابس معينة أو أكلات شرعية.

يوّجه اليهود الحريديم انتقاداتهم اللاذعة إلى أغلب الشخصيات العلمانية سواء أكانت رموزاً سياسية أم فكرية أم ثقافية. فلم يسلمْ شمعون بيريز وإسحق شامير من انتقاداتهم، كما لم تسلم الشخصيات الرئيسة في الجيش والمحكمة العليا وبقية مرافق الدولة الحديثة التي يرون أن قوانينها تعارض التوراة والتلمود وبقية الكتب الدينية. يورد الباحث جعفر هادي أمثلة عديدة لشخصيات سياسية وثقافية تعرضت لانتقادات حادة من قبل الحريديم مثل شولاميت ألوني، مؤسسة حزب حقوق المواطنين التي أُجبرت على الاعتذار على بعض التصريحات التي أدلت بها. كما تمكنوا من سحب جائزة (سوسمن) من النحات المعروف إيغال توماركن بسبب الانتقادات الحادة التي يوجهها لهم بين أوانٍ وآخر، كما حاولوا أن يسحبوا جائزة إسرائيل للأدب في العام ذاته من الروائي المعروف عاموس عوز بسبب تصريحاته المناوئة لهم، لكنهم لم يفلحوا في ذلك. لا تقتصر الانتقادات الحادة على الحريديم حسب، بل أن العلمانيين يوجهون انتقاداتهم للحريديم أيضاً، وكثيراً ما يكون للحاخام عوبودياه حصة الاسد، فهم يصفونه دائماً بأنه (حمارٌ يحمل أسفارا).

تجليات الصراع الأخرى

يتجلى الصراع بين العلمانيين والحريديم في الشأن الثقافي أيضاً إذ أصدر العلمانيون عدداً كبيراً من الكتب والروايات والمسرحيات التي ينتقدون بواسطتها اليهود الحريديم. وقد أورد الباحث جعفر هادي نماذج من هذه الكتب نذكر منها (الحريديم) للصحفي أمنون ليفي عام 1990 و (حمار المسيح) لسفي رتشلفسكي، و (أسود على أبيض: نظرة عن قرب لعالم الحريدي) لحاييم إبلباوم، و (الشيطان يخرج من الظلام: قصص من التحريد)، و (صمت الحريديم) و مسرحية (المنافق) التي تبناها العلمانيون لأنها تتضمن انتقادات شديدة للحريديم المرائين الذين يبطنون شيئاً ويُظهرون شيئاً آخر غيره.

أما تجليات الصراع التربوي بين العلمانيين والحريديم فتتمثل بطبيعة المواد التي يدرسها الطلاب.

فالعلمانيون يركزون على دراسة العلوم الحديثة والآداب والفنون وما إلى ذلك، أما الحريديم فيقتصر تركيزهم على الجانب الديني، والغريب أن جلّ موضوعاتهم تشجّع على التعصب الديني الأهوج، واحتقار التفكير العقلاني، وإهمال العلوم الحديثة.

تعتبر نظرة الحريديم إلى المرأة دونية جداً قياساً بنظرة العلمانيين المتحضرة التي لا تفرّق بين الرجل والمرأة. فالحريديم يصفونها بصفات نابية، ولا يجيزون لها أن تعمل في السياسة أو تتبوأ مراكز عامة تقود بواسطتها الرجال، ويفرضون عليها لباساً خاصاً، ولا يسمحون لها أن تتكلم مع الأجنبي، ويعتبرون صوتها عورة! أما المرأة العلمانية فتتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها الرجل.

يتجلى موضوع الهوية في الصراع بين العلمانيين والحريديم حيث يؤمن العلمانيون بأهمية الدولة وقيم الديمقراطية ومظاهرها مثل المحاكم والبرلمان والانتخابات وما إلى ذلك، وبين المتدينيين الذين لا يعيرون هذه المظاهر المتقدمة أي اهتمام. ومن مظاهر الصراع في موضوع الهوية هو:

منْ هو اليهودي؟ لأن الحريديم لا يعترفون بيهودية الشخص إلا منْ يطبق الشريعة اليهودية، أو منْ كانت أمه يهودية، أو منْ تحوّل اليها عن طريق (الهلخا) أي الشريعة اليهودية.

يتوصل الباحث جعفر هادي في نهاية هذا الفصل إلى بروز الدعوة لتقسيم إسرائيل إلى ثلاث دول وهي دولة علمانية، ودولة دينية، إضافة إلى الدولة الفلسطينية. وجرّاء هذا الصراع الحاد بين العلمانيين والحريديم حدثت هوّة كبيرة وصلت ذروتها حينما أقدمَ (عمير) الذي كان محسوباً على المتدينين القوميين على اغتيال إسحق رابين الذي وصف بالاعتداء الصارخ على العلمانيين بصورة خاصة. لا تزال هذه الهوّة قائمة في إسرائيل بسبب الاحتكاك المتواصل بين الطرفين في مساحة جغرافية صغيرة تغلي بالتناقضات والصراعات المتواصلة بين العلمانيين والمتدينين من جهة، وبين إسرائيل والدولة الفلسطينية من جهة أخرى.

السنة العبرية

يحتفل اليهود بالسنة الجديدة في اليوم الأول من الشهر العبري السابع (تشري)، وهو ثاني أقدس يوم بعد يوم الكفور. وفي هاتين المناسبتين يُمنع فيهما العمل وتحضير الطعام. يؤكد الباحث جعفر هادي بأن العبرانيين كانوا يعّدون شهورهم بالعدد، الأول، الثاني، الثالث . . الخ، ولكن حينما سباهم البابليون وأخذوهم أسرى إلى العراق تعلّموا أسماء الشهور البابلية وإستعاروها منهم مثلما استعاروا أشياء أخرى كثيرة. تعددت أسماء اليوم الأول من السنة، إذ سُمّي بـ (يوم الصراخ، النفخ في البوق)، و (يوم الذكرى) على اعتبار أن الرب يذكر خلقه في هذا اليوم، ويُريهم رحمته الخ، و (يوم الدينونة أو يوم الحساب)، إذ يعتقد اليهود أن الرب يحاسبهم في هذا اليوم، ويدوّن أسماء الأخيار في سجلات الأحياء، وأسماء الأشرار في سجلات الأموات، أما النمط الثالث فيدوِّن أسماءهم بين الاثنين، ويكون البتّ بمصير المجموعة الثالثة في يوم الكفور الذي يصادف في اليوم العاشر من هذا الشهر. ويعتقد اليهود أن الرب يعفو عن ذنوبهم ويغفرها في هذا اليوم تحديدا.

يورد الباحث جعفر هادي أحداثاً مهمة وقعت في اليوم الأول من السنة نذكر منها (أن الله خلق الكون في هذا اليوم، وأن النبيين إبراهيم ويعقوب وُلِدا وماتا في هذا اليوم، وأن سليمان قد أنهى بناء الهيكل. .الخ). يتهيأ اليهود لهذه المناسبة، إذ ينظفون بيوتهم، ويشعلون الشموع، ويغطسون في ماء بارد تعبيراً عن التطهّر أمام الرب، ويؤدون طقس (الإعفاء من النذور والالتزامات). تؤدي الجماعات اليهودية صلاة خاصة بهذا اليوم تسمّى (صلاة طلب المغفرة)، وتصلّى غالباً قبل رأس السنة حيث يقرأ المصلون في صلاة الصبح مقاطع خاصة من قصة تضحية النبي إبراهيم بابنه، ومقاطع من سفر إرميا وما إلى ذلك.

يؤكد الباحث جعفر هادي بأن اليهود لا يعرفون السبب الذي يدفعهم للنفخ في البوق حيث قال البعض أنه تنبيه للمذنبين وإيقاظهم كي يتوبوا غير أن الباحث يرى أن هذه المناسبة لا تختلف عن المناسبات الأخرى التي ينفخ فيها اليهود بالبوق كالصيام العام والمناسبات التاريخية والكوارث.

يمتنع اليهود في هذا اليوم عن طبخ الطعام وإشعال النار وإصلاح الآلات المعطوبة. كما منع الحاخامون الجماع والنوم بعد وجبة طعام الظهر وقبل صلاة العصر. يأكل اليهود في هذه المناسبة أطعمة خاصة مثل الخبز المستدير والعسل، ورأس الشاة، والسمك، وبعض الفواكه المجففة. ولكل أكلة سبب فهم يأكلون الخبز المستدير على أمل أن تكون حياتهم مستمرة ودورتها لا تنتهي، ورأس الشاة لأنه يذكرهم بالكبش الذي ضحّى به النبي إبراهيم بدلاً عن ابنه وهكذا دواليك.

يمارس اليهود في هذه المناسبة طقساً مهماً يسمونه (طقس التشليخ)، وكلمة (التشليخ) كما يذهب الباحث جعفر هادي مشتقة من الجذر العبري (شلخ) التي تعني (أرسل، رمى، نزع). ولممارسة هذه الشعيرة يذهب اليهود جماعات إلى مكان فيه ماء بعد الانتهاء من صلاة العصر وقبل مغيب الشمس، كما اشترط الحاخامون أن يكون الماء فيه سمك، ثم ينفضون أطراف ملابسهم وجيوبهم وكأنهم ينقلون ذنوبهم إلى الماء كي يجرفها التيّار ويأخذها السمك. يذهب بعض اليهود الحسيديم في مسيرات جماعية إلى النهر يحملون فيها الشموع، ثم يشعلون أكواماً من التبن ويرمونها في البحر فتبدو وكأنها مراكب صغيرة من نار. وفي الاطار ذاته يصعد بعض اليهود الحسيديم ، كما في مدينة صفد، فوق أسطح منازلهم لكي يروا بحيرة طبرية من بعيد ويؤدوا طقس التشليخ، بينما لا تكتفي بعض الجاليات اليهودية الشرقية بالوقوف عند الماء، بل هم يفضلون السباحة فيه بدلاً من نفض جيوبهم لأن ماء النهر يغسل كل الذنوب التي اقترفها الانسان في السنة الماضية.

المهاجرون الروس في إسرائيل

بعد اغتيال قيصر روسيا عام 1881 هاجرت مجموعات يهودية روسية إلى أميركا وتركيا وفلسطين عن طريق جمعيات صهيونية متعددة. وكان هدف الهجرة هو "إرجاع استقلال اليهود الذي سُرِق منهم خلال الألفي سنة". ثم تواصلت الهجرات حيث أنشأوا المستوطنات والمؤسسات والجمعيات، غير أن هذه الهجرة توقفت في أثناء حكم ستالين بعد "مؤامرة الأطباء" اليهود الذين كانوا يخططون لدسّ السم لستالين وبعض المسؤولين الكبار. عُقدت العديد من المؤتمرات المُطالبة بالسماح لليهود بالهجرة بعد اتهام الاتحاد السوفييتي باضطهاد اليهود. بعد انتصار إسرائيل على العرب عام 1967 أُنعشت آمال اليهود في الهجرة من الاتحاد السوفييتي، لكن تبيّن أن غالبيتهم يريدون الهجرة إلى أميركا وأوروبا، لذلك فرضت عليهم شروط قاسية من بينها إعادة أموال التعليم التي أُنفقت عليهم على الرغم من أن التعليم كان مجانياً! كانت إسرائيل تحّث اليهود على الهجرة إليها وتحاول إقناعهم بشتى السبل حيث كانوا يعرضون عليهم أفلاماً عن الحياة (الجميلة والمريحة) ويغرونهم بكمية المخصصات التي يتقاضونها في حال وصولهم. كما كانت الوكالة اليهودية ترسل المعلمين الذين يدرّسون اللغة العبرية لمن يريد الهجرة إلى إسرائيل. وقد بلغ عدد المهاجرين اليهود (122) ألفاً، غير أن ألفين منهم فقط قد ذهبوا الى إسرائيل، فيما توجّه الجزء الأكبر منهم إلى أميركا وأوروبا.

وقد عبّر إسحق شامير عن استيائه لأن اليهود الروس خرجوا من الاتحاد السوفييتي ولم يأتوا إلى بلدهم إسرائيل. فالهدف، بحسب رأيه، ليس تبديل مكان الشتات بمكان آخر. فرضت أميركا شروطاً قاسية على منْ يريد الهجرة إليها من اليهود الروس من بينها أن يحصلوا على فيزا من سفارتها في موسكو، وأن يقدّم المهاجر دليلاً على اضطهاده سياسياً، الأمر الذي أدّى إلى تقليل عدد المهاجرين الروس الى أميركا فاضطروا للذهاب إلى إسرائيل. تغيرت طبيعة المناطق الفلسطينية بعد أن سكنها الكثير من الروس، إذ أصبحت اللغة الروسية رائجة. بيّنت إحصائيات المؤسسة الدينية أن ما يقرب من ثلث المهاجرين هم ليسوا يهوداً طبقاً للشريعة اليهودية، بل أن إحصائيات أخرى ذكرت أن نصفهم غير يهود، لكنهم حصلوا على وثائق مزوّرة داخل إسرائيل. لا يحتفل الكثير من الروس بالأعياد اليهودية حتى المهمة منها مثل عيد الفصح، بل أنهم يذهبون الى الكنائس، ويحتفلون بعيد رأس السنة الميلادية، ويفتحون محلاتهم التجارية يوم السبت، وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة إلا أن عدد المتحولين وفقاً للشريعة لم يزد على بضعة آلاف. وبسبب صعوبة التهوّد طبقاً للشريعة الأرثودكسية فقد إلتجأ المهاجرون الروس إلى الفرق اليهودية الأخرى كالاصلاحية والمحافظة لأنها أسهل بكثير من التهوّد عند الأرثودكس، الأمر الذي مكنّهم من الحصول على أوراق الزواج والطلاق والدفن في مقابر الفرق الأخرى. لم يندمج الروس في المجتمع الإسرائيلي فهم يستعملون اللغة الروسية والطعام الروسي، وكلاهما يوجّه التُهم إلى الطرف الآخر.

فالإسرائيليون يتهمون الروس بالانعزال، والروس يتهمون الإسرائيليين بأنهم لا يريدون التواصل معهم أو الاندماج فيهم. لا يرسل المهاجرون الروس أطفالهم إلى المدارس الدينية، كما أن الشباب يحنّون إلى روسيا. يعتّز الروس بثقافتهم ويريدون لأبنائهم أن يتعلموا الروسية. وهم يعتقدون أن الحياة الأدبية في روسيا أكثر إثارة. أما الإسرائيليون فهم يتهمون الروس بأنهم نشروا ظاهرة الادمان على الكحول والدعارة والمخدرات. احتفظ الروس بلغتهم الروسية وأصدروا العديد من الصحف والمجلات والدوريات والكتب باللغة الروسية. وهم يفتخرون بأن لديهم مسارح جادة وعميقة إضافة الى فرق البالية والأوبرا الروسية المتطورة جداً، فلا غرابة إذاً حينما يصف المهاجر الروسي إسرائيل بأنها صحراء ثقافية. كما يشكو الروس من تدني مستوى التعليم في كل المراحل الدراسية في إسرائيل. بعد مجيء المهاجرين الروس انتشرت ظاهرة بيع لحم الخنزير وأثارت خلافاً جديداً بين العلمانيين والمتدينيين.

كما ظهرت في إسرائيل ظاهرة النازيين الجدد الذين يعادون اليهودية في دولة إسرائيل، وقد اعتدوا على طلاب المدارس الدينية غير مرة، وهناك منظمات روسية متطرفة تعتدي على العمال الأجانب وتدعو الى قتل الفلسطينيين والتمثيل بجثثهم. ينظر المهاجرون الروس إلى اليهود الشرقيين نظرة سلبية ويتهمون العرب بتدني ثقافتهم، فلا غرابة أن يعاملونهم معاملة عنصرية فيها الكثير من التجنّي.

قبائل بني إسرائيل الضائعة

تقوم العديد من المنظمات الإسرائيلية في عملية بحث واسعة في عدد من بلدان العالم للعثور على ما تسمّيه بالقبائل اليهودية الضائعة بغية تهجيرهم إلى إسرائيل. فهم يعتقدون أن هذه القبائل اليهودية قد تحولت إلى الإسلام أو غيرها من الديانات خلال مراحل متعددة من التأريخ، ويحاولون إرجاعهم إلى إسرائيل كما أرجعوا الفلاشا وغيرهم من القابئل اليهودية. تتفتق مخيلة الإسرائيليين اعتمادا على ما ورد في التوراة من تدمير الآشوريين للسامرة وسبي اليهود وإسكانهم في عدة مدن آشورية. وهناك رواية أخرى يذكرنا بها (الداني) مفادها أن هذه القبائل قد هاجرت بعد وفاة سليمان لكي تتفادى الحرب الأهلية التي وقعت بين قبائل بني إسرائيل. وهناك حملة ثالثة تحاول إعادة اليهود المرانوس من أسبانيا والبرتغال.

يعتقد بعض المبشرين الذين ذهبوا الى أميركا أن الهنود الحمر هم من قبائل بني إسرائيل الضائعة ودليلهم على ذلك هو التشابه في اللغة والعادات والتقاليد والعديد من الطقوس الدينية. أما في أفريقيا فقد أكد المندوبون بأن الفلاشا واللمبا هما من القبائل يهودية وإن اختلفوا في بعض التفاصيل فهم يأكلون الحلال، ويختنون أولادهم، ولا يأكلون اللحوم المحرّمة في التوراة، ويضعون نجمة داوود على قبورهم. كما تدعي قبائل أفريقية أخرى مثل التوتسي والأغبو ومجموعة من قبيلة اليوروبا بأنها من قبائل بني إسرائيل الضائعة.

توجد في آسيا قبائل يهودية ضائعة مثل التتر الذين تتشابه عاداتهم مع العادات اليهودية، كما يتواجد في الهند والصين والباكستان وأفغانستان أناس يُعتقد أن أصولهم يهودية ويستدلون على ذلك بواسطة الأسماء العبرية والتوراتية، بل أن هناك مجموعة كبيرة من القبائل (الوثنية والمسيحية) على حدود الهند- مينمار ترجع أصولها إلى القبائل الضائعة التي تسمّي نفسها اليوم بـ (بني منسه)، وقد هُجِّر بعضهم إلى إسرائيل.

يشيع البعض إلى أن أصول الأفغان قد تكون يهودية وذلك للتشابه الكبير بينهم وبين الشكل اليهودي المميز. كما أن هناك مجموعات يعتقد أن أصولها يهودية يقطن بعضها قرب مدينة قندهار وهم الآن مسلمون غير أن أصولهم يهودية، كما يشاع أن قبائل البتان الكبيرة جداً هي قبائل ذات أصول يهودية أيضاً، غير أن الباحث القدير جعفر هادي له آخر في هذا الصدد غير أن بحثه يقتصر على عرض النشاطات التي تقوم بها المنظمات اليهودية، وليس مناقشة الأدلة الضعيفة التي يقدّمها الباحثون والدارسون اليهود في هذا المضمار.

اختفاء الأطفال اليمنيين

هُجِّر ما بين عامي 1949 و 1953 نحو (50) ألف يهودي يمني إلى إسرائيل. وأقام هؤلاء في معسكرات مخصصة لليهود الشرقيين الذي عُوملوا معاملة سيئة. كانت الدولة آنذاك تريد أن تغيّر قناعاتهم وعاداتهم بقناعات وتقاليد العلمانيين حيث قصّوا ضفائرهم، وانتزعوا أغطية رؤوسهم، وحلقوا لحاهم. ثم بدءوا يعلّمون الأطفال على احتقار آبائهم الذين يصفونهم بالبدائيين والمتخلفين.

شاعت ظاهرة اختفاء الأطفال في أثناء تواجد اليمنيين في مجمّعات الانتقال حيث كانوا يأخذون الأطفال إلى المستشفيات بعد ولادتهم مباشرة ثم يخبرون ذويهم بأنهم قد فارقوا الحياة لأسباب صحية. وقد تكررت الحالة مع الأطفال العراقيين والايرانيين والمغاربة. أصبحت قضية اختفاء الأطفال اليمنيين قضية عامة بين عامي 1966 و 1968 بعد أن تسلّمت العوائل رسائل تقتضي بالتحاق أبنائهم لتأدية الخدمة العسكرية الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أصوات ذويهم بوجوب التحقيق لمعرفة مصائر الأطفال المفقودين. فثمة احساس أقرب إلى اليقين بأن الأطفال لم يموتوا، ولكن تمّ تبنّيهم من قبل عوائل يهودية أخرى من الأشكيناز الأثرياء بغية تربيتهم تربية يهودية مغايرة لما هو متبع لدى العوائل اليمنية.

أورد الباحث جعفر هادي عدداً القصص المفجعة والشهادات الدامغة التي تتعلق باختفاء عدد من الأطفال اليمنيين من المستشفيات ودور الحضانة والمجمّعات السكنية التي أعدت لليهود اليمنيين. وذكر أمثلة مؤلمة لاختفاء هؤلاء الأطفال نذكر منهم (يهودا، يهوديت، رحميم ويحيى) والهدف الرئيس من اختطافهم هو تربيتهم تربية مغايرة للتربية الدينية المتشددة على أيدي آبائهم وذويهم الذين يلتزمون بالتوراة والتراث اليهودي. يتوقف الباحث جعفر هادي عند الحاخام عوزي موشلام الذي حاول أن يكشف ملابسات هذه القضية التي هزّت الضمير الانساني في كل مكان من هذا العالم، لكن محاولاته كانت تذهب أدراج الرياح، وقد تعرض غير مرة للاغتيال من قبل الموساد الإسرائيلي لأن هناك شخصيات سياسية ودينية متورطة في هذه القضية. وفي واحدة من اعتصاماته قُبض عليه وسجن لمدة ست سنوات خرج بعدها محطماً وقيل إنه تعرض للتعذيب المبرِّح وحُقن بمادة كيمياوية غريبة. يقول موشلام بأن هناك أكثر من (20) ألف طفل يمني قد فقدوا في أثناء وجودهم في مجمعات الانتقال وقد بيعوا إلى يهود أوروبيين أثرياء بغية تبنّيهم وتربيتهم تربية علمانية متفتحة. كما اتهم مريم بن فورات، وكانت تشغل منصب (مراقب الدولة) بأنها قد باعت الأطفال اليمنيين إلى أميركا بهدف اجراء تجارب طبية عليهم.

يصل الباحث جعفر هادي إلى خلاصة مفادها أن الأطفال اليمنيين قد اختطفوا بعمليات سرّية وبشكل منظّم وقد اشترك في العمليات أطباء رسميون وموظفون يعملون في الوكالة وفي وزارتي الصحة والداخلية وقد بيع هؤلاء الأطفال إلى عوائل أشكينازية ثرية فقد بعضهم ابناءه في الحرب العالمية الثانية. لا شك في أن الضحايا اليمنيين ومناصريهم ينتقدون الحكومة الإسرائيلية، ويتشفون بها حينما يقولون: (إن البلد الذي يبيع أبناءه سيباع في النهاية إلى أعدائه).

الحركة النسوية اليهودية

يؤكد الباحث جعفر هادي بأن الحركة النسوية اليهودية قد ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين بغية تحقيق ذات المرأة وشخصيتها في الديانة اليهودية. ومن الواضح أن الديانة اليهودية قد همّشت المرأة وأقصتها بسبب هيمنة الرجل وتسيّده، ونظرت لها نظرة دونية. فالحاخامون ليسوا مسيطرين على الحياة الدينية حسب، بل على الحياة العامة برمتها، إذ لم يسمح للمرأة أن تكون حاخامة أو مُنشدة في كنيس، بل لم يُسمح لها أن تتعلم الدين أو تعلّمه، ولا يُسمح لها أن تُطلَّق إلا بموافقة زوجها. أخذت سيطرة الحاخامين تضعف بعد عصر تحرير اليهود في أوروبا الذي جعل المرأة تقف على قدم المساواة مع الرجل، وهذا ما يطالب به العلمانيون وبقية الفرق الدينية غير المتشددة. ففي عام 1966 أُسست في أميركا منظمة وطنية للنساء تطالب بإزالة التفرقة بين الجنسين، والتوقف عن التحرّش الجنسي بالنساء، والسماح بإسقاط الجنين وما إلى ذلك. ثم رُفع النساء سقف مطالبهن وأخذن يطالبن بأن يكنّ حاخامات ومنشدات دينيات وأعضاء في مجالس الكنس، ثم توسعت هذه المطالب لتشمل المشاركة في الوظائف التي لها علاقة بالأنشطة الثقافية والاجتماعية.

ظهرت (ليليث)، وهي مجلة نسوية بامتياز تهتم بالحركة اليهودية في أميركا، وتعالج قضايا المرأة، وتدافع عن حقوقها. سميت هذه المجلة بليليث تيمناً بليليث المرأة التي خُلقت مع آدم من تراب واعتبرت نفسها مساوية له. في عام 1983 وافقت فرقة اليهودية المحافظة على قبول الإناث في معهد تخريج الحاخامين، وقد تخرجت أولى الحاخامات عام 1985م. وقد امتد هذا التأثير إلى اليهود الأرثودكس الذين سمحوا للمرأة أن تقوم بدراسة التلمود، وتؤدي الصلوات الخاصة بهن، وأن يكنَّ مرشدات إلى جانب المرشدين في الجماعة.

ابتدعت الحركة النسوية مناسبات واحتفالات خاصة بالمرأة مثل الولادة، والفطام، والبلوغ، والزواج، والطلاق، وسن اليأس، وسقوط الحمل، والإجهاض، والشهر الجديد، ومسرّة البنت، وعهد البنات وما إلى ذلك.

استعملت الحركة النسوية صيغتي التذكير والتأنيث في مخاطبة الرب، وهناك منْ استعمل صيغة الضمير الحيادي (It) كإشارة إلى الرب كما فعلت الشاعرة الأميركية المعروفة مارشيا فولك في ديوانها (كتاب البركات) حيث استعملت الضمير الحيادي المُشار إليه سلفاً. وقد قوبل هذا الاقتراح بالاعتراض من قبل منظمات نسوية أخرى لأنه من غير الممكن استعمال الضمير الحيادي في اللغة العبرية التي تحتوي على نوعين من الضمائر لا ثالث لهما وهما المذكر والمؤنث للبشر وللاشياء.

وعلى الرغم مما حققته الحركة النسوية من إنجازات كبيرة إلا أن أعضاءها مازلن يطالبن بالمزيد ويعتقدن بأنهن لم يحققن جل ما يطمحن إليه. وقد رأى البعض أن ما قامت به هذه الحركة هو ليس ثورة اجتماعية حسب، بل هو ثورة دينية أيضاً لأنهن يطالبن بفهم جديد للتوراة والرب ولليهود. كما أن الحراك الذي سببته الحركة النسوية سوف يكون مصدراً مهماً من مصادر التجديد الديني.

لابد من الإشارة إلى أن الجزء الثاني من الكتاب يتضمّن دراسة قيّمة لأربع شخصيات يهودية مهمة وهي الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، والمفكر البرتغالي أوريل داكوستا، ويوسف ناسي، والمفكر الروسي يعقوب كلتزكن الذين لعبوا دوراً كبيراً في تعزيز الفكر اليهودي وإثرائه.

عدنان حسين أحمد: كاتب عراقي، لندن







  رد مع اقتباس
قديم منذ /14-08-2011, 07:50 PM   #3

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي صهيون وصهيونية


إعلان نشر في المحلات اليهودية-الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى، تظهر في الصورة بنت
صهيون والتي تمثل الشعب اليهودي وهي تدعو اليهود المشتتين بلغة الياديش "أريد أرضكم
القديمة الجديدة. انضموا للفوج اليهودي العسكري.

صهيون وصهيونية
صهيون

صهيون (بالعبرية : צִיּוֹן ومعناها الحصن) هو واحد من التلين الذين كانت تقوم عليهما مدينة أورشليم القديمة حيث أسس داود عاصمته الملكية. مر ذكر صهيون لأول مرة في العهد القديم كمنطقة قام عليها حصن لليبوسيين وقعت لاحقا في يد العبرانيين لتتحول لمدينة داود (2 صموئيل 5: 7 و 1 أخبار 11: 5) ووضع على ذلك التل تابوت العهد فأصبح أرضا مقدسة (2 صموئيل 6: 10-12) ولكن التابوت نقل لهيكل سليمان بعد أن تمت عمارته على جبل المريا (1 ملوك 8: 1 و 2أخبار 3: 1 و 5: 2)، فمن هاتين الآيتين يستدل بأن صهيون والمريا مرتفعين منفصلين.

المصطلح صهيون اشتمل بعدها على جبل المريا أيضا أي حيث أقيم الهيكل المقدس (اشعياء 8: 18 و 18: 7 و 24: 23 ويوحنا 3: 17) لهذا ذكرت صهيون حوالي 200 مرة في العهد القديم بينما لم يذكر المريا سوا مرتين فقط (تكوين 22: 2 و 2 أخبار 3: 1). إذاً في العهد القديم ورد اسم صهيون غالبا للحديث عن أورشليم بمجملها وذلك بصورة شعرية أو نبوية (2 ملوك 19: 21 ومزامير 48 و 69 : 35 و 133: 3 واشعياء 1: 8 وغيرها)، بينما في زمن المكابيين عرفت صهيون بأنها الرابية التي يقوم عليها هيكل سليمان فقط وليس مدينة أورشليم بكاملها (1 مكابيين 7: 32 و 33).

صهيون أو جبل صهيون (جبل النبي داود) في اليهودية هي مكان سكنى يهوه (الله) وستكون مركز خلاصه المسيحاني، وبالنسبة لليهود فإن صهيون هي وطن العبرانيين ورمزاً لآمالهم القومية، ومن هذه الكلمة جاء مصطلح الصهيونية. يندر في العهد الجديد ذكر صهيون، ولكنها استخدمت في الأدب المسيحي بشكل عام للحديث عن أورشليم السماوية كرمز للمكان الذي سيسكنه الأبرار إلى الأبد بحسب المعتقد المسيحي.

الصهيونية

الصهيونية (بالعبرية:ציונות) هي حركة سياسية يهودية، هدفها الرئيسي إقامة دولة يهودية في فلسطين، وذلك بتشجيع هجرة اليهود في أنحاء العالم كافة إلى فلسطين أو "إيريتس يسرائيل" حسب التسمية اليهودية التقليدية وإقامة تجمعات يهودية جديدة في هذه البلاد. وفي أيار/مايو 1948 توجت الحركة الصهيونية خطواتها في العمل لتحقيق هذا الهدف، بتأسيس دولة لليهود سميت بدولة إسرائيل واعتراف بعض دول العالم بها. أما بعد تأسيس إسرائيل فتستهدف الحركة الصهيونية تعزيز العلاقات بين المجتمعات اليهودية في أنحاء العالم وإسرائيل وتشجيع اليهود من البلدان المختلفة لزيارتها والهجرة إليها.

لغة

كلمة "صهيوني" مشتقة من الكلمة "صهيون" وهي أحد ألقاب جبل صهيون (الذي يسمى ب"جبل داود" عند المسلمين المقدسيين) والذي يعتبر الأقرب إلى مكان بناء هيكل سليمان في القدس كما هو مذكور في الصحائف التي يؤمن بها اليهود وبعض المسيحيون.

الصهيونية اصطلاحا هي فكر وحركة سياسية هدفها توحيد اليهود في الشتات وإسكانهم في فلسطين بعد حرب وتهجير الشعب الفلسطيني. توجت جهودها بإقامة دولة لليهود تسمى دولة إسرائيل عام 1948. أول من استخدم مصطلح الصهيونية هو ناثان برنباوم الفيلسوف اليهودي النمساوي عام 1890.

تم عقد أول مؤتمر صهيوني في مدينة بازل في سويسرا ليتم تطبيق الصهيونية بشكل عملي على فلسطين فعملت على تسهيل الهجرة اليهودية ودعم المشاريع الاقتصادية اليهودية. ومن خلال متابعة القضية الفلسطينية منذ 1948م نجد بان الصهيونية حركة ارهابية غير قانونية هدفها إنشاء كيان صهيوني على حساب أرض فلسطين العربية باستخدام جميع الوسائل المحرمة دوليا لأن الصهيونية لا تعترف بقوانين الأمم المتحدة وتعتبر نفسها فوق القانون.

خلفية تاريخية

يقول المفكرون الصهاينة أن الحاجة لإقامة وطن قومي يهودي قديمة ظهرت خاصة بعد الأسر البابلي على يد نبوخذ نصر وكذلك اعتقاد المتدينين اليهود أن "أرض الميعاد" (التسمية اليهودية لأرض فلسطين) "قد وهبها الله لبني إسرائيل فهذه الهبة أبدية ولا رجعة فيها" إلا إنهم لم يتحمسوا كثيراً للصهيونية باعتبار أن أرض الميعاد ودولة إسرائيل لا يجب أن تُقام من قبل بني البشر كما هو الحال، بل يجب أن تقام على يد المسيح المنتظر.

قام عدد من اليهود حديثا في مطلع القرن العشرين بشكل فردي بالسكن في فلسطين عن طريق القوة وذلك لتشكيل بذرة وجودهم على أرض فلسطين ولكنهم كانوا يشكلون أقلية، ولكن الصهيونية الحديثة لم تستطع الظهور إلا عندما تم علمنة الحياة اليهودية عن طريق حركة التنوير اليهودية "الهسكلاه" والتي ترأسها موسى مندلسون في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث ساهمت بالابتعاد عن الديانة اليهودية الاورثوذكسية وخلق روح قومية تتوحد عن طريق الدين. في البداية حاولت حركة التنوير صهر اليهود في المجتمع الأوروبي. سعت حركة الإصلاح اليهودية التحررية في ألمانيا من أجل عدم اختزال اليهودية في طائفة وأن يتقبلوا الثقافة الألمانية. ولكن الأوضاع السياسية والاضطهاد العنصري لليهود أثبت أنهم لايستطيعون الاندماج في الثقافات الأخرى حتى في ظل العلمنة، حيث ظهرت سلسلة أعمال عنصرية ضد اليهود خاصة في روسيا بعد مقتل القيصر الكسندر الثاني، حيث دفعت اليهود للهجرة للولايات المتحدة واعتقدوا أن دورهم التاريخي هو كبش فداء للشعوب.

وظهرت قضية القائد الفرنسي اليهودي دريفوس الذي اتهم بالخيانة عام 1894 بشكل خاطئ والذي أظهر اللاسامية في الجيش واستقطب عدد من الساسة وقادة المجتمع التقدميين ضد الكنيسة الرومانية الاورثوذكسية والجيش. في منتصف القرن التاسع عشر ظهر حاخامان دعوا اليهود إلى تمهيد الطريق للمسيح المنتظر بإقامة وطن قومي وظهر الفيلسوف الألماني اليهودي موسى هس في كتابه روما والقدس وقال أن المشكلة اليهودية تكمن في عدم وجود وطن قومي لليهود.

تعاقبت الأحداث سراعاً ما بين الأعوام 1890 - 1945 وكانت بداية الأحداث هي التوجه المعادي للسامية في روسيا ومروراً بمخيمات الأعمال الشاقة التي أقامها النازيون في أوروبا وانتهاءً بعمليات الحرق الجماعي لليهود (الهولوكوست) وغيرهم على يد النازيين الألمان إبّان الحرب العالمية الثانية. تنامت الرغبة لدى اليهود النّاجين من جميع ما ذُكر بإنشاء كيان يحتضن اليهود واقتنع السواد الأعظم من اليهود بإنشاء كيان لهم في فلسطين، وساند أغلب اليهود الجهود لإقامة دولة لهم بين الأعوام 1945 - 1948 ولكن اختلف بعض اليهود في الممارسات القمعية التي إرتكبتها الجماعات الصهيونية في فلسطين بحق الشعب العربي الفلسطيني من قتل وتشريد الأطفال كما حدث في حرب غزة في عام 2008 وبناء جدار الفصل على أراضي الضفة الغربية.

تأسيس الحركة الصهيونية


ثيودور هيرتزل

في عام 1896 قام الصحفي اليهودي المجريثيودور هرتزل بنشر كتاب دولة اليهود وفيه طرح أسباب اللاسامية وكيفية علاجها وهو في رأيه إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين لما تتمتع به من مكانة دينية واستراتيجية واقتصادية (على حساب قتل واعتقال وتهجير وتشريد الشعب الفلسطيني)، واتّصل بامبراطور ألمانيافيلهلم الثاني فنجح في الحصول على دعمه، كما اتصل بالسلطان عبد الحميد الثاني ولكن محاولته باءت بالفشل وحتى طلب المال من قبل الأغنياء اليهود باء بالفشل.

في عام 1897 نظم هرتزل أول مؤتمر صهيوني في بازل في سويسرا حضره 200 مفوض، وصاغوا برنامج بازل والذي بقي البرنامج السياسي للحركة الصهيونية، والبرنامج عرّف هدف الصهيونية بإقامة وطن للشعب اليهودي بالقانون العام ظاهريا، لكن بغير حق (أي سلب حق الشعب الفلسطيني)، وأقام المؤتمر الصهيوني العالمي اللجنة الدائمة وفوضها بأن تنشئ فروعاً لها في مختلف أنحاء العالم. وعندما فشل هرتزل في ديبلوماسيته مع السلطان العثماني وجه جهوده الديبلوماسية نحو بريطانيا ولكنّها قدّمت دعمها المالي لإقامة مستعمرة في شرق إفريقيا (أوغندا) فانشقّت الحركة الصهيونية بين معارض ومؤيد، فاتّهم الصهاينةُ الروس هرتزل بالخيانة ولكنه استطاع أن يسوي الأمر معهم إلا أنه مات. وعندما عقد المؤتمر السابع عام 1905 رُفِضَت أوغندا، وشكل ارائل لانغولالمنظمة الإقليمية اليهودية وكانت ذات صلاحية اختيار موطن مناسب للشعب اليهودي.

استطاعت الحركة الصهيونية أن تحقق أهم انجازين لها وهما وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، والثاني هو إقامة كيان لليهود سمي دولة إسرائيل عام 1948، وذلك على أرض فلسطين وذلك عن طريق القتل والتهجير والمذابح لإبعاد الفلسطينيين عن أرضهم بالقوة.

تشكلت الصهيونية كإيديولوجيا وكحركة سياسية أتت متساوية مع نمو الإيديولوجيا القومية في أوروبا، ولكن الأهم مع نمو اهتمام المركز الإمبريالي بإيجاد كيانات مصطنعة في مراكز مستعمراته لضمان هيمنتها، وسيكون من الأمور الخلافية تتريخ أولوية عرض بعض المثقفين اليهود لدور مختلف لليهود بعد تراجع دورهم الوظيفي كوسطاء ماليين أثناء العصر الإقطاعي بتحويل أوروبا للرأسمالية وتشكيل برجوازية مالية أوربية متحررة من القيود الدينية المسيحية التي كانت تحرم الربا وتلخص هذا الدور بأن يكونوا حماة المصالح الإمبريالية أنى إرتأت هذه الإمبريالية، فطرحت الأرجنتين وغيرها قبل أن يستقر الرأي على فلسطين، وفي المقابل هناك من يؤرخ لأولوية الطرح البريطاني على المثقفين اليهود باختيار أرض فلسطين لما تتمتع به من مزايا قيمة من الناحية الدينية والاستراتيجة والاقتصادية، وتجاوب هؤلاء معهم ولكن في كلتا الحالتين يمكن تفسير (لعدم إمكانية الجزم) يمكن القول أن الطرفين تقابلت مصلحتهم. وكانت الخطوة التالية محاولة إقناع المواطنيين الأوربيين اليهود بالتخلي عن أوطانهم للهجرة إلى أرض لايربطهم بها إلا أساطير دينية مبنية على اساس كتب سماوية تم تحريفها، ليس لها علاقة بالواقع.

أنواع الصهيونية

للصهيونية أشكال مختلفة منها :-
  1. الصهيونية الثقافية يعتقد بهاأن دولة إسرائيل مركز روحي وثقافي للعالم.
  2. الصهيونية العملية يعتقد بأنه يجب احتلال أرض فلسطين والعمل بها.
  3. الصهيونية الاشتراكية التي تحث على إيجاد منطقة(بغض النظر بالقانون أو بغير القانون) يقام فيها مجتمع مصنف طبقيا يتم فيه صراع طبقي ومن ثم حصول ثورة.
  4. الصهيونية الدينية التي تريد تطبيق الشريعة اليهودية وخاصة التلمود في سياستها.
وكذلك اعتقاد المتدينين اليهود أن أرض الميعاد قد وهبها اللهلبني إسرائيل فهذه الهبة أبدية ولارجعة فيها إلا إنهم لم يتحمسوا كثيراً للصهيونية باعتبار أن أرض الميعاد ودولة إسرائيل "لا يجب أن تُقام من قبل بني البشر كما هو الحال بل يجب أن تقوم على يد ملك اليهود المنتظر".
استراتيجيات الصهيونية


1844 الخطاب على استعادة اليهود من مردقاي نوح، صفحة واحدة. تظهر الصفحة الثانية خريطه أرض إسرائيل

الهدف الإستراتيجي الأول للحركة كان دعوة الدولة العثمانية للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين والإقامة بها، وبعد رفض السلطان عبد الحميد الثاني عرضوا عليه بيع بعض الأراضي الفلسطينية فرفض رفضا تاما فأيقن أن العرب لن يتسامحوا في شبر واحد من أراضيها فنظموا عدة تعاملات مع بريطانيا، وبعد تولى مكتب الإمبراطور الألماني مهمة السماح لليهود بالهجرة لدى الدولة العثمانية لكن بدون تحقيق نتائج تذكر. فيما بعد، انتهجت المنظمة سبيل الهجرة بأعداد صغيرة وتأسيس "الصندوق القومي اليهودي" في العام 1901 وكذلك تأسيس البنك "الأنغلو-فلسطيني" في العام 1903.

قبيل العام 1917 أخذ الصهاينة أفكارا عديدة محمل الجد وكانت تلك الأفكار ترمي لإقامة الوطن المنشود في أماكن أخرى غير فلسطين، فعلى سبيل المثال، كانت الأرجنتين أحد بقاع العالم المختارة لإقامة دولة إسرائيل، وفي العام 1903 عرض هيرتزل عرضاً مثيراً للجدل بإقامة إسرائيل في كينيا مما حدا بالمندوب الروسي الانسحاب من المؤتمر، واتفق المؤتمر على تشكيل لجنة لتدارس جميع الأُطروحات بشأن مكان دولة إسرائيل أفضت إلى اختيار أرض فلسطين.

الصهيونية والعرب

أيقن الصهاينة منذ البداية أن سكّان فلسطين الأصليين (العرب) الفلسطينيين سيرفضون التخلي الطوعي عن الأرض وهم لذلك ومنذ بداية وجودهم على الأرض الفلسطينية عملوا بكل طاقتهم للقضاء على مقاومة أهل الأرض ومن المهم التأكيد على التناغم مع الاستعمار البريطاني صاحب المشروع ومركزه وهما قاما لهذا بقمع أي محاولة تعبير عن النفس والمطالبة بالحقوق مما ولد مقاومة شعبية عرفت أشكالاً متعددة من النضال للتخلص من المشروع الاستيطاني الاحتلالي فكانت منها ثورة فلسطين 1936 الشعبية التي قوبلت بوحشية وأصبحت لاحقاً نموذج التعامل العنصري المستمر ضد الشعب العربي الفلسطيني وهو ما مكن الحركة الصهيونية لاحقاً بدعم منقطع النظير من المركز الإمبريالي البريطاني (ولاحقاً الأمريكي) من إرهاب أهل الأرض، وأدى لتراجع مقاومتهم محدودة الدعم ومهد للاغتصاب الكبير في 1948 كما قامت إسرائيل بمشاركة كل من بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956، كما قامت عام 1967 باحتلال باقي الأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان في سوريا وسيناء في مصر، وقامت بارتكاب جرائم حرب في كل من فلسطين المحتلة ومصر كمجزرة دير ياسين. وحتى الآن لم ينته الصراع العربي الإسرائيلي حيث قامت إسرائيل بحرب على لبنان عام 2006 وبحرب على غزة في 2008.

إنشاء وطن قومي لليهود


دافيد بن غوريون

بعد هزيمة وتفكك الإمبراطورية العثمانية في العام 1918 وبفرض الانتداب الإنجليزي على فلسطين من قبل عصبة الأمم في العام 1922، سارت الحركة الصهيونية مساراً جديداُ نتيجة تغير أطراف المعادلة وكثفت الجهود في إنشاء كيان صهيوني في فلسطين وتأسيس البنى التحتية للدولة المزمع قيامها، وقامت المنظمة الصهيونية بجمع الأموال اللازمة لهكذا مهمة والضغط على الإنجليز كي لايسعوا في منح الفلسطينيين استقلالهم.

شهدت حقبة العشرينيات من القرن الماضي زيادة ملحوظة في أعداد الصهاينة المتواجدين في فلسطين وبداية تكوين بنى تحتية يهودية ولاقت في نفس الجانب مقاومة من الجانب العربي في مسألة المهاجرين الصهاينة.

تزايدت المعارضة اليهودية للمشروع الصهيوني من قبل اليهود البارزين في شتّى أنحاء العالم بحجة أن باستطاعة اليهود التعايش في المجتمعات الغربية بشكل مساوي للمواطنين الأصليين لتلك البلدان وخير مثال لهذه المقولة هو "ألبرت أينيشتاين". في العام 1933 وبعد صعود أدولف هتلر للحكم في ألمانيا، سرعان ما رجع اليهود في تأييدهم للمشروع الصهيوني وزادت هجرتهم إلى فلسطين لا سيما أن الولايات الأمريكية المتحدة أوصدت أبواب الهجرة في وجوه المهاجرين اليهود، وبكثرة المهاجرين الصهاينة إلى فلسطين، زاد مقدار الغضب والامتعاض العربي من ظاهرة الهجرة المنظمة. وفي العام 1936، بلغ الامتعاض العربي أوجه وثار عرب فلسطين، فقامت السلطات الإنجليزية في فلسطين بالدعوة إلى إيقاف الهجرة اليهودية.

واجه الصهاينة الثورة العربية بتأسيس ميليشبات صهيونية مسلحة بهدف القضاء على مقاومة السكان العرب الأصيلين في الأرض (ويجب الإشارة إلى تكون العرب في فلسطين من تنوع يعود للكنعانيين وسواهم من سكان البلاد التاريخيين والذين يعود وجودهم لما قبل المرور العابر "غير المثبت تاريخياً" للعبرانيين)ومن أهم هذه المنظمات الهاغاناه والأرغون. مع أحداث الحرب العالمية الثانية، قرر الطرفان المتنازعان تكثيف الجهود في وجه هتلر النازي عوضاً عن ضرب الإنجليز.

قضى النازيون خلال الحرب العالمية الثانية على ما يقرب من 6 ملايين يهودي[1]، كما خلّفت الحرب مئات الآلاف من اليهود مشردين في أنحاء العالم ولا ينوون العودة إلى بلادهم الأصلية التي سلمتهم لقمة سائغة لهتلر ومن جانب آخر سعت المراكز الاستعمارية للاستمرار بنيتها بناء معسكر لها في قلب الوطن العربي وتحديداً بعد التحول الحاصل لديها واستنتاجها ضرورة الانسحاب من الكثير من مستعمراتها في العالم وتحديداً تحت ضغط تنامي الشعور القومي بالمستعمرات وظهور الإتحاد السوفييتي القوي القادر على دعم نضالاتها الاستقلالية وهو ماغطته بدعوي إعلامية من وزن الشعور بالذنب نتيجة تقاعسها عن دحر القوات النازية حين نشأتها وترك هذه الدول هتلر يعيث في أوروبا الفساد، وهوالمشروع الذي ورثته الإمبراطورية الأمريكية الصاعدة عن المركز البريطاني المتهالك بعد الحرب. وكان من أبرز الداعين لهذا الدور الرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي بدوره ضغط على هيئة الأمم المتحدة لتعترف بدولة إسرائيل على تراب فلسطين خصوصاً أن بريطانيا كانت في أمس الحاجة للخروج من فلسطين والتخلص من الصهاينة في أوروبا وباقي أنحاء العالم.

الصهيونية وإسرائيل

أعلنت القوات البريطانية نيتها الانسحاب من فلسطين في العام 1947، وفي 29 نوفمبر من نفس العام أعلن مجلس الأمن عن تقسيمه لفلسطين لتصبح فلسطين دولتين، الأولى عربية والثانية يهودية وذللك لتهجير الصهاينة من أوروبا وباقي أنحاء العالم إلى فلسطين. أندلع القتال بين العرب والصهاينة، وفي 14 مايو 1948 أعلن قادة الدولة اليهودية قيام دولة إسرائيل. شكّل الإعلان نقطة تحول في تاريخ المنظمة الصهيونية حيث إن أحد أهم أهداف المنظمة قد تحقق بقيام دولة إسرائيل وأخذت مجموعات الميليشيا اليهودية المسلحة منحى آخر وأعادت ترتيب أوراقها وشكلت من الميليشيات "قوة دفاع إسرائيل". السواد الأعظم من العرب الفلسطينيين إمّا هرب إلى البلدان العربية المجاورة وإمّا طُرد من قبل قوات الاحتلال الصهيونية، في كلتا الحالتين، أصبح السكان اليهود أغلبية مقارنة بالعرب الأصليين وأصبحت الحدود الرسمية لإسرائيل تلك التي تم إعلان وقف إطلاق النار عندها حتى العام 1967.

في العام 1950، أعلن الكنيست الإسرائيلي الحق لكل يهودي غير موجود في إسرائيل أن يستوطن الوطن الجديد، بهذا الإعلان، تدفق اللاجئين اليهود من أوروبا وباقي اليهود من البلدان العربية.

الصهيونية اليوم

بالرغم من مرور أكثر من 60 سنة على نشأة إسرائيل وأكثر من 80 سنة على بداية الصراع العربي الإسرائيلي، يظل أغلب اليهود في شتى أنحاء العالم يعتبرون أنفسهم صهاينة وتبقى بعض الأصوات اليهودية مناهضة للحركة الصهيونية مثل حركتي ساتمار وناطوري كارتا، إلا ان القليل منهم يطالب بإزالة المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأرض العربية. يعتبر بعض العرب بان الصهيونية حركة عنصرية لأنها تطالب بالتطهير العرقي وطرد العرب الفلسطينيين من أرضهم التاريخية واحلال الشعب اليهودي واعتبار الديانة قومية، ونفذت الحركات الصهيونية العديد من المجازر.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /14-08-2011, 08:19 PM   #4

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي وعد بلفور ... الحقائق التاريخية


وعد بلفور ... الحقائق التاريخية
إعداد: وسام حسن الباش
تمهيد

يأخذ الحديث عن وعد بلفور أبعاداًعديدة ولا يمكن إحصاؤها في عدة أوراق لما لهذه الأبعاد من أهمية على كافة الأصعدة. فهذا الوعد الذي ترتب عليه الكثير من المآسي والأحداث كان السبب وراء إحداث عدة تغيرات على المستوى الإقليمي والدولي, هذه التغيرات كانت بمجملها ديمغرافيةوجغرافية وتاريخية, فصورة المنطقة العربية والإسلامية أولاً شهدت مسحا لفلسطين التاريخية ـ بالرغم من عدم اعترافنا ولو قيد أنملة بهذا المسح ـ, وتحولت هذه الأرض المباركة من صورة إلى صورة، وتم تفريغ الجغرافية من السكان وتهجيرهم... الخ.

وحتى اليوم لم يكن وعد بلفور مجرد حبر على ورق أو مجرد وعد أطلقه أحد سياسيي بريطانيا في أوائل القرن العشرين, بل إن هذا الوعد كان السبب المباشر في كل مآسي الشعب الفلسطيني, وكما قال أحدهم "وعد بلفور أسّس لمأساة القرن".

نصّ وعد بلفور:

وزارة الخارجية
الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917
عزيزي اللورد روتشيلد،

يسرني جداً أن أنقل إليكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريحَ التالي المتعاطف مع أماني اليهود الصهاينة، وقد عرض على الوزارة وأقرته. "إن حكومة صاحب الجلالة ترى بعين العطف تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهَم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أنينتقص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أوالحقوق و الوضع السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر." وسأكون ممتناً إذاما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص،
آرثر جيمسبلفور

محاولات تهويد فلسطين عبر التاريخ

فلسطين عبر التاريخ كانت محل اهتمام اليهود ومحط أنظارهم, فمنذ تسرب اليهود إلى فلسطين بعد خروجهم من مصر وهم يحاولون أن يربطوا أنفسهم بهذه الأرض ويحاولون بشتى الوسائل أنيكون لهم موطئ قدم فيها, وكتب اليهود التاريخية وعلى رأسها التوراة تتحدث بكل صراحة أن بني إسرائيل عملوا جاهدين حتى يؤسسوا لهم في فلسطين مجتمعاً كبيراً يرقى إلى مستوى الدولة تكون إقامتهم فيه دائمة عوضا عن الترحال والتنقل, ولأن اليهود أصلا يمتلكون نفسية عدائية واستعمارية لم يكن مرحباً بهم في المنطقة أبداً على عكس الشعوب التي أتت إلى فلسطين كشعوب البحر واختلطت مع السكان الأصليين الكنعانيين وغيرهم, وحتى التحرير البابلي اقتصر على اليهود فقط ولم يشمل سكان فلسطين الأصليين،وهذا إنما يدل على أن اليهود لم يكونوا عبر التاريخ مرحباً بهم وذلك بسبب بغضهم لغيرهم وإثارة الفتن بين الشعوب.

بعد ظهور الديانة النصرانية لم يجد اليهود بداً من أن يسايروا أباطرة الرومان حتى يتمكنوا من البقاء في تجمعاتهم في فلسطين ولا يتعرضوا لسبي آخر ويشتتوا في الأرض من جديد, فتعاونوا مع الرومان بداية في ملاحقة النصارى والتنكيل بهم والوشاية بأي نصراني وعلى رأسهم المسيح نفسه, وتغلغلوا في المجتمع الروماني وأوجدوا لهم ثقلا اقتصاديا حال دون القضاء عليهم بالرغم من معرفة الرومان ما يحيكه اليهود في الخفاء.

أما بعد انتشار المسيحية وتبني الإمبراطورية الرومانية لها في القرن الثالث الميلادي أخذ اليهود بالانحسار وتحاشوا الدخول في صراع مع الرومان حتى لا يتم القضاء عليهم وسحقهم خصوصا وأن لليهود دوراً هاماً حسب المعتقد المسيح فيصلب المسيح، فمن اليهود من تبنى النصرانية وبقي على دينه ومنهم من هاجر إلى المناطق التي لا يسيطر عليها الرومان كشبه الجزيرة العربية.

في أوروبا بدأ اليهود بتأسيس ما يعرف بحاراتهم الخاصة (غيتوات) وكان ينظر لهؤلاء في أوروبا على أنهم غيربشر أو حيوانات يجب أن تعامل بشكل سيء فتضرب وتقتل إلخ.. ولم تكن ردة فعل الأوربيين على هذه المعاملة سوى ردة فعل مشروعة في علم الاجتماع وعلم النفس على من حاولوادائما زرع الفتن في المجتمع, وهذا ما أدى في واقع الحال إلى إيجاد علاقة وثيقة بين الغيتو واليهود, وقد ساهم الغيتو في تكوين شخصية يهودية خائفة على الدوام تخشى الخروج من أسوار الغيتو, فحاول عدد من المفكرين اليهود الذي آمنوا بما تنادي بهحركة التنوير الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر أن يقنعوا اليهود بالخروج من أسوار الغيتو أو الاختلاط بـ(الغوييم) الغرباء ومشاركتهم الحياة السياسيةوالاجتماعية, إلا أن هذه المحاولات فشلت, وأدى ذلك إلى خلق حالة من الصراع النفسي طرفاها الخروج من أسوار الغيتو والبقاء فيه, فأدى هذا الصراع إلى رغبة في الخروج منهذا الوضع وهنا بدأ التفكير جديا بإيجاد مكان يأوي اليهود إليه ويتجمعون دون خوف من أحد بمعنى أن يكون لهم دولة مستقلة يهودية الديانة تدعي القومية.

بدأالمفكرون اليهود يبحثون عن بدائل للغيتو وحاولوا مرارا وتكرارا إقناع عدد من سياسيي أوروبا بإيجاد بقعة أرض لهم بعيدة كانت أو قريبة في إفريقية أو في آسيا وحتى في القارة الأسترالية, وكان هؤلاء السياسيون يخشون من أن تتحول الدولة اليهودية إلى منافس حقيقي للاستعمار خصوصا وأن الاقتصاد اليهودي كان يلعب دورا مهما في السياسة والاقتصاد الأوربيين.
نابليون والوعد بتأسيس دولة يهودية

في القرن الثامن عشر على وجه الخصوص أدركت بريطانية وفرنسا وروسيا وألمانيا أهمية فلسطين على جميع المستويات, فمن هذه الدول من نظر إليها على أنها طريق مهم يربط المستعمرات ببعضها بعضاً كبريطانيا وفرنسا ومنهم من وجد فيها أرضا مقدسة يتم من خلالها كسب تأييد المسيحيين في العالم ومنهم من رأى أنها بوابة لعلاقات جيدة معالإمبراطورية العثمانية.

في أواخر القرن الثامن عشر بدأت فرنسا وبريطانيات فكران مليا في السيطرة على فلسطين أو أخذ امتيازات لهم فيها, وقد بدأت أولىمحاولاتهم في حملة نابليون على مصر وبلاد الشام, وكان اليهود وقتئذ يتمددون اقتصادياً بينما فرنسا تعيش إرهاصات ثورتها المشهورة والشعب يأكل بعضه, ولم يكننابليون يستطيع أن يمول حملاته دون مساعدة من اليهود الذين اتفقوا سراً مع نابليون على تمويل حملته في حال أمّن لهم موطئ قدم في فلسطين.

وتذكر المصادر التاريخية أن نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين, وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين" الذي صدر في نيسان 1799م وقد دعا نابليون اليهود بهذاالنداء للنهوض والالتفاف حول علمه, من أجل تحقيق أحلامهم, وإعادة دولتهم في الحملة الفرنسية التي احتلت مصر عام 1798م [1].

تجمع المصادر التاريخية على أننابليون حاول استغلال اليهود بإثارته حججهم الدينية من أجل تجنيدهم وأموالهم وفياستكمال حملته على بلاد الشام, ولاستغلالهم في حربه ضد بريطانية، إلا أن حملته فشلت في سنتها الثانية لتبدأ مرحلة جديدة في استغلال نابليون لليهود الأوربيين. بعدعودته إلى فرنسا منهزما في مصر وبلاد الشام، دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية إلى عقد مجلس (السانهدرين) وهو أعلى هيئة قضائية كانت قائمة في التاريخ اليهودي القديم, وحجته في ذلك مساواتهم بالفرنسيين والبدء بتأسيس الدولةاليهودية (في المنفى) لحين احتلال فلسطين [2].

كان وعد نابليون لليهودبتأسيس دولة لهم أساس التفكير اليهودي الجدي والعملي بإعادة ما يسمونه باطلاً "أرض إسرائيل", ولم يكن يدرك أحد أن نابليون هو من وضع حجر الأساس في العقلية اليهودية, فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسالن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانية فألمانيا فروسيا والنمسا.

بريطانيا والدولة اليهودية

بعد تجربةاليهود مع فرنسا لم تعد تذكر الدولة اليهودية سوى في البيوتات اليهودية وفي بيوت المفكرين على وجه الخصوص, واستمر ذلك الحال نحو مائة عام وذلك حتى ظهور هرتزل علىمسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم, ولم تكن فلسطين حينئذ في أعلى الهرم، فقد كانت أولويته تجميع اليهود وإخراجهم من شتاتهم في أي مكان.

يقول هرتزل في مذكراته

"سأتفاوض أولا مع قيصر روسيا بخصوص السماح لليهود الروس بترك البلاد، ثم أتفاوض مع قيصر ألمانيا, ثم مع النمسا, ثم مع فرنسا بخصوص يهودالجزائر, ولكي يكون لي اعتبار في البلاطات الأوربية يجب أن أحصل على أعلى الأوسمة،الإنجليز أولا"[3]. في عام 1880م تبنّى الأسقف الانغليكاني في فينّا (وليم هشلر) النظرية التي تقول "إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية", وكان هشلر قد ألف كتابا عام 1882م بعنوان (عودة اليهودإلى فلسطين حسب النبوءات)([4].

وهناك في فيينا تعرّف هشلر على ثيودور هرتزل وعلى مشروعه، واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الألماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين، وبالرغم من أن تلك اللقاءات باءت بالفشل فإن هشلر لم ييأس، فقد انتقل إلى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905م لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور.

ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني. كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفاً بالمشروع الصهيوني وأشد حماسةً له من بلفور، فكان الوعد الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 1917م بمنح اليهود وطنا قومياً في فلسطين.

ذكر لويد جورج في كتابين له هما (حقيقة معاهدات السلام) و(ذكريات الحرب) أن حاييم وايزمن الكيمائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الأولى هو الذي فتح له عينيه على الصهيونية، حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه.[5].

ترجح بعض المصادراهتمام بريطانية ببلاد الشام عموما وفلسطين خصوصا بعد شق الفرنسيين لقناة السويسوقد تبنت بريطانيا فكرة السيطرة على هذا الممر المائي الهام ومنع أي قوة من الحصولعلى فلسطين لقربها من قناة السويس، ففي عام 1879م كتب اللورد شانتسبري "إنها ضربة لانجلترا إذا استولت أي من الدول التي تنافسها على سورية, فإمبراطوريتها التي تمتد من كندا في الغرب إلى استراليا في الجنوب الشرقي تقطع إلى قسمين وعلى انجلترا أن تصون سوريا لنفسها .. ألا تستدعي السياسة البريطانية إلى تنمية الشعور القومي اليهودي ومساعدتهم لبناء وطنهم القومي"[6].

بعد عقد مؤتمر بازل في سويسرا وجد البريطانيون أن قيام دولة يهودية على أرض فلسطين صار أمراً ممكناً خصوصا أن الوكالة اليهودية والأغنياء اليهود تعهدوا بحماية المشروع الصهيوني وبلورة جهوده في احتلال الأرض الفلسطينية، فاتخذت عدة خطوات وعلى عدة مستويات كان أهمها:

- عزل فلسطين عن محيطها العربي والإسلامي بوضع حاجز بشري مختلف فيالدين والقومية والانتماء باستجلابها العمالة اليهودية والسماح للوكالة اليهودية بشراء الأراضي وبناء مستوطنات في المناطق الهامة.

- الاتفاق مع بعض القيادات السياسية العربية النافذة بضرورة العطف على اليهود والأخذ بعين الاعتبار وجودهم علىأنه مساعدة إنسانية.

- تدريب كوادر عسكرية يهودية في الجيش البريطاني في المستعمرات البريطانية وخصوصاً الهند.
- تسليح التجمعات اليهودية بعتاد ثقيل بذريعة حماية الممتلكات.

- كسب تأييد الدول الكبرى سواء بالضغط عليها أوبالتنازل لها عن بعض المستعمرات البريطانية.

ومع كل هذه الخطوات التي اتخذتهابريطانية لمنح فلسطين لليهود بالمجان جاء وعد بلفور الذي يعتبر الحلقة الأولى المعلنة من قبل بريطانية في بلورة وتكريس الاحتلال الصهيوني.

وعد بلفور ... الحقائق التاريخية

جاء وعد بلفور ليضع المشروع الصهيوني في مساره المتوافق مع إنشاء الدولة اليهودية, فقد كانت بريطانية تحاول جاهدة ولا تكاد تغمض أعين سياسييها حتى تستفيق لتحقيق ما عجزت كل الدول الاستعمارية عن تحقيقه لليهود.

وبالتوازي مع الاتصالات التي كانتتجري لإصدار هذا الوعد، كان يتم تبادل مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون، والتي كانت تتعهد فيها بريطانيا للشريف حسين بتنصيبه ملكاً على بلاد الشام إذا تحالف معها للثورة على الحكم العثماني.. وهنا لا بد أن نؤكد على أن بريطانيا قالت في إحدى رسائل مكماهون إنها.. ودون أن تبدي الأسباب.. ستستثني من الأراضي التي ستضعها تحتحكم الشريف، المنطقة الغربية من سوريا، والتي أصبحت فيما بعد فلسطين بشكلها الذي سلم لليهود، ولم يكن الشريف حسين يطلب تثبيت الوعود على شكل معاهدات.

وفي نفس الوقت تماما، كانت بريطانيا الماكرة (كما كانت تسميها حليفتها فرنسا) تجري مفاوضات مع الأمير عبد العزيز آل سعود، وتعده بعكس ما تعد به الشريف حسين وخاصة فيما يتعلق بحكم الجزيرة العربية، ولذلك فإن هذا الأمير كان يصرّ على أن يصاغ كل مايقال له على شكل معاهدات مكتوبة وموقعة.

وفي نفس الوقت كانت تجري مع فرنسا وروسيا مفاوضات مع جمال باشا الوالي العثماني على المنطقة لإغرائه بالاستقلال عن أمه الإمبراطورية العثمانية الضعيفة والوقوف مع الحلفاء ضد ألمانيا، وفي نفس الوقت، كانت بريطانيا وفرنسا تجريان مفاوضات بدون علم الآخرين، لاقتسام المنطقة فيما سمي لاحقا باتفاقية سايكس ـبيكو التي وقعت في العام 1916م ،أي قبل وعد بلفور بأشهر، وهي المعاهدة التي لم يتم تنفيذها، ولكن بعد الحرب عام 1920م نفذت ضمن اتفاقات جديدة مبنية عليها في مؤتمرسان ريمو ومعاهدة سيفر، لأن الثورة البلشفية في روسيا فضحت هذه المعاهدة وأعلنتها على الملأ بكل ما فيها من قذارة وانحطاط اتصف بهما المستعمر الغربي ويتصف بهما حتىيومنا هذا. وفي الوقت نفسه وعد تشرشل وجهاء المنطقة عام 1920م بعدم إنشاء دولة يهودية، وقال: "انه مجرد ملجأ قومي لهؤلاءالمساكين!!!"([7].

الدوافع الحقيقية لوعد بلفور

ذكرنا آنفا أن اهتمام بريطانية بفلسطين جاء مبكراً وكان لأسباب اقتصادية صرفة، إلا أنه هناك ما لم يذعْ للعلن، وما لا يعرفْه كثيرون أن التماهي الكبير بين بريطانية والحركة الصهيونية هو الذي دفع باتجاه إصدار هذاالوعد, وهذه الدوافع يمكن أن نلخصها في الآتي:

1. تحقيق مايعتقد أنّه تعاليم المسيحيّة: فتصاعد النزعة الصهيونيّة المسيحية جعل فكرة "عودة" اليهود إلى أرض فلسطين تبرز بقوّة كشرط لعودة المسيح عليه السلام ودخول اليهود في المسيحيّة وبالتالي نهاية العالم، وهو ما يعني أنّ تسهيل احتلال اليهود لأرض فلسطين كان عبارة عن نوع من العمل الديني المسيحي لدى الصهاينة الغربيّين، أي أنّ منشأه "لم يكن حبّا في اليهود ولكن تطبيقا لمعتقدات دينية متطرفة".

2. ضمان تأييد اليهود في العالم في حربهم مع الحلفاء وتأييدهم لهم ولا سيما اليهود الموجودون في الولايات المتحدة الأمريكية الذين دفعوا بالفعل أمريكا إلى دخولها الحرب رسميا في العام 1917.

3. التنافس الإمبريالي على السيادة والمصالح الإستراتيجيّة: ففي الوقت الذي كان لفرنسا موطأ قدم في فلسطين بعلاقتها مع المسيحيين الكاثوليك هناك وروسيا بعلاقتها بالأورثوذكس فإنّ بريطانيا لم يكن لها منبين السكّان الأصليّين حليف، وهو ما جعلها تسعى إلى أن تعقد تحالفاً مع الصهاينة،هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنّ موقع فلسطين الاستراتيجي كنقطة التقاء لثلاث قارات وسعي ألمانيا وروسيا وفرنسا إلى تعزيز مواقعهم إما بمدّ شبكة القطار من برلين إلى بغداد أو بالسيطرة على البوسفور أو بمحاولة السيطرة على منطقة الشام ككلّ، كلّ ذلك جعل بريطانيا تفكّر بجدية في بسط النفوذ على فلسطين حتى تضمن عدم تحوّلها إلى أياديأخرى بعد الحرب، وبالتالي تضمن مصالحها الإستراتيجيّة لفترة طويلة(8).

4. حمل يهود روسيا ويهود الدول المحايدة لتأييد قضية الحلفاء ولا سيما منع انخراط اليهود في صفوف الحزب الشيوعي الذي وقف ضد مواصلة روسيا الحرب.

5. المركز المالي الذي يتمتع به اليهود في العالم وما كان له من أثر في كسب الحرب لصالح الحلفاء.

6. تنفيذ الوعد الذي قطعته بريطانية لحاييم وايزمن (أول رئيس للكيان الصهيوني وأحد مؤسسيه) بإنشاء وطن قومي لليهود حين تمكن وايزمن من تحضير الجلسرين وإنتاجه من السكر بالتخمير ثم استخدمه في عمل المتفجرات وعرضت عليه الحكومة البريطانية أن تشترى منه حق الاختراع مقابل ما يطلبه, و كان طلب وايزمان هو الحصول على وعد من الحكومة البريطانية بوطن قومي لليهود في فلسطين مقابل حق انتفاع الجيش البريطاني بالجلسرين المبتكر لصناعة المتفجرات التي استخدمها ضد الجيش الألماني، ووافق لويد جورج على شرط وايزمان وكلف وزير خارجيته بلفور بأن يعلن وعده لليهود.

7. في عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة 1919 ـ 1939، بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين،ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعهاآرثر بلفور في عام 1917 ما يأتي:

"ليس في نيّتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع أن اللجنة الأميركية تحاول استقصاءها، إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل،وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة".

أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزءالأخير من هذه المذكرة بما يلي:

"إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود،ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي) والتي لا تعتبر المياه المتدفقة من (الهامون) جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها، وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرقي نهر الأردن".

آمن بلفور كما أوضح في كتابه العقيدة والإنسانية "Theism and Humanity" أن الله منح اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وإن هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح، وإن هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الإنسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.

اكتسب بلفور هذه الثقافة من عائلته، وخاصة من والدته التي تركت في شخصيته الدينية بصمات واضحة من إيمانها بالعقيدة البروتستنتية المرتبطة أساساً بالعهد القديم وبما يبشّر به من خلال النبوءات التوراتية(9).

ولأجل هذه الدوافع جميعها دون استثناء أصبحت بريطانيا مستعدة لإطلاق هذا الوعد، وقد وجه هذا الوعد للورد روتشليد في الثاني من نوفمبر من عام 1917م من قبل وزير خارجيتها آرثر جيمس بلفور.

من هو روتشيلد

يدعى مؤسس عائلة روتشيلد "إسحق إكانان"، ولقَب "روتشيلد" يعني "الدرع الأحمر"، في إشارة إلى "الدرع" الذي ميز باب قصر مؤسس العائلة في فرانكفورت في القرن السادس عشر، وكان "ماجيراشيل روتشيلد" يعمل تاجر العملات القديمة، وعمل على تنظيم العائلة ونشرها في مجموعة دول، وتأسيس كل فرع من العائلة لمؤسسة مالية، وتتواصل هذه الفروع وتترابط بشكل يحقق أقصى درجات النفع والربح على جميع الجالية اليهودية في العالم كله, وكانت بيوت روتشيلد تنضم مع سياسة البلاد التي تسكنها أثناء الحروب النابليونية فيأوروبا، حتى كان الفرع الفرنسي يدعم نابليون ضد النمسا وإنجلترا وغيرها، بينما فروع روتشيلد تدعم الحرب ضد نابليون في هذه الدول، ولكنها في النهاية تهتم بمصلحة اليهود, وهذا يدل على الأخلاق السيئة التي يتمتع بها اليهود.

وكان "ليونيل روتشيلد" (1868/1937م) هو المسؤول عن فروع إنجلترا، وزعيم الطائفة اليهودية في إنجلترا في هذا الوقت، وتقرب إليه كل من "حاييم وايزمان" ـ أول رئيس لإسرائيل فيمابعد ـ و"ناحوم سوكولوف"، ونجحا في إقناعه في السعي لدى حكومة بريطانيا لمساعدة اليهود في بناء وطن قومي لهم في فلسطين، وإمعانًا في توريطه تم تنصيبه رئيسًا شرفيًا للاتحاد الصهيوني في بريطانيا وأيرلندا.

ولم يتردد "ليونيل"، بل سعى ـ بالإضافة لاستصدار التعهد البريطاني المعروف باسم وعد بلفور ـ إلى إنشاء فيلق يهودي داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، وتولى مسؤولية الدعوة إلى هذا الفيلق، وجمع المتطوعين له "جيمس أرماند روتشيلد" (1878-1957م)، كما تولّى هذا الأخير رئاسة هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتولّى والده تمويل بناء المستوطنات والمشاريع المساعدة لاستقرار اليهودفي فلسطين، ومن أهم المشروعات القائمة حتى اليوم مبنى الكنيست الإسرائيلي فيالقدس(10).

وعد بلفور بين القانون الدولي والقانون الإنساني

اتخذت الحركة الصهيونية العالمية من هذا الكتاب مستنداً قانونيا يدعمون به مطالبهم في سبيل إقامة الدولة اليهودية فهل لهذا التصريح أهلية قانونية؟ وقد أجمع رجال القانون في العالم على عدم شرعية هذا الوعد للأسباب التالية:

أولاً: إن التصريح ليس معاهدة وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن وعد بلفور يمنح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذاالتصريح.

فالقوات البريطانية احتلت الأراضي الفلسطينية بشكل تدريجي بدءاً منغزة في 7 نوفمبر عام 1917 ثم احتلت يافا في السادس عشر من نوفمبر من نفس العام، واحتلت القدس في التاسع من ديسمبر من نفس العام أيضاً، و حتى ذلك الوقت كانت فلسطين جزءاً من ولايتي طرابلس وبيروت في الدولة العثمانية التي رفضت تصريح وعد بلفور، ولمتعترف بحق اليهود في فلسطين ولم يرض سكان فلسطين العرب بهذا التصريح و قاوموا مطالب الصهيونية . فالحكومة البريطانية بإصدارها هذا الوعد قد خولت لنفسها الحق في إن تتصرف تصرفاً مصيرياً في دولة ليست لها عليها أية ولاية وتعطيه للآخرين دون أن ترجع إلى أصحاب هذا الإقليم، مما يجعل هذا الوعد باطلاً من وجهة نظر القانون الدولي وغير ملزم للفلسطينيين.

ثانياً: إن وعد بلفور تنعدم فيهالأهلية القانونية فطرف "التعاقد" مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص و ليسدولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي و هو روتشيلد.

و من صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم أن يكون طرفاأو أطراف التعاقد من الدول أولاً ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً. أما التعاقد أوالإنفاق أو التعاهد مع الأفراد فهو باطل دولياً شكلاً وموضوعاً ولا يمكن بأي حال منالأحوال امتداد أثر مثل هذا التعاقد بالنسبة لغير أطرافه وبالنتيجة فإنه ليس ملزماًحتى لإطرافه.

ثالثاً: إن وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الصهيونية لطرد شعب فلسطين من دياره وإعطائها إلىغرباء، فإنه من أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائزاً و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون وكل تعاقد يتعارض مع إحدى هذه الشروط يعتبر في حكم الملغى و لا يمكن أن يلزم أطرافه.

رابعاً: وعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ذلك أنه يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وهذا يعتبر مخالفاً لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. ويرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياةوالإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

وماذا بعد؟

إن وعد بلفور ليس أول ولا آخروعد يقدم لليهود عبر التاريخ, فهو مجرد حلقة وصل في زرع الكيان الصهيوني في قلبالأمتين العربية والإسلامية, وهو استكمال لما بدأه نابليون حين وعد اليهود بتأسيس كيان لهم في فلسطين. لقد وجد اليهود اليوم من يعدهم بأكثر مما وعد بلفور وهم الأمريكان الذين يطلقون وعودهم على مدار الساعة بحماية الكيان الصهيوني وقيادتهالسياسية وبتحقيق الأمن والسلام والتفوق العسكري والأمني, وغض الطرف عن كل الجرائمالتي ترتكب بحق الفلسطينيين يومياً وعلى مرأى من العالم, والضغط على المجتمع الدولي حتى يتمكنوا من إبادة آخر فلسطيني في ديار بيت المقدس وأكنافه, وهذا ما لن يراه اليهود يوماً.

وإن العالم اليوم أجمعه يرى حصاد نابليون وبلفور وبوش وغيرهمالكثيرين ممن قدموا وعودا لليهود, بمقابل أو دون مقابل, هذا الحصاد المر الذي تجرعه الشعب الفلسطيني على مدار ستة عقود من تهجير واعتقال وقتل وحصار, وهو مستمر وسيبقى كذلك مادام على أرض فلسطين مغتصب واحد لأرضها. وما نراه اليوم في غزة وسواها ليسسوى مرحلة من عدة مراحل ذاق الفلسطينيون فيها الألم وظلموا مراراً وتكرارا علىأيدي اليهود الذي ثبتوا دعائم وجودهم بفرنسا وبريطانيا وأمريكا وغيرهم بسبب وعد بلفور والوعود الأخرى.

هوامش:

[1]. George E.Kirk – A short history of the middle East – METHUEN- London- 1966- P – 147
[2]. إميل توما – جذور القضية الفلسطينية – مركز الأبحاث- م. ت. ف- بيروت – حزيران 1973 – ص 29
[3]. يوميات هرتزلالدولة اليهودية ص20
[4]. المرجع السابق 546
[5]. البعد الديني في وعد بلفور محمدالسماك
[6]. إميل توما – ستون عاما من الحركة القومية العربيةالفلسطينية- ص6
[7]. وعد بلفور وسايكس بيكو.. الذكرى والدرسالذي لا يحفظه أحد منا.. ووعد بوش- م . علي الحتر – موقعإلكتروني
[8]. د. داود عبد الله- ندوة عامّة في مقرّ مجلسالعموم البريطاني بعنوان: "وعد بلفور ودوره في نشوب الصراع" 2 11 2002
[9]. البعد الديني في وعد بلفور – محمدالسماك
[10]. اللورد روتشيلد مستلم وعد بلفور وقصة عائلةروتشيلد- الموقع الإلكتروني – SSNP. NET

المصدر: تجمع العودة الفلسطيني (واجب)، قسم الأبحاثوالدراسات، 2/11/2010







  رد مع اقتباس
قديم منذ /22-08-2011, 09:35 PM   #5

روحي فداك يارسول الله

الصورة الرمزية روحي فداك يارسول الله

 رقم العضوية : 13786
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: female
 المكان : ღღالعـراقღღ
 المشاركات : 14
 الدين , المذهب : مســـــلــــمه
 النقاط : روحي فداك يارسول الله is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 0
 الهوايات : الســفر ومـطـالـعة الـنت
 SMS :

كتبت الشعر لعيونك .... بكيت وصرت مجنونك .. احس العين من دونك .. حزينة تنتظر شوفت عيونك .

روحي فداك يارسول الله غير متواجد حالياً

افتراضي

شكرررا لك














التوقيع - روحي فداك يارسول الله


رضيت بالله ربا , وبالاسلام دينا , وبمحمد صلى الله علية وسلم نبياً

  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-08-2011, 11:21 PM   #6

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المرأة في العقيدة الصهيونية اليهودية

المرأة في العقيدة الصهيونية اليهودية
حنان مصطفى اخميس

لم تكن المرأة قبل ظهور الاسلام موضع استخفاف العربي أوامتهانه بل ان المرأة كانت مجتلى قريحه الرجل وسعادته،وهكذا اولى العرب المرأة جميل التكريم وسناء الذكر وشرف المنزلة ، وكان من حقها ان تختار شريك حياتها وكانت تجلس الى من يخطبها من الرجال وتبادلهم الحديث،والمرأة العربية وهي تهتم شديد الاهتمام بالصون والاحتشام ،كان ذلك لا يمنعها من حضور مجالس الرجال ،تنشد الشعر ويجتمع حولها خلق كثير للاستماع ،ان خير النساء من تظهر للناس وهي متمسكة بحيائها وعفتها والتستر وهي تتطلع الى رؤية الاخرين ،وقد خصص الاسلام للمرأة حصة جدا مهمة في تعليماته وتشريعاته،فأمسى لها من الحقوق مثل ما للرجال وسجل التاريخ طائفة مهمة من اعلام النساء اللاتي كان لهن دور بارز في الحياة وترعرت في احضان المجتمع الاسلامي الالاف من النساء اللواتي دخلن اصناف العلوم حتى نافسن الرجال وفرضن وجودهن واصبحن اساتذه لكبار العلماء في عصرهن.

ان المرأة قد بلغت من قوتها ان بعثت في نفوس الصهاينة اليهود الفزع وكانوا يرون ان المرأة خفيفة العقل وان كانوا يقرون بأنها وهبة حكمة غريزية لا وجود لها في الرجل، وهم يأسفون أشد الاسف لما جبلت عليه المرأة من ثرثرة ، ويقولون لقد نزلت على العالم عشرة مكاييل من الكلام اخذت المرأة منها تسعة والرجل واحدا.

والمرأة ليس لها أي حق من الحقوق لانها في نظرهم سبب شقاء الانسانية ومصدر الانهيار ،ولذلك سلبوها الحرية الى درجة انها تباع وتشتري وان وجود المرأة اشد من الموت ،واللواط بالزوجة جائز لانها في نظرهم للاستمتاع فقط وهي في هذا الشأن كقطعة من لحم اشتريت من الجزار ويمكن لصاحبها ان يأكلها بالطريقة التي تروقه مسلوقة أو مشوية وكراهية الصهيونية اليهودية لانجاب البنات وما أسعد من رزقه الله ذكورا وما أسوأ من رزقه الله بالاناث.

الزوجة لا ترث زوجها ،والبنت لا ترث في تركة ابيها ما دام لها اخوة ذكور والبنت البكر ليس لها امتياز البكورة مثل اخيها والابن الذكر الذي يرث نصيب اخوته وان المرأة مخلوق شيطاني دنس ينبغي الابتعاد عنه والزواج ضرورة غريزية حيوانية للعامة وان المرأة جسد به روح دنيئة وخالية من الروح ******ة والتلمود يضع المرأة في مكان أدنى من الرجل ،فهي رمز الخطيئة وسبب الفساد منذ (خلق ادم) وانها كلها في السحر والشعوذة وما اليهما من الفنون الروحية الخفية ،وفي افتنانها بالاصباغ والكحل ،ولم يكونوا يرون بأسا في ان ينفق الرجل بسخاء على ملابس زوجته ولكنهم يطلبون منها ان تتجمل لزوجها لا لغيره من الرجال وكانت حقوق النساء اليهوديات الملكية محددة في التلمود فمكاسبهن وما يؤول اليهن من ملك أو مال انما هو حق لازواجهن ،ليس لها سوى ما فرض لها من مؤخر الصداق في عقد الزواج تطالب به بعد موته أو عند الطلاق ،وكل ما تكسبه من سعي وعمل وكل ما يهدى اليها ملك لزوجها بدون معارض أو منازع.

يقول أحد الاحبار (أن المرأة في عصر المسيح الثاني،ستلد طفلا في كل يوم وان الرجل الذي له زوجة خبيثة لن يرى وجهه جهنم).

والمرأة المتزوجة كالقاصر المجنون لا يجوز لها البيع والشراء فهي ومالها ملك لبعلها ،ويجوز للمرأة ان تتزوج من عمها أو خالها والزوج محرم عليه الزواج من عمته أو خالته ، كما يجب ان تتزوج الارملة شقيق زوجها وخاصة اذا لم يكن لديه أطفال ،والزواج عند اليهود يتم عن طريق بيع الاب ابنته للزوج وتعتبر صفقة شراء تعد المرأة به مملوكة تشتري من ابيها فيكون زوجها سيدها المطلق ويكون التزاوج بين اليهود فقط ،ونهى عن الزواج من الارملة او المطلقة او غير المستقيمة السلوك ، تسمح الشريعة اليهودية بالطلاق ،فالزوج له ان يطلق زوجته دون رضاها وعليه ان يطلق الزوجة الزانية وتحرم الشرعية اليهودية الزنا بين اليهود غير انها اباحته مع غير اليهود ،فالمرأة غير اليهودية حيوان لا عقود نكاح بين الحيوانات فانه يجوز الزنا لا تتساوى المرأة مع الرجل بصدد اداء الفرائض والعبادات ومسموح في التوراة اغراء اليهوديات لغير اليهود من أجل تحقيق أهداف ومصالح اليهود ،انها وسيلة دنيئة لتحقيق ما يريدون مع غيرهم من الاقوام والشعوب ،والمرأة اليهودية يترتب عليها عدم السماح بالزواج من كل من يحمل اسم(كوهين)،وعدم السماح لامرأة أرملة ليس عندها أطفال بالزواج الا باذن شقيق زوجها المتوفي.

ومن التقاليد اليهودية ،ان الرجل اذا تزوج لا يلتحق بالجيش ولا يرتبط باعمال تبعده عن زوجته مدة عام ،وشهر العسل عندهم عام كامل ومكان المرأة هو البيت ودورها في أعمال البيت ،ان على المرأة ان تطحن الحبوب وتخبز وتغسل الملابس وتطبخ وترضع ولدها وتنظف البيت وتنظمه وتغزل وتخيط الملابس.

ودور المرأة اليهودية يجب ان يكون مهما كلفها من تضحيات جسدية واخلاقية ،التلاعب بافكار مسؤولي الامم، وسلب المال وسلب أفكار موجهي الامم وتحويلها نحو خدمة الفكر الصهيوني اليهودي.أما على صعيد الجيش فيعتبر من أكثر المؤسسات اباحية ،حيث تنتشر فيه عمليات الاغتصاب ووجود المجندات يشجع على الانهيار الخلقي العام في اسرائيل.

واختلاط الجنسين في ظروف غير طبيعية يؤدي الى نشوء علاقات جنسية لا تخضع للضوابط الاجتماعية ، ولا يحرم القانون العسكري الاسرائيلي على المجندة اقامة مثل هذه العلاقات مع أي ضابط أو جندي شريطة ان يتم اللقاء الجنسي خارج القواعد العسكرية وعلى بعد لا يقل عن ستة أمتارمنها، وانتشار الفساد على نطاق واسع بل واقامة حفلات الدعارة داخل الثكنات العسكرية وانتقال تعاطي المخدرات الى المجندات وتضاعف عمليات الدعارة بشدة حتى وصل الامر الى رجال الدين(الحاخامات).أما بالنسبة لهم فالعقدة محلولة ،فلكل ضابط سكرتيرة أو أكثر كما في الدوائر والوزارات وتغطي المجندات الاسرائيليات هذه النواحي وترسل المجندات لضيوف اسرائيل مثل رجال الهدنة، والامم المتحدة والمكاتب الاجنبية ، وكم من رؤوس سقطت واخرى انحنت وركعت أمام الاغراء الصهيوني اليهودي.

ومن نتائج الاباحية الجنسية التي نشرها اليهود ان حصل عزوف عن الزواج الشرعي في مرحلة الشباب بين الجنسين في كثير من المجتمعات العالمية ،وتعقيد سبل الزواج الشرعي لما افتعل من ظروف سياسية واقتصادية أو دراسية أو وظيفية فحياة المدينة تقضي الى كل مثبط عن الزواج ،في الوقت الذي تقوم فيه الى الناس كل باعث على الصلة الجنسية ولكن النمو الجنسي يتم مبكرا كما كان قبلا.

ان الاخلاق هي قمة التطور الانساني وهي التي ترتفع بالانسان حتى يصل الى درجة عليا من سلم التطوروانعدامها تنزل بالانسان الى بداية السلم،والاخلاق تعبير عن الشخصية الانسانية وكيان الانسان بشكل عام... والاخلاق هي قيام بالواجب والحق المطلق على الانسان والاخلاق تعني البساطة والتواضع وتهذيبالانسان بصقل كل طاقاته وهي الوسيلة الوحيدة لتقريب الانسان من الحقيقة والتي تضع نهاية لظاهرة القلق والخوف والاضطراب – والانحلال ،فتكون للانسان غاية وهدف.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 05:45 AM   #7

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الصهيونية العلمانية سعت لتديين اليهود العرب من اجل تحويلهم إلى صهاينة

الصهيونية العلمانية سعت لتديين اليهود
العرب من اجل تحويلهم إلى صهاينة

غزة-دنيا الوطن

يتجاوز حدود القومية ، ويجب طرح السؤال : لماذا شكل الفهود السود في السبعينات خطرا ؟ بسبب ارتباطهم بحركة ماتسبن ، ففي اللقاءات بين أعضاء الجماعتين سمع الفهود عن النظرية الماركسية ، أي عن الربط بين اليسار الراديكالي ، أي الانشغال بالعرب والعروبة والشرقيين ، وهذا اللقاء هو ما اسميه " الهوية الثقافية " لأنه يتجاوز حدود القومية ، وبالإمكان الحديث عن الشرقيين قدر ما تستطيع ، ليس هناك أي حظر على ذلك ، بل إن الأمر مشروع ، ولكن فقط داخل حدود القومية ، وفي اللحظة التي تربط فيها الشرقيين بالعرب ، حتى في نظر الشرقيين أنفسهم ، فهذا ليس مجرد تلوث ثقافي ، انه مادة متفجرة .

*الاندماج والمفارقة .

يقوم شنهاب بالتدريس في قسم علم الاجتماع والانثروبولجيا في جامعة تل أبيب وترأس هذا القسم ثلاث مرات منذ العام " 1995 " وهو يحمل شهادة الماجستير من التخنيون والدكتوراه من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا ، وقام بالتعليم في عدد من الجامعات الأجنبية وبينها ستانفورد وبرينستون ، وهو يحرر اليوم مجلة " النظرية والنقد " ويعمل محررا مساعدا للمجلة الأوروبية الأمريكية " دراسات التنظيم " ، وعدا وظيفته في جامعة تل أبيب يعمل كزميل كبير في معهد فان ليز في القدس ، حيث حرر سلسلة كتب نقدية للمجتمع والثقافة في إسرائيل ، ونشر عشرات المقالات في المجلات العلمية والمجلات النافذة في العالم ، كما اصدر العديد من الكتب : " آلة التنظيم " ، " إنتاج العقلانية " , أيديولوجيا الإدارة في عصر العقلانية " ، وفي هذه الكتب يحطم شنهاب الأساطير المتصلة بثقافة الإدارة ويظهر كيف إن النبوءة الإدارية " اخترعت " نفسها ، وحرر شنهاب العديد من الكتب الأخرى بينها " المجال ، الأرض والبيت ، والشرقيون في إسرائيل : مراجعة نقدية جديدة "، وحرر أيضا كتاب " الوضع ما بعد الكولونيالي " الذي سينشر قريبا إلى جانب ترجمة كتاب " اليهود العرب " إلى الإنكليزية والعربية .

وخارج العمل الأكاديمي برز شنهاب بين مؤسسي " القوس الديموقراطي الشرقي " وهي حركة اجتماعية أقيمت على أيدي أبناء الجيل الثاني من القادمين من دول إسلامية من اجل العدالة الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإسرائيلي ، وقد عملت هذه الحركة ، بين أمور عديدة ، على النضال من اجل الديموقراطية في الأراضي والتعليم ، وكذلك من اجل الأملاك اليهودية في الدول العربية ، ومرت هذه الحركة بمد وجزر ، ولكنها من ناحية شنهاب " ظلت حركة اجتماعية سياسية " ، وهو يقوا : " بالنسبة لي لا يكفي التدخل في النضال ضد الاحتلال ، ولكن لهذه الحركة دورا مهما في الواقع الإسرائيلي ، ولا ريب إن القوس اسهم في تغيير النظرة إلى الشرقيين في العقد الأخير" .

ولد شنهاب في بيتح تكفا عام " 1952 " باسم يهودا شهوباني ، وهو البكر في عائلته ، والدته هي اسبرانت معلم ، ابنة تاجر كبير ، وقد وصلت إلى البلاد وهي في الثامنة عشرة من عمرها عام " 1950 " بعد إن أنهت دراستها في ثانوية اليانس في بغداد .وقد وصلت مع والديها في موجة الهجرة المسماة " عملية عزرا ونحميا " والتي قادت إلى جلب مائة وعشرين ألفا من يهود العراق في الفترة بين آذار وتموز عام " 1951 " ، وفي معسكر المهاجرين " شاعر عليا " التقت اسبرانت بالياهو شهرباني وتزوج الاثنان عام "1951" وانتقلا إلى العيش في قاعدة استخبارات في بئر السبع .

وكان الياهو اصغر عشرة أولاد رفقة وصلاح شهرباني ، اللذين يعود اسمهما إلى بلدة شهربان شمالي العراق ، وكان صلاح وهو جد شنهاب تاجرا يصل بين الحين والآخر إلى فلسطين لأغراض التجارة ، بل انه اشترى قطعة ارض في بيتح تكفا ، وفي عام " 1936" هاجرت عائلة شهرباني من العراق بغرض الاستقرار في بيتح تكفا ، ولكنها بعد تسعة شهور عادت إلى بغداد ، وبقي البكر ، شلومو في البلاد وتحول بعد بضعة سنوات إلى صاحب مصنع كبير ، وفي واحدة من رحلات صلاح إلى البلاد ، عام "1942" انضم إليه ابنه الياهو الذي كان في الثالثة عشرة من عمره ، وبخلاف رغبة والده قرر البقاء في البلاد ، ويقول شنهاب :" كان والدي مغامرا ، وفي البداية عمل في البناء في بيتح تكفا ، وفي العام "1946" وصل إلى كيبوتس الونيم وانضم إلى البؤر " البابلية " للكيبوتس الموحد ، وسوية مع حوالي أربعين من هؤلاء ، أسسوا كيبوتس باري على خرائب قرية نحيبر العربية ، وكان حينها في السابعة عشرة ، وبعد بضعة شهور اختفى والدي من الكيبوتس وانضم إلى صفوف الهاغاناة ، ولكن أعضاء الكيبوتس كانوا على ثقة انه كان مدسوسا عليهم من منظمة الأيتسل ، وأدى غيابه إلى موجة من الريبة بأصدقائه الذين لم يكونوا جواسيس ، ولكنهم خلال وقت قصير تحولوا مثل والدي ليكونوا جواسيس للدولة .

ويروي شهناب في كتابه إن من قام بتجنيد الشبان العراقيين في كيبوتس باري هو ابشالوم شموئيلي ، الذي قام بتجنيد هؤلاء الشبان " الذين كانوا طموحين ، مخلصين للدولة ويتحدثون اللغة العربية بطلاقة وأصحاب وجوه عربية " ، ولم يعد والده في باري لأنه جرى تجنيده للاستخبارات عام " 1950"، وهو ما عرفه شنهاب بالصدفة : إذ تقدم منه ذات يوم في مقهى في تل أبيب رجل كبير في السن يتحدث بلهجة عراقية ثقيلة عرض نفسه باسم أفنير يارون وروى له كيف جند والده لجهاز الاستخبارات ، وبعد بضعة أيام جلب البراهين على ذلك إلى المقهى في مغلف يحوي صورتين لوالده مع عدة شبان ، جميعهم كانوا في أوائل العشرينات من عمرهم ، وارتدى قسم منهم قمصانا خاكية اللون والقسم الآخر بيضاء اللون ، وكانوا جميعا من " الشرقيين " ,قد تعرفت إلى صورته فورا .

وكان والده قليل الكلام ، خصوصا عن نفسه ، وقد عمل بجد وكان يغيب أحيانا لفترات طويلة بسبب رحلاته الكثيرة إلى دول أفريقية ، وهذا الغياب أضاف لي طعما خاصا في حارة صباي . إذ إن والدي كسب بطاقة الدخول إلى المناطق الإسرائيلية وسعيت أنا إلى تأصيل ذلك في نفسي كما كتب شنهاب غير إن هذا التمازج نشأ داخل مفارقة " فالمجندون كانوا عربا بترخيص من الدولة ، وهذا هو الأمر المفارقة في القصة وتحديدا في تلك السنوات ، عندما كانت الدولة تحاول إن تلغي عن المهاجرين من الدول العربية عروبتهم وتصادر منهم العالم الذي جاءوا منه ، أتاحت لعدد من اليهود إن يكونوا عربا بإذن من الدولة ، وكان أصدقاء والدي يعيشون في محمية ، كانوا يتحدثون العربية ويقرأون الصحف العربية ويستمعون إلى الإذاعات العربية ، وكانوا يستهلكون الثقافة العربية وكانوا معجبين بأبطالها ، وكانوا يقضون أوقاتا في حفلات الغناء العربي اليهودي التي تحييها فرقة " الإذاعة بقيادة زوزو موسى " .

وهذه المفارقة ذاتها ، ولكن من الاتجاه الآخر ، كانت حاضرة بفضل جدته لامه ، التي " لم تر في اليهود والعرب صنفين ينفي أحدهما الآخر ، فقد بقيت تعيش في إسرائيل كيهودية متمسكة بدينها ولكنها لم تنكر أبدا هويتها العربية وثقافتها العربية " ، ويضيف شنهاب ويروي عن الحلول التي بحث عنها في شبابه من اجل إغلاق الراديو وقتما كان أفراد عائلته يستمعون إلى أم كلثوم وفريد الأطرش .

" كانت جدتي فرحة متضاربة المواقف عندما تقول جملة مثل " فلتذهب الصهيونية إلى الجحيم " ولكنها من جهة ثانية تلعن صدام حسين "، ويقول " إنها عندما قالت إن الدولة دمرت الشعب اليهودي فسرت ذلك بان وجوده كشعب لم يكن مشروطا بقيام دولة ، وهي تظن إن اليهود كانوا يعيشون في وضع افضل في بغداد بين الشيعة وكان هناك تعاون ولم تكن هناك أية مبررات للقدوم إلى البلاد ، حيث الحياة هنا صعبة ، وليس هناك تعاون وتضامن ولا رحمة ، وكانت تظن إن الصهيونية وضع صعب ، وحينها من الصواب إنها جعلت من العيش في بغداد صورة مثالية ، وهذا خلق عندي عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري شرخا اسمع منه الكلام الذي لم يكن مشروعا آنذاك ، كان آبي يكره طريقة كلام جدتي ويحظر علي الإصغاء إليها في الوقت الذي كانت وظيفته إن يروي لي عن الصهيونية " .

وبعد تسريحه من الخدمة في الاستخبارات ، عمل الياهو كضابط أمن في سوبر ماركت ، وقد توفى وهو في الثانية والستين من عمره ، وقت سقوط صاروخ عراقي ، ويقول شنهاب إن من المثير للسخرية إن والده اعتبر بين القتلى حرب الخليج ، وهو يتذكر كيف انهم بعد انتهاء جنازة والده تحدث الكثيرون معه باللغة العربية العراقية واستجمع الكثيرون الذكريات ، وأرسل أفنير يارون مغلفا لصور البيت العربي القديم في قاعدة الاستخبارات في بئر السبع .من دون شفقة قبل ثلاثين سنة بذل شنهاب وشقيقه عوفر كل ما في وسعهما لإقناع والديهما بتغيير الاسم من شهرباني إلى شنهاب ، ومرت سنوات إلى إن فهم يهودا إن إنكاره الشخصي وإنكار الآخرين من أبناء جيله نشأ نتيجة الإنكار الجماعي وانه حان الوقت للتنكر للإنكار .

وكرس شنهاب سنواته الأولى في العمل الأكاديمي لأبحاث الرأسمالية الإدارية ، وهذا وفر له انشغالا انتقاديا أتاح له أيضا فهم إنكار صلة الشرقيين ، وكان قد أثار في الماضي سجالا شديدا حول هذه القضية ، ففي مقالته : " مؤامرة الصمت "( ملحق هآرتس كانون الأول 1996 ) ادعى إن اليسار الإسرائيلي اهتم أساسا بالقضية الفلسطينية واستخدمها مناجل إنكار وجود القضية الطائفية ، وزعم إن " المشكلة الفلسطينية " حلها اليسار عن طريق أبعادها إلى ما وراء الحدود ( دولتان لشعبين ) .

أما " المشكلة الشرقية " فاختار اليسار التنكر لها لأنه لا يستطيع مواجهتها ولا أبعادها إلى ما وراء الحدود ، وفي مقالة أخرى بعنوان " المارد الكامل " ( في هآرتس نيسان 1981 ) وصف الطريقة التي خدعت بها المؤسسة الإسرائيلية يهود العراق واستخدمت أملاكهم المجمدة في بغداد من اجل التنصل من مسئوليتها عن تعويض اللاجئين الفلسطينيين ، ومثل المقالة الأولى ولدت هذه المقالة ردود فعل شديدة لدى العديد من القراء .

ولكن ردود الفعل الشديدة لم تردع شنهاب ، فهو معتاد عليها منذ الصغر ، " الناس يتحدثون عن الطفولة السعيدة ، وأنا لا اعرف هكذا طفولة ، كنت ولدا شقيا وطردوني من المدرسة لأني كنت ليس فقط تلميذا سيئا ، وإنما شقيا أيضا ، كما إن والدي اعتاد على ضربي بشدة واستخدم مرارا العديد من الأدوات ، وكنت الوحيد الذي يتعرض للضرب منه ، ولا ادري سبب ذلك ، إذ كان يفجر غضبه في وكان يتعذر علي الهروب منه " .

إذن أين ومتى حدث الانقلاب ؟

كنت اعلم أنني لست شقيا وحسب ، وإنما ذكي أيضا ، وكانت معلمتي في المدرسة الابتدائية تعتقد أنني ممتاز لأنني كنت اقرأ كثيرا في الابتدائية ، وقد ساء وضعي عندما انتقلت إلى المدرسة الثانوية ، ولكنني تذكرت الفترة الجيدة في الابتدائية وهذا منحني ثقة بالذات ، وحتى اليوم عندي صبر البدوي ، وعندي الكثير من المجال ، وبوسعي الجلوس خمس سنوات وكتابة كتاب كالذي صدر الآن ، كما لو كان عندي شعور أساسي بأنني اعرف شيئا اكثر ممن يكبرونني سنا " .وعندما أنهى خدمته العسكرية بعد إكمال دراسته الثانوية والتحاقه بالاستخبارات عام 1972 لم يفكر أبدا انه يريد مواصلة التعليم ، ولكن بعد إن عرف إن جميع أصدقائه التحقوا بالجامعة قرر إن يفعل الشيء نفسه ، وسجل نفسه بدائرة علم الاجتماع في جامعة تل أبيب ، وحصل على شهادة الماجستير من كلية الصناعات الهندسية والإدارة في التخنيون ، وفي عام 1982 سافر لإتمام شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع العرفي في جامعة ستانفورد ، " ونقطة التحول كانت عام 1975 عندما تزوج رينا التي تعرفت عليها في الجيش ، وقد صرت اشكنازيا بهذا الزواج ، وقد دفعني ذلك إلى الهرب من الخانة الستيرويوتيبية والواقعية التي عشت فيها عندما كنت مراهقا شهربانيا يحرق ملجأ الشباب ، تحولت إلى شنهاب الذي يعمل من اجل درجته الجامعية الثانية ، وكما يقولون في اللغة الييدييشة ، كنت أنا ابن حماتي بسبب زواجي ، وكان هذا كافيا في نظري ، وهذا الزواج الذي تميز بانعدام التوافق المطلق ، انتهى بعد عشر سنوات .

ماذا تعني بعبارة أصبحت اشكنازيا ؟

إذا عدنا ل " اليهود العرب " فان الكتاب يتكون من حالة تحويل اليهود العرب إلى شرقيين في إسرائيل ، وأنا ولدت كشرقي يعيش واحدة من التجارب الشرقية لجيل مواليد البلاد ، وقد اجتاز مكبس التجربة الصهيونية ، واستوعب القيم المهيمنة في " الإسرائيلية " وبعد ذلك قام وتمرد عليها ، وانضم إلى حركة القوس الديموقراطي وكتب هذا الكتاب ، وإذا سألت يهودا الشخص ، فإنها كانت قصة شخصية تعرفت فيها على فتاة وأحببنا بعضنا وتزوجنا ، ولكن يهودا عالم الاجتماع سيقول إن لهذه القصة سياقا وهي أيضا قصة سوسيولوجية ، وهناك الكثير من مثل هذه الزيجات التي تتجاوب مع شيفرة الأشياء التي تقود إلى الأعلى ، أي دوافع اجتماعية وطبقية ينبغي بعد ذلك إلقاؤها جانبا ، وكنت أول من اعترف بأنني كنت أريد الانتماء .

واليوم ؟

لا اعرف لماذا ينبغي لي إن انتمي ، أنني احب تل أبيب جدا وهي في نظري افضل من أي مدينة أخرى في العالم ، وأنا لا اعرف مفهوما اسمه المجتمع الإسرائيلي ، وبتعبير سياسية اشعر بالاغتراب الشديد ، ومن المؤلم رؤية كيف إن الروح الجمعية الصهيونية تعيش صيرورة انتحار وان الفصل الحالي هو فصل إضافي في المسيرة البائسة ، وهذا ما سيعرف لاحقا ، هنا الكثير جدا من العنصرية ، بحقنة تصعب رؤية مثيل لها في مجتمعات أخرى ، إنها عنصرية رسمية مكرسة في قوانين وفي الإدارة الرسمية ، سياسة الفصل العنصري ( ابرتهايد ) ، وهي أيضا عنصرية " جديدة " مستترة ، لا تتحدث بلغة العنصرية المعهودة ولكنها موجة ضد المهاجرين الروس ، العمال الأجانب ، الشرقيين والفلسطينيين وهناك فضلا عن ذلك المعاملة المخصصة للنساء ، وهذا محزن جدا ، لان بالإمكان إقامة جنات عدن هنا ، لقد تجمعت هنا كل المخاوف والرهابات ، إرهاب اللاسامية ، وإرهاب المثلية الجنسية ، وإرهاب الفلسطينيين ، وإرهاب الشرقيين ، من المحزن رؤية كيف إن جميع الساسة الشرقيين في جميع الأحزاب ، بدل أن كونوا حساسين لهذه القضايا ، وبدل إن يكونوا حساسين لقضايا المعاناة والعدل الاجتماعي يتحولون إلى قامعين ومضطهدين ، وأعضاء الكنيست أو أعضاء الحكومة يتحدثون ويتصرفون كما تحدثوا قبل خمسين سنة ، والأيديولوجيا السياسية هذه تستنسخ نفسها من دون صلة بالهوية الشخصية سواء أكان رجلا أم امرأة ، انهم يتحولون إلى حملة أيديولوجيا الخوف من الآخر ، وهم المستهلكون لها وضحاياها من دون شفقة .

الآن يبدو إن التنكيل بالطبقات الضعيفة ، التي تعتبر المصوتة لليكود ، يأتي من الليكود نفسه .حقيقة انه لا يوجد سلام وأننا نعيش داخل أيديولوجيا متطرفة للمستوطنات ، أمر يلحق الضرر بالتعليم والصحة والثقافة والقدرة الاقتصادية للكثير من العائلات ، ولكن لا ينبغي الخطأ هنا ، إن أيديولوجيا إشاعة اللبرالية ، أي سياسة الخصخصة والمساس بالطبقات الدنيا عن طريق تقديم افضليات لقوى السوق ، هي أيديولوجيا مستقلة ، وحتى إذا توافر المال ومن دون المستوطنات كانت هذه الأيديولوجيا ستطبق لان هذه أيديولوجيا تظن انه يجدر الاستثمار في المال وليس في العمل أو العمال ، من اجل إن يتراكم المال ويحرك الاقتصاد ، ونتنياهو كوزير للمالية يطور المال الكبير ويبني على إهمال الطبقات الدنيا ، التي ستواصل التفكير بان التيار العمالي ضرب أهلهم قبل أجيال.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 05:56 AM   #8

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي استراتيجية الاستيطان الصهيوني وأثره على الشعب العربي الفلسطيني

استراتيجية الاستيطان الصهيوني وأثره على الشعب العربي الفلسطيني
حنان اخميس

*تعريف الاستيطان : - حركة استعمارية صهيونية احتلالية – احلالية حلت محل سكان البلاد الأصليين:-

1- إن ظاهرة الاستيطان في فلسطين ظاهرة خاصة وفريدة من نوعها في التاريخ والتاريخ المعاصر لأنها لم تستطيع القضاء على الشعب الأصلي كما حدث في أمريكا واستراليا .
2- تستند فكرة الاستيطان اليهودي الى بعد توراتي ديني بهدف توظيفها سياسياً، واقتصادياً و عسكرياً واجتماعياً بهدف إقامة المشروع الاستيطاني في فلسطين بأنها قامت على مبدأ صهيوني ( أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ) وتعتبره الحركة الصهيونية للاستيطان بوصفه حقاً طبيعياً لليهود.
3- ظهر المشروع الصهيوني للاستيطان في مؤتمر بازل1879 في سويسرا حتى ما قبل ذلك العهد فقد ظهر الاستيطان في بروتوكولات حكماء صهيون).
4- الغرض الأساسي للحركة الصهيونية تجميع أكبر من يهود العالم في فلسطين من خلال عملية انقلاب ديمغرافي حتى يستبدل اليهود بسكان البلاد الأصليين منذ القرن 16 – 19 .
5- التأثير الاستيطاني السياسي والعسكري على الاقتصاد الفلسطيني في مجالات الزراعة والمياه و الصناعة والعمالة الفلسطينية والمياه الجوفية والهواء ودفن النفايات السامة و الكيميائية في الأراضي الفلسطينية.
6- تأثيرالاستيطان على الأراضي المقدسة فكان انشاء الهيكل المزعوم في القدس للسيطرة على المدنية المقدسة، فسمحت للمستوطنين باقامة المستوطنات على أرض أماكن الوقف الإسلامي فصادرت أراضي وأحياء عربية في القدس وعملت على قلب النظام الجغرافي والديمغرافي لهذه المدينة .
7- لعبت الانتفاضة والمقاومة دوراً حيوياً في إثارة مشكلة المستوطنين في الشارع الإسرائيلي كمدخل لعدم الأمن والاستقرار وتبذير أموال الميزانية وأشعرت اليهود في أنحاء فلسطين أن أمنهم بات مهدداً بسبب حفنة من اليهود المتطرفين المشعوذين المؤمنين بالخرافات .

*تقسيم الاستيطان في فلسطين الى عدة مراحل : -

1- المرحلة الأولى : دعوة نابليون بونابرت عام 1799 : تميزت بمجموعة من الدعوات من بعض الساسة او رجال الدين اليهود في اطلاق فكرة الاستيطان أهم الوسائل في تحقيق انتصاراتهم أو نشر أفكارهم والذي دعا نابليون فيه اليهود الى مساعدته في تحقيق أهداف حملته سياسياً وعسكرياً و أهمها احتلال مصر والشام وقطع الطريق على بريطانيا من تحقيق ذلك، و لكن هذه الدعوة فشلت لسببين: -

أ- تردد اليهود في قبول هذه الدعوة في تشكيك قدرته الى الانتصار على الدولة العثمانية وعبارتهم الشهيرة ( سيف السلطان أقوى من سيفك) .
ب- فشل الحملة الفرنسية نفسها في زمن قصير.

2- المرحلة الثانية : دعوة محمد علي في بلاد الشام (1831- 1830 ): -

*فكرة العودة الى الأراضي المقدسة والاستيطان مستفيدين من عدة مسائل :

أ- استغلال سيطرة محمد علي على بلاد الشام و عدائه للدولة العثمانية والاستفادة من قوانينه الإصلاحية والانفتاحية على أوروبا( خاصة فرنسا).
ب- مقابل مونتفيوري عام 1839 مع محمد علي لاقامة مستوطنات عن طريق استئجار الأرض و لما فشلت هذه المحاولات تزعمت بريطانيا القضاء على محمد علي و إخراجه من بلاد الشام حتى لا يقع تحت النفوذ الفرنسي.
ت- فشل اليهود في الحصول على أية امتيازات بعد صدور خط شريف كلخانة عام 1839 بسبب تلكؤ السلطان عبد المجيد في تنفيذ هذه الاصلاحات لإدراكه خطورة مساواة غير المسلمين بالمسلمين لهذا الغرض.

3- المرحلة الثالثة: المرحلة العثمانية من عام 1856 – 1882) : -

بدأت هذه المرحلة بهزيمة الدولة العثمانية أمام روسيا في حرب القرم (1853- 1856) فأجبرت الدولة العثمانية على اصدار خط شريف همايون 1856 بموجب مؤتمر باريس 1856 وشملت هذه المرحلة: -

1- التحرر القانوني لغير المسلمين منحهم مساواة كاملة في الشؤون الدينية، و كان لحق الملكية وقانون الطابو 1858 وانشاء المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، فرص ذهبية لليهود في استخدام هذه القوانين.

2- الاستفادة من قوانين الامتيازات الاجنبية التي بدأت تفرض على الدولة العثمانية بسبب هزائمها العسكرية (حرب مع روسيا1853).
3- التحول الدستوري في الدولة العثمانية، قتل السلطان عبد العزيز وخلع مراد الخامس وجيء بعبد الحميد الثاني لهذا الغرض تحت بند الاصلاحيات الدستورية والاقتصادية والقومية والاجتماعية (العلمنة و الانفتاح) .
4- شهدت هذه الفترة نشاطاً في إنشاء المؤسسات التي ستشكل القاعدة الأساسية لاستيطان فلسطين منها: -

أ- تأسيس القنصليات الاجنبية في القدس.
ب- تأسيس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865 .
ت- تأسيس جمعية استكشاف فلسطين الأمريكي 1870 .
ث- تأسيس جمعية الهيكل الألماني كريستوف هوفمان 1868.

إن ما تم انشاؤه من هذه المستوطنات في فلسطين لا يزيد على خمس كان أهمها مدرسة يافا الزراعية على 2600 دونم (مكفيه اسرائيل ، بتكاح تكفا) ولم يزد مجموع السكان على 15000 يهودي ( صفد ، الحولة، جنين ، غدير يافا) .

4- المرحلة الرابعة: مرحلة التسلل والمقاومة 1882 – 1917 :-

*تميزت هذه المرحلة بالتوسع عن طريق الامبراطوريات: -

1- هرتزل وروسيا وألمانيا والنمسا والدولة العثمانية .
2- ظهور الاتحاد و الترقي كحركة مقاومة سياسية وعسكرية للدولة العثمانية لقلب نظام الحكم بعد إلغاء الإصلاحات الدستورية من قبل السلطان وفي مقدمتها البرلمان العثماني .
3- ظهور الحركة الصهيونية التي تجسدت حركة قومية في مؤتمر بال 1879 .
4- فكرة الرجل المريض في أوروبا لتقسيم تركه الدولة.
5- احتلال ولايات عثمانية كثيرة منها قبرص 1878 ، مصر 1881 ، تونس 1882 .
6- بروز حركة المقاومة الرسمية والشعبية التي تزعمها السلطان نفسه لمقاومة الاستيطان في فلسطين. من خلال المصادر الرسمية تبين أن عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين ارتفع ما بين 43 – 48، مستعمرة فيما وصل عدد السكان اليهود حوالي 50 الف – 80 الف في حين كان عدد سكان فلسطين في الحرب العالمية حوالي 750 الف.
7- اضافة الى انشاء مجموعة من المؤسسات، بنك الاستعمار اليهودي، والشركة الانجليزية الفلسطينية ( الصندوق القومي اليهودي).

5- المرحلة الخامسة: مرحلة الاحتلال والانتداب البريطاني 1917- 1948: -

1- تنفيذ وعد بلفور .
2- تدويل المشكلة الفلسطينية.
3- الإدارة الباطنية للوكالة اليهودية لفلسطين .
4- فشل الدبلوماسية الدولية في إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية قبل عام 1948.
5- حركة المقاومة الفلسطينية غير المنظمة 1920 – 1948، وحركات يهودية عنيفة مضادة مسلحة علمياً ومالياً وسياسياً وعسكرياً .
6- فقدان العرب لسيادتهم السياسية (الاحتلال أفقدهم القدرة على التأثير المحلي والدولي .

*تشير الدراسات إلى أن سنوات الاحتلال الانجليزي ما بين 1917- 1922 رسمت الخطوط التالية: -

1- وجهة نظر المتدينين وطن من النيل الى الفرات.
2- العلمانيون وطن من دان الى شمعون ( بئر السبع)
3- البقاع مدخل ما بين فلسطين ولبنان وجبل الشيخ ووادي اليرموك.
4- منطقة الخط الحديد بين درعا و معان، منابع نهر الأردن والليطاني .
5- حدود أرض اسرائيل شمالاً جبل لبنان، شرقاً بادية الشام، جنوباً شرق سيناء ، غرباً البحر المتوسط .

*التوسع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين في ظل الانتداب يحتاج الى:-

1- تحقيق دولة يهودية صهيونية تشمل فلسطين و ربما شرق الأردن الآن.
2- انتقال سكان فلسطين الى العراق في وقت لاحق.
3- قيادة يهودية للشرق الأوسط (مشروع الشرق الأوسط).
4- في عام 1922 ، استيطان 173000 دونم ، اجمالي 549 الف دونم .
في عام 1953 استيطان وبناء 154 مستعمرة .
في عام 1936 – 1939 ظهرت فكرة الاستيطان المسور وذو الأبراج (55 مستعمرة ) .
و في عام 1938 – 1943 اقامة 15 مستعمرة جديدة.
في عام 1946 اقامة 11 نقطة استيطانية .
في عام1920 - 1948 بلغ عدد المستعمرات 269 مستعمرة.

*أسباب نجاح المستوطنات في فلسطين يعود الى : -

1- نجاح الزراعة.
2- نجاح الصناعة .

3- نجاح موجات الهجرات المتدفقة.
4- زرع الشكوك والاستياء لدى الفلاحين الفلسطينيين لطردهم من أراضيهم.
5- تطويق القرى العربية بالمستوطنات بل تطويق الدول العربية المجاورة : مصر 18 ، لبنان 15 ، سوريا 7، الأردن 12 .
6- استغلال قوي لقوانين الانتداب فيما يخص ملكية الأرض.
7- المرحلة السادسة : مرحلة الاحتلال الصهيوني

وقيام اسرائيل عام 1948: -

1- استمرار في خلق مستوطنات زراعية وحدودية دفاعية.
2- توزيع سكاني متكافئ .
3- أوامر عسكرية لطرد السكان العرب.
4- التوسيع الاستيطاني من خلال الحروب 1956 ، 1967 ، 1982.
5- خلق تيارات دينية وقومية تؤمن بأرض اسرائيل توراة اسرائيل، شعب اسرائيل.
6- تهويد الضفة الغربية و قطاع غزة بالمستوطنات على المدى الطويل و ضم القدس والجولان والسور الامني الذي حجز آلاف الدونمات من القرى العربية.
7- استمرار تيار الهجرة اليهودية فهو المنقذ لليهود من الذوبان.
8- الاستيطان هو الركيزة الأساسية للأمن واحتلال اسرائيل لمركز الاقليم

*المؤسسات الخاصة بامتلاك الأراضي الأراضي و تسجيلها كملكية عامة لليهود: -

1- مؤسسة البارون روتشيلد عام 1883 .
2- مؤسسة الائتمان اليهودي للاستعمار 1889( ليمتد) الذي أنشأه بنك انجلو فلسطين ليمتد .
3- مؤسسة الصندوق القومي اليهودي 1907 المعروف باسم كيرن كايت.
4- مؤسسة الصندوق الفلسطيني التأسيسي عام 1920 المعروف باسم كيرن هايسود.

*أهدافها :-

أ- تستملك الأراضي كملك لليهود.
ب- و تسجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي.
ت- عملية الاستيلاء على الأراضي قاعدة أساسية للاستيطان (الانقلاب الديمغرافي) .

*الهيئات والمؤسسات والوزارات المعنية بالاستيطان للحركة الصهيونية:-

1- وزارة الاستيعاب .
2- وزارة الاسكان .
3- وزارة العمل.
4- وزارة الزراعة
5- وزارة الشؤون الاجتماعية.
6- وزارة الدفاع.
7- والدوائر المتفرعة عن المنظمة الصهيونية أو الوكالة اليهودية.
8- دائرة الهجرة.
9- دائرة الاستيطان بالإضافة الى الأحزاب الصهيونية التي تتخذ الاستيطان مقدمة مهماتها وتدير عدداً كبيراً من المستوطنات .

*المشاريع التي تم تنفيذها بين الحزبين الكبيرين في اسرائيل ( العمل و الليكود) أهمها:-

1- مشروع الون حزب العمل 1967 - 1976 ، يقوم على فكرة استيطان و تحقيق الأمن كحافز للنضال السياسي والسيادة على الأرض.
2- مشروع غاليلي – فوخمان : عام 1977 يهدف إلى اقامة 186 مستوطنة في أنحاء فلسطين ومشروع فوخمان ( مشروع العمود الفقري المدوج ).
3- مشروع غوش امونيم ( التحول و الاستيطان على نطاق واسع.
4- مشروع دروبلس عام 1979 – 1983 يهدف الى اقامة 70 مستوطنة في خطة خمسية .
5- مشروع شارون للاستيطان عام 1983 مشروعه الخاص النجوم السبعة.
6- مشروع نتنياهو- الون يقوم على رؤية نتنياهو للتسوية من الفلسطيني المستند الى لاءات ثلاثة : -
- لا للدولة الفلسطينية - لا لاعادة الانتشار - لا لوقف الاستيطان . وأن تحتفظ إسرائيل بـ 70% من مساحة الضفة بما عليها من مستوطنات.

*مستقبل دولة إسرائيل يعتمد على الاستيطان لسياستهم الاستيطانية: -

1- الإصرار على عدم العودة الى حدود ما قبل 1967 (أي حدود الهدنة عام1949.
2- التأكيد على حرية الاستيطان وخاصة في مناطق الامن (أي خطوط المواجهة).
3- الفصل بين حرية الاستيطان و اعتبار الاستيطان جزءاً من عملية السلام في المنطقة.
4- ضم مدينة القدس العربية – و توحيد شطريها و اعلانها عاصمة اسرائيل.
5- التأكيد على أن السيطرة على الأرض تعني السيطرة السياسية والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة .

*أهداف ومراحل الاستيطان الإسرائيلي لضم الأراضي: -

1- تهويد وضم المناطق المحتلة إسرائيل لتوسيع رقعتها على الأراضي العربية.
2- العمل على عزل المناطق المحتلة عن باقي الدول العربية بإقامة شريط حدودي من المستوطنات يفصل بين المناطق العربية – والدول العربية المجاورة.
3- الفصل بين المناطق المحتلة نفسها باقامة تجمعات يهودية (مستوطنات) وتجزئتها إلى وحدات صغيرة، و ايجاد كتل بشرية غريبة بين سكانها .
4- ايجاد حاجز بشري بين السكان العرب و ذلك بهدف عدم تمكين المواطنين العرب من الاتصال فيما بينهم.
5- تحويل السكان العرب الاصليين الى أقليات وسط جموع يهودية ضخمة، واستقطاب أعداد كبيرة من اليهود من شتى أنحاء العالم وزرعهم في المناطق المحتلة.

*تهويد مدينة القدس (و استيطان مشروع القدس الكبرى):-

1- حل مجلس أمانة القدس العربي وإلحاق موظفيها وعمالها ببلدية القدس اليهودية .
2- تهويد القضاء بنقل مقر محكمة الاستئناف في القدس الى رام الله وفك ارتباط القضاء النظامي في مدينة القدس عن الضفة الغربية.
3- تهويد مرافق الخدمات العامة بإلغاء الإدارات العربية ونقل قسم خارج مدينة القدس وربط شبكة المياه والهواتف ببلدية القدس اليهودية، والحاق الدوائر العربية بالدوائر اليهودية .
4- نقل عدد من الوزارات والدوائر الرسمية الإسرائيلية الى القدس العربية ومنها محكمة العدل العليا .
5- تهويد التعليم والثقافة بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية بمراحلها الثلاثة وتطبيق مناهج التعليم الإسرائيلي والاستيلاء على متحف الآثار الفلسطيني.
6- تهويد الاقتصاد بعزل القدس جمركياً واقتصادياً عن الضفة الغربية واخضاع المرافق الاقتصادية والتجارية العربية لأنظمة الضرائب الإسرائيلية.
7- محاولة القضاء على التراث الإسلامي وتدمير المقدسات الإسلامية والمسيحية وتشويه الطابع الحضاري لمدينة القدس وإزالة الأماكن المقدسة منها:-

أ- الحفريات حول و تحت المسجد الأقصى بهدف العثور على الهيكل.
ب- حريق المسجد الأقصى الذي دبرته سلطات الاحتلال 21/8/1969 .
ت- الاعتداء على الأماكن المقدسة الإسلامية و سرقة محتويات كنيسة القيامة و استملاك الأراضي التابعة لبعض الأديرة المسيحية في القدس و الاعتداء على المقابر الإسلامية ثم حريق بعض الكنائس على أيدي المتطرفين اليهود.

8- هدم المنازل وتهجير السكان فور اعلان ضم القدس و تغيير الطابع الديني والسياسي للمدينة منها : -

أ- ضم مساحات جديدة من الأراضي تتراوح ما بين400 -500 كم .
ب- تشتيت وتهجير ما لا يقل عن 130 ألف عربي.
ت- تجزئة الضفة الغربية وتقطيع أوصالها و بلغ عدد المستوطنات 12 مستوطنة فيها.

*إجراءات وأساليب تنفيذ وتسريع عملية الاستيطان بعد عام 1967: -

1- الإبعاد القسري والإجباري لعدد كبير من المواطنين بحجة مقاومة الاحتلال.
2- هدم المنازل وتشريد أصحابها وإزالة قرى بكاملها، واقامة المستوطنات على انقاضها بادعاء الضرورات الأمنية والعسكرية والاستيطانية .
3- الاستيلاء على الأراضي العربية دون مقابل ومنحها لليهود أفراداً وجماعات لبناء المستوطنات عليها.
4- شراء الأراضي العربية عن طريق تزوير المستندات دون علم أصحابها الأصليين.
5- اغلاق مساحات شاسعة من الأراضي العربية من قبل سلطات الاحتلال ثم منحها للمستوطنين للاستيطان فيها.
6- القرار الصادرعام 1979 والمتضمن السماح لليهود بشراء الأراضي من أصحابها العرب ومنحها لليهود لاستيطانها.
7- انشاء طريق استيطاني استراتيجي عبر سلسلة جبال الضفة الغربية المطلة على وادي الأردن بدءاً من الخان الاحمر جنوباً وحتى مجدل بني فاصل شمالاً حيث بلغ طوله حوالي 48 كم وأطلق عليها اسم طريق( الون).
8- استمرار العمل على توسيع المستوطنات التي تمت اقامتها على أراضي القرى العربية على أساس استمرار مصادرة الأراضي العربية لمصلحة المستوطنات واقامة الطرق حولها، وربط بعضها بعض.

*وسائل و أساليب مقاومة الاستيطان الصهيوني : -

1- العمليات العسكرية المستوطنات لنسف سياسة الاستيطان الصهيوني.
2- تنظيم الجماهير الفلسطينية داخل الأرض المحتلة و اقامة جبهة وطنية فلسطينية داخل الأرض المحتلة تكون الذراع السياسي والتنظيمي للشعب الفلسطيني .
3- تشجيع الهجرة المعاكسة باعطاء كل عائلة يهودية مبالغ طائلة من المال للهجرة للدول الأخرى.
4- دعم صمود الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، من مؤسسات و منظمات والجمعيات الخيرية والهيئات والاندية و الصحف ولجان المخيمات والتعاونيات الزراعية ولحماية الأرض من خطر شرائها من اليهود ومختلف النقابات ودعم عملية مد الكهرباء والماء والحرفيين والمحامين .
5- تشجيع الشعب الفلسطيني على الصمود والتشبث بالأرض في وجه سياسة الاستيطان الرامية الى طردهم من أرضهم و لدعم الهوية العربية للسكان العرب الذين يقطنون في عام 1948 .







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 06:02 AM   #9

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين في مجال العمل

التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين في مجال العمل
يوسف عودة

المقـدمـة

يتميز الكيان الصهيوني بكونه تجمع مهاجرين (مستوطنين)، أي انه عبارة عن مجموعات بشرية منفصلة عن بعضها البعض بخيوط عرقية وثقافية….الخ، وعلى الرغم من مرور اكثر من خمسين عاماً على قيام الدولة، إلا أن نظرية " بوتقة الصهر " الصهيونية لا تزال موضوعة على المحك، حيث أن من ابرز أشكال التمايزات الاجتماعية في إسرائيل، الانقسام بين اليهود، والمتمثل باليهود الغربيين (اشكنازيم)، واليهود الشرقيين (مزراحيم)، حيث انه من وقت لآخر تبرز على سطح الحياة السياسية مظاهر هذا الانقسام ومظاهر التمييز ضد المزراحيم، وخير دليل على ذلك، حوادث وادي الصليب في حيفا عام 1959م، وكذلك التظاهرات العنيفة لحركة الفهود السود في مطلع السبعينات وغيرها الكثير، حيث تتجسد تلك المظاهر في (الفجوة الطائفية) المسماة "إثينة" في أغلب الأحيان والتي تفصل الطرفين في عدة مجالات كمستوى الحياة، التعليم، العمالة، الثقافة والتمثيل السياسي….وغيرها الكثير.

وهنا في هذا البحث، ما يهمنا هو التمييز بينهم في مجال العمل، فلهذا سوف نتطرق أولاً إلى تعريف اليهود الشرقيون، ثم كيف تم تهجيرهم مع الأخذ بعين الاعتبار الدوافع وراء ذلك، ثم العمل على تعريف مصطلح "العمل العبري"، وما مدى علاقتهم به وأخيراً علاقتهم بالعمل.

الفصـل الأول: اليـهود الشرقيون

كما مر في المقدمة، فإن اليهود في المجتمع الإسرائيلي ينقسمون إلى طائفتين اثنيتين حضاريتين، هما:-

الطائفة الإشكنازية، والتي هي عبارة عن الأقلية الاستيطانية الصهيونية التي هاجر أكثرها إلى فلسطين من بلدان أوروبا الشرقية، وبعضها من أواسط أوروبا وغربها وكذلك من أمريكا. وقد كانت هذه الطائفة تمثل قمة الهرم في المؤسسة الصهيونية المتحكمة في الدولة، أي أنها كانت تمثل الأكثرية الساحقة في الكنيست، ومجلس الوزراء والوظائف الحكومية…..الخ، وبناءً عليه فإن هذه الطائفة كانت تمتاز بالغطرسة العنصرية وتؤمن بتفوقها النوعي والحضاري مقارنتاً بالشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، بما فيها اليهود (أبناء البلدان العربية والإسلامية).

وأما الطائفة الثانية، فهي طائفة اليهود العرب (السفارديم)، وتمثل هذه الطائفة اغلب اليهود، وهم من أبناء فلسطين الأصليين، ومن الذين قدموا من الوطن العربي والإسلامي. حيث تشكل هذه الطائفة - الثانية- باستثناء الدين جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، من عدة نواحي، كالحضارة، اللغة، القيم، العادات، التقاليد والتاريخ……الخ، وذلك لأنها عاشت منذ القدم وحتى وقتنا الحاضر في "دار الإسلام" وخير مثال على ذلك، يهود الجزيرة العربية ولا سيما اليمنيون الذين عاشوا مع العرب منذ فجر التاريخ.

فمصطلح " اليهود الشرقيين " كان يطلق على أولئك اليهود الذين هاجروا إلى الدول العربية والإسلامية، كالعراق، إيران، أفغانستان، شبه الجزيرة العربية ….الخ، وعلى الرغم من ذلك إلا انه الآن وفي الكيان الصهيوني يشير هذا المصطلح إلى أولئك الذين لا ينحدرون من أصل غربي.

أي أنه يشير " بشكل عام إلى أولئك اليهود الذين عاشوا في المنطقة العربية والإسلامية الشرق أوسطية"، اي يمكن القول، وباختصار ان اليهود الشرقيين هم الذين سكنوا دائما في آسيا وأفريقيا، منذ نفي أجدادهم من أرض اسرائيل بواسطة الرومان سنة 732 ق.م،حيث كان هؤلاء اليهود يشكلون في أواسط القرن التاسع عشر الأغلبية الساحقة من يهود فلسطين، ولكن هذه النسبة تقلصت بعد تدفق الهجرة اليهودية الصهيونية الى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، من دول أوروبا بشقيها الغربية والشرقية، لهذا فقد اصبحوا أقلية ضئيلة لا تتجاوز نسبتهم 10% من مجموع السكان اليهود في فلسطين عام 1948م. ولكن، وفيما بعد قيام اسرائيل، زادت نسبتهم من خلال الهجرات الشعبية الواسعة حيث شكلوا في أوائل السبعينات نحو نصف سكان اسرائيل اليهود.

والجدير بالذكر هنا ايضا، ان هؤلاء اليهود الشرقيون ينقسمون الى عدة طوائف، وتعرف كل طائفة من هؤلاء المهاجرين اليهود بالبلد التي جاوءا منها، فمثلا من اهم الطوائف الشرقية في اسرائيل، طائفة اليهود " الاسبان " – اليهود الذين هم من أصل اسباني " سفارد " بالعبرية – وهم الذين استوطنوا في اسبانيا " الاندلس " بعد ان فتحها العرب المسلمون في القرن الثامن عشر، وأما بالنسبة لأكبر الطوائف الشرقية في اسرائيل، فهي طائفة اليهود المغاربة ويليهم العراقيون واليمنيون والايرانيون.

وقد كان يطلق عليهم عدة تسميات منها سفارديم، ويهود الشرق، ويهود آسيا وأفريقيا …الخ، من هذه التسميات التي كانت تدل في جوهرها على التمييز القائم من قبل الدولة الصهيونية تجاه هذه الطائفة. وعلى الرغم من أن لفظ (سفارد) أصبح مرادفاً للفظ (شرقيين)، وذلك لأن معظم اليهود الشرقيين خاصتاً يهود البلاد العربية منهم، يتبعون التقاليد السفاردية في العبادة، إلا أن هذا المصطلح (سفارد) غير دقيق، وذلك لأن بعض اليهود الغربيين كيهود هولندا وإنجلترا وإيطاليا من السفارد، وكذلك الحسيديين يتبعون بعض التقاليد السفاردية في العبادة، لهذا فإن هذا المصطلح لا يعتبر دقيق، وبناءً عليه يجب استخدام مصطلح "اليهود الشرقيين" باعتباره يضم معظم السفارد، وباعتياره أيضاً ذو مضمون طبقي عرقي ثقافي، على عكس مصطلح "السفارد" ذو المضمون الديني غير المحدد.

ولكن وعلى الرغم من كل هذه التسميات إلا أن مصطلح "مزراحيم" بالعبرية والذي يعني "الشرقيين" بالعربية، هو من اكثر المصطلحات والتسميات استخداماً في الشارع الإسرائيلي، وفي الأوساط الأكاديمية والأحزاب السياسية اليسارية. وبناءً عليه نستنتج من كل ما سبق ذكره، أن اليهود الشرقيون، وعلى الرغم من تعدد التسميات التي تطلق عليهم، هم يهود البلاد العربية والإسلامية، الذين قدموا إلى الكيان الصهيوني، أو بمعنى آخر هم أولئك اليهود الذين ينحدرون من أصل عربي أو إسلامي شرق أوسطي.

وأخيرا نود الإشارة الى ان الاحصاءات الإسرائيلية تصنف السكان اليهود حسب الأصل، اي بمعنى اخر وفقا لمكان ولادة الشخص ومكان ولادة أبيه الى ثلاث جماعات رئيسية، على النحو التالي:-

1) الإشكناز، وهم المولودون في اوروبا وامريكا والمولودون في اسرائيل لآباء من مواليد اوروبا وامريكا.
2) السفارد، وهم المولودون في آسيا وأفريقيا والمولودون في اسرائيل لآباء من مواليد آسيا وأفريقيا.
3) يهود أبناء البلد، وهم يهود ولدوا هم وآباؤهم في البلد ( فلسطين المحتلة ).

الفصل الثاني: هجرة الشرقيون

تتميز الصهيونية بكونها وليدة الواقع اليهودي الحديث في الدول الأوروبية، حيث أنها لا تتصل بأي شكل من الأشكال بيهود العالم العربي، إلا أنها كانت دائماً تتكلم باسم اليهود في جميع أنحاء العالم، وهذا الشيء أدى في النهاية الى خلق العديد من المشاكل وعلى أثرها هاجر هؤلاء اليهود (اليهود الشرقيون) الى فلسطين، هذا بالإضافة إلى خطاب الصهيونية الذي اشتمل على العديد من المصطلحات الدينية كالخلاص والأرض المقدسة ….الخ.

ومن العوامل التي ساعدت أيضا في هجرتهم إلى فلسطين، رفض العديد من يهود روسيا وغيرهم من يهود أوروبا الذين كانوا يتطلعون بالذهاب إلى الأمريكيتين من الهجرة الى فلسطين، حيث كان من الصعب على زعماء الحركة الصهيونية في ذلك الوقت إقناع هؤلاء اليهود بالهجرة إلى فلسطين، لذلك قررت المنظمة الصهيونية بعد هذا الفشل الذي لازمها في إقناع هؤلاء اليهود بالهجرة إلى فلسطين أن تعمل على إحضار اليهود الشرقيين الى ارض إسرائيل من اجل العمل فيها.

وكان ذلك من خلال مرحلتين على النحو التالي:-

المرحلة الأولى:-

كانت مع بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، أي كانت ما بين 1926-1929م، وكانت هذه الهجرة مقتصرة فقط على اليهود اليمنيين دون غيرهم من يهود العالم العربي، وذلك بهدف التخلي عن العمالة العربية وتبديلها بالعمالة اليهودية الرخيصة تحت شعار " العمل العبري ".

أما المرحلة الثانية:-

فقد كانت في بداية الخمسينات، وكانت تمتاز بأنها هجرة من جميع الدول العربية بأعداد كبيرة، والسبب في ذلك يعود لعدة عوامل كما يلي:-

1) بسبب مقتل أعداد كبيرة من اليهود الاوروبين على أيدي النازية، لهذا فقد عمدت الصهيونية الى ملء هذا الفراغ عن طريق جلب يهود العالم العربي.
2) بسبب عدم رغبة اليهود الأوروبيين في الهجرة إلى فلسطين، حيث كانت نسبة المهاجرين إلى فلسطين من هؤلاء اليهود لا تتعدى واحد بالمائة في ذلك الوقت.
3) بسبب الحاجة الماسة للمزيد من القوى العاملة الرخيصة، لتحل محل العمالة العربية التي طردت من ديارها في حرب 1948م، وما بعدها.
4) لاستغلال الطابع الحضاري العربي في دوائر التجسس الصهيونية.
5) بسبب الحاجة الماسة للجنود، وذلك من أجل الدفاع عن أرض إسرائيل في تلك الفترة.

ولكن وعلى الرغم من هذا الاستقطاب، إلا انه كان هنالك تخوف لدى زعماء الصهيونية من هذا الاستقطاب، تمثل " في أن تصبح إسرائيل دولة ذات طابع شرقي على ضوء ازدياد نسبة يهود البلدان العربية في مطلع الخمسينات ".

ويتضح هذا من خلال علو الأصوات الإشكنازية التي كانت مسيطرة على الحكومة الجديدة، والتي طالبت بوفق هذه الهجرة، أو على الأقل العمل على تحويلها إلى هجرة انتقائية، وذلك بناءً على إعطائهم تبريرات اقتصادية، وهذا ما عارضه بن غورين بشدة في ذلك الوقت، وتتضح معارضته هذه، من خلال قوله "لا يجب ملاءمة الهجرة لقدراتنا الاقتصادية بل على العكس، علينا زيادة المجهود الاقتصادي بما يلائم احتياجات الهجرة، وحتى إذا فشلنا في تحقيق ذلك، فيجب الآ نتوقف عن الاستيعاب، لان الهجرة تسبق حتى ان كانت مقرونة بالعناء". وقوله هذا يوضح بأن حالة هؤلاء المهاجرين ووضعيتهم لم تكن موضع اهتمامه.

الا ان نسبة هؤلاء المهاجرين " اليهود الشرقيين " بدأت تتضاءل حيث تقلصت هذه النسبة بين أواخر الخمسينات وأواخر الستينات إلى 50%، ثم تقلصت أيضا في أواخر السبعينات وما بعدها، حيث وصلت في الفترة الواقعة ما بين 1958-1989م، إلى 20%، ثم تقلصت إلى 6.5% في الفترة الواقعة ما بين 1990-1993م، والجدير بالذكر هنا، أن هؤلاء المهاجرين الذين جاءوا في الفترة الأخيرة، جيء بهم من أثيوبيا، وهم يمتازون بانخفاض مستوى التعليم، وبالعمل في المهن والأشغال اليدوية الشاقة.

وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج أن زعماء الصهيونية كانوا مرغمين على استقطاب هؤلاء اليهود للأسباب السابق ذكرها، ولكنه في نفس الوقت كان لديهم تخوف من أن تصبح الدولة ذات طابع شرقي، لهذا فقد بدأت تعلو الأصوات الاشكنازية من اجل الحد من هذه الهجرة، وبالفعل فقد تقلصت نسبة هجرتهم، إلى أن وصلت إلى 6.5% في الفترة الواقعة ما بين 1990-1993م، كما مر سابقاً.

الفـصل الثالـث: اليهود الشرقيون وعلاقتهم بالعمل العبري

بدايتاً، لا بد من التعرف على مصطلح "العمل العبري"، فالمقصود بهذا المصطلح "هو التخلي عن العمال العرب وتبديلهم بأيدي عاملة رخيصة (وذلك في فترة الاستيطان السابقة على قيام الدولة)". أي بمعنى آخر أن تحل العمالة العبرية (العمال اليهود) محل العمالة العربية في جميع الميادين كالحراسة والزراعة ….الخ.

ولعل السبب وراء اعتمادهم على العمالة العربية، هو جهل المستوطنون الجدد بالأعمال الزراعية، لذلك كانوا بحاجة لمن يرشدهم للقيام بهذه الأعمال، فاعتمدوا في البداية على العرب في العمل الزراعي وخاصتاً أن هؤلاء العمال هم من أبناء البلد، وكان أيضا من اهم أسباب هذا الاعتماد، الخلافات التي كانت قائمة بين المستوطنين الجدد والعرب، حيث انه بعد هذا الاعتماد قلة حدة هذه الخلافات، وقد تمثل هذا الاعتماد بالعمل في الزراعة داخل المستوطنات، إضافة إلى الاعتماد على النساء العربيات اللواتي كن يخدمن في بيوت المستوطنين، ومع مرور الوقت اصبح عدد العرب داخل المستوطنة يفوق عدد اليهود، مما أدى بهم إلى إقامة مساكن لهم بجوار بيوت المستوطنين داخل المستوطنة، وبالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من ذلك فقد كان العمال العرب يتقاضون أجور اقل من تلك التي كان يتقاضها العمال اليهود لقاء قيامهم بنفس العمل.

ولهذا فقد بدا للصهاينه أن العمال من اليهود الشرقيين مثاليون في دورهم التنافسي مع العرب، لهذا فقد عملوا على استقطابهم، على الرغم من التخوفات الموجودة لديهم، وذلك من اجل أن يحلوا محل العرب في الأعمال الزراعية وغيرها، هذا بالإضافة إلى سهولة دخولهم فلسطين، وذلك لأنهم كانوا بمثابة مواطنين في الإمبراطورية العثمانية، وعلى الرغم من هذا الاستقطاب إلا انهم كانوا يركزوا على استقطاب اليهود الصغار في السن من اجل القيام بالأعمال الزراعية، حيث كان يتم اختيارهم وفق مواصفات جسدية معينة.

ويتضح كل ما سبق ذكره، من خلال كتابات بعض الكتاب اليهود، أمثال باكوف يتهون الذي قال "ونظراً للشك بقدرة اليهود الغربيين على الإبداع خارج المدن، سيصبح هنالك مكان لليهود من المشرق خاصة أولئك القادمين من اليمن وإيران للعمل في مهنة الزراعة"، ويضيف يتهون أيضا واصفاً اياهم بأنهم مثل العرب "يرضون بالقليل القليل" وأيضا "يمكن للعمال العرب التنافس معهم".

ولهذا ومن خلال الروايات التي نادت بها الصهيونية، مثل بلاد اللبن والعسل …الخ، استطاعت الصهيونية استقطاب اليهود الشرقيون وخاصة اليمنيين منهم وذلك قبل الحرب العالمية الأولى، وقد استخدم هؤلاء المهاجرون من اليهود الشرقيون كعمال في المجال الزراعي، حيث كانوا يعيشون ظروفاً صعبة وقاصية، هذا وقد تم جمعهم (العائلات اليهودية اليمنية) في المراعي والإسطبلات والأقبية التي ليس لها نوافذ، وعلى الرغم من ذلك، فانهم كانوا يدفعون أجورها، مما أدى ببعضهم إلى العيش في الحقول، ونتج عن هذا انتشار الأمراض والموت فيما بينهم، خاصة بين الأطفال الرضع بسبب أوضاعهم غير الصحية وسوء التغذية …الخ.

ولهذا فقد كانت نظرة الصهيونية الى اليهود الشرقيين، انهم كالعرب، حيث ظهر هذا التمييز بدايتاً في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، عندما عارض العديد من الصهاينة فكرة إدخال هؤلاء اليهود الى المستوطنات ولكن بسبب الظروف والعوامل في تلك الفترة، اضطر الصهاينة إلى استقطابهم وبأعداد كبيرة، وعلى الرغم من هذا الاستقطاب إلا أن الصهاينة كانوا يدعوا دائماً بان ليس لهؤلاء اليهود الشرقيون أي ثقافة أو تاريخ …الخ، وعمدوا إلى استثنائهم من كافة المنافع والمكاسب التي تمنح لليهود الأوروبيين، هذا وتم أيضا منعهم من امتلاك الأراضي، أو الانضمام للمنظمات التعاونية، وذلك من خلال الهستدروت، وبهذا اصبح اليهود الشرقيون يشكلون طبقة عمالية كادحة.

وبناءً عليه فقد كانت معاملة اليهود الشرقيين على العكس تماما من معاملة الغربيين، حيث تم وضعهم (يهود البلاد العربية) في معسكرات صهيونية في البلدان التي كانوا يقيمون فيها استعداداً لنقلهم إلى إسرائيل، وكانوا يتعرضون في هذه المعسكرات لاوضاع سيئة، نتيجة الإقامة وسوء التغذية، وكنتيجة لهذا التمييز الذي سمع به اليهود الشرقيين في بعض المعسكرات عملوا على مغادرتها، إلا أن بعضهم وجد نفسه يحمل الى السفن بالقوة…الخ، هذا وبعد وصولهم إلى إسرائيل تم تفريقهم عن بعضهم البعض، على الرغم من رغبتهم في البقاء معاً، وبهذا بدأ التمييز العرقي ضد اليهود الشرقيين آخذاً في التوسع، والذي استمر حتى يومنا هذا.

اي بمعنى آخر نستطيع القول، بأن التمييز ضد المزراحيم بدأ مع بداية إستقرارهم، حيث تم إسكانهم في "المعبروت" (معسكرات الإنتقال)، وكذلك في القرى النائيه والمستوطنات الزراعية، وفي ضواحي المدن، ثم بعد ذلك أنشئت السلطات الاستيطانية "عيروت بيتواح" (بلدات التطوير)، في المناطق الريفية والحدودية، وذلك بناء على قاعدة تعزيز الحدود، ولكن الهدف الاساسي من هذه المدن هو منع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم، ولكي تكون هدفا للهجمات العربية العسكرية ضد إسرائيل.

وبناءً على ما تم ذكره، يتضح لنا أن الصهيونية كانت تهدف إلى إقامة دولة لليهود الاشكناز فقط، ذات طابع غربي كما جاء على لسان وزير المالية بنحاس سابير "أن إسرائيل أوروبية، حضارياً وسياسياً واقتصادياً، وان كانت جغرافياً تقع في الشرق الأوسط".

أي بمعنى آخر أراد الصهيونيون أن تكون دولة إسرائيل مقتصرة فقط على اليهود الاشكناز دون غيرهم، بالإضافة إلى الأيدي العاملة الرخيصة من يهود فلسطين الأصليين ويهود اليمن الذين تم جلبهم عام 1911م، أما يهود البلاد العربية فكان الزعماء الصهاينة ينظروا إليهم على " انهم حيوانات إنسانية كما وصفهم بن غورين، ووصف هجرتهم أو بالأصح تهجيرهم إلى فلسطين كالزنوج الذين يأتون إلى أمريكا كعبيد ".

لهذا كان لدى هؤلاء الزعماء والقيادات في الحركة الصهيونية تخوف من جلب هؤلاء اليهود الشرقيين، وقد تمثل هذا التخوف في أن تصبح إسرائيل دولة ذات طابع شرقي، ونستدل على هذا من قول سفير اسرائيل في نيويورك افرام هارمان للسيد بيرجر المسؤول في الخارجية الأمريكية "أعطيك عشرة يهود عرب مقابل يهودي أمريكي واحد".

الفصل الرابع: التفرقة في مجال العمل

تظهر التفرقة في مجال العمل بين الاشكنازيم والمزراحيم، من خلال الاعمال التي تقوم بها كل مجموعة من هاتين المجموعتين. فمثلا في البداية تم العمل على استقطاب اليهود الشرقيين، باعتبارهم قوة عاملة رخيصة، لهذا فقد كانوا بالنسبة لإسرائيل ضروريين من اجل التطور الاقتصادي. وبناء عليه، فقد عمل هؤلاء الشرقيون في عدة مجالات، منها على سبيل المثال، مجال البناء، كما حدث في الخمسينات عندما كانت هنالك حاجة ماسة للمساكن، هذا وقد كانوا يتقاضون اجور منخفضة، حيث أدت هذه الاجور المنخفضة بحد ذاتها الى زيادة عالية في الارباح، كذلك عملوا في الزراعة، وهنا يظهر التمييز من خلال اعطائهم اراضي اقل اتساعا واقل خصوبة، من تلك التي حصل عليه الاشكنازيم، هذا وقد حصلوا أيضا على أدوات انتاج اقل كفاءة من التي حصل عليها الاشكنازيم، وهذا بحد ذاته أدى الى انتاج ودخل اقل.

ولعل هذه التفرقة تظهر ايضا من خلال نظام التعليم، الذي لا يتمتع بأية مساواة في إسرائيل، فهو يعمل على التقسيم العرقي في العمالة، وذلك من خلال توجيهه للطلاب الغربيين نحو مراكز وظيفية رفيعة – وظائف الياقات البيضاء – والتي تحتاج لاعداد اكاديمي قوي، في حين يوجه الطلاب الشرقيين نحو الوظائف المهنية الاقل شأنا – وظائف الياقات الزرقاء-. وأما في المجال الصناعي، فقد أصبح قسم كبير من المزراحيم يشكل بروليتاريا صناعية، حيث سعت اسرائيل في هذا المجال الى استقطاب الاستثمار الاجنبي، وذلك بناء على اغراء المستثمرين بوجود قوى عاملة محلية رخيصة، حيث كان معدل ما يكسبه اليهودي الشرقي يعادل ما يكسبه العامل في العالم الثالث.

وبناء على كل ما سبق ذكره، نستنتج ان أوضاع المزراحيم في مجال العمل، دفعت بالاشكنازيم صعودا نحو القمة في السلم الاجتماعي، حيث انهم عملوا في الادارة والتسويق والمصارف والمهن التقنية...الخ. وقد كانت سياسة التمييز هذه محسوبة وعن قصد، كما كشفت الوثائق المنشورة مؤخرا، فعلى الرغم من الشعارات التي رفعت خلال الهجرة مثل التحسن الفردي والعائلي...الخ، الا ان هذه الشعارات كانت معكوسة بالنسبة للمزراحيم في اسرائيل، فما كان للمهاجرين الاشكناز من روسيا وبولندا من صعود، كان بمثابة انحدار للمهاجرين المزراحيم من العراق واليمن...الخ، وما كان حلا معينا وشبه خلاص للثقافة الاشكنازية كان بمثابة القضاء الكامل على الثقافة المزراحية وانحطاطا اقتصاديا واجتماعيا لها.

وعليه، فان هنالك عناصر مشروعة لم توضح الفرق القائم بين الاشكنازيم والمزراحيم، مثل تحديد الراتب كما في التعليم، ساعات العمل...الخ، ولكن وفي نفس الوقت هنالك عناصر غير مشروعه، تعتبر بحد ذاتها سياسة التمييز العنصري.

والجدير بالذكر هنا ايضا، ان هذه السياسات التمييزية نفذت بإشراف حزب العمل واتباعه، كالنقابة العامة للعمال (الهستدروت)، والذي يسيطر على القطاع الزراعي والكيبوتسات، وكذلك يسيطر على اكبر النقابات العمالية في المجال الصناعي، ولهذا فان الهستدروت يمارس سلطة كبيرة من خلال صناعاته الخاصه وكذلك تعاملاته التسويقيه...الخ، ولكن وعلى الرغم من ايديولوجيته الاشتراكية المعلنة، فهو يعمل لمصلحة النخبة في اسرائيل، فمثلا يعمل على منح الاشكنازيم وبصورة مستمرة المواقع الادارية الخاصة بذوي الياقات البيضاء، في حين يمنح المزراحيم العمل الماهر وغير الماهر الخاص بذوي الياقات الزرقاء. وهذا ما أكده بيريل كتسنلسون، الذي يعتبر من اكبر المفكرين في الحركة العمالية الصهيونية، عندما قال "ان العامل الاشكنازي المنظم داخل الهستدروت (اتحاد النقابات العماليه الصهيونية)، يشبه الاستقراط بالمقارنه بالعامل السفاردي (اليهودي العربي)، الذي يعيش في هوامش الهستدروت، وان هذه الطبقة من الفقراء المعدين قد تثور يوما ما ضد الهستدروت اذا لم تتحسن احوالها".

حيث ان هذه النخبة – الصهيونية – تعمل على ارغام هؤلاء المزراحيم على التخلف، في حين يشير اعضاؤها الى انفسهم بانهم ( ارض اسرائيل العاملة ) "إيرتس يسرائيل هعوفيدت"، اما المزراحيم وغيرهم كالفلسطينيين الذين يشكلون الاكثرية من العمال في اسرائيل فقد تم تمثيلهم بدوائر الهستدروت الخاصة والمسماة على التوالي "الدائرة الشرقية" و "دائرة الاقليات".

وهكذا فان التلاعب بالكلمات النقابية، وانتقاء الشعارات الاشتراكية كانا في مرتبة دخان يخفي وراءه الاضطهاد، الذي يتعرض له المزراحيم، لهذا فقد كان لا بد لهم من توجيه كرههم العميق لكلمة الاشتراكية المرتبطة لديهم بالاضطهاد لا بالتحرر. ولعطاء صورة أوضح عن التفرقة والتمييز في سوق العمل الاسرائيلي، سنركز على معطيات مركز الاحصائيات الإسرائيلي لعام 1995م، حيث تشير هذه الاحصائيات الى ان 48.4% من الإسرائيليين الاشكناز (الجيل الثاني) يعملون في مهن الياقات البيضاء، في حين يعمل بها 18.8% من المزراحيم، وتشير كذلك الى ان 54.1% من مواليد البلاد من اصل شرقي يعملون في مهن الياقات الزرقاء، في حين يعمل بها 28.2% من الاشكنازيم، وعلى الرغم من هذا الا ان هذه النسب كانت مختلفة عند الآباء (الجيل الأول)، فقد كانت 36.4% لدى الاشكنازيم و 20.8% للشرقيين، وبناء عليه نستنتج من هذا، ان عامل الزمن في قضية المساواة بين الشرقيين والاشكنازيم يعمل ضد اليهود الشرقيين، والدليل على ذلك زيادة الفجوة بين الجيل الأول والثاني، مما يدل على اتساع مستمر وان هناك تفرقة طبيعية إثنية في سوق العمل.

وكخلاصة لكل ما سبق ذكره، نستنتج ان هناك تمييز بين اليهود الغربيين والشرقيين في سوق العمل، وذلك يتضح من خلال سيطرة النخبة الاشكنازية على الاعمال الادارية والمهن التقنية...الخ، وكذلك سيطرتها على رأس المال اللازم لإمتلاك المصانع والشركات، في حين يعمل الشرقيين كعمال في هذه المصانع، ولهذا فهم يعانون معاناة حقيقة اذا ما أغلقت المصانع او استغني عن خدمات العمال في هذه المصانع.

ويتضح هذا التمييز ايضا من خلال نظام التعليم الإسرائيلي الذي يعمل على توجيه الطلاب الاشكنازيم نحو المواقع المهمة والتي تحتاج لاعداد جيد، في حين يوجه الطلبة الشرقيين نحو المهن المنخفضة...الخ. اي بمعنى آخر نستطيع القول بان هنالك مظاهر تفرقة وتمييز عنصري داخل المجتمع الإسرائيلي بين اليهود الغربيين (الاشكنازيم)، واليهود الشرقيين (المزراحيم)، في عدة مجالات ومن ضمنها مجال العمل، كما مر في هذا البحث.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 06:08 AM   #10

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الوكالة اليهودية

الوكالة اليهودية
يوسف عودة


تعتبر الوكالة اليهودية القاعدة الأساسية لإسرائيل، وسبب قوتها أمام الأحداث والمصائب التي تواجهها، هذا فضلاً عن الدور التي تلعبه هذه الوكالة في الانتخابات الأمريكية والكونغرس الأمريكي حيال إسرائيل، أي بمعنى آخر لها الفضل في توجيه السياسة الأمريكية لصالح إسرائيل، هذا وإذا أردنا الحديث عنها، فيتوجب علينا بدايةً التعرف على مراحل تأسيسها.

· تأسيس الوكالة اليهودية:-

نشأت الفكرة الأولى التي تدعو إلى إنشاء الوكالة اليهودية في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، وقد قُدم هذا الاقتراح من خلال بعض الفئات والشخصيات المشاركة في هذا المؤتمر. وفيما بعد، نص صك الانتداب على فلسطين والذي أقرته عصبة الأمم إلى تأسيس الوكالة اليهودية بهدف إشراك يهود آخرين غير صهيونيين في بناء الوطن القومي اليهودي، وأكد هذا الصك على أنه سوف يتم الاعتراف بهذه الوكالة حال ظهورها، إلا أنه أعترف في مادته الأولى "بالمنظمة الصهيونية بوصفها هيئة مستقلة من الشعب اليهودي".

وأما المادة الرابعة من صك الانتداب نفسه، فقد دعت حكومة فلسطين إلى الاعتراف "بالوكالة اليهودية" كما واعتبرت المادة نفسها من هذا الصك أن المنظمة الصهيونية هي نفسها الوكالة مادام أن مصلحتهما مشتركة، وذلك على النحو التالي:-

"وكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين، ولتساعد وتشترك في ترقية البلد على أن تكون خاضعة دوماً لمراقبة الإدارة … ويعترف بالمنظمة الصهيونية وكالة ملائمة ما دامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض، ويترتب على المنظمة الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير، بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن القومي اليهودي". وبهذا اعترفت الحكومة البريطانية بهذه الوكالة المُعينة أساساً من قبل المنظمة الصهيونية، وتعاملت معها على هذا الأساس، هذا وقد قامت الكيرن هايسود بالأعمال التي من المفترض أن تقوم بها هذه الوكالة وذلك لأن الكيرن هايسود كانت هي الإدارة المناسبة بالنسبة لليهود غير الصهيونيين في ذلك الوقت، إلا إنها لم تستطيع القيام إلا بجزء يسير من هذه الأعمال، ويتمثل هذا بعدم استطاعتها على جمع المال اللازم للنشاط الاستيطاني، أي إنها استطاعت جمع جزء بسيط من هذا المال، وهذا هو العامل المؤثر الذي دفع وايزمان إلى الدعوة لتشكيل الوكالة اليهودية التي يكون باستطاعتها جمع المال لدعم النشاط الصهيوني على أكمل وجه، وذلك من خلال ضم أكبر عدد ممكن من يهود العالم، وبناءً عليه عمد الصهيونيون إلى طرح هذه الفكرة الداعية إلى إنشاء الوكالة في وقت مبكر، وعليه فقد طالبوا في مذكرتهم المقدمة إلى مؤتمر الصلح عام 1919م "بإنشاء مجلس يهودي" تحول اسمه إلى "الوكالة اليهودية" كما جاء في صك الانتداب، وبهذا انشأت هذه الوكالة بعد 10 سنوات وكان ذلك نتيجة الأعمال التي بذلت من قبل المنظمة الصهيونية العالمية.

وبالفعل قامت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في 26 آب 1919م في دورتها المنعقدة في لندن ببحث هذه المسألة، وقررت اللجنة إقامتها بأقصى وقت ممكنة، إلا أن الصهيونيون انصرفوا عن هذا الموضوع إلى العمل من أجل المصادقة على صك الانتداب، وبعد فترة وجيزة عاد الصهيونيون إلى هذا الموضوع خاصة بعدما قرر المجلس الملّي اليهودي في فلسطين العمل على استئناف المفاوضات مع الحكومة بهذا الشأن، وكان ذلك في أوائل شهر أيار عام 1923م، وفي مطلع حزيران عملت اللجنة التنفيذية على إقامة لجنة فرعية مختصة من بين أعضائها لبحث هذه المسألة، وإعداد تقارير عن ذلك لطرحها في المؤتمر الصهيوني المزمع عقده (المؤتمر الثالث عشر)، وفي هذا المؤتمر جرى نقاش واسع بشأن هذا الموضوع حيث حظي هذا الموضوع في النهاية بالأغلبية (164 ضد 87 صوتاً) وهذه الأغلبية دعت إلى تكليف الإدارة العامة للمنظمة الصهيونية بالإعداد والتحضير لمؤتمر صهيوني عالمي وعقده خلال ثلاث سنوات، وبالفعل عقد هذا الإجتماع في منتصف شباط عام 1924م، وكان ذلك بمشاركة وايزمان الذي اجتمع بالعديد من اليهود غير الصهيونيين من الولايات المتحدة، وبناءً على هذا الاجتماع وغيره من الاجتماعات، تقرر إشراك اليهود من الولايات المتحدة الأمريكية في الوكالة اليهودية، وفي المؤتمر الصهيوني الرابع عشر عام 1925، تقرر إقامة هذا المجلس "مجلس الوكالة" على أن يكون من 150 مندوباً، واشترط هذا المؤتمر على أن يكون نصف هؤلاء المندوبين من اليهود غير الصهيونيين، وأن يمثل يهود الولايات المتحدة الأمريكية 40% منهم، أما المقاعد الأخرى فتوزع بين يهود العالم بشرط أن يكون توزيعها وفق الأسس الديمقراطية.

وبناءً على ما سبق ذكره، ولعدة أسباب أخرى مالية منها وسياسية عمد وايزمان إلى توسيع الوكالة اليهودية، وذلك بعد أن خيبت الكيرن هايسود الآمال المرجوة منها، وذلك بضم يهود غير صهيونيون إلى الوكالة بغية الإنفاق على النشاط الاستيطاني، وبناءً عليه بدأ وايزمان بإجراء اتصالاته مع شخصيات يهودية ذات نفوذ مالي كبير ونفوذ سياسي أيضا، أمثال لويس مارشال وفيلكس واربوغ في الولايات المتحدة، وكذلك اللورد ميلتست في بريطانيا، وليون بلوم في فرنسا، واوسكار فاسرمان في ألمانيا وغيرهم الكثيرين من اجل توسيع الوكالة.

ولكن على الرغم من هذا الدور الذي قام به وايزمان إلا أنه قوبل بالمعارضة لمشروعه من الداخل والخارج، ومن الجماعات التي اعترضت على هذا المشروع "التصحيحيون اليمينيون" الذين دعوا إلى عدم إشراك اليهود الأمريكيين في أي هيئة يكون لها القدرة على التأثير في شؤون الوطن القومي، وكذلك حزب أحدوت هعفوداة وغيرها من الجماعات الصهيونية، وبالمقابل أي مقابل هذا الرفض عرضوا على المنظمة الصهيونية بالانضمام لها، وكذلك بالتبرع من أموالهم لها دون أن يكون لهم الحق في التدخل بالسياسة الصهيونية، ولكن هذه المعارضة لم تكن صعبة التجاوز، حيث أن وايزمان في المقابل حظي بدعم العديد من الجماعات التي أبدت رغبتها في توسيع الوكالة اليهودية، أمثال الصهيونيون العموميون والمزراحي، وكذلك حزب هابوعيل هاتسعير…، وكان السبب الرئيسي لرفض توسيع هذا المشروع هو الخوف من المساس بمكانة المنظمة الصهيونية خاصة وان نصفها من اليهود غير الصهيونيين، أي بمعنى آخر الخوف من تقليص صلاحيات ومهام المنظمة الصهيونية اتجاه الخارج وكذلك تقييد وتكبيل حريتها في العمل الداخلي، ولكن في عام 1927م، تم الموافقة على المقترحات الداعية إلى إقامة وتوسيع الوكالة اليهودية.

هذا وعلى الرغم من اتصالات وايزمان مع الشخصيات اليهودية في الدول المختلفة، إلا انه قوبل أيضا بمعارضة خارجية بشان إقامة الوكالة اليهودية المقترحة، ومن ابرز هذه المعارضات هي معارضة اليهود الأمريكيين الذين سعى وايزمان إلى صهرهم في هذه الوكالة، والسبب في هذه المعارضة أن المنظمة الصهيونية لم ترضى بتوطين اليهود في بيروبيجان في الاتحاد السوفيتي، حسب رأي هؤلاء اليهود، ولكن في النهاية استطاع الصهيونيون التغلب على هذه العقبة، وذلك من خلال عقد مؤتمر صلح في عام 1926م. جمع ما بين وايزمان ولويس مارشال، وكذلك استطاع وايزمان إقناع فيلكس واربوا وغيرهم من يهود العالم كما ذكر سابقاً، وبناءً عليه وفي 17 كانون الثاني عام 1927م. تم اجتماع بين وايزمان ومارشال لبحث السبل والمرتكزات التي يجب أن تقام عليها الوكالة اليهودية، وفي نهاية الاجتماع تم الاتفاق على تشكيل وتكوين لجنة من الخبراء غير الحزبيين تكون مهمتهم إعداد دراسة وافية عن إمكانية فلسطين الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية، وذلك من اجل وضع خطة تنمية منهجية لتطوير الإمكانيات الإقتصادية لأرض إسرائيل، وكذلك من مهامها أيضاً إعداد الميزانية اللازمة والضرورية من اجل هذا التطوير.

وفي المؤتمر الخامس عشر المنعقد في بازل عام 1927م. تم إصدار عدة توجيهات والتي اعتبرت فيما بعد المهام التي يجب على الوكالة اليهودية القيام بها حسب نص دستور الوكالة، وهي على النحو التالي:

* (مهام الوكالة اليهودية):

1 – تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
2 – جعل الأراضي في فلسطين ممتلكات يهودية كاملة.
3 – تأسيس منشآت زراعية قائمة على الأيدي اليهودية العاملة.
4 – نشر اللغة والثقافة العبرية.

وكذلك أقر المؤتمر بأن " يكون رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، رئيساً للوكالة اليهودية أيضاً، وأن يمثل يهود فلسطين، وكذلك العمال اليهود في كافة أماكن تواجدهم في الوكالة".

وأما بالنسبة للجنة الخبراء التي دعي إلى تكوينها خلال المؤتمر الذي جمع ما بين وايزمان ومارشال، والتي عملت على إعداد الدراسة خلال عامي 1927-1928م، فقد قدمت تقريرها في 18 حزيران 1928م، وأهم ما جاء في هذا التقرير ما يلي:-

1- تحديد عدد ونوعية المهاجرين إلى فلسطين، وذلك ليتماشى مع طاقة فلسطين الاقتصادية، هذا ودعت إلى تفضيل هجرة أصحاب رؤوس الأموال اليهود.
2- عدم القيام بتأسيس مستوطنات جديدة، والعمل على استكمال بناء المستوطنات القائمة بشكل تام وكامل.
3- نقل ملكية الأراضي إلى المستوطنين أنفسهم.

وهذه التوصيات رفضتها الكثير من الأحزاب، ومنها أحدوت هعفوداه وكذلك المركز الزراعي التابع للهستدروت، هذا وقد تم العدول عن هذا القرار خلال اجتماع اللجنة التنفيذية للمنظمة في تموز 1928م، ما عدا التصحيحيين الذين بقوا على موقفهم المعارض منذ البداية. وفي عام 1929م أي في المؤتمر الصهيوني السادس عشر في زوريخ، أقر هذا المؤتمر وبأكثرية ساحقة توسيع الوكالة اليهودية ليشمل بالإضافة إلى الصهيونيين يهود غير صهيونيون وذلك بعد أن تم استكمال جميع الاستعدادات لإقامة هذه الوكالة، وبناءً عليه تم في 14 آب 1929م عقد اتفاق بين اليهود الصهيونيين واليهود غير الصهيونيين من كافة أرجاء العالم بشأن دستور الوكالة، وذلك كان بمشاركة العديد من الشخصيات الصهيونية وغير الصهيونية، أمثال لويس مارشال، وألبرت اينشتاين العالم الأمريكي، وهربرت صموئيل البريطاني واللورد ميلتست وليون بلوم الفرنسي وغيرهم الكثيرين.

· هيكليتها:-

تتكون الوكالة اليهودية حسب نص دستورها من مجلس ولجنتين:-

ويتكون المجلس من 224 عضواً ويتم توزيعهم مناصفة بين اليهود الصهيونيين (وكان اغلبهم من بين أعضاء المنظمات والأحزاب الصهيونية المتعددة) واليهود غير الصهيونيين (وكان توزيعهم يتم حسب نفوذهم في تلك البلد الموجودين فيها، وأحياناً حسب توزيعهم الجغرافي فيها)، ونتيجة لهذا التوزيع فقد حصل يهود أمريكا على أكبر عدد من المقاعد المخصصة لليهود غير الصهيونيين.

وأما بالنسبة الى اللجنتين فهما:-

1- لجنة إدارية، وتتكون من 40 عضواً، يتم إختيارهم من بين أعضاء المجلس ويكون توزيعهم مناصفةً بين الصهيونيون وغير الصهيونيين.

2- لجنة تنفيذية، وتتكون من 8 أعضاء ويتم اختيارهم من بين أعضاء اللجنة الإدارية، هذا وتقرر عقد مجلس الوكالة مرة كل سنتين، وتقرر أيضا بأن يكون وايزمان رئيساً للوكالة بحكم منصبه كرئيس للمنظمة الصهيونية وكذلك تم انتخاب البارون روتشليد كرئيس شرف لها، ولويس مارشال كرئيس للجنتها التنفيذية.

وعليه ومنذ 1929م أصبحت الوكالة اليهودية الموسعة منفصلة من الناحية الشكلية عن المنظمة الصهيونية، فقد تم الاعتراف بها من قبل الحكومة البريطانية وذلك من خلال الرسالة التي بعثها سكرتير المنظمة الصهيونية إلى وزارة المستعمرات البريطانية في 16/9/1929م، والتي طالب فيها وبموجب المادة الرابعة من صك الانتداب بالاعتراف بالوكالة، وبالفعل ردت الوزارة باعتراف خطي بهذه الوكالة وأوضحت انه في حال تم حلها فإن الحكومة البريطانية ستعود للاعتراف بالمنظمة الصهيونية باعتبارها الوكالة اليهودية كما كان عليه الحال في السابق، ولكن على الرغم من هذا الاعتراف إلا أن الوكالة اليهودية في فلسطين بقيت على حالها، وذلك من ناحية انتمائها للمنظمة أو من ناحية الموقع السياسي إزاء المنظمة أو من ناحية الاستيطان أو الانتداب أو الساحة الدولية …الخ.

فمن خلال هذا البحث يتضح لنا بأن هنالك العديد من الآمال ظهرت عند الصهيونيين نتيجة تأسيس الوكالة، ولكن وبعد أقل من شهر على تأسيسها اتضح بأن هذه الآمال لم تكن في محلها فقد ظهرت عدة أسباب جعلت اليهود غير الصهيونيين لم يبدو أي نشاط من النشاطات التي تعهدت بها الوكالة ومن هذه الأسباب التي أدت إلى فشل الوكالة في تنفيذ تعهداتها:

1) وفاة لويس مارشال في أوروبا على أثر عملية جراحية أجريت له.
2) كذلك وفاة الورد ميلشت بعد عام على وفاة لويس مارشال.
3) الانهيار الاقتصادي الذي أصاب أمريكا في أواخر عام 1929م. وهذا الانهيار تبعه ركود اقتصادي أدى إلى عدم استطاعت الوكالة على جمع الأموال اللازمة لبناء الوطن القومي اليهودي.

وكنتيجة لهذه الأسباب تعاظم نفوذ المنظمة الصهيونية على الوكالة اليهودية بحيث وصل عدد أعضاء لجنتها التنفيذية عام 1933م، إلى عشرة أعضاء من الصهيونيين مقابل ثلاثة أعضاء من غير الصهيونيين، مما أدى بمجلس الوكالة إلى الطلب من إدارتها خلال الدورة الثالثة المنعقدة في صيف 1933م، "العمل على إحياء الجناح غير الصهيوني منها". وبناءً عليه أخذت الوكالة اليهودية بتقوية مركزها تدريجياً من خلال علاقاتها مع المؤسسات الصهيونية الأخرى، وذلك منذ أن توقف مجلسها عن الاجتماع من أجل اختيار أعضاء غير صهيونيين في مؤسساتها وذلك منذ المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين عام 1946م، فمن خلال علاقاتها مع هذه المؤسسات الصهيونية أصبحت الوكالة وخلال فترة قصيرة تسيطر على كافة جوانب النشاط الصهيوني في فلسطين في الوقت الذي اتجهت فيه المنظمة الصهيونية بالنشاط الصهيوني في الخارج، وبهذا أصبحت الوكالة اليهودية من ناحية عملية بمثابة حكومة قائمة إلى جانب حكومة الانتداب كما وضعتها لجنة بيل في تقريرها عام 1937م، فعمدت إلى إقامة العديد من الدوائر والأجهزة الإدارية التابعة لها، فلم تترك الوكالة أي جانب من جوانب الحياة والحكم في فلسطين إلا وأبدت اهتمامها به وذلك من خلال صلاحياتها التي منحها إياها صك الانتداب.

* دوائرها:-

من أهم الدوائر التي أقامتها الوكالة اليهودية في فلسطين ما يلي:-

1- دائرة الشباب الرواد.
2- دائرة الهجرة.
3- دائرة التعليم والثقافة.
4- دائرة تعليم التوراة والثقافة اليهودية.
5- دائرة الاقتصاد.
6- دائرة الرعاية.
7- دائرة توطين اليهود الألمان. وغيرها من الدوائر.

* أما بالنسبة لتمويل الوكالة اليهودية :-

فقد كان يتم تغطية نفقاتها من ميزانيتها السنوية من خلال الأموال التي يتم جمعها من يهود أمريكا عن طريق النداء اليهودي، وكذلك من يهود العالم عن طريق الكيرن هايسود، هذا وكان يمثل دخل النداء اليهودي أكثر من 60% من الميزانية المعمول بها، ففي عام 1971م مثلاً قدم النداء اليهودي وحدة ثلاثة بلايين دولار للوكالة اليهودية وهذا المبلغ أكثر من 63% من الميزانية المعمول بها، وإذا أخذنا بعين الاعتبار المبلغ الذي قدمته الولايات المتحدة بين عامي 1972 و 1982 من أجل توطين اليهود السوفييت والأوروبيين الشرقيين فهو يزيد عن 210 ملايين دولار ويمثل نحو 7% من الميزانية المعمول بها، أما بالنسبة لدخل الوكالة عن طريق الكيرن هايسود فقد بلغ 36.5 مليون دولار بين عامي 1981/1982م وكذلك 15.5 مليون دولار من الحكومة الإسرائيلية، أي أهم شيء يجب معرفته هنا هو أنه كان يتم تمويل الوكالة عن طريقين هما:-

1- عن طريق النداء اليهودي وذلك من خلال جمع الأموال من يهود أمريكا.
2- عن طريق الكيرن هايسود وذلك من خلال جمع الأموال من يهود العالم.

* مكاتبها:-

في البداية تم إنشاء مكتب رئيسي لها في العاصمة البريطانية لندن، وذلك من أجل الاتصال من خلاله مع الحكومة البريطانية، وذلك لتعمل على تقديم جميع مراجعاتها ودراساتها وقراراتها رأساً إلى وزير المستعمرات البريطانية دون عرضها على المندوب السامي في بادئ الأمر، ولكن بعد ذلك تم إنشاء عدة مكاتب فرعية لها في كل من نيويورك وباريس وجنيف، وفيما بعد وبعد الحرب العالمية الثانية أصبح مكتب نيويورك والذي افتتحته الوكالة عام 1944م، المكتب الرئيسي لها، "ففي البداية كان هذا المكتب، مكتب لوكيلتها في الولايات المتحدة، ولكن بعد خمسة أعوام أي في عام 1949م، تم تغيير اسم المكتب إلى اسم الوكالة اليهودية المتحدة، وكان بمثابة شركة كاملة مسجلة في نيويورك ومسجلة في دائرة العدل الأمريكية كوكالة أجنبية تعمل بالنيابة عن المنظمة الأم في القدس".

وبهذا نكون قد قدمنا جزء بسيط عن هذه الوكالة التي كان لها دور كبير في إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، يتمثل هذا الجزء في معرفتنا لمراحل تأسيسها وكذلك مهامها، والهدف من إقامتها، وهيكليتها، ومكاتبها، ومصادر تمويلها.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 06:12 AM   #11

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي "الصهيونية ونظرتها لليهود الشرقيين"

"الصهيونية ونظرتها لليهود الشرقيين"
يوسف عودة

* مقدمة:-

يتحدث هذا البحث عن شقين أساسيين هما، الصهيونية واليهود الشرقيين، أما الصهيونية فقد نشأت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد ظهرت بين يهود روسيا وبولونيا وباقي دول أوروبا الشرقية، هذا وقد ساهم في ظهورها أسباب عديدة منها، أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية….الخ، وهذه الأسباب كانت عبارة عن تتمة للأحداث التي تعرض لها اليهود في البلدان التي كانوا يعيشون فيها خلال القرون السابقة، وعلى الرغم من هذا، إلا أن الصهيونية لم تكن إلا إحدى مشتقات المسألة اليهودية، التي ساعد حكام وشعوب الدول المذكورة على خلقها، فهي بمعنى آخر عبارة عن " نتاج للواقع السياسي ليهود أوروبا".

وأما بالنسبة لمصطلح اليهود الشرقيون، فهو يشير " بشكل عام إلى أولئك اليهود الذين عاشوا في المنطقة العربية والإسلامية الشرق أوسطية "، وقد كان يطلق عليهم عدة تسميات منها، سفارديم، يهود الشرق ويهود آسيا وأفريقيا……الخ، من هذه التسميات التي كانت تدل في جوهرها على التمييز القائم من قبل الدولة الصهيونية اتجاه هذا المجتمع، ولكن على الرغم من هذه التسميات إلا أن مصطلح "مزراحيم" بالعبرية والذي يعني "الشرقيين" بالعربية، هو من أكثر المصطلحات استخداماً في الشارع الإسرائيلي، وفي الأوساط الأكاديمية والأحزاب السياسية اليسارية.

وبعد هذا التعريف البسيط لهذين المصطلحين، نود الدخول إلى جوهر هذا البحث، وذلك على النحو التالي:

* الفصل الأول:- نظرة الصهيونية كمنظمة يهودية غربية المنشأ إلى اليهود الشرقيين

كما مر في المقدمة، فأن الصهيونية كانت وليدة الواقع اليهودي الحديث في الدول الأوروبية، وكانت لا تتصل بأي شكل من الأشكال بيهود العالم العربي والإسلامي، إلا أنها كانت تتكلم دائماً باسم اليهود في جميع إنحاء العالم، وهذا الشيء أدى في النهاية إلى خلق العديد من المشاكل، وعلى أثرها هاجر هؤلاء اليهود " الشرقيين" إلى فلسطين، هذا بالإضافة إلى خطاب الصهيونية الذي اشتمل على العديد من المصطلحات الدينية كالخلاص والأرض المقدسة….الخ.

ومن العوامل التي ساعدت أيضاً في هجرتهم إلى فلسطين، رفض العديد من يهود روسيا وغيرهم من يهود أوروبا الذين كانوا يتطلعون بالذهاب إلى الأمريكيتين من الهجرة إلى فلسطين، حيث كان من الصعب على زعماء الحركة الصهيونية إقناع هؤلاء اليهود بالهجرة إلى فلسطين، لذلك قررت المنظمة الصهيونية بعد هذا الفشل الذي لازمها في إقناع هؤلاء اليهود بالهجرة إلى فلسطين، أن تعمل على إحضار اليهود الشرقيين إلى أرض إسرائيل من أجل العمل فيها.

وكان ذلك من خلال مرحلتين على النحو التالي:-

المرحلة الأولى:- كانت مع بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، أي كانت ما بين عامي 1926-1929 م وكانت هذه الهجرة مقتصرة فقط على اليهود اليمنيين دون غيرهم من يهود العالم العربي، وذلك بهدف التخلي عن العمالة العربية وتبديلها بالعمالة اليهودية الرخيصة تحت شعار " العمل العبري".

أما المرحلة الثانية :- فكانت هجرة من جميع الدول العربية، وكانت بأعداد كبيرة، والسبب في ذلك يعود لعدة عوامل على النحو التالي:-

1) بسبب مقتل أعداد كبيرة من اليهود الأوروبيين على أيدي النازية خلال تلك الفترة، لهذا فقد عمدت الصهيونية إلى ملء هذا الفراغ عن طريق جلب يهود العالم العربي.
2) بسبب عدم رغبة اليهود الأوروبيين في الهجرة إلى فلسطين، حيث كانت نسبة المهاجرين إلى فلسطين من هؤلاء اليهود لا تتعدى واحد بالمائة في ذلك الوقت.
3) بسبب الحاجة الماسة للمزيد من القوى العاملة الرخيصة، لتحل محل العمالة العربية التي طردت من ديارها في حرب 1948 م وما بعدها.
4) لاستغلال الطابع الحضاري العربي في دوائر التجسس الصهيونية.
5) بسبب الحاجة الماسة للجنود، من أجل الدفاع عن أرض إسرائيل في تلك الفترة.

ولكن وعلى الرغم من هذا الاستقطاب، إلا أنه كان هنالك تخوف لدى زعماء الصهيونية من هذا الاستقطاب، تمثل في " أن تصبح إسرائيل دولة ذات طابع شرقي على ضوء ازدياد نسبة يهود البلدان العربية في مطلع الخمسينيات". ولكن بسبب العوامل السابق ذكرها، اضطر الصهاينة إلى استقطاب هؤلاء اليهود الشرقيين، على الرغم من التخوفات الموجودة لديهم، بسبب الحاجة الماسة لهم ليحلوا محل العرب في الأعمال الزراعية وغيرها، هذا بالإضافة إلى سهولة دخولهم إلى فلسطين لأنهم كانوا بمثابة مواطنين في الإمبراطورية العثمانية، هذا وكانوا يركزوا على استقطاب اليهود الصغار في السن من أجل القيام بالأعمال الزراعية، حيث كان يتم اختيارهم وفق مواصفات جسدية معينة.

ومن خلال الروايات التي نادت بها الصهيونية، مثل بلاد اللبن والعسل.…الخ، استطاعت الصهيونية استقطاب اليهود الشرقيين وخاصة اليمنيين منهم وذلك قبل الحرب العالمية الأولى، وقد استخدم هؤلاء المهاجرين من اليهود الشرقيين كعمال في المجال الزراعي، حيث كانوا يعيشون ظروفاً صعبة وقاسية، بحيث تم جمعهم ( العائلات اليهودية اليمنية) في المراعي والإسطبلات والأقبية التي ليس لها نوافذ، وعلى الرغم من ذلك، فإنهم كانوا يدفعون أجورها، مما أدى ببعضهم إلى العيش في الحقول، ونتج عن هذا انتشار الأمراض والموت فيما بينهم خاصة بين الأطفال الرضع، بسبب أوضاعهم غير الصحية وسوء التغذية…الخ.

ولهذا فقد كانت نظرة الصهيونية إلى اليهود الشرقيين، أنهم كالعرب، حيث ظهر هذا التمييز بدائياً في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م، عندما عارض العديد من الصهاينة فكرة إدخال هؤلاء اليهود إلى المستوطنات، ولكن بسبب الظروف والعوامل في تلك الفترة، أضطر الصهاينة إلى استقطابهم وبأعداد كبيرة، وعلى الرغم من هذا الاستقطاب إلا أن الصهاينة كانوا يدعوا دائماً بأن ليس لهؤلاء اليهود الشرقيين أي ثقافة أو تاريخ…الخ، وعمدوا إلى استثنائهم من كافة المنافع والمكاسب التي تمنح لليهود الأوروبيين، هذا وتم أيضاً منعهم من امتلاك الأراضي، أو الإنضمام للمنظمات التعاونية، وذلك من خلال الهستدروت، وبهذا أصبح اليهود الشرقيون يشكلون طبقة عمالية كادحة.

وبناءً عليه فقد كانت معاملة اليهود الشرقيين على العكس تماماً من معاملة الغربيين، حيث تم وضعهم (يهود البلاد العربية) في معسكرات صهيونية في البلدان التي كانوا يقيمون فيها استعداداً لنقلهم إلى إسرائيل، وكانوا يتعرضون في هذه المعسكرات لأوضاع سيئه، نتيجة الإقامة وسوء التغذية، وكنتيجة لهذا التمييز الذي سمع به اليهود الشرقيين في بعض المعسكرات عملوا على مغادرتها، إلا أن بعضهم وجد نفسه يحمل إلى السفن بالقوة…الخ، هذا وبعد وصولهم إلى إسرائيل تم تفريقهم عن بعضهم البعض، على الرغم من رغبتهم في البقاء معاً، وبهذا بدأ التمييز العرقي ضد اليهود الشرقيين آخذاً في التوسع، والذي استمر حتى يومنا هذا.

وبناء على ما تم ذكره، يتضح لنا أن الصهيونية كانت تهدف إلى إقامة دولة لليهود الإشكناز فقط، ذات طابع غربي كما جاء على لسان وزير الماليه بنحاس سابير " إن إسرائيل أوروبية، حضارياً وسياسياً واقتصادياً، وإن كانت جغرافياً تقع في الشرق الأوسط". أي بمعنى آخر أراد الصهيونيون أن تكون دولة إسرائيل مقتصرة فقط على اليهود الأشكناز دون غيرهم، بالإضافة إلى الأيدي العاملة الرخيصة من يهود فلسطين الأصليين ويهود اليمن الذين تم جلبهم عام 1911م، أما يهود البلاد العربية فكان الزعماء الصهاينة ينظروا إليهم على " أنهم حيوانات إنسانية كما وصفهم بن غوريون، ووصف هجرتهم أو بالأصح تهجيرهم إلى فلسطين كالزنوج الذين يأتون إلى أمريكا كعبيد".

لهذا كان لدى الزعماء والقيادات في الحركه الصهيونية تخوف من جلب هؤلاء اليهود الشرقيين، تمثل هذا التخوف في أن تصبح إسرائيل دولة ذات طابع شرقي، ونستدل على هذا من قول سفير إسرائيل في نيويورك أفرام هارمان للسيد بيرجر المسؤول في الخارجية الأمريكية " أعطيك عشرة يهود عرب مقابل يهودي أمريكي واحد".

* الفصل الثاني:- دور اليهود الشرقيين في الحركة الصهيونية

ليس لليهود الشرقيين أي دور في الصهيونية، فهي حركة نمت وترعرعت عند اليهود الأوروبيين، أي أن الفكرة الصهيونية السياسية هي فكرة اشكنازية، والسبب في ظهورها كان معاداة المسيحية للسامية، التي ظهرت في الدول الأوروبية، وليس في الدول العربية كالعراق واليمن والمغرب…الخ.

لذلك فهؤلاء اليهود الأوروبيين يرون أن الدولة الإسرائيلية هي من صنعهم، وأن غيرهم من اليهود يأكلون حصيلة تعبهم وجهدهم في إقامة هذه الدولة، والملفت للنظر أن اليهود الشرقيون لم يبدوا أي اهتمام بالصهيونية، خاصة مع بداية هجرتهم والتي جاءت متأخرة من آسيا وأفريقيا، حيث أن هذه الهجرة لم تكن بدوافع عقائدية سياسية، وإنما بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في تلك الدول، وبتشجيع من الصهيونية التي بدأت بطرح شعارات الخلاص…الخ، من أجل هجرة هؤلاء اليهود لإسرائيل للأسباب السابق ذكرها.

فبسبب الأوضاع المتردية في الدول العربية، كالمغرب على سبيل المثال، حيث أن خروج الفرنسيين منها والعمل على تغيير اللغة وتأميم المدارس فيها، أدى إلى تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية فيها، وكنتيجة لهذه الأوضاع عملت الصهيونية على استغلالها من خلال إغراء اليهود وتشجيعهم على ترك المغرب والهجرة إلى فلسطين، ولكن على الرغم من كل هذا، إلا أن بعض المؤرخين الإسرائيليين يحاولون جادين العمل على تأكيد الوحدة بين اليهود في جميع أنحاء العالم، في حين أن القسم الأكبر منهم يشيرون إلى أن الصهيونية هي السبب في تحطيم حياة هؤلاء اليهود الشرقيين في البلاد العربية، التي كانوا يعيشون فيها، وذلك من خلال حملات التخويف التي قامت بها الصهيونية بشتى الوسائل، وذلك ليس بهدف الحرص عليهم، وإنما لسد حاجة إسرائيل من الرجال والأموال والقوة العسكرية.

ومن خلال ما سبق ذكره، نستنتج أن الصهيونية ومشروعها السياسي لم يكن لهما أي تأثير أو مكانه في ذهن هؤلاء اليهود الشرقيين، كما قال أحد اليهود القدماء في فلسطين، رداً على سؤال أحد الصحفيين " أن هؤلاء الذين أتونا من أوروبا غريبون عنا، إنهم لم يأتوا إلى هنا للعبادة وترقب مجيء المسيح، وإنما أتوا من أجل تأسيس دولة سياسية، وهم بهذا يبتعدون عن تعاليم ديننا، لقد أحضروا معهم أسوأ ما في الغرب، وكثير منهم يذهبون إلى الاعتقاد بأن الشعب اليهودي يجب أن يتمركز في فلسطين ولو عن طريق العنف، مع أن العنف غير مسموح به في ديننا، ونحن نؤمن أنه ليس بالعنف تقوم أمتنا، وإنما تقوم على يد المسيح".

وبناء عليه نستطيع القول بأن اليهود الشرقيون لم يكن لهم أي دور في بلورة الفكرة الصهيونية، وإنما كانت هجرتهم إلى فلسطين بسبب تردي الأوضاع في البلاد العربية التي كانوا يقيمون فيها.

* الفصل الثالث:- رد فعل اليهود الشرقيين، وموقف التنظيمات الشرقية من الصهيونية

بسبب الأوضاع السيئة التي كان يتعرض لها اليهود الشرقيين وبسب البطالة والشعور بالغربة والإهانة، وغيرها من الأسباب، كل هذه الأسباب أدت إلى ثورة اليهود، وقد تمثلت هذه الثورة بالمظاهرات وأعمال الشغب، التي قام بها اليهود الشرقيين في انتفاضة وادي الصليب في حيفا عام 1959م، وقد تم اعتقال العديد من القيادات التي شاركت في هذه الأحداث كزعيم حركة المهاجرين الشمال أفريقيين (دافيد هاروش)، ومن خلال هذه المظاهرات نشأ تنظيم من النشطاء الشرقيين بهدف خوض الانتخابات الإسرائيلية، ولكنها لم تعبر نسبة الحسم المطلوب، ولهذا لم تدخل الكنيست.

ولكن فيما بعد، وفي مطلع السبعينيات ظهر في إسرائيل حركة " الفهود السود"، وكان ذلك في عام 1971م ، وكان الهدف من إقامة هذه الحركة العمل على محاربة التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين في داخل المجتمع، وظهرت هذه الحركة بين صفوف الشبيبة المهملة، حيث كانت على شكل عصابات شوارع، وقد حرم أعضائها من الخدمة العسكرية بسبب سلوكهم السيء، وكان يترأس هذه الحركة " سعاديا مرتسيانو"، البالغ من العمر 21 عام، وكان مركز هذه الحركة في حي الصدارة في القدس.

وبناء عليه فقد دعت هذه الحركة إلى مظاهرة مقابل بناية بلدية القدس، وفي هذه المظاهرة ولأول مرة قامت إسرائيل باعتقالات ردعية لا على أساس أمني، وإنما على أساس اجتماعي – إثني، وعلى الرغم من هذه الاعتقالات إلا أن المظاهرة استمرت وبمشاركة ما يقارب عشرة آلاف متظاهر معظمهم من اليهود الشرقيون الذين جاءوا من جميع أنحاء البلد، بالإضافة إلى مجموعة من طلاب الجامعات والشخصيات الكبيرة أمثال، عاموس كينان ودان بن اموتس وغيرهم.

وعلى الرغم أيضا من كل ما قامت به الحكومة من أجل أفراد هذا التنظيم، إلا أن قوتهم تضاعفت أكثر فأكثر في الشارع الإسرائيلي، وامتدت إلى إقامة علاقات مع الأحزاب المعادية للصهيونية مثل، ماتسبين وسيح، ولكن هذه العلاقات لم تثمر شيئاً بسبب الاختلاف العقائدي بين حركة الفهود السود التي كانت ذات مفاهيم ثقافية، وبين حركتي ماتسبين وسيح اللتان تأسستا على أسس ماركسية – مادية.

فكانت هذه الحركة ذات تنظيم سياسي- اجتماعي، ولكنها في الوقت نفسه كانت تفتقر إلى برنامج سياسي واضح المعالم، يحدد من خلاله أهدافها ومبادئها وهذا الشيء أدى بها في النهاية إلى ضعف زخم المظاهرات التي كانت تعمل على تنظيمها، وكان السبب في عدم وضع برنامج سياسي لها، هو خوف زعمائها من الإنشقاقات الداخلية، والتي حدثت بالفعل عندما تبنى جزء منهم برنامج (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة).

وبعد كل هذا، وبعد أن أتضح للجميع أن هذه الحركة عاجزة عن إقناع معظم اليهود الشرقيين بالانضمام إليها، بسبب المضايقات التي تعرض أعضائها لها، وغيرها من الأسباب، كان لا بد لهم من البحث عن تنظيم آخر يكون قادر على تجميع اليهود ضمن اطاره، وبالفعل وفي عام 1981م، ظهرت حركة " تامي" كحركة سياسية - إثنية، حيث خاضت هذه الحركة انتخابات الكنيست بزعامة "أهرون أبو حتسيرا"، وهو من أصل مغربي، وقد حصلت هذه الحركة على ثلاثة مقاعد في الكنيست.

وبعد ذلك بدأت تظهر حركات شرقية صغيرة بين الحين والآخر، إلا أنه في عام 1984م ، ظهرت حركة شرقية عرفت بأسم شاس وكانت هذه الحركة من فكر الحاخام "شاخ" الذي كان بمثابة الأب الروحي للحزب الديني الأصولي الأشكنازي " أغودات يسرائيل"، حيث كان يهدف الحاخام "شاخ" من ذلك، العمل على امتصاص شعور الغضب لدى الشرقيين نتيجة عنصرية المؤسسة الدينية الإشكنازية، من خلال إقامة حركة شرقية تابعه يكتسب من خلالها أصوات العديد من اليهود الشرقيين المتدينين، وعلى الرغم من هذا إلا أن الحاخام "عوفاديا يوسف" زعيم حزب شاس انفصل عن أغودات يسرائيل، وحول الحركة إلى تنظيم "حزبي سياسي"، من أجل خوض انتخابات الكنيست بشكل مستقل، حيث نجح في تلك الانتخابات واستمر نجاحه في تزايد منذ تلك اللحظة.

الخاتمة

نستنتج من خلال هذا البحث أن هنالك تمييز عرقي في داخل المجتمع الإسرائيلي، بين اليهود الشرقيين والغربيين، وقد تمثل هذا التمييز بنظرة الصهيونية وزعمائها إلى اليهود الشرقيي، على أنهم كالعرب لهذا فقد أرادوا أن تكون إسرائيل دولة غربية، ولكن بسبب العوامل والظروف السابق ذكرها في هذا البحث، اضطر زعماء الصهيونية إلى جلبهم، على الرغم من تخوفهم في أن تصبح إسرائيل دولة ذات طابع شرقي، وأما بالنسبة لليهود الشرقيين فنستنتج أنه ليس لهم أي دور في بلورة الفكرة الصهيونية وأن السبب في هجرتهم إلى فلسطين كان من أجل حياة أفضل من تلك التي كانوا يعيشونها في البلاد العربية، وعندما شعروا بالتمييز عملوا على تنظيم العديد من المنظمات المناوئة لهذا التمييز، ولكن على الرغم من ذلك، إلا أن التمييز مازال قائماً حتى يومنا هذا .







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 06:36 AM   #12

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي حركة شاس ودورها في المجتمع الإسرائيلي

حركة شاس ودورها في المجتمع الإسرائيلي
يوسف عودة

المقدمة:-

يعتبر النظام السياسي في إسرائيل نظام ديمقراطي برلماني، هذا وتعتبر الأحزاب والحركات السياسية في هذا النظام بمثابة القاعدة الأساسية لرسم السياسة الإسرائيلية العامة،وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي، وحركة شاس والتي تعني ( أتحاد السفارديم حراس التوراة )، ما هي الا واحدة من هذه الحركات السياسية الناشئة في الكيان الصهيوني، والتي لها دور مؤثر في صنع القرار السياسي في إسرائيل، سواء على الصعيد الحكومي أو الصعيد الشعبي. وأما بالنسبة لحركة شاس فقد استطاعت الحركة إيجاد مكان هام لها على الساحة الحزبية والسياسية في إسرائيل، وذلك لا يعود لجمعها بين الدين والدولة فقط، وأنما لأنها طرحت نفسها كممثل لليهود الشرقيين، وبهذا تكون الحركة قد أعطت لنفسها حق الأقتراب من مركز صنع القرار في إسرائيل، وبناء عليه فقد عملنا على دراسة هذه الحركة من أجل التعرف على تنظيمها وسياستها ونظرتها للقضايا والأمور الداخلية والسياسية.

الفصل الأول:- بنية شاس

أي حزب أو حركة من الحركات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية….الخ، لا بد عند نشوئها من توفر عدة عوامل تؤدي بها إلى الظهور ، سواء أكانت هذه العوامل التي أدت إلى ظهورها عوامل سياسية، اقتصادية، اجتماعية، دينية او ثقافية…الخ، وهنا في حركة شاس لا بد من وجود عدة عوامل أدت إلى نشوئها وظهورها على الساحة الإسرائيلية، كما سنبين لاحقا:

· النشأة والتطور:-

بدايتا، يتوجب الإشارة إلى لفظ ( شاس ) فهي عبارة عن أختصار لاسم الحزب ( أتحاد السفارديم حراس التوراة )، وهذه التسمية يطلقها اليهود على التلمود أيضا، والسبب في أختيار هذا الاسم لهذا الحزب السفاردي، هو الجمع بين أمرين مهمين هما، الدين والطائفة السفاردية ( الشرقية ). هذا وتعد حركة شاس حركة جديدة في الحياة السياسية الإسرائيلية، فقد أنشقت الحركة عام 1984م، عن الحركة الأم ( أغودات يسرائيل )، التي تعتبر الممثل التقليدي للتيار غير الصهيوني والتيار الديني الارثودكسي المتزمت للشرقيين والغربيين. وأما بالنسبة لتأسيس الحركة، فقد تأسست هذه الحركة بمبادرة من الحاخام ( عوفاديا يوسيف )، ومساعدة مباشرة من الحاخام ( آرييه درعي )، وذلك بمباركة الحاخام (إليعازر شاخ )، حيث أنها ظهرت في البداية كقائمة محلية منشقة عن الحزب الأم ( أغودات يسرائيل )، وخاضت هذه الحركة انتخابات بلدية القدس عام 1983م، حيث أنها استطاعت تحقيق بعض النجاح في هذه الانتخابات، وذلك بفوزها بثلاثة مقاعد في المجلس البلدي، ثم بعد ذلك تحولت إلى العمل القطري، فأعلنت عن نفسها حزبا سياسيا، وذلك بعد ان أتحدت مع قائمتين محليتين شبيهتين تخضعان لتوجيه الحاخام ( شاخ )،الأولى في بني براك، وكانت تسمى ( جاي ) برئاسة ( رفائيل بنحاسي )، والثانية في طبريا، وكانت تسمى ( زاخ ).

ويعود سبب نشوئها إلى الاضطهاد الذي كان يشعر به اليهود الشرقيون داخل المؤسسات، ففي أواخر عام 1982م، أنشقت عن ( أغودات يسرائيل ) مجموعة من اليهود الشرقيين المتعصبين دينيا، وعملوا على تشكيل حركة شاس، وذلك بسبب الاضطهاد والتمييز العنصري الذي يعانيه اليهود الشرقيين، فمثلا من الناحية المادية، كانت تفتقر مدارسهم للدعم المادي اللازم والكافي، وكذلك فأنهم كانوا لا يحظون بنسبة تمثيل عادلة في الدوائر الحكومية والمؤسسات المحلية، ولهذا فأن تشكيل شاس جاء من أجل المساهمة في رفع الظلم والإجحاف الطائفي الذي يشعر به اليهود الشرقيون، وكذلك من أجل التأكيد على الصبغة الدينية ومركزيتها. ومن الأسباب التي أدت أيضا إلى انشقاق اليهود الشرقيون، وتشكيلهم لحركة شاس،رفض الحاخاميون الاشكناز طلب الحاخام ( عوفاديا يوسيف )، بتعيينه في "مجلس علماء التوراة " وذلك بقولهم انه " غير ممكن، لان المحادثة في المجلس تتم بلغة الأيديش، وأنك لن تفهم شيئا ". فقد كان الاشكناز يضطهدون الحريديم الشرقيين ويتهمونهم بالتخلف والقصور الثقافي، وهذا ما أكدة العالم كارل فرانكشتاين عندما قال " علينا ان ندرك العقلية البدائية للمهاجرين القادمين من بلدان متأخرة ".

وبالإضافة للأسباب المذكورة، والتي أدت إلى انشقاق الحريديم الشرقيين، فأن هنالك عامل آخر،آلا وهو العامل الثقافي، فقد كان الشرقيون يتسمون بشكل عام بصبغة ثقافية غير مغالية وليست متطرفة في كافة نواحي الحياة، سواء الاجتماعية او السياسية او الدينية او الفكرية …الخ، وهذا لم يتفق مع الطابع الثقافي للحريديم الاشكناز والصهيونيين المتدينين، وبناء على هذا الأنشقاق فقد ظهرت عام 1984م عدة قوائم حريدية شرقية لانتخابات البلدية في كل من القدس وبني براك وطبريا وأوفاكيم ونتيفوت وبئر السبع، واستطاعت هذه القوائم تحقيق نتائج إيجابية في هذه الانتخابات، وهذا بدورة أدى بالحريديم الشرقيين لتشكيل قائمة تكون قادرة على خوض انتخابات الكنيست الحادية عشر عام 1984م، وكان وراء هذه المحاولة كل من الحاخام عوفاديا يوسيف، آرييه درعي، إلياهو رفول، داؤود عدس، ورفائيل بنحاسي، وبمباركة الحاخام ( شاخ ) الذي دعا بدورة الجمهور الحريدي للتصويت لهذه القائمة في الانتخابات المقبلة، وقد أسفرت هذه المحاولة عن نجاح هذه القائمة والتي سميت بقائمة شاس في الانتخابات الأولى لها عام 1984م، حيث فازت بأربعة مقاعد في الكنيست.

وهنا يمكننا القول بأن سر نجاح شاس على المستويين الانتخابي والشعبي، والذي أفرزته الحركة كان في جوهرة نتاج عمليات إسرائيلية شاملة او بمعنى آخر على مستوى إسرائيلي عام، والمقصود بذلك هو تقدم المجتمع الشرقي والثقافة الشرقية والتي كانت لسنوات طويلة مهمشة إلى واجهة الساحة الإسرائيلية.

البنية التنظيمية:-·

من المعلوم ان معظم الأحزاب الإسرائيلية بشكل عام، والدينية بشكل خاص لها مؤسسات حزبية خارج إسرائيل، وخاصة الاشكنازية منها، أما حركة شاس، فلا يوجد لها بنية تنظيمية خارج اسرائيل، والسبب في ذلك ان هذه الحركة هي حركة ذات أصول شرقية تأسست في إسرائيل عام 1984م، وذلك نتيجة للاضطهاد الذي كان يعاني منه اليهود الشرقيين كما ذكر سابقا.

أما بالنسبة لبنية شاس التنظيمية، فهي حتى عام 1990م كانت حركة تفتقر إلى المؤسسات الحزبية التي تتكون منها الأحزاب السياسية عامة، إذ تعتمد الحركة على مؤسسة واحدة هي " مجلس حكماء التوراة " في اتخاذ قراراتها، وقد ترأس هذا المجلس منذ تأسيسه عام 1984م، الحاخام عوفاديا يوسيف، فهي حركة لا يوجد لها مركز او مجلس حركي كما في أغلبية الأحزاب الاخرى، وكذلك لا يوجد لها سجلات عضوية لمؤيديها حتى ذلك الوقت، فهي تعمل على تسيير شؤونها من خلال مجلس الحكماء الذي يوجه الحركة في كل الأمور وإلية تعود الكلمة الأخيرة، ولذا فأن كل التصريحات التي يدلي بها أعضاء الكنيست من حركة شاس تظل في النهاية اجتهادات تحتاج إلى مصادقة المجلس ، كي تعبر عن وجهة نظر الحركة بصورة رسمية، علما بان هذا الأمر لا يقتصر على حركة شاس فقط، بل يشمل جميع القوى والأحزاب الحريدية الأخرى في إسرائيل، أي ان أعضاء الحركة في الكنيست يخضعون لتوصيات وقرارات " مجلس حكماء التوراة "، حيث يقوم أعضاء الحركة في الكنيست بإطلاع مجلس الحكماء على ما يجري داخل الدولة، وذلك لان الحاخاميون لا يقرأون الصحف العلمانية، ولا يشاهدون التلفاز، ولا يسمعون المذياع، وبناء على المعطيات التي يمدهم بها أعضاء الحركة في الكنيست يتم اتخاذ القرارات.

والجدير بالذكر هنا، ان حركة شاس تستمد أنصارها بالأساس من خمسة روافد، وهي على الشكل التالي:-

1) أبناء التوراة السفارد.
2) خريجو المعاهد الدينية.
3) تلاميذ الحاخام عوفاديا يوسيف.
4) التائبون من اليهود العلمانيين الشرقيين.
5) أبناء الطوائف الشرقية .

المؤسسون وأبرز القادة:-

ترأس الحاخام عوفاديا يوسيف ( الزعيم الروحي لليهود الشرقيين ) " مجلس حكماء التوراة "، منذ تأسيسه عام 1984م، ولغاية الآن، هذا ويوجد هنالك أيضا أعضاء آخرين في هذا المجلس، يعتبرون من أهم مؤسسي الحركة وأبرز قادتها، على النحو التالي:-

1) الحاخام عوفاديا يوسيف:-

ولد الحاخام عوفاديا يوسيف في بغداد عام 1920م، وهاجر إلى فلسطين وهو في الثالثة من عمرة عام 1923م، وقد ألتحق وهو في طفولته بإحدى المدارس الدينية لدراسة التوراة، وفي الثانية عشر من عمره التحق بمدرسة ( بورات يوسيف ) الدينية، حيث انه يمتاز بذاكرة قوية، وسعة اطلاع، وهذا ما جعله يعد واحدا من أبرز علماء التوراة،حيث قام الحاخام عوفاديا وهو في سن مبكر من عمره بإصدار ونشر كتب تحتوي على أحكام وفتاوى دينية، وفي العشرينيات من عمره تولى منصب نائب الحاخام الأكبر في القاهرة ( قبل قيام الدولة )، وبعد قيامها عاد إلى البلاد ليعين قاضيا في محكمة دينية في بيتح تكفا، ثم تم تعيينه رئيسا ل " يشيفات " الحاخام اسحق نسيم في القدس، وفي العام 1960م تنافس الحاخام عوفاديا يوسيف على منصب الحاخام الأكبر لإسرائيل، ولكنه خسر في هذه المنافسة، وفي العام 1968 انتخب لمنصب الحاخام الأكبر لمدينة تل أبيب، وبعد مرور خمس سنوات، عندما كان في الثالثة والخمسين من عمره عين في منصب الحاخام الأكبر ( شرقي ) لإسرائيل.

2) شالوم كوهين:-

ولد في القدس عام 1924م، وقد كان بعيد عن السياسة حيث انه كان لا يقرأ الصحف العلمانية، درس في المدرسة الدينية ( بورات يوسيف ) في القدس، ثم عمل مدرسا بها، ثم رئيسا لفرع المدرسة في حي القطمون في القدس.

3) شبتاي أتون:-

ولد في القدس عام 1927م، وهو رئيس المدرسة الدينية ( رشيت حخما )في القدس.

4) شمعون بعدني:-

ولد في اليمن عام 1930م، يعمل رئيسا للمدرسة الدينية ( توراة فحييم ) أي ( التوراة والحياة ) في مدينة بني براك، وقد حصل على تعليمه الديني في المدارس اللتوانية، ويعتبر من المتشددين في أمور الدين.

5) رؤوبين إلباز:-

ولد في المغرب وهاجر إلى اسرائيل، قضى فترة شبابه بعيدا عن الدين، وعاد بالتوبة في وقت متأخر، وهو من تلاميذ الحاخام عوفاديا يوسيف، وقد مارس مهنة التدريس في مدرسة ( بورات يوسيف ) ثم في مدرسة ( نو بوردوك ) الدينية.

6) آرييه درعي:-

ولد في المغرب عام 1959م، هاجر إلى إسرائيل مع أسرته بعد حرب 1967م، تلقى دراسته في المدارس الدينية بالقدس، وقد تعرف خلال تلك الفترة على ( دافيد يوسيف )، ابن الحاخام عوفاديا يوسيف ( الزعيم الروحي لليهود الشرقيين )، حيث أقام معه علاقة وطيدة، وأصبح من المقربين جدا منه، أنتقل للعيش في مستوطنة يتير في جبل الخليل قرب يطا، وأصبح سكرتير المستوطنة، ويعد درعي من مؤسسي حركة شاس عام 1984م، هذا وقد انتخب عضو بالكنيست لأول مرة عام 1984م ،ثم أعيد انتخابه عام 1988م، وبعد ذلك اصبح وزيرا للداخلية في حكومة الوحدة الوطنية وحكومة الليكود اليمينية عام 1988 – 1992م، حيث انه في انتخابات الكنيست عام 1992م، تزعم حركة شاس وقد حققت الحركة نجاحا كبيرا في ذلك الوقت،ثم عين وزيرا للداخلية في حكومة رابين عام 1992م، الا انه استقال من منصبه بعد تقديمه للمحاكمة بتهمة الرشوة والتلاعب بالأموال العامة.

وبالإضافة إلى هؤلاء المؤسسين السابق ذكرهم، فانه يوجد هنالك أيضا شخصيات قيادية آخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر، اسحق بيرتس، الحاخام رفائيل بنحاسي، الحاخام يوسيف عزران، الحاخام آرييه جملئيل، الحاخام يئير ليفي، والحاخام شلومو دين.

الفصل الثاني:- المشاركة في المؤسسات الرسمية

شاس كحركة دينية تهتم وبشكل كبير بتحقيق مصالحها في المجالين الإجتماعي والديني، ويقتصر هدفها السياسي فقط على تحقيق مصالح اليهود السفارديم الذين تمثلهم، حيث تسعى شاس دائما إلى تأمين الميزانية الأزمة لتمويل مؤسساتها التعليمية و الإجتماعية المنتشرة في كافة المناطق لهذا فهي لا تتردد سياسيا في الانضمام إلى أية حكومة توفر لها الميزانيات اللازمة للحفاظ على مؤسساتها المختلفة، وعلى الرغم من مشاركتها في المؤسسات الرسمية إلا أنها تنطلق في مواقفها السياسية من أيدلوجيتها الدينية، و فيما يلي عرض موجز لمشاركتها في الكنيست والحكومة:-

1) الكنيست:-

شاركت شاس في خمس عمليات انتخابية هي (1984،1988،1992،1996،1999)،حيث عكس نجاح هذا الحزب في الانتخابات المتتالية، جزئيا إستمرار بروز اليهود السفارديين في الساحة السياسية وتنامي وعيهم لقوتهم الانتخابية. فقد كانت أول مشاركة لحركة شاس في انتخابات الكنيست الإسرائيلي في عام 1984م، حيث حصلت شاس في هذه الانتخابات على أربعة مقاعد، وبهذا فقد فاجأت هذه النتيجة جميع الأوساط السياسية والدينية في إسرائيل. فقد صوت (15) ألف حريدي اشكنازي إلى جانب شاس عوضا عن توصيتهم ل (أغودات يسرائيل)، بالإضافة إلى الشارع السفاردي التقليدي . وفي هذه الانتخابات تفوقت شاس على الحزب الأم (أغودات يسرائيل)، حيث حصلت شاس في هذه الانتخابات على أربعة مقاعد مقابل مقعدين فقط ل ( أغودات يسرائيل ).

وفي انتخابات الكنيست عام 1988م، كانت إقامة حزب (علم التوراة ) الحريدي اللتواني مؤشرا لا يبعث على التفاؤل وذلك لان هذا الحزب كان يضم غالبية الأصوات الاشكنازية الحريدية التي حصلت عليها شاس في انتخابات عام 1984م، إضافة إلى المكانة الكبيرة التي كان يتمتع بها زعيم الحريديم اللتوانيين الحاخام (شاخ)، إلا أن النتائج جاءت افضل مما كان يتوقعه أنصار شاس حيث حصلت في هذه الانتخابات على (6) مقاعد، وبناء على هذه النتيجة فقد ارجع بعض المختصين اليهود ما حدث باستيلاء شاس على أصوات الليكود، وكذلك أصوات معظم ناخبي كاخ وجذبها الانتخابي، إلى خطابها المزدوج الحريدي الطائفي، حيث صوت لها عدد كبير من السفارديم غير المتدينين، هذا بالإضافة إلى دعمها من قبل عدد من الحاخامات، ومن أبرزهم الرابي ( اسحق قادوري )، إذ استفادت شاس مما نسب إليه من معجزات و خوارق أثرت في الشارع الإسرائيلي .

هذا وقد حافظت حركة شاس على قوتها في انتخابات عام 1992م، حيث حصلت على (6) مقاعد في هذه الانتخابات. وبهذه الانتخابات – انتخابات عام 1992م – تكون شاس قد انتقلت إلى مركز الحلبة السياسية في إسرائيل من حيث تزايد قوتها السياسية من ناحية ودعم المصوتين لها، وتأثيرها في مواقع قيادية في الدولة من ناحية أخرى، فمن خلال المعركة الانتخابية كانت رسالتها واضحة و بسيطة، وهي ( أنت مؤمن صوت لشاس ). هذا و قد ارتفع عدد مقاعد حركة شاس في انتخابات الكنيست عام 1996م، إلى (10) مقاعد، وحصلت أيضا على (17) مقعدا في انتخابات عام 1999م. حيث ركز حزب شاس في برنامجه الانتخابي لعام 1999م على بعض القيم التي زادت من قوته على الساحة السياسية في إسرائيل، ومن هذه الأهداف التي ركز عليها في برنامجه الانتخابي لعام 1999م، ما يلي :-

1- العناية بالقيم التقليدية لليهود ولليهودية الأصولية في إسرائيل.
2- الإستمرار في طريق الحاخامين السفارديم حسب الميراث اليهودي الشرقي.
3- تمثيل جمهور (حراس التوراة و الوصايا )، ومنع التمييز ضد الجمهور الديني الأصولي وتشجيع حب إسرائيل.
4- تربية أولاد إسرائيل على توراتنا المقدسة من خلال الحفاظ على القيم اليهودية السفاردية، والعمل لنشر التوراة لكافة الجمهور.

وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج أن شاس أثبتت قدرتها على الاستمرار والتطور، وذلك من خلال حيازتها لثقة الجمهور الإسرائيلي، وذلك انطلاقا من مبادئها وأيديولوجيتها الدينية.

وفيما يلي جدول يبين عدد المقاعد والأصوات التي حصلت عليها شاس في الانتخابات التي خاضتها ( 1984 – 1999م ):

عدد المقاعد عدد الأصوات السنة

4 63605 1984
6 107709 1988
6 129347 1992
10 259796 1996
17 430676 1999

2) الحكومة:-

اشتركت شاس في الإئتلافات الحكومية من لحظة فوزها بأربعة مقاعد في أول انتخابات شاركت فيها عام 1984م، فقد شاركت في عام 1984م في حكومة الإئتلاف، وذلك من خلال الحاخام إسحاق بيرتس كوزير للداخلية، إلا أن هذا الحزب ترك الحكومة، واستقال بيرتس من وزارة الداخلية بسبب إقرار محكمة العدل العليا الإسرائيلية تسجيل سيدة يهودية من أم مسيحية في سجل السكان، بأنها يهودية وكان على وزير الداخلية أن يوقع بوصفه الوزير المسؤول من سجل السكان، ولهذه الأسباب انسحبت شاس من الحكومة. كما شاركت حركة شاس في الإئتلاف الحكومي عام 1988م، وبهذا تكون شاس قد شاركت في حكومتي الوحدة الوطنية اللتين ألفتا سنتي 1984 و 1988م،كما شاركت خلافا ل ( أغودات يسرائيل) في حكومة يتسحاق رابين التي شكلت عام 1992م، ولكنها انسحبت منها عام 1994م، على أثر محاكمة وزير الداخلية حينذاك " أرييه درعي "، بتهمة التلاعب بالأموال العامة، والتي تتلخص في منح الوزير درعي أموالا وعطاءات لجمعيات تابعة ومقربة من شاس ومؤسساتها المختلفة.

هذا وقد اشترطت شاس لدخولها هذا الإئتلاف الحكومي عام 1992م، بقيادة حزب العمل، ببعض المطالب، أهمها:-

1- لا يلغى ولا يسن تشريع ديني إلا بموافقة جميع الكتل.
2- تقام في نطاق وزارة التربية والتعليم شعبه للتعليم والثقافة الحريدية على نفس مستوى شعبة التعليم الديني الرسمي.
3- تمتنع الحكومة عن أي قهر ديني أو معادٍ للدين بأي شكل من الأشكال.

إلا أن العلاقة توترت بين شاس والحكومة بسبب تهم الأختلاس الموجهة لوزير الداخلية "درعي"، الذي يعد من أهم الشخصيات السياسية في حركة شاس. وعلى الرغم من كل ما ذكر، إلا أن هذا الحزب تعرض في أواسط عام 1990م، إلى هزة عنيفة كادت أن تعصف به، وذلك بسبب الخلاف الذي نشب داخله بشأن مسألة مع من يجب التحالف: مع الليكود أم حزب العمل. وذلك على خلفية الأزمة التي أطاحت بحكومة الوحدة الوطنية في آذار 1990م، والتي إنتهت بعودة الليكود إلى الحكم، وانتقال حزب العمل إلى المعارضة، حيث أيد الحاخام ( شاخ ) الزعيم الروحي الأعلى للطوائف اللتوانية. والذي يعتبر المرشد الروحي لحزب شاس، على الرغم من كونه إشكنازيا، التحالف مع الليكود في حين أيد الحاخام ( عوفاديا يوسيف )، رئيس " مجلس حكماء التوراة "، ( السلطة الروحية والسياسية العليا للحزب )، التحالف مع حزب العمل. وأختلف في شأن هذا الأمر أيضا نواب الحزب السته في الكنيست.

هذا وقد إنتهى الخلاف بشأن هذه الأزمة بأمر إصدره الحاخام ( شاخ ) إلى الحزب بالتحالف مع الليكود، وقد تم الألتزام به، لكنه أحدث صدعه في العلاقة بين شاخ ويوسيف، وبين بيرتس وزعامة الحزب، مما أدى إلى استقالة بيرتس من رئاسة الحزب قبل انتخابات عام 1992م، وكذلك انقطعت صلة شاخ بالحزب عام 1992م، بسبب انضمام شاس إلى حكومة يتسحاق رابين العمالية، لأن ذلك مخالفا لتعليمات شاخ. وعلية فقد كانت حركة شاس سببا في حدوث أكثر من أزمة وزارية، ولا سيما تلك الأزمة التي عصفت بالوزيرة اليسارية "شموليت ألوني "، وأما بالنسبة للحكومة الحالية فقد أمتنع حزب شاس عن التصويت لصالح الإجراءات التقشفية المقترحة من قبل حكومة شارون لتجاوز الصعوبات المالية، التي تعترض البرنامج الإقتصادي لشارون. الأمر الذي أدى بشارون إلى استغلال مهلة ال 48 ساعة قبل أن يتجسد قرار إقصاء أربعة وزراء تابعين لشاس وذلك من أجل إيجاد أرضية تفاهم بين الحزب والحكومة، وذلك تفاديا لإسقاط الحكومة وإجراء انتخابات سابقة لأوانها.

وبناء على ما سبق ذكرة، نستنتج أن حركة شاس كانت دائما تسبب حدوث أزمات وزارية، وذلك بغية الوصول إلى أهدافها، أي أنها كانت تعمل على افتعال الأزمات من أجل الحصول على مكاسب مادية تعود عليها بالفائدة.

الفصل الثالث:- موقفها من الأمور والقضايا الداخلية

تهتم الأحزاب السياسية في إسرائيل بعدة قضايا ، فيما تنحصر غالبية اهتمامات شاس الداخلية بالمجالين الاجتماعي والديني ، لهذا فالأحزاب الدينية في إسرائيل لها هدف واحد هو فرض التعاليم التوراتية على جميع مناحي الحياة في داخل المجتمع الإسرائيلي، وهذا ما يمكننا ملاحظته على كافة الأصعدة الداخلية في إسرائيل، كما سنبين :-

(أ) على الصعيد الإجتماعي :-

سعت شاس إلى القيام بدور مميز لتحقيق التوازن بين الحياة المادية والروحية في المجتمع الإسرائيلي ، وأعتبرت أن الجري وراء الحياة المادية ، وتفتت العائلة وانتشار الأمراض الاجتماعية مثل المخدرات وغيرها من الظواهر السلبية ،قد برزت نتيجة لابتعاد الجمهور عن التوراة وتعاليمها . ولهذا فقد سارعت حركة شاس إلى تقديم المساعدات للمحتاجين الذين تهملهم الدولة ، وذلك من أجل التخلص من كافة الأمراض الاجتماعية ، وذلك انطلاقاً من أيديولوجيتها الثابتة والمتمثلة بالعودة إلى الدين ، ولهذه الأسباب وغيرها استطاعت شاس أن تكون القوة السياسية الوحيدة التي تمثل اليهود الشرقيين .

وبناء عليه فقد تمكنت شاس من ضرب جذورها والتغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي عن طريق تأسيسها لشبكة "أل_همعيان " التعليمية عام 1985م ، حيث استطاعت من خلال التفاعل والاتصال مع ناخبيها بشكل مباشر عبر فروعها المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، والتي يبلغ عددها (400) فرع، حيث تقوم هذه الفروع بنشاطات مختلفة تقدم فيها خدمات اجتماعية وتربوية، لحوالي (100) ألف نسمة يومياً ، وينظم كل فرع من هذه الفروع حوالي عشرة دروس في التوراة يومياً لمختلف الأعمار من الذكور والإناث، ويعمل في هذه الشبكة مئات الحاخامات الذين استطاعوا إقناع العائلات بالتوبة والعودة إلى الدين، هذا ويوفر الحزب أيضاً رياض أطفال مجانية، وكذلك شبكة تعليم متكاملة لتعليم الذكور.

هذا وتضم فروع المنبع ( همعيان ) والتي يأتي أغلب تمويلها من الحكومة والسلطات المحلية، حوالي (1100) ناد إجتماعي، تتوزع على كافة المناطق، وتحتوي هذه النوادي على مدارس وملاهي وكنس ومراكز دينية، حيث أن الهدف الأساسي من وراءها هو القضاء على ظواهر الفقر والجريمة والمخدرات والإباحية والبطالة، والعمل على تطوير المدن والقرى وتقديم المساعدات المجانية للمحتاجين، وهي بذلك تكتسب شهرة كبيرة، حيث ترتادها إعداد كبيرة، ولعل أحد أسباب شهرتها يكمن في تواجدها في المناطق الفقيرة، فكثير من روادها فقراء، وبعضهم يقبع آباؤهم في السجون، أو يعانون من البطالة كما أن بعضهم ينتمي للعائلات التي تعاني من مشاكل إجتماعية مثل الطلاق، أو موت أحد الوالدين…الخ، ويلاحظ أيضا أن ممثلي المنبع ( همعيان ) يحرصون على دخول بيوت هؤلاء الأطفال لمساعدة آبائهم في حل مشاكلهم الإقتصادية والإجتماعية… وهذا بدوره ساعد الحركة على تكوين قاعدة حزبية عريضة ساهمت في زيادة شعبيتها بنسبة كبيرة. ولهذا فأن شاس تعتبر " إل همعيان " جزء من رسالتها الإجتماعية نحو السفارديم، وأنها أنشقت لوضع نهاية للتمييز الطائفي في إسرائيل.

وتكمن أهداف هذه الجمعية "آل همعيان " فيما يلي :-

1) إعادة بلورة وتنمية العادات والقيم اليهودية .
2) التثقيف على اليهودية والدين اليهودي .
3) بحث ودراسة تاريخ السفارديم .
4) دعم الطلاب ، الكتاب والأكاديميين من خلال توفير منح دراسية لهم .

هذا وتوجد هنالك أيضا جمعيات ومنظمات أخرى تابعة لحركة شاس مثل المنظمة النسائية المعروفة باسم "نأوت مرغليت" التي تزاول نشاطها عملياً كجزء من "آل همعيان" مباشرة إلى النساء في إطار تقديم دروس التوراة المخصصة للنساء ، وكذلك تقديم العون والمساعدة للنساء الوالدات …الخ. وكذلك جمعية "تأهيل السجين" التي كانت تعمل على إخراج السجناء من عالم الإجرام إلى التوبة والعودة للدين، وكذلك العمل على مساعدتهم في التخلص من الأمراض الاجتماعية كالإدمان على المخدرات، وكذلك جمعية "يد للأبناء " التي كانت تعمل على مساعدة العائلات التي تورطت ربها في الإجرام والمخدرات، وكذلك جمعية " العودة للأصل " والتي كانت تهدف إلى إرجاع الشباب والمنحرفين إلى أصلهم وعاداتهم وتقاليدهم الشرقية .

ومن الجدير ذكره هنا ، أن حركة شاس قررت في السنوات الأخيرة التوجه إلى القطاع الزراعي ، خاصتاً لأبناء القرى الزراعية الشرقية التي أقيمت في الخمسينات، حيث أن هذا القطاع كان مهملاً في السنوات السابقة وبصورة أعلى من إهمال القطاع المدني في مدن التطوير، ويعود سبب الإهمال إلى أن هذا القطاع لا يحتوي إلا على نسبة قليلة من الناخبين المحتملين، ولهذا فقد أقام اتباع شاس جمعية عرفت باسم "بركات هآرتس "، مهمتها الاعتناء بمصالح أبناء القرى الزراعية . هذا وتقوم حركة شاس بتغطية نفقات هذه المؤسسات التربوية والاجتماعية ، من خلال الدعم الحكومي الممنوح لها كشرط لدخولها الائتلاف الحكومي، هذا بالإضافة إلى دعم السلطات المحلية التي تحصل على ميزانياتها من الوزارات المختلفة حيث يقدر الدعم الذي حصلت عليه المؤسسات التابعة لـ (شــاس) بملايين الشواكل مما ساعدها على الاستمرار والتقدم .

أما بالنسبة للقطاع الاقتصادي، فقد عارضت شاس مثلاً في برنامجها الانتخابي لعام 1988م، النظام الاقتصادي الذي يعود بالفائدة على أوساط معينة. ولهذا فقد دعت شاس إلى الأخذ بعين الاعتبار أوضاع الطبقات الفقيرة، وكذلك طالبت شاس بإلغاء الدعم الحكومي للسلع وإعطائه للمحتاجين، وللعائلات كثيرة الأولاد، وكذلك طالبت بالعمل على دعم مدن التطوير، وكذلك أيضاً بتمويل التعليم الداخلي. أي بمعنى آخر نستطيع القول بأن شاس تركز في المجال الاقتصادي على تحسين أوضاع الطبقات الفقيرة، وكذلك تمويل التعليم، وذلك لأن الكثير من روادها من الفقراء.

(ب) على الصعيد الديني :-

كما ذكر سابقاً، فإن حركة شاس انشقت عن الحزب الأم ( أغودات يسرائيل ) انشقاقاً عرقياً،وبناء على هذا الانشقاق فإن النظرة الدينية والأيديولوجية لحركة شاس تتشابه مع نظرة ( أغودات يسرائيل )، حيث أن كلا الحزبين يسعى لإرساء الدولة وحياة المجتمع على أساس التوراة وتعاليم الشريعة اليهودية (الهالاخاة )، كما يتشابه الحزبين (شــاس) و (أغودات يسرائيل) في الطابع العام للأنشطة، من حيث تركيزهما على القضايا الدينية والمصالح المادية التي تخص جمهور كل حزب منهما، وكذلك خدمة المؤسسات والهيئات التابعة لهما. فمثلاً رفضت (أغودات يسرائيل ) والأوساط القريبة منهما، مفهوم الدولة اليهودية كما طرحتها الحركة الصهيونية، وجاء هذا الرفض نابعاً في الأساس من أن تلك الدولة لن تقوم على أساس تعاليم التوراة وشرائعها، ولهذا فقد اشترطت (أغودات يسرائيل) موافقتها بالمشاركة في إعلان قيام الدولة (دولة إسرائيل ) ببعض المطالب الدينية، وأهمها:

1) الحفاظ على قدسية السبت والأعياد اليهودية .
2) الحرص على تطبيق التعاليم الدينية فيما يتعلق بالطعام المحلل في المنشآت والمؤسسات الحكومية.
3) أن يبقى التعليم الديني المنظم في تيارات منفصلة متمتعاً بالإدارة الذاتية .
4) أن تقوم الدولة بتأمين الاحتياجات الدينية للسكان .
5) أن تنظم الأحوال الشخصية للسكان وفقاً لقوانين التوراة .

ولهذا فقد انطلقت حركة شاس اعتمادا على هذه المبادئ باعتبارها تمثل امتدادا دينياً للحزب الأم (أغودات يسرائيل)، ويظهر ذلك بوضوح في مطالبتها بتشريعات دينية كشرط لدخولها الائتلاف الحكومي بعد انتخابات عام 1988م، ومن هذه المطالب ما يلي :

1) تشديد الرقابة على الطعام المحلل (الكاشير).
2) القضاء على مظاهر الأنحلال في المجتمع.
3) إقامة فرع خاص في وزارة التربية والتعليم لإدارة شبكة التعليم التابعة (لشاس) وتمويلها.
4) ضمان حرمة السبت وعدم تدنيسه، وذلك من خلال إقرار قانون (التعويض) الذي يعطي الصلاحية لرؤساء المجالس المحلية لاتخاذ ما يرونه مناسباً لأجل ذلك.
5) تمرير قانون (الاعتناق ) وقانون (المحاكم الحاخامية) في الكنيست.
6) إلغاء تجنيد الفتيات للجيش إلغاءً تاماً.
7) تخصيص موجة بث إذاعي خاصة بالمتدينين.

وعلى الرغم من هذه المطالب السابق ذكرها، الا ان هنالك قضية مهمة، تعد من القضايا القديمة الجديدة في إسرائيل، الا وهي مسألة " من هو اليهودي "، حيث دار جدلا واسعا حول هذه القضية بين التيارات الدينية وغيرها في إسرائيل وخارجها، وظهرت هنالك عدة وجهات نظر مختلفة، فمنها مثلا موقف المذهب الحريدي بقيادة شاس، حيث يعرف شاس الشخص اليهودي بأنه الشخص المولود لأم يهودية أو المعتنق للديانة اليهودية، على أيدي حاخامات أرثوذكس، أما أصحاب المذهب الإصلاحي والمحافظ فيعترفون بالنسب لطفل ولد لأم مسيحية وأب يهودي، ولكن المذهب الصهيوني العلماني، الذي يدمج الدين بالقومية، فيعرف اليهودي بأنه الشخص الذي يعلن عن نفسه انه يهودي إذا كان هذا الشخص لم يعتنق ديانة أخرى حسبما حددت وزارة الداخلية سنة 1953م.

وظلت الاخلافات قائمة حول هذه القضية حتى عام 1996م عندما أصدرت الإدارة الإسرائيلية في 17 تشرين الثاني من العام نفسه قرارا يقضي بان المحاكم الحاخامية لا تملك صلاحية أو إجازة من هو اليهودي المقبول أو المرفوض في الدولة، وبناء عليه فقد أثار هذا القرار معارضة شديدة في الأوساط الدينية، حيث قدم سبعة أعضاء من شاس في الكنيست في كانون أول من العام نفسه اقتراحا يدعو إلى إعادة تحديد من هو اليهودي، وعدم الاعتراف بأية اعتناقات تتم في الخارج دون الحصول على موافقة ومصادقة الحاخامية الرئيسية الأرثوذكسية في إسرائيل.

فحركة شاس ومنذ تأسيسها رفعت شعاراً "العودة إلى الدين والتقاليد " أي (حزارا بتشوفا )، ورأت أنها بهذا الشعار تقدم الجواب الصحيح على المستويين الشخصي والروحي، ولبث هذه الرسالة اعتمدت شاس على طلاب المدارس الدينية، خاصتاً الطلاب الذين تابعوا وعادوا إلى الدين والتقاليد، وفي هذا المضمار كانت الزيارات البيتية والدروس الدينية والنشاطات الجماهيرية، هي إحدى الوسائل لبث هذه الرسالة، وعلى الرغم من كل هذا إلا أنها لم تتخل عن وسائل الاتصال الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، حيث أسست محطتين للبث بالراديو في منطقة القدس وثالثة في تل أبيب، وكذلك هنالك ستة محطات أخرى للأحزاب الحريدية تستعملها شاس، حيث تقوم شاس من خلال هذه المحطات بالدعاية والعمل على إقناع المستمعين بالعودة إلى المسار الصحيح والسليم هذا وتقوم شاس أيضا ببث الدروس الدينية للرابي عوفاديا يوسيف لأكثر من (400) منطقة بالبلاد وفي دول عديدة خارجها، وذلك من خلال بث حي ومباشر عبر القمر الاصطناعي، هذا بالإضافة للجريدة الأسبوعية التي تصدرها شاس "من يوم ليوم".

وهذا كله كان نابعاً من اقتناع قادة حزب شاس بأهمية الإعلام، فلذلك قرروا بالظهور في لقاءات عبر شاشات التلفاز، الذي اعتبروه أداة إعلامية مهمة من أجل العودة بالإسرائيليين الدنيويين إلى جذورهم الدينية، وهذا كان على العكس تماماً من قادة الأرثوذكس الذين رفضوا الظهور على شاشات التلفاز، وذلك لأن مشاهدة التلفاز يعد أمراً مرفوضاً في حياتهم.

وبناءً عليه نستنتج أن هدف حركة شاس (كما حدده أرييه درعي في مقابلة معه ) هو العودة إلى التراث وإلى الدين، ولكن بدون ارتداء الملابس السوداء التي يرتديها المتدينون الحرير يم، وكذلك بدون الإنغزال وترك المحيط السابق، فالعودة إلى الدين تعني بالنسبة لها استمرار الناس في حياتهم العادية، مع الحفاظ على التراث، والاحتفاظ به وبالأعياد الدينية. أي أن هدف شاس هو العودة للتراث والدين معاً، مع استمرار الناس في حياتهم العادية، وهذا ما أكده (أرييه درعي ) عندما قال "هدفنا ليس الوصول إلى رئاسة الوزراء أو وزارة الدفاع أو الخارجية، بل نريد أن يكون للحركة تأثيرها على السياسة الإسرائيلية وفي مركز الأحداث، وليس على الهامش أو في الغيتوات، نريد أن تصبح الدولة أكثر يهودية ".

الفصل الرابع:- موقفها من الأمور والقضايا السياسية

لا تهتم الأحزاب الدينية في إسرائيل بالشؤون السياسية، فقد كانت الكتل الحريدية في الكنيست تركز دائما على المواضيع والقضايا الدينية، فعلى سبيل المثال، كان حزب ( أغودات يسرائيل )، لا يهتم بالمناصب السياسية والدبلوماسية، وما زال على هذا النهج حتى اليوم، ولكن بعد ظهور حزب شاس تغيرت هذه النظرة، فبالإضافة إلى اهتمامات شاس الدينية والإجتماعية، فقد تدخلت في السياسة العامة سواء أكان ذلك على الصعيد الداخلي أو الخارجي. وما يميز شاس عن غيرها من الأحزاب الدينية الأخرى هو أنها اكثر اعتدالا في المواقف السياسية سواء على صعيد الائتلاف الحكومي، أو على صعيد العملية السلمية.

وفيما يلي عرض لمواقف شاس من الأمور والقضايا السياسية:- 1) العملية السلمية:-

ينبع موقف شاس من العملية السلمية من خلال موقف الحاخام (عوفاديا يوسيف)، الذي أعلن خلال زيارته لمصر عام 1990م، " بأن حياة الإنسان أغلى واثمن بكثير من قيمة الأرض، فمن اجل إنقاذ حياة اليهود يجب إرجاع الأراضي الفلسطينية، ومبادلة الأرض بالسلام ". أي أن شاس تنادي بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة ومن الجولان أيضا، انطلاقا من المبدأ الديني (من أنقذ روحا في شعب إسرائيل، أنقذ عالما بأكملة). ويتضح هنا، أن الحاخام (عوفاديا يوسيف)، ينطلق في موقفه من هذه المسالة من قاعدة أساسية،آلا وهي(أن حفظ النفس من الهلاك أسمى من أي شي آخر )، وهذا الموقف يحتمل وجهين، هما:-

الأول:- إذا كان بقاء إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القدس، سيؤدي إلى نشوب حرب ووقوع ضحايا يهود، فانه يمكن لإسرائيل بغية منع هذه الحرب وتحقيق سلام حقيقي الانسحاب من هذه الأراضي.

الثاني:- عدم الانسحاب من الضفة والقطاع إذا كان هذا الانسحاب سيعرض أمن إسرائيل للخطر، أو يزيد من احتمالات نشوب الحرب.

وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج إن شاس تنطلق في مواقفها هذه من معايير أيديولوجية دينية بحتة، وذلك من اجل تحقيق أمن إسرائيل أو بعبارة أخرى من اجل تحقيق الأمن لليهود في دولة إسرائيل. ولهذا فقد انتقلت حركة شاس من الاهتمام بالأمور والقضايا الاجتماعية والدينية، إلى حركة لها دور فعال في المجال السياسي، ويتضح هذا من خلال قيام شاس والحاخام (عوفاديا يوسيف) بدور الوساطة بين الحكومة الإسرائيلية ووزير الخارجية الأمريكي آنذاك جميس بيكر،حيث أعلنوا موقفهم الداعم والمؤيد لمحادثات مدريد.

هذا وقد أيدت حركة شاس أيضا مبدأ التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، ويتضح هذا من خلال موقف (اسحق بيرتس) وكذلك (أرييه درعي)، الذي كان يرى أن على إسرائيل أن تبدي مرونة اكثر في عملية السلام هذا من جانب، واما الجانب الأخر، فعليها التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، أو على الأقل عليها التفاوض مع أشخاص يحصلون على موافقتها، وإلا فإنها ستفشل في المفاوضات واعتبر أيضا انه لا مناص أمام إسرائيل من التنازل عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من اجل تحقيق السلام، فهو حسب وجهة نظره يعتقد بان هذا التنازل عن هذه الأراضي سيسبب الآلام لشعب إسرائيل، ولكنه، من جهة أخرى سيحفظ أمنها. ويتضح هذا من خلال قوله (ربما كانت الخليل أو نابلس اكثر قدسية بالنسبة لليهود من تل أبيب، لكن هناك قداسة اكبر بكثير من قدسية الأرض، هي حياة الإنسان، وحتى نمنع سفك الدماء من كلا الجانبين، علينا أن نسعى من اجل التوصل إلى حل سياسي).

هذا وقد وصف أربيه درعي الانتفاضة الفلسطينية في أواخر عام 1987م بأنها ( اصعب حرب خاضتها إسرائيل، فالخسائر التي ألحقتها صعبة جدا، ولا يمكن تعويضها، والحل لا يكمن في استخدام القوة بل يجب أن يكون سياسيا ).

واما بالنسبة لموقفها من اتفاقيات أوسلو، فقد دعمت حركة شاس هذه الاتفاقيات، ولم تكتفي بهذا فقط بل حثت رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو) على السير قدما من اجل تطبيق هذه الاتفاقية مع الفلسطينيين، وعلى الرغم من كل هذا، إلا ان مواقف شاس تجاه عملية السلام ودعمها القوي للانسحاب من الخليل لم يؤثر على مدى الدعم لها، ويتضح ذلك من خلال تضاعف عدد الأصوات التي حصلت عليها شاس في انتخابات عام 1996م، حيث حصلت على(260) ألف صوت في انتخابات عام 1992م.

واما بالنسبة لمفاوضات الحل النهائي، فان شاس ترى بان هذه المفاوضات ستكون صعبة ومعقدة، خاصتا قضيتي اللاجئين والقدس، فعلى الرغم من الإجماع الإسرائيلي على عدم تقسيم القدس، إلا أنها ترى انه يجب الدخول الحر للاماكن الدينية، وان تكون إدارتها من صلاحية كل طرف، كذلك ترى بأنه يجب ان تكون الأطراف مبدعة وخلاقة وعاقلة في الاستجابة لطلب الفلسطينيين في موضوع القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، وانه في نهاية المطاف لا بد من انه سيكون هناك كيان وسيادة فلسطينية في الضفة والقطاع، لذا فهي ترى بان على إسرائيل التنازل عن الأراضي مقابل تنازل الفلسطينيين عن فكرة العودة لحيفا ويافا، وانسحاب إسرائيل الكامل لحدود عام 1967م.

وبناء على كل ما سبق ذكره، نستنتج ان شاس حركة اكثر اعتدالا من الأحزاب الدينية الأخرى، وذلك بناء على قاعدة (حفظ النفس) فهي تؤيد إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين وذلك من اجل منع سفك الدماء من كلا الجانبين.

2) الاستيطان:-

يعتبر موقف شاس من الاستيطان تابعا لموقف الحزب ألام ( اغودات يسرائيل)، والتي قامت في الأساس على عدم الاهتمام بهذه الجوانب، إلا انه وبعد قيام إسرائيل، واشتراك ( اغودات يسرائيل) في المؤسسات الرسمية، فقد كانت مواقفها دائما مؤيدة للحكومة، فهو مثلا لم يعارض العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، ولا عدوان عام 1967م، كما أيد هذا الحزب اتفاقيات كامب ديفيد، واما على الصعيد الاستيطاني فهو حزب ليس له أي نشاط استيطاني، نظرا لعدم وجود حركة استيطانية تابعة له. وبعد ان انشقت شاس عن الحزب ألام ( اغودات يسرائيل) استمرت في تطبيق سياسة خاصة بها، فهي كانت اكثر اعتدالا في المواقف السياسية من الأحزاب الدينية الأخرى، حيث أنها أيدت التنازل عن الأرض مقابل سلام حقيقي يضمن أمن اسرائيل، اما في حالة عدم ضمان أمن إسرائيل فانه يتوجب على إسرائيل عدم الانسحاب أو التنازل عن هذه الأراضي، هذا وقد اعتبرت أيضا ان إقامة دولة فلسطينية آت لا محال، وفي هذه الحالة فأنها تتخذ موقف معين من المستوطنات والاستيطان يتمثل بآلاتي:-

انه في حال قيام دولة فلسطينية، فأنها ترى بان اغلب المستوطنات الصغيرة سوف لا تكون تحت السيادة الإسرائيلية، وفي هذه الحالة، فعلى المستوطنين اما القبول بالعيش تحت السيادة الفلسطينية، واما العمل على تفكيك هذه المستوطنات، وهنا وفي حالة قبول المستوطنين بالعيش تحت السيادة الفلسطينية، فانه يجب توفير الأمن لهم، وان وضعهم سيكون مماثلا لوضع العرب في إسرائيل. وهذا يتضح من قول درعي ( إذا أرادت المستوطنات الصغيرة ان تبقى تحت السيطرة الفلسطينية فلها ذلك، وإذا أرادت الرحيل فلترحل، انه لمن التخريف الاعتقاد بان كل المستوطنات الصغيرة ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية).

وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج ان شاس تعتبر ان ( ارض إسرائيل) كلها تابعة ( لشعب إسرائيل) تبعا( لتوراة إسرائيل). لذا فانه يحق لليهود الاستيطان في أي جزء منها، وان التخلي عنها يكون فقط من اجل الأمن، ويكون فقط بواسطة إعلان من الحاخامين، أي ان شاس تنطلق قي موقفها من قضية دينية، وذلك من اجل ضمان أمن إسرائيل، لذا فهي ترى انه يجب حل قضية المستوطنات حلا سلميا، وذلك اما عن طريق القبول بالعيش تحت السيادة الفلسطينية مع ضمان الأمن لهم، واما العمل إلى تفكيك هذه المستوطنات.

الخاتمة:

حركة شاس حركة جديدة ظهرت في عام 1984م، حيث أنها فرضت نفسها على المجتمع الإسرائيلي بشكل عام، وكما يبدو هنالك علاقة طردية بين تزايد عدد المتدينين وتطور هذه الحركة وتزايد عدد مقاعدها في الكنيست، وبالتالي استطاعت التأثير وبشكل كبير على النظام السياسي في إسرائيل، فحركة شاس مثلت قطاع خاص من المجتمع الإسرائيلي، حيث أنها استخدمت كافة الأدوات اللازمة من اجل تحقيق استمراريتها وذلك من خلال فهمها لأصول اللعبة الحزبية واستغلال أشكنازية الدولة لتحقيق إنجازات على أصعدة مختلفة لصالح الطائفة الشرقية، حيث اعتبرت نفسها الممثل الوحيد لهؤلاء اليهود، وبهذا استطاعت تحقيق إنجازات هامة على هذا الصعيد من خلال تكوين قاعدة جماهيرية اجتماعية تعتمد على الطابع الاثني العرقي، بالإضافة إلى اعتمادها على مباركة الحاخامين، هذا وقد استطاعت شاس من خلال اشتراكها في الائتلافات الحكومية العمل على تطوير مؤسساتها وزيادة الميزانيات المخصصه لها، ويمكن القول بأنها إساءة استخدام هذه الميزانيات مما أدى إلى تورطها في عدة قضايا فساد أدت إلى سجن بعض أعضائها كالحاخام " درعي " الذي أتهم بالتلاعب بالأموال العامة.

حركة شاس هي في الأساس حركة دينية تعتمد في تأييدها للعملية السلمية على مدى التجاوب مع مشاريعها، ولكن مبادئها العامة لا تختلف عن الأحزاب الدينية الصهيونية الأخرى.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-08-2011, 09:08 PM   #13

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي اتجاهات الصهيونية نحو الفلسطينيين

اتجاهات الصهيونية نحو الفلسطينيين

تنبع اتجاهات الصهيونية نحو الفلسطينيين مباشرة من الجذور الفلسفية و السياسية للبرنامج الصهيوني تجاه أرض فلسطين . ورغم أن النشاط الصهيوني المبكر، فضلا عن النشاط الإسرائيلي المعاصر ، كان مبنيا دائما على كيفية تصور الحركة الصهيونية للفلسطينيين ، فإن هذه الدراسة ستحاول الدخول في تفاصيل برامج ونشاطات محددة . وبالمثل فان العوامل الاقتصادية و السياسية التي تفاعلت مع الحركة الصهيونية تمت مناقشتها عرضا فقط . فهذه الدراسة تستهدف تحليل التطور التاريخي للاتجاهات الصهيونية نحو الفلسطينيين .

ولأغراض التحليل ، قسمت الحركة الصهيونية إلى مكوناتها الفلسفية الثلاثة الرئيسية , فأولا, سوف يتم وصف أسلوب التيار الرئيسي الليبرالي الغربي, وثانيا وثالثا , سوف نلخص الاتجاهات الاشتراكية والمتشددة ، وأخيرا ، سوف نستكشف الاتجاهات الإسرائيلية المتضاربة والمختلفة نحو منظمة التحرير الفلسطينية والفلسطينيين في الأراضي المحتلة . ونأمل أن يؤدي الكشف عن الأسس التاريخية للاتجاهات الصهيونية إلى توضيح بعض التناقضات والخرافات التي تحيط بالعلا قات الإسرائيلية - الفلسطينية المعاصرة على الأقل .

أولا : مشكلة الأغلبية الفلسطينية ... في فلسطين

تتضح الاتجاهات الصهيونية والمخططات البعيدة المدى نحو فلسطين الفلسطينيين بشكل جلى في قصة رمزية اعتاد الزعيم المتشدد. المعروف فلاديمير جابوتينسكي , أن يرويها :

أنت تدخل ديوانا يحوي ثمانية مقاعد في عربة سكة حديدية حيث مقعدين مشغولان . قد تقلق راحة شاغلي المقعدين , لكنك لا تضرها , وهما في نهاية الأمر سيقبلان القادمين الجدد . جادل جابوتينسكي أن الفلسطينيين , مثل راكبي ديوان عربة السكة الحديد سوف يقبلون الصهيونيين في فلسطين في نهاية الأمر. وبالطبع فان هذه القصة البادية البساطة الممعنة في التضليل مبنية على عدة مغالطات فاضحة .

فأولا - إذا كان المعني بشاغلي المقعدين فضلا عن المقاعد الثمانية - كما هو واضح أنها تعني - الإشارة إلى الفلسطينيين وأرض فلسطين ء فان سبعة مقاعد من كامل المقاعد الثمانية كان يشغلها أو يملكها بالفعل فلسطينيون . ثانيا - تعتم القصة بعفوية على الحقيقة الأساسية , وهي أن الصهيونيون كانوا ينوون دائما أن يصبحوا الأغلبية ، وأن بقاء الفلسطينيين _ إذا تم احتماله أصلا – سيكون على كره من الصهيونية .

ومنذ بداية الحركة في !لقرن لتاسع عشر و حتى الوقت الحاضر ,.كانت اتجاهات ونشاطات الصهيونية نحو الفلسطينيين ثابتة وتكاد لا تتغير. وسواء تأسست أيديولوجياتهم السياسية والاجتماعية على أسس ليبرالية أو اشتراكية أو متشددة , اتخذ قادة الصهيونية مواقف متماثلة أساسا أو على الأقل متكاملة تجاه الفلسطينيين . وفي العقود السابقة ومنذ إنشاء دولة إسرائيل كانت اتجاهات الصهيونية ونشاطاتها نحو الفلسطينيين مبنية على الحافز الأساسي للحركة .

فالصهيونية , كما تم تصورها والإعلان عنها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، لم تكن تهدف إلى إنقاذ اليهود من الإبادة , بقدر ما تهف إلى إنقاذهم من فقد هويتهم . ومن ثم فان دولة الشعب اليهودي كانت - ولا تزال - ضرورية جدا لبقاء الشعب اليهودي . واعتبر اليهود الاستيعاب دائما العدو الأساسي . إذ المذابح دعمت فقط مخاوف الصهيونية القائمة من زمن طويل بان المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم ، وخاصة في الغرب ، سوف تختفي من خلال عملية استيعاب تدريجية .

وبعد أن انتهى زعماء الصهيونية إلى أن وجود دولة أم وحده , يكون اليهود فيها أغلبية , يمكن أن يضمن بقاء الشعب اليهودي ، كان عليهم أن يعالجوا المشكلة الصعبة وهي أين ينبغي أن تكون هذه الدولة . وبعد جدل طويل , قررت الأغلبية أن فلسطين , أو " أرض دولة إسرائيل " القديمة ، وهي الموقع الوحيد الذي ينبغي أن تنشأ عليه الدولة اليهودية .

وفي كلمات الكاتب اليهودي أمنون روبنشتين :

" لم تتم المطالبة بأرض إسرائيل - المهملة وغير الممتلكة جزئيا - بسب قدسيتها الدينية ,
بل لأن هذا كان الوطن الوحيد الذي عرفه اليهود دائما , ومنه طردوا وبذكراه كانوا دائما يتشبثون " . لقد دفع الصهيونيون دائما بأن " تشتت " اليهود بين الشعوب كان أسوأ كارثة مني بها الشعب اليهودي , وبالعكس , فان جمع كل اليهود في دولة خاصة بهم يشكل عملية إيجابية و إنقاذا للحياة .

ولقد ذهب بعض الصهاينة بعيدا إلى حد تبرير القول بأن إنشاء إسرائيل مكن اليهود من تحرير أنفسهم من الآثار السلبية والاستيطانية لتجاربهم الغربية . وبعبارة أخرى , فانه بالنسبة لبعض الصهاينة , يتفق اليهود مع أسلوب الاغتراب الاستيطاني الذي تحدث عنه قانون , وغيره من مفكري العالم الثالث . وبالنسبة لهؤلاء الصهاينة , أصبح اليهود متحررين حقا من الآثار المفسدة المدمرة لحياتهم كأقليات في الغرب ، بعد إنشاء دولتهم الخاصة , حيث المؤسسات من !بداع اليهود . ورغم أن معظم الصهاينة لم يمضوا في تحليل العلاقات المتبادلة بين الحياة اليهودية في الغرب وضرورة الدولة اليهودية إلى هذا الحد , إلا أنه من المؤكد أن الحركة الصهيونية منذ الأيام الأولى لوجودها تؤيد الفكرة القائلة أن دولة إسرائيل , ككيان يهودي مستقل , تعتبر حيوية لبقاء الشعب اليهودي .

وبالنسبة للصهاينة ، كانت حقائق أن أغلبية شعب فلسطين لم يكونوا يهودا ، وأن أغلبية أرض فلسطين كانت مملوكة للعرب الفلسطينيين من غير اليهود , مجرد حجر عثرة تهدد مسيرتهم المقررة نحو إنشاء دولة إسرائيل . ورغم التناقص الذي لا مناص منه بين أهداف الصهيونية ووجود الفلسطينيين , تم التغاضي عنه علنا , أو عتمه الصهاينة والقوة الاستعمارية ، إلا أن القادة الصهاينة أنفسهم لم يكونوا متحفظين في توضيح نواياهم نحو الفلسطينيين . فقد عمد الشاعر ناتان الترمان إلى تغليف الصراع بالمعاني التالي :

إن صراعنا مع الفلسطينيين ليس على اسم , بل على دولة , انه ليس صراعا على حقوق متساوية ، بل على حقنا في الحياة كأغلبية في مكان واحد من العالم . لقد تذكر زعيم حزب العمل الحالي شيمون بيريز، مؤخرا , مشاعر الترمان في كتابه عن مؤسسي الدولة فقال :

إن مسألة الحقوق الوطنية للفلسطينيين وملكية الأرض , كانت وستظل , ثانوية ، إذا لم تكن هامشية تماما بالنسبة للمطالب الصهيونية بدولة يهودية . وأن القول بأن الادعاءات اليهودية تتخذ أسبقية أدبية , وأن على الفلسطينيين أن يخضعوا مطالبهم لادعاءات اليهود , قد روج له صهاينة بارزين مثل صول بللو , الكاتب الروائي الحاصل على جائزة نوبل , والمؤرخة باربارا توكمان . وفكرة " التفضيل " هذه ، أو " المطالب الوطنية السامية " تتردد في كثير من الأدب الصهيوني . إن ضرورة الدولة اليهودية ومطالبها الأدبية السامية كانت هي الأسس التي بنيت عليها التصرفات الصهيونية التالية نحو الفلسطينيين . وهناك سياسات صهيونية محددة نحو الفلسطينيين تعكس الاتجاهات الأساسية الثلاثة داخل الحركة .

وحتى أخيرا جدا , سيطرت سياسة الليبراليين , ومعظم الصهاينة الغربيين , خاصة وايزمان وزعماء حزب العمل بن غوريون ومئير وبيريز , على الحركة وعلى الدولة اليهودية . واتخذ التيار الاشتراكي , الذي يقوده بوروشوف ويتحقق من الكيبوتس , اتجاهات مختلفة قليلا تجاه الشعب الفلسطيني وتجاه ملكية الأرض . ومنذ إنشاء دولة إسرائيل المستقلة , فقد التيار الاشتراكي الكثير من نفوذه السابق . وأخيرا ، دائما ما لعب المحافظون الذين يسمون بالمتشددين بزعامة جابوتينسكي وبيغن و شامير , دورا هاما في صياغة السياسات تجاه الفلسطينيين . ومنذ عام 1977 , أصبح المتشددون قوة رئيسية , إن لم تكن أساسية في تصرفات إسرائيل إزاء الفلسطينيين وأرض فلسطين . ولقد أستمر زعماء الصهيونية , كما استمرت مطبوعاتهم , في تحاشى مواجهة الجذور لتاريخية والأيديولوجية للصراع مع الفلسطينيين , عن طريق رفض جميع الزعماء الوطنيين الفلسطينيين واتباعهم , باعتبارهم " إرهابيين ".


ورغم أن مئير , مثل معظم الصهاينة , كانت تتحاشى عموما استخدام لفظة " فلسطينيين " , إلا أن اتجاهها نحوهم ظل بدون تغيير منذ قدومها إلى فلسطين عام 1921 وحتى وفاتها عام 1978. أن خصومها الفلسطينيون أو " العصابات " في العشرينات والثلاثينات أصبحوا " إرهابيين " في الستينات والسبعينات وهم بالنسبة للزعيمة الإسرائيلية , ينبغي محاربتهم وإزالتهم . والفلسطينيين عموما لا يوصفون بأنهم كيان منفصل وسط الكيان الأكبر , وهو العالم العربي , وإنما لا يمكن تمييزهم عن المجموع العربي , الذي تم نصوره أيضا كتهديد " إرهابي " لدولة إسرائيل . والأهم , أن تجاهل الكيان الوطني الفلسطيني والرفض المطلق لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها شبكة إرهابية غير شرعية , قد مكن إسرائيل عموما من تحاشي مواجهة القضية الأساسية , وهي حق الفلسطينيين في تقرير المصير . ومن جهة أخرى , من المذهل أن نلاحظ مدى الجهد والجدل الذي بذله الإسرائيليون نحو محو ما يسمى الكيان الفلسطيني الذي لا وجود له , في عرفهم .

ورغم أن كثيرا من الصهاينة فضلوا التقليل من المشكلة المحتملة التي يمثلها وجود أغلبية عربية فلسطينية في فلسطين , تنبأ الكاتب الصهيوني , أحاد هاعام , الذي سافر إلى فلسطين في عام 1891 ، بأنه ستكون هناك متاعب عندما هدد اليهود بأن يفوقوا الأغلبية العربية الفلسطينية عددا. وقد وجد هذا الاتجاه تأييدا بين البريطانيين وبعض الأمريكيين المتعاطفين . والواقع أن واحدة من أهم مساهمات وايزمان الكبيرة للحركة الصهيونية كانت قدرته على صياغة سياسات صهيونية تتناسق مع المصالح الاستعمارية البريطانية في المنطقة . الزعماء الإسرائيليون التالين كانوا على نفس الدرجة من السهولة في تقديم مصالحهم الوطنية باعتبارها تتطابق مع مصالح الولايات المتحدة . إعادة توطين الفلسطينيين في الدول العربية حيث

يستطيعون التحدث بنفس اللغة , اقترحها أيضا أبا ايبان وغولدا مئير. لكن حتى إعادة توطين أعداد كبيرة من العرب الفلسطينيين , وربما حتى أغلبيتهم , لا تستطيع أن تمحو الواقع وهو أن الدولة اليهودية ستظل تحوي عددا من الفلسطينيين , وأنها ستكون وسط الشرق الأوسط المسلم وغالبيته عرب . ولهذا واصل الصهاينة التحذير ضد امتصاصهم سواء من جانب الفلسطينيين أو من جانب العالم العربي. البعض حتى حث على التقسيم أو الانسحاب من بعض الأراضي حتى يقللوا من الاحتكاك المباشر مع الفلسطينيين وغيرهم من العرب .

بن غوريون ، مئير، موشي ديان وأبا ايبان ، كثيرا ما حذروا من " مشرقة " أو " تعريب " إسرائيل . وفى هذا المجال تعنى " المشرقة " أن تصبح جزءا من العالم العربي ولا تنطوي على امتصاصهم من جانب المنطقة الجغرافية فقط , بل والامتصاص اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا أيضا. بل إن بن غوريون كان يخشى لا فقط من الامتصاص في العالم العربي إنما أيضا من احتمال تأثر الصهاينة بالاحتكاك مع اليهود الشرقيين الذين تصورهم يحملون الكثير من مميزات باقي العالم العربي . ووضح أبا ايبان الموقف الصهيوني أكثر في كتابه " بلادي " . بعض الكتاب , وقد يئسوا من الصلح بين العرب وإسرائيل الصهيونية , استمدوا راحة زائفة من توقع أن تتزايد مشرقة " إسرائيل " حتى تفقد خصائصها التي تفصلها عن باقي الشرق الأوسط وتمتص بلا عائق في المنطقة الشرقية المحيطة بها . ليست هناك فرصة لحدوث هذا . ستظل " إسرائيل " غير عربية في حديثها وتفكيرها و عقليتها , وستظل علاقاتها اليهودية دائما أقوى من أي شي ء آخر . وعقب حرب عام 1967, أجاب موشي ديان بشكل أكثر تحديدا للعلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، عندما سئل عما إذا كانت إسرائيل ستستوعب العدد الكبير من العرب (أي الفلسطينيين ) الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي , فقال :

نستطيع ذلك اقتصاديا , لكنني أعتقد أن هذا لا يتطابق مع أهدافنا المستقبلية , فقد يحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية أو متعددة الجنسية عربية - يهودية ، ونحن نريد أن تكون لنا دولة يهودية . نستطيع استيعابهم , لكنها لن تكون نفس البلاد... نحن نريد دولة يهودية كما للفرنسيين . دولة فرنسية .

ثانيا : حدود الدولة الصهيونية .. الأراضي التي لا بد من اغتصابها

وبالنسبة للصهاينة , فان المصاعب التي يطرحها وجود الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين , وأخطار الاستيعاب المحتملة , كانت دائما وثيقة الصلة بمسألة الحدود . وباختصار , اختلف الصهاينة في السر وفي العلن , على مساحة الأراضي التي ينبغي أن تكون داخل حدود الدولة اليهودية . وكثيرا ما لوحظ أن قضية الأرض و الحدود وهي واحدة من أهم العناصر المفرقة بين الصهاينة الليبراليين والاشتراكيين والمتشددين .

فالجانب الليبرالي , متمثلا مرة أخرى في وايزمان ، لم يكن بالضرورة أقل طموحا من ناحية الأراضي، ولكنه اتجه إلى أن يكون أكثر مرونة فيما يختص بقيود الحدود. ونتيجة لهذا أدلى وايزمان بعدد من مختلف التصريحات العامة فيما يخص الحدود المشروعة للدولة اليهودية . وتكشف رسائله بأنه - مع باقي الحركة - يعتبر جنوب فلسطين والقدس أجزاء ثابتة من الدولة اليهودية . ورغم أنهم كانوا يرغبون في التخلي عن الأراضي في سبيل اعتبارات أخرى أو بسبب ضغط الولايات المتحدة , اعتبر بن غوريون وبيريز سيناء أيضا جزءا من الدولية اليهودية .

إن أحد أكثر بيانات وايزمان صراحة بخصوص حدود الدولة اليهودية , كان في رسالة كتبها عام 1918 إلى ليوبولد س . أمري , سكرتير لجنة التغييرات الإقليمية البريطانية حينئذ . ولان الرسالة تحوي بيانا كاملا للأهداف الإقليمية الصهيونية , من المفيد أن نوردها كاملة : ”... لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية والثقافية الكاملة في فلسطين , إلا إذا كانت الدولة اليهودية تعني فلسطين كاملة تمتد من دان إلى بئر سبع ومن البحر الأبيض إلى سكة حديد الحجاز . وبدون أن يشمل الوطن القومي لليهود سهول القمح الغنية في حوران وتلال الجليل المغطاة بالغابات ، ومراعي مؤاب ، فان حياة قومية يهودية كاملة لن تكون ممكنة , وسوف تعاني من ضغط ثلاثي من الشمال والشرق والجنوب ، الأمر الذي قد يضع حاجزا فعالا في نهاية الأمر لتوسع يهودي ضروري ومرغوب فيه . ولدي أيضا إيمان بأنه في المستقبل , لدى إعطائنا فلسطين كاملة وحرية ثقافية واقتصادية كاملة , فان يهود فلسطين الواقعين على رأس جسر يربط ثلاث قارات , قدر عليهم أن يكونوا عنصر تمدين للدول المحيطة بهم , وربما كانوا أداة الهام جديد للبشرية " .

وهكذا فإن دولة وايزمان المقترحة لا تشمل فقط كل فلسطين التاريخية , بل أيضا أجزاء كبيرة من لبنان المعاصر , وسورية , والأردن . وقد كرر أيضا الفكرة الصهيونية بأنهم سيجلبون المدنية - أي الغرب - إلى العالم العربي المحيط بهم . وفي هذه الرسالة يكشف وايزمان أن الأهداف الإقليمية للجناح الليبرالي للحركة الصهيونية ليست بعيدة جدا عن أهداف المتشددين . دولة وايزمان المقترحة تشبه بشكل يلفت النظر تلك الواردة في أغنية المتشددين الشعبية التي تقول :

" لنهر الأردن ضفتان .... واحدة لنا , وكذلك الثانية ". أما مواقف كل من الليبراليين والمتشددين من الأرض فهي وثيقة الصلة بأهداف الصهاينة الذين دافعوا عن مدارس الاشتراكية المختلفة . ورغم أنهم اعتنقوا الصهيونية من منظور إيديولوجي مختلف اختلافا جذريا , إلا أن لليبراليين والمتشددين آمال وطنية متشابهة , فكل منهما رفض شرعية الوطنية الفلسطينية .

ورغم أن هناك كثيرون آخرون , إلا أن بير بوروشوف اعتبر بشكل عام . زعيم المنادين بالاشتراكية الصهيونية . فقد عالج جزء كبير من كتاباته التوحيد بين الاشتراكية والصهيونية , وشرح في محاولاته كيف أن على اليهود أن يصلوا إلى حل لنضالهم الوطني (أي ينشئوا الدولة اليهودية ) قبل أن يلجئوا إلى " النضال الطبقي السليم " كما صاغه ماركس . ولقد رأى بوروشوف الصهيونية كحركة للجماهير اليهودية , وتصور أن إنشاء وطن اشتراكي يهودي سوف يعمل من خلال الممارسة على استبعاد الفلسطينيين . ومن المهم أن نؤكد أن تروتسكي , ولكسبورغور وادوادر برنشتين وسائر القادة الاشتراكيين الرئيسيين لم يقبلوا أبدا بوروشوف وغيره من الصهاينة الاشتراكيين , كجزء من الحركة الاشتراكية الدولية . لكن حلم بورشوف

بمجتمع يهودي اشتركي اجتذب أعدادا كبيرة من الشباب المثالي , معظمهم يجهل عموما الحقائق الجيوبوليتيكية والديموغرافية في فلسطين . وعندما أثبت بور وشوف أن حركة وطنية مثل الصهيونية يمكن أن تكون أيضا اشتراكية الأيديولوجية , الأمر الذي أرضى بعض الصهاينة على الأقل , شرع يصف أين ينبغي إنشاء الدولة اليهودية . وفي هذه النقطة كان فظا وذرائعيا , فقد كتب يقول : أرض الهجرة اليهودية التلقائية المركزة ستكون فلسطين . . ونحن لا ندعي أن فلسطين هي الأرض الوحيدة أو الأفضل , وإنما نحن نشير فقط إلى أن فلسطين هي الأرض التي يمكن فيها الحصول على السيادة الإقليمية . فلسطيننا ليست نظرية أو عملية , بل بالأحرى نبوءة .

كان بوروشوف من أكبر المؤيدين لحاجة الصهاينة إلى " خلق حقائق والمزيد من الحقائق - تكون حجر الزاوية للاشتراكية السياسية " . وآمن بوروشوف أنه من السهل على الصهاينة أن يخلقوا حقيقة الوطن القومي لليهود في فلسطين لان الأرض في اعتقاده كانت قليلة السكان . وأهم من ذلك , أنه جادل بأن السكان الفلسطينيين ليست لهم ثقافة طبيعية خاصة بهم ، وليسوا شعبا ، ومن ثم سوف يتبنون " المميزات الاقتصادية والثقافية لليهود القادمين " .

ووصف بور وشوف الوطنية بأنها شعور بالقرابة تضرب جذوره في الماضي المشترك وفى وسائل الإنتاج العامة . ومن الواضح أن كل هذه العوامل تحققت في السكان الفلسطينيين . لكن بروشوف ، وهو يجادل من واقع تفسير محدد في المنطق الماركسي . أصر على أن الوطنية يمكن أن تكون نتاج المجتمع البورجوازي فقط , لا المجتمع الإقطاعي مثل ذلك الموجود عموما في فلسطين . ومما يدعو للسخرية أن وايزمان , الذي لا يمكن أن يعد من معتنقي الأيديولوجية الماركسية ، وصل إلى كثير من النتائج نفسها ، ملاحظا أن : الوضع الراهن للأمور سيؤدي بالضرورة إلى خلق فلسطين عربية , إذا كان هناك شعب عربي في فلسطين . والواقع أنه لا ينبغي الوصول إلى هذه النتيجة لان الفلاح متخلف عن : زمانه بما لا يقل عن أربعة قرون .

ومثل الصهاينة الآخرين ، رفض بور وشوف وجود كيان وطني فلسطيني ، ولكنه أنكر أية رغبة في طرد الفلسطينيين من الأرض . وقدر أن فلسطين تستطيع أن تستوعب نحو 9 ملاين فرد , وأن الأرض من كبر المساحة بحيث تضمن زراعة اليهود لها . ورغم ادعاءات بور وشوف بعكس ذلك , فان الحركة الاشتراكية الصهيونية خاصة طلبت أن يكون لليهود البروليتاريا الخاصة بهم من خلال زراعة الأرض بأنفسهم دون الاستعانة بالعمالة العربية . ولان الحركة الصهيونية قد تأسست على رفض الاستيعاب _ سواء في أوروبا أو في أي مكان آخر - فان ذلك قلل من الأساس المنطقي لبور وشوف فيما يختص بالعلاقات بن العرب الفلسطينيين واليهود . ثم أن بور وشوف لم يتوسع في معالجة التناقض الرئيس ألا وهو كيف يستطيع الصهاينة خلق دولة يهودية ديموقراطية على أساس حق تقرير المصير في منطقة تحتوي على عدد كبير مسيطر من السكان غير اليهود .

وفي هذا الصدد , كان الاتجاه المتشدد أكثر فاشية ودوغماتية . فبالتزامهم باعتقاد لا يتزعزع في الوعد الكتابي بأن " الله منح أرض إسرائيل لليهود " ، يطالب المتشددون بفلسطين كلها , ويرفضون بشدة أي محاولات للتقسيم . ومع اعترافهم بوضع الأقلية الذي لليهود في فلسطين ، فانهم ، مثل الليبراليين , عارضوا مبدئيا عمل إحصاء أو تمثيل على أساس عدد السكان . وكان فلاديمير جابوتينسكي, وبعد وفاته مناحيم بغين واسحق شامير , المؤيدين الرئيسيين للسياسات المتشددة تجاه فلسطين والفلسطينيين .

بيانات جابوتينسكي فيما يختص بالفلسطينيين كانت أحيانا متناقضة . فقد أشار إلى أن الصهاينة يريدون " الحصول على الأغلبية , لا طرد الأقلية " . كما ادعى أنه متى تم إنشاء الدولة اليهودية , فان المسيحيين والمسلمين سيكونون راضين . لكن , وقت صدور هذه البيانات كان معظم سكان فلسطين مسلمين ومسيحيين . وكان جابوتيسكي أيضا يعي أنه حتى مع تكثيف الهجرة اليهودية , سيكون من الصعب قيام أغلبية يهودية إذا استمر الفلسطينيون في الزيادة بمعدل مواليدهم الطبيعي. ونتيجة لهذا , عارض إنشاء دولة عربية - يهودية , وأعرب عن عطفه على هجرة السكان الفلسطينيين " التلقائية والمنظمة إلى إحدى الدول العربية " .

واقترح المحسن الأمريكي إدوارد نورمان نقلهم إلى العراق ، وأبدى الكاتب الصهيوني البارز , إسرائيل زانغويل ، الاقتراح المذهل بأن يكون نقل الفلسطينيين على نفسر الخطوط التي أعدها موسوليني وهتلر لنقل السكان الألمان خارج التيرول . وكان جابوتينسكي يعي جيدا أن " قيام أغلبية يهودية في فلسطين ينبغي تحقيقه ضد رغبة الأغلبية العربية الحالية في البلاد " . لكنه ، كما وضح في شهادته أمام اللجنة الملكية لفلسطين عام 1973 , اعتبر أن للمطالب اليهودية الأولوية الكاملة على غيرها . ومن حيث الممارسة , فان معنى ذلك أن يستخدم المتشددون أية وسيلة ضرورية سواء لزيادة عدد اليهود في فلسطين , أو لخفض وتحيد المعارضة الفلسطينية وعدد العرب الفلسطينيين في البلاد .

وبالنسبة لجابوتينسكي والحركة المتشددة ، فان معنى هذا هو إنشاء " جدار حديدي " تستطيع القوات اليهودية المسلحة خلفه أن تحمي عملية خلق أغلبية يهودية وتضمنها . ومتى تم إنشاء الدولة اليهودية , فان على الفلسطينيين العرب إما مغادرة البلاد أو قبول الوضع القائم الجديد تحت السيطرة اليهودية . والواقع أن هذا الموقف أدخل الحركة في دائرة كاملة . اختلف المتشددون والليبراليون , بمرارة أحيانا , على العلاقات مع البريطانيين واستخدام تكتيك معين , لكن اتجاهاتهم نحو الفلسطينيين كانت متكاملة .

وهكذا فانه لا غرابة في أنه منذ إنشاء إسرائيل عام 1948 , لم يختلف حزب العمل , خلفاء التقاليد الليبرالية ، والليكود , حملة لواء التشدد، اختلافا حقيقيا في سياساتهما نحو الفلسطينيين وملكية الأرض . قد يكون هناك بعض التباين في الأسلوب والتكتيك , لكن الموقف تجاه الفلسطينيين كان متماثلا .
وقد مكنت حرب 1948 , وطرد الفلسطينيين من البلاد على نطاق ضخم , الصهاينة من الحصول على الأغلبية اليهودية التي لم يتمكنوا من الحصول عليها قبل ذلك . ومن الناحية العلنية , أنكر حزب العمل مسئوليته عن طرد الفلسطينيين على هذا النطاق الضخم . ولم يكن المتشددون بهذا الإحجام عن الاعتراف بترحيبهم بتهجير الفلسطينيين وأثرها في تسهيل قيام دولة إسرائيل . وكما سبقت الملاحظة , فان رفض زعماء حزب العمل ( بن غوريون ، مئير، رابين ، بيريز ) الاعتراف بوجود كيان وطني عربي فلسطيني,مكنهم من التبرير, وتحاشي أي تفاوض على حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير .

هذا بالإضافة إلى مبادرة دولة إسرائيل إلى شن سلسلة من التشريعات لضمان السيطرة وملكية الأراضي الفلسطينية . وتوفر هذه التشريعات التبرير القانوني للاستيلاء الإسرائيلي عليها. لقد موَه الإسرائيليون عموما على قضية ملكية الأرض . والمطبوعات الإسرائيلية التي تناولت الموضوع كثيرا ما رددت الأساطير القديمة عن الأرض الفارغة أو أشارت إلى " القرى العربية المهجورة " .

ورغم عمليات تهجيرهم الضخمة , لا يزال الفلسطينيون يشكلون أكثر من 14 بالمئه من سكان فلسطين !لمحتلة بعد عام 1948 . هؤلاء " العرب الإسرائيليون " , كما سموهم , أخضعوا لنظام صارم من السيطرة يشمل الاحتواء , والتبعية الاقتصادية , والتفتت أو العزلة . لنظم السيطرة هذه ويمكن أن تكون برنامج عمل للتكتيك الإسرائيلي الذي طبق على السكان الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة .

ثالثا : القضية الفلسطينية .. التحدي والاستجابة

إن الانتصار في حرب 1967 , واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء ومرتفعات الجولان أديا إلى زيادة من أعداد الفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الاحتلال الإسرائيلي زيادة كبيرة . ومن المعروف بشكل عام , أن إسرائيل بدأت تتحرك فقط نحو ضم الضفة الغربية بعد الانتصار السياسي لحزب ليكود عام 1977 . والواقع أن قليلا من زعماء إسرائيل لم يذعنوا أبد للمطالب الصهيونية حول ضفتي نهر الأردن . وقبل الانتصار السياسي لليكود بوقت طويل , كانت المطبوعات الإسرائيلية تشير باستمرار إلى " يهودا والسامرة " وبررت بشكل منتظم الاستيطان الإسرائيلي في تلك الأراضي . وبعد عام 1967 ، فرض الكيان الفلسطيني على الوعي الصهيوني الجماعي . إن ظهور منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرير وطنية فعالة , قد اضطر إسرائيل إلى المواجهة المادية والأيديولوجية لواقع الوطنية الفلسطينية . وقد كانت هذه العملية , كما استمرت , عملية مؤلمة ومعذبة .

وقد استمر كثير من الصهاينة في التشبث بالنظريات القديمة , التي تنطلق من أنه إما أن الفلسطينيين غير موجودين ككيان وطني منفصل , و إما أنهم أدنى منزلة من كل الوجوه . وقد عززت هذه الاتجاهات في المواد التعليمية والثقافية الإسرائيلية . والواقع أن عدة أجيال قد تم تكييفها للأيمان بهذه الأساطير . ولقد ترددت الأساطير بالنسبة لكثير من الإسرائيليين والمتعاطفين مع الصهيونية بكثرة بحيث لبست ثوب الحقيقة . وتزايدت صعوبة مواجهة , ناهيك عن إسقاط , الاتجاهات التي تكونت من خلال الأيمان بهذه الأساطير. ومن المهم أن نلاحظ من الناحية التاريخية , أن الصهاينة قد وجدوا في هذا الاتجاه وسيلة مناسبة وفعالة في كسب وإبقاء التأييد الغربي لمواقفهم .

ولمقاومة المكاسب الديبلوماسية الكبيرة التي حصلت عليها منظمة التحرير الفلسطينية خلال السبعينات , استمر الصهاينة في الحملات الإعلامية لتشويه سمعة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها مجموعة من >> الإرهابيين دعم وجود>> الفلسطينيين . ولا غرابة إذن في ترحيب سلول بيللو وبارباره توكمان بمؤلف جوان بيترز >>منذ الأزل كاخ غوش أمونيم يهودا والسامرة إسرائيل يهودا والسامرة كل ما يمكن أن يفعله العرب في هذا الصدد هو أن يهرولوا مسرعين هنا وهناك مثل الصراصير المخدرة في أرض إسرائيل غوش أمونيم العرب الإسرائيليين لدى الديمقراطيين , وليس لدى الصهيونيين ظارهة ضارة إسرائيل الكبرىالعملية العضوية إسرائيل أمرا واقعاإسرائيل حقائق جديدة إسرائيل البديل الأردني.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /27-08-2011, 03:51 PM   #14

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الهيكل فقد مكانته على يد اليهود قبل غيرهم


الهيكل فقد مكانته على يد اليهود قبل غيرهم

مصطفى قاعود: في التاسع من شهر آب (أغسطس) أحيا اليهود في القدس ما يعرف عندهم بذكرى خراب الهيكل، واللافت في إحياء هذه الذكرى أنه تم إسقاطها على الواقع السياسي الراهن، عبر ربطها بحركة الاحتجاج الاجتماعي التي تجتاح إسرائيل. ففي تقرير بثته قناة الكنيست جاء أن المعتصمين في مخيم الاحتجاج في القدس سيقرأون «سفر إيخا» احتجاجاً على غلاء العيش والسكن، وسيجرون مناقشة طويلة لموضوع العدالة الاجتماعية، قائلين ان ليس هناك موعد أكثر ملاءمة في التقويم العبري من أجل معالجة هذه القضايا. هذا لأن المملكة اليهودية والهيكل خربا جراء حال الغربة الاجتماعية والفجوات الاجتماعية والكراهية العبثية ولأن اليهود لم يعتنوا كفاية بالمقيم والمتهود والأرملة واليتيم، وكانت نتيجة ذلك النفي والخراب، وفي ذلك استباق للدعوات إلى تقليص امتيازات المؤسسة الدينية التي يرى البعض أن امتيازاتها أحد أسباب الأزمة، وبما أن المؤسسة الدينية روجت لفكرة أن قيام إسرائيل هو بمثابة قيام الهيكل الثالث، ها هي تسقط موضوع الهيكل على الواقع الراهن، وبحسب بن غوريون «لا معنى لإسرائيل من دون القدس ولا معنى للقدس إلا بالهيكل، وبناء الهيكل هو أساس أول بالنسبة الى الصهيونية».

فما هي قصة الهيكل، وما موقف علم الآثار والتاريخ منها، وما هي مكانته بالنسبة الى الجماعات اليهودية القديمة، وكيف يتم التعامل مع قضية الهيكل في إطار الإسقاطات السياسية ضمن المشروع الصهيوني؟

والمعضلة الأساس في التعاطي مع موضوعة الهيكل بالنسبة الى الفكر الصهيوني، أنه لا يستطيع حل التناقض في الروايات الدينية اليهودية من جهة وبينها وبين علمي التاريخ والآثار من جهة أخرى، فكل ما في حوزتهم هو التزوير والتحوير والتسليم بالأساطير، إذ لم يثبت لا في علم الآثار والمكتشفات الأثرية ولا في علم التاريخ أن مكان الهيكل هو في مكان المسجد الأقصى كما يدعون، وللادعاءات التي يسوقونها ردود سوف أتوقف عندها في إطار الحديث عن التاريخ، أما ما يتعلق بعلم الآثار فإن جميع الحفريات الأثرية التي تم تنفيذها والتي بدأت منذ عام 1863، وأكملت إسرائيل منها حوالى 55 حفرية، كلها وبعدما تمت دراستها وعجزت في الوصول إلى إي دليل يثبت صحة الادعاء حول المكان، ومن أولى هذه الحفريات تلك التي أشرف عليها الكابتن تشارلز مرين البريطاني، وتلاه فنس، وجاء بعدهما العالم الأماني كونرد تشيك، وهؤلاء نسجوا أكاذيب من دون تقديم إثبات ملموس عن اكتشافهم حجارة وأسواراً تتصل بالهيكل، إلا أنه جاء بعدهم خمسة علماء من اليهود وليس العرب، وهم جدعون أفين، روني رايخ، ياثير زاكوبتش، إسرائيل فنكلشتين، وطوبيه سادوم، وجميعهم قالوا انهم لم يجدوا أي حجر أو أثر يمت للهيكل بصلة، ولم يكن الهيكل مبنياً في هذه المنطقة، وجل ما تم اكتشافه وأعلنه ياثير زاكوبتش هو العثور على أثار يبوسية في سلوان التي هي مدينة اليبوسيين منذ خمسة آلاف سنة، وقال إن هناك حضارة إنسانية يبوسية تستحق أن ننحني لها بإجلال وإكبار.

هذا في ما يخص علم الآثار. أما في الروايات الدينية اليهودية فثمة نصوص توراتية متناقضة، ففي نص جاء فيه: «قال الرب لموسى إذا أردت أن تبني لي معبداً فلا تبنيه من الحجارة، لأنك إن رفعت إزميلك عليها تدنسها»، وفي نص آخر قال الرب لداود «أنت لن تبني الهيكل، سيبنيه بعدك أبنك سليمان، فحضر داود خشب الأرز من صيدا وصور، بكميات كبيرة» وهناك نص ثالث يقول: «عندما جاء سليمان بنى الهيكل من خشب السرو وأحاطه بسلاسل حجرية غير مهذبة، أي لم يستعمل فيها آلة حديد كما أشار الرب على موسى (عليه السلام)، ولو سلمنا جدلاً بالرواية التي تقول إن الهيكل تم بناؤه في القدس، فليس هناك على الإطلاق ما يثبت أنه بني في مكان المسجد الأقصى، هذا أولاً، وثانياً وهذا الأهم وبالعودة إلى التواريخ، فبعدما بنى سليمان الهيكل المركزي في القدس انقسمت مملكته بين مملكة الشمال ومملكة الجنوب، وما جرى من أحداث بعد هذا الانقسام يثبت أن الهيكل لم يرتبط بقداسة المكان بقدر ما ارتبط بشرعية السلطة أي سلطة الممالك التي كانت قبل داود والتي قامت بعد سليمان، وهذه الوقائع التاريخية تثبت في شكل لا لبس فيه أن اليهود هم من هدم الهيكل كمكانة وقيمة ذات قدسية مكانية كما يدعون، قبل أن يهدمه نبوخذنصر كمكان، وهنا وبالوقائع التاريخية التي لا يستطيع اليهود إنكارها، وفي بداية عبادة العبرانيين كانوا يحملون في تجوالهم تابوت العهد، ومع استقرارهم في أرض كنعان على شكل قبائل مبعثرة، كانوا يقدمون الضحايا والقرابين والهبات للرب في هيكل محلي أو مذبح متواضع مبني على تل عال يسمى المذبح أو المحرقة، وكان هذا الوضع تعبيراً عن استقلالية القبائل وعلاقتها الفيديرالية، ومع ذلك كان تابوت العهد يعد مركز العبادة، وأي من مراكز العبادة هذه لم يفلح في أن يصبح مركزاً دينياً لكل القبائل العبرانية المتناثرة بين المدن الكنعانية، ولم تركز السلطة بيد الملوك، تركزت فقط العبادة القربانية في مكان واحد هو القدس، التي لم تكن تابعة لأي من القبائل، وكانت القدس آخر المدن الكنعانية التي تم الاستيلاء عليها من قبل العبرانيين، وتاريخ بناء الهيكل هو تاريخ تحول العبادة الإسرائيلية من القبلية المتجولة إلى القربانية المركزية، وتقول الرواية التوراتية أن داود اشترى أرضاً من أرونا اليبوسي ليبني فيها هيكلاً مركزياً، ولكنه لم يبنه بنفسه وتبرر التوراة ذلك «بأن الرب منعه بسبب وقوعه في خطأ قتل أوريا الحيثي»، فبناه سليمان، في الفترة «960/953 ق.م» وسمي بالهيكل الأول أو هيكل سليمان، وبحسب التصور اليهودي فإن سليمان بناه فوق جبل موريا، وهو جبل بيت المقدس أو هضبة الحرم التي يوجد فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ويقال له بالعبرية «هار هبايت» أي جبل البيت أو بيت الإله، وكان العبرانيون القدامى يجهلون أصول وفنون الهندسة و*******، نظراً الى حياتهم البدوية كرعاة، لذا استجلب سليمان المهندسين والبنائين من صيدا وصور، وثمة إشارة في العهد القديم وفي الأساطير الدينية اليهودية إلى عدم استخدام أية أدوات حديدية في قطع الحجارة، ونأتي إلى النقطة الحاسمة وهي أن هيكل سليمان فقد مكانته وأهميته عند الإسرائيليين قبل أن يهدمه نبوخذنصر البابلي بحوالى 342 سنة، إذ هدمه عام 586 ق.م، إلا أنه وقبل ذلك وفي عام 928 ق.م انقسمت مملكة سليمان بين مملكتين صغيرتين، فشيد ملوك المملكة الشمالية مراكز مستقلة للعبادة، فبنى يربعام هيكلين أحدهما في دان بالشمال، والأخر في بيت إيل وجعل فيهما عجولاً ذهبية، وقد أحاط المعبدين بهالة من القداسة حتى يضرب العبادة المركزية، ويحول دون ذهاب مواطني مملكته إلى هيكل سليمان في القدس، وعلى رغم التحالفات التي كانت تعقد بين ملوك الشمال والجنوب فإن هيكل سليمان لم يستعد قط مركزيته القديمة وظل مهجوراً من قبل اليهود، والسبب طبعاً أن الهيكل لم يكن تعبيراً عن القداسة بقدر ما كان رمزاً للشرعية وجني الأموال لخزينة المملكة، حيث كان تركيز العبادة القربانية تركيزاً لموارد الدولة أيضاً، وكانت القرابين من أهم الموارد إلى جانب الضرائب وجزية الرؤوس التي فرضها سليمان، وهي نصف شيكل كل عام «وهو الشيكل المقدس»، لهذا لم يسمح بتقديم أية قرابين خارج الهيكل بعد تأسيسه، وكان شأنه شأن الكثير من الهياكل في الشرق الأدنى القديم، مصرفاً يضع فيه الأثرياء أموالهم ويرسلون النذور والقرابين، كما كانت تحفظ فيه رموز الدولة وطنافسها، وقد استمر هذا الوضع مع هيكل هيرودس الثاني الذي بني «27 ق.م – 4م» ، والذي أشار إليه يهودا مينوحين بأنه الهيكل/السوق، حيث كان يوجد الباعة وتجار الماشية والصيارفة، وكان هذا سر غضب السيد المسيح عند زيارته الهيكل.

ولما كان الهيكل هو الخزانة القومية أو المصرف القومي للدولة العبرانية والممالك المنبثقة منها، فإننا نجد أن القوات الغازية كانت تحاول نهبه أثناء الحروب كجزء من الحرب الاقتصادية وكجزء من محاولة ضرب الشرعية السياسية، أما مصطلح الهيكل الثالث فهو مصطلح ديني يهودي يشير إلى عودة اليهود بقيادة الماشيح إلى صهيون لإعادة بناء الهيكل الثالث إذ ان الهيكل الأول هو هيكل سليمان الذي هدمه نبوخذنصر، والثاني هو هيكل هيرودس الذي هدمه تيتوس، والثالث هو الذي سيبنى في العصر المشيحاني وبالتالي فهو مرتبط بالرؤى الأخروية لا بالتاريخ، ومع هذا أسقط الصهاينة هذه الرؤية على الواقع السياسي، وجعلوا من الاستيطان الصهيوني هو العودة المشيحانية، وبالتالي فإن الدولة الصهيونية بنظرهم هي الهيكل الثالث، ولذا تستحضر الصهيونية كل إرث أسطوري وديني وتسقطه على مشروعها السياسي، وليس فقط الهيكل بل حتى النظر إلى القرابين، إذ كان يتعين على كل يهودي أن يحج ثلاث مرات في العام إلى الهيكل، في عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال، ولذا فإن هذه الأعياد تسمى أعياد الج، وجاء في العهد القديم «أن لا يحضروا أعياد الإله فارغين» لذلك كان اليهود يقدمون في حجهم قرباناً مشوياً للهيكل، الشواء يقابلها في العبرية «شواه» وفي اليونانية كلمة «هولوكست» وليس من قبيل الصدفة إسقاط مصطلح الهولوكست على ما يسمى بالمحرقة النازية، وتوظيفها في خدمة المشروع الصهيوني، واستخدامها لحض اليهود للهجرة إلى فلسطين.

ومما تقدم نستخلص ما يلي:

الهيكل إن صحت الأسطورة وقد ثبت عدم صحتها، فقد مكانته القدسية المتعلقة بالمكان على يد اليهود أنفسهم، وقبل أن يهدمه نبوخذنصر، فهو لم يكن رمزاً للقداسة بقدر ما كان رمزاً للشرعية السياسية والمالية، أما الحديث عن القداسة ففيه عامل تجنيد لليهود لمصلحة المشروع الصهيوني.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /29-08-2011, 02:26 PM   #15

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 7

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي اليهودية – الصهيونية في روسيا

اليهودية – الصهيونية في روسيا

ميثم الجنابي

ظهرت "المسألة اليهودية" في روسيا مع أول ظهور اقتصادي لليهود، بعد أن أقامت روسيا في بداية تكونها كدولة وازدهارها في القرن الحادي عشر. حيث أخذت بتوسيع علاقاتها التجارية ببيزنطة، التي اشترك اليهود في بعض معاملاتها التجارية. حينذاك ظهرت أولى التجمعات اليهودية في العاصمة كييف. وفي نفس القرن سجلت أولى الهجمات الشعبية على اليهود، التي حدثت في عام 1069. الا ان وجودهم التاريخي في روسيا بالمعنى السياسي والاجتماعي والقومي قد اخذ بالبروز ومنذ نهاية القرن الثامن عشرا. ومع صعود الكسندر الأول إلى سدة الحكم وما تميز به من سلوك "ليبرالي" بما في ذلك سماحه للحركات الماسونية بالعمل رسميا عام 1804. وقبل ذلك بعام بدأ بإجراء بعض الإصلاحات بتحسين حال اليهود في روسيا، إذ سمح لهم في عام 1804 بالتعلم والدراسة. واستمرت فاعلية هذه الإصلاحات والقوانين حتى عام 1887، عندما صدر قرار قيصري بإدخال ما يسمى "بقانون النسبة" في قبول مختلف الأقوام والشعوب للدراسة في المدارس والجامعات بما يتناسب مع عدد السكان. وهو قرار حاول إصلاح الحيف الذي اخذ يلحق بالروس وغيرهم من شعوب روسيا الأصليين فيما يتعلق بدخولهم المدارس والجامعات. فقد كان الأغلبية الروسية من أصول فلاحية، لا تمتلك القدرة المالية والاجتماعية (بسبب نظام القنانة) على إرسال أبنائها للدراسة. على عكس اليهود القلة، ولكن المتمكنين ماديا بفعل مزاولتهم التجارة. فقد بلغت نسبة الدارسين من بين اليهود حتى عام 1887 حوالي 10% ضمن "نطاق الإقامة" و5% خارج "نطاق الإقامة" وحوالي 3% في مدينتي بطرسبورغ وموسكو.

***
وفي الاطار العام يمكن القول بان "المسألة اليهودية" في روسيا قد تبلورت تدريجيا عبر مرورها وتأثرها بعوامل عديدة ارتبط اغلبها بمساعي وخصوصية القيصرية الروسية ومساعيها الإمبراطورية للتوسع الخارجي الذي لم "يكتمل" في الواقع حتى عند بدء الحرب الإمبريالية الأولى عام 1914. بهذا المعنى كانت "المسالة اليهودية" في روسيا جزءا ونتاجا لسياسة التوسع الكولونيالية. فقد كانت روسيا القيصرية قبل احتلال بولندة لا تحتوي إلا على عدد قليل من اليهود. وبعد ضم الأجزاء الشرقية منها على اثر مقررات مؤتمر فينا عام 1815، اصبح اليهود بين ليلة وضحاها يشكلون عددا لا يستهان به في الإمبراطورية الروسية من جهة، ونسبة لا يستهان بها فيما سيحتلونه لاحقا ضمن منطقة "نطاق الإقامة" من جهة أخرى، أي في المناطق الغربية – الجنوبية التي تداخلت فيها الكثير من المناطق المهمة والمدن الكبرى لكل من أوكرانيا وبيلوروسيا ومنطقة البلطيق وبالأخص ليتوانيا. وبهذا تكون روسيا قد واجهت للمرة الأولى، وان بصورة كامنة ما كان يحذر منه أمراء روسيا القدماء وما حاول ايفان الرهيب وضع حد له قبل قرنين من احتلال بولندة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تعقيدات ومآسي التاريخ البولندي، وبالأخص ما يتعلق منه بالمحاولات العديدة لبناء إمبراطورية فاشلة، أو توحيد أراضيها على أسس القومية البولندية، ثم تجزئتها بين مثلث الإمبراطوريات الروسية والألمانية والنمساوية – الهنغارية، ستتضح عقدة الخيوط القومية والاجتماعية المتهرئة التي حاولت روسيا استعمالها في مغزلها الجديد. والقضية هنا ليست فقط في أن روسيا لم تهضم حتى زمن احتلالها للأراضي البولندية أراضيها الشاسعة التي بلغت حينذاك حوالي تسعة أعشار مساحة العالم، بقومياتها وشعوبها وأديانها وثقافاتها المتنوعة، بل ولأن لبولندة القرن التاسع عشر مذاقها أو بصورة أدق مرارتها الخاصة.

فقد جرى ضم بولندة للدولة الروسية في وقت تميز فيه الروح القومي الروسي بصعوده الكبير بعد طرد القوات الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1812. ثم دحره عام 1814. وعندما جرى تقسيم بولندة بين المثلث القاري الأوربي، فان روسيا شكلت ضلعه الأكبر. ودخلت الدولة الروسية بدون إرادة منها الأراضي المتاخمة لحدودها التي كانت مسكونة بأغلبية يهودية. وبذلك تكون روسيا قد جمعت بعد انتصاراتها الكبيرة في الغرب على أراض احتوت أساسا على شتات اليهود وتقاليد الغيتو.

ان انتقال اليهود من بولندة إلى روسيا يعني من الناحية الرمزية، انتقال أحد أسباب الخراب والدمار إلى روسيا. فتقاليد الربا و"دولة داخل دولة"، أي الطفيلية والانغلاق بوصفهما الوجهين الملازمين للشتات والغيتو جرى نقلهما إلى "نطاق الإقامة" الروسية. ولم يعق "نطاق الإقامة" ولا المضايقات الجزئية التي قامت بها السلطات الروسية في سنوات معدودة من القرن التاسع عشر، على تزايد عدد اليهود. فقد ازداد عددهم في مجرى قرن من الزمن حوالي خمس مرات، حيث بلغ عام 1915(بعد قرن على إلحاق بولندة بروسيا عام 1815) حوالي خمسة 5،5 مليون فرد. وهي اكبر نسبة للزيادة بين سكان القيصرية الروسية آنذاك. وبهذا تكون روسيا قد احتوت عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين على اكبر تجمع يهودي في أوربا.

بهذا تكون روسيا قد احتلت الموقع الأول بين الدول الأوربية بالنسبة لعدد اليهود، ومن ثم الميدان الأكبر لإمكانية تأثيرهم السياسي. وقد جعل ذلك من روسيا مركزا للحياة اليهودية بمختلف أنواعها (الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية)، كما جعل من اليهود قوة كامنة تفجرت بعد الانقلاب البلشفي عام 1917، بحيث تحولت إلى قوة سائدة ومالكة، بعد أن كانوا قوما لا قيمة لهم ولا أثر بالنسبة لإبداع وحقائق التاريخ الروسي. وترتب على ذلك إمكانية فرضهم لنمط تفكيرهم وحياتهم عبر تفريغ شحنة الثأر التاريخي "بدون سرقة الأموال" و"كسب الغنائم" كما فعلوها مرة في أهل فارس بعد توصيلهم استير إلى سدة الحكم. وقد كانت استير"هم" هذه المرة في روسيا تتحول تدريجيا في مجرى القرن التاسع عشر من امرأة تباع إلى سيدة تحكم. وهي حالة سبق وان وصفها دوستويفسكي بعبارة إن كل واحد من اليهود هو يشوع بن نون ومردخاي واستير، أي في كل واحد منهم توجد عناصر الانتقام الدموي والمؤامرة والإغواء. وشارك اغلب كتاب روسيا وأدباءها ومؤرخيها العظام هذا التصور وأحكامه الدفينة. لهذا نرى كوبرين يقول، بان اليهود قد حولوا شبه جزيرة القرم إلى مقحبة، والتهموا بولندة، وخربوا فنلندة وأقاموا مذابح في الشرق الأقصى. وان سلوكهم في كل مكان حلوا فيه مثل سلوك الحلاق الذي يبول في زاوية المحل الذي هو مكان رزقه، لأنه سوف يرحل عنه غدا. وذلك لان اليهود رحل لا علاقة لهم بالمكان الذي يقومون فيه، كما انهم كارهون حتى النخاع لكل ما هو روسي.

***
لم تكن هذه الانطباعات الوجدانية لعظماء الأدب الروسي وليدة الصدفة أو وليدة مواقف شخصية أو نزوات عابرة بقدر ما أنها كانت الرحيق الأدبي لحدس الإفراز الواقعي لماهية اليهودية واليهود في روسيا. أي أنها كانت نتاج "انكسار" تقاليد الشتات والغيتو اليهودية في التاريخ الروسي بعد دخولهم فيه بأثر "الغنيمة البولندية". وقد جعل ذلك بعض المؤرخين الروس يقولون، بان ابتلاع بولندة أدى إلى إدخال ديدانها في أمعاء الإمبراطورية الروسية، والتي قضت عليها في وقت لاحق. وفيما لو نحينا جانبا هذه المقارنة، فان "ديدان" اليهودية أو طفيليتها التاريخية قد تجسدت بأرذل صورها في المصير التاريخي للدولة الروسية وتراثها القومي.

كما تشير جميع الدراسات الروسية المتعلقة بتاريخ اليهود في روسيا، إلى ترسخ سيطرة اليهود على امتداد القرن التاسع عشر في ميادين بيع المشروبات الكحولية والبيرة والحانات والسجائر، بحيث جعلوها في "نطاق الإقامة" حكرا لهم. وأدى ذلك تدريجيا إلى أن تتكون حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شريحة من أصحاب الملايين تعد بالمئات من بين اليهود.

ومنهم تكونت عائلات مالية مشهورة قبل الثورة. أما في ميدان التعليم فقد أحرز اليهود في مجرى القرن التاسع عشر نجاحا كبيرا. إذ استطاعوا التخفيف من انتشار الأمية والجهل والتخلف المنتشر بينهم. فقبل دخولهم الدولة الروسية لم توجد عندهم سوى المدارس الدينية التي لم تتعد معلوماتها تلقين الصغار بعض تعاليم اليهودية (التوراتية – التلمودية). أما اللغة الدارجة بينهم فهي الايدش. ورافق توسع إمكانياتهم المالية وازدياد المتعلمين بينهم من بين الأغنياء خصوصا إلى الانهماك في معاهد الاقتصاد والمالية والتجارة والحقوق والطب. وتشير الإحصائيات إلى أن اليهود يشكلون ثلث طلبة الحقوق والطب في جامعة خاركوف وجامعة نوفوراسيسك (أوديسا). والشيء نفسه يمكن قوله عن الصحافة ودور النشر.

أدرك اليهود أن امتلاك الصحافة يؤثر لدرجة كبيرة، بحيث يجعل من التخطيط السياسي المستتر أمرا معقولا ومقبولا بما في ذلك في اشد نماذجه همجية. فقد صرفت المنظمات اليهودية أموالا طائلة في قضية دريفوس، بما في ذلك تأسيس الجرائد الخاصة بها، والتي تلاشت مع انتهاء القضية لصالحهم. وشكلت قضية دريفوس الدرس البليغ الأول بما في ذلك في مجال "تجربة" شراء ذمم الكتاب والصحفيين والأدباء وزجهم في "الدفاع" المتحمس عن "القانون" و"العدالة" و"الإنسانية" ومعارضة "العداء للسامية" وما شابه ذلك من الشعارات. بينما كانت الأهداف النهائية مغايرة تماما. بمعنى الاستعمال الجزئي للشعارات الجيدة من خلال مطابقتها مع المصالح اليهودية.

أما في روسيا فقد تحولت الصحافة إلى الوسيلة الأكثر فعالية بالنسبة لنشاطهم السياسي، والأسلوب الأمثل للاندماج الصعب في الحياة الروسية، بحيث تحولت أحيانا إلى أسلوب للابتزاز ضد المعارضة والمؤيدين على السواء. ويشير كثير من المؤرخين إلى أن طغيان اليهود في الصحافة أدى إلى إفراغها من مضمونها الاجتماعي الحقيقي، بوصفها وسيلة التنوير الشامل وبناء القاعدة المتينة للدولة المتنورة والمجتمع المدني. إذ تحولت الصحافة بأيديهم إلى أشبه ما يكون بمفتاح يغلق ويفتح أبواب الرزق والشهرة للصحفيين والكتاب والأدباء والسياسيين أيضا.

وفي ظل هذه الحالة، اصبح النقاش والجدل، أو دراسة "الظاهرة اليهودية" و"المسألة اليهودية" في روسيا موضوعا خطرا قد يعرض صاحبه للابتزاز السياسي والإعلامي والمعنوي. بل أصبحت من الموضوعات شبه المحرمة على غير اليهود، والتي تحتاج إلى جرأة فردية وأدبية في التصدي لها. وهي حالة سبق وان صورها كوبرين في العقد الأول من القرن العشرين، عندما قال بان كثيرا من الروس يخضع لتأثير اليهود وضجيجهم الإعلامي، ويتأثر بهوسهم الفض. كما أن اليهود عودوا الروس على المسكرات. مما جعل منهم ناسا فظيعين وشنيعين وأقوياء، مثل ذباب الخيل القادر على قتل حصان. ولكن المثير في المسالة هو أننا نعي ذلك وندركه غير أننا لا نفعل اكثر من أن نهمس به بيننا ولا يتجرأ أي منا على الجهر به. إذ يستطيع كل فرد بيننا شتم القيصر والنيل من الإله، ولكنه يتهيب الاقتراب من اليهود!

وهي حالة سوف تتكشف أعماقها الفعلية ويبرز وجهها على حقيقته بعد الثورة البلشفية. حينذاك سوف تظهر وتتفجر الأحقاد الدفينة للنفس الغضبية اليهودية المتراكمة في عقد التاريخ الروسي. فالتاريخ الباطني "للمسالة اليهودية" هو التاريخ الظاهري لشتات اليهود وانعزالهم في المجتمعات التي سكنوا فيها. وهي مفارقة لها مذاق مر لا يمكن تحليته دون القضاء على العناصر العضوية لليهودية وكيانها العرقي المغلق. وذلك لان كل محاولة لجعل التاريخ اليهودي جزءا من "التاريخ العالمي" سوف تؤدي بالضرورة إلى احتدام شرارة لا يمكن إطفاؤها دون العنف. وهي حلقة مفرغة أثارت وتثير وسوف تثير على الدوام "المسالة اليهودية"، باعتبارها حالة مرضية. وهي حالة مترتبة على "الذهنية اليهودية"، التي وصفها أحد اليهود (ا.م. بيكرمان) يوما قائلا، بان اليهودي لا يعترف ولا يقر بحكم التاريخ. انه يضع نفسه حكما وقاضيا على التاريخ نفسه! وهو موقف متأت من عقد اليهودية العديدة، مثل عقدة النقص وعقدة التفوق. ومنها برزت المشتقات العديدة لتناقضات المشاعر.

***
أدت هذه الازدواجية الغريبة إلى تمرير "الشخصية اليهودية" عبر تاريخ الأمم بمختلف أنواع الرذيلة المتلونة في الأسماء والصور والألقاب والأديان، مع أن دينه الأوحد هو المال. فالربا والرب بالنسبة له واحد، والدَيْن والدين واحد. وهو سلوك أنهك الحوافز الجزئية المحتملة في إمكانية تحويل التاريخ اليهودي، بفعل احتكاكه بتاريخ الأمم، إلى الذوبان فيها أو السير معها. فعندما وقف دوستويفسكي أمام "المسألة اليهودية" في روسيا، فانه أكد على أن كراهية الروس لليهود مبنية لا على أساس ديني أو عرقي. فالروسي لا يكره اليهودي لأنه يهودي، مع انه يصعب الإعجاب به بتاتا. بل قد يشعر بالقرف أحيانا، ولكن ليس لأسباب عنصرية أو دينية، بل لأسباب نابعة من اليهودي نفسه. ولعل أهمها صفة الانعزال والانغلاق المتمثلة في كونه "دولة داخل دولة". مما جعل منه كيانا يتسم بالغربة والاغتراب في الدين والاجتماع والثقافة. وفي هذا يكمن سر اندفاعه لتحطيم وتخريب كل ما يقف أمام مساعيه الحثيثة لاستعباد الآخرين وذبحهم. ووضع دوستويفسكي هذه الصفات جميعا في مفهومه عن "الدولة داخل الدولة". وشأن كل دولة، فان لها قواعدها الداخلية. مما حدد بدوره نشاط اليهود في روسيا بوصفه فعلا يهدف إلى استعباد السكان الأصليين أو تقييدهم بقيود لا يمكنهم الفكاك منها.

نعثر في هذه الرؤية على حدس وجداني عميق بمستقبل روسيا ومصيرها في ظل السيطرة اليهودية. وهي رؤية حددها شعور الانتماء الحقيقي للكلّ الروسي، لا حجج السياسة وأدلتها المتقلبة بين أصابع العقل الماكر والفعل السافر للديماغوجية الشرسة. فقد مثلت آراء دوستويفسكي وأحكامه وتخيلاته حدس الرؤية الروسية القومية في مواجهة ما اسماه بممثلي "الدولة داخل الدولة"، أي ممثلي الشتات والغيتو. وهي رؤية تقاسمها الوعي القومي الروسي بمختلف ألوانه وأطيافه، على عكس ما هو عليه الحال بالنسبة للتيار اليساري بشكل عام والاشتراكي بشكل خاص. وهو خلاف نشأ في الأساس عن سيادة الأوهام "اليسارية" وخصوصيتها في روسيا القيصرية.

من حيث الجوهر لم يكن هذا الخلاف ضروريا من وجهة نظر الواجب، باعتباره الغاية النهائية لكل فعل يساري حق. طبعا في حالة فهم اليسار لنفسه، باعتباره ممثلا للمصالح الجوهرية للامة، والمدافع عنها بمعايير وقيم العدل والعقل والجمعية الإنسانية. بينما كان من الصعب بالنسبة لليسار الروسي آنذاك أن يسلك هذا السلوك، بسبب تهويد الفكرة اليسارية بشكل عام والاشتراكية بشكل خاص. فقد كانت الغلبة المطلقة للعنصر اليهودي في قيادات الأحزاب السياسية اليسارية الاشتراكية والثورية الكبرى في روسيا. فمن بين أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلاشفة) الأثني عشر كان هناك تسعة أعضاء. بينما كان جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الديمقراطي (المناشفة) الأحد عشر يهودا. ومن بين أعضاء اللجنة المركزية لحزب الاشتراكيين الثوريين (الجناح اليميني) الخمسة عشر، كان هناك ثلاثة عشر عضوا يهوديا.

ومن بين أعضاء اللجنة المركزية لحزب الاشتراكيين الثوريين (الجناح اليساري) الأثني عشر، كان هناك عشرة أعضاء يهود. ومن بين أعضاء اللجنة المركزية الخمسة للفوضويين في موسكو كان هناك أربعة يهود. وفيما لو أبعدنا حزب البوند، بوصفه حزبا يهوديا قوميا خالصا في قيادته وقواعده، مع انه خرج من أحشاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، يتبين انه من اصل 55 عضوا سياسيا قياديا في الحركات اليسارية والثورية الروسية كان هناك 47 يهوديا. بينما كان يمثل البقية الباقية من شعوب وقوميات روسيا القيصرية البالغ عددهم اكثر من مائة قومية وشعب مجرد 8 أعضاء فقط! أي شكل اليهود حوالي 6 مرات اكثر من ممثلي القوميات الأخرى مجتمعة في روسيا في الأجهزة القيادية للحركات السياسية اليسارية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن نسبتهم إلى السكان لم تتجاوز آنذاك 2%، فان نسبتهم تكون قد تجاوزت عشرات المرات في التمثيل السياسي للمعارضة ضد القيصرية. وهي نسبة لم يكن بإمكانها أن تؤدي إلى صياغة واستتباب رؤية عقلانية معتدلة، لأنها بحد ذاتها خرق للاعتدال. إننا نرى في هذه النسبة ظاهرة اقل ما يقال فيها وعنها أنها غير طبيعية، وجدت انعكاسها "الطبيعي" في مختلف مظاهر الحركة الثورية والاشتراكية الروسية من راديكالية وفوضوية وتطرف وارهاب ايضا.

حقيقة أن ذلك لم يكن معزولا عن تخلف البنية السياسية للقيصرية وقمعها الشامل للحرية القومية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية. إلا أن مجرد سيطرة ممثلي "الأقوام الصغيرة" المتربية بتقاليد الشتات والانغلاق في قيادة الحركات السياسية كان لابد له أن يؤدي إلى التطرف والتخريب وإنهاك ماهية الثورة الحقيقية والاعتدال العقلاني. إذ أن مجرد نسبتهم الغالبة في قيادة الحركات السياسية الثورية والتي تراوحت ما بين 60% إلى 80% و100% في حزب البوند، كان لابد له من أن يصب ويقولب نفسية ورؤية اليهود المترعرعة في تقاليد الشتات والغيتو في نفسية ورؤية الحركات السياسية الثورية. وبالتالي جعل مستقبل روسيا جزءا من ماضي اليهود واليهودية. وهي نفسية ورؤية يمكن مشاهدة ملامحها الظاهرية في حوافز وغايات نشوء حزب البوند نفسه، باعتباره الممثل الكلاسيكي لليهود واليهودية في روسيا.

***
طبعا أن للأحداث التاريخية الجسام مقدماتها ونتائجها. ومن ثم منطقها الخاص بها. وبالتالي، فإن اشتراك اليهود الفعال في الحركات الثورية الروسية وثورة أكتوبر لعام 1917بالاخص، لم يكن نتاجا "للثورية اليهودية" كما لم يكن مصادفة، بقدر ما كان النتيجة الطبيعية والخاصة لواقع اليهود في العالم الروسي. إذ لم يكن أمام اليهودي سوى طريق الاندماج المباشر بالمجتمع الروسي (وهي عملية غاية في التعقيد) أو طريق الانخراط في سلك الثورية الراديكالية (وهي العملية التي كانت بحد ذاتها أيضا الأسلوب غير المباشر للاندماج في المجتمع أو الخروج من انعزالية الغيتو).

وبغض النظر عن حوافز الطريقين الاجتماعي والثقافي المختلفة، إلا انهما أديا في حالات عديدة إلى نتائج درامية متشابهة. وإذا كان الطريق "المالي" و"الثوري" مفتوحا أمام اليهود فان الأخير (الثوري) كان الأكثر جاذبية للأغلبية. من هنا اشتراكهم الفعال في الحركات الثورية والراديكالية مثل (نارودنيا فوليا) وفي تأسيس الحلقات الماركسية الأولى وحزب (الاشتراكيين الثوريين) وكذلك فرقتي البلاشفة والمناشفة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية التي احتلوا اغلب مراكزها القيادية. ففي (نارودنيا فوليا) كان من بين المشتركين في اغتيال القيصر الروسي عام 1881 غولدينبيرغ وديتش وزونديليفيتش وغولتمان وكلهم يهود. وليس مصادفة أن تبدأ في روسيا عام 1882 (في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القيصر) أولى الهجمات الشعبية ضد اليهود (أو ما يسمى بالعرف واللغة الروسية "بالبغروم" كشكل من أشكال رد الفعل الجماهيري، الذي لم يتعارض مع سياسة السلطة.

لقد كان اشتراك اليهود في الحركات السياسية المعارضة للنظام على قدر من القوة جعل السلطات القيصرية تراقبها عن كثب. فمنذ سبعينيات القرن التاسع عشر اخذ اليهود بتسلم المواقع القيادية في الحركات الثورية، كما هو الحال بالنسبة لديتش وأكسلرود في حركة (تحرير العمل)، وأوتين في حزب الاشتراكيين الثوريين، الذي حكم عليه بالإعدام لنشاطه المناهض للقيصرية. حيث اضطر للهرب إلى الخارج والعمل مع ماركس وباكونين، ولكنه رجع إلى روسيا بعد طلبه العفو من السلطة، حيث اصبح تاجرا كبيرا. والشئ نفسه يمكن قوله عن دورهم في الحركة الماركسية الروسية كما هو الحال بالنسبة لكثافة وجودهم في حزبي الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلاشفة والمناشفة). وهي ظاهرة سجلها تيودور هرتسل نفسه في مذكراته بعد زيارته لروسيا من اجل الحصول على تأييدها لمشروعه الصهيوني. فقد حصل على تأييد جزئي استجاب لرغبة السلطة القيصرية بنزوح اليهود منها، ولكنه واجه في نفس الوقت انتقادا حادا من جانب الوزير الروسي فيته، الذي قال له، بان اليهود لا يتجاوزون الخمسة بالمائة من عدد سكان الدولة، بينما يقدمون اكثر من 50% من المعارضين للسلطة.

لم يكن انخراط اليهود في الحركة الثورية نتاجا "للثورية اليهودية"، بقدر ما كان شكلا من أشكال الانخراط في المجتمع واحتجاجا عليه في نفس الوقت، بفعل انحصارهم في الغيتو. وهي حالة متعددة المستويات من حيث فاعليتها وتأثيرها على النفس والمجتمع (الروسي). فقد كان الاحتجاج ضد السلطة أيضا احتجاجا ضد الغيتو ونموذجه الموسع في "نطاق الإقامة". إذ يفترض الخروج على السلطة والغيتو خروجا على النفس. وبما أن النفس اليهودية المتربية في تقاليد الغيتو لا تعرف نماذج اكثر إثارة من قيود اليهودية ونفسها الغضبية، لذا لم يتعد "خروجها" من حيث حوافزه وغاياته حدود التمرد وشعور المرارة اللذين لا يصنعان في افضل الأحوال اكثر من هراوة الانتقام وذهنية المؤامرة، اللتين بدورهما كانتا نتاجا لانغلاقهم الذاتي. "فجنون المطاردة" و"مذابح اليهود" ونفسية الانتقام المكبوتة يصنعون بالضرورة خيال المؤامرة، ويغذونها بكل الصور والأساليب الغريبة. ويجعلون من هذا الخيال المريض حلما واقعيا. وليس مصادفة أن يجعل اليهود منذ القدم المجزرة التي اقترفوها ضد الأبرياء من أهل فارس، والتي دونها (كتاب أستير) عيدا روحيا ودينيا ومعنويا. بينما لم تكن "بطولتهم" هذه سوى مذبحة محبوكة من ألفها إلى يائها بذهنية المؤامرة. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى تركزهم في قيادة الحركات الثورية، بوصفها نموذجا كلاسيكيا لتقاليد العصبية والنخبة. فعادة ما تنظر "النخبة الثورية" إلى أحلامها كما لو أنها اصدق من اليقين، بينما تعتبر اجتهادها الخاص حقيقة مطلقة. وهو الأمر الذي يفسر دخولهم المبكر في حركة "تحرير العمل" التي كانت الحاضنة للحركات الثورية الماركسية في روسيا. ومنها خرجت الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية بشقيها البلشفي والمنشفي، ومعها تشكلت حركة الاشتراكيين الثورين بجناحيها اليساري واليميني، ومنها أيضا خرج حزب البوند اليهودي. بل حتى حالما تشكلت الحركة اللبرالية الروسية في حزب الكاديت (الدستوريين الديمقراطيين)، الذي تولى قيادته في بادئ الأمر نخبة أرستقراطية روسية مثل بترونكيفتش وراديتشف والأمير شاخنوفسكي والأمير لفوف والأمير تروبتسكوي، فانه سرعان ما تغلغل اليهود فيه ليحتلوا بعد فترة وجيزة اغلب أجهزته العملية والنشطة مثل فينافير، زيلبير، اليوس، ماندلشتام وغيسين. ووجدت هذه الحالة انعكاسها أيضا في تمثيل اليهود للحركة الثورية الروسية في الخارج، بحيث لا نعثر في مؤسسات الأممية الثانية على روسي واحد. فقد كان جميع ممثلي الحركات الاشتراكية الديمقراطية الروسية في الخارج يهودا. ولم يكن نشاط اليهود السياسي مستقلا على الدوام عن تأثير الماسونية اليهودية التي ساهمت من خلال أموالها في توتير العلاقات الخارجية والداخلية لروسيا القيصرية. وفي تقديم الأموال لكثير من الحركات السياسية المناهضة للنظام.

***
لكن إذا كانت الثورات الكبرى هي نتاج تفاعل أسباب ومقدمات عديدة غاية في التعقيد فإنها تكشف أيضا عن حقيقة بسيطة قوامها واقع التأثير البالغ والحاسم أحيانا للأفكار والقيم والمفاهيم. ويمكن القول أيضا بان ثورة شباط الروسية لعام 1917 التي أطاحت بالقيصرية(السابقة لثورة أكتوبر بعدة اشهر) كانت نتاجا لنشاط الماسونية اليهودية سواء باشتراكها الفعال في القيادات السياسية للأحزاب أو من خلال مدها بالأموال. وإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق في إطارها العام على كافة الحركات الراديكالية والثورية الروسية فان صيغ تجليها تباينت من حزب لآخر. ولم تخل الحركة البلشفية من تأثير الماسونية اليهودية رغم ضحالة الفكرة القائلة بماسونية البلاشفة. إلا أن التأثير الموضوعي ولحد ما غير الواعي للماسونية اليهودية في الحركة البلشفية واقع لا يمكن تجاهله حتى في مسار الأفق اللاحق للدولة السوفيتية. وإذا كانت البلشفية قد حطمت في وقت لاحق للثورة الهيئة العامة للماسونية كظاهرة فكرية ـ تنظيمية، فان فعالية تلك الهيئة تواصلت من خلال النشاط اليهودي في عصر الثورة البلشفية. وفي حين ساهمت الماسونية اليهودية في أعمال الثورة الروسية، فان الثورة (بما في ذلك البلشفية) جعلت روسيا منطقة نشاط هائل للماسونية ـ اليهودية، بعد أن ارتدت مسوح "ثورية". أما في الواقع، فان هذه الثورية لم تكن من حيث حوافزها وأساليبها سوى قوى تخريبية بسبب امتلائها بشحنة العداء للروس وروسيا وتراثها القومي الكبير.

فمن الناحية التاريخية لم تكن الثورة الروسية فعلا يهوديا، لأنه لا ثورية بالمعنى السليم للكلمة في التراث اليهودي. إذ لا يوجد في تراث اليهودية بعدا إنسانيا عاما، لان حد اليهودية هو نفسها فقط. لهذا جرى استغلال الثورة في روسيا، وكما حدث قبل ذلك في فرنسا عام 1789، بطريقة جعلت منها أسلوبا للتشفي والانتقام والاستحواذ. فقد استطاعت أوربا، على سبيل المثال تلافي وتحييد اثر اليهود واليهودية التخريبي في تقاليدها السياسية والثقافية بفعل تجذر وترسخ تقاليد الدولة والحقوق والمجتمع المدني وإبداعها الفكري – السياسي المستقل. أما في روسيا فقد اتخذت الحركة الثورية فيها، بسبب ضعف الدولة وضعف بنية الحقوق والعلاقات الاجتماعية إضافة إلى تعدد قومياتها وأعراقها وثقافاتها وأديانها، هيئة الحركة السرية الباطنية. مما أدى بها بالضرورة إلى أن تكون اكثر تدميرا وعنفا وتخريبا. وان تستجيب بالتالي لتقاليد ونفسية الشتات والغيتو. أي أن الظروف التاريخية المشوهة للثورة جعل من الممكن سيادة وغلبة اليهود واليهودية في الحركة الثورية الروسية.

فمن المعلوم تاريخيا، أن الحركة الثورية والديمقراطية الروسية الأولى جعلت من الحرية والأرض شعارها الأساسي. وقد كان ذلك يعني من الناحية الواقعية - الحرية للإنسان الروسي (تحرير الأقنان)، والأرض للفلاحين (المحررين). وهي حركة استقطبت بالضرورة الجماهير الروسية (الفلاحية) وغاب اليهود فيها لأنه لم يكن لهم وجود في الريف والقرى وفلاحة الأرض. وأدى ذلك بالضرورة إلى أن تكون قيادة الحركة السياسية ومفكريها ومادتها الفلاحية روسية الأصل والمنشأ والفعل. غير أن الأمر اختلف مع صعود الحركة الاشتراكية الديمقراطية، التي جعلت من البروليتاريا قوتها الطليعية والقائدة للمجتمع ككل. كما لم تكن أيديولوجيتها روسية من حيث اصلها واستجابتها للحركة التاريخية الفعلية لروسيا. فالماركسية الروسية لم تكن حركة وطنية وقومية روسية بالمعنى الدقيق والسليم للكلمة. بل شكلت من حيث قيمها المتسامية وشعاراتها الكبرى حجابا اختبأت وراءه كل نزعات الاحتجاج والمعارضة. وبما أن اليهود واليهودية هما نموذج التطرف والتعصب الديني والعرقي. لذا اصبح دخولهم "طبيعيا" وانسيابيا استجاب للحالة "الثورية" التي بلورتها تقاليد الماركسية الروسية بشكل عام وتياراتها الراديكالية بشكل خاص.

أي تناغم روح الغلوّ، الذي جعل من الفكرة الاشتراكية غلافا للتعصب الفئوي الضيق، ومن مادتها "الطليعية" الجمهور الأكثر جهلا وتخلفا من الناحية الثقافية. وأدى امتزاج التخلف الثقافي "للطليعة الثورية" في روسيا مع تقاليد الثورية – الماركسية، التي تشبعت بعناصر الغلوّ والتعصب اليهودي بسبب غلبة العصر اليهودي في قياداتها، إلى صنع سبيكة "الثورية اليهودية". ولم تكن هذه "الثورية اليهودية" في الواقع سوى حركة تخريبية وإرهاب منظم، بسبب نفسية "المغضوب عليهم"، التي تجعل من الانتقام والتشفي الأسلوب الأكثر انتشارا و"معقولية" للسلوك الفردي والجماعي والحزبي. أي كل ما كان يلازم ماهية "الشخصية اليهودية". لهذا لم يعرف اليهود في تاريخهم بعدا ثوريا بالمعنى الصحيح للكلمة. على العكس!

***
شكل انتصار الثورة البلشفية عام 1917 مرحلة الانقلاب الكبرى في تاريخ السيطرة اليهودية في روسيا. مما حدا بالبعض للقول، بان البلشفية هي مجرد نوع "سوفيتي" لليهودية، بما في ذلك في نجمتها الخماسية (خاتم سليمان)، التي اقترحها تروتسكي. وبغض النظر عن التأويلات العديدة والممكنة بهذا الصدد، فان مجرد وجود النسبة الهائلة لليهود في مراكز السلطة السوفيتية بعد الثورة، جعل منها أداة يهودية وأسلوبا لتجسيد ما تراكم في تقاليدها من الانتقام المكبوت والأخذ بالثار والتشفي وما شابه ذلك من الرذائل الاجتماعية والسياسية. فقد أحصى المراسل الإنجليزي لجريدة التايمز بعد الثورة حوالي 447 يهوديا من اصل 556 شخصا قياديا في السلطة السوفيتية. بمعنى أغلبيتهم المطلقة في مراكز اتخاذ القرار السياسي والتنفيذي، أي في الحزب والحكومة ووزارات الداخلية والدفاع والمالية والخارجية والدعاية والإعلام والتربية والتعليم. فقد تراوحت نسبتهم في هذه المؤسسات ما بين 60% إلى 100%، بينما لم تكن نسبتهم إلى عدد السكان حينذاك تتجاوز 2%. ونعثر على نفس النسبة في كل الأماكن والميادين وعلى كافة المستويات بعد الثورة. فقد كانت اللجنة الحكومية لمدينة بتروغراد (العاصمة حينذاك) تتألف من 371 يهوديا و17 روسيا. ومن بين هؤلاء اليهود كان هناك 265 شخصا جاءوا إلى روسيا من الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتصار الثورة. حيث كان اغلبهم ينتمي إلى جهات المعارضة "اليسارية" التي كانت تمولها البنوك اليهودية، وبالأخص بنك يعقوب شيف. ونفس الشيء يمكن قوله عن سوفييتات وهيئات ومراكز الدولة والمجتمع.

لقد طبع تأثير العدد الهائل لليهود في مراكز السلطة السوفيتية إجراءاتها العملية، وأثر على مسارها تأثيرا هائلا. إذ تعكس نسبتهم الكبيرة في السلطة المظهر الخارجي الكمي، الذي رافقه بالضرورة تأثيرهم الباطني، لاسيما وانهم أقلية اتسمت وتشبعت نفسيتها تاريخيا بضمأ التدمير العنيف وذلك لانعزالها الثقافي والاجتماعي، مع إتاحة الفرصة الخيالية لها في "التغيير الشامل" للحياة (لحياتها). وسوف تظهر هذه الازدواجية في حماسة اليهود المفرطة لمحاربة "القديم" عند الآخرين وحماية انعزالهم الذاتي وتراثهم الخاص من نقد الآخرين. وليس مصادفة أن يتولى الهجوم العارم ضد النصرانية والإسلام والتراث الثقافي للامة الروسية دارسون يهود انتحلوا أسماء وألقابا روسية مثل يروسلافسكي (في الأصل ويلمان) وروميانتسيف (في الأصل شنايدر) وكانديدوف (في الأصل فريدمان) وزاخاروف (في الأصل ايديلشتاين) وعشرات غيرهم. كما رافق هذه العملية هجوم شامل على "العالم القديم" وبناء "العالم الجديد" حسب معايير وقيم خاصة به. الأمر الذي كان يتضمن في ذاته تثليم حدود العقلانية المفترضة في النزعة الاشتراكية وهويتها الإنسانية.

أدت سيطرة اليهود في السلطة السوفيتية إلى ظهور تجربة جديدة وفريدة من نوعها بالنسبة لليهود واليهودية استثارت بدورها كوامن التاريخ اليهودي المكبوت في الشتات والغيتو. وجرى تفريغه في "العنف الثوري" و"الإرهاب الأحمر"، وتحطيم "العالم القديم" والدين والكنيسة، وإفناء "الجيش الأبيض"، وتدمير "قوى الثورة المضادة"، ورمي "الأرستقراطية الروسية والنبلاء في مزبلة التاريخ"، وما شابه ذلك من مكونات النفس الغضبية. مما جعل من اليهود كيانا مستعدا لانتهاك كل المحرمات واستحسان كل الموبقات وارتكابها في كل خطوة وخاطر وفعل وإشارة. بحيث أدى ذلك بهم في نهاية المطاف إلى أن يعتبروا أنفسهم ممثلي الشعب الروسي بما في ذلك في طقوس عرسه ودفنه. فقد جعلوا من موسيقى مندلسون معزوفة الزواج والأعراس، ومن موسيقى شومان معزوفة الجندي المجهول، كما لو انه لا يوجد موسيقيين روس عظام، وكما لو أن مندلسون وشومان يساوون شيئا مقارنة بتشايكوفسكي وموسورغسكي وريمسكي – كورسيكوف وغلينكا وعشرات غيرهم. بل نقلوا ذلك إلى طريقة العيش و"آداب الوداع الأخير" بدفن رمادهم المتبقي بعد الحرق في علب صغيرة في روسيا التي تحتل تسع مساحة العالم، كما لو انهم صنعوا في رمزية الحرق هذه الأبعاد الدفينة القائلة بضرورة إلا يبقى بعد الروس وروسيا إلا الرماد، ولكي لا تلمع فوق قبورهم صلبان الأرثوذكسية، ولكي تندثر مع موتاهم ذكرى الأجيال وارتباطها الحميم بالماضي.

كل ذلك يكشف عن أن آلية وعمل الإرهاب والقمع في بداية السلطة السوفيتية وحتى سقوطها، لم تكن وليدة الصدفة، كما لو تكن معزولة عن كثافة وسيطرة "الشخصية اليهودية" في مؤسساتها. بل يمكن القول، بان آلية الإرهاب هي الوجه الظاهر لباطن الطغيان اليهودي في السلطة السوفيتية. فقد كان "الإرهاب الأحمر"، باعتباره بداية الإرهاب المنظم ضد اتباع "الثورة المضادة" هو بداية تقنين إحكام السيطرة اليهودية الجديدة تحت شعار ويافطة الحكم السوفيتي وسلطة البروليتاريا وديكتاتوريتها والنظام الاشتراكي.

سحقت هذه الآلية في طاحونتها الخشنة القوى الروحية والاجتماعية والسياسية لروسيا من رجال الإبداع الفكري والروحي والمثقفين والجيش الروسي والكنيسة الأرثوذكسية. أي المكونات التي بلورت تاريخيا أعصاب الكيان الروسي ووعيه الذاتي. إذ أدت تصفية "العالم القديم" إلى تصفية المقومات الذاتية لوعي الذات الروسي. ففي مجرى أعوام 1922 – 1925 جرى تصفية ما يقارب المليونين من المثقفين. وتحولت كلمة الانتليجينسيا إلى كلمة منبوذة ومثيرة للاشمئزاز. واصبح المثقف كيانا ملعونا وتجسيدا لرذيلة التذبذب وعدم الثبات. وعوضا عنه جرى صنع السبيكة العمالية – الفلاحية الجديدة للمثقفين المتحزبين المتميزين بالثبات. ولم يعن ذلك في الواقع سوى صنع مثقفين من أوساط الفئات والطبقات الاجتماعية، التي لا جذور ثقافية عندها وفيها. مما جعل منهم مادة سهلة وطيعة قابلة للصنع بالشكل المرغوب من جانب السلطة. وهي ممارسة أدت إلى تصفية الذخيرة والخبرة الروحية الهائلة للقومية الروسية. وعوضا عنها جرى إحلال فئة "المثقفين السوفيت" اليهود، التي أخذت بعد عقدين من الزمن التاليين للثورة في احتلال كل مواقع "التربية" بدء من رياض الأطفال وانتهاء بالمعاهد والجامعات ومركز البحث العلمي، ومواقع "الإبداع" في مختلف ميادين الأدب والفنون. بحيث اصبح "الإبداع" مهنة خاصة باليهود. وتحول "المثقف الجديد" إلى جزء من آلية القمع. فهو أما هراوة أو بوق أو طبل أو متملق. لقد جرى صنع "انتليجنسيا" بلا قلب ولا روح. وتحول "المثقف" إلى لسان.

وبنفس القدر من الوحشية جرى تدمير المقدسات التاريخية والروحية لروسيا عبر هدم الكنائس وتحويلها إلى مرابط للخيل ومستودعات لمختلف الأشياء، مع مصادرة ما فيها وسرقة البعض الآخر. وما تبقى جرى تدميره. وتحول شعار فصل الدين عن الدولة والكنيسة عن المدرسة إلى فصل الروس عن تاريخهم الروحي. وشكل اليهود هنا كما في الأماكن الأخرى، حربة المواجهة العلنية والمستترة. فقد ترأس لجنة مكافحة الكنيسة ياروسلافسكي (ميني إسرائيل غوبلمان)، وكان مساعده الرئيس اليهودي لوكاتشيفسكي. وترأس اليهودي ستروكوف (بلوخ) رئيس قسم محاربة الدين في الجيش، كما ترأس اليهودي كيفاله قسم الدعاية المعارضة للدين. وفي المدارس ترأسها اليهودي اسكينسكي، وفي الأدب أبشتين. بينما كان جميع الأعضاء الأربعين للجنة التنوير والإلحاد يهودا!
وفي ظل هذه النسبة اليهودية في رئاسة المؤسسات المناهضة للدين والكنيسة، فان من الصعب أن نتوقع سلوكا آخر غير الذي جرى. فقد جرى سجن ونفي وقتل ما يقارب 320 ألف رجل دين. كما تعرضت الكنيسة بوصفها مؤسسة وكيانا فكريا – روحيا إلى عملية هدم منظمة وقاسية. حيث جرى تخريب وتدمير وتحطيم اغلب الآثار الروسية بحجة أنها جزء من "أفيون الشعوب". وبدأ تدمير الكنائس في الكريملين. فقد ضم (مجلس تحديث مدينة موسكو)، حينذاك يهودا فقط برئاسة رئيس بلدية موسكو في وقتها كامينيف (روزنفيلد) وعضو المكتب السياسي كاهنوفتش، ورئيس اتحاد الملحدين ياروسلافسكي (غوبلمان). وتحت شعار "تحويل مدينة موسكو من مدينة بطريركية إلى موسكو اشتراكية" جرى هدم كنائس الكرملين ومبانيه الأثرية. كم جرى هدم نصف كنائس وهياكل العبادة البالغ عددها 900، إضافة إلى 2500 معلم تاريخي اثري. وفي عام 1931 جرى هدم كنيسة المسيح المنقذ، أحد اكبر وأفخم الكنائس في موسكو، التي شيدت على ريع التبرعات الشعبية للروس بعد انتصارهم على قوات نابليون بونابرت عام 1812. وعوضا عنها جرى التخطيط لبناء (هيكل لينين)أو (قصر السوفيتيات)، المقترح من اليهودي أيوفان، صهر عضو المكتب السياسي كاهنوفتش، الذي أصر على أن يبنى (قصر السوفيتيات) محل كنيسة المسيح المنقذ.

ومارسوا نفس العمل تجاه "الجيش الأبيض". حيث تولى هذه العملية يهود، بدء من تروتسكي (برونشتين) وانتهاء بميخلس وغاي ورازغون. وفي نهاية 1938 كانت التصفيات الأساسية قد طالت مؤسسات الجيش الروسي السابق وقواه البشرية جميعا. فقد تعرضت للاضطهاد ما بين طرد وسجن وإعدام. إذ جرى تصفية 186 من اصل 220 آمر لواء، و 101 من اصل 190 قائد فيلق، و57 من اصل 85 قائد فرقة، و13 من اصل 15 قائد جيش. وتعرض للاضطهاد كل قواد المناطق العسكرية الكبرى في روسيا بلا استثناء. ومع ذلك ظل الجيش القوة الوحيدة التي لم يستطع اليهود حينذاك تصفيتها بصورة تامة. إلا انهم احتلوا مع ذلك المواقع الأساسية فيه. فمن اصل 500 موقع قيادي كانت نسبتهم فيه قبل الحرب العالمية الثانية حوالي 85%، بينما لم يحتل الروس اكثر من 5%.

ورافق هذا التدمير المنظم لتقاليد الدولة الروسية تخريب بنيتها الاجتماعية عبر تدمير فئات الفلاحين. وظل ذلك يجثم بثقله على كاهل الدولة السوفيتية حتى انهيارها عام 1991. فقد تعاملت السلطة اليهودية السوفيتية مع الفلاحين تعاملها مع أعداء أو مجرمين. وإذا كان الفلاحون هم ملح الأرض الروسية ومصدر قوامها البشري، إذ لم يوجد بينهم يهود، فان تصفية بعض الفئات منهم وحشر البقية الباقية في كولخوزات وسوفخوزات بالعنف والإكراه كان يعني تاريخيا واجتماعيا إعادة نظام القنانة من جديد وتجريدهم من الأرض وملكيتها الخاصة بهم. فقد وصل البلاشفة إلى السلطة وثبتوا سلطتهم أساسا بسبب رفعهم شعار الأرض للفلاحين. بينما جرى في وقت لاحق سجن ونفي وقتل كل من عارض نزع ملكية الفلاحين وإجبارهم على الدخول في "تعاونيات اشتراكية". وهي عملية ترأسها آنذاك كل من يهودا وأبشتين. وبأثرها جرى اضطهاد حوالي 25 مليون عائلة روسية فلاحية.

***
شكلت هذه النتيجة عصب المفارقة المثيرة للوعي القومي الروسي ومأساته التاريخية، وعصب المفارقة المثيرة بالنسبة لماهية الثورة وأهدافها الاشتراكية المعلنة. فالثورة التي كان ينبغي لها أن تكون حسب معايير الماركسية قاطرة التاريخ نحو الأمام، تحولت إلى دوامة اختطفت وابتلعت في دوراتها كل ما هو ثمين، كما لو أنها أشياء لا معنى لها ولا قيمة ولا وزن. وأرجعت التاريخ قهقريا عبر إبراز ملامح القنانة والعبودية المنظمة وراء العيون الجاحظة لليهودية في تفحصها كل ما هو "شاذ" عن مقاييسها. ولا مقاييس لها في الواقع غير النفس الغضبية، التي شكلت الراديكالية المتوحشة نموذجها السياسي الارقى. واستثارت شأن كل وحشية، شعور الكراهية والتقزز والاشمئزاز، بحيث اصبح اليهودي واليهودية تجسيدا للنقمة وانعداما للنعمة. مما أدى إلى أن تصبح معاداة وكراهية اليهود واليهودية بين الروس فتوى ثقافية مستترة، كما أصبحت معاداة الروس والروسية بين اليهود فتوى سياسية – عرقية علنية. وهي مفارقة لا تحلها سوى جدلية الإمكان!

أدت كثافة اليهود في السلطة السوفيتية و"تجريبيتهم" الباردة في الإبادة المنظمة للقوى الاجتماعية والروحية للروس، إلى إثارة موجة العداء المتعاظم ضدهم. فقد دفع سلوك اليهود مختلف الفئات الاجتماعية والاتجاهات الفكرية والسياسية إلى "السير" في طريق واحد لا يرى في افقه المنظور غير ملامح الوجه اليهودي. إذ لم يكن قرار السلطة السوفيتية عن محاربة "العداء للسامية" بعد مرور ستة اشهر من الثورة، سوى رد الفعل المباشر على عمق وسعة انتشار العداء لليهود في الدولة والمجتمع. وفي نفس الوقت كان رد الفعل قاسيا وشديدا من جانب السلطة. لان القضاء على اليهود كان يعني عمليا القضاء على السلطة السوفيتية بصيغتها السائدة آنذاك بعد أكتوبر 1917.

من هنا جرى تصوير الاعتداءات على اليهود والهجمات الشعبية عليهم نشاطا معاديا للثورة وهجوما على السلطة السوفيتية. وهي مطابقة لها مغزاها الواقعي ومعناها السياسي والثقافي، الذي جعل الاغتراب بين السلطة الجديدة والمجتمع الروسي يترسخ للدرجة التي لا يكفل ضمان ارتباطهما غير المباشر سوى العنف المباشر.

ومع ذلك لم تعق هذه الممارسات توسع وازدياد كراهية الروس لليهود. بل اخذ شعور العداء والكراهية لهم يدب أيضا في صفوف الجيش الأحمر نفسه. ولم يغير من ذلك شيئا وجود اليهود في قياداته. وإذا كانت هذه الظاهرة واسعة الانتشار في المناطق الغربية من روسيا (بيلوروسيا وأوكرانيا وجنوب غرب روسيا)، فإنها أخذت بالانتشار بعد عام 1918 في أراضي روسيا نفسها جميعا. حيث بدأت تصفية اليهود تتخذ أحيانا طابعا جماعيا أحيانا. وهي ظاهرة أخذت بالتعمق قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية. ولعل مفارقة الظاهرة تقوم في أن الحرب العالمية الثانية قد أنقذت بمعنى ما الروح القومي الروسي، ودفعته إلى الأمام من جديد. وهي عملية كان لابد لها من النجاح. إلا أن ابتداء خطر الحرب، وبالأخص من جانب ألمانيا الهتلرية قد سرّع بخطوات كبيرة الانسحاب التاريخي لليهود واليهودية من ظاهر المسرح السياسي وقيادة الدولة السوفيتية. أي أن الحرب حققت الحكمة القائلة "ربّ ضارة نافعة"! فقد أضطر ستالين حينذاك، أو ربما توافق ذلك مع مزاجه الشخصي الكاره لليهود إلى أن يستعيض عن وزير الخارجية اليهودي ليتفينوف (فينكلشتين) بالروسي مولوتوف، تخوفا من أن لا يقبل هتلر اللقاء بيهودي أثناء المحادثات، قبل توقيع اتفاقية عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي. بل لم يعارض أي من اليهود حينذاك السلطة السوفيتية وسياسة ستالين الساعية وقتها للاتفاق مع ألمانيا النازية، مع علمهم بطبيعة الموقف الهتلري من اليهود. بل أن "الأممية الشيوعية"، (وهي التنظيم العالمي للأحزاب الشيوعية آنذاك، وعرفت اختصارا باسم الكومنترن،الذي شكل اليهود الغالبية الساحقة من قيادتها) لم تعارض إجراء المحادثات بين الدولة الاشتراكية والدولة النازية من اجل توقيع معاهدة سلم وعدم اعتداء. ذلك يعني أن هذه المواقف لم تكن تكتيكا سياسيا عابرا أو رؤية استراتيجية بعيدة المدى للصراع مع ألمانيا، بقدر ما كان إدراكا غريزيا لضرورة الحفاظ على السلطة السوفيتية، باعتبارها ضمانة بقاء اليهود والسيطرة اليهودية.

أما من الناحية الفعلية فقد أدى ذلك إلى انسحاب تدريجي من المواقع الأمامية للسلطة في مختلف الميادين، وترك المواجهة المباشرة والحادة بين الألمان والروس. فقد أدرك اليهود جيدا، أن سياسة هتلر في ألمانيا والبلدان التي خضعت للسيطرة الألمانية تعني مصير مشئوما بالنسبة لهم.

لهذا اصبح انتصار الجيش السوفيتي (الروسي) هو ضمان انتصارهم ووجودهم المباشر. وهي مفارقة أدت إلى استثارة الروح القومي الروسي من جهة، والى تضحيات هائلة تحمل الروس اغلبها إلى جانب شعوب الاتحاد السوفيتي الأخرى من جهة أخرى. ولكنها أدت في نفس الوقت إلى إضعاف شوكة اليهود واليهودية في روسيا. مما كان يعني أيضا انبعاث السيادة الروسية من جديد في روسيا بعد عقدين من الطغيان اليهودي السافر.

فقد أخذت الأيديولوجية السوفيتية بعد نشوب الحرب بقليل تنقلب فجأة (مع أن قنواتها وموظفيها ظلوا في الأغلب يهودا) صوب تفجير المآثر الروسية القديمة وتراثها الحربي والمعنوي. وتحولت أسماء القادة الروس المشهورين أمثال الكسندر نيفسكي وسوفوروف وكوتوزوف وغيرهم إلى نماذج ملهمة في تجنيد وتجييش القوى الروسية. واصبح التغني بالماضي الروسي وأمجاده ضرورة، بحيث قضت بين ليلة وضحاها على كل الركام الذي "بناه" يهود السلطة السوفيتية منذ عام 1917 حتى بداية الحرب عام 1941 من أصنام أيديولوجية وتزييف للوعي القومي وتراث الأجداد. وغابت بسرعة مصطلحات "الشوفينية الروسية". كما ضعفت "الأممية" وشعاراتها البراقة، التي لم تعد قادرة على استنهاض الروس الذين لم يروا وراء لافتتها سوى غلاف السيطرة اليهودية. وهو واقع وجد انعكاسه في الكلمة المشهورة التي أطلقها جدانوف حينذاك والقائلة، بان الكوسموبوليتي إنسان بلا اصل ولا فصل، والتي تحسس الشارع الروسي فيها وتذوق طعمها الحقيقي، باعتبارها دعوة لاستعادة الروس لموقعهم المناسب في كل مكان.

وكشفت هذه المواقف الأبعاد الدفينة لمرارة النفس الروسية الخاضعة "لأقوام صغيرة"، وان المعنى المتسامي والقيمة الحقيقية لوجودهم تقوم في ضرورة تمثيلهم لذاتهم أمام المحنة والامتحان الذي تنازل اليهود أمامهما "طوعا". حينها اخذ "الجن الروسي" بالخروج من فوهة القنينة، بعد أن حبسه اليهود فيها لأكثر من عقدين، محبذا الموت وإعطاء كل ما لديه من اجل إثبات الحقيقة البسيطة القائلة، بان الحياة ليست مجرد استمرار في العيش، بل هي استمرار للانا المدركة لذاتها. لقد كانت الحرب الألمانية – السوفيتية بالنسبة للروس حربا وطنية عظمى. وشأن كل حرب وطنية تحررية كان لابد من أن يمثلها أبناؤها الحقيقيين. عندها بدأ يبرز الطابع الروسي في قيادة الجيش والأسطول والمعارك. فإذا كانت قيادة الجيش في الحرب الأهلية، والشرطة والأمن يهودية خالصة، فان شيئا كهذا لم يعد ممكنا في الحرب الوطنية العظمى. إذ لم يعد هناك يهودي واحد بين القواد الميدانيين للجبهات والجيوش. ولم يشترك من اليهود في المعارك إلا نسبة ضئيلة جدا. وحاول اغلبهم الحصول على "بدل" من الخدمة العسكرية، بما في ذلك تحت شعار "الحفاظ على اليهود من الإبادة"! وهي سياسة أيدتها السلطة السوفيتية. وبغض النظر عن بواعثها الفعلية، إلا أنها أدت بالنتيجة إلى إضعاف دور اليهود في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية والعسكرية بعد الحرب واستبدال دورهم بالدور الروسي المتصاعد.

***
كشفت نتائج الحرب الوطنية العظمى عن أن الوطنية وإشكالياتها وتحمل أعباؤها كانت من نصيب الروس والبيلوروس والأوكرانيين. بينما كان اليهود على ضفاف أو قارعة دروب الآلام الحقيقية، التي تعرضت لها الشعوب السوفيتية في مجرى الأعوام القاسية للحرب. وهي دروب أرست المقدمات الضرورية لانطلاقة الروح القومي الروسي وتقاليده الإنسانية العميقة، التي كانت وما تزال اكثر ما يخيف اليهود، بفعل قدرتها الهائلة على تذليل نفسية الانغلاق والانطواء العرقية، واستعدادها على تقبل الثقافات والأمم وصهرها في بوتقتها الثقافية.

غير ان نتائج الحرب وتنامي الدور الروسي على الأقل سياسيا ودعائيا لم يغير نسبة "توازن القوى" في السلطة التي استطاع اليهود في غضون ثلاثة عقود من ملء "فراغاتها" التي أحدثوها عبر تصفية كوادر "النظام البائد". وبهذا المعنى كانت محاولتهم "الفاشلة" لصنع دولة يهودية في القرم تدفع، موضوعيا، السلطة السوفيتية في اتجاه تأييد تجزئة فلسطين وبناء "الدولة العبرية" فيها.

لم يكن القرار السوفيتي بصدد تقسيم فلسطين وتأييد "إسرائيل" صدفة أو قرارا مبنيا على أساس رؤية استراتيجية سوفيتية وما شابه ذلك. إن الاستراتيجية الوحيدة هنا تنبع من ثقل الوجود اليهودي في مؤسسات السلطة السوفيتية آنذاك وطبيعة فعل "الشخصية اليهودية" ونزوعها الصهيوني، التي تحسست إمكانية انتهاء هيمنتها المباشرة في الاتحاد السوفيتي. وهي نتيجة يمكن ملاحظة ملامحها الأولية البارزة فيما يسمى "بقضية الأطباء"، التي بدأت عام 1953، أي بعد أربعة أعوام من إعلان "دولة إسرائيل". حينذاك جرت محاكمة بعض الأطباء اليهود، الذين جرى اتهامهم باغتيال بعض قيادات الحزب والدولة عبر "علاجهم"، بما في ذلك محاولة اغتيال ستالين.

وقد اعترف بعضهم بما اقترفوه في مجرى المحاكمة التي بدأت في 13-1-1953. عندها تبلور الحكم السياسي عند ستالين القاضي بنفي اليهود جميعا إلى سيبيريا. وفي 2-3-1953 يموت ستالين، وفي 3-3-1953 يجري الإعلان عن إلغاء "قضية الأطباء". كما يجري الإعلان الرسمي عن وفاة ستالين في 5-3-1953. وفي 6-3-1953 يصبح بيريا الشخصية الرئيسية في الدولة. وفي 9-3-1953 يجري تغييب ابن ستالين، الذي اعتبر أن وفاة أبيه قضية مدبرة. وبعدها بأيام تبدأ موجة إرهاب شديدة ومنظمة. غير أنها انتهت بإلقاء القبض على بيريا بعد محاولته الانقلابية وإعدامه. ومن ثم القضاء على هيمنة وزارة الداخلية (الأمن والشرطة)، باعتبارها الحصن الأخير للقوى اليهودية في روسيا السوفيتية.

كل ذلك يشير إلى قوة النزاع وعنفه بين التيار الوطني الروسي وبقايا اليهودية المهيمنة. وهو نزاع حسم منذ بداية الخمسينيات لصالح التيار الروسي، دون أن يجري في نفس الوقت تذليل التيار اليهودي تذليلا تاما. وهي نتيجة جرى تحسسها في الوسط اليهودي على أنها "نهاية" اليهود واليهودية في روسيا. وهو السبب القائم وراء تصاعد موجة العداء بين يهود العالم والحركة الصهيونية العالمية ضد الاتحاد السوفيتي، الذي أنقذهم قبل سنوات معدودة من إبادة ممكنة على حساب أبنائه.مما جعل من اليهود واليهودية تنمو من جديد بهيئة قوة معارضة اكثر خطورة من السابق، بفعل التحولات التي جرت على الصعيد العالمي واستغلال كذبة "المحرقة" وتوظيف "إسرائيل" لخدمة المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة والغرب الكولونيالي زمن "الحرب الباردة" من جهة، وبفعل الإنجازات التي حصلوا عليها لأنفسهم في ظل السلطة السوفيتية من جهة أخرى.

وهي خطورة حذر منها بعض الكتاب السياسيين والمفكرين الروس، كما هو الحال عند اندريه ديكي في كتابه {اليهود في روسيا والاتحاد السوفيتي}، الصادر خارج الاتحاد السوفيتي في الستينيات. فقد توصل من خلال دراسته وتحليله تاريخ اليهود في روسيا والاتحاد السوفيتي إلى أن هناك معادة يهودية للسلطة السوفيتية تتراكم شحنتها بسبب فقدانهم زمام المبادرة وإبعادهم التدريجي من قيادة السلطة ومؤسسات القرار السياسي. وهي معاداة يمكن أن تجعل منهم في المدى المنظور خطرا كامنا ومميتا للسلطة السوفيتية (الروسية)، التي سوف يسعون للإطاحة بها كما فعلوا قبل ذلك مع القيصرية.

غير أن السلطة السوفيتية آنذاك كان يصعب عليها الاستماع لآراء "المعادين للسوفيت"، وبالأخص من بين أولئك الروس الذين ناهضوا السلطة السوفيتية لاعتبارات سياسية وقومية، انطلاقا من إدراكهم للخراب الذي لحق بروسيا جراء "الثورة اليهودية". فقد بدت هذه النصائح والتحذيرات أوهاما خيالية، كما بدت أمثالها في بداية القرن العشرين، التي أطلقها حينذاك الكثير من المفكرين والأدباء والسياسيين الروس. وهي مفارقة حدس صيغتها التاريخية أيغور شافاريفتش عندما كتب مقالاته الشهيرة في ثمانينيات القرن العشرين بعنوان {كراهية الروس}، التي حاول البرهنة فيها على انه جرت منذ ستينيات القرن العشرين محاولات دؤوبة وحثيثة قاد اليهود اغلبها لإثبات أن كل مشاكل روسيا هي النتاج الملازم لشخصية الروسي العبودية وحبها للسلطة القوية واحتقارها للفرد وتبريرها للإرهاب ونفسيتها الدينية المشبعة بأوهام الانتظار والخلاص. وعلى هذا الأساس حاولوا إقناع الجماهير والمثقفين بأنه لا مخرج لروسيا إلا بنبذ هذه الشخصية والتوجه كليا نحو الغرب. وقد وجد شافاريفتش في هذه الاطروحات سلاحا فعالا لتدمير روسيا. أما الاعتراض البسيط والمفند لهذه الآراء فيقوم في واقع كون التوتاليتارية والماركسية هما ذاتهما من نتاج الغرب. وبالتالي إلا يطرح ذلك مهمة تجاوز الغرب لا تقليده الأعمى من جديد؟ فالقضية بنظر شافاريفيتش لا تقوم في شخصية الروسي، بل في ما اسماه "بالقوم الصغير"، أي في كل ما المح وأشار به إلى "أصحاب النزعة اليهودية"، بوصفها المجموعة المتميزة بالصفات السلبية التي تنفذ مهمة التدمير الدائم. أما هذا القوم الصغير في روسيا فقد تشكل تاريخيا منذ نهايات القرن الماضي الذي شكل اليهود بؤرته ونواته. كل ذلك جعل شافاريفتش يستنتج بان أيديولوجية هذا "القوم الصغير" تتطابق مع خصائص اليهود ونفسيتهم ونمط تفكيرهم. وان هذا "القوم الصغير "هو الذي أدى "بالقوم الكبير" (الروس) إلى الهاوية. ولم يعن ذلك في الواقع سوى عودة التاريخ من جديد، وتكرار مآسيه على أعتاب القرن الحادي والعشرين بالنسبة لروسيا والروس.

***
ليس في التاريخ عودة ولا تكرار. إلا أننا نعثر في مقارنات أحداثه على رمزية تكشف عموما عن "تكرار" و"عودة" للماضي في ممارساته وأشخاصه. ذلك يعني أن الماضي لم يصبح عبرة، ولم يجر تجاوزه في تاريخ الأمة. بمعنى انه لم يتحول إلى درس بليغ في قواعد الاعتبار الضرورية بالنسبة لوعيها الذاتي. وهو الواقع الذي يجعل من مقارنات الأحداث التاريخية مفارقات!

فمن المعلوم، أن تاريخ روسيا في بداية القرن العشرين ابتدأ "بالثورة اليهودية" وانتهى بها. في البداية تحت عنوان "الثورة البلشفية"، وفي الثانية تحت عنون "الثورة الديمقراطية". ذلك يعني أن "الاشتراكية" و"الرأسمالية" سواء من حيث الحوافز والغايات. وهي مفارقة لا يحلها في الواقع سوى إدراك حقيقة اليهودية وصهيونيتها السياسية، باعتبارهما مظهرين لكيان واحد يتمثل في الابتعاد عن حقائق التاريخ العالمي والانعزال عن معطياته ومعاناته بوصفه سبيلا للبحث عن الحق والحقيقة (أو الاعتدال).

وتجلى ذلك في التاريخ الروسي عبر الاشتراك الفعال في القضاء على القيصرية ("الرأسمالية") من اجل بناء "الشيوعية"، وفي القضاء على "الشيوعية" من اجل بناء "الديمقراطية" ("الرأسمالية"). مما يعني ابتعادهم من حيث الجوهر عن حقائق التاريخ الروسي. فاليهود في كلتا الحالتين لا علاقة عضوية لهم بالتاريخ الروسي. وليس مصادفة أن تتحول "التجربة" و"التجريب" إلى كلمات "مقدسة"، مع أن القدسية تفترض الثبات. والمسالة هنا ليس في جدل الكلمات البلاغي، بقدر ما أنها تعكس جوهر "تغير" اليهودي. إذ ليس "تغيره" في الواقع سوى تأقلم فج. أما "تجاربه و"تجريبيته"، فهو اختصار لأسلوب ينطوي على فقدان المعاناة العضوية بالتاريخ وأبعاده الإنسانية. وذلك لان مادته ليست "أعضاء منفصلة"، بل كيان حي.

إضافة لذلك انهما تجربة وتجريب على حياة الآخرين. إذ لم يقم اليهود في تاريخهم تجارب على أنفسهم وتجريب عليها. على العكس، انهم وجدوا في "الثبات" على العرقية المتحجرة ويهوديتها العنصرية أمرا "مقدسا". وترتب على ذلك إفسادهم لأشد الأفكار إنسانية وتحررا حالما يلامسوها.

فالأفكار بالنسبة لهم هي كلمات ألسن، لا أحوال قلوب. وذلك لان الفكرة الوحيدة بالنسبة لليهودي هي اليهودية. واليهودية لسان بلا قلب. ومن ثم لا محل فيها للكلمات الإنسانية الحقيقية.
فقد افسد اليهود الفكرة الاشتراكية، بحيث جعلوا منها "جمعية" ذرات متناثرة ومتنافرة. كما افسدوا سعيها للحرية عبر تحويلها إلى معسكر عبودية وقنانة. وجعلوا من دكتاتوريتها البروليتارية دكتاتورية خالصة واستبدادا للجهلة والحثالات الاجتماعية. وجعلوا من الإلحاد كنيسا بلا قيم ولا ضوابط، ومن العمل سخرة، ومن الفكر الحر جريمة. ورافق ذلك تصفية جسدية ومعنوية للتاريخ الروسي وقواه الاجتماعية ورموزه. كما جعلوا من الصراع الطبقي حربا أهلية، ومن الحرب الأهلية حربا عرقية لتصفية كل معارضة لليهود واليهودية. وجعلوا من الزيف الإعلامي دعاية منظمة، ومن الأممية غلافا كوسموبوليتيا، ومن الحزب الشيوعي منظمة ماسونية نموذجية. وتجمعت نتائج هذه العملية القاسية عند نهاية القرن العشرين لتتفجر أولا من خلال البيرسترويكا، ثم لتنتهي بانتهاء الاتحاد السوفيتي عام 1991.

***

كانت "السلطة الديمقراطية" في روسيا بعد عام 1991 سلطة يهودية، جعلت منهم مرة أخرى مالكي روسيا. وإذا كان الروس يسمون الرأسماليين والأغنياء "بالروس الجدد"، فانهم في الواقع ليسوا إلا يهودا قدماء. فقد جرى تمرير هذه السياسة في بادئ الأمر عبر عائلة يلتسن، التي استحوذت من خلال السرقة والاختلاس على أموال طائلة، كما جرى تكوين شريحة قابلة للبيع والشراء في كل هرم السلطة ومؤسساتها. وتحولت أجهزة الأمن والشرطة والمخابرات والقضاء واغلب كتل البرلمان ومجلس الشيوخ إلى قنوات لتمرير الأموال المسروقة، والمساهمة في ترسيخ "قواعد" الفساد الشامل. بل لم تتورع "السلطة الديمقراطية" عن سرقة القروض الخارجية وذلك بتحويلها عبر البنوك اليهودية مباشرة إلى الخارج.

وبدأت هذه العملية مع سياسة الخصخصة، التي شارك في وضع أسسها وترتيباتها وتنفيذها مجموعة من "المحترفين" اليهود، الذين جرى تصنيعهم وتسويقهم من جانب الماسونية الصهيونية في مجرى البيروسترويكا، وعلى رأسهم تشوبايس. فقد ساهمت الماسونية الصهيونية في تأهيل وتحويل مشاريع الإصلاح والخصخصة في روسيا ورجالها من (صندوق سورس) وماسونية (بناي بريت). إذ سبق لهم وان صنعوا وسوقوا "كوكبة من الإصلاحيين الشبان"، أمثال غايدار وتشوبايس وبوربولوس وأمثالهم، الذين مرروا عملية الخصخصة بالطريقة التي استحوذ اليهود فيها على أهم قطاعات الاقتصاد مثل الطاقة (النفط والغاز والكهرباء) والمعادن الثمينة (الماس والبلاتين والألمنيوم) والمصانع المتطورة والبنوك والموانئ والمحلات التجارية في مراكز المدن والفنادق الكبرى وغيرها. إذ جرى "تخفيض" ملكية روسيا عبر "الفاوتشر" وبيعه في الأسواق للدرجة التي جعلت من ملكية روسيا كلها لا تتجاوز 750 مليون دولار فقط!!

لقد أبعدت "السياسة الديمقراطية" الشعب الروسي عن المساهمة في "اقتسام الثروة"، كما جرى عام 1917، بإبعادهم عن قرارات "السلطة السوفيتية" ومؤسساتها. وأعطى ذلك للماسونية الصهيونية فرصة كبيرة للتحكم في روسيا عبر السيطرة على قرارها السياسي والملكية الاقتصادية.

إن لسياسة الخصخصة "الديمقراطية" تقاليدها اليهودية في روسيا. فمن المعلوم تاريخيا انتشار السيطرة اليهودية في البنوك الروسية قبل الثورة. وهي سيطرة جرت بنفس الطريقة التي حدثت قبل فترة جيزة وما زالت في روسيا تحت شعار الخصخصة. في روسيا القيصرية كان اليهود "يقترضون" الأموال من البنوك الحكومية بفائدة لا تتجاوز 5% ويبيعوها من جديدة في الأسواق بفائدة لا تقل عن 8%. وهو أسلوب جرى إعادة تطبيقه بحذافيره من جديد. فقد استولى اليهود على اغلب الشركات المساهمة. وهناك حوالي 115 ألف شركة مساهمة في روسيا يرأسها اليهودي فاينبرغ يعمل 75% منها بالمضاربات فقط. كما أن اغلب مالكي المؤسسات المصرفية الكبيرة يهود، والشي نفسه يمكن قوله عن مالكي شركات النفط. وهو أمر يمكن فهمه من خلال إلقاء نظرة سريعة على عدد اليهود في السلطة التنفيذية بعد "الانقلاب الديمقراطي" عام 1991 وتدمير المعارضة (البرلمان) بالدبابات والطيران والقوات الخاصة عام 1993. وهي ظاهرة دفعت ببعض اليهود حينذاك لمناقشة إمكانية أن يكون رئيس الدولة الروسية يهوديا. إلا انهم فضلوا، حسب تقاليد وغريزة الماسونية والصهيونية من العمل وراء الواجهة الروسية، التي يمكن تغييرها عند الضرورة وتحويرها وتطويعها وتبديلها، وفي نهاية المطاف جعلها هدفا لغضب الغاضبين ومشجبا لتعليق الملابس الوسخة. كرر اليهود في 1991 ما فعلوا عام 1917.

وهي حالة تعكس جوهر اليهودية، التي وصفها أحد الكتاب الروس (ايفانوف) انطلاقا من تجربة روسيا وتاريخ اليهود فيها، قائلا، بان اليهودية العالمية هي ثقب اسود يبتلع الطاقة الجسدية والنفسية الهائلة للإنسانية. وان اليهودية العالمية (الصهيونية) هي أيديولوجية وأسلوب العيش حسب تقاليد التوراة والتلمود، أي العيش حسب قواعد لا ضوابط أخلاقية متسامية فيها. أنها تفتقد لقيم الاعتدال، مما يجعل من وجودهم في كل مكان مصدرا للموت كما كان الحال في مصر قبل آلاف السنين. وهي ظاهرة جعلت اليهودية الماسونية كيانا، من الناحية المادية والمعنوية، خارج التاريخ العالمي، لان مقاييسها ومعاييرها، عرقية وأسطورية. من هنا قسوتها وهشاشتها في نفس الوقت.
فالقسوة التي ميزت البلشفية في روسيا والثورة الاشتراكية كانت تكمن في حالات كثيرة في نفسية اليهودية الصهيونية السائدة عند اغلب قادتها (اليهود). وهي نفسية لا علاقة لها بالفكرة الاشتراكية ومقدماتها الفلسفية والاجتماعية والأخلاقية في تقاليد الرأسمالية والمجتمع المدني وفصل السلطات وحقوق الإنسان ونفيها الارقى بمعايير الاشتراكية بوصفها نظام الحرية والعدل.

***
اليهودية الصهيونية ليست فكرة طارئة ولا موضة عابرة ولا ظاهرة جديدة. أنها ظاهرة معقدة ومتلونة. كما أنها نظام فكري وعقائدي، ونمط حياة خاص تراكمت فيهم عقد اليهود واليهودية في تاريخ الشتات والغيتو. مما جعل منها مصدرا للتطرف والغلوّ والفساد الأخلاقي والخراب الروحي والدمار المعنوي وفقدان الحدود. أي كل ما حصل على هيئة "دولة داخل دولة"، بوصفه الجهاز لذي يسمح لنفسه التدخل في شئون الآخرين ويمنعه عليهم فيما يخص شئونه نفسها. وفي روسيا جرى اصطدام هذه الحالة بمصالح الدولة والمجتمع بعد أن برزت الحركة الصهيونية السياسية المعاصرة باعتبارها تمثيلا واعيا واستراتيجيا لمصالح اليهود و"بناء الدولة الخاصة" كما وضعت للمرة الأولى عام 1897 في بازل (بسويسرا). حينذاك بدأت هذه "الدولة" تعيد بناء الشخصية اليهودية – الصهيونية داخل الدولة الروسية وحركاتها السياسية. بمعنى عملها داخل روسيا من اجل "الاستعمار الصهيوني" لفلسطين. وهي ازدواجية جعلت من روسيا محلا عابرا أو ميدانا للتجريب أو وسيلة نفعية. وجزأت "الشخصية اليهودية" المنغلقة في شتات جديد. بمعنى العمل من اجل الاندماج ومعارضته في نفس الوقت، والعمل داخل روسيا ولكن لخارجها. بينما ظلت الغاية واحدة. وهي العمل من اجل العيش للنفس فقط. مما جعل من الشعارات المعلنة أيا كانت مجرد غلاف لليهودية الصهيونية، الذي جرى تمزيقه للمرة الأولى عام 1882 على اثر المطاردات الشعبية الروسية لليهود بحلول الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القيصر الروسي. عندها بدأ الجدل الفكري والسياسي عن "المسألة اليهودية" في روسيا بين اليهود أنفسهم.

لقد سارت الصهيونية "الثورية" صوب تعميق الانغلاق والانعزال وصوب ترسيخ تقاليد "الدولة داخل الدولة"، بما في ذلك على أسس "تقدمية" و"اشتراكية" و"ماركسية". وهي تسميات أو أغلفة كشفت عن وجهها الحقيقي في "إسرائيل" عبر غياب التقدمية بمختلف أطيافها، وبسيادة تقاليد "العهد القديم" والتلمود العنصرية والمعادية لروح الجمعية الإنسانية. وهو الأمر الذي جعل اغلب الكتاب والمؤرخين والأدباء الروس المعاصرين يعتبرون تاريخ اليهود واليهودية في روسيا جزء من تاريخ "دولة داخل دولة"، أي تاريخ المافيا اليهودية، التي تجسدت في فاشيات متنوعة، المرة الأولى عام 1917 تحت اسم "الثورة الاشتراكية"، والمرة الثانية عام 1991 تحت اسم "الثورة الديمقراطية". وذلك لان حصيلة هذين الحدثين كانت توسيع وترسيخ وتعميق السيطرة اليهودية وامتصاصها لدماء الروس عبر شبكة منظمة وخطة مدروسة تهدف إلى إحكام واستمرار هذه السيطرة بأشد أشكالها استبداد وطفيلية. أي أن المشروع الصهيوني في روسيا لم يسع إلى إقامة دولة في فلسطين، بقدر ما كان يسعى إلى إقامة "دولة يهودية داخل روسيا" عبر إحكام السيطرة عليها كما فعلوا في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا استطاعوا أن يجسدوا ذلك للمرة الأولى عام 1917 ثم تعرضوا للهزيمة بصورة تدريجية، فانهم أعادوا الكرة مرة أخرى عام 1991، والتي مازالت مستمرة لحد الآن.

إن هذه الأحكام العامة صائبة وسليمة، ولكنها جزئية، وذلك لأنه لا تعارض في المشروع الصهيوني بين إقامة "دولة" في روسيا أو فلسطين، لان إحداهما تكمل الأخرى ضمن المشروع الأوسع لليهودية الصهيونية. فما وراء تنوع "الدول اليهودية" توجد وحدة داخلية لما ندعوه بالمشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا للهيمنة، يمثل في الكثير من نوازعه وغاياته المتحجرات العرقية والأسطورية في الوعي السياسي بما في ذلك المعاصر، الذي يستجيب لماهية اليهودية ويتطابق مع رؤيتها عن النفس والآخرين. من هنا "ثباتها" في الأعيان و"تغيرها" في الصور. وليس هذا الثبات في الواقع سوى ثبات أو جوهر اليهودية الصهيونية، الذي تجسد بصورة نموذجية في روسيا على مثال سلوكهم وغاياتهم تجاه الدولة والمجتمع والثقافة.

فبغض النظر عن تباين آراء ومواقف اليهود السياسية، فان سلوكهم في روسيا تميز بأولوية انتمائهم الذاتي الضيق. وتساوى بهذا الصدد التقدمي منهم والرجعي، المتدين والملحد، الرأسمالي والبروليتاري. إضافة لذلك اشتركوا جميعا بالتلون والانتقال والتبدل والتغير من حزب لآخر ومن فكرة إلى نقيضها، كما تنازلوا جميعا عن كل "الخلافات" حالما تكتمل شروط "الانتصار" لطرف من الأطراف. فعندما انتصر البلاشفة في أكتوبر عام 1917 انتقل اغلب اليهود من الأحزاب المعارضة والمناهضة للبلشفية بما في ذلك القومية منها مثل حزب البوند، الذي حل نفسه وذاب في الحزب الشيوعي الروسي. وهو سلوك يعكس غياب الحدود الداخلية في اليهودية ومن ثم انعدام الضوابط باستثناء المصلحة الخاصة.

وليس مصادفة أن يتحول العداء للسلطة، التي تقف ضد مصالح اليهود الخاصة إلى "مبدأ جوهري" و"غاية كبرى" جرى توظيف الأموال والجهود والدعاية من اجل تنفيذها. فعندما كانت القيصرية هي العدو اللدود لليهود واليهودية جرى تغلغلهم في كافة الأحزاب التي حاولت بهذا القدر أو ذاك هدم أسس القيصرية. ونفس الشيء تكرر تجاه الدولة السوفيتية، بعد أن أخذت تفلت تدريجيا من سيطرتهم المباشرة. فإذا كان اليهود هم "طليعة" الثورة البلشفية والسلطة السوفيتية، فانهم تحولوا منذ سبعينيات القرن العشرين إلى طليعة "المعارضة" و"الهاربين" و"المدافعين عن حقوق الإنسان" ضد ممارسات "القمع السوفيتي" داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه. وإذا كان شعارهم في المرة الأولى هو كل السلطة للعمال والفلاحين والملكية العامة والاشتراكية، فان شعارهم في الثانية هي سلطة التكنوقراطيين والملكية الخاصة والرأسمالية. من هنا سلوكهم المتطرف تحت شعار محاربة التطرف. وعوضا عن الاستبداد القيصري صنعوا اشد وافظع أنواع الدكتاتوريات إرهابا، وعوضا عن "القمع السوفيتي" صنعوا اشد وافظع أنواع القمع "الديمقراطي"، الذي لم يعد ينتهك حقوق الأفراد بل والجماعات وليس الروح بل والجسد أيضا. وإذا رفعوا في الأولى شعار حقوق القوميات، فانهم رفعوا في الثانية شعار حقوق الإنسان. وفي الأولى والثانية كان المقصود به اليهود (كقومية) واليهودي (كانسان). كل ذلك يكشف عن أن اليمين واليسار والتقدمية والرجعية والأممية والقومية وما شابه ذلك عند اليهودي هي مجرد أغلفة ووسائل لبلوغ مآرب اليهودية الصهيونية، باعتبارها أيديولوجية الهيمنة والاستبداد الخاصة باليهود. من هنا تهافتهم على السلطة مع كل ثورة وانقلاب وإصلاح، بوصفها وسائل للاستحواذ والسيطرة بالنسبة لهم.

إن تكرار نسبة اليهود في هرم السلطة ومؤسساتها المؤثرة في عام 1991 لما سبق وان جرى في 1917 يبدو من الناحية الظاهرية اقل إثارة بسبب سيطرة اليهود في غضون مرحلة طويلة و"ذوبانهم" في مؤسسات الدولة والمجتمع، إلا أن بروزهم الكمي الهائل بعد غياب طويل نسبيا عن واجهة السلطة أعاد إلى الأذهان أبعاد "المؤامرة اليهودية". إلا أن ما يميزها هذه المرة، كونها لم تظهر "فجأة" كما جرى ذلك في 1917 على هيئة "عشرة أيام هزت العالم"، ومع ذلك جرى تصوير ما حدث عام 1991 "بالأيام الثلاث التي هزت العالم". وهو تصوير يعكس حالة الوعي الاجتماعي والسياسي القومي الروسي الثملة. وكان ينبغي لحالة السكر هذه من المرور لكي تتفتح العيون الروسية من جديد من اجل تأمل ما حولها. ومن جديد لم يحدث أي جديد. بمعنى أنها أخذت ترى نفس العيون الجاحظة واللكنة اليهودية والهجوم الوحشي على التاريخ السوفيتي (الروسي). وهو واقع أثار بصورة خفية وبطيئة "المسألة اليهودية" عبر إثارة قضية "النسبة"، التي سبق وان ظهرت مرات عديدة في التاريخ الروسي تجاه اليهود ابتداء من القرن التاسع عشر.

وإذا كانت الثورة البلشفية قد قلبت موازين القوى بالشكل الذي جعل من مناقشة "النسبة" جريمة يعاقب عليها "القانون"، فان "الثورة الديمقراطية" كررت نفس الظاهرة، بحيث نظرت إلى قضية "النسبة" باعتبارها "جريمة فاشية". وفي كلتا الحالتين كشف اليهود واليهودية في روسيا عن عنصريتهم الفاضحة وفاشيتهم الدفينة.
***
إن "تهويد" روسيا عملية مستحيلة. في حين أن من الممكن خلق لوبي ـ يهودي ـ صهيوني فاعل ومؤثر. لكن روسيا ليست أمريكا. والتيار الجارف في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي والسياسي والثقافي سوف يعيد الأمور في نهاية المطاف إلى مجراها الطبيعي، فيحتل اليهود موقعهم المناسب لوزنهم الطبيعي باعتبارهم أقلية صغيرة في الواقع الروسي. إلا أن هذه العملية تفترض في ذاتها واقعية وإمكانية المواجهة والمساومة. أي أنها متوقفة على كيفية سلوك اليهود والروس في حركاتهم السياسية المؤثرة حاليا والاتجاه السياسي والثقافي المسيطر في الدولة الروسية. وفي كل الأحوال فان ذلك سيؤدي إلى حل "العقدة اليهودية" من خلال رميها إلى ميدان الصراع العربي ـ اليهودي.

فقد كشفت أحداث القرن العشرين في التاريخ الروسي عن أن "الأقوام الصغيرة" (العرقية) تفرز عند وصولها إلى هرم السلطة عناصر "رحيقها العرقي" في جسد "الأمم الكبيرة". وهو "رحيق" يتألف أساسا من عنصري المؤامرة والمغامرة، باعتبارهما المكونين الجوهريين المتراكمين من وجودها خارج معاناة المسار الفعلي لتاريخ الأمم الكبيرة.

فالمعاناة الفعلية للأمم في مجرى حل إشكالياتها الكبرى، تجعل من القيم والمفاهيم والأحكام الثقافية جزءا من كيانها الذاتي. وتضع بالتالي كل خطوة تخطوها على محك هذه القيم والمفاهيم والأحكام، باعتبارها معايير للفعل. مما يؤدي بالضرورة إلى تكامل وعيها الذاتي (عقلها النظري والعملي). ومنه تتبلور معالم الحكمة القومية (السياسية والاجتماعية والأخلاقية). في حين تبقى "الأقوام الصغيرة"، بسبب انعزالها الذاتي، خارج هذه المعاناة. وتبقى بالتالي خارج صيرورة الوعي الذاتي للأمم. مما يجعلها خالية من الحكمة، لان أفعالها مرهونة بالنفس الغضبية ومتطلباتها. من هنا جوهرية المؤامرة والمغامرة في "عقلها النظري والعملي". وهو "عقل" تخريبي وتجريبي في تعامله مع الآخرين. من هنا فقدانه لشعور الانتماء الحقيقي للروح الإنساني.

وقد مثل اليهود في روسيا هذا "القوم الصغير"، الذي دخل وترعرع واكتسب كيانه التاريخي فيها خارج تاريخها الفعلي. أي انه "تبلور" خارج المعاناة الفعلية للأمة الروسية الكبرى في مجرى بناء كينونتها السياسية والثقافية. وهو انعزال أدى إلى فقدان معنى قيم الواجب عند اليهود تجاه روسيا. وحالما جرى تحسسهم البدائي لهذا الواجب، فانه أدى إلى تجريب – تخريب هائل. ولعل أحداث 1917 و1991 وما تلاهما من تجريب وتخريب على التاريخ الروسي والأمة الروسية في مختلف الجوانب والمستويات والميادين خير دليل على ذلك.

لقد كان وراء هذا الدور أسباب عديدة. إلا أن التجربة التاريخية لروسيا تكشف عن وجود سببين جوهريين حددا في الأغلب قدرة "القوم الصغير" على التجريب والتخريب فيها وهما، ضعف الوعي الذاتي – القومي الروسي، وضعف الوحدة الاجتماعية – السياسية – الثقافية للدولة والأمة.

***
المراجع والمصادر

1. ايفانوف، ي: حذار، الصهيونية!، موسكو، 1970 .(باللغة الروسية).
2. ايفانوف، ي: اليهود في التاريخ الروسي، موسكو، 2000. .(باللغة الروسية). .
3. امفيتياتوروف، أ: اليهود والاشتراكية. .(باللغة الروسية).
4. بوغاتشوف، غ: الفاشية اليهودية في روسيا، موسكو، 20. .(باللغة الروسية).
5. .بيكرمان، أ. م: روسيا واليهود (ضمن كتاب "روسيا واليهود) برلين، 1924. .(باللغة الروسية).
6. دوستويفسكي: المسالة اليهودية، موسكو، 2000. .(باللغة الروسية).
7. دوغلاس ريد: جدل حول صهيون، موسكو، 2000. .(باللغة الروسية).
8. ديتش، ل: دور اليهود في الحركة الثورية الروسية، (ضمن كتابات ديتش)، ج.1، موسكو - لينينغراد، 1925. .(باللغة الروسية).
9. كارل ماركس، فريدريك انجلس: المؤلفات الكاملة، ط2، المجلدات 5، 6، 7، 18، 19. .(باللغة الروسية).
10. غيسين، ي: تاريخ الشعب اليهودي في روسيا، لينينغراد، 1925. .(باللغة الروسية).
11. رومانينكو، أ: المضمون الطبقي للصهيونية. موسكو. .(باللغة الروسية).
12. روديونوف، ي: حل المسألة اليهودية، موسكو، 2000. .(باللغة الروسية)..
13. "زعماء روسيا"، دبلن، 1962 (بالإنجليزية).
14. سيليانينوف، أ: اليهود في روسيا، موسكو، 2000. .(باللغة الروسية).
15. شافاريفتش، أ. ر: الشعب الروسي على مشارف الألفية. سباق مع الموت، موسكو، 2000. .(بالروسية).
16. شولغين، ف: ما لا يعجبنا فيهم، باريس (1929)، موسكو 1992. .(باللغة الروسية).
17. صالامون شفارتس: معاداة السامية في الاتحاد السوفيتي، نيويورك، 1952. .(باللغة الروسية).
18. صالامون شفارتس: اليهود في الاتحاد السوفيتي (1939 – 1965)، نيويورك، 1966. .(باللغة الروسية).
19. ماسلوف، س: روسيا بعد أربع سنوات من الثورة، برلين، 1922. .(باللغة الروسية)..
20. ماندل، ن: العناصر المحافظة والتخريبية عند اليهود، (ضمن كتاب "روسيا واليهود"، برلين، 1924.(باللغة الروسية).
21. الموسوعة اليهودية، بطرسبورغ، 1906 – 1913، وطبعة موسكو 1955. .(باللغة الروسية).
22. هنري فورد: اليهودية العالمية، موسكو، 2000.(باللغة الروسية)..
23. لارين، ي: اليهود ومعاداة السامية في الاتحاد السوفيتي، موسكو – لينينغراد، 1929.(باللغة الروسية).
24. لينين، ف. ا : المؤلفات الكاملة، ط5، المجلدات 5، 10، 17، 24، 25.(باللغة الروسية).







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا نتعلم من دراسات التعلم اثناء النوم salam100s قسم الصحة و الطب 5 29-11-2012 05:20 PM
((صور + وثائق)): عقيدة أهل السنة والوهابية في (تجسيم الله) عقيدة بوذية يهودية؟؟! أبو حيدر11 قسم الحوار الإسلامي 5 18-07-2010 05:24 PM
مصادر عراقية: وفود يهودية تزور معبدا في مدينة الحلة بشكل منتظم صادق للابد القسم السياسي 1 14-08-2008 02:31 PM
(مكتبة القرآن الكريم ) دراسات وبحوث قرآنية ’’ وكتب قيمة JO0ORYA قسم القرآن الكريم 4 17-05-2008 05:08 AM
الكتاب الإلكتروني دراسات في علم الأصول كشكول قسم الكتاب 0 01-08-2007 03:47 PM


الساعة الآن 01:53 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education