العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإسلاميـة > قسم حوار الأديان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /29-08-2011, 03:38 PM   #16

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي اليهودية الصهيونية و معتقدها

اليهودية الصهيونية و معتقدها

بقلم حسين نور الدين الحموي

يخطئ من يظنّ أنّ الصهيونية اليهودية تعتقد بالإلحاد ، و أنّ اليهود الصهاينة ملاحدة ، و الإلحاد هو إنكار وجود الإله الخالق ، و يخطئ كذلك من يظنّ أنّ لليهود الصهاينة عموماً معتقدٌ واحد لا يختلف بين يهودي صهيوني و آخر ، هناك فروق نسبية في المعتقد بين أطياف اليهود الصهاينة ، فرق نسبيٌّ من حيث الكيف النوعي و ليس من حيث المعتقد العام و نتائجه ، فرق يمكن توضيح معالمه من خلال مقدمة هامة تتركّز حول أنّ المعتقد الحقيقي الكامل لليهودية الصهيونية فيما لو تمّ تعميمه بكل تفاصيله على اليهود الصهاينة فيمكن ـ إلى حدّ ما غير كبير بالتأكيد ـ أن يسبب بلبلة نفسية ـ فكرية و يثير تساؤلات بينية .

بمعنى آخر أن هناك تفاصيل و حذافير في العقيدة الصهيونية اليهودية و في جوانب هامة منها محظورة عن عامة اليهود و عوامهم بالتحديد ـ كما أظنّ وأعتقد ـ و الذين تمّ تمييزهم من حيث درجة استعدادهم لتقبّل كامل تفاصيل هذه العقيدة و نؤكد في مقالتنا هذه على الصهيونية كاختزال تاريخي للعقلية و النفسية اليهودية عموماً مع ترك هامش ـ طبعاً ـ للأقلية اليهودية المعادية للصهيونية .

السؤال الذي أطرحه هو : هل صفوة اليهود الصهاينة و حاخاماتهم الذين يحوزون على تفاصيل التفاصيل من المعتقد الصهيوني اليهودي هم ملاحدة ؟ !

الجواب : كلا .. هم ليسوا ملاحدة ! أي أنهم لا يعتقدون بإنكار وجود الإله الواحد ! بينما في العامة من اليهود الصهاينة فتوجد فيهم عقيدة الإلحاد ، أي إنكار وجود الإله الواحد الخالق في قاسم مشترك مع معتقد أطياف أخرى من غير اليهود الذين يعتقدون بالإلحاد .

و طبعاً فالتمييز بين يهود غربيين و شرقيين لا يرتبط فقط بالأصل العرقي و إنما التمييز نابع أساساً من حقيقة أن اليهود الصهانية يختلفوا فيما بينهم من حيث استعدادهم لتقبّل كامل تفاصيل و حيثيات العقيدة اليهودية الصهيونية و لذلك حصل هذا التفريق الذي ينظر له من قبل كثير منهم أنه تمييز عنصري و هذا التقسيم ليس تقسيماً حازماً مطلقاً فتجد أنه في كل الشرائح اليهودية الصهيونية غربية أو شرقية من يحوز على كامل تفاصيل المعتقد اليهودي الصهيوني و أيضاً تجد في هذه الشرائح من حظرت عليه بعض التفاصيل من هذا المعتقد ، أي أنه يوجد تداخل و تشابك ينفي التقسيم المطلق بينهم ، و الترقي في درجات المعتقد اليهودي الصهيوني يمكن أن تتوفر فرصته لكل فردٍ يهودي لديه الاستعداد لتقبّل ما يمكنه تقبّله من تفاصيل المعتقد الصهيوني مع العلم أنّ الدائرة اليهودية الاوسع و هي الماسونية تضمّ في نطاقها شرائح كثيرة من غير اليهود و الذين يتمّ التعاطي معهم بتدرج و حسب استعدادهم لتقبّل جزء أو كامل المعتقد الماسوني الذي هو في محصلته يهودي صرف مع العلم أن الصهيونية هي اختزال تاريخي ترشّح عن الماسونية اليهودية الخاصة .

الصهيونية اليهودية و الماسونية اليهودية و هما متوازيتان من حيث الاعتقدادات الكبرى فهما لا تعتقدان بالالحاد بل على العكس فالإلحاد يعتبر بمنظور الصهيونية اليهودية العليا غباء فكري و حمق علمي لا يجوز الاعتقاد به إلا للعامة يهوداً أو غير يهود و هو مطلوب أساساً و مشجّع عليه و مرحّب به و يتمّ الحثّ على الاعتقاد به و نشره و دعم كل ما يعززه .

الإلحاد هو بالنسبة لخلاصة المعتقد اليهودي معتقدٌ لابد للعامة سواءاً من اليهود او غيرهم أن يعتقدوه و هو شرط لازمٌ للترقي في درجات الماسونية العامة و الخاصة كذلك و التي تشمل بوتقتها ـ أي الماسونية ـ مختلف الشرائح من مختلف الانتماءات الدينية و العرقية و القومية و السياسية و الاجتماعية ، و الماسونية تعتبر اكبر دائرة تحوي في نطاقها الملاحدة ممن يعتقدون بالالحاد و ينكرون وجود الإله الخالق أو يرفضوا أن يتقبلوا فكرة وجود الإله الخالق مهما كانت الدلائل و الأدلة لوجود حاجز نفسي ودافع نفسي مبطّن بالفكر . نعود لنؤكد أنه بنظر خاصة اليهود الصهاينة فإنّ الإلحاد يعتبر حمقاً فكرياً و غباءاً علمياً لا يجوز إلا للعامة بمن فيهم عامة اليهود .

اليهودية الصهيونية في ركيزتها العقيدية الأساسية ليست ملحدة !؟ أي لا تنكر وجود الإله الخالق الواحد و لكنها بالمقابل تحوز على عقيدة الكفر المطلق !؟ و الكفر لغة هو التغطية و الستر و لذلك سمّي الفلاح لغةً ـ راجع قواميس اللغة العربية ـ كافراً لكونه يقلب التربة و يغطي و يدفن البذور في الأرض ـ التراب .

أفضل ما يمكن أن نوضح به كلامنا هو بضرب المثل و استعارة المثال :

إبليس الشيطان هل إبليس الشيطان يعتقد بالإلحاد ؟ الجواب كلا طبعاً ما هو معتقد إبليس الشيطان ؟ : معتقده الكفر المطلق !

إبليس الشيطان لم يلحد أي لم ينكر الاعتقاد بالإله الواحد الخالق و وجوده سبحانه بل على العكس هو يعتقد يقيناً و بكامل الاعتقاد اليقيني بوجود الإله الواحد الخالق و بالمقابل هو يعتقد بالكفر المطلق ! كيف يكون ذلك ؟

عندما نفهم تماماً مثال و نموذج إبليس الشيطان فحينها أيضاً سنستوعب تماماً كيف يكون الكفر المطلق مقترناً بعدم إنكار وجود الإله الواحد الخالق.

قال ربّ بما أغوتنى لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

قال فبما أغويتـني لأقعدن لهم صراطك المستقيم{16} ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين {17}. سورة الآعراف

واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه - الكهف 50
ابليس الشيطان في القرآن الكريم و المعتقد الايماني الصحيح لكل الأديان السماوية التوحيدية هو الذي تكبّر على أمر الله تعالى و كفر بتغطية فطرته و سترها بستار الكبْر و تحدّى و أخذ العهد على نفسه بمحاربة بني آدم و اغوائهم و ابعادهم عن الصراط المستقيم عندما نفهم تماماً مثال و نموذج ابليس الشيطان فحينها سنستوعب أيضاً و تماماً ماهي أهمّ تفاصيل المعتقد اليهودي الصهيوني بحذافيره التي تحظر أهم أساسياتها عن العموم بمن فيهم شريحة من اليهود .

و للموضوعية الصرفة فعندما نضع مثال ابليس الشيطان كنموذج للتوضيح و نستقي لتوضيح هذا النموذج بما ورد في القرآن الكريم حوله فليس ذلك الا من باب استعارة أفضل مثال للتوضيح و ليس فقط لكوننا نعتقد بصدقية القرآن الكريم .

إبليس لم يلحد و إنما يعتقد يقيناً بالله تعالى الواحد الذي لاشريك له و لكنه في صلب اعتقاده هذا كفر بتغطية و ستر هذا المعتقد الفطري و أصرّ على استكباره و محاربته لله و رسله و الصراط المستقيم و هنا تكمن عقيدة الكفر المطلق . الكفر المطلق عندما يوجد الاعتقاد و يقترن بالإنكار و الاستكبار و الإصرار على التحدّي و المحاربة دون الركون للتواضع أمام حقيقة هذا الاعتقاد .

لنستقي بعضاً من الأمثلة من الماسونية اليهودية التي أفرزت الصهيونية السياسية فيما بعد مع العلم أنّ الصهيونية السياسية التي تأسست علناً بمساعي هرتزل و نشاطه هي الحديثة نسبياً مقارنة بالصهيونية اليهودية كمعتقد قديم ـ نسبياً أيضاً ـ لاقتران بذور هذا المعتقد و خطوطه العامة و الخاصة مع اليهود منذ القديم النسبي . لنستقي أمثلتنا من الماسونية اليهودية و نقارنها بموقف و نموذج إبليس الشيطان ـ سواءاً اعتقدنا بأنّ الشيطان إبليس هو رمزيّ المثال أو واقعي و حقيقي .

في الماسونية اليهودية يرد كثير من الأمثلة التي تدلّل على أنّ من إحدى ركائز المعتقد اليهودي الصهيوني هو محاربة الله الواحد و رسله :

يقول الماسوني اليهودي أرجي ـ إن أسعفتني الذاكرة حول صحة الاسم ـ في أحد المحافل الماسونية في أوروبا :

( على الإنسان أن ينتصر على الإله و أن يخرق السماوات و يمزّقها كالأوراق ) .

و في أقوال أخرى صادرة عن نفس القوم :

(الماسونية يجب أن تنتصر على الأديان و على دين البدو المسلمين )

( الماسونية اليهودية تقع على عاتقها مسئولية ثورة إلحادية عالمية )

و هنا يتأكّد لنا أهمية الإلحاد و دوره عند اليهود الصهاينة و تشجيعهم عليه و الحثّ على الاعتقاد به .

( كلّ من يهتمّ بالدين فيجب أن لا يُترك و شأنه )

( الماسونية اليهودية تشجّع دوماً على إشغال الغوييم بالملذات البهيمية ) ( الماسونية اليهودية ستنتصر على الأديان و ستنتصر على الإسلام كما انتصرت على غيره و ستخلوا المساجد من روّادها و ستتحول إلى محافل ماسونية ترتفع فوق قبّتها نجمة داؤود ) .

هذا الكلام الصادر عن الماسونية في أواخر القرن التاسع عشر يكذّبه الواقع و يصدّه و صدق الله تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و الله متمّ نوره و لو كره الكافرون } .

أليس هذا هو المعتقد الإبليسي نفسه الذي يجسّد نموذج الكفر المطلق الذي يعتقدونه بالاشتراك مع إبليس الشيطان .

أي أنّ اليهودية الصهيونية تجسّد تماماً واقعياً و موضوعياً نموذج إبليس الشيطان و حتى أنه في أوضح الشروح التي تقدم تفسيراً للإله يهوه ربّ اليهود الصهاينة و الماسونية اليهودية فتشرحه على أنه هو إبليس الشيطان .

خاتمة :

الاعتقاد الإيماني الذي يعمل الصهاينة على تنشئة أجيالهم عليه هو الإيمان بالربّ يهوه الذي يعتبرونه ربّهم الخاص باليهود فقط دون غيرهم و طبعاً فواضعوا التعاليم عن لسان يهوه هم حاخامات الصهاينة قديماً و حديثاً و قد اختزلوا في التلمود كل انحراف النفس اليهودية التي يدعوها يهوه لأن تكون عنصرية حتى النخاع .







  رد مع اقتباس
قديم منذ /29-08-2011, 09:35 PM   #17

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي البروتوكولات الصهيونية - تقاليد قواعد العمل المغلقة

الحلقة الاولى - البروتوكولات الصهيونية - تقاليد قواعد العمل المغلقة


ميثم الجنابي : هناك مؤلفات لا يزيدها مرور الزمن إلا إثارة، والبحث إلا لغزا، والتنقيب والتعقيب إلا تعقيدا. فهي تبدو كالحفرة لا يزيدها الأخذ منها إلا اتساعا. وهي مفارقة لها معناها التاريخي وقيمتها السياسية وأثرها الفعال في الصراع الدائر بين مختلف القوى. ولعل "البروتوكولات الصهيونية" من بين أكثرها شيوعا. إذ مازالت تثير من حيث عنوانها ومضمونها ومغزاها جدلا أضفى عليه الزمن المزيد من الاثارة والتعقيد. وسبب ذلك يقوم في أن "البروتوكولات" تشكل بمجملها الصورة المركبة عن الاستعداد الذاتي لليهودية – الصهيونية، ومن ثم فهي الصورة المركبة للصهيونية الفعلية.

من هنا إثارة الشك الدائم حول صحتها ومحاولات البرهنة على أنها منحولة وأنها وضعت على لسان "حكماء" هم في الأصل من أعداء اليهود. وبالتالي ليست "البروتوكولات" سوى حلقة في سلسلة العداء لليهود وجزءا من تقاليد "العداء للسامية". وهي شكوك لها أسسها الشكلية والواقعية دعمت على الدوام بالمال والإعلام كجزء من معترك المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية على امتداد فترة طويلة، شكل القرن العشرين بيانها ولسانها الحادين.

فقد شككت اليهودية الصهيونية على مدار قرن من الزمن بصحة "البروتوكولات"، ووجهت اتهاماتها المتكررة والمتنوعة ضد مختلف الدول والاقوام والحزاب والافراد. ففي بداية الامر وجهت اتهامها ضد القيصرية الروسية، بعد ذلك ضد قوات الجيش الأبيض الروسي وبالاخص على أثر هزيمته في الحرب الأهلية، ثم ضد الحركات القومية في أوربا والهتلرية بالأخص، ثم ضد العرب وأخيرا ضد الحركات الإسلامية. وهو "تطور" و"تبدل" في الاتهام يعكس ثباتا يشير إلى أن الطرف القائم وراءه هو هو نفسه. مما يعني، بان الوجه الآخر للقضية يقوم في أن اليهودية الصهيونية كانت دوما، وفي الأغلب لحالها، وراء التشكيك بمضمون "البروتوكولات".

وفي الواقع ليس هناك من قضية "فكرية" صرفت عليها الأموال الكثيرة من جانب اليهودية الصهيونية كما جرى صرفها على التشكيك بحقيقة "البروتوكولات" ونفي التهمة عن اليهودية الصهيونية باعتبارها الكيان القائم وراءها. وبما أن اليهودي لا ينفق المال جزافا، كما انه لا معنى لصرف المال على قضية "كاذبة" لهذا يمكن التوصل إلى أن وراء التشكيك الدائم بصحتها هدفا، وضعته "البروتوكولات" نفسها بعبارة بسيطة ومقتضبة يقوم فحواه في مسعى اليهودية الصهيونية للسيطرة العالمية. أننا نعرف الآن حجم الأموال الكبيرة التي جرى صرفها من جانب اليهودية الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، من اجل كسب قضية دريفوس عام 1894 في فرنسا، وبعدها بعقود قليلة قضية ديليس في روسيا. طبعا إن ذلك لم يكن معزولا أيضا عن شعور الانتماء لليهودية، الذي بدوره كان محددا بثقل تقاليد الشتات والغيتو.

وقد ربحت اليهودية الصهيونية هاتين القضيتين ظاهريا عبر القضاء وفعليا عبر الصحافة والأموال (الرشوة). ووظفتها بالطريقة التي تخدم مساعيها الفعلية نحو بسط سيطرتها. وأدركت أثر نجاحها الكبير آنذاك أهمية وفاعلية الصحافة بشكل عام والمأجورة بشكل خاص، بحيث تحولت مهنة الصحافة وملكيتها إلى مركز اهتمام اليهود بها إلى جانب البنوك. مما أدى تاريخيا وفعليا إلى نشر عدوى الصحافة المأجورة على النطاق العالمي. فكما انهم "أبدعوا" تاريخيا "منظومة الربا" كذلك أرسوا أسس "الصحافة المأجورة"، التي يمكن اعتبارها صناعة يهودية خالصة.

أدى نجاح اليهودية الصهيونية في الاستحواذ على الصحافة المأجورة والدعم المالي (الرشوة) وبالأخص تجاه قضية دريفوس وديليس، إلى تعايش الوهم والواقع بحيث توقعت إمكانية الفوز الدائم بالعصا الموسوية الجديدة. لاسيما وأنها حصلت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 على قوة إضافية هائلة جرى تجريبها بصورة تامة في روسيا بحيث رفعت الرقابة إلى مصاف المطلق بعد أن ركزت كل أجهزتها المباشرة وغير المباشرة بيدها.

حينذاك قتلوا كل من طالت يدهم وطاردوا الآخرين بما في ذلك بعد هروبهم من روسيا بينما عملوا على "شطب" كل الأسماء التي كان يشم منها رائحة "العداء للسامية" من مفكرين ومؤرخين وأدباء وعلماء وشعراء. بل نراهم حتى الآن كما هو الحال بالنسبة لمحاولات بعض الكتاب اليهود "المحترمين" إخراج بوشكن وغوغل من قائمة الأدباء الروس الكلاسيكيين وذلك للشك بكراهيتهم لليهود!! بل انهم اعتبروا المفكر والمؤرخ الروسي الكبير للفلسفة لوسيف أ. ن "معاديا للسامية" على اثر مقال كتبه بعنوان "ما هكذا تعذب الحقيقة وتجلد" تعليقا على ممارستهم في المرحلة السوفيتية تجاه تاريخ الفكر والمفكرين، وطالبوا بإخراجه من "ميدان الثقافة"!

والشيء نفسه يمكن ملاحظته اليوم تجاه كل أحرار الفكر والإبداع الإنساني. وهو غلو يستمد مقوماته من خلو اليهودية بشكل عام واليهودية الصهيونية بشكل خاص من تقاليد العدل الأخلاقي والاعتدال العقلاني. كما انه ارتبط وما يزال يرتبط بالهامشية التاريخية والثقافية والقومية لليهودية الصهيونية. لهذا حالما تستحوذ على "المركز" فإنها تعمل أولا وقبل كل شئ على تهميشه وإفراغ بؤرته الثقافية الحية من حملتها، أي العمل المقنن من أجل تدمير المعارضة. وبما انه يصعب تنفيذ ذلك على الدوام بصورة مباشرة، بفعل محدودية اليهودية الصهيونية وخوائها الأخلاقي، لهذا تحولت الصحافة المأجورة إلى العصا الموسوية الجديدة لالتهام كل من تعتبره عدوا لها. وشأن كل ما هو هامشي في التاريخ الثقافي العالمي، عادة ما يفقتد للإحساس العقلاني والوجداني بقيمة الحدود الذاتية. لهذا نراها بعد ان ربحت القضايا المشهورة عن دريفوس في فرنسا وديليس في روسيا وسيطرتها المباشرة على مقاليد الحكم في روسيا السوفيتية، بممارسة أشد أنواع العنف المنظم ضد تقاليد "العداء للسامية" في روسيا وبالأخص ضد "البروتوكولات" وكل من يمسها ماديا ومعنويا. بحيث أصبح العثور على نسخة منها دليلا كافيا للسجن والإعدام!

بل نرى اليهودية الصهيونية تكرر محاصرتها لهنري فورد على كتابه "اليهودية العالمية"، الذي كتبه تحت تأثير "البروتوكولات" ودور اليهود في الثورة البلشفية وكذلك تفحصه لتاريخ الماسونية اليهودية. واستطاع المال اليهودي (عبر المصرفي شابيرو) والصحافة المأجورة (عبر الصحفي برنشتين) بإقامة دعوى ضده عام 1927، اضطروه لدفع غرامة على مهاجمته لهم واستخراج حكما يقضي بمصادرة كتابه من الأسواق ومنع طباعته! وكرروا العمل نفسه في برن (سويسرا) في عام 1933 و1935 ضد {بروتوكولات الحكماء الصهاينة}، حينذاك جرى تحويل "المحاكمة" إلى مسرحية عالمية من خلال استدعاء وإحضار "صحفيين من مختلف مناطق العالم"، كما جرى تسخير الأرشيف السوفيتي (الروسي) لخدمة هذا الغرض. ونجحوا في أول الأمر على استصدار حكم بتغريم الناشرين للكتاب، باعتباره كتابا "منحولا وبلا معنى"! إلا أن استئناف القضية في المحكمة العليا عام 1937 ألغى الحكم السابق، واعتبر "البروتوكولات" كتابا سياسيا، ومن ثم يتمتع بكل الحقوق التي تبيحها حرية الصحافة. وذلك لأنه لا يحرض على القيام بجريمة!

كشفت هذه المحاولات والأحداث المرتبطة بها عن سهولة الحصول على أحكام بالمنع والمصادرة والتبرئة والاتهام وما إلى ذلك حالما يتعلق الأمر بالأفراد. كما أن من السهل أحيانا، في حال امتلاك الوسائل المناسبة، تشويه سمعة الأفراد والأحزاب والأمم والدول لزمن محدود، إلا أن من المستحيل حبس الفكرة أو قتلها، لا سيما إذا كانت الأحداث والمعطيات اليومية على مدار قرن من الزمن لا تدحض ما فيها فحسب، بل وتقدم الدلائل "الفاضحة" على أن ما تقوله صحيح. كل ذلك يشير إلى أن القضية هنا ليست فيمن كتب الكتاب وكيف ومتى ولماذا، بل فيما إذا كانت الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية، الظاهر منها والمستتر تصدّق ما فيه أو تكذبه.

ولو أجملنا ما تتضمنه "البروتوكولات" في عبارة واحدة، فانها تبدو كالتالي: السعي اليهودي الصهيوني للسيطرة على العالم من خلال المؤسسات والدول والأحزاب والمال والدعاية والأعلام عبر استعمال كل الوسائل! وهي عبارة وجيزة تحتوي على كل شئ! لاسيما وان هذه المساعي لا تخرج في الإطار العام عن تقاليد "القوة الغضبية" ومخالبها، التي تشكل اليهودية الصهيونية أحد صيغها النموذجية في العالم المعاصر. مع أنها ليست الوحيدة. وليس مصادفة أن تكون غريزة السيطرة ناتئة بصورة مثيرة في المؤسسات والدول التي يشكل اللوبي اليهودي الصهيوني قوة فعلية (كما كان الحال في فرنسا زمن نابليون، وفي انجلترة قبل وبعد الحرب الإمبريالية الأولى، وروسيا بعد الثورة البلشفية، والولايات المتحدة بعد الحرب الإمبريالية الثانية ولحد الآن).

لكنها سيطرة يستحيل تنفيذها بصورة تامة. والقضية هنا ليس فقط في ان ليس كل ما يشتهيه المرء يبلغه، بل ولمناقضتها منطق الوجود والتقدم نفسه. لان السيطرة الشاملة هو تدمير للسيطرة نفسها. غير أن هذا الحكم المنطقي لا علاقة مباشرة له بالقوة الغضبية (الغريزة)، لكنه يجبرها من خلال عقلنتها التاريخية ووضعها أمام الحقيقة القائلة، بان كل تقدم حقيقي يفترض إدراك قيمة الحدود الذاتية. إلا أن "منطق" اليهودية الصهيونية من حيث الجوهر هو اقرب إلى "قواعد العمل" النفعية الخالصة. لذا فهي لا تنطوي على عظة، وبالتالي فلا حكمة فيها!

أما مفارقة "الحكمة" في عنوان "البروتوكولات"، فإنها ليست اكثر من استهزاء بحقيقة الحكمة التاريخية ومنطقها الأخلاقي القائل، بضرورة الارتقاء فوق معايير الغريزة والعقل الماكر من اجل تأمل حقيقة الوجود، باعتباره عدلا وإخلاصا للمعاني الخالدة. بعبارة أخرى، إن ماهية اليهودية الصهيونية تقوم في افتقادها للحدود الذاتية. لهذا لا يتعدى "منطقها" في الأغلب قواعد العمل النفعية. من هنا ولعها بما سمته تقاليد الإسلام الفلسفية بحب الجاه والرياسة، أي حب الاستكبار والاستحواذ. وإذا كانت هذه الخصلة من صفات النفس البشرية الضيقة، فان همجيتها التاريخية المعتقة في اليهودية الصهيونية ارتبطت بالوجود الهامشي لليهود واليهودية.

إن اليهودية الصهيونية هي مركّب هامشي بالمعنى التاريخي والقومي والثقافي. ومع أنها جزء من التاريخ العالمي، لكنها على ضفافه. من هنا امتلاءها بعناصر الانعزال والغلوّ. وليس تركزّ المال الربوي في الواقع سوى الصيغة الجلية والخفية لهذه الهامشية التاريخية. ولم تؤد مساعيها المعاصرة "للانفتاح" على مجاري "العولمة" إلا إلى تعميق الانعزال والتطرف. وهذان بدورهما ليسا إلا الصيغة الاجتماعية والسياسية لتقاليد الغيتو والشتات اليهوديين، اللذين وجدا تعبيرهما أيضا في وحدة التمركز المالي والهامشية التاريخية. إذ ليس التمركز المالي والهامشية التاريخية لليهودية الصهيونية سوى المظهر الاقتصادي والثقافي للغيتو والشتات، اللذين وجدا منفذهما الوحيد في ميدان السياسة عبر الراديكالية بمختلف ألوانها ومظاهرها. وليست "البرتوكولات الصهيونية" في الواقع سوى أحدى الصيغ النموذجية للنفسية الراديكالية. من هنا سيطرة "قواعد العمل" فيها.

فمن الناحية التاريخية ليست "البروتوكولات الصهيونية" نموذجا فريدا في تاريخ الراديكاليات الباطنية والظاهرية. بل نستطيع القول، بان "البروتوكولات" هي مجرد صيغة نموذجية للذهنية اليهودية الصهيونية في إحدى مراحل تطورها، كما تجسدت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوربي. لهذا نعثر فيها على صدى التقاليد "الثورية" و"الميكيافيلية" مخلوطة في توليفة قوامها نفسية الشتات والغيتو، التي تشكل الحركة الصهيونية تجسيدها التام.

فقد تزامن ظهور "البروتوكولات" مع المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل عام 1897، ومع ازدياد حدة "المسألة اليهودية" التي شكلت قضية دريفوس عام 1894-1899 أحد مؤشراتها "الأوربية" آنذاك. وهي مؤشرات مشابهة من حيث محتواها النفسي والعملي لما في الكتابات التي كانت تصدر تحت اسم "الكاتيخيزيس" الواسعة الانتشار نسبيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوربا. وهي كتابات ثورية راديكالية استمدت اسمها من "الكاتاخيزيس النصراني"، أي علوم الدين، وبالأخص أصول الإيمان، التي تقابل في التقاليد الإسلامية "بقواعد العقائد". وهي قواعد حاولت تجسيد العقائد "النظرية" في خطوات "مدروسة" ومقننة ومنظمة "لما ينبغي القيام به" من اجل بلوغ الغاية.

ووجد هذا "الفن" انعكاسه وتجسيده في مختلف الثقافات والمراحل التاريخية، وبالأخص في الفرق الباطنية منها. لكن إذا كانت تقاليد الباطنية القديمة اقرب إلى الرؤية الفلسفية واللاهوتية، فان "قواعد العمل" المميزة لأوربا القرن التاسع عشر اتصفت بأولوية "العمل الفعال" من اجل بلوغ الأهداف السياسية والقومية أولا وقبل كل شئ. كما ارتبط أيضا بتطور الرأسمالية وردود الفعل المتنوعة عليها. من هنا ظهور "الصيغة الثورية" كما هو الحال في {البيان الشيوعي} وغيره. كما نعثر على نموذج روسي لقواعد العمل الثورية في كتاب نيتشاييف {كاتيخيزيس المناضل الثوري} (1869) ، الذي اتسم بنزعة راديكالية متطرفة من النظام القيصري القائم، وبنزعة فوضوية ضد الرأسمالية الآخذة في الصعود على خلفية القنانة التي ألغيت رسميا قبل ثمان سنوات.

وهو كتاب قال عنه انجلس، الممثل الألمع آنذاك للفكرة الثورية، بان كل فصوله ترمي إلى ما يرمي إليه الفوضويون، أي إلى تخريب كل ما هو موجود، وبالتالي إشاعة الاضطراب والتشوش في العلاقات السياسية والأخلاقية. كما ظهرت "صيغ قومية" "لقواعد العمل" هذه، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لما يسمى "بالكاتيخيزيس البولندي"، الذي ظهر للمرة الأولى عام 1863، بعد تعرض الانتفاضة الوطنية للبولنديين ضد السيطرة الروسية إلى الهزيمة. اذ نعثر فيه على نفس الهواجس المميزة لهذا النوع من الكتابات، أي "تقنين" قواعد العمل الهادفة إلى زعزعة السيطرة الروسية عبر القيام بكل الأعمال التي تؤدي إلى هذه الغاية، مثل التغلغل في أوساط الفئات العليا للدولة والمجتمع، وشراء الأرض واستعمال الكذب والغش والخديعة والتملق وغيرها من الأساليب مازالت تخدم الهدف النهائي. وليس هذا بدوره سوى دفع الرذيلة البرجوازية إلى درجاتها القصوى. كما يظهر في الاتحاد السوفيتي "كاتيخيزيس اليهودي السوفيتي"، الذي صور اليهودي كيانا معاديا للسوفييت والروس ويتجلبب بلباس الاشتراكية والشيوعية لأجل محاربتها، واستعمال المظاهر الروسية لأجل تخريبها.

وعندما ننظر إلى "البروتوكولات" من حيث المظهر، فإننا نرى في "قواعد العمل" المقننة بين سطورها تجسيدا نموذجيا "للميكيافيلية" المطوّعة، أي الأيديولوجية العملية التي حصرت آراء ميكيافيلي في أسلوب مباشر يقوم في إعلاء شأن القاعدة القائلة، بان الغاية تبرر الوسيلة. وضمن هذه الإطار يمكن تحسس المعنى المستتر "للبراهين" التي حاولت أن تقدمها الدعاية اليهودية الصهيونية عن إيجاد الشبه بين كتاب {حوار في الجحيم} لموريس جولي (ت – 1879) الذي صور حوارا متخيلا بين ميكيافيلي ومونتسكيو من اجل إدانة سياسة نابليون الثالث في فرنسا آنذاك، وبين"البروتوكولات". وإذا كان هناك بعض ملامح الشبه بينهما، فان ذلك ليس دليلا على أن ما فيها هو "مجرد سرقة" من "حوار في الجحيم"، بقدر ما انه يشير إلى أن البحث في "ميكيافيلي" موريس جولي عن مصدر "البرتوكولات" هو توكيد غير مباشر على ما في ذهنية ونفسية اليهودية الصهيونية من نزعة "ميكيافيلية". لان "البروتوكولات" أيضا من ألفها إلى يائها تعمل حسب قاعدة الغاية تبرر الوسيلة. بل أنها جعلت من هذه القاعدة مبدأ شاملا ومنظما "لقواعد العمل" الصهيوني.

ففي "البرونوكولات" نعثر على مختلف الصيغ التي تصب ضمن هذه القاعدة وتعيد إنتاجها، مثل الفكرة القائلة، بان الأسلوب الأمثل لبلوغ الغاية يقوم عبر استعمال "العنف والإرهاب، لا بالمجادلات النظرية المجردة، انطلاقا من أن كل امرئ مشتهاه السلطة والجاه". أو أن يجري تصوير الحرية السياسية على أنها "فكرة مجردة، ولا واقع حقيقيا لها". ثم يجري النظر إليها باعتبارها طعما للمصيدة ينبغي إتقان استعماله. أو أن يجري التوكيد على انه كلما كان "الخصم المراد البطش به قد أخذته عدوى فكرة الحرية المسماة ليبرالية" كان ايسر السيطرة عليه. أو أن يجري اعتبار المال "القوة التي نسخت قوة الحكام من أنصار الليبرالية". وبما أن الوسائل كلها مبررة من اجل بلوغ الهدف فلا مانع من استعمال أي منها إذا كان مناسبا للحالة المعنية. من هنا يصبح ممكنا على سبيل المثال استعمال "الأهواء والمعتقدات الرخيصة، وما خف وفشا من العادات والتقاليد والنظريات العاطفية" والعمل على إثارة "التطاحن الحزبي". وذلك لان "السياسة مدارها غير مدار الأخلاق، ولا شيء مشتركا بينهما، والحاكم الذي يخضع لمنهج الأخلاق لا يكون سائسا حاذقا".

أما الصفات التي يقال أنها من "الشمائل القومية العالية، كالصراحة في إخلاص، والأمانة في شرف، فهذا كله يعد في باب السياسة من النقائص لا الفضائل". وهي فكرة وجدت استمرارها "الطبيعي" في رفع شأن القوة إلى مصاف الحق. من هنا توكيد "البروتوكولات" على أن "حقنا منبعه القوة". من هنا كل فعل فيها "معقول ومقبول"، لان "النتائج تبرر الأسباب والوسائل". وبالتالي، فان من الضروري مراعاة "ما هو أكثر فائدة وضرورة بصورة اكبر من مراعاة ما هو اكثر صدقا واخلاقية". وحدد ذلك موقف "البروتوكولات" مما أسمته الأخذ بعين الاعتبار ما يكون عليه "جمهور الدهماء من طباع خسة ونذالة"، والعمل على استعمال "العنف في الأمور السياسية، ولاسيما إذا كانت أدوات العنف مخفية". بحيث اعتبرت "هذا الشر هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المقصودة من الخير". كل ذلك حدد "شرعية" و"أخلاقية" "استعمال الرشوة والخديعة والخيانة، متى لاح لنا أن بهذا تحقق الغاية". إذ في "السياسة يجب على الواحد المسؤول أن يعرف كيف تقتنص الفرص فورا".

وهو أمر يستلزم على سبيل المثال "الأخذ بعين الاعتبار، ما عند الأمم من ذهنية خاصة بها وخلقها ونزعاتها". واستغلال كل ذلك بما يخدم الهدف النهائي إلا وهو بلوغ السيطرة. وهي صفات استمدت "البروتوكولات" نموذجها من الجزويت وسعت إلى تجاوز نواقص سابقيهم بهذا الصدد. وهي صفات تمركزت حول القاعدة الأساسية المتعلقة بتبرير الغاية للوسائل. هنا تصبح كل الأفعال مباحة مثل "الاستيلاء على الرأي العام"، و"الإفساد بين الأحزاب، وتفريق القوى المجتمعة على غرض"، وإثارة "الهزات العنيفة والانشقاقات والضغائن والأحقاد"، والعمل على "إبقاء الحرب بين البلاد المعارضة لنا وجاراتها"، على أن يكون ذلك "بألطف مقال، وانعم كلام، وارفع طراز في تلفيق الفتاوى القانونية"، والعمل على تسميم عقول الأجيال الفتية "بالمبادئ والنظريات الفاسدة".

فما غير اليهود هو مجرد "قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم". وافضل وسيلة لذلك هو الصحافة والإعلام والتعليم. إذ "لكي يتم تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري والتضامن الاجتماعي، من الضروري تفكيك حلقات المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات"، أما "تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك تدريس التاريخ القديم، فينبغي رميه واستبداله بتدريس برامج المستقبل". ومن الاستعراض المكثف السابق يتضح جوهر "البروتوكولات"، باعتبارها نموذجا كلاسيكيا "لميكيافيلية" القوى الانعزالية والمنغلقة، وتمثيلا نموذجيا لقواعد عملها.

فمن الناحية التاريخية والثقافية عادة ما تشكل نماذج "قواعد العقائد" النظرية الصيغة المقننة لنمو العقل العملي (أو الروح الأخلاقي)، على عكس ما هو مميز لقواعد العمل، التي عادة ما تشكل الصيغة المقننة لتوقف العقل العملي (الأخلاقي)، وبالتالي اندفاع قيمة العمل بحد ذاته إلى المقدمة وتحوله إلى المحك المطلق للحقيقة. وهو تحول عادة ما يؤدي إلى نفس النتيجة بغض النظر عن بواعثه الأولية. وذلك لأنه يغلق أمام الأفراد والجماعات إمكانية الاندماج الطبيعي في المجتمع ومعاناة إشكالياته الكبرى بوصفها جزء من نمو الوعي الذاتي التاريخي للأمم. وهو السبب الذي يفسر سر انتشارها السريع والواسع وسط "الاقليات" والهامشيين والحثالات الاجتماعية. وفي افضل الأحوال تبقى من نصيب النزوع الباطني وتقاليده الضيقة.

من هذا المنطلق يمكن فهم أحد الأسباب الجوهرية الكامنة وراء ظهور "البروتوكولات الصهيونية" باعتبارها الصورة المركبة عن اليهودية الصهيونية في أحد مراحل تطورها. إنها جسدت قواعد العقائد العملية للسبيكة المتصيرة تاريخيا من تلاقح الراديكالية اليهودية والباطنية الماسونية والصهيونية في مجرى محاولات اندماج اليهود، بكل ما رافق ذلك من عسر وتشويه، بالثقافة الأوروبية عند صعود الرأسمالية الكولونيالية والدولة القومية.

الحلقة الثانية - البروتوكولات الصهيونية -
الماسونية اليهودية الصهيونية - الثالوث الراديكالي للشتات والغيتو

كان القرن التاسع عشر الأوربي قرن الراديكاليات السياسية من فوضوية وعدمية وشيوعية طوباوية واشتراكيات متطرفة وحركات إرهابية وماسونيات متنوعة تراكمت في مجرى تأمل نتاج ونماذج الثورة الفرنسية. وهي راديكاليات اشترك اليهود فيها اشتراكا فعالا، لأنها شكلت أسلوبا لاندماجهم الواسع الانتشار آنذاك في الثقافة الأوربية. كما كانت في الوقت نفسه استجابة لتقاليد الشتات والغيتو ونفسيتها الاجتماعية المنغلقة.وقد صبّ اليهود في هذه العملية المعقدة إفرازاتهم في خميرة التيارات الراديكالية المتنوعة. وليست "البروتوكولات" سوى نموذج ونتاج لتداخل "منطق" الراديكالية و"باطنية" الماسونية في اليهودية الصهيونية. وهو تداخل كان يعكس التمظهر التاريخي لتقاليد الشتات والغيتو اليهوديين، أي وحدة الانعزال والتشرذم. وهي صفات ميزت نفسية الماسونية والصهيونية والراديكالية على السواء.

فقد تمثلت اليهودية الصهيونية تراث الماسونية وراديكالية الحركات الثورية، وبالأخص عناصرها الكبرى في "قواعد العمل" مثل العمل السري، والتنظيم المبرمج لهدم النظم القائمة، واتباع أسلوب التغيير الجذري، وأولوية العنف والقوة، والاعتماد على القوى المهمشة والهامشية، وادعاء العالمية والكونية في البرامج والرؤية. ولعبت هذه القواعد الست دورا تقدميا عميقا في تراث الراديكالية اليسارية والحركات الثورية (الاشتراكية والشيوعية) في أوربا. وهي قواعد يمكن العثور عليها في كل كراريس وبيانات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية الأوربية ابتداء من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين.

غير أن هذه القواعد الست العامة صارت من الناحية الرمزية بمثابة ايام العمل الست التي تسبق يوم السبت اليهودي, وذلك ضمن آلية فعل الشتات والغيتو لليهودية الصهيونية الناشئة منذ بداية النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إلى أيام العمل الستة العادية من اجل التحضير للسبت اليهودي. لكن إذا كان العنصر اليهودي المندمج والساعي للاندماج في الثقافة الأوربية قد افرز بالضرورة عناصر الراديكالية في الحركات الثورية، فان التيار الذي بقي ضمن حيز اليهودية العنصرية وتقاليدها التلمودية استثمر نفسية الراديكالية وقواعد عملها ضمن هيكل الماسونية ونزوعها المنغلق من اجل تنفيذ مساعيه الخاصة للسيطرة (العالمية).

طبعا أن النزوع للسيطرة العالمية ليس جديدا أو أمرا غريبا. فقد كانت الإمبراطوريات العظمى والأديان العالمية والحركات الأممية تسعى جميعا للسيطرة العالمية. ثم أننا نعثر في التاريخ عموما على مساع حثيثة للسيطرة العالمية على مستوى الدين والدولة والحركات السياسية. ولا يخلو العالم المعاصر من هذه الظاهرة، التي تكشف عن ضيق أفق في رؤية الدولة، وعن جوهرية الله (أو الفكرة) في الدين، وجوهرية الغاية (المتسامية) في الحركات السياسية الأممية. ومن الناحية التنظيمية يمكن العثور في تقاليد الكاثوليكية على محاولات تجسيد هذه السيطرة، كما سعى الكومنترن (الاممية الشيوعية)، بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، إلى تجسيدها استنادا إلى الفكرة الشيوعية (خارج الدين والقومية). والشئ نفسه يمكن قوله عن حركة الإخوان المسلمين كما وضعها حسن البنا في سعيه لما اسماه بالدورة العالمية لاستعادة السيطرة الشرقية بشكل عام والإسلامية منها بشكل خاص.

وبغض النظر عن الفشل الذريع أحيانا لهذه المشاريع والمساعي، إلا أنها تبقى تحمل في ذاتها إدراكا عميقا لمعنى الوحدة وأهميتها الإنسانية. أما سبب فشلها فيقوم في محاولاتها تطبيق نموذجها بهيئة بديل جاهز. بينما تفترض حقيقة الوحدة تطورا تلقائيا يؤدي بالضرورة، في حالة استناده إلى رؤية ثقافية عقلانية (معتدلة) في بناء الدولة والمجتمع والفرد، إلى تلاق متناغم في تنظيم شئون الدول والأمم وتقاربها المتناسق. أما الماسونية فقد تمثلت أساسا نفسية الراديكالية وتقاليدها المغلقة مما اسبغ عليها وعلى قواعد عملها طابع المؤامرة والمغامرة.

تأثرت الماسونية ودانت من حيث نشوئها لتقاليد الفرق النصرانية، التي تشكل اغلبها منذ بداية الحروب الصليبية وغزو فلسطين. ولعل أكثرها تأثيرا بهذا الصدد هي فرقة (فرسان الهيكل)، التي تأسست في نهاية القرن الحادي عشر بعد احتلال القدس. وهي فرقة تميزت بالصرامة والعزلة. ولعبت هذه الفرقة بعد تحرير فلسطين عام 1291، ورجوعها إلى أوربا دورا كبيرا في تأسيس "دولة داخل دولة". حينذاك اخذ دورها المادي والمعنوي في الازدياد، مع الاحتفاظ ببنيتها المغلقة وتقاليدها السرية. فقد ازدادت ثروتها الخاصة من خلال انتقال ثروات المنتمين إليها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنتمين إليها من بين أرستقراطية وأمراء أوربا آنذاك، فمن الممكن توقع نوعية وكمية الثروة المتجمعة عندها، مما حولها في نهاية المطاف إلى "إمبراطورية" موازية "لإمبراطورية" البابا والألمانية المقدسة.

وبغض النظر عن تعرضها لتدمير هائل زمن فيليب الرابع (الملقب بالجميل) ملك فرنسا عام 1307، إلا أنها استطاعت الاستمرار عبر فروعها في أسبانيا والبرتغال واسكوتلنده وغيرها من المناطق حتى القرن السابع عشر. بعد ذلك اندمجت بالحركة الماسونية ونقلت إليها "تاريخها" السابق ورموزها مثل المثلث والكأس ونجمة داوود (الهيكل) وغير ذلك من الرموز. كما نقلت إلى الماسونية أيضا قواعد عملها. والشيء نفسه يمكن قوله عن فرقة روزينكرايتس (الوردة والصليب)، التي شكلت إلى جانب (فرسان الهيكل) أحد أهم الفرق التي دخلت الحركة الماسونية في وقت لاحق. فهي الفرقة التي لم يعق اهتمامها بالباطنية والتصوف والطلسمات من انتماء شخصيات أوربية لامعة اليها نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ليينتس وديكارت. لكنها خلافا لفرقة (فرسان الهيكل) لم تتدخل بصورة مباشرة في الشئون السياسية ودنيا المال. لكنها كانت تدعو إلى ضرورة تحويل العالم عبر تكوين دولة واحدة ودين واحد بالقضاء على البابوية والكاثوليكية.

لقد جعلت الماسونية من اهتمامها بالمستقبل مقدمة نقدها للواقع، ومن نقدها للواقع ذريعة للثورة عليه. وهي قيم إنسانية عميقة من حيث طبعها المجرد، إلا أن خطورتها التاريخية كانت تقوم في إمكانية تحجرها "العقائدي" من خلال تحويل قواعد عملها ومبادئها الكبرى إلى جزء من لعبة المقامرة والمغامرة التي عادة ما تؤدي إليها الراديكالية المغلقة. وهي لعبة تصنع على خلفية الانغلاق "الأرستقراطي" أوهامها عند الشباب، ومغامراتها الخطرة عند الرجال، ومقامراتها الرذيلة عند الكهول. وليس مصادفة أن تظهر حينذاك "الرؤى المستقبلية" و"التنبؤات" كما هو الحال في رسالة ناسترداموس إلى هنري الثاني و"تنبؤات" باراسيلوس وكثير غيرها.

وتراكمت هذه الحصيلة في مجرى تعمق الشحنة الراديكالية والعقلانية، التي بلغت ذروتها التاريخية في الثورة الفرنسية. فقد قدمت الماسونية شعار الحرية والعدالة والاخوة للثورة الفرنسية، كما كان رجالها الكبار مثل ميرابو ومارات ودانتون وروبيسبير وسان جوست وغيرهم من اتباع الماسونية. كما دخل فيها في وقت لاحق كبار رجال عصر التنوير والإبداع الأدبي والموسيقي والسياسي مثل فولتير وديدرو وروسو وغوته وبايرون وغاريبالدي وبتهوفن ومادزيني وغيرهم.

ذلك يعني أن الماسونية تمثلت في مراحل صعودها التاريخي الشحنة المتراكمة للروح الثوري والراديكالي في مواجهة تحجر وتكلس "النظام العالمي" للكاثوليكية وأنظمة الحكم الاستبدادية. لهذا كانت بدائلها تتميز بالدفاع عن "المطلق" و"العالمي"، باعتبارها الصيغة الراديكالية في مواجهة الواقع والسعي لتغييره. وهي مواجهة أدت تاريخيا، وبالأخص مع انتصار الثورة البرجوازية وصعود أهمية ودور راس المال ودخول اليهود المتأخر فيها كجزء أيضا من محاولاتهم للاندماج في الثقافة الأوربية، إلى تحولها من منظمة "بنائين أحرار" إلى "هدامين أحرار". كما تحولت حركة "الفئات الدنيا" إلى حركة "الفئات العليا"، أي من حركة العمال إلى حركة الأرستقراطية. مما أفرغها من مضمونها الاجتماعي الأول وأخلى توجهها السياسي من حوافزه الاجتماعية الأولى، بينما أبقى على "قواعد عملها"، التي غذّتها لاحقا الراديكالية السياسية والأيديولوجية في غضون القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لقد جرى هذا التحول التدريجي والراسخ في كافة المراكز الأوربية آنذاك. وتغلغل لاحقا في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في روسيا فقد كرر أيضا المسار الأوربي، ولكن بصورة مقلوبة. وذلك لأنه انتقال بلا تاريخ اجتماعي. على عكس ما كان عليه الحال في أوربا. إذ لم تكن في روسيا حركة "بنائين أحرار" وماسونية ثورية وتقاليد برجوازية وتنوير. لقد أخذت روسيا النموذج الماسوني بصيغته الأرستقراطية الجاهزة. لهذا نرى أول من يدخل فيها القيصر الروسي بافل الأول، ثم أخذت بالانتشار ماسونيات عديدة ضمت الكثير من رجال الإبداع الروسي في العلوم والآداب والفنون مثل تروبسكوي وغلينكا وبيستوجيف وتورغينيف وبوشكن وكارامزين وسوفوروف وكوتوزف وريبين وغريبايدوف وباكونين وسبيرانسكي. وهي شخصيات اغلبها أرستقراطية المنشأ دخلت الماسونية في بداية مراحلها. بعبارة أخرى أنها وجدت في الماسونية عناصر التقدم والتنوير. فمن المعلوم أن الماسونية ليس لها "طرقها" وحركاتها الاجتماعية المغلقة، بفعل غياب تقاليدها التاريخية والتطور الرأسمالي. لهذا سرعان ما ذابت في التقاليد الأوسع للراديكالية الثورية التي ميزت تاريخ روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر عام 1917.

أدت غلبة الراديكالية السياسية إلى بروز أولوية محاربة القيصرية والأرثوذكسية الروسية وظهور نقائضها في الاشتراكية والإلحاد. وهي توجهات استجابت لنفسية اليهودية الصهيونية التي تبلورت ضمن تقاليد الراديكالية الثورية في أوربا القرن التاسع عشر وبلورت بعض معالم "نظمها الفكرية" وأيديولوجياتها العملية. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي تفسر سر الخلاف الجوهري بين "الاشتراكية الروسية" و"الاشتراكية الأوربية" (الماركسية بالأخص) في الموقف من القوى المحركة للثورة والقائدة للبديل الاشتراكي.

فقد كان التيار الروسي إلى جانب الفلاحين انطلاقا من اعتبارهم القوة الاجتماعية الأساسية في روسيا والمكون الجوهري بالنسبة للتاريخ الروسي، بينما كانت الطبقة العاملة هي القوة الرئيسية بالنسبة للتيار الغربي. وهو خلاف يتضح الآن معناه ومغزاه التاريخي والسياسي. فقد كان الفلاحون هم مصدر الطاقة التاريخية لروسيا وقوة استمرارها كدولة وقومية وتقاليد مشاعية (الجماعة والشراكة)، بينما كانت الطبقة العاملة من حيث الكم والنوع جزء لا يمثل تقاليد روسيا الكبرى. وهو واقع أدى بالضرورة إلى صعود العناصر "الهدامة"، أو إلى أن يكون الوعي السياسي والنفسية الاجتماعية لحاملي الفكرة الثورة اكثر استعدادا لتقبل العناصر الهدامة في الفكرة الراديكالية. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن القوة السياسية القائدة للطبقة العاملة وأحزابها السياسية وممثليها الراديكاليين كانت في اغلبها يهودية الأصل والمشرب والمنزع. وكان سبب هذا الاستعداد القائم فيها للتحزب يقوم في ثقل اليهودية المتربية بتقاليد الشتات والغيتو بشكل عام وفي روسيا بشكل خاص.

فقد كانت نهاية القرن التاسع عشر أيضا نهاية الماسونية التقليدية واليهودية التقليدية. وعوضا عن الأولى ظهرت الحركات الراديكالية والثورية الاشتراكية، التي شكل اليهود اغلب قياداتها. وتحولت اليهودية إلى يهودية صهيونية ظهرت ملامحها الجلية والمنظمة و"الرسمية" في مؤتمر بازل عام 1897. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية في استجابة اليهودية الصهيونية للحركة الثورية وسيادة روح المغامرة والمؤامرة فيها. مما أدى بالضرورة إلى إفراغ طاقتها من عناصر الاعتدال والوحدة، حتى في اشد حالات الدفاع عنها نظريا. ووجد ذلك انعكاسه في تعمق الانغلاق الذاتي مع دعوى بالانفتاح كما وجد انعكاسه الصارخ بعد الثورة البلشفية في مختلف ميادين الحياة. والشيء نفسه يمكن قوله عن التناقضات التي ميزت الاشتراكية السوفيتية وأدت لاحقا إلى انهيارها.

أما عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، فقد كانت تتضح اكثر فاكثر ملامح "تكامل" الماسونية مع اليهودية وخضوعهما غير المباشر للصهيونية الآخذة في النمو. وهو "تكامل" أثار حينذاك في الوعي الحكومي والسياسي في روسيا تحسسا جديا حول الخطر الكامن فيه بالنسبة لمصير روسيا والنظام القيصري والديانة الأرثوذكسية. وهو تحسس تنامى في إدراك جسدته الفكرة الأكثر انتشارا بين التيارات القيصرية والروسية القومية والنصرانية الأرثوذكسية في شعارات (القيصرية، الأرثوذكسية، الجماعة والتنوير) كبديل روسي لشعارات الليبرالية والإلحاد والتنوير البرجوازي والاشتراكي، الذي تلمست فيه القوى القومية الروسية ثالوثا ماسونيا يهوديا صهيونيا. وهو أمر بمكن تحسسه في "العثور" على "البروتوكولات" ونشرها في روسيا عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، باعتبارها "وثيقة" تكشف عن خطر الماسونية اليهودية الصهيونية على المصالح الجوهرية لروسيا والعالم اجمع.

فما وراء نشر "البروتوكولات" يمكن تحسس الهموم المباشرة وقلقها من الأهداف والأحقاد الدفينة للماسونية اليهودية الصهيونية. وهو السبب الذي يفسر محاربة الحكومة المؤقتة بعد ثورة شباط 1917 لها ومصادرتها ومنع طباعتها بسبب انتماء الكثير من قيادتها للماسونية، بينما جرى تحريمها وتجريمها بعد ثورة أكتوبر عام 1917 بسبب يهودية الأغلبية الساحقة من قيادتها.

لم يكن إدراك مخاطر اليهودية الصهيونية فعلا طارئا برزت معالمه بعد نشر "البروتوكولات"، كما انه لم يكن محصورا في روسيا لحالها، بقدر ما كان له تاريخ عريق في الثقافة الأوربية. فقد تشبعت الثقافة الأوربية منذ القدم، وبالأخص بعد اعتناق النصرانية دينا، بعناصر الكراهية تجاه اليهود واليهودية. وهي صورة لها أبعادها الدينية واللاهوتية، التي لبست ملابسها المتلونة أحيانا مع "انتشار" اليهود في الشتات الأوربي. وقد اغلق هذا الشتات أبوابه على اليهود في المدن الأوربية برتاج العداء الديني. واصبح اليهودي رديفا ليهوذا بوصفه الرجل الذي أودى بحياة معلمه و"الحواري" الذي اغتال نبيه والمريد الذي خان شيخه، كما صورته الأناجيل. ولم يغير من هذه الصورة دخول "العهد القديم" في "الكتاب المقدس" للنصرانية والنصارى. على العكس!

انه أدى إلى استفحال نفسية العداء. وهي مفارقة يمكن حل عقدتها استنادا إلى ما في "العهد القديم" من نفسية عداء متأصلة ومستفحلة تجاه "الآخرين". فهو "عهد" لا أمان فيه لغير نفسية العداء وكراهية الآخرين. وليس اعتباطا أن نظهر في أوربا القروسطية الصدى الاجتماعي لشخصية "اليهودي القذر" في القصص والحكايات والخرافات الشعبية. وحيكت حول شخصية اليهودي هذا مختلف الأساطير التي أجمعت على إبراز صفات البخل والغدر واعطشه لسفك الدماء وإلحاق الأذى بالآخرين والتخريب والدمار وما شابه ذلك من الرذائل. وظهر ذلك بوضوح في أسطورة اليهودي الشبح الذي يتصيد مع كلابه الفلاحين والبسطاء بين فترة وأخرى في غابات أوربا.

فقد جعله الفرنسيون يقطن في غابة فونتين بلو، والجرمانيون في "الغابة السوداء"، والإنجليز في غابة وندثور. وهو شبح يظهر بين الحين والآخر ليرسل الموت على الحيوانات والوباء والأمراض على الناس. أطلقوا عليه أسماء متعددة مثل يوتاديوس (قاتل الإله) باللاتينية، ويهودي البندقية (صلاتيل بن سعدي). ونعثر على ذلك في مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية". وتوجت شخصية اليهودي هذه في الأسطورة الإيطالية النمساوية عما يسمى بألفية الصقيع. وهي أسطورة تحكي لنا عن كيفية ضمور صناعة النبيذ في المناطق الجنوبية من جبال الألب، بسبب الرياح الباردة التي ولدها ظهوره، التي استمرت لمدة ألف عام. وهي أسطورة ترمز إلى أن ظهور اليهودي في أي مكان مثله مثل البرد القارس لمدة ألف عام يقتل كل حي ولا يترك خلفه إلا الخراب والدمار.

وهي أساطير تعكس في رمزيتها إلى جانب عشرات غيرها الكيان المغلق لليهودي ودوره التخريبي في ممارسة الربا، بحيث جعل منه في الذاكرة الشعبية لأمم القارة الأوربية شبحا متوحشا وموتا باردا. وهي صورة يسهل توظيفها سياسيا مع كل تأويل بسيط لأحداث هي بحد ذاتها عادية وطبيعية، كما هو الحال بالنسبة لنشر الوثائق المنسوبة إلى حاخامات اليهود (السندريون) الذين نصحوا يهود أسبانيا في عام 1485 الذين اكرهوا على اعتناق النصرانية غصبا، بان يعلموا أبناءهم مهن التجارة والطب ودخول الكنيسة من اجل إلحاق الضرر بالنصارى. إذ حتى في حال افتراض صحة ما تقوله هذه الوثائق، فانه رد فعل طبيعي على محاولة تنصيرهم بالإكراه. وهو إكراه يؤدي بالضرورة إلى ردود فعل لا تتسم غالبا بالعقلانية والخير.

غير أن الصورة السيئة عن اليهود واليهودية المتراكمة تاريخيا في الوعي الأوربي الشعبي والسياسي تحولت بعد الثورة الفرنسية، وبالأخص يعد دعوة نابليون لمجمع الحاخامات باللقاء به عام 1807 إلى علامة مؤشرة على مكامن الخطر الدفين و"السري" في هذه القوة المنغقلة، التي وجدت منفذها إلى "دكتاتور" رفيع المستوى ومؤثر في السياسة الأوربية والعالمية آنذاك. وبغض النظر عن التأويلات العديدة لهذا اللقاء، إلا انه يشير من الناحية التاريخية إلى الصلة التي كانت تلمح إليها الكتابات التي حاولت البرهنة على أن اليهود يبيتون خطة مشؤومة على النصارى (الأوربيين). وهي "خطة" كانت تتراكم فعلا في نفسية وذهنية الشتات والغيتو في مجرى العملية المتناقضة لكسر قيود الانغلاق عبر مساعي اليهود للاندماج في الحركة الاجتماعية والثقافية وضغوط الفكرة القومية في القرن التاسع عشر.

لقد كان تاريخ المسيحية كله حتى القرن التاسع عشر تاريخ تربية العداء لليهود واليهودية. وفي الاثناء ذاتها فان تاريخ اليهود واليهودية تكلسا وانغلقا على نفسيهما مما أدى بالضرورة إلى حالة توجس خفي صنعت بحد ذاتها "خطة" الخروج من هذا المأزق. وهي "خطة" لم يكن بإمكانها التخلص عند اليهود من ضغط تقاليد الانعزال الذاتي. وبالتالي فان كل محاولة للاندماج من جانبهم كانت تؤدي بالضرورة إلى إبراز أسلوب جديد من الراديكالية. وهي راديكالية كان يصعب تذليلها حتى ضمن تقاليد اليهودية بفعل غلوّ اليهودية نفسها. وهو مأزق جديد أدى على خلفية التطور الرأسمالي وتحول المال الربوي اليهودي إلى رأسمال برجوازي وكذلك صعود الحركة اليهودية الصهيونية إلى تراكم الرؤية "المستقبلية"، القائلة بان "خلاص اليهود" ممكن من خلال السيطرة والاستيلاء على الآخرين. وهي ظاهرة أخذت تلوح للعيان في مرى القرن التاسع عشر على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. حيث بدأت تظهر ملامح اليهودية المالية (في البنوك) والإعلامية (في الصحافة) والسياسية (في الحركات الثورية والراديكالية)، أي في المرافق الأساسية الكبرى للحياة الاجتماعية.

حينذاك اخذ العداء لليهود واليهودية يتأطر نظريا وسياسيا وإعلاميا. ففي بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولت ألمانيا (ذات الكثافة اليهودية العالية نسبيا آنذاك) إلى ميدان الهجوم الفكري الكبير على اليهود واليهودية. وهي معركة اشتركت فيها مختلف القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فقد عرض ماركس في {المسألة اليهودية} وباكونين في {جدل ضد اليهود} مواقفهما الفلسفية السياسية من "المسألة اليهودية".

وظهرت أبحاث متخصصة تتناول نفسية وذهنية اليهود وخطرها بالنسبة للعالم كما هو الحال في الكتب التي ظهرت في روسيا مثل كتاب برافمان {الهقال} عام 1869، كما ظهر في نفس العام كتاب {التلمود واليهود} 1879. بينما نشر عثمان بي (الاسم المستعار للكاتب ميللينغين) كتاب {احتلال اليهود للعالم} عام 1873 الذي طبع في بازل وترجم إلى الروسية وطبع فيها عام 1784. وهو من بين أوائل الكتب التي تحدثت بصراحة عما اسمته بخطط اليهود للاستيلاء على العالم، كما وضعوها في اجتماعاتهم السرية، التي عقدوها في مدينة كراكوف عام 1840.

وبنفس الاتجاه سارت ما أطلق عليه {رسالة كريميه} المطبوعة عام 1874، التي تتحدث عما أسمته بخطط اليهود للسيطرة على العالم وإمكانية فوزهم في مساعيهم هذه. وسبقتها في هذا الإطار أيضا {رسالة سيمونيني} للكاتب الإيطالي باريل. كما وضع جملة من الكتاب الاجتماعين والمؤرخين ورجال الدين العديد من الكتب حول الموضوع نفسه كما هو الحال بالنسبة لكتابات أ. توسيل، غوشينو دي موّسو، ادوارد درومون، ورجال الدين النصارى مثل الأسقف ميران والأب شابو. كما نعثر على نفس الظاهرة والتقييم والحوافز في الأدب الروائي. ولعل رواية هيرمن غودشه (الاسم المستعار جون ريتكليف) التي ظهرت في ستينيات القرن التاسع عشر تحت عنوان {بياريتس – روما} التي ترجمت إلى الروسية وطبعت بعنوان {كلام الحاخام} تتحدث في أحد فصولها بعنوان "المقبرة اليهودية في براغ" عن كيفية اجتماع رؤساء اليهود في إحدى المقابر اليهودية في براغ ومناقشة الخطط والأعمال التي ينبغي القيام بها من اجل إحكام السيطرة على العالم.

أما في روسيا فقد اتخذت هذه الظاهرة أبعادا خاصة بسبب الموقع المتميز لليهود في تاريخ روسيا منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين. فهو القرن الذي اختمرت فيه اليهودية الصهيونية وأفرزت أحد اكثر أشكالها المريعة عرقيا وسياسيا وثقافيا، والتي شكلت "البروتوكولات" انعكاسها غير المباشر و"توثيقها" المضاد. إذ لم تكن "البروتوكولات" في الواقع سوى الحصيلة المتراكمة من مواجهات "قواعد العمل" وذروتها النظرية بين اليهودية الصهيونية والمعارضة لها. وهي معارضة متنوعة المستويات والأشكال والنماذج.

فقد اتخذت هذه المعارضة في روسيا شكلا نظريا فلسفيا وتاريخيا ولاهوتيا وسياسيا وأدبيا اشترك فيها الفلاسفة والمؤرخين ورجال الدولة ومؤسساتها وأدباؤها وشعراؤها. فقد تناول قضية مخاطر اليهود بصورة محترفة مجموعة من الكتاب الاجتماعيين مثل برشكو ، بورينين، فيكوفسكي، برويتشكوفيتش، تينياكوف، سطاليبين (أخو سطاليبين المشهور)، مينشيكوف وباشماكوف وآخرين.
كما كتب بهذا الصدد مؤرخي اليهودية والدين اليهودي مثل برافمان {الهقال} عام 1869، لوتوستانسكي {التلمود واليهود} عام 1879-1880، نوتوفتش في كتاب {حقيقة اليهود} عام 1895. وفي العام نفسه وضعت وزارة الداخلية القيصرية تقريرا سريا موسعا بعنوان {أسرار اليهودية} تناول كل ما له علاقة بعمل ونشاط اليهود بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالقرن التاسع عشر، جمعت فيه كل المعلومات المتعلقة بنشاطهم ضد الدول التي أقاموا فيها.

وهو تقرير نشره سليوزبيرغ كملحق ضن كتاب {أسرار حكماء صهيون- تاريخ كتاب منحول} الذي جمعه وقدم له اليهودي ديليفسكي وطبعه في برلين عام 1923. وفي نفس الاتجاه سار بحث المؤرخ برجيسلافسكي {السر العظيم للماسونية}، الذي اعيد نشره عام 1909 بعنوان {إفشاء السر العظيم للماسونية الإفرنجية}. كما وجد تحسس وإدراك الخطر الذي يمثله اليهود بالنسبة لمصير روسيا انعكاسه في الإبداع الأدبي لعمالقة روسيا كما هو الحال عند بوشكن وبلوك ودستويفسكي وكوبرين. وجرى التعبير عن ذلك في روايات خاصة كما هو الحال عند الكاتب بيسيمسكي في رواية {البحر الهائج} وكريستوفسكي ف. في رواية {الظلمة المصرية} الصادرة عام 1881، وفاغنر ن. في رواية {عمل اسود} الصادرة أيضا عام 1881، وروايات شابلسكايا {شياطين القرن} (1909) و{الحمر والسود} (1911).

وقد صبت هذه الكتابات والأبحاث في خميرة الصراع الفعلي بين التيار اليهودي الصهيوني الصاعد في روسيا آنذاك وبين تيار القومية المدافع عن القيصرية المتهالكة من ثقل مشاكلها الكبرى وضعف قدرتها آنذاك على تقديم نظام قادر على هضم التنوع الهائل فيها وتسريع اندماج الأقوام والأمم في الإمبراطورية وتوظيف قدراتها بما يخدم مصالح الجميع. وهي إشكاليات كبرى كان يصعب حلها ضمن نظام الحكم الملكي المطلق، كما أنها كانت مستعصية في ظل الصعود القومي للأمم.

وقد كانت "البروتوكولات"، التي ظهرت عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، محاولة لتوليف السيطرة العالمية (في روسيا) والاستقلال القومي. من هنا تشوهها الذريع. غير أن "البروتوكولات" لم تكن توليفا نظريا مستندا إلى رؤية فلسفية عن مسار التاريخ بمعايير التقدم والمثل المتسامية، كما كان الحال بالنسبة لبرامج الحركات الاشتراكية آنذاك، بل كانت "قواعد عمل" مناقضة لها جرى استجماعها من تأمل تقاليد وأفعال ونفسية وذهنية اليهودية الصهيونية.

لكن ذلك لا يعني أن اليهودية الصهيونية غير قادرة على القيام بذلك. على العكس! أنها أسيرة الاستعداد الذاتي للعمل وفق منطق هذه القواعد وروحها، التي وضعت تحت عنوان ليس له صلة بالحكمة. فهي ليست حكمة، بقدر ما هي قواعد عمل صهيون!







  رد مع اقتباس
قديم منذ /11-09-2011, 05:58 PM   #18

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي التحول إلى اليهودية وشرط السكن في اسرائيل

التحول إلى اليهودية وشرط السكن في اسرائيل
د. جعفر هادي حسن

كثر في السنين ألأخيرة التحول إلى اليهودية بسبب الزواج المختلط بين اليهود وغيرهم. فنسبة الزواج المختلط في تصاعد مستمر في العشرين السنة الأخيرة، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حيث وصلت اليوم إلى أكثر من50 بالمئة. ولا بد لمن يعتنق اليهودية من أن يؤدي بعض الشعائر والطقوس الخاصة بذلك مثل الإغتسال للرجل والمرأة والختان للرجل وغير ذلك. وتختلف المذاهب اليهودية المعاصرة اليوم اختلافاً كبيراً في تطبيق شروط التهود ولكنها عند اليهود الارثودكس تكون أكثر تعقيداً وتستمر أطول فترة مما هي عند المذاهب الأخرى حيث تكون أخف وطأة وأقصر فترة بل إن بعض المذاهب اليهودية لم يشترط حتى الختان على الرجل بينما يعتبر هذا الأمر من أهم الشروط في التحول إلى اليهودية عند اليهود ألأرثودكس ولا يصبح يهوديا من لايختتن.

وفي هذا المقال سأقتصر على حالة واحدة من حالات التهود التي أحدثت ضجة واثارت قدراً كبيراً من الجدل والنقاش بين اليهود أنفسهم وبين اليهود وغيرهم.في السنين الماضية. وهي قد وصلت ليس الى المحاكم فحسب، بل الى مجلس اللوردات في بريطانيا(لان صاحبة القضية بريطانية) مع أنها سبق وأن أدت مراسيم التهود وشعائره في إسرائيل. وتأتي أهمية هذه الحالة ليس فقط من الشروط التي يضعها الأرثودكس بل أيضا لدور إسرائيل كدولة في هذا ألأمر وهو شيئ لامثيل له في حالات التهود.

وصاحبة القضية هذه إمرأة اسمها بولا. ولدت في بريطانيا لعائلة لم تعتبر يهودية على الرغم من أن أم والدها كانت يهودية. وعندما كانت شابة قررت الذهاب الى إسرائيل للعمل في أحد "القبوصيم" (المستعمرات) لفترة شهر كما ذهب الآلاف من الشباب والشابات من غير اليهود قبلها وبعدها حيث تشجع إسرائيل على ذلك للتأثير على أفكار هؤلاء في نظرتهم إلى الصراع العربي الإسرائيلي وكذلك نظرتهم إلى العرب وقد أحرزت إسرائيل نجاحا في ذلك. وأثناء وجودها هناك تعرفت على شخص إسرائيلي يعمل في القبوص اسمه يوسي كوهن.(وكثيرا ماحدث مثل هذا للائي يذهبن إلى العمل هناك). وبعد شهر غادرت إسرائيل ثم رجعت إليها بعد سنة ودخلت مدرسة في القبوص متخصصة في تعليم اللغة العبرية للكبار (تسمى الفان) ثم قررت أن تعتنق اليهودية. وقد بررت ذلك بالقول إنه من الصعب أن يعيش الإنسان في إسرائيل دون ان يكون يهودياً.

واتصلت برئيس الحاخامين الاشكنازيم وهو آنذاك شلومو غورن(هناك أيضا رئيس حاخامين لليهود الشرقيين الذين يسمون أيضا سفارديم ولابد أن يكون كلاهما من الأرثودكس). وكان الحاخام غورن قد عمل قبل ذلك في الجيش ووصل إلى رتبة رئيس الحاخامين فيه وأنشأ مركزين في القبوصيم لمن يريد أن يعتنق اليهودية حيث تُدَرس فيهما الشريعة اليهودية وتُمارس فرائضها من قبل هؤلاء مع اليهود الآخرين. وتستمر الدروس لأشهر عدة، ثم بعد ذلك يختبرالرجل او المراة فيما إذا كان مخلصاً في نيته أو كانت مخلصة في نيتها أم لا. وإذا تبين صدقه،او صدقها فإنه يؤخذ-والمرأة تؤخذ إلى المحكمة الشرعية (بيت دين) لأداء مراسيم اعتناق اليهودية (في بريطانيا يستمر التحضير للتهود ثلاث أو اربع سنوات عند اليهود الارثوذكس). ويقول رئيس الحاخامين عن "بولا" إنه قابلها ثلاث مرات، مرة قبل أن تبدأ التحضير للتهود والثانية بعد أن انتهت منه والثالثة عندما أرادت أداء مراسيم التهود.

وسألها فيما إذا كان عندها صديق، فأجابت بالنفي ( الكثير من حاخامي اليهود الارثوذكس لا يوافقون على أداء مراسيم التهود لأمرأة تريد أن تعتنق اليهودية لسبب عاطفي ). وطلب منها رئيس الحاخامين أن تقسم بالتوراة في أنها ستؤدي الفرائض اليهودية وتطبقها كما يطلب ذلك من الآخرين. ويفسرهذا الأمر أن الكثير ممن يعتنق اليهودية لا يلتزم بتطبيق الفرائض، لذلك يُرسل مفتشون بين فترة وأخرى للـتأكد من أن هؤلاء يأكلون طعاماً كوشر (طاهر) ولا يعملون في يوم السبت ويذهبون إلى الكنيس الى غير ذلك. وطلب منها كذلك ان تتعهد بالإقامة في إسرائيل.وهذا الشرط هو شرط فريد ولم يكن يشترطه الحاخامون لمن تحول في فلسطين قبل ظهور الدولة.

واعتبر رئيس الحاخامين حالتها مرضية فاتخذت اسماً يهودياً( وهو مايفعله المتهود عادة) ومنحت وثيقة اعتناق اليهودية التي تثبت تهودها. لكن رئيس الحاخامين اضاف عبارة مهمة الى الوثيقة وهي "غير صالحة خارج إسرائيل".والغرض من هذا الشرط هو أن تبقى في إسرائيل وتتخذها سكنا دائما لها وبهذه العبارة بدأت مشكلة المرأة ، إذ أن العبارة تشير الى أن صاحبة الوثيقة هي يهودية(بظرف المكان) في إسرائيل وغير يهودية خارجها. إضافة الى مشكلة أن زوجها كوهن، كما سنرى.

ويقول رئيس الحاخامين في تبريره لوضع العبارة ان الغرض منها "غير صالحة خارج إسرائيل" ليس أن الشخص يهودي في إسرائيل وغير يهودي خارجها، وإنما بهدف حتى لا ينكث المتهود عهده ويترك إسرائيل. إذ أن البقاء في الدولة – كما يقول – هو جزء مهم من عملية التهود.

والعيش فيها يذكر الشخص بيهوديته، بينما إذا عاش خارجها، فإنه ينسى أنه متهود ويحتاج الى أن يذَكر دائماً بذلك. فاليهودية دين جديد له وأن الذي ينوي العيش في إسرائيل بعدما يتحول الى اليهودية يعطي للحاخام الذي يقوم بالعملية ثقة أكبر باخلاصه وصدقه.ولكن السبب الحقيقي فيما يبدو لي هو سبب ايديولوجي إذ أن هدف رئيس الحاخامين هو هدف صهيوني بحت فالرجل معروف بصهيونيته المتشددة وتشجيعه للمهاجرين ونظرته الدونية إلى العرب فهو منذ عام 1967 دعا لتهديم مسجد قبة الصخرة وبناء مايسمى بالهيكل الثالث مكانه.

وبعد حصول "بولا" على وثيقة التهود تزوجت من صديق اسمه يوسي كوهن وجاءت بعد سنوات الى بريطانيا مع زوجها للسكن فيها. وبدأت المشكلة عندما أخذت ولديها الى المدرسة اليهودية لتسجيلهما فيها وهي مدرسة تابعة لليهود الارثوذكس. وسألها مسؤول المدرسة فيما إذا كانت يهودية أو متحولة إلى اليهودية فأخبرته بأنها متحولة الى اليهودية. ولما أثار المسؤول بعض الشكوك حول الموضوع، ذهبت الى حاخام المدينة وأطلعته على الوثيقة. ولما رأى فيها عبارة "غير صالحة خارج إسرائيل" قال لها إن العبارة تثير الشك. فقالت له ان العبارة يقصد منها أن تكون وسيلة لمنع المتهود من مغادرة اسرائيل مباشرة وبالنسبة لها فقد بقيت فيها ما يقرب من عشر سنوات. فأخبرها الحاخام بضرورة ارسال الوثيقة الى المحكمة الدينية اليهودية في لندن لأخذ رأيها في الموضوع. فأرسلت الوثيقة الى المحكمة وكان جواب المحكمة أن وثيقتها غير صالحة خارج إسرائيل وعليها أن تخرج ولديها من المدرسة. فذهبت الى لندن لتقابل أحد قضاة المحكمة وتسأله شخصياً عن موضوعها، فأخبرها بأن تهودها غير نافذ المفعول خارج إسرائيل... ولما سألته ماذا تقول لأولادها في هذه الحالة، قال لها قولي لهم الحقيقة انهم يهود في إسرائيل وغير يهود خارجها.! وأخبرها القاضي أنه بالإمكان إعادة مراسيم تهودها لكن عليها أن تُطلق من زوجها لأنه كوهن (كاهن).

وكوهن في التقاليد اليهودية يكون من أحفاد "هارون" من قبيلة اللاويين الذين اختصوا بالكهانة في المعبد وامتازوا على بقية ابناء اسرائيل بذلك. ولو كان المعبد اليهودي اليوم قائماً لكان كوهن زوج "بولا" يخدم فيه شهراً في السنة على الأقل يشرف على نحر الأضاحي وحرق البخور والاعتناء بزيت الفوانيس في المعبد ويتسلم أوائل الثمارالأولى ويبارك من يأتي لزيارة المعبد الى غير ذلك من أعمال وشعائر.

وإضافة إلى ذلك، فإن الكاهن يتميز أيضاً بميزات خاصة به فهو أول من يدعى لقراءة التوراة في الكنيس ولا يجوز له أن يتزوج بمومس ولا بإمرأة مطلقة ولا يجوز له كذلك أن يتزوج من متهودة. وهذه القضايا ما زالت تطبق في العصر الحاضر عند اليهود الارثوذكس، خصوصاً في اسرائيل. لذلك أخبرت المرأة بأنها يجب أن تطلق زوجها إذا تحولت مرة أخرى إلى اليهودية لأنه كاهن وهو لايجوز له أن يتزوج مطلقة كما ذكرت.

واشتكت "بولا" رئيس حاخامي اليهود في بريطانيا عن طريق محاميها. ورد محامي رئيس الحاخامين عليها بقوله: "إنه يجب أن تدركي أنه في الحالات الأخرى المشابهة لحالتك التي وضع عليها الشرط نفسه لم تعترف المحكمة الشرعية اليهودية بالوثيقة في بريطانيا. وأمكن اصلاح بعض تلك الحالات في هذا البلد (بإعادة مراسيم التهود)، لكن ذلك غير ممكن في حالتك، لأنك متزوجة من كاهن ولا يجوز للمتهودة أن تتزوج منه، وان زواجك من كاهن يجعل إعادة تهودك غير ممكنة".

عندها رفعت قضيتها الى مجلس اللوردات البريطاني لينظر فيها. وعندما تطورت القضية الى هذا الحد، أخذ رئيس الحاخامين الاشكناز شلوموغورن قراراً بإبطال تهود "بولا" وتجريدها من يهوديتها حتى في إسرائيل.(وهذا القرار من النادر أن يحدث مثله) وقال في سبب ذلك أن تهودها كان على أساس باطل حين بني على تشويه الحقائق وتحريفها، لأنها (بولا) أخفت عنه بأن لها صديقاً على رغم قسمها بأنها ستلتزم بالفرائض (وترد بولا انها لم تكن تخرج مع يوسي كوهن قبل تهودها) ثم أنها سكنت خارج إسرائيل على رغم أنها قد أعطت تعهداً بأنها ستعيش في إسرائيل. ثم قال رئيس الحاخامين "ولو كانت قد أخبرتني بأن الذي ستتزوجه هو كاهن لكنت قد أوقفت التهود حالاً ودون تردد" وقال إن الطفلين ليسا يهوديين لأن امهما ليست يهودية (في نظر اليهود الارثوذكس لا يمكن لشخص أن يكون يهودياً عن طريق الأب). ومع ذلك يجب أن يربيا تربية يهودية وعندما يصلا الى سن البلوغ يطلب منهما ان يتهودا بشكل رسمي. وقالت الأم لا أدري ماذا سيكون شعورهما عندئذ إذ أن هويتهما قد اهتزت. ورفضت أن تبقي ولديها في المدرسة وأدخلتهما مدرسة حكومية وظلت تهاجم الحاخامين الارثوذكس واعتبرت ان ما حصل لها من عذاب نفسي كان بسببهم.

وأخيراً انضمت هي وزوجها الى اليهود الاصلاحيين – إذ اعتبرها هؤلاء يهودية – وقالت عنهم انهم هم اليهود الحقيقيون. واكتشفت من خلال مشكلتها بأن هناك تناحراً شديداً وخلافاً عميقاً بين المذهبين الاصلاحي والارثودكسي وأنها لم تكن تعلم حدة العداوة وشدتها بين المذهبين إلا بعد أن حدثت لها هذه المشكلة.

*نشرت في صحيفة الحياة

**********************************************

طقس الكفاروت

د. جعفر هادي حسن

يؤدي اليهود الارثوذكس طقساً يسمونه "كفاروت" ويكون أداؤه في اليوم الذي يسبق يوم الكفور(الغفران) الذي يصادف في العاشر من الشهر العبري "تشري". وبعضهم يؤديه في ليلة رأس السنة اليهودية الجديدة. وكلمة "كفاروت" هي جمع للكلمة العبرية "كفاراة" التي تعني في اللغة العربية "فدية" أو "كفارة".وهي مشتقة من الجذرنفسه الذي اشتق منه الجذر العربي " كفر" وعندما تطلق كلمة "كفاروت" دون تخصيص فإنما يقصد منها هذا الطقس. .ويأمل الذين يمارسونه نيل العفو والمغفرة من ربهم لأن يوم الكفورهو الأكثر قدسية عندهم. وقد وجدوا هذا الطقس لائقاً بهذا اليوم ومناسباً له. وهم يكفرون عن ذنوبهم فيه بحيوان عادة وهو إما ديك أو دجاجة. ويكفر الرجل بالديك، والمرأة بالدجاجة.

واصبح اللون المفضل لهذا الحيوان هو اللون الأبيض استناداً الى ما جاء في سفر اشعيا 1/18 "تعالوا نتخاطب لو كانت خطاياكم كالقرمز تبيّض كالثلج...". وهذا النص ليس له علاقة بالكفاروت وإنما هو نص عام جعلوا له علاقة بلون الحيوان تبريراله.

ويؤدى هذا الطقس في ليلة يوم الكبور. ويرى الحاخامون ان في هذا الوقت تكون رحمة الرب عامة وشاملة. وقبل أن يذبح الحيوان لا بد للشخص أن يأخذه بيده اليمنى ثم يديره حول رأسه ثلاث مرات أو يديره شخص آخر حول رأسه ويقول أثناء ذلك "هذا عوض عني وينوب عن تقدمتي، وهو مفارقي وهذا الديك سيلقى الموت وأنا سأعيش حياة طويلة سعيدة هانئة". وتقول المرأة ذلك بصيغة التأنيث وتذكر الدجاجة بدل الديك. وكثيراً ما يؤدي اليهودي هذا الطقس في إسرائيل هذه ألأيام في المدارس الدينية (اليشيفوت) أو في الكنس، ومن أجل ذلك فإن إعلانات تلصق على نواصي الشوارع في حارات اليهود الارثوذكس تشير الى اسماء هذه الأماكن والأوقات التي يؤدي فيها طقس الكفاروت. وغالباً ما تعطى الفدية اليوم في إسرائيل الى المؤسسات الدينية.

وأجاز الحاخامون أن يدير الشخص الطير بالنيابة فوق رأس شخص آخر بشرط أن يكون قد أداره أولاً حول رأسه هو وكثيرا ما يعمل ذلك رب العائلة. ثم يذبح الطير ويكون ذبحه أيضاً عند الفجر.وعادة مايذبجه قصاب مجاز شرعا(شوحط بالعبرية). ويتصدقون بالحيوان المذبوح على الفقراء. ومن المتعارف عليه أن ترمى أحشاء الطير في مكان مفتوح على سطح الكنيس أو في ساحته كي تأكلها الطيور. وهذا كما يقول الحاخامون، فيه اظهار الرحمة على هذه الطيور ومن يرحم هذه الطيور يرحمه الله!.

ويقول بعض الحاخامين كذلك إن هناك سبباً آخر لرمي الأحشاء للطير، وهو أن هذه الطيور قد تعودت أكل لحم الحيوان الميت وهو نوع من السرقة وعندما يرمي اليهودي هذه الاحشاء للطير فإنه يبين بذلك تصميمه على الإمتناع عن السرقة!! وهم يعتقدون أن هذه الكفارة ستأخذ معها كل كارثة ربما تصيب المضَحي أو سوء حظ يقع عليه. ولا بد للشخص أن يعبر عن ندمه وأسفه على ما اقترفه من ذنوب عندما يقوم بأداء هذا العمل.

ولهذا الطقس صلاة يؤديها اليهودي في بدايته ويطلق عليها"بني آدم" لأنها تتعلق بالبشر عموما أو لأن العبارة مذكورة في هذه المقاطع. وهي من المزمور 107 تتضمن العبارات 10 و14 و17-22 منه وهي: "كانوا مقيمين في الظلمة وظلال الموت اسرى البؤس والحديد....... أخرجهم من الظلمة وظلال الموت وحطم قيودهم..... كانوا مرضى في طريق معصيتهم وأشقياء في آثامهم تعاف نفوسهم كل طعام فيلامِسون أبواب الموت فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم وارسل كلمته فشفاهم ومن الهوة انقذ حياتهم. فليحمدوا الرب لأجل رحمته وعجائبه لبني البشر وليذبحوا ذبائح الحمد وليحدَثوا بأعماله بالتهليل". ويقرأون كذلك من سفر ايوب 33/23-24: "ان وجد ملاك شفيع له وسيط بين الألف ليعلم الإنسان بواجبه ويرحمه ويقول أعفه من الهبوط في الهوة فقد وجدت فدية".

ويرى الحاخامون أنه إذا صعب الحصول على الديك والدجاجة فيجوز التعويض بالسمك الحي ويشترط فيه أن يكون حيا وكذلك يجوز التعويض بالأوز، ولكن لا يجوز التضحية بالحمام واليمام.والسبب في ذلك كما يقولون انه لا يجوز التضحية بحيوان كان يضحى به ايام وجود الهيكل.فالحمام واليمام والمعز والغنم حيوانات كان يضحى بها وقتئذٍ.. أما الدجاج فلم يكن يقدم كأضحية ولذلك اتفق على التضحية به... وبعض الحاخامين يفضلون استعمال المال على الدجاج وبعد أن يدار به حول الرأس يتصدق به على الفقراء وهو مايفعله الكثير من اليهود هذه ألأيام. بل انه في بعض الأقليات اليهودية لا يستعمل الدجاج بل المال هو المستعمل وعندئذ تُغير الصيغة التي ذكرناها سابقاً وتصبح "هذا عوض عني... وهذا المال سيذهب الى الصدقة وأنا سأعيش...".

واعطى علماء القبلاه اليهود تفسيرات باطنية ومعاني خفية لهذا الطقس. ولاقت هذه قبولاً من عامة اليهود وشعبية بينهم. وأكد حاخامون معروفون على أهمية هذا الطقس وذلك بجعله واجباً وأضافوا الكثير من الشعائر الأخرى وهي شبيهة بتلك التي تتعلق بفريضة الأضحية ايام الهيكل اليهودي، مثل وضع اليد على الحيوان وشعيرة صلاة الاعتراف وذبحه مباشرة وغير ذلك. وقد وردت شعائر فريضة الأضحية هذه في سفر اللاويين 16/3-22 وجاء في بعضها " بهذا يدخل هارون القدس بعجل من البقر لذبيحة الخطيئة وبكبش للمحرقة ويأخذ من عند جماعة بني إسرائيل تيسين من المعز لذبيحة الخطيئة وكبشا للمحرقة....فيقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة التي عليه ويكفر عن نفسه وعن بيته ثم يأخذ التيسين ويوقفهما أمام الهيكل عند باب خيمة الموعد ويلقي هارون عليهما قرعتين إحداهما للرب والأخرى لعزازيل. ويقرب هارون التيس الذي وقعت عليه القرعة للرب ويصنعه ذبيحة خطيئة والتيس الذي وقعت عليه قرعة عزازيل يقيمه حيا امام الرب ليكفر عليه ويرسله إلى عزازيل في البرية ويقرب هارون عجل ذبيحة الخطيئة ...فاذا انتهى من التكفير عن القدس وعن خيمة الموعد وعن المذبح يقدم التيس الحي ويضع هارون يديه على رأسه ويعترف عليه بجميع آثام بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم ثم يضعها على رأس التيس ثم يرسله إلى البرية بيد رجل معد له فيحمل التيس جميع آثامهم إلى أرض قاحلة.....

"ويقول الحاخامون إن هذه ألأضحية المذكورة في التوراة هي عن جماعة بني إسرائيل كلهم والكفاروت هي عن ألأفراد.ولكن بعض الحاخامين عارضوا أداءه لأنه لم يذكر في التلمود. وكان من هؤلاء سلمون بن أدرت (1310) الحاخام الأندلسي الشهير. الذي حرم ممارسته بشدة واعتبره طقسا وثنيا من بقايا تراث العموريين (ولكن هذا غير صحيح لأنه لم يعرف أنه مورس قبل القرن التاسع الميلادي.كما أنه لم يذكر في التلمود. وكذلك عارض أداءه الفقيه اليهودي المعروف جوزيف كارو (توفي 1575م) وقال عنه انه عادة غبية.وبعضهم اعتبره عملا سحريا. ومن الذين انتقدوه ايضاً وسخروا منه يهودا بن سلومون الحريزي (توفي 1235م) الذي ترجم مقامات الحريري الى العبرية حيث قلده بتأليف خمسين مقامة من انشائه كتبت باللغة العبرية.

وفي إحدى هذه المقامات يهزأ ببعض العادات والتقاليد التي اعتبرها مثيرة للسخرية ومنها طقس "الكفاروت"، حيث يجعل الديك يتكلم معبراً عن خوفه وقلقه من المصير الذي سيلاقيه ولذلك يهرب من يد صاحبه ويصعد على سطح الكنيس حيث يدور كلام بينه وبين الشخص الذي اراد التفكير به وقتله.ولكن اليهود خاصة ألأرثودكس منهم مازالوا مستمرين في أداءهذا الطقس إلى يومنا هذا.ودخلت كلمة كفاروت قاموس اليدش والعبرية حيث تشير الكلمة إلى الخسارة المالية وغيرها وكذلك للجهد الذي لاطائل من ورائه.

*نشرت في صحيفة الحياة

**********************************************

احتفال اليهود بالسنة العبرية الجديدة
د.جعفرهادي حسن

لليهود تقويم خاص بهم وهو يختلف عما عند الآخرين فهو يبدأ عندهم من بداية الخلق طبقاً لما ورد في التوراة من عدد سنين آدم ونوح وغيرهم. والسنة العبرية في هذا العام(2007) هي8-5767 .وهم يعتمدون في السنين على دورة الشمس وفي الشهورعلى دورة القمر. فسنتهم هي شمسية- قمرية وعدد الأشهر في السنة العبرية هي أثنا عشر شهرا ولما كانت دورة الشمس تزيد في أيامها على دورة القمر فقد أزادوا شهرا في بعض السنين واسموه آذار الثاني فتصبح السنة ثلاثة عشر شهرا فتضاف سبعة أشهر في كل تسع عشرة سنة.وتكون الإضافة في السنة الثالثة والسادسة والثامنة والحادية عشرة والرابعة عشرة والسابعة عشرة والتاسعة عشرة كل ذلك من أجل أن تبقى المناسبات الدينية في أوقاتها التي بدأت بها أول مرة . وعدد ايام الشهر هي 29 أو 30 .

وهم يحتفلون بالسنة الجديدة في اليوم الأول من الشهر العبري تشري.وهذه هي المناسبة الوحيدة التي تكون في أول الشهر ويعتبرهذا اليوم الذي يسمى بالعبري (روش هاشناه) ثاني أقدس يوم عند اليهود بعد يوم الكبور.ولايكون هذا اليوم في يوم الأحد ولا في يوم الأربعاء ولا في يوم الجمعة حتى لا يكون يوم الكبور (الذي ياتي بعد عشرة أيام من رأس السنة ) في اليوم الذي يسبق السبت أو اليوم الذي يليه إذ في هذه الحالة تكون مناسبتان يمنع فيهما العمل ويكون ذلك شاقا على اليهود.
ووردت بعض الاشارات في التوراة الى أهمية هذا اليوم.

فقد ورد في سفراللاويين /الاحبار 23/24-25"وخاطب الرب موسى قائلا :في اليوم الاول من الشهر السابع يكون لكم يوم راحة تذكاراً بهتاف وبوق محفل مقدس. عمل خدمة لا تعملوا وقربوا ذبيحة بالنار للرب". كما وردت له اشارة ثانية في سفر العدد 29/1 "وفي اليوم الاول من الشهر السابع محفل مقدس يكون لكم فلا تعملوا فيه عمل خدمة، يكون لكم يوم هتاف". ولا بد هنا من توضيح نقطتين حول ما جاء في التوراة الاولى: ان الشهر تشري لم يذكر اسمه في النصين وانما ذكر بدله الشهر السابع، لان العبرانيين كانوا يعدون شهورهم بالعدد، هكذا :الشهر الاول، الشهر الثاني الخ الى ان اسرهم البابليون واخذوهم الى العراق فتعلموا اسماء الشهور واستعاروها كما استعاروا أشياء أخرى غيرها.ولذلك فاسماء الشهور التي يستعملها اليهود اليوم هي التي كان قد استعملها البابليون في تقويمهم السنوي.وهي نيسان،أيَار،سيوان،تموز، آب، أيلول، تشري، مرحشوان،كسلو،طبث،شبط،آذار

والنقطة الثانية هي ان الشهر تشري قد اشير له في التوراة بأنه الشهر السابع لان العبرانيين كانوا يعدون شهورالسنة من نيسان (ابريل) وما زالوا كذلك ربما لأنه هكذا ورد في التوراة ولذلك يكون شهر تشري هو الشهر السابع. وأصبح الاول من تشري بداية السنة العبرية الجديدة في وقت متأخر بعد الاسر البابلي. ويعتقد بأن هذا ايضاً كان بسبب تأثر اليهود بالتقويم البابلي، اذ كانت السنة تبدأ عند البابلييين في هذا الشهر، وكانوا يحتفلون في الاول منه احتفالاً خاصاً واسموه "ريش شتين" (رأس السنة). وربما استعمل اليهود الاسم البابلي نفسه لاننا نجدهم قد استعملوا الاسم الارامي "ريش شيتا" – وهو لا يبعد كثيراً عن البابلي – قبل استعمالهم للعبري "روش هاشناه" الذي ورد مرة واحدة في أحد كتب العهد القديم المتأخرة بالمعنى العام وليس الخاص الذي يشير إلى الإحتفال. ويقع احتفال السنة العبرية الجديدة في وقتنا الحاضر في أيلول(سبتمبر) وتشرين الأول(اكتوبر)وفي التلمود رسالة خاصة عن هذا اليوم وفيه تأكيد على أهمية الإحتفال برأس السنة الجديدة كما ويشبر إلى أن أحداثا مهمة كانت قد حدثت فيه.

ويؤدي اليهود شعائر هذه المناسبة ليومين، وليس ليوم واحد، سواء أكانوا في اسرائيل ام في خارجها.(بعض المذاهب تؤديه في يوم واحد). واعتبر هذان اليومان يوماً واحداً ولذلك سميا "يوما اريخا" وهي عبارة آرامية تعني"اليوم الطويل". ويبدو أن هذه التسمية قديمة عندهم لأنهم استعملوا لها اللغة الأرامية التي كانت مستعملة بينهم منذ ما قبل الميلاد وسبب تقديس اليومين – وهو طقس بداً منذ عصر التلمود – هو ان هذه المناسبة هي المناسبة الدينية الوحيدة التي تقع في اليوم الاول من الشهر. وكان الاول من الشهر يحدد برؤية الهلال ويناط ثبوت الهلال او عدمه بالمؤسسة الدينية... وعن طريق هذه المؤسسة تخبر الجماعات اليهودية داخل فلسطين وخارجها بثبوت رؤية الهلال. وكان هذا يتم بواسطة الرسل و بإشعال النار على رؤوس التلال والاماكن العالية.

ولما كان من الصعوبة التأكد من ذلك بواسطة هذه الطرق، اذ ان ايصال الخبر كان كثيراً ما يتأخر على الجماعات اليهودية ليس خارج فلسطين بل وفي داخلها كذلك، اصبح اضافة اليوم الثاني من الشهر الى الاول منه تقليداً سار عليه اليهود الى اليوم حتى بعد ان وضعوا تقويمهم السنوي الثابت في نهاية القرن الميلادي الرابع الذي ذكرناه أعلاه. وأصبح اليوم الثاني من هذه المناسبة يوماً اختيارياً في مذهب اليهودية المحافظة. اما مذهب اليهودية الاصلاحية فقد الغاه تماماً ويحيي اتباعه هذه المناسبة ليوم واحد فقط. وهذا من الاختلافات الدينية المعاصرة التي اصبح مذهب اليهودية الاصلاحية يتميز بها عن المذاهب الأخرى.

واعتبار الاول من شهر تشري بداية للسنة اليهودية الجديدة هو اعتقاد لاكثر يهود هذا العصر وليس لكلهم اذ ان بعض الفرق اليهودية مثل السامريين والقرائين والفلاشا وغيرهم لا تعتبر هذا اليوم هو اليوم الاول من السنة الجديدة، وان كانت تقدسه طبقاً لما ورد عنه في التوراة.

اسماء اليوم

يطلق اليهود عدة اسماء على هذا اليوم فهم يسمونه "يوم تروعاه" (يوم النفخ بالبوق) كما ورد في التوراة. وكانت هذه التسمية شائعة في القرون الاولى للميلاد. ويسمونه ايضاً "يوم هازخارون" (يوم الذكرى) واستعمل التلمود هذا الإسم وهو يتكرر كثيراً في الاناشيد والمدائح الدينية. ويعلل اليهود هذه التسمية بأن الرب يذكر خلقه في هذا اليوم ويريهم رحمته.

ويسمونه كذلك "يوم هادين" (يوم الدينونة او يوم الحساب). فاليهود يعتقدون بأن الرب يحاسب عباده في هذا اليوم على ما عملوه خلال السنة. وذكر في التلمود أنه في هذا اليوم يمر الناس من أمام عرش الله وفيه تكون ثلاثة سجلات لاعمال الناس، احدها للاخيار والآخر للاشرار والثالث للذين بين الاثنين. ويكون البت بمصير المجموعة الاخيرة في يوم الكبور الذي يأتي بعد بضعة ايام من رأس السنة. ويرى اليهود كذلك بأن الرب يعفو عن كثير من هذه الذنوب ويغفرها بهذه المناسبة من أجل ان لا تتكاثر ولا يزداد عددها اذ ان كثرتها – كما يرون – تفسد العالم وتحطمه. وتكون هناك عملية جدلية بين الذنوب والعالم فكلما كانت الذنوب كثيرة فالعالم يصبح فاسدا ويدمر وكلما كانت الذنوب أقل بقي العالم واستمر بالبقاء ولذلك يكون بقاء العالم والحفاظ عليه مرتبط بهذا الغفران.

أحداث اليوم

تذكر ادبيات اليهود بأن احداثاً مهمة وقعت في هذا اليوم اكثرها مرتبط بتاريخهم. فهم يعتقدون بأن الله قد خلق الكون في هذا اليوم كما يذكر التلمود وأن كلاً من قابيل وهابيل قد قدم اضحيته في هذا اليوم. وأن النبي ابراهيم والنبي يعقوب ولدا وماتا في هذ اليوم. كما وأن الرب استجاب في هذا اليوم دعوات حنه أم النبي صموئيل عند معبد شيلوه ودعوة سارة زوجة النبي ابراهيم وكذلك راحيل زوجة يعقوب فرزقهن بأولاد بعد أن كنَ عواقر وأن اسحق كان قد ولد في هذا اليوم وان النبي ابراهيم قدم ابنه أضحية في اليوم نفسه، والقصة التي تتعلق بهذا الحدث وردت في سفر التكوين من التوراة تقرأ بهذه المناسبة. ويعتقدون كذلك بأن النبي يوسف كان قد اطلق من سجنه في هذا الوقت وان بني اسرائيل قد اعتقوا من العبودية في مصر في هذا اليوم وان كان خروجهم قد تأخر الى وقت الفصح. ويقولون كذلك ان سليمان كان قد انهى بناء الهيكل في هذا اليوم ,.وبأن الخلاص لليهود على يد مخلص مرسل يظهر في آخر الزمان سيكون في الاول من السنة اليهودية.

التحضير للمناسبة

يتهيأ اليهود لهذه المناسبة بتنظيف بيوتهم كما ينظفونها لاية مناسبة دينية اخرى كما أنهم يشعلون عددا من الشموع. وعادة ما تقوم المرأة باشعال الشموع كما في حالة يوم السبت.ويقرأون دعاء (يسمونه بركات كما يسمونه في يوم السبت) ولكن الدعاء يختلف عن ذلك الذي في يوم السبت.وكذلك يختلف عنه في أنه يجوز أن تشعل الشموع بعد دخول وقت المناسبة وإن كانوا يفضلون أن يكون ذلك قبلها بينما يجب إشعالها قبل دخول وقتها في يوم السبت.وهم يشترطون أن يكون إشعال الشموع من نار موجودة كإشعالها من نار طباخ وغيره.ويكون اشعال الشموع في اليوم الثاني بعد مغيب الشمس بساعة أو بعد ظهور ثلاث نجوم .وقبل دخول اليوم الاول من السنة بيوم يحلق الكثيرمن اليهود شعورهم ويغتسلون ويلبسون ملابس نظيفة وهي غالبا ما تكون بيضاء وهو ماذكر في التلمود.كما أكد أيضا على ضرورة الفرح والسرور في هذا اليوم وأن لا يظهر اليهودي كآبة أو حزنا. وبعض اليهود المتدينين يصومون عن الكلام الدنيوي قبل شهر من هذه المناسبة حتى دخولها ويركزون في كلامهم على مسائل تتعلق بالدين وترتبط به، ويعللون ذلك بأنه تطهير للنفس. وبعض هؤلاء يبدأون بالصلاة منذ منتصف ليلة الاول من الشهر ويذهبون صباحاً الى الكنيس ويؤدون الصلاة الخاصة بالمناسبة.

الصلاة الخاصة

قبل ان يؤدي اليهود صلاتهم الخاصة بهذا اليوم فإن صلاة شحريت (صلاة الصبح) تؤدى في وقت مبكر حيث يبدأ اداؤها مبكراً على غير المعتاد فتكون في الساعة السابعة والنصف او في حدودها صباحاً وتنتهي بين الثانية عشرة والنصف والواحدة وتبدأ الصلاة مع نداء "الحزَان"(المنشد) بصوت عال جداً يقول فيه "هاملخ، هاملخ" (الملك، الملك) اشارة الى الرب. وتذكر في هذه صلاة خاصة بها هي "افينو ملكينو" ( يا أبانا ياملكنا) وفي أثنائها يضربون بيدهم اليمنى على صدورهم تعبيرا عن الندم ويقولون"يا ابانا لقد اذنبنا أمامك" اما المقاطع الخاصة التي تقرأ من التوراة بهذه المناسبة فهي:

1 – قصة تضحية النبي ابراهيم بابنه اسحق طبقا للتوراة
ومعروف أن التضحية لم تتم لأن الرب أوقف إبراهيم قبل أن يذبح ابنه
2 – قصة سارة زوجة النبي ابراهيم.
3 – قصة حنّة ام النبي صموئيل التي كانت عاقراً – كما ذكر – وصلَت من اجل ان يرزقها الله بولد وكانت تقرأ صلاتها بإخفات ولذلك فإن اليهود يقرأون هذه المقاطع اخفاتاً كذلك. وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الرئيسة للمناسبة.
4 – وهناك كذلك صلاة خاصة اسمها "ابينوملخينو" (يا أبانا يا ملكنا).
5 – وهناك صلاة اسمها "زخرنو" (تذكرنا) تكون جزءاً من هذه الصلاة الخاصة.
6 – يقرأ كذلك المزمور السابع والعشرين.
7- وتقرأ مقاطع من التوراة ترتبط بالبوق(الشوفار) تسمى "شوفاروت" وهي عادة تتعلق بالوحي لموسى على جبل سيناء
8- وتقرأ كذلك مقاطع من التوراة تتعلق بمايسمونه الأمهات الثلاث( حنه وساره وراحيل)
8- وتقرأ كذلك ثلاثة نصوص من كل من التوراة(الكتب الخمسة الأولى) ومن قسم المكتوبات ومن قسم الأنبياء
9– وفي اليوم الثاني من هذه المناسبة تقرأ كذلك في الصلاة مقاطع من "سفر إرميا" التي تتعلق براحيل زوجة النبي يعقوب اذ يذكر ان راحيل ندبت شتات اليهود وبكت من اجلهم، وان اليهود سيرجعون من ارض العدو. وهناك صلوات اخرى غير هذه يطول ذكرها.وبهذه المناسبة يلبس الحاخام والحزان والنافخ بالبوق لباسا أبيض. يغطى صندوق التوراة ومنصة التوراة(البيماه) والتوراة نفسها بقماش أبيض.

النفخ بالبوق (الشوفار)

من الشعائر التي يتميز بها هذا اليوم هو شعيرة النفخ بالبوق (الشوفار). ولا يعرف اليهود السبب الذي يوجب النفخ بالبوق في هذا اليوم ولا اعطى التلمود سبباً لذلك عند ذكره له، إلا ان حاخامي اليهود وعلماءهم ذكروا أسباباً لذلك اوصلوها الى اكثر من عشرة لا أرى ضرورة لذكرها هنا.

وقال موسى بن ميمون إن النفخ بالبوق هو من أجل تنبيه المذنبين كي يتوبوا.ولكن هذا فيما أرى تعليل ضعيف و ربما يكون سبب النفخ أن هذه المناسبة مهمة كبقية المناسبات الأخرى التي ينفخ فيها اليهود بالشوفار كالصيام العام والمناسبات المهمة والكوارث وغيرها.والبوق الذي ينفخ فيه اليهود هو عبارة عن قرن حيوان طاهر طبقاً للشريعة اليهودية كالغزال والشاة والعنز. ولا يجوز استخدام قرن البقرة أو الثور لعلاقته بالعجل الذهبي الذي صنعه بنو اسرائيل وعبدوه اثناء غياب النبي موسى عنهم. وقد اصبح قرن الغنم هو المفضل في الفترة الاخيرة.

وبمرور الزمن اصبحت هناك شروط خاصة بالبوق وبالشخص الذي ينفخ فيه. فالبوق يجب ان يكون مقوساً ولا يجوز ان يحاط طرفه عند الفم بالذهب أو غيره. اما النافخ فيجب ان يغتسل وان يتوجه الى جهة الشرق عند النفخ ويجب ان يمسك البوق باليد اليمني وان يرفع نهاية البوق الى الاعلى ويلبس لباساً ابيض خاصاً بهذه المناسبة كما ذكرنا.

وعند النفخ يقف بجانب النافخ شخص اسمه "المنادي" ولا يبدأ النفخ إلا عندما يطلب منه المنادي ذلك.

ويضع النافخ الى جانبه عدة ابواق لاستعمالها في حالة الحاجة إليها. وفي الغالب يكون عدد النفخات ثلاثين نفخة كل مجموعة مقسمة الى ثلاث نفخات تختلف طولاً وقصرا .وقد أطلق على انواع هذه النفخات الثلاث اسماء خاصة بها. وعند بعض الجماعات اليهودية يصل عدد النفخات الى مئة نفخة. وأوجب الحاخامون على كل يهودي ذكر ان يسمع صوت البوق ولا يجب على الطفل والمرأة. واذا كان اليهودي مقعداً في بيته او مريضاً في مستشفى فإن نافخاً بالبوق خاصاً يذهب له وينفخ عنده.

وفي العصر الحاضر افتى رئيس الحاخامين الأسبق شلومو غورن بعدم وجوب سماع النفخ بالبوق في رأس السنة على الجنود الاسرائيليين القريبين من القواعد العسكرية العربية حتى لا تعرف أماكن وجودهم.

ممنوعات اليوم

ولا يجوز لليهودي في هذا اليوم ان يطبخ طعاماً لا يأكله. ولا يجوز له اشعال النار او اطفاءها ولذلك يشعل الكثير من اليهود النار قبل يوم من هذه المناسبة وينقصونها ويزيدونها فقط في هذا اليوم. وبسبب عدم جواز اشعال النار فإن المدخنين من اليهود في باحة الكنيس يشعلون سجائرهم من بعضهم البعض او يشعلونها من شمعة وضعت في مكان معين من اجل هذا الغرض. وهم لا يطفئون هذه الجسائر ولا يطفئون الشمعة كذلك ويتركونهما تحترقان لوحدهما. والذي يشعل الشموع في هذا اليوم – وهي احدى الشعائر الواجبة – عليه ان يشعلها من نار موجودة وان الكثير من اليهود يشعل الشموع قبل حلول هذه المناسبة بوقت.

ويمنع في هذه المناسبة اصلاح الألات المعطوبة، وكذلك منع الحاخامون الجماع في هذا اليوم. ولا يجوز النوم كذلك بعد وجبة طعام الظهر وقبل صلاة العصر. ولا يجوز ضرب الصدر في الصلاة في هذا اليوم كما يضربون في صلاة ايام الاسبوع وفي يوم الكبور عندما يقولون "يا ابانا يا ملكنا لقد اخطأنا امامك".

الطعام الخاص

يأكل اليهود انواعاً خاصة من الطعام بهذه المناسبة بعضها يعدونه بانفسهم والبعض الآخر يشترونه. فهم يخبزون خبزاً (حلاّه) لهذه المناسبة يعملونه على شكل دائرة يتفاءلون بهذا بأن تكون دورة الحياة لهم مستمرة وتكون دورة غير منتهية. وبعض الجاليات اليهودية تعمل هذا الخبز على شكل سلم اشارة الى صعود الناس وهبوطهم في حظوظهم. وهم يقطعون الخبز قطعاً صغيرة ويغمسونه في العسل ثم يأكلونه ويقرأون عليه دعاء بالنص التالي "اللهم جدّد لنا سعادة السنة وفرحها".أويقولون "لتكن السنة حلوة وطيبة". وهم كذلك يأكلون التفاح بعد تقطعيه قطعاً وغمسه بالعسل ايضاً ويقرأون الدعاء نفسه. ويعملون كذلك فطائر بإضافة شيء من العسل إليها. ويأكلون كذلك بعض الفواكه المجففة وكذلك فواكه الموسم في الليلة الثانية قبل الصلاة. وذكر التلمود استحباب أكل الخضروات التي توحي أسماؤها بالإيجابية. وهم كذلك يأكلون رأس شاة او رأس سمكة ويتذوقه كبير العائلة اولاً ثم يديره على افرادها واحداً واحداً وهم يدعون عند ذلك بقولهم "اللهم اجعلنا الرأس ولا تجعلنا الذنب".وكذلك يقولون "لنكن كثيرين ومثمرين مثل السمك أو الغنم" وطبق السمك هو جزء من هذا الطعام الخاص على أن لا يطبخ السمك مع الخل لانهم لا يأكلون شيئاً حامضاً او مراً في هذه المناسبة.

ويعمل اليهود الاشكنازيم طبقاً من الجزر لان الجزر باللغة اليديشية هو Mahren وهذه الكلمة نفسها تدل ايضاً على الزيادة (في الحظ والبنين)(3). وهم يمتنعون في هذا الوقت عن أكل الجوز لانه يحدث السعال كما يقولون وهذا يؤثر على اداء الصلاة. اضافة الى ان كلمة "اجوز" العبرية والتي لها المعنى العربي نفسه تساوي قيمتها العددية بحساب الجّمل قيمة اعداد حروف كلمة "خطأ" (ذنب) في اللغة العبريةّ.وقبل القيام بعمل التشليخ يقوم اليهود بأداء صلاة ـتسمى"نتاناه توقف" (اعطانا قوة) وهي صلاة يعتبرونها من اكثر الصلوات إثارة للحزن والشجن حيث تتصاعد عند قراءتها الأصوات بالبكاء والنحيب رجالا ونساء.

طقس التشليخ

اصبح التشليخ جزءاً مهماً من تقاليد هذه المناسبة الدينية حتى غير المتدينين منهم يقومون بذلك اذ يذهب اليهود الى ضفاف البحار والانهار يؤدون طقوساً خاصة. وكلمة "تشليخ" مشتقة من الجذر العبري "شلخ" (ارسل، رمى، نزع الخ وهي مثل شلح العربية). ووردت هذه الكلمة ضمن عبارة في العهد القديم في سفر ميخا 7/19 وهي "(وتشليخ) وترمي في اعماق البحر جميع خطاياهم". ويبدو أن هذا الطقس يعتمد على هذا النص.

والطريقة المتبعة في ذلك هي ان اليهود بعد ان ينتهوا من صلاة العصر وقبل مغيب الشمس يذهبون الى موضع الماء في طوابير. واشترط الحاخامون في هذا الماء ان يكون فيه سمك كما منعوا ان يطعم هذا السمك وعند اداء طقس التشليخ يؤدي لليهود صلاة خاصة يقرأون فيها فقرات من سفر ميخا 7/18 – 20 وهي "من هو اله مثلك يتحمل الآثام ويصفح عن معاصي ميراثه. ولا يشتد غضبه ويحب الرحمة. وسيعود فيرأف بنا ويدوس آثامنا وتطرح في اعماق البحر جميع خطاياهم وتمنح يعقوب الصدق وابراهيم الرحمة كما اقسمت لآبائنا منذ الايام القديمة".

ويقرأون كذلك المزمور 118/5 – 6 "في الضيق دعوت الرب فاستجاب لي وفي الرحب اقام الرب معي فلا أخاف وماذا يصنع بي البشر والرب معي وهو بين ناصريَ فأرى خيبة مبغضيَ. الاعتصام بالرب خير من الاتكال على البشر والاعتصام بالرب خير من الاتكال على العظماء". وكذلك المزمور33 والمزمور 130 .

ثم بعد ذلك ينفضون اطراف ملابسهم و"جيوبهم" وهم يرمزون بهذا الى نقل ذنوبهم الى الماء ليجرفها والى السمك ليأخذها. وفي اوروبا يذهب اليهود الحسيديم(راجع عن هؤلاء كتابنا :اليهود الحسيديم) في مسيرة جماعية الى النهر وهم يحملون شموعاً وبعد الانتهاء من شعائر التشليخ يشعلون اكواماً من التبن ويرمونه في البحر فتبدو وكأنها مراكب صغيرة من نار. ويعتقد الحسيديم انهم بعملهم هذا يتطهرون من ذنوبهم التي جرفها تيار الماء وأخذها معه وان النار احرقتها كذلك.وبعض الحسيديم في اسرائيل-كما في مدينة صفد- يصعدون فوق سطوح بيوتهم باتجاه بحيرة طبرية حيث يرونها من بعيد ويؤدون طقس التشليخ وفي بعض الجاليات اليهودية لا يكتفي اليهود بالوقوف عند الماء بل انهم بعد صلاة التشليخ يدخلون النهر ويسبحون فيه وذلك بدلاً من نفض ثيابهم وهم يقولون بأن عملهم هذا يكون اكثر تطهيراً للنفس من الذنوب من غيره لان ماء النهر يغسل كل الذنوب التي اقترفها الانسان في السنة السابقة!!

وفي بعض الاماكن حيث لا توجد انهار او بحار فإن اليهود يذهبون الى بئر او نبع ماء يؤدون هذه الشعائر عنده. وتعمل بعض الجاليات اليهودية حوضاً للماء وتضع فيه سمكاً حيَا وغالباً مايضعون هذا الحوض في الكنيس بل ان البعض منهم لحرصه على اداء هذا العمل يذهب الى الحمام العام للجماعة ويؤدي الطقس عنده ويعفي نفسه من وجود السمك. ولا يعرف اليهود السبب في اشتراط وجود السمك في الماء. واعطى الحاخامون بعض الأسباب لذلك فبعضهم قال ان ذلك تفاؤلاً بكثرة عدد السمك ليكون اليهود كثيرو العدد.

وبعضهم قال بأن عيون السمك دائماً مفتوحة فيأمل اليهودي ان تكون عين ربه لا تغمض عنه يرعاه دائماً ويرأف به ويعطف عليه. وبعضهم قال بأن عين الشرلا تؤثر في السمك! فكذلك يأمل اليهود ان لا تؤثر فيهم عين الشر.ومعروف أن السمكة تُرسم في التمائم والحروز اليهودية وخاصة في الكف الذي يصنع من معدن ويوضع في مكان حيث يوضع الوليدالجديد لطرد العين الشريرة واثرها كما يعتقدون.

وعلى الرغم ان اليهود يؤدون طقس التشليخ منذ قرون طويلة(منذ القرن الرابع عشر على مايعتقد) إلا انهم لا يعرفون اصل هذه الطقوس ولا كيف بدأت. ولكن احد حاخاميهم – من القرن الخامس عشر – ربط بين هذا العمل والقصة التي وردت في المدراش عن النبي ابراهيم عندما كان ذاهباً ليضحي بأبنه ورفض أن يمنعه أي شيئ عن إداء ذلك حتى بعد أن حول الشيطان نفسه الى نهر غامر واعترض طريقه!. وبعض الباحثين اليهود ليسوا مقتنعين بهذا وذهبوا الى ان اصل هذا الطقس هو اصل وثني لا علاقة له بالشريعة اليهودية ولا صلة له بها

التهاني

التهنئة التي يقولها اليهودي لصاحبه بهذه المناسبة هي "لشناه طوباه تكتبو وتختمو (بصيغة الجمع)" ومعناها "ليكتب (اسمك) ويختم لسنة طيبة" ويكون الجواب "غام اتم" (وانتم كذلك) وهذه التهنئة تقال منذ بداية شهر سبتمبر الى حلول الاول من السنة الجديدة. ولكن بعد حلوله تختلف صيغة التهنئة وتكون "غمر ختيماه طوباه" ومعناها "ليكمل (سجلك) بختام سعيد". ويرجع التغيير الى ما قاله الحاخامون وذكروه وهو ان هناك ثلاث مراحل قبل ان يكتب الانسان في الاشرار او الاخيار. الاولى هي الانكتاب والتسجيل والثانية "الختم" والثالثة "الختم النهائي" الذي لا رجوع فيه.

فالانكتاب يكون في الاول من السنة والختم يكون بعده في يوم الكبور والختم النهائي يأتي بعده بعشرة ايام في "هوشناه رباه" وهي المناسبة التي تأتي بعد عشرة أيام من يوم الكبور بعد أن يكون الحكم الإلهي قد نزل في ذلك اليوم. والناس الاخيار والاشرار يسجلون في رأس السنة في الساعات الثلاث الأولى من اليوم. اما الذين يكونون بين الاخيار والاشرار فيبقى قدرهم معلقاً الى يوم الكبور كما ذكرنا سابقا ولذلك فإن اليهود في اليوم الاول من السنة الجديدة يهنئون بعضهم بعضاً على افتراض ان كل واحد منهم قد كتب في الصالحين ولذلك لا يقال للشخص بعد حلول رأس السنة "ليكتب اسمك..." لان هذا يعني ان قدره ما زال معلقاً مع المعلقة اقدارهم، وفي هذا اهانة للشخص واساءة له. ولهذه الصيغ تأثير على تجارة بطاقات التهنئة بهذه المناسبة.

فبعد دخول الاول من السنة تكون البطاقات التي تحمل العبارة الاولى رخيصة جداً، اما التي تحمل العبارة الثانية فإنها تبقى محافظة على اسعارها كاملة حتى حلول يوم الكبور. وقد اصبح الآن من العادات الشائعة بين الكثير من اليهود ان يرسلوا بطاقات التهنئة بهذه المناسبة اضافة الى ارسال التهاني عن طريق الصحف والنشرات التي تصدرها الكنس بعد استيفاء الاجور من المرسلين. واضافة إلى إقبال اليهود على شراء البطاقات فإن شراء أنواع الشوفار تزداد وكذلك الإقبال على الروزنامات وغطاء خبز "الحلاًه" الذي يعمل من قماش وغيره.

نشرت في صحيفة الحياة







  رد مع اقتباس
قديم منذ /12-09-2011, 03:41 PM   #19

asd 2006

الصورة الرمزية asd 2006

 رقم العضوية : 5475
 تاريخ التسجيل : Jan 2009
 جنسك : ~ الجنس: male
 المكان : العـراق
 المشاركات : 1,021
 الدين , المذهب : جعـفـري
 النقاط : asd 2006 is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 9
 الهوايات : تصميم ، برمجة
 SMS :

اللهم صل على محمد وال محمد

 اوسمة :
asd 2006

asd 2006 غير متواجد حالياً

افتراضي














التوقيع - asd 2006

اللهم صل على محمد وال محمد
  رد مع اقتباس
قديم منذ /17-09-2011, 10:26 AM   #20

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي عن اليهودي التائه والإسرائيلي التائه أيضاً

عن اليهودي التائه والإسرائيلي التائه أيضاً

محمد خالد الأزعر : اليهودي التائه شخصية خيالية خرافية، عن رجل يهودي يحكم عليه بالتجوال على الأرض إلى الأبد عقاباً له على ضرب السيد المسيح وإيذائه. وفي قول آخر، يشير المصطلح الذي ابتدعه قدامى المتعصبين المسيحيين إلى تشتت اليهود في جهات الدنيا عقاباً لهم على قتلهم المسيح. في كل الأحوال يبدو تجوال اليهودي بمثابة عقوبة أبدية مؤلمة على فعل شائن جداً. وفي المكلمات الشعبية، تمددت شخصية هذا الجوال التائه لتشمل اليهود جميعهم. الآن تنسج السيرة الصهيونية من دون قصد حكاية أخرى، لن تكون هذه المرة من وحي الخيال والخرافة ومسامرات المساء، وإنما سيكون لها أصل وفصل في الواقع. أنها قصة الإسرائيلي التائه، التي تعبر عن أحد مظاهر فشل الوعد الصهيوني على أكثر من مستوى وصعيد. الإسرائيلي التائه هو فرد يتمنى أن يغادر إسرائيل في أول فرصة سانحة أو غادرها بالفعل إلى أحد بلدان عالم الغرب، لا سيما الولايات المتحدة.

ومما تتداوله الأدبيات ذات الصلة في شأن دوافع المغادرين، السعي إلى أحوال معيشية ومالية أفضل والحصول على مهن وتوظيف وتعليم أرخص، و «...التشاؤم إزاء إحلال التسوية والسلام مع الفلسطينيين والعرب». وتبدو هذه الأسباب تقليدية ويسيرة الفهم قياساً بعامل آخر، تم التأكد بحثياً من دوره في تحريض الإسرائيليين على الخروج من الدولة بالقليل جداً من الأسف؛ هو «خبرة الإسرائيليين في الهجرة والتنقل...»!. ذلك أن 40 في المئة من الإسرائيليين مولودون خارج إسرائيل... وهكذا فإن الهجرة والتنقل ليسا بالشيء الطارئ بالنسبة للكثيرين منهم.

والواقع أن حجم التيه الإسرائيلي ليس بالهين مقارنة بالقوام السكاني لمجموع الإسرائيليين أنفسهم. تقول بيانات حكومة بنيامين نتانياهو الحالية أن ثمة ما بين 800 ألف ومليون إسرائيلي، يمثلون 13 في المئة من السكان يعيشون في الخارج. هذا معدل مرتفع للغاية بالنسبة لدولة يقال إنها نشأت لتكون ملاذاً آمناً لليهود وتضع حداً نهائياً لتيههم. وضمن هذا الرقم يعيش نحو 550 ألف إسرائيلي خارج الدولة لأكثر من سنة. ومن غرائب هذه الظاهرة ومفارقاتها أن زهاء 90 في المئة من هؤلاء الأخيرين يستقرون في الولايات المتحدة ودول أوروبا، أي في عالم الغرب المتهم بالمسؤولية عن تيه اليهود واضطهادهم.

ومن خصائص المستقرين والباحثين عن الاستقرار في الخارج أنهم أصغر عمراً وأرفع تعليماً من المهاجرين إلى إسرائيل، وهذا ما يعجل بشيخوخة الإسرائيليين. وطبقاً لاستطلاعات حديثة، عرضت في أول مؤتمر للإسرائيليين المقيمين في الخارج عقد في كانون الثاني (يناير) 2011، فإن 50 في المئة من قطاع الشباب الإسرائيلي يفضلون العيش خارج الدولة لو أتيحت لهم الخيارات والفرص. كما أن نصف مليون إسرائيلي يحملون جوازات سفر أميركية، ويتزوج ربع الإسرائيليين في أوروبا من غير إسرائيليات أو يهوديات.

هذه المعطيات ونحوها تشكل مصدر أرق وازعاج للنخبة الحاكمة الصهيونية، ولا سيما لجهة تداعيات التيه الإسرائيلي المتنامي ودوره في تقويض الأسس الأيديولوجية للصهيونية. والفكرة التي تراوح في المداولات الموصولة بهذا الهم، هي أنه إذا كان الإسرائيليون أنفسهم يفضلون الهجرة المعاكسة، فلماذا يهاجر إلى إسرائيل يهود مندمجون أصلاً في بلدانهم الأم؟

والشاهد أن الهجرة المعاكسة في سياقها الإسرائيلي ذي الطبيعة الأيديولوجية الخاصة، تحمل مكونات ظاهرة الإسرائيلي التائه القابلة للتكاثر والنمو. وفي تقديرنا أن هذه الظاهرة ليست من حيث التكوين والمسار والنتائج مجرد حاصل عمليات حسابية صماء بالجمع والطرح والقسمة. أنها في التحليل الأخير مؤشر على تصدع روح المشروع الصهيوني. فالفكرة التي يبيعها هذا المشروع هي «الكفاح» من أجل تكريس دولة تحتضن اليهود التائهين وتقضي على غربتــهم وهيـــامهم بيــن الأمم إلى الأبد. لكن عودة هؤلاء اليهود بعد تأسرلهم إلى البحث عن ملاذات أخرى خارج هذه الدولة، ليست سوى إعادة إنتاج وتدوير لمفهوم التيه والغربة.

وتوحي النظرة المعمقة أن خطر الإسرائيلي التائه لا يقتصر على احتمال المساهمة في تفريغ الكيان السياسي للصهيونية من بعض قطاعاته السكانية المتميزة، وإنما يمتد أيضاً إلى تشكيك «اليهودي التائه» في صحة الفلسفة التي قام عليها هذا الكيان. فهجرة اليهودي التائه إلى إسرائيل ثم هجرته المعاكسة منها، لن تكون تجربة عابرة أو بلا مغزى، لأن هذا المهاجر، الإسرائيلي هذه المرة، سيحمل معه ذكريات مريرة أو أقله غير مريحة عن الدولة التي اجتهدت الصهيونية في ابتداعها وتلفيقها.

نود القول إن الإسرائيلي التائه سيتحول، بإرادته أو رغماً عنها، إلى شاهد عيان على فشل الكيان السياسي الصهيوني في حل مشكلة التيه اليهودي المزعومة. الأمر الذي سيرغم اليهود في مختلف العوالم على التساؤل والتفكير أكثر من مرة قبل الاستماع إلى نداءات مؤسسات الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية والاستجابة لخطابها وإغراءاتها.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى جهد فلسطيني وعربي، يبصر يهود العالم بأن الحل الصهيوني ليس هو أنجع الخيارات لتسوية مصيرهم في هذا العالم. تماماً كما توقع بعض عقلاء اليهود قبل مئة عام.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /18-09-2011, 05:58 PM   #21

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي مستعمرات يهودية في قلب برلين

مستعمرات يهودية في قلب برلين

٦ آلاف إسرائيلي يعيشون فيها ويمارسون طقوسهم الحياتية والدينية
مستعمرات يهودية في قلب برلين
العاصمة الألمانية ثاني أكبر مقصد سياحي للإسرائيليين بعد أمريكا
٤٨ ألف سائح إسرائيلي يزورونها سنوياً ويقبلون بِنَهم على شراء عقاراتها

برلين- سمير عواد: على الطرف الآخر من (كا دي في) متجر الغرب الذي هو بمرتبة متجر (هارودز) في لندن أو متجر (لافاييت) في باريس، يقع متجر يهودي يرفع شعار نجمة داود، وعلامة على أن المتجر دعاية لإسرائيل حيث يوفر بضائع لعدد من اليهود المقيمين في العاصمة الألمانية، تقف أمامه على مدار الساعة سيارة تابعة لشرطة المدينة. في الآونة الأخيرة زاد عدد الزبائن الذين لا يجدون أسعاره بخسة. فقد أصبحت برلين التي لعبت دورا أساسيا في التسبب بالمحرقة (هولوكوست) تجتذب أعداد الإسرائيليين الذين لا يريدون مشاهدة ما تركه التاريخ من العهد النازي وإنما قضاء مدة من الوقت في مدينة تتيح لهم فرصة العيش في هدوء بعيدا عن هواجس الحياة في ظل لا سِلْم ولا حرب.

ونقلت صحيفة (زود دويتشه) الصادرة بمدينة ميونيخ عن سائحة إسرائيلية قولها: برلين تغيرت كثيرا ومن الصعب بمكان التصور أنها كانت عاصمة ألمانيا النازية التي سعت إلى إبادة العرق اليهودي. وقال زوجها: لا أستطيع أن أصدق أنه تم من هذه المدينة إبعاد أبي إلى معتقل (زاكسنهاوزن).

في السنوات الأخيرة عملت ألمانيا جاهدة لتحسين سمعتها عند الإسرائيليين. قبل مدة تم الاحتفال بمرور 40 سنة على قيام العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا وإسرائيل، وألمانيا ما زالت بعد الولايات المتحدة الأمريكية ثاني أكبر ممول لإسرائيل والآن تعمل برلين للاستفادة من هذه العلاقات. وتفيد بيانات معهد (غوته) في تل أبيب والقدس عن وجود إقبال كبير على تعلم اللغة الألمانية. فقبل خمسة أعوام كان هناك خط جوي واحد مباشر بين برلين وتل أبيب، أما اليوم هناك ثلاث رحلات تقوم بها شركتا (إير برلين) و (لوفتهانزا) إضافة إلى الخطوط الإسرائيلية (العال). وأوضح بوركهارد كيكر مدير مكتب التسويق السياحي التابع لمدينة برلين أنه يطير ست مرات في العام إلى إسرائيل ليعرف الإسرائيليين بالفرص التي توفرها برلين للسياح الإسرائيليين. وقال إن الإسرائيليين يحبون برلين ويرونها مدينة تختلف عن سائر المدن الألمانية وأشار إلى أن شركته سوف تفتتح فرعا لها قريبا في إسرائيل.

وذكرت صحيفة (زود دويتشه): إن كل إسرائيلي يرغب في السفر إلى برلين وكل إسرائيلي يعرف على الأقل واحدا من أقرانه زار برلين. فجأة أصبح الإسرائيليون يحبون المدينة التي تم فيها التخطيط لإبادة العرق اليهودي وفي الوقت الراهن أصبحت في قائمة المدن التي يفضل الإسرائيليون زيارتها وحلت مكان براغ وبرشلونة. وبعد السنوات العشر الماضية زاد عدد السياح الإسرائيليين إلى برلين خمسة أضعاف عن السابق وهكذا تعتبر برلين ثاني أكبر وجهة للسياح الإسرائيليين بعد الولايات المتحدة رغم أن عدد سكانها يبلغ سبعة ملايين نسمة مقابل 300 مليون نسمة عدد سكان الولايات المتحدة. وعلى العكس من دول أوروبية غربية أخرى لا يخشى مواطنو إسرائيل التعرض للقبض بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وهو ما يخشاه كثير من السياسيين والعسكريين الإسرائيليين خاصة بعد العدوان الوحشي على قطاع غزة في انعطافة عام 2009 رغم أن القانون الألماني ينص على اعتقال ومعاقبة مجرمي الحرب مجرد دخولهم أراضي ألمانيا.

لكنّ الإسرائيليين يعرفون أن ألمانيا تقف دائما في صفهم وتحميهم. في الآونة الأخيرة زاد عدد الإسرائيليين الذين يقدمون طلبات التجنس إلى البلد الذي يكره البعض في إسرائيل سماع لغته. وتفيد البيانات أنه خلال العام الماضي زار برلين وحدها 48 ألف سائح إسرائيلي وكثير منهم يأتي ويبقى. فقد ارتفعت نسبة المسجلين منهم في المدينة كمقيمين بخمسين بالمائة وذلك في الفترة من عام 1999 حتى عام 2009 ويشترون عقارات خاصة في أحياء منطقتي فريدريشهاين وكرويزبيرج. وتصدر في المدينة كل أسبوع صحيفة تحتوي على عروض العقارات خاصة باليهود الذين بعد سبعين سنة على الهولوكوست يريدون على ما يبدو إحياء الحياة اليهودية في برلين.

وقالت صحيفة (زود دويتشه) إن برلين أصبحت تل أبيب في ألمانيا، في الشوارع يسمع المرء اللغة العبرية أكثر من السابق فالمدينة لم تعد بالنسبة إليهم عاصمة الرايخ وإنما يريدون كما قالت الصحيفة الاستمتاع بالعيش فيها الأمر الذي يعكسه على اختيارهم السكن في أحياء تكثر فيها الأندية وتحيي السهر على مدار أيام السنة. ورغم أنه تعيش في برلين جالية عربية غالبيتها من المهاجرين اللبنانيين والفلسطينيين إلا أنه لا يجري وقوع صدامات وكل في حاله. ويصف إيلان فايس نفسه بوالد الإسرائيليين في برلين البالغ عددهم هنا نحو ستة آلاف كما أبلغ الصحيفة والتي يعيش فيها منذ 22 سنة ويصدر كل أسبوع نشرة بالعبرية تحتوي على نصائح منه لزيارة أفضل مكان يبيع (الحمص المدمس) أو غرف للإيجار أو عيادات أطباء وذلك لمعاونة الوافدين الجدد على التأقلم في الحياة على نهر (شبريه). أوضح فايس وجود سبب آخر وراء إقبال الإسرائيليين على الحضور للعيش في برلين وهو أنها أرخص مدينة أوروبية، ليس هناك مكان آخر في أوروبا يستطيع المرء العيش فيه بشيء قليل من المال. كذلك فإن الإسرائيليين يختفون بين الجاليات الأجنبية ويفضلون العيش في السر ومعظمهم يختار الجنسية الألمانية وقال فايس:إسرائيل بلدي وبرلين بيتي.

كل يوم جمعة يبث راديو (صوت برلين) برنامجا باللغتين العبرية والألمانية (كول برلين) غالبا ما يدور حول نشاطات الإسرائيليين في برلين. قالت سيدة إسرائيلية إنها جلست على مقعد في منتزه بحي (فيدينج) الذي غالبية المقيمين فيه أتراك وعرب وإنها عندما سمعت والدة أحد الأطفال تناديه باسم (محمد) تذكرت حياتها السابقة في تل أبيب. وقال شاب إسرائيلي: أراد هتلر أن تصبح برلين نظيفة من اليهود وهذا نصر كبير لنا أن نعود للعيش في هذه المدينة. ويجد البعض منهم نفسه في مواجهة مشكلة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، بعض الإسرائيليين يحصلون على انطباع آخر، غالبية الشعب الألماني يرى أن الشعب الفلسطيني عانى الكثير من السياسات الإسرائيلية وقد حان الوقت ليتم حل قضيته. بعضهم يرسل رسائل إلى السفارة الإسرائيلية في برلين ينتقد فيها السياسة الإسرائيلية. كما ساند بعضهم فراس مراغي المقدسي عندما اعتصم أمام السفارة الإسرائيلية لأنها رفضت إصدار أوراق ثبوتية لابنته وزوجته تمكنهما من العودة معه إلى القدس والإقامة فيها. في الغضون أنهى فراس اعتصامه بعدما تدخل روبريخت لورينز رئيس لجنة العلاقات الخارجية التابعة للبرلمان الألماني وينتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه المستشارة أنجيلا ميركل، وطلب من المسؤولين في السفارة الإسرائيلية التوسط لإنهاء مشكلة مراغي. الجدير بالذكر أن الإسرائيليين يحصلون على تصديقات وأوراق ثبوتية دون مشكلة لكن مراغي الذي يحمل بطاقة هوية إسرائيلية طلبت منه السفارة السفر إلى القدس لإنهاء معاملة أوراق ابنته وزوجته!.

وذكرت صحيفة (زود دويتشه) :إن الإسرائيليين الذين يأتون إلى برلين يعبرون عن رغبتهم في التعرف على ألمانيا الجديدة وسرعان ما يفعلون ذلك يديرون ظهورهم إلى الصورة السائدة عن ألمانيا في إسرائيل. قال أحدهم إن الإسرائيلي يعيش منذ أن يفتح عينيه على الدنيا مع الهولوكوست، فهو يبدأ بالتعرف على الماضي في دار الحضانة ثم في المدرسة ويتعين عليه زيارة عدد من معتقلات النازية في بولندا وألمانيا لكن الإسرائيليين الذين يعيشون اليوم في برلين وضعوا كل ذلك خلفهم ولا يعيرون أهمية لزيارة الأماكن التاريخية التي تتعلق بالمحرقة وإنما العيش في مدينة صاخبة وحضور الحفلات. سياسيا يحصل هؤلاء على صورة مغايرة عن الدور السياسي والعسكري لبلدهم في الصحافة التي تغطي أحداث الشرق الأوسط، كلهم يعرفون أن الحكومة الحالية في إسرائيل ليست مهتمة بتسوية النزاع مع الفلسطينيين.

بينما المحرقة ما زالت موضوعا يشغل الإسرائيليين يعبر موقف تحدثت عنه الصحيفة الألمانية عن العلاقة الصعبة بين الإسرائيليين والألمان. فقد قام زوجان إسرائيليان بطلب سيارة أجرة للعودة من زيارة معتقل أقامه النازيون في (زاكسنهاوزن) إلى فندقهما في برلين وخلال المشوار سأل أحدهما سائق السيارة الألماني الذي كشف بداية أنه ينحدر من مدينة (زاكسنهاوزن) فيما إذا علم أحد أقاربه عن وجود معسكر الاعتقال فالتزم السائق الصمت حتى وصول السيارة الفندق وترجُّل الراكبين الصعبين منها.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /21-09-2011, 01:24 PM   #22

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي عن الأيديولوجيا الصهيونية

عن الأيديولوجيا الصهيونية
عليان الهندي
عن الأيديولوجيا الصهيونية : بين الاستعمار الأوروبي وما بعد الصهيونية

شموئيل أمير

ترفض الثقافه الإسرائيلية مصطلحات مثل ما بعد الصهيونية أو معاداة الصهيونية أو الصهيونية. والصهيونية التي نعرفها هي شعار يسيطر على الحوار السياسي في البلاد، وبصورة أدق تعتبر الأيديولوجيا الرسمية (تقريباً) للدوله، والصهيونية بالنسبة لنا وصفا للوطنية. وللتأكيد على ذلك نضرب مثلاً من الماضي عندما رفع ماتي بيلد وأوري أفنيري واَخرون دعوى قضائية بالقذف والتشهير ضد من أتهموهم بأنهم غير صهاينة، لأنهم يدعمون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وتشير كثرة المصطلحات المستخرجة لتوجيه الأنتقادات إلى الصهيونية على قوة الأيديولوجيا التي تتبناها. وفي السنوات الأخيرة ظهر باحثون وكُتاب يشككون بالمبادىء الأساسية للصهيونية من حيث المضمون والتاريخ، حيث نظر إليه على أنه نشاطاً ثقافياً شجاعاً. ومن أجل فهم ساحة الحرب الأيديولوجية التي بعثت، علينا تلخيص خلفية تطور القلعة الأيديولوجية المتمثلة بالصهيونية

الصهيونية كأيديولوجية أوروبية

بشكل عام نعرف نوعين من القوميات هما : الأولى، ولدت خلال الثورة الفرنسية وتعتمد على البعد الإقليمي في طرحها، أي أن كل البشر القاطنين في منطقة معينة تابعون تبعية كاملة للأمة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطبقة أوالجنس، وكل من يسكن هذه المنطقة يعتبرون موطنين متساويين. وضمن هذه القومية أستوعبت ،على سبيل المثال، الطائفة اليهودية الفرنسية في ذلك الوقت داخل الأمة الفرنسية من دون أثار جانبية . وأصبحت القوميات الأقليمية العلمانية نموذجا يحتذى لكل الحركات الوطنية التقدمية أينما كانت مثل دولة الهند التي أشار إليها إيسيجز أحمد، عندما صرح أن الهند اليوم هي أمة واحدة مكونة من مجموعات عرقية كثيرة تتحدث بـ 200 لغة بما في ذلك الإنجليزية .
أما النوع الثاني من القوميات فهو الذي يعتمد على العرق، جنس واحد وثقافة ولغة مشتركة. وكان طرح هيردر والرومانسية الالمانية أساسا للنظرية الصهيونية، وهي نوع من القوميات المقلصة أو الخاصة، وتتعارض روايتها للقوميات العلمانية المدنية. ووصف هينس كوهين الرومانسية الألمانية قائلاً : خلق الرومانسيين أفكارا من الماضي القومي مقابل المبادىء التي وضعت في عام 1786 وعملوا على تضخيم التفاؤلية في عصر التنوير.

ونجحت وثيقة إستقلال دولة إسرائيل في طرح النموذج الثاني من القوميات حين ذكرت :

"بعث الشعب اليهودي في أرض إسرائيل، وفيها بلور شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وأحيا فيها ثورته الرسمية، وفيها أنتج ثقافة وطنية وعالمية ومنحت العالم كله كتاب التوراة الأبدي" .

"وبعد نفي الشعب اليهودي من وطنه بالقوة العسكرية حافظ على عهده لها في كل بلاد المهجر، ولم يتوقف عن الصلاه متأملاً العودة إلى وطنه ليعيد فيها تجديد حريته السياسية " .

"ومن خلال العلاقة التاريخية والعقائدية سعى اليهود على مر العصور بالعودة والتمسك بوطنهم القديم؛ وخلال العقود الأخيرة عاد اليهود إلى وطنهم جماعات وطلائعيين ومتسللين وكانو دروعاً لتهريب البشر ، وفيها أعادوا إحياء لغتهم العبريه وبنوا القرى والمدن وأنشأو القرى الزراعية المتنامية التي سيطرت على إقتصادهم وثقافتهم، ويتطلعون إلى السلام ويدافعون عن أنفسهم ويتمنون الخير والتقدم لكل سكان البلاد ويتطلعون إلى الأستقلال" .

وسأطرح عليكم نموذجاً مالوفاً عن تشويه الماضي البعيد الذي لا يعتبر تاريخاً حسب الحقائق، ورومانسياً وفق التحليل التاريخي، وهذا النموذج يذكر بالمقولة المشهورة لرنان وهي أن :" تزوير التاريخ جزء من تكوين الأمة " والنموذج المذكور يشبه إلى حد بعيد إعلان إستقلال إسرائيل، وتلائم هذه المقولة بشكل أو باَخر إعلان استقلال دولة إسرائيل التي ظهرت على المسرح الحديث . وبالأضافة إلى ذلك، لا تعتبر العرقية –الرومانسية للصهيونية– رغم مركزيتها، العنصر الأهم في نشأتها، ولولا العصر الأوروبي لما ولدت الحركة الصهيونية، وفي هذا المجال صرح المؤرخ هوبساوم واصفاً الفترة الممتدة من 1875 – 1914 قائلاً: لا يمكن تجاهل أن المخطط الصهيوني أرتبط بالبعد الإستعماري الأمبريالي القائم على الأيديولوجية الأوروبية .

وينظر إلى العنصرية على أنها البعد الأيديولوجي للأمبريالية، وهي أمر مبرر للاحتلال والاستغلال وإذلال البشر في الامبراطوريات الاوروبية الحديثة المترامية الاطراف. ومن عام (1885- 1914 ) التي أنتشرت فيها الإمبريالية هيمنت نظرية نقاء العنصر ليوستنى ستيورات تشمبرلين وجوزيف ارتور ده غفيانو ومؤيدي نظرية داروين الاجتماعية التي تعتبر غير الاوروبيين من الفئات المتخلفة إجتماعيا ومعاقة ثقافياً وضعفاء ومتوحشين. وبإختصار، يستحقون السيطرة عليهم .

وتطابقت توجهات الحركة الصهيونية ،التي طالبت من مؤيدها ترك أوروبا والهجرة إلى أرض إسرائيل، مع الأيديولوجية الامبريالية–العنصرية في تجاهلها لحقوق السكان المحليين وتطلعاتهم، ولو استوطن الفرنسيون فلسطين لوجد اليهود صعوبة كبيرة جداً في الأستيطان فيها وإقامة دولة خاصة بهم فيها. لكن شعارات التحدي المنسوية للأديب الإسرائيلي يسرائيل زنغويل " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض " لم تكن مبشرة بالسوء من وجهة نظر الصهيونية- كانت كابوساً حقيقيا على ملايين الفلسطنيين الذي اصبحوا لاجئين.

وعند عقد المؤتمر الصهيوني الاول (1897) وضع الاديب اليهودي ماكس نورداو مقارنة بين اليهود والاوربيين وبين الشعوب المتخلفة حين قال: " معظم اليهود منفتحون لكن وضعهم بائس، وهم مؤهلين ويملكون قدرات أكثر من الاوروبيين، ولا أرغب بمقارنتهم بالأسيويين والأفارقة الذين يحتضرون . أما ثيودور هيرتسل فصرح أن دولة اليهود هي "جزء من القلعة الاوروبية ضد أسيا، وقلعة حضارية ضد البربر . وهنا يجب التأكيد أن الحركة الصهيونية هي حركة حديثة لم تعتمد في طرحها على عقائد قديمة أو مقدسة، بل نمت من عقيدة الامر الواقع ، وتطورت إسوة بحركات وطنية في أوروبا ومع حركات وطنية لشعوب اعتبرت غير تاريخية مثل السلوفاك والمقدونيين والباسك والولزيين .

وأمام التصريحات الرسمية حول الأيديولوجية الصهيونية، أعترف نورداو بالروابط بين الصهيونية والحركات الوطنية، وفي هذا المجال كتب في عام 1904 يقول : " بعثت الصهيونية الجديدة من دوافع يهودية داخلية، تمثلت بشوق المثقفين اليهود لوطن وأبطال. ( ... ) أما العامل الأهم في تشكيل الصهيونية فيعود إلى عنصرين هما : الأول، مبدأ القوميات الذي ساد أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي من ناحية فكرية وعاطفية –وهو المبدأ الذي رسم السياسات الدولية. أما الثاني ، فهو معاداة السامية، التي وجهت بشكل أو بأخر ضد اليهود بغض النظر عن مكانهم أو هويتهم .

إذا، لم تكن هناك أمة يهودية تنتظر مثل ملكة الجمال النائمة أميرها الصهيوني لبعثها بعد ألفي عام من النوم. وعليه، كانت الحركة الصهيونية ظاهرة جديدة كلياً مثل بقية الحركات الوطنية الأخرى، ووفق وجهات نظر كثيرة تخلت الصهيونية عن العقائد اليهودية القديمة مفضلة اعتبارها جزء لا يتجزء من الثقافة الأوروبية وتعبر بإخلاص عن التيارات السائدة فيها. وبالإضافة إلى ذلك، ارتبطت صورة وتطلعات الصهيونية ارتباطاً وثيقاً بالثقافة والشخصية الاوروبية الدينية والقومية الإامبريالية التي سادت القارة خلال القرن التاسع عشر . والتوسع في هذا الموضوع غير وارد، لكن لفهم الجذور الأوروبية -خاصة الألمانية– للقومية اليهودية، علينا التعرف ولو قليلاً على العلاقة بين الصهيونية وبين الثقافة الاوروبية، حيث كتب المؤرخ اليهودي المعروف سالو برون ،الذي ولد وتعلم في النمسا قبل الحرب العالمية الاولى، يقول : "دُفع اليهود إلى الشوق المسيحي للقوميات الحديثة، لأن هذا الشوق ميزة نموذجية تنطبق على اليهود الذين تعرضوا لمعاناة تاريخية.

ولعب الشوق المسيحي دوراً مهماً في الوطنيات الاوروبية، حيث لخص برون هذا الشوق بالخصوصية والايمان العميق وقرب يوم القيامة المتوقع التي كان لها دور في البعث النهائي للقوميات الحديثة. وربط برون بين الشوق المسيحي بالأديان القديمة الموحدة بالله . وبالإضافة إلى ذلك، تحدث بيان ريستني عن الشوق الديني الامريكي. ووصف الاديب البولندي ادم ميسفوبيتش الشعب البولندي أنه تقمص شخصية المسيح المعذب. أما بيان ميتسني فقد ذكر أن كرومويل والشعب الانجليزي استمدوا من التوراة لغتهم وإبداعاتهم وأرائهم من أجل الثورة البرجوازية التي قادوها. أما المتعبدين الامريكان فقد تجولوا في العالم الجديد يروجون من أجل تأسيس القدس الجديدة. أما تولستوي فقد شبه في كتابه الحرب والسلام " موسكو بالقدس. وألبس فيردي فقد الوطنيين الايطاليين بلباس العبرانيين القدماء وهم يبكون بجانب أنهر بابل وذلك عند ذكره صهيون.

وفيما يتعلق نورداو فقد ذكر أن الصهيونية تنبت الرغبات اليهودية جزئياً، وتجاهل المساهمة الكبيرة التي قدمتها الثقافة الاوروبية عند تأسيس الحركة الصهيونية. وعلى أية حال، أسست الحركة الصهيونية من اليهود المثقفين ولم يشارك في تأسيسها التيار الديني الذي أنضم جزء صغير جداً منه إلى الحركة بعد تأسيسها . وبشكل عام . تعتبر الصهيونية حركة أيديولوجية أوروبية، وفيما يتعلق باليهود الشرقيين ذوي الثقافة والتاريخ العريق فلم تنبعث من صفوفهم حركة وطنية مطلقاً .

وفي القرن التاسع عشر ساعدت أوروبا على تطوير فكرة الصهيونية اليهودية والأوروبية الدينية بعد قدوم الإستعمار إلى فلسطين. وبعد احتلالات نابليون التي اثارت أهتماماً امبريالياً كبيراً، وساعدت في قيام رحلات سياحية قام بها مارتين وفلاوفر شطوبريان ومارك توين ومجموعات كثيرة، حيث كانت أهدافها متنوعة. وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر أصبح ميناء يافا هدفاً طبيعياً، وأسست فيها وكالات سياحة وسفر بعد عشرة أعوام بهدف تنسيق الرحلات إلى الأراضي المقدسة. وعلى ضوء الموقف العلمي الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت ازدادت الوفود الاثرية خاصة من أكبر دولة إمبريالية (بريطانيا ) التي أهتم قادتها كثيرا بالمكتشفات الأثرية الجديدة. وفي هذا المجال كتب نيل سيلبرمان في كتابه أن الصحراء التوراتية تحولت إلى مركز اهتمام غربي“God and country pigging for“ من جانبي المحيط. أما المانيا وبريطانيا فقد تعاطفت من ناحية دينية وإمبريالية مع الأراضي المقدسة وأعتبرت أرض فلسطين ارضاً لليهود.

ويبدو أن التدخل الأوروبي في أرض إسرائيل خلق انطباعاً عميقاً عند المثقفين اليهود من ذوي التوجهات الوطنية، وفجأة تحول الحلم إلى حقيقة قابلة للتحقق، وتحولت أرض إسرائيل من مجرد ذكريات تاريخية إلى واقع عملي، وخرجت من إطار العقائد ووضعت على جدول الأعمال اليومي، بإختصار، اعتبرت ارض إسرائيل اختراع جديد وعادت تحمل اسم صهيون .

ومن دون التطورات المذكورة من الصعب وصف كيف يمكن لفلسطين أن تتحول لمشروع استيطاني يهودي. وقبل ذلك إنشغل البارون هيرش ويهود كرماء آخرون في البحث عن حلوللمساعدة إخوانهم التعساء واعتبروا أن الأرجنتين ودول أمريكا الجنوبية مكانا مناسبا لهم. ومن النظرة الأولى لم تلائمهم فلسطين. وحتى صهاينة مشهورين مثل هيرتسل ونورداو فتشوا في خرائط العالم على مكان مناسب وأشاروا إلى أوغندا كمكان مفضل. وعلى أية حال كانت هذه الخيارات كانت اكثر ضبابية مقابل صورة أرض إسرائيل المرصعة بأماكن تاريخية–توراتية مصورة، كما وصفها المتجولين والسياح والباحثين الأوروبيين. وعلى أية حال، زودت القوميات الأوروبية اليهود بنسبة ليس بسيطة من الافكار والتطلعات، ومنحتهم المكان لتحقيق هذا الحلم .

وهنا أضيف ملاحظتين هما : الاولى، وصف الايديولوجية الصهيونية هنا تم من وجهة نظر تقول أن الصهيونية الأيديولوجية تسيطر على البلاد اليوم . وفي نهاية القرن التاسع عشر وخلال فترة طويلة كانت الصهيونية تيار صغير في أوساط يهود أوروبا الشرقية وغير موجودة مطلقاً في أوروبا الغربية. ومكانتها تعززت فقط بعد الحرب العالمية الثانية حيث استطاعت الصهيونية السيطرة . والثانية، القوة والتأثير للايديولوجيات القومية تبحث بشكل عام بناء على حقيقة أن أمم كثيرة مثل الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا والعديد من دول امريكا الجنوبية أسست من دون أيديولوجيا وطنية أو تاريخية، بل حاولت الانتساب إلى الماضي

ظاهرة الهجرة الجماعية

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الاولى هاجر ثلاثة ملايين يهودي من الدول الاوروبية معظمهم إلى الولايات المتحدة. وهاجر من روسيا ومحيطها ما يقارب 2,6 يهودي (30% من يهود أوروبا انتقل من قارة إلى أخرى) وكثيرا منهم استبدلوا أماكن سكناهم داخل أوروبا نفسها . ووصل منهم إلى أراض إسرائيل عدد قليل جداً. ولا يتفق المؤرخ برون مع الذين يصرحون بأن الهجرة الجماعية لليهود تمت بعد على المذابح التي تعرضوا لها في روسيا عام 1881 ، ويضيف أن الهجرة نبعت من الإمكانيات المفتوحة فتحت امام المهاجرين إلى الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية والتطور السريع في صناعاتها. وعلاوة على ذلك كان السفر رخيصاً وبسيطا وتجول وكلاء شركات السفر في اوروبا لترغيب المهاجرين بالعالم الجديد. وخلال ذلك قدمت منظمات يهودية اجتماعية مساعدات سخية لمساعدة اليهود على الهجرة . لكن المذابح التي تعرض لها يهود روسيا أثرت على وضعهم الإقتصادي والاجتماعي وكانت عاملاً لهجرة المثقفين وأصحاب روؤس الأموال .

وحتى سنوات العشرين من القرن العشرين لم يهاجر إلى أرض إسرائيل سوى 1% من مجموع المهاجرين اليهود، وازدادت الهجرة إلى أرض إسرائيل بعد تشديد قوانين الهجرة الامريكية. وفي هذا المجال ذكر شترنهيل أن موجات الهجرة الأولى تمت لأسباب (الهجرات ، إذا استخدمنا المصطلح الصهيوني المبرر) لكن مبررات نجاح المشروع الصهيوني تمت بعد موجات الهجرة إلى فلسطين من أوروبا من سنوات 1924 – 1939، حيث قدم أكثر من 300 الف مهاجر وشكلوا القاعدة للمجتمع الإسرائيلي المتبلور. وجائت هذه الهجرات بناء على الوضع الأقتصادي الصعب في بولندا ومطاردة المانيا النازية لهم. وحسب شترنهيل، فإن فلسطين كانت هي المكان الوحيد الذي سمح لليهود بالهجرة إليه، وهذه الهجرات منحت الإستيطان اليهودي تأشيرة عقائدية – والتي بدونها من الصعب إقامة دولة .

ولا يوجد نقاش مع الحقائق : نموذج الهجرات الأولى وضعت الأساس للهجرات الجماعية التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن ظلت مسألة المبرر الأخلاقي مفتوحة. فالصهيونية لا تستطيع القول أنها انتصرت ايديولوجياً وعقائدياً لأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين تمت بعد إغلاق الولايات المتحدة لأبواب الهجرة اليهودية ولموافقة بريطانيا ،لأسبابهم هم، السماح لليهود الدخول إلى البلاد. وفي نهاية الأمر أ أدت هذه القرارات إلى إجتثات جماعي للفلسطينيين .

والبحث الموضوعي في عملية الهجرة اليهودية إلى أرض إسرائيل منذ تأسيس الحركة الصهيونية يشير إلى رغبة اليهود بأغلبيتهم المطلقة بالهجرة إلى الولايات المتحدة وإلى دول غربية نامية. وذلك على عكس ما قيل في بيان استقلال دولة إسرائيل، حيث قيل أن اليهود توجهوا إلى أرض إسرائيل فقط عندما لم يكن أمامهم خيار أخر. وبالإضافة إلى ذلك ، لمتمنع الحركة الصهيونية إبادة يهود أوروبا . وإقامة دولة اليهود لم تكن معجزة وبالتأكيد لم تكن شيء خاص. وضمن هذا المفهوم كانت هناك دول أخرى مشابهة – ليس تشابه مطلق. فإسرائيل هي جزء من تيار واسع في التاريخ الحديث ، وهي أحدى الدول الكثيرة التي أقيمت في أعقاب الأزمات الاقتصادية التي عمت أوروبا وتم تحويل هذه الأزمات إلى أزمات سياسية. ويعتقد أن الهجرة الايديولوجية المبٍكرة التي ضمت عدد صغير جداً -قياساً مع موجات الهجرة الكبيرة- أصبحت القيادة فيما ما أصبح يعرف بدولة إسرائيل .

اليوم يمكن إيجاد مبرارات وأوصاف مبالغ فيها حول الهجرة الصهيونية، وبمصطلحات الصهيونية، فإن المهاجرين من البلاد يسمون هابطين (مقابل صاعدين إلى إسرائيل) . وكان هناك حوالي نصف مليون مهاجر إلى الولايات المتحدة يبحثون عن الكأس المقدس الذي يسمى .the green Cardومن الصعب وصف ما يحدث لو ألغيت قوانين الهجرة الامريكية رغم هجرة 50 الف يهودي أمريكي إلى إسرائيل منذ 1948 ، لكن جزء كبير منهم يعود إليها. وفي المقابل فقد هاجر في السنوات الأخيرة إلى إسرائيل عشرات ومئات الأف العمال الأجانب من كل الدول المعمورة بحثاً عن الرزق ، ويدور الحديث عن عمال عددهم يتراوح من 100 – 300 الف أجنبي، جزء من أولادهم ولدوا في إسرائيل ويتعلمون في مدارسها. لكن من الواضح أنهم ليسوا مهاجرين، لأن الهجرة هو حق اليهود فقط .

بحث مجدد للصهيونية الايديولوجية والعملية

خلال الإنتداب البريطاني، كان السكان اليهود موحدين أيديولوجيا، وكان من الصعوبة بمكان الإشارة إلى جيوب معارضة ذات وزن ، وأستمر هذا الوضع حتى بعد إقامة الدولة بسنوات كثيرة . وفي الأونة الأخيرة دارت نقاشات جدية حول ما سمي :" التمثيل التاريخي ماضي إسرائيل". ومن ناحية العملية أعتبر هذا النقاش تحدياً للأسس العليا للصهيونية كأيديولوجية عملية ومراجعة لتاريخ الدولة ووجود اليهدو في فلسطين. وتطرح هذه المسائل في الجامعات والصحافة والتلفزيون وفي كل الأماكن . وظهرت مئات المقالات جزئها الأكبر بتوقيع مجموعات اكاديمية شابة، سمو أنفسهم فيما بعد بالمؤرخين الجدد أو يهود ما بعد الصهيونية الذين ظهروا لأول مرة في نهاية الثمانينيات عندما نشرت الكتب الأولى لبني موريس وإيلان بابه وآفي شلييم وغرشون شبير، وبعد ذلك ساهم باروخ كرملينخ وأروي رام واَخرون .

ويتركز تحديد الأسس الصهيونية ليس فقط على تاريخ إسرائيل في عام 1948 وهم يشككون بالوصف الرسمي المطروح منذ سنوات طويلة بأن حرب الاستقلال كانت حرب أقلية ضد أغلبية، ويتساءلون هل هرب الفلسطنييين عام 1948 بناء على مطالب القيادة العربية لهم، أو تم الطرد من قبل الجيش الاسرائيلي. ويريدون أن يعرفوا هل القيادة الأسرائيلية في ذلك الوقت كانت معنية حقيقة بالسلام أو بإقامة دولة فلسطينية حسب القرار التقسيم الذي وافقت عليه الأمم المتحدة في 21 نوفمبر من عام 1947 - وهو القرار الذي يرفضون مناداته بإسمه الكامل. ويتحدى مؤيدي ما بعد الصهيونية الزعماء اليهود ويطالبون بكشف حقيقة الزعماء اليهود بيهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية. وينتقدون طريقة إستيعاب المهاجرين اليهود بعد حرب الاستقلال وهي الطريقة التي أصبحت أساساً للتعامل العام مع يهود الشرق. لكن معظمهم أمتنع عن توجيه انتقادات مبدئية للأيديولوجيا الصهيونية وسياسة الأسكان (أو الأستيطان) قبل عام 1948 . والشاذ عن هذه القاعدة هو غرشون شبير، الذي يصف السكن اليهودي في أرض إسرائيل على أنه أستعمار.

وبناءً على المواضيع المعرضة لنقد في التاريخ الإسرائيلي، هناك بعض البقرات المقدسة المعدة للذبح. لكن ذلك لم يكن نقاشاً فارغاً أو نقاشا أكديميا محددا. لقد أشعل النقاش المذكور كل المنطقة من أكاديمين وصحافيين وسياسيين وحتى قراء الصحف أنضموا إلى الموضوع وأغرقوا صفحات الجرائد بردود غاضبة في معظمها. وأتهم أحد الأكاديميين المؤيدين للصهيونية مؤيدي ما بعد الصهيونية بإستخدام الذرائع التي استخدمها الاتحاد السوفييتي في معاداته لإسرائيل . أما شبتاي تيبت، الذي كتب سيرة حياة بن غوريون، فقد اتهمهم بأنهم مؤيدين للفلسطينيين لأنهم يزيلون الشرعية عن الصهيونية". ومع الأخذ بعين الأعتبار للجو الذي ساد في البلاد، فإن ردود الأفعال قيدت من شرعية المفكرين الشباب.

وأحد أسباب ردود الفعال قيام أفراد هذه المجموعة بمس خطير بالشخصية الإسرائيلية المستقلة. والأهم من ذلك هو تحويل النقاش إلى نقاش سياسي خارج الحرم الأكاديمي. ومن أجل توضيح الأمر حول الإستعمار والكارثة وما بعد الحداثة، سابحث في مقال البرفسيور أنيتا شبيرا (تعد من أوائل مؤرخي الصهيونية) التي ناقشت مؤيدي ما بعد الصهيونية وكتبت مقالات كثيرة عن اليهود ومن كتبها سيرة حياة برل كتسنلسون، الذي أسسس مع بن غوريون حركة العمل. وتطرقت إلى المؤيدين لما بعد الصهيونية في مقدمة مقالها قائلة : " وجهة نظر الجديدة تعبر عن تغيير جوهري اتجاه المشروع الصهيوني من رؤيته كمشروع ايجابي ومهم في تاريخ اليهود والإنسانية – رغم مشاكل التنفيذ التي رافقتهه– إلى الملاحظة بالموافقة على حقيقة وجود دولة إسرائيل، لكنهم لا يمنحونها قيمة جوهرية " .

ومن دون الدخول في الصياغة الغريبة "للقيمة الجوهرية" (أية قيمة جوهرية للدنمارك أو المغرب ؟) من الواضح أن شبيرا تتعامل مع المشروع الصهيوني بروح ايجابية "رغم مشاكل التنفيذ" التي وقعت جميعها على كاهل الفلسطينيين. لكن قبل البحث في هذه المشاكل من الجدير التوقف للحظة والتفكير بعمق حول طريقة الدفاع الصهيوني عن مشاكل التنفيذ التي لا يوجد لها وزن في "المشروع الإيجابي. ولغة المنتصر تعطيه الحق بتحديد ما هي المشكلة وما هي الكارثة الوطنية .

هل كان إستعمارا

لا توافق شبيرا على دراسة إقتراح مؤيدي ما بعد الصهيونية على نقاش الموضوع وفق النموذج الإستعماري، الذي يقول أن دولة إسرائيل هي مجتمع مستوطنين مثلها مثل كثير من الدول. لأن هذا الموضوع يعتبر نقطة الضعف الرئيسية في التأريخ الصهيوني التقليدي. وتؤكد الرواية الصهيونية بشكل دائم على الفرق بين السكن والاستيطان (Colonialism and Colonization ). فالاستعمار معناه إستغلال وقمع واستبدال سكان أصليين من قبل أو بمساعدة من قبل دولة استعمارية. مقابل ذلك فإن الرواية الصهيونية تصر على أن إسكان البلاد تم بطرق سلمية وذلك من خلال تهجير اليهود الذي كان لمصلحة السكان المحليين.

وفي المقابل، فإن غرشون شبير يعتقد أن الإستيطان اليهودي يبرر أعمال المشروع الاستعماري. والتحديث الذي قامت بتنفيذه الحركة الصهيونية [...] كان جزءا من الأعمال الإستعمارية، وأهداف الاستيطان وإحتلال العمل والأرض تمت بدعم من مؤسسات الإستيطان مثل اتحاد النقابات (الهستدروت) والصندوق القومي لإسرائيل (كيرن قييمت) بصورة غير محدودة. والأراضي التي قام الصندوق القومي بشرئها منع بيعها للعرب ومنع تشغيل العمال العرب في أراضي الصندوق القومي. أما الكيبوتسات التي تم بناؤها بشكل عام على أراضي الصندوق القومي فقد أسكنت باليهود فقط، وكان ذلك البناء حالة فريدة عند أبناء الهجرة الثانية- وضمن هذا المفهوم أصبحت وطنية من أساسها. ويوضح شبير أن مصلحة الدول الأوروبية العظمى هي التي جعلتهم يدافعون هجرة اليهود من مصالح، وذلك لضمان تحرك مندوبي الأمم الاوروبية بحرية قياسا مع القيود التي وضعتها الإمبراطورية العثمانية. وكذلك التأثير المباشرة على إقامة علاقات سوق رأسمالية – خاصة ما يتعلق بشراء الأراضي. أما السكان المحليين فأعتبروا جزءا من المنظر الطبيعي الواجب قمعهوترويضه وهو يبتسم". وفي المقابل، فإن المحليين خافوا من فقدان أراضيهم "وبذلوا كل شيئ من أجل الدفاع عما تبقى" .

ونظرا لصعوبة مقاومة الحقائق، حدث أمر غريب في النقاش مع المؤرخين الجدد ، حيث اعتمدت معظم أبحاثهم واستنتاجاتهم –من دون رغبة – وتحول النقاش حول تفسير الحقائق. وتحت هجوم المؤرخين الجدد، تراجع النقاش للدفاع عن الصهيونية. وفي هذا المجال كتبت شيبرا قائلة : "عدم الرغبة بإستخدام هذه الافكار ينبع من حقيقية أنها كانت جزء من الدعاية المعادية للصهيونية التي أتهمت إسرائيل والصهيونية بالإنتماء لقوى الشر وأنها ضد العالم المتطور والمعادي للأستعمار.

اليوم، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي الذي حول الإستعمار إلى الشيطان الأبيض للعالم الثالث. وتحرير العالم من الوصاية الغربية، فإن هناك مجالا لنقاش رزين متحرر من الأيديولوجيا في كل ما يتعلق بالاستعمار. وأضافت، ليس كل حركة إستيطانية مرفوضة اتوماتيكيا، وليست كل حركة وطنية مقدسة. يجب نقاش النموذج الاستعماري نقاشا اكاديميا مفتوحا، لا يعتمد على مواقف مسبقة من الرفض له أو توجيه الاتهامات له : وتتسائل شبيرا، هل الاستيطان الابيض للولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا سيذكر إلى الأبد بخجل بسبب التعامل المتوحش مع السكان المتخلفين ؟.

يجب الاعتراف أن أقوال شبيرا بقصد او بدون قصد ،ظلت ثابتة . ومن أجل الدفاع عن الاستعمار في فلسطين يجب الدفاع عنه في كل مكان ، أو على الأقل التشكيك بالنموذج الاستعماري . ويعتقد أن الأوساط الاكاديمية الليبرالية لم تعد تعتبر أن "الشيطان الأبيض" إنتاج سوفييتي، بل هو حقيقة واقعة مرفوض من الغالبية العظمى من الشعوب منذ مئات السنين . وبالإضافة إلى ذلك، كان يمكن تفهم التمسك بالراي القائل أن العالم الثالث تحرر من سيطرت الغرب. أما اليوم فإن أحد أخلص المحافظين يتمسك بهذه النظرية على ضوء الازمة التي يتعرض لها السوق العالمي وتدخل صندوق النقد العالمي والبنك الدولي في شئون العالم الثالث. ويكفي التطلع إلى خارج إسرائيل، وحتى داخل إسرائيل نفسها كي نشعر بالتعلق الاقتصادي والسياسي والعسكري المطلق بالغرب .

المهم في هذا النقاش الذي جرى هو الإبتعاد وعدم الإحساس بمعاناة ملايين البشر نتيجة استعمار بلادهم. وبدلاً من النقاش المتروي والمتحرر من الايديولوجيا يجدر بنا الاستماع إلى الأصوات الأيديولوجية للذين يعيشون تحت الاستعمار؟ . وفي هذا المجال كتب إيما سيزار -أديب من المارتنيك- يقول : "ما هو قصد ؟ هذه الفكرة : لا يوجد شخص يستعمر بصورة بريئة (...) أو متحرره من العقوبات. والأمة التي تستوطن بلاد أخرى وتبرر الاستيطان فيها بما في ذلك اسخدام القوة هي أمة مريضة ومجتمعها يعاني من مرض أخلاقي (...). والعلاقة بين المستوطن وأحد افراد المجتمعات المتخلفة هي علاقة: عبودية وتخويف وشرطة وضرائب وسرقة وأغتصاب وزراعة إجبارية وكراهية وعدم ثقة وحقد ورضا ذاتي، ومحرمات. أنهم نخب غير واعية وجماهير مذلولة . وتتسائل شبيرا هل سيذكر المستوطنين البيض إلى الأبد بالسوء؟ . وتجيب أن المجتمعات الغربية الكبيرة والقوية لن تتهم بسوء معاملتها للأمم المتخلفة، وسينسى ضحايا الصهيونية بعد عيشهم في مستقبل وردي. وعلى أية حال ، فإن التذكر والنسيان سيحددا على ما يبدو من قبل المنتصر .

وما هو الواضح، أن الجرائم والمخالفات وعدم عدالة الاستعمار، لا تنفي حق الوجود للشعوب التي هجرت أو التي حلت مكانها. لكن هناك فرق بين الموافقة على حقوق الاستراليين والأمريكان وحتى الإسرائيليين للعيش بسلام وبين مسح الظلم الذي لحق بغيرهم منذ بداية المشروع . ويذكرنا جورج سنتانا أن التاريخ يكرر نفسه . وفي حالات كثيرة يمكن تصحيح الاخطاء، خاصة في حالة الفلسطينين. لأننا في حالتهم لا نعيش الماضي وإنما نقف أمام حقائق تاريخية، فهم يعيشون بيننا كشعب ويستطيعون طلب العدالة لهم، أو على الأقل إقامة كيان سياسي قابل للحياة، مثل دولة فلسطينية في الضفة الغربية بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس .

الكارثة – إستخدامات وإستخدامات سيئة

تعتبر رواية الكارثة أمراُ مركزياُ في الدفاع الصهيوني بشكل عام، وعند البروفيسور شبيرا بشكل خاص، وتنتقد إيلان بابه حين يقول: أن إقامة دولة إسرائيل تم بمساعدة غربية، وهجر الفلسطينيين عن قصد. وبرر التهجير العملي لمنح اليهود خصوصية خاصة بهم في أعقاب الكارثة التي حدثت لهم .

وترد شبيرا على ذلك قائلة: من يرى بالنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني في المجال الشرق أوسطي فقط، يرفض إعتبار الكارثة من سلسلة الأسباب والشروحات التي تبرر تصرفات إسرائيل. فالهوية الإسرائيلية المحلية الجديدة والموصوفة بالمعزولة عن التاريخ اليهودي لا تبقي مكاناً للأسباب التي ادت إلى حدوث الكارثة. كذلك، فإن وضع النزاع العربي- الإسرائيلي في سلم الأولويات الإسرائيلية يعتبر مصدرا لمسح تأثير الكارثة على الهوية الإسرائيلية. والمهم جداً بالنسبة لشبيرا هو أن موضوع الكارثة يشوش أية محاولة للمقارنة المبسطة بين الوضع في إسرائيل وبين الوضع في الدول الإستعمارية الأخرى . ولا تتطرق شبيرا بالمرة إلى الشعارات التي يطرحها بابه مثل "لا للإستعمار ولا لتهجير الفلسطينيين، ولا لإستخدام الكارثة لتبرير وجود الصهيونية. غير أنها تستخدم الكارثة في النقاش لتصل إلى الوضع المرغوب عندها. وعلى اية حال، فإن تهجير الفلسطينيين (بمساعدة الإستعمار) الذي ساهم في وضع حجر الأساس للدولة حدث قبل الكارثة، وإستمراره بعدها غير مرتبط بما يدعيه بابه. غير أن شبيرا حولت الكارثة إلى أساس دفاعي في النزاع الإسرائيلي– الفلسطيني. ولهذا فهي تتنازل عن الحاجة إلى نقاش جدي حول الأسباب والمسببات وعن القيم الإنسانية وعن المبررات والمساواة .

وخلال فترة بناء المستوطنات اليهودية في فلسطين اضطر الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم في البداية، وإلى ترك وطنهم فيما بعد. وحسب شبيرا فإن الكارثة التي تعرض لها اليهود هي السبب والمفسر لتصرفات إسرائيل. وتقول : الكارثة جزء من هويتنا، وفهمها يساعد على تبرير إحتلال الضفة الغربية عام 1967 وضم القدس الشرقية ومواصلة مصادرة الأراضي العربية . وتستخدم إسرائيل الرسمية الكارثة بكل الأشكال حتى أن كل شخصية رفيعة تقوم بزيارة إسرائيل "تفوز" بزيارة مقر الكارثة والبطولة (ياد فشيم). كذلك، جرت مقارنة بين عرفات وهتلر لسنوات طويلة. ولم تصمت إسرائيل عندما نشرت صورة لطفلة قتلت في مخيم اللاجئين صبرا وشاتيلا مع صورة لطفل من غيتو وارسو وهو منقول إلى المحرقة .

وتعتبر الكارثة -كمأساة حلت باليهود- حجر الأساس في بناء الامة، حيث تعتبر الضياع تهديدان دائمان. غير ان إسرائيل لم تتعاطى مع الكارثة خلال اول عشرين عاماً من تأسيسها معتبرة إياها غير مهمة، وذكرت في إحدى الروايات على أنها لم تساهم في مدح إسرائيل. وفي عام 1960 أصبحت الكارثة أمر مركزي واستخدمت كسلاح أيديولوجي ضد الدعاية الفلسطينية – أستخدمت داخلياً وخارجياً لإقناع العالم بأن الإسرائيليين هم الضحايا الأساسيين . وكم هو محزن التفكير بحقيقة أن الكارثة استخدمت في بعض الأحيان لغسل الادمغة الوطنية، وكما تقول شبيرا :"بالتعامل الوطني المعتدل مع العرب"، بدلاً من إستخدامها في الدعوة إلى الأخوة والصداقة بين الشعوب وضد العتصرية والتعصب القومي والإهتمام بمعاناة الآخرين .

ويجدر هنا القول، أن شبيرا واحدة من عدد كبير من المدافعين عن الصهيوينة من بينهم خبراء عقائديين مشهورين مثل غرشوم شالوم ومارتن بوبر، الذين يميلون التهرب من المواضيع المطرحة والتوجه نحو الأدب الفلسفي بشكل عام. وعلى سبيل المثال اقتبس بوبر يقول أن " جهودنا الإستيطانية كانت إحتلالاً بطرق سلمية، وأصحاب الأخلاق من بيننا لم يرغبوا بالبقاء أنقياء لأننا نخوض صراعا من أجل البقاء. وأضاف، عندما خصصنا أرضا للأجيال القادمة اضطررنا إلى تقليص الأراضي الممنوحة للأجيال العربية القادمة... يقولون أن نورداو جاء إلى هيرتسل غاضباً وقال له :" علمت أن في فلسطين عرب، وإذا كان ذلك صحيحاً فالحق لن يكون بجانبنا". ويضيف بوبر، إذا ما ذكر كان صحيحا، فإن ذلك يعبر عن نزاهة مذهلة. والحياة بطبيعتها مرفقة بجرائم. اما إنكسمندر فيعتقد أن وجودنا يدل على عدم عدالة الوجود العالمي، وعلينا رد ذلك إلى بشر آخرين. وفي جميع الأحوال لا توجد حياة من دون تدمير حياة أخرى. وإذا نظرنا بتركيز سنرى أن كل شيء خاضع، فشخص ما يسرق من شخص آخر قطعة أرض ليعيش، وكل من يركز النظر لا يستطيع تحمل حياته .

كل ذلك يكفي لتفهم العذابات الفكرية التي مر فيها بوبر والتي تلخص "بجهود الإستيطان التي قمنا بها". ما يجري أمامنا هو تقاسم أدوار مذهل. فالمنتصرين يفكرون بطريقة فلسفية (بمساعدة إنكسمندر) . من جهتنا ربما نندم قليلاً، أما هم فسوف تقلص "مناطق عيشهم" وهم ستقيد " . ويمكن الإتفاق مع شبيرا في رفضها لطرح دان دينر الذي قال بأن " الكارثة هي الأسطورة المؤسسة لدولة إسرائيل، لكن يوجد إتفاق بان مخيمات اللاجئين التي أنشأت بعد الحرب ساهمت مساهمة فاعلة في تجنيد الرأي العام الدولي لصالح تقسيم البلاد إلى دولتين، دولة يهودية إلى جانب دولة فلسطين، كذلك ناقشت شبيرا طرح مؤيدي ما بعد الصهيونية الذين ذكروا أن القيادة الصهيونية في فلسطين لم تبذل جهود كافية لإنقاذ يهود أوروبا، وهي ترفض هذا الطرح مدعية أن المبدأ الصهيوني يرفض الوجود في المنافي ومن الصعب على القيادة اليهودية في فلسطين إنقاذ عدد كبير من اليهود وقت الحرب. واضافت قائلة: يبدو أن القيادة اليهودية كانت تستطيع المساعدة قليلاً لو طالبت بفتح جبهة ثانية في سنوات 1943-1944 وذلك عن طريق تجنيد الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. وتقول أن المحزن في هذا الأمر أن القيادة اليهودية لم ترغب إحراج دول الحلفاء .

وإذا سمح لي بتجاوز الموضوع قليلاً، فإن عدم الإعتراف بان المهجر هو جزء لا يتجزأ من الأيديولوجيا الصهيونية يشير إلى المصدر الأوروبي للصهيونية التي تعاملت بكبرياء وتحقير مع يهود المنفى – lufmensch – الذين إعتبرتهم غير منتجين وغير مستعدين لتوسيخ أياديهم بالعمل الأسود، وهم أشخاص ضعاف وجبناء وغير مثقفين. ومن غير الصعوبة بمكان إكتشاف الوصف الفارغ ومعاداة الصهيونية من أجل إقناع اليهود بالتخلي عن المهجر المذل. أما اليهودي الجديد في أرض إسرائيل فقد قيل عنه انه جريء وفلاح عائد إلى أرضه وجذوره ووطنه من أجل إنقاذ أرضها وتجفيف المستنقعات فيها وليزرع الصحراء .

وعودة إلى فترة الكارثة التي حلت باليهود خلال الحرب وموقف القادة اليهود منها، حيث ذكر أن القيادة اليهودية تعمل كالمعتاد. وفي هذا المجال ذكرت دينا بورات المحسوبة على مؤيدي ما بعد الصهيونية في كتابها –موقف يهود أرض إسرائيل من إبادة يهود أوروبا– أن اليهود وقياداتهم لم يغيروا من نمط حياتهم شيء ولم تكن هناك إنفعالات خاصة على اليهود الذين حلت بهم الكارثة، وذلك على عكس الرواية الرسمية . ويقول توم سغيف ان الرد لم ياتي من بسطاء الناس فقط، بل امتد ليشمل القيادة اليهودية التي لم تكترث لما يحدث لليهود في أوروبا، واقتبس عن بن غوريون قوله :" أنني لا أفهم بشؤون الإنقاذ رغم رئاستي للوكالة اليهودية، وجل إهتمامي منصب على تجنيد الشعب اليهودي للمطالبة بإقامة الدولة اليهودية" . وأقتبس عن بن غوريون قوله: أن الكارثة التي تعرض لها يهود أوروبا لا تعنيه مباشرة. أما شبيرا فتقول أن الزعيم الروحي لحركة العمل الصهيوني برل كتسنلسون ظل صامتاً بشكل مطلق عندما حصلت الكارثة التي تعرض لها اليهود .

أما إسحاق غرينبويم رئيس لجنة الإنقاذ في الوكالة اليهودية وكان قبل الحرب من أبرز زعماء الحركة الصهيونية في أوروبا وزعيمهم في البرلمان البولندي، فقد صرح في جلسة عقدتها القيادة الصهيونية خلال الحرب: [...] يطلبون مني أموال من الصندوق التأسيسي لتمويل إنقاذ اليهود وقد رفضت ذلك واكرر رفضي مرة أخرى. وأضاف منذ شهر يضغط الحاخام ليفين مطالبا بأموال من الصندوق التأسيسي لإستخدامها في إنقاذ اليهود ـ وطالب بوقف بناء القرى الجديدة لذلك الهدف [...] وهنا أقول أن الصهيونية فوق الجميع .

ورغم وجود مثل هذه المقولات إلا أن شبيرا لا تشير أن القيادة واليهودي لم يكترثوا بما حدث ليهود أوروبا وتقول أن كثير من القيادات اليهودية لها أقارب هناك وبالتاكيد إهتمو بهم. لكن الحقيقة هي أن سلم الأفضليات للحركة الصهيونية كان مختلف، وكان بناء الأمة موضوع بشكل دائم على جدول الأعمال اليومي. ويوجد دفاع آخر عن اليهود وقيادتهم في فلسطين وهي أن المعلومات عن الكارثة التي حلت باليهود أتت متأخرة، وأن حجم الكارثة لم يتبين إلا بعد فترة طويلة. ورغم أن ذلك كان صحيحا، إلا أن السبب الأساسي لتجاهل الكارثة يعود إلى إهتمام القادة اليهود بالكيان المنفرد وبجدول الأفضليات الذي وضعوه، حيث اهتموا ببناء مؤسسات إقتصادية وعامة وجيش مستقبلي وثقافة خاصة بهم، وحينها امتلك اليهود كل مؤشرات الخصوصية بإستثناء الإستقلال. وعليه كان طبيعياً أن تنصب الجهود على تحقيق التطلعات الوطنية .

غير أن القيادة الصهيونية لم تعترف بأنها تفضل المصلحة المحلية على المعاناة اليهودية، لأن ذلك يتناقض مع الأيديولوجيا الصهيونية من أساسها، وما زال هذا الموقف سائداً حتى هذا اليوم. وعلى أية حال هناك فوارق كبيرة بين إسرائيل وبين يهود الخارج، فالمصلحة الإسرائيلية الداخلية أهم من المصالح اليهودية الخارجية . ودخلت الامة الجديدة في وعي وطني عميق وأعتبرت نفسها في مرحلة ما قبل الدولة. وبعد تحقيق الصهيونية لأهدافها برزت تناقضات داخلية، لأن الصهيونية خرجت من الرحم الأوروبي ولم تتلائم مع الحلم الأصلي. ولم تكن الأمة الجديدة يهودية بالمعنى المقبول، رغم أنها إنبثقت من رحم اليهودية وتعاملت مع مرجعياتها كما هو الحال مع الأمم الإستيطانية الأخرى مثل الأمريكان والكنديين في علاقتهم مع بريطانيا . أما تمسك إسرائيل بالصهيونية كأيديولوجيا فإن لذلك أسباب مختلفة كلياً . وعلى أية حال صدق مختلف الناقدين عندما ذكروا أن القيادة الصهيونية لم تتعاطف مع يهود أوروبا وتنكرت لهم (وهي تصرفات عادت وكررت نفسها في التعامل مع اليهود الشرقيين). لكن الناقدين تجاهلوا حقيقة أساسية وهي بروز قومية جديدة .

ما بعد الصهيونية وما بعد الحداثة فيما يتعلق بالشرق الاوسط

وتهاجم شبيرا مؤيدي ما بعد الصهونية كونهم من مؤيدي ما بعد الحداثة ، وحسب فهمها فان مؤيدي ما بعد الحداثة يعرفون التاريخ بأنه رواية (Narrative) قصة يكتبها مؤرخين تلبية لاحتياجاتهم الايدولوجية. وتصل إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد رواية مفضلة عندهم عن الاخرى، ويعتبرون الراويات وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية للذين يتحدثون بإسمهم. وتعلن شبيرا أن المنطق الداخلي لكل رواية يتساوى في القيمة مع غيره من الروايات. وتستخدم شبيرا هذا التعريف لمعرفتها أن مؤيدي ما بعد الصهيونية لا يحترمون الحقائق ويسمحون لانفسهم بتعبئة ما ينقص الحقيقة من دون أسس. ويصف بعض مؤيدي ما بعد الصهونية أنفسهم بأنهم من مؤيدي ما بعد الحداثة بمفاهيم معينة. لكن عندما يتعلق الأمر بنقاش يدور في البلاد حول تعدد الروايات فهم بالتأكيد تابعون للمدرسة القديمة التي تريد رؤية الحقائق كما هي. وفي ساحة الموجهة الحقيقية مع مؤرخي الصهيونية الرسمية، يتمركز مؤيدي ما بعد الصهيونية حول مواقفهم بطريقة لا يتحملها حتى مؤيدي ما بعد الحداثة .

وعمليا يمكن الاشارة إلى عناصر ما بعد الحداثة والتي دخلت إلى أحاديث شبيرا نفسها، ورغم أنها ترفض بشدة أي استخدام "للروايات" إلا أنها تسمح لنفسها باستخدامها. وفي لقاء معها عام 1994 قالت إن "الصراع العربي اليهودي بدأ عندما داست أول قدم صهيوني أرض فلسطين، ولم يستطيع اليهود التنازل على ما بدا أنه الأمل الوحيد للشعب اليهودي. أما الفلسطينيين فلم يكن لهم أي سبب للتنازل عما يعتبرونه حقهم الوحيد بهذه البلاد" . عرض الأمور بالصورة المذكورة يشير أن قائلها تحدث بالطريقة التي يتحدث فيها مؤيدو ما بعد الحداثة. فأمامنا روايتين، كل شعب وروايته وهناك اعتراف بوجود رواية "للآخر" والإعتراف برواية الآخر ليست امرا جديدا ومؤيدو ما بعد الحداثة –كما جرى في مجالات كثيرة– يصيغون المواضيع القديمة بطريقة جديدة. لكن عندما تعرض المواقف بهذه الطريقة علينا الخوف من ظاهرة ما بعد الحداثة . وعلى مدار السنوات السابقة كانت هناك حقيقة تاريخية صهيونية واضحة، ومن الناحية العملية فان طريقة طرح شبيرا هي عرض لروايتين وفق الرؤية الدفاعية للصهيونية التقليدية. وهي تضع الروايتين في نفس الميزان. وهل ذلك ممكنا ؟.

من جانب أمامنا "الصهيوني الأول الذي داس أرض فلسطين" وفي المقابل السكان الفلسطينين (هنا يجب الانتباه بسهوله غير محتملة كيف حول الشعب الفلسطيني المتخلف إلى سكان). ومنح الصهيوني الأول والوحيد (الذي يحمل على كاهله الأمل الأخير للشعب اليهودي) مكانة مساوية لشعب متخلف يعيش في وطنه. ومسألة العدالة هنا غير مثارة لعدم وجود قيم انسانية. وأين الحقيقة والعدل عندما وافق الصهيوني الأول على اجتثاث شعب كامل من أرضه. وبعد ذلك نقول أن الصراع لا يمكن منعه ؟ وفي اية محكمة يمكن الموافقة على وجهة النظر هذه ؟ . اذا لا عجب ان التأريخ الصهيوني المعرض للهجوم يضطر الى التمسك بروايته، وربما يكون ذلك المخرج الوحيد للوطنيين اليهود .

وفي المجال الأوسع يمكن القول أن شبيرا ومن شابهها (من دون القصد) ينتمون للتيار المؤيد لما بعد الحداثة الذي يتبناه الأمريكي ريتشارد رورتي –مثل القومية الامريكية الحديثة التي تتطلع إلى مصالح الولايات المتحدة كقوة عظمى . ويشير ميخائيل بيليغ أن رورتي ينتقد بشدة التوجهات الإنسانية في الفلسفة والثقاقة. ويعرف روتي نفسه على أنه أمريكيا شماليا وليبراليا وبرجوازيا مؤيدا لما يسمى لعصر ما بعد الحداثة، ويتبنى موقفا يطالب بعد إقحام الأخلاق والسياسة في الأفكار الأنسانية المشتركة . ومن هو منطقي او من هو متطرف امر نسبي للمجموعة التي نريد ان ننتمي اليه – الى مجموعة المواثيق المشتركة لنا والتي تحدد مقصد كلمة " نحن "( ... ) وبشكل عام ، فان المجموع هو خارج القضاء الاخلاقي والسياسي والعلمي ووحدة اطياف المجتمع هي هدف بحد ذاته ، ومن غير الممكن تبرير ذلك وفق مبادىء اخلاقية اخرى ، لان ذلك يضع اساسا لمثل عالمية موجودة غير متوفرة لليهود . وحسب هذا المنطق ، فنحن محررين من واجباتنا القديمة النابعة من قيم عالمية . فالمحكمة لنا والمدعي العام والدفاع منا ونحن الحكم والمحلفين . ومسألة الاستعمار وأزمة اللاجئين الفلسطينين وخروجهم الجماعي مما سمي وطنه ، كل هذه المشاكل تحل وتختفي من ذاتها .

شبيرا لم تذهب بعيدا كما هو الحال عند رورتي بخصوص العرق وعدم توزيع الموارد ، فهي لا تستطيع التجاهل مطلقا لمشاكل الاستعمار ، غير انها اقتربت كثيرا من رورتي عندما قالت " نحن نحتاج تأملات داخلية " وكيف سيرى المجتمع نفسه ؟ وهذا الشرح خاص لكل مجتمع وينبع من تقاليده الثقافية وميزانية الروحية والايديولوجية للتابعين له وتطلعلتهم ، وهذا هو الاستخدام وهو شرعي لكل مجتمع " . العرق وعدم توزيع الموارد التي طرحها رورتي ، مثل التطرق الذاتي الساخر ، تبارك من قبل بعض المؤرخين الصهاينة الذين يعبوا في الدفاع عنها . وفي اليوم الدراسي الذي اشترك عدد كبير وعقد في جامعة حيفا دار نقاش بين احد المؤرخين المذكورين اعلاه مع آخر من مؤيدي ما بعد الصهيونية الذين لا يوافقون على ان اسرائيل كانت الطرف الاضعف في حرب عام 1948 حيث قال " كما هو معلوم كنا اقوى من العرب – ولولا ذلك لما انتصرنا في الحرب ولو لم نطرد الفلسطينين . كيف تستطيع اسرائيل العيش مع اقلية عربية كبيرة ؟ وان اعلم اننا اقمنا دولتنا على دمار الفلسطينين ، ومن الصح ان هناك شعب آخر . واليوم توجد دولة يهودية ، ولا توجد دولة فلسطينية . ماهو موجود هم لاجئين فلسطينين ! وحرب التحرير كانت حربا من اجل توسيع حدودنا ... كان هناك طرد ، وانا مارست الطرد والمشكلة العملية كانت هل نسمح بعودة اللاجئين ( ... ) نعم ، انا ازور مؤيدي ما بعد الصهيونية بالسلاح ، لكن جيد اننا سمحنا لهم بان يكتبوا ما يرودن .

ويجب اضافة امر واحد فقط : وكان امتحث من اوساط اليسار الصهيوني حيث قال : هذا هو تأثير الصهيونية على الصهيونية المتطرفة ، وفي الحياة الاكاديمية لا ينفع النفي ، ونتيجة لذلك نحن امام حالة من " الاستقامة " المطلقة . نعم لقد عملنا كل هذه الامور ، لكن الهدف يبرر الوسيلة والاستقامة تعفينا من تهمة الجرائم . وتتسائل شبيرا هل المستوطنين البيض سيذكرون الى الابد بالخزي ؟ وردت مشيرة ان المجتمعات الغربية الكبيرة والقوة لنا تتهم بسبب تعاملها مع المجتمعات المتخلفة ، بل ضحايا الصهيونية سينسون في المستقبل الوردي والمفهوم ، والذكريات او النسيان سيحدد على ما يبدو من قبل المنتصر .

من هم ما بعد الصهيونية

يعتبر أنصار ما بعد الصهيونية مجموعة (رغم الفوارق بينهم) متجانسة كثيرا، ومعظهم من جيل الباحثين الشباب الذين ولدوا بعد عام 1948، ولا يشك في استقامتهم الاكاديمية وتلقى معظمهم تعليمه العالي في جامعات انجلترا والولايات المتحدة، وتنشر كتبهم باللغة الانجليزية. ويعترف بعضهم أن بروزهم مرتبط بتغيير الاجيال، أو بفتح الإراشيف (يوجد في إسرائيل قانون السرية لمدة 30 عام ) مع بداية حياتهم الأكاديمية -ربما ذلك ليس صحيحا فمعظم المعلومات التي نشرت كانت معروفه مسبقا (صرح شبير أن المعلومات التي تعتمد عليها ابحاثه ليست من النوع السري) . أما إيلان بابه، وهو أحد رموز هذه المجموعة، فيتحدث باسم المؤرخين الجدد حول حرب عام 1973 (حرب يوم الغفران) . ويصرح بابه أن "الهجوم المفاجىء للجيوش العربية في عام 1973 أحدث أول خرق في جدار النفاق الاخلاقي وبالاحساس بالرضا الذاتي، وأضاف أن الخسائر التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي والفساد الذي مر فيه حزب العمل أضعف الشوق الايدولوجي عند معظم الإسرائيليين" .

ويضيف بابه أن الباحثين الإسرائيليين بدءوا بالإعتراف بالرواية التي يطرحها الباحثين الفلسطينيين حول أسباب النزاع بعد الإنتفاضة الاولى. وأضاف، أن الشكوك ومراجعة الذات تتم بسهولة عندما يحدث فشل او كوارث (الثورات تحدث بعد خسارة في الحروب). ويبدو أن الإنتفاضة الأولى كانت العامل الحاسم. أما حرب اكتوبر فقد فتحت النقاش حول الشئون الإجتماعية الداخلية، لكن الإنتفاضة أجبرت الجمهور الإسرائيلي على الدخول في صراع آخر هو النزاع الاسرائيلي–الفلسطيني بطريقة مباشرة. وكان الطفل الفلسطيني المسلح بالحجارة ويواجه دبابة إسرائيلية، عكس قصة دافيد وجولييت. ما حدث مس بشريان حساس عند الجمهور، وأجبر الاسرائيلين على الاعتراف بـ م. ت. ف بأنها شريك بالمفاوضات. وساعدت فترة السلام في نمو نقد تاريخي للصهيونية الرسمية . ولم يكن المؤرخين الجدد هم أول من شكك بالايدولوجية الصهيونية الرسمية. فالعكس صحيح، فقد ولدت الصهيونية ومعها ولدت الانتقادات، التي وجهت من قبل أبرام لفين وإيلان هيلفي ومكسيم روديسن وموشيه سنيه وتمار غوجانسكي -من وجهة نظر ماركسيه. وكتب سماحة يلبن حول الأساطير والواقع عند إقامة الدولة وبوغز عبرون انتقد الحركة الصهيونية بشكل شامل. وكثيرة هي المقالات والحوارات التي نشرت على مدار السنوات العارضة للصهيونية وغيرها، ونضيف الى هذه القائمة الكتب التي نشرت في الخارج بأقلام كتاب مرموقين مثل ادوارد سعيد ونوعم شومسكي ونورمان فينكلشتاين وآخرين .

لكن معظم مؤيدي ما بعد الصهيونية والمؤرخين الجدد تجاهلوا الأدب الواسع، وصرحوا أنهم ينتقدون الأبحاث التي كتبها مؤرخين مهنيين، ويعلمون وفق أسلوب الاضطلاع على آخر المستجدات من دون رؤية ايدولوجية. ويمكن الاكتفاء بالقول أن النفاق هو مرض أكاديمي معروف ومقبول. لكنني اعتقد أن هناك جذور عميقة جدا. وبكل بساطة، لا يعتبر الأكادميين المؤيدين لما بعد الصهيونية انفسهم بأنهم تابعون لسابقيهم، الذين عارضو الصهيونية وانضموا إلى الحركات الاجتماعية اليسارية -هناك بعض الاستثناءات. وبعضهم يعتبر نفسه صهيوني ملزم بتقديم " الحقيقة " من أجل تصحيح الاخطاء في سياسة الصهيونية في الماضي والحاضر، لكن معظمهم تابعون لليسار الليبرالي وقريبون في تطلعاتهم لمؤيدي ما بعد الحداثة . ويعتبرون أن الفكرة الصهيونية فكرة أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد صالحة للبحث الحديث كما هو الحال في الخارج. وفي المقابل ، "يشعر" مؤيدي ما بعد الصهيونية أن الثقافة الاسرائيلية الجديدة أصبحت ثقافة ما بعد الحداثة. واشعر أن بعض هؤلاء معني بعرض التاريخ أكثر من التاريخ نفسه ، وهم معنيون بالأساطير والمناسبات اكثر من الحاضر، ويرفضون وصفهم بمعاداة الصهيونية ويشعرون براحة عند تعريفهم بأنهم مؤيدي ما بعد الصهيونية.

ماذا يعنى مصطلح "بعد" في المجال الصهيوني من ناحية ايديولوجية ؟ أو بصورة أدق أية رسالة يبعثها ؟. يعتبر مصطلح "بعد" مسايرا للعصر وله علاقة ما بمصطلح ما بعد الحداثة وفي هذا الاطار يفهم منه أن الصهيونية رواية يمكن إزالتها عن كاهلنا أو على الأقل تفكيكها بشكل سريع. ويمكن القول أنها مثل كل الروايات، يمكن تفهمها والعيش معها بسلام. وما بعد الحداثة ليست نظرية عالمية تحارب من أجل أمر معين أو موجه ضد شخص ما، بل هي مصطلح يستسلم لها مؤيدوها الذين لا يملكون فكرة مركزية يحاربون من أجلها، وبالنسبة لهم فان كل الجهود يجب أن تركز على النص . ويمكن تفهم مصطلح "بعد" بمفهومه البسيط والمثالي والاخلاقي. وربما تعني بعد أن الصهيونية أمر خاطىء في وقتها، لكنها كحركة انتهت ولم تعد خيارا، ونحن نعيش اليوم في عصر جديد يسمى "عصر ما بعد الصهيونية" .

بالنسبة لي اعتبر هذا الافتراض خاطىء ولا يتعامل مع الواقع السياسي الاسرائيلي، لان المضامين الصهيونية للدولة ما زالت سارية المفعول. فمعظم الضفة الغربية محتلة والمستوطنات فيها تتوسع، ويوجد اتفاق بين الحزبين الكبيرين على مواضيع أساسية مثل استمرار السيطرة على الضفة الغربية قدر المكان (50 % منها) والمحافظة على القدس موحدة (أي استمرار السيطرة على القدس الشرقية). وهذه الأمور تشير الى استمرار السياسة الصهيونية التقليدية التي تدعو إلى التوسع الدائم. وفيما يتعلق بنجاح هذه السياسة، فان ذلك مسألة اخرى. لكن الأيديولوجية الصهيونية تعزز يوميا في المدارس والكنس والصحف وفي وسائل الاعلام الاليكترونية، وعند معظم الاحزاب. وللتأكيد على قوة الصهيونية كأيدولوجية وسياسة وتاثيرها على الرأي العام ، اقدم مثالا عن البرنامج السياسي لميرتس ، التي تقف على يسار الخارطة السياسية وتضم العديد من المثقفين واصحاب المهن الحرة وأكاديمين (معظمهم من مؤدي ما بعد الصهيونية). ويدور الحديث عن ثلاثة مبادىء من سبعة هى :

1. الصهيونية: هي الحركة الوطنية للشعب اليهودي التي نجحت خلال مائة عام من وجودها في تجميع قسم مهم من الشعب اليهودي في إسرائيل، وحصلت على حق تقرير المصير في دولة اسرائيل ذات السيادة . وتتطلع ميرتس إلى تجديد الحركة الصهيونية وتحويلها الى عنصر مركزي يقاوم الإرباك الذي يهدد وجود الشعب اليهودي في المنافي .

2. ترى ميرتس بالهجرة الى اسرائيل وتجميع معظم الشعب اليهودي فيها وتعزيز الهوية اليهودية على أسس التعددية كدور مركزي للحركة الصهيونية في المستقبل .

3. تعتبر العلاقة بين إسرائيل والطوائف اليهودية عنصرا مركزيا لضمان وجود الشعب اليودي .

ويبدو أن الصهيونية لن تختفي، والادعاء بانها انتهت هو تهرب من الموضوع. والتهرب غير موجود في التأريخ أو حتى في المجال الايديولوجي. وفي هذا المجال، فان ما بعد الصهيونية موجه ضد التأريخ الصهيوني. ويمكن القول أن مؤيدي ما بعد الصهيونية، أو على الأقل معظمهم معادون للصهيونية، لكنهم لم يبرزو بعد . ويدعي بعضهم أنهم لا يستطيعون معاداة الصهيونية لانهم ولدوا في البلاد وهم بالنتيجة ابناء الصهيونية، وهذا ادعاء خاطىء وغير مقنع حيث لا يوجد فرق بين الصهيوني والإسرائيلي. ويمكن أن تكون إسرائيليا وتنتقد وترفض حتى الصهيونية . فالامريكي من ليدا غير ملزم بالتعاطف مع الذين قتلوا ودمروا الهنود الحمر أاو يؤيد الذين بنوا سعادتهم على الأمر الواقع. ونفس الحال ينطبق على الدول الاخرى التى يوجد فيها مهاجرين استغلوا المجتمعات المتخلفة بصورة وحشية . وتحاول الأيديولوجيا الصهيونية خلق هوية مطلقة بين الصهيوني والإسرائيلي، وتمكين من يعنيهم الامر بالقول أن من هو غير صهيوني هو ضد الدولة ! .

وحق وجود إسرائيل ليس موضوع بحثنا، فمعظم الدول العربية والفلسطينين اعترفوا بهذا الحق. لكن السؤال هنا هو ، كيف بنظر الإسرائيلي إلى ماضيه. وفي هذا المجال لا يوجد شك أننا نواجه مشكلة حول كيفية مواجهة الماضي والتغلب عليه . وهناك صعوبات في بناء وعي ذاتي تاريخي واقعي افضل من النفاق الميت حول ماضينا. ولهذا السبب فان ما بعد الصهيونية – ما زالت في مهدها وهي مشروع اكاديمي – تساهم مساهمة مهمة في الوعي الجماعي للاسرائيليين. الامر الذي يؤدي الى ردود فعل مذهلة . الاهم من كل ذلك هو الربط السياسي في النقاش حول ما بعد الصهيونية، وربما تستطيع إسرائيل التوصل إلى اتفاقات ضعيفة أو سلام بارد مع الفلسطينين في الاطار الصهيوني. لكن السلام الحقيقي أي التسليم والمصالحة – يتطلب منا اعتراف حقيقي بماضينا .







  رد مع اقتباس
قديم منذ /30-09-2011, 07:12 PM   #23

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي صناعة الهولوكوست.. تأملات في استغلال المُعاناة اليهوديَّة


صناعة الهولوكوست.. تأملات في استغلال المُعاناة اليهوديَّة

الكتاب: صناعة الهولوكوست.. تأملات في استغلال المُعاناة اليهوديَّة
المؤلف: نورمان فنكلستين
ترجمة: سماح إدريس

الناشر: دار الآداب ـ 2002

عرض: إدريس الكنبوري





دأبت الحركة الصهيونيَّة منذ نشأتها نهاية القرن التاسع عشر على توظيف مجموعة من الأكاذيب، وتحويلها إلى أساطير ثابتة في الوجدان اليهودي، ونشرها عبر وسائل الإعلان العالميّة التي يمتلكها اليهود، باعتبارها حقائق لا يطالها الزيف والاختلاق. وقد حقق هذا التحايل الكثير من أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين، ومَكّن اليهود في مختلف بلدان الشتات، لنيل مواقع مهمة في السياسة والاقتصاد وتوفير الدعم للكيان الصهيوني.

وتُعدّ أكذوبة "اللاسامية"، أو نزعة معاداة اليهود، إحدى هذه الأكاذيب الشائعة التي عمل اليهود كل طاقتهم لتوظيفها ثقافيًا وسياسيًا وإيديولوجيًا، بل تُعدّ أكبر هذه الأساطير اليهودية الصهيونية التي وظفوها بذكاء، إلى أقصى الحدود لصرف النظر عن ممارسات اليهود وجرائمهم في حق البشرية، وعن الإجرام الصهيوني في فلسطين، ولابتزاز دول العالم ماليًا وسياسيًا.

وعلى الرغم من أن مصطلح السامية يخص مجموعة من الشعوب ذات الأصل الواحد-من جملتهم العرب- تعود جذورهم إلى سام بن نوح عليه السلام، إلاّ أنَّ اليهود نجحوا في تحريف الكلمة؛ لتصبح دالة عليهم هم وحدهم في مواجهة باقي الشعوب، التي يعبر عنها مصطلح "الغويم" العبري، أو "الأغيار" الغرباء، ومن ثم تتضح عنصرية اليهود التي تلخصها أدبيات الحركة الصهيونية، واعتبار عنصرهم أعلى من باقي بني البشر؛ فالتلمود مثلاً، ذلك الكتاب المقدس لديهم الذي استبدلت به التوراة المحرفة ليكون "دليل عمل" لليهود، يقسم الجنس البشري إلى قسمين: اليهود والآخرون! ويجعل اليهود سادة، والباقي عبيدًا.

العالم ضد اليهود؟ أم اليهود ضد العالم؟

يطلعنا التاريخ على أنّ أي قوم لم يتعرضوا لما تعرض له اليهود من اضطهاد وتعذيب وطرد وتشريد، فقد كانوا طوال حقب التّاريخ محط كراهية جميع الأمم والشعوب. ويفسر اليهود ما تعرّضوا له بكونهم محسودين من بني البشر لمكانتهم ومقدراتهم، وبأن لهم من الميزات ما يجعل الآخرين يكرهونهم!!

أما الحقيقة فهي أن ذلك يعود إلى أساليب المكر والاحتيال التي اتصفوا بها، وسلوكيات الغدر والتآمر التي كانوا ينهجونها تجاه الشعوب التي عاشوا بينها.. فاليهود كانوا دائمًا أصحاب المهن الساقطة التي تشيع الفساد والرذيلة في المجتمعات، مثل: الدعارة وبيع الخمور، والجاسوسية، والتآمر مع الأجانب، كما اشتهروا بالربا في معاملاتهم المالية، الأمر الذي كرّس في وجدان الشعوب نمطًا محددًا للشخصية اليهودية المرابية الفاسدة والمخادعة..

وقد حاولت باحثة يهودية تدعى (ليندانوشلين) دراسة هذه الجوانب من خلال الثقافة الغربية ونظرتها إلى اليهودي، ووضعت كتابًا بعنوان "اليهود في النص"، والمقصود بالنص هنا النصوص الأدبية الغربية، منطلقة من سؤال: لماذا يكرهوننا إلى هذا الحد؟! ووجدت أن صورة اليهودي في الكتابات الغربية صورة واحدة تتردد في كل هذه الكتابات؛ فاليهودي هو دائمًا ذلك الشخص المحتال المنحط أخلاقيًا، الفاسد والمرابي والمتآمر، والباعث على النفور والاحتقار.

غير أن اليهود لا ينظرون إلى هذه المواصفات والسمات التي تتردد في جميع ثقافات الشعوب عنهم على أنها حقائق، ولا يرون في عداء الشعوب لهم ردة فعل على مفاسدهم ومكائدهم، بل يجعلون منها مظاهر للنزعة اللاسامية وكراهية اليهود في العالم، ونجحوا في جر جزء من الرأي العام العالمي سواء بالضغط والإكراه أو بعمليات غسيل العقول، بوساطة الثقافة والإعلام، إلى هذه الأفكار الخاطئة والعنصرية.

وقد تحولت تهمة "اللاسامية" إلى أداة فعالة في يد اليهود لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في مختلف بقاع العالم، وأصبحت مثلها مثل تهمة "الهرطقة"، التي كانت المسيحية في القرون الوسطى توزعها على كل من ينتقد أفعال الكنيسة، أو يثور ضد سلطانها في المجتمع، وهي اليوم تشبه تهمة "الإرهاب" التي تستعملها الولايات المتحدة الأمريكية ضد من ينتقد سياساتها، أو يسعى لتقرير مصيره بيده، أو يدافع عن حريته واستقلاله، وتدل تهمة "اللاسامية" اليوم على كيف تصبح بعض الأكاذيب ذات قوة نافذة، وذات تأثير على المستوى الدولي إذا كان هناك من يمتلك سلطة فرضها.

اللاسامية والكيان الصهيوني في فلسطين

عمل اليّهود في وقت مبكر من القرن التاسع عشر على توظيف تهمة معاداة السامية من أجل أغراضهم الخاصة، فكانوا يستغلون أي حادث يتعرض له واحد منهم لرفع تلك التهمة والتلويح بها، وكان الهدف من ذلك هو حشد التأييد الأوروبي لبناء دولة خاصة بهم في فلسطين، يعيش فيها اليهود مع بعضهم، ويتخلصون من تربص الشعوب بهم، ومحاولة القضاء عليهم.

وقد استغل هرتزل، مؤسس المشروع الصهيوني ومنظره الأول، حادثة محاكمة ألفريدو دريفوس الشهيرة وإعدامه؛ للدعوة إلى بناء وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان دريفوس ضابطًا في الجيش الفرنسي في ظروف الحرب بين فرنسا وألمانيا، التي انهزمت فيها الأولى أمام الثانية، وقد لعب اليهود دورًا كبيرًا في التجسس بين البلدين في تلك المواجهة السياسية والعسكرية، نظرًا لاعتماد الدولتين على اليهود كجواسيس ومخبرين، واتهم دريفوس بالتعامل مع المخابرات الألمانية وأعدم بعد محاكمة، لكن بعد سنوات قليلة ثبتت براءته، فحول اليهود تلك الحادثة إلى معركة لهم جميعًا، ولم يروا فيها قضية مواطن فرنسي، بل قضية شعب يهودي يتعرض للظلم والاضطهاد، وأصبح اسم دريفوس عنواناً للاسامية ضد اليهود، واستغل هرتزل قضيته لدعوة دول أوروبا إلى دعم تأسيس وطن يهودي في فلسطين، والضغط على الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد الثاني لتسليم فلسطين لهم.

وبعد الحرب العالمية الثانية وما وقع لليهود على يد الحركة النازية في ألمانيا، استغل اليهود ورواد الحركة الصهيونية تلك الأحداث، ووظفوها لصالح مشروعهم الاستيطاني في فلسطين، ليجلبوا عطف الدول الأوروبية ومساعدتها لهم بدعوى التكفير عن الذنب، ورد الاعتبار للضحايا وعائلاتهم. واختلق اليهود رقم الـ "ستة ملايين" ضحايا المحرقة النازية، وموضوع أفران الغاز، ومصطلح الإبادة الجماعية أو الهولوكوست، الذي أصبح يدل على ما حدث لليهود دون غيرهم من الأقليات والشعوب. وعلى الرغم أن رقم ستة ملايين مبالغ فيه، وشكك فيه العديد من الباحثين والمؤرخين والشهود حتى من اليهود أنفسهم، إلاّ أن حقيقة الأمر أن هذا الرقم تم الإعلان عنه والدعاية له بعد افتراض عدة أرقام أخرى خيالية جدًا اقترحها بعض الصهاينة واليهود، ولم تنل موافقة الجميع لإدراك بعدها عن الواقع، فقد كان الرقم الأول أربعين مليونًا قيل إنهم أُحرقوا في أفران الغاز النازية، وأصبح خمسة وعشرين مليونًا، ثم استقر في ستة ملايين.

وبسبب قوة الدعاية اليهودية العالمية، وسيطرة اليهود على وسائل الإعلام وقنوات هندسة العقول، فرضوا قوانين في الدول الأوروبية وأمريكا؛ لزجر وردع كل من يحاول التشكيك في هذا الرقم، وإعادة النظر في حقائق التاريخ إبان الحرب العالمية الثانية، وأدخلوا الهولوكوست كجزء من أنظمة التعليم في الدول الغربية يتلقنها الأطفال في المدارس، ليطلعوا منذ صغرهم على المآسي التي حدثت لليهود، حتى يضمنوا أجيالاً مؤيدة لهم، ومتعاطفة مع قضاياهم غير العادلة، وخصصت جل الدول الأوروبية يوماً في السنة لتخليد ذكرى المحرقة، كما أنشأت بعض هذه الدول متاحف خاصة للهولوكوست حتَّى لا تتعرض للنسيان، وتبقى حية شاهدة على مأساة اليهود، تُذكّر أوروبا بمدى التعاطف الواجب نحو اليهود، وبالمسؤولية الأخلاقية للأوروبيين تجاه دولة الكيان الصهيوني في فلسطين.

ويحاول اليهود تعميم احتفالات الهولوكوست على جميع دول أوروبا، وفي هذا الإطار اجتمعت سبع وأربعون دولة أوروبية نهاية العام 2000 في مؤتمر دولي بالعاصمة السورية، وخرجت بقرار يقضي بتدريس الهولوكوست في التعليم، واتخاذ إجراءات ردعية بحق كل من يقول إن عدد اليهود الذين أُحرقوا في عهد النازية يقل عن رقم ستة ملايين. وبفضل أسطورة الهولوكوست هذه، وعقدة الذنب الأوروبية من جرائم النازية، والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية لأوروبا تجاه ما تعرض له اليهود من اضطهاد وقتل وتعذيب، جرت وتجري أبشع جريمة إنسانية في التاريخ الحديث لا تزال فصولها مستمرة حتى الآن في فلسطين، ومكافأة هذه الجرائم بالدعم المادي والسياسي، بدعوى الواجب الأخلاقي نحو الشعب اليهودي.

وقد حقق اليهود والكيان الصهيوني بواسطة أسطورة الهولوكوست أكبر عملية سرقة بشرية في التاريخ، بتعبير (نومان فنكلستين) مؤلف كتاب "صناعة الهولوكوست" الذي أثار ضجة عالمية وسط اليهود في السنة الماضية؛ إذ جلب اليهود دعمًا سخيًا من أوروبا ما زال مستمرًا بدعوى تعويض ضحايا الكارثة، وحسب المؤلف أيضًا، فقد استفاد الكيان الصهيوني من مئات الملايين من الدولارات كتعويضات، ودفعت ألمانيا وحدها منذ 1952 مبلغ (58) مليار دولار كتعويض، بالإضافة إلى المعدات العسكرية والاستثمارات الاقتصادية والصناعية والسفن وقطع الغيار، لكن الابتزاز اليهودي لألمانيا لم ينته؛ إذ في كل مرة تتم المطالبة بالتعويض، سواء لضحايا المحرقة، أو لأبنائهم، أو لأحفادهم، أو لضحايا أعمال السخرة، أو لمجرد رد الاعتبار الأخلاقي، وبسبب الهولوكوست أصبحت ألمانيا هي الشريك العسكري الثاني للكيان الصهيوني بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يقتصر الأمر على ألمانيا وحدها، بل شملت مطالب التعويضات دولاً أوروبية أخرى منها السويد والنمسا وبريطانيا وإيطاليا وسويسرا، ولا تزال القائمة اليهودية مفتوحة، لتشمل دولاً أخرى، متهمة بسرقة ذهب اليهود في المصارف النازية، وفي شهر دجنبر 1998 انعقد في العاصمة البريطانية لندن المؤتمر الدولي الأول للذهب النازي، الذي يزعم اليهود أنهم فقدوه خلال الحرب العالمية الثانية، وشاركت فيه (41) دولة و(6) منظمات دولية غير حكومية على رأسها المجلس اليهودي العالمي، وتقرر القيام بحملة دولية مكثفة للمطالبة بالأرصدة اليهودية التي تزعم أنها تنهب من المصارف الألمانية.

ويفرض اليهود ستارًا حديديًا ضد أي محاولة لتكذيب أسطورة الهولوكوست ومعاداة السامية؛ لأن إسقاط هذه الأساطير في نظرهم يسقط شرعية الكيان الصهيوني في فلسطين، ومشروعية المطالبة بالتعويضات من أوروبا، وبالتالي يقضي على مستقبل اليهود، فقبل سنوات شن اللوبي اليهودي في فرنسا وغيرها حملة دعائية مسعورة ضد المفكر الفرنسي روجيه جارودي بسبب كتابة "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، الذي انتقد فيه أكذوبة المحرقة النازية وطعن في رقم الستة ملايين من الضحايا اليهود، وحوكم جارودي بمقتضى قانون (غايسو) الفرنسي الذي استصدره اليهود الفرنسيون لمحاكمة كل من يشكك في المحرقة بتهمة "التحريفية". وقبل عامين تمت محاكمة المؤرخ البريطاني (ديفيد إيرفينغ) بتهمة تكذيب الهولوكوست، بسبب قوله عنها بأنها: "كذبة كبيرة" في كتابه المعنون: "حرب هتلر.. العقل الموجه للرايخ الثالث". وتعرض الكاتب البريطاني (فنكلستين) صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" للتشهير لتشكيكه في المحرقة وفضحه لأساليب اليهود في استغلال العالم باسمها، على الرغم من أن المؤلف يهودي، وينحدر من أبوين اعتقلا في وارسو إبان الحكم النازي.

ولأجل غلق الطريق على كل نقد للهولوكوست تم إنشاء عشرات المنظمات في أوروبا وأمريكا بدعم من اللوبي الصهيوني في هذه البلدان، لقيادة الحملات ضد المشككين والنقاد، وتوجيه الرأي العام العالمي، من بينها (رابطة مناهضة التمييز العنصري ومعاداة السامية) في فرنسا، و(مؤتمر المطالب اليهودية) في كندا، و(المؤتمر اليهودي العالمي) و(اللجنة المعادية للتشهير) في أمريكا، وغيرها. وتقوم هذه المنظمات بالتشهير بكل من ينتقد أكذوبة الهولوكوست ودمغه بالتهمة الجاهزة وهي معاداة السامية، وتضغط من أجل وقف ومصادرة الأنشطة والمؤتمرات والكتب التي تسعى إلى البحث في الحقيقة على أسس علمية، خوفًا من افتضاح أمرها، ما دامت الصهيونية ترتكز على الأساطير والخرافات والأكاذيب لا على الحقائق المؤكدة والموثوقة، وقد حالت ضغوط هذه المنظمات واللوبيات اليهودية في أوروبا دون عقد مؤتمر (التعديلية والصهيونية) الذي كان سينعقد العام الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت، والذي كان سينتقد توظيف الكيان الصهيوني لأسطورة المحرقة ونزعة معاداة السامية، لكن الحكومة اللبنانية رضخت للضغوط، ومنعت عقد المؤتمر على أراضيها.

ولا يكره اليهود فقط إنكار الهولوكوست، بل يكرهون حتى الحديث عن إبادة جماعية أخرى تعرضت لها أقليات غير الأقليات اليهودية، حتى تبقى لليهود، تلك الميزة الخاصة بهم، باعتبارهم الفئة الوحيدة التي تعرضت للإبادة في التاريخ، فعندما أراد البعض إنشاء متحف تذكاري لتخليد ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرض لها الغجر في أوروبا وألمانيا، أسوة بالمتحف التذكاري للهولوكوست في واشنطن، ضغط اللوبي الصهيوني الأمريكي لمنع إنشاء المتحف، ورفض اليهود الاعتراف بأن الغجر هم شعب أصلاً؛ لأن حياة يهودي لا يمكن أن تقارن بحياة شخص آخر غير يهودي، وفي العدوان الصربي ضد مسلمي البوسنة والهرسك عندما أخذ الإعلام الغربي يطلق على جرائم الصرب تسمية الإبادة الجماعية، ويشبهها بالجرائم النازية، شن اللوبي اليهودي في البلدان الأوروبية حملة إعلامية لوقف هذه العبارات؛ لأن لفظ الإبادة الجماعية لا يليق بغير اليهود.

ويتضح من طريقة التوظيف اليهودي لنزعة معاداة السامية وكذبة الهولوكوست أن اليهود يقفون ضد العالم أجمع، وهم بذلك يؤكدون تلك السمات والخصائص المميزة لليهود لدى الشعوب الأخرى، والتي يحاولون محاربتها بدعوى اللاسامية.

اللاسامية والإجرام الصهيوني

تُعدّ تهمة معاداة السامية بمثابة الحصانة التي يريد اليهود أن يسبغوها على أنفسهم وأعمالهم الإجرامية، فهي دمغة جاهزة ضد كل من ينتقد أفعال الصهاينة في فلسطين وجرائمهم الوحشية ضد الشعب الفلسطيني؛ إذ يرى اليهود أن العالم كله مذنب في حقهم، وأنهم هم غير مذنبين في حق أحد؛ فمعاداة السامية توفر لليهود غطاء يمكن القيام تحته بأي عمل، مهما كان غير مشروع دون إمكان التعرض للنقد والمحاسبة.

ويؤكد (نورمان فنكلستين) في كتابه "صناعة الهولوكوست.. تأملات في استغلال المعاناة اليهودية"، أن نزعة معاداة السامية التي يُطلق عليها تسمية الهستيريا، مكنت اليهود من تحقيق أهداف متعددة من تلك الأهداف التي رسمتها الحركة الصهيونية. أولى تلك الأهداف أن التلويح بمعاداة اليهود جعل الكيان الصهيوني يبدو للأقليات اليهودية في الشتات كملاذ أخير لهم، من أجل الاستقرار والحياة المطمئنة والهدوء، وبذلك شجعت الحركة الصهيونية الهجرة اليهودية نحو الدولة العبرية، ودفع يهود العالم إلى التبرع بالمال لدعم دولتهم في فلسطين لتحصينها ضد الأعداء، فإذا كان كل يهودي في العالم هو معرض للخطر والموت والاضطهاد، فالدولة اليهودية التي يتجمع فيها اليهود ستكون أكثر عرضة لخطر المحو والإبادة، ومن ثم ضرورة تقوية هذه الدولة، وتوفير سبل القوة والاستقرار لها.

أما ثانية تلك الأهداف، فهي تحصين مصالح اليهود في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ تبرز معاداة السامية في هذه الحالة طريقة لتحقيق سيطرتهم وتغلغلهم في دواليب السياسة والاقتصاد؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية- كما يرى (فنكلستين)- توظف النخب اليهودية تهمة اللاسامية لحماية مصالحها الطبقية والإثنية وتحصين سياساتها المحافظة، ويؤكد رئيس "اللجنة المعادية للتشهير" أن العداء الحقيقي للسامية في أمريكا يتكون من إجراءات سياسية "أكالة للمصالح اليهودية" مثل العمل التشجيعي الذي تستفيد منه الطبقات الأخرى، والتقليص من موازنة الدفاع، والانعزالية الأمريكية الجديدة، فضلاً عن معارضة القوة النووية بل ومعارضة الإصلاح الانتخابي أيضًا. [صناعة الهولوكوست: صـ 46].

ويحاول اليهود باستمرار التشبيه بين أي مصدر يعدّونه عدوًا لهم وبين النازية الألمانية، ووصف أي عمل عدواني يستهدفهم بأنه هو هولوكوست جديد، فبعد الغزو الصهيوني للبنان في 1982 والجرائم التي اقترفها الجيش الصهيوني في حق الفلسطينيين، وحين بدأ بعض الأوروبيين في فضح تلك الجرائم، ومن بينهم صحافيون ومفكرون أمثال روجيه جارودي، أخذ الإعلام الصهيوني واليهودي يصف العرب بأنهم نازيون جدد، وتحدث المستشرق اليهودي المعروف برنارد لويس عن "النازية العربية"، كل ذلك لتبرير الجرائم الصهيونية واعتبارها مجرد ردود أفعال ضد محاولات قتلهم، تمامًا كما فعل الصهاينة اليوم في الضفة الغربية ومخيم جنين حين قتلوا المئات من الأبرياء والمدنيين بدعوى "الدفاع عن النفس"، وساند البيت الأبيض هذه الحجة الخادعة، وصرح بوش بأنه يتفهم حق الكيان الصهيوني في الدفاع عن وجوده، وفي مذبحة قانا في لبنان عام 1996 التي ذهب ضحيتها المئات من السكان المدنيين والعزل، كتب الصحافي اليهودي (آري شافيت) بأن الكيان الصهيوني يمكنه فعل أي شيء متمتعًا بالحصانة؛ لأن "لدينا اللجنة المعادية للتشهير، ومتحف ياوقاشيم (المحرقة) ومتحف الهولوكوست"، والمعنى أن أي نقد أو استنكار لهذه الجرائم سيتم الرد عليه بالتهمة الجاهزة من قبل اللجنة المذكورة، وإظهار اليهود كضحايا في رمز المتحفين المذكورين.

ويستغل الكيان الصهيوني عقدة الذنب الأوروبية من جرائم النازية تجاه اليهود لصرف أي نقد لأوروبا عن سياساتها وجرائمها، ولا تتضمن التقارير السنوية حول حقوق الإنسان، التي تصدرها وزارات خارجية عدة بلدان أوروبية أية إشارة إلى الممارسات العنصرية والعدوانية للكيان الصهيوني في فلسطين. ويتم الإطاحة بأي مسؤول حكومي يدلي بتصريحات ينتقد فيها الممارسات الصهيونية، وقبل أسابيع وصف السفير الفرنسي في تل أبيب الجرائم الصهيونية ضد الفلسطينيين قبل الغزو الأخير للضفة الغربية بأنها جرائم ضد الإنسانية، فجاءت التهمة الجاهزة من الحكومة الصهيونية تتهمه بمعاداة السامية، وفي السنة الماضية كتب الصحافي الفرنسي (باسكال بونيفاس) مقالاً في (لوموند) الفرنسية ينتقد الممارسات العدوانية لحكومة شارون، فرد عليه السفير الصهيوني في باريس بنفس الجريدة متهمًا إياه بمعاداة السامية، مما تطلب من الصحافي كتابة رد على ذلك أوضح فيه أن انتقاداته موجهة إلى حكومة شارون وليس إلى اليهود، وأن هناك فرقًا بين معاداة السامية وبين نقد الممارسات غير الإنسانية.

معاداة السامية والخطر اليهودي

إن نزعة معاداة السامية تشكل خطرًا حقيقيًا على الشعوب والسلم في العالم، فوراء هذه النزعة توجد الأيادي اليهودية التي تريد أن تعبث بأقدار العالم وسياساته وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم، فالحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن ليس هناك خطر على اليهود، بل خطر من اليهود على البشرية. وقد بدأت الجرائم اليهودية والصهيونية وأكذوبة اللاسامية والهولوكوست تنكشف مع ظهور باحثين هدفهم الرئيس خدمة الحقيقة، وكشف الخرافات التي يذهب ضحيتها العالم الحديث، غير أن أصواتهم لا تزال خافتة نتيجة الحصار المفروض عليهم من اللوبي الصهيوني، ونتيجة القوة الدعائية لهذا اللوبي في أوروبا وأمريكا، وفي هذا السياق تعترف مديرة مكتب اللجنة اليهودية الأمريكية (ديدري بيرغ) في برلين قائلة: "تشعر الكثير من الشركات الألمانية أنها تخضع للابتزاز من جانب اليهود الأمريكيين".

ويدعو (فنكلستين) إلى إغلاق ما سماه "مصنع صناعة الهولوكوست"؛ لأن هذه الصناعة أفلست، "ويبقى التصريح بذلك الإفلاس علنًا أمرًا واجبًا، ولقد آن الأوان منذ وقت بعيد لإغلاق مصنعها تمامًا". ومن المؤسف ألاّ توجد هناك أية مُبادرة عربية أو إسلامية للرد على هذه الأساطير والخرافات وفضحها، وكشف الأكاذيب اليهودية المعاصرة، توازن أو تقارب قوة الدعاية اليهودية والصهيونية الناشطة؛ فالعرب والمسلمون هم الأكثر تضررًا من الأكاذيب اليهودية، وهم الذين يدفعون اليوم ثمن جرائم النازية الأوروبية تجاه اليهود، وتُحتل أرضهم بدعوى التكفير عن ذنب لا يد لهم فيه.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /01-10-2011, 06:02 PM   #24

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي محرقة اليهود أسطورة أم حقيقة؟

محرقة اليهود أسطورة أمحقيقة؟

في مقالة للكاتب مارك ويبر( Mark Weber ) عالم تاريخ وعضو في اللجنة الاستشارية لمعهد المراجعة التاريخية في جامعة الينوي شيكاغو وفي جامعة ميونخ وجامعة ولاية دورتلاند وجامعة انديانا وقد نشرت له العديد من المقالات في التاريخ الاوروبي في مجلة المراجعة التاريخية وفي اماكن اخرى. والأهم من كل ذلك فان مارك ويبر هو الشاهد الاخير في محكمة اورنتو التي اقيمت بغرض الوصول الى حقيقة المحرقة اليهودية.( الهولوكوست).

جميعنا سمع بالمعسكر الالماني اوتشفيز الذي تمت فيه ابادة اعداد كبيرة من اليهود في غرف الغازاثناء الحرب العالمية الثانية. الا ان هذه الابادة الوحشية لاتتطابق مع الحقائق المقدمة لنا في المحكمة.من المدهش ان عدد كبير من المؤرخين والمهندسين تحدوا القصة التاريخية حول ابادة اليهود في معسكر اوتشفيز فهم لاينكرون الاعداد الكبيرة في عدد الوفيات اليهود في ذلك المعسكر بمرض التيفوئيد وامراض اخرى. وفي نفس الوقت قدموا للمحكمة أدلة تثبت بان معسكراوتشفيز لم يكن معسكر ابادة لليهود. وقصة إبادة اليهود في غرف الغاز مجرد أسطورة.

تم إنشاء معسكر اوتشفيز عام 1940 جنوب مرزك بولندا وتم ترحيل اعداد كبيرة من اليهود اليه بين عام 1942 وعام 1945 وكان المعسكر منطقة صناعية لانتاج البنزين من الفحم. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رفعت دول حلفاء قضية الى محكمة نوربرغ حول حقيقة محرقة اليهود لتؤكد بان عدد القتلى في معسكر اوتشفيز لم يكن 4 مليون كما يصرح به الجميع وحتى اليو م حيث تستخدمه الحكومة البولندية في المجلات والصحف فهو رقم غير صحيح. واليوم لا يوجد احد من المؤرخين وحتى الذين يؤمنون بالمحرقة اليهودية يصدقون هذا الرقم .

يقول المؤرخ يهودا باور المختص في تاريخ المحرقة اليهودية والمدرس في الجامعة العبرية في اسرائيل " لقد حان الوقت لنعترف بان هذا الرقم ( 4مليون) مجرد أسطورة".

كما المؤرخ اليهودي راؤول هيلبيرغ يؤييد هذا الكلام يقول" لقد تم ابادة مليون يهودي". اما المؤرخ جيرالد ريتلينغرال المختص بتاريخ محرقة اليهود( الهولوكوست)يقول" لقد تمت ابادة 700,000 يهودي". على اي حال رغم اختلاف هذه الارقام الا انه دليل على ان الحقائق التي تحيط بالقصة التاريخية لمعسكر اوتشفيز قد تغيرت بشكل ملحوظ على مر السنين.

في احدى الفترات زُعِم بانه كانت تتم إبادة اليهود في معسكر اوتشفيز بشكل مُمَنهج بالصعقات الكهربائية . ففي الصحف الامريكية ونقلا عن تقرير موجود في صحيفة روسية لشاهد عيان كان معتقلا في معسكراوتشفيز في شباط 1945 يقول" كانت الطريقة الالمانية في قتل اليهود باستخدام شريط كهربائي كان شريط يستعمل للنقل وبواسطته يمكن قتل مئة شخص في نفس الوقت وتؤخذ الجثث الى الفرن لتحرق فورا ويؤخذ رماد هذه الجثث فيرش في حقول الملفوف المجاورة للمعسكر.

ومن جهة اخرى اتهم الامريكي روبرت جاكسون الادعاء الرئيسي في محكمة نورنبيرغ اتهم الالمان باختراع طريقة عصرية تستطيع ان تبخر 20,000 شخص في لحظة واحدة دون ان تترك اي اثر(4) .اليوم لايوجد مؤرخ واحد جاد يصدق هذه القصص الخيالية. اما اهم وثائق المحرقة اليهودية كان هو اعتراف لقائد معسكر اوتشفيز السابق رودولف هوسس التي قدمت للمحكمة من قبل الادعاء الامريكي. وجيد انه مازال يعتمد على هذه الوثيقة لاثبات المحرقة اليهودية في معسكر اوتشفيز والتي ماهي الا عبارة عن وثيقة مزورة انتزعت تحت التعذيب. فبعد سنوات عديدة من نهاية الحرب يصف الرقيب برنارد كلارك عندما كان في مخابرات الجيش الانكليزي تم تعذيبه مع خمسة جنود انكليز لسحب اعتراف منه بانه تمت ابادة اثنان ونصف مليون يهودي. كما ان هوسس ايضا عبرعن معاناته من هذه الاعترافات تحت التعذيب يقول" طبيعي ان اوقع على وثيقة تقول باني قتلت اثنان ونصف مليون يهودي كان بامكاني ايضا ان اقول انهم كانوا 5مليون يهودي, في طرق التعذيب يتم سحب اي اعتراف سواء اكان صحيحا ام كذبا".

وعموم المؤرخون وحتى الذين يؤمنون بالمحرقة اليهودية يرون ان الكثير من البيانات الواردة في اعترافات هوسس لم تكن صحيحة . بكل الاحوال فاليوم لايوجد مؤرج جاد يعتقد بانه تمت ابادة 2,5 مليون يهودي او 3 مليون يهودي في معسكر اوتشفيز. علاوة على الاعترافات الاخرى التي اكدها هوسس وهي " ان اليهود تمت ابادتهم في غرف الغاز عام 1941 في معسكر بلزيك وتريبلينكا وكذلك وولزيك". اما معسكر وولزيك الذي ذكره هوسس هو مجرد تلفيق لانه لايوجد هكذا معسكر في كل الكتابات التاريخية التي تناولت المحرقة اليهودية( الهولوكوست). بالاضافة الى ان الذين يؤمنون بالمحرقة اليهودية اكدو لنا بان الابادة بالغاز في معسكر اوتشفيز وتربلينكا وبيلزيك حدثت بعد عام 1942 وليس في عام 1941 كما صرح هوسس". والاهم من كل ذلك ان آلاف الوثائق الالمانية التي تمت مصادرتها وضبطها من قبل دول الحلفاء بعد استيلائهم على المعسكرات النازية تبين أنه لم توجد بينهم ولا وثيقة تتناول برنامج سياسي ذكر شيئا عن محرقة اليهودية او سياسة ابادة اليهود بالغاز .

حتى عمليات حرق الجثث لم تكن منطقية فقد اكد ايفان لاكيس المختص في حرق الجثث ورئيس محرقة في كالغاري في كندا وهو كان احد الشهود في المحكمة عام 1988 :" ان قصة حرق الجثث في معسكر اوتشفيز غير ممكنة تقنيا, وقد اكد ايفان لاكيس وتحت قسم اليمين " الادعاء بانه ربما تم حرق 10,000 او 20,000 جثة يوميا في معسكر اوتشفيز في صيف 1944 في المحرقة او في حفر مفتو حة هو شئ خارج المنطق والعقل ". كثيرا مازُعِم بان اليهود الغير قادرين على العمل كالمرضى من الشباب او كبار السن تم قتلهم على الفوربالغاز بمجرد وصولهم للمعسكر, اما القادرين على العمل فابقي عليهم بشكل مؤقت. وحسب الادلة فهناك عدد كبير من اليهود الغير قادرين على العمل في المعسكر ومع هذا لم يتم قتلهم.

على سبيل المثال في برقية مؤرخة في 4 سبتمبر 1943 يذكر رئيس قسم توزيع العمل في القسم الاداري والاقتصادي ( SS ) للمكتب الرئيسي ( WVHA ) بانه من اصل 25,000 عامل يهودي في معسكر اوتشفيز يوجد 3581 يهودي قادر على العمل والباقي اي 21,500 تقريبا 86% غير قادرعلى العمل. والمعلومات في هذه البرقية تم تاكيدها ايضا في تقرير سري بتاريخ 5 ابريل 1944حول التدابير الامنية في معسكر اوتشفيز من قبل رئيس المعسكر( Oswald Pohl) الذي ارسله الى رئيس المكتب الرئيسي اس اس ( HeinrichHimmler ). حيث كتب اوسوالد في التقرير بان هناك 67,000 عامل يهودي ومنهم 18,000 كان راقدا في المستشفى غير قادر على العمل. وفي معسكر بيركناو افترض المكتب الرئيسي بان الابادة شملت 36,000 عامل كلهم كانوا من النساء وهناك 18,000 منهن غير قادرات على العمل. هاتين الوثيقتين لاتنطبقان مع قصة الابادة لليهود في معسكر اوتشفيز. فكل الادلة تثبت بان معسكر اوتشفيز وبيركاناو تم انشائهما من اجل اليهود الغير قادرين على العمل اي المرضى وكبار السن والذين ينتظرون ترحيلهم الى معسكرات اخرى. هذا مااكده الدكتور آرثر بوتز( D.Arther Butz ) من جامعة نورث وستيرن في الولايات المتحدة الامريكية حيث اكد انه "لهذا السبب بالذات كانت اعداد الموتى مرتفع في تلك المعسكرات". كما ان بروفيسور التاريخ اليهودي من جامعة برينستون اعترف في كتابه الذي صدر حديثا (الحل النهائي )"يقول بان الذين ماتوا بمرض التيفوس والاسباب الطبيعية اكثر بكثر من الذين أغتيلوا ".

ربما من اشهر السجناء من معسكر اوتشفيز هي ( Anne Frank ) التي اشتهرت في كل العالم بكتابها "مذكرات يومية ", ولكن عدد قليل من الناس يعلمون بان هناك الالاف من اليهود الى جانب آنة فرانك ووالدها اوتو فرانك قد نجوا من معسكر اوتشفيز. فقد تم ترحيل الفتاة آنة وعمرها 15 عاما مع والدها من هولندا الى معسكر اوتشفيز في سبتمبر 1944. وبعد عدة اسابيع وتحت تقدم الجيوش السوفيتية تم نقل آنة فرانك والعديد من اليهود الى معسكر بيرغن بيلسن , حيث ماتت هناك بسبب مرض التيفوس في آذار 1945. وقد اصيب والدها ايضا بمرض التيفوس ونقل الى المستشفى التابع لمعسكر اوتشفيز وترك هناك عندما ترك الالمان معسكر اوتشفيز في كانون الثاني 1945 بوقت قصير من تقدم الجيوش السوفييتية . وقد توفي اوتو فرانك في سويسرا عام 1980.

فلو كانت سياسة الالمان هي قتل آنة فرانك ووالدها اوتو فرانك لما استطاعا البقاء على قيد الحياة في معسكر اوتشفيز مهما كانت اقدارهم مآساوية الا انها لاتتطابق مع القصة التاريخية في ابادة اليهود . إن قصة الابادة بالغاز ترتكز على اقوال السجناء اليهود في معسكر اوتشفيز الذين لم يروا اي ادلة شخصية عن هذه الابادة لكن كانت هناك اشاعات منتشرة حول ابادة اليهود بالغاز . فقد اسقطت طائرات الحلفاء منشورات باللغة البولندية والالمانية كتب فيها بان اليهود يحرقون بالغاز وأذيع الخبر في كل محطات دول الحلفاء. قصة ابادة اليهود كانت اهم شئ في بربوغندا حرب الحلفاء.

احد السجناء السابقين في معسكر اوتشفيز اكد بانه لم يرى اي ادلة تثبت الابادة لليهود في معسكر اوتشفيز. ومن بين احد الشهود في قضية المحرقة اليهودية كانت الشاهدة النمساوية في محكمة تورينتو في كندا ماريا فانهيرواردن حيث تم نقلها داخل معسكر اوتشفيز وبيركاناو لانها كانت على علاقة جنسية مع احد العمال البولنديين في المعسكر واثناء ترحيلها في القطار قالت لها امراة غجرية بانه سيتم قتلنا بالغاز عندما نصل للمعسكر.تقول ماريا" عندما وصلنا الى المعسكر طلب منا ان نخلع ملابسنا ونقف تحت الدوش تصورنا انه سيخرج علينا نار وغاز اذا فتحنا صنبور الماء واذا به يخرج منه الماء لنغتسل. لم يكن معسكر اوتشفيز هو مخيم للعطلة الصيفية. لقد كنت شاهدة على موت العديد من السجناء ولكن بسبب المرض ولم ارى اية ادلة على الابادة الجماعية بالغاز او بطرق اخرى.

وهناك ايضا ماريكا فرانك يهودية وصلت الى معسكر اوتشفيز وبيركاناو في حزيران يوليو 1944 اي في نفس الفترة التي يفترض انه يتم ابادة 25,000 يهودي في غرف الغاز " شهدت في المحكمة بانها لم ترى ولم تسمع شئ عن غرف الغاز في تلك الفترة التي هي كانت هناك بل سمعت عن قصة غرف الغاز في وقت لاحق . فلو كان معسكر اوتشفيز فعلا مركز للابادة الجماعية السري, فكيف يتم اطلاق سراح السجناء الذين قضوا مدة عقوبتهم ويتركون احرار ويعودوا الى بلادهم وهم قد شاهدوا وسمعوا كل مايجري في المعسكر؟.

في تاريخ 28 ديسمبر 1942 ارسل رئيس المكتب الاداري توجيها وانتقادا حادا الى كل المسؤولين في معسكر اوتشفيز وبقية المعسكرات منتقدا ارتفاع عدد الوفيات بالتيفوئيد واعطى اوامر الى اطباء المعسكرات باستخدام كل الوسائل المتاحة لتخفيض عدد الوفيات. علاوة على تقديم افضل طعام. وعليهم ان يتعاونوا مباشرة مع المشرفين وارسال اقتراحاتهم وقد شدد الرايخ هاينريش هملر على تخفيض عدد الوفيات. ان اللوائح الرسمية في معسكرات الالمان تشير بشكل واضح ان تلك المعسكرات لم تكن معسكرات للابادة الجماعية. وذلك للاسباب التالية:

حيث يتم فحص الوافدين للمعسكر فحصا طبيا دقيقا وفي حال تشخيص مرض يرسل السجين الى مستشفى المعسكر ويبقى تحت المراقبة الطبية, والسجناء المرضى يجب ان يزورهم الطبيب في نفس اليوم وتقديم العلاج اللازم. وعلى طبيب المعسكر فحص الطعام بشكل منتظم وتحديد جودته. وكل نقص يجب الاخبار عنه في تقرير ويرسل الى رئيس المعسكر ويجب تقديم عناية كاملة للمصابين من اجل عدم فقدان قدراتهم العملية. ويجب فحص السجين الذي يطلق سراحه فحصا طبيا دقيقا وكذلك السجين الذي يتم نقله لمعسكر اخر.

نشرت المخابرات المركزية الامريكية السي اي أ عام 1979 صور استطلاعية تم التقاطها من الجو عام 1944 اي في نفس الفترة التي زعم انه تم فيها ابادة اليهود بغرف الغاز او الحرق فلم يشاهد اي أعمدة للدخان او اكوام جثث فوق معسكراوتشفيزوالمناطق المجاورة له لانه كان من المفروض ان تظهر تلك العلامات لو كان معسكر اوتشفيز معسكر للابادة الجماعية. وعندما زار الخبير الامريكي ( فريد .ا لوتشير ) وهو مختص في تصميم وتركيب غرف الغاز في الولايات المتحدة الامريكية حيث قام بتصميم غرف غاز للاعدامات في مدينة ميزوري الامريكية فعندما زار معسكر اوشفيتز وبيركاناو ومجدانك في بولندا عام 1988فحص بدقة غرف الغاز واستنتج انه من المستحيل القيام بالابادة الجماعية بالغاز تقنيا وبعد ان حلف اليمين في محكمة تورنتو ناقش كل الامكانيات ليؤكد انه من المستحيل ان يقتل الناس بتلك الطريقة وبتلك التقنيات من حيث الاحكام بالاغلاق والتحكم بالعملية . وفي عام 1985 شهد الباحث ويليام ليندسي في المحكمة وهو يعمل في ( شركة دوبونت ) اكد بانه من المستحيل تقنيا ان يقتل اي شخص في تلك الغرف بالزيكلون بي ( غازالهيدروسيانيك) في تلك التجهيزات الغير تقنية.

انتهت المقالة هنا ان عرضي لهذه المقالة هو من باب عرض وجهة نظر اخرى حول حقائق المحرقة اليهودية من قبل فئات لاتؤمن بها ومن ضمنهم مؤرخين يهود . ونؤكد اننا لاننكر بان اليهود تمت ابادة اعداد كبيرة منه على يد هتلر وندين كل الابادات الجماعية العرقية والدينية وغايتنا كانت فقط ان نبين ان هناك من يشكك بحقائقها ومعلوم ان قوة اسرائيل واضحة من خلال انها اقرت قرارا بمعاقبة اي شخص يشكك بالمحرقة اليهودية في عدد كبير من الدول الاوروبية وحتى من يناقشها .فعلى سبيل المثال منع العالم اليهودي الدكتور نورمان فلينكشتاين من دخول اسرائيل منذ عشر سنوات والى الان وظيفته كاستاذ في الجامعة بعد نشره كتاب صناعة الهولوكوست ( Holocaust Industry )حيث يرى ان اسرائيل تستخدم المحرقة اليهودية كآلة لجني الاموال بحجة تعويضات الابادة التي لحقت باليهود وكورقة تبرر فيها انتهاكاتها في غزة واي بلد يهدد امنها.

في النهاية مهما اختلف عدد الضحايا فنحن ندين الابادة لكل البشر.
مكارم ابراهيم







  رد مع اقتباس
قديم منذ /03-10-2011, 12:12 AM   #25

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تمييز ديني ضد النساء في اسرائيل

تمييز ديني ضد النساء في اسرائيل

اقترحت عليّ أنات هوفمان من الحركة الاصلاحية اليهودية ركوب واحد من الباصات التي تفصل بين الرجال والنساء للوقوف على مواقف النساء في مثل هذه الظروف. وقضت المحكمة العليا بأن الفصل الجنسي هذا غير مشروع. وركبت باص خط 418 المتوجه الى القدس. وكان مكتظاً بالركاب. وبحثت عن مقعد أستريح عليه، فأنا تجاوزت الثمانين من العمر. وعلى رغم أن الرجال بدوا أصحاء، لم يدعُني أي منهم إلى الجلوس مكانه.

وبعد البحث، وجدت مقعداً شاغراً في صفوف الباص الامامية. ولحظة جلوسي، صرخ أحدهم: «النساء إلى الخلف!». وضاج الباص تأييداً له، لكنني ابتسمت وبقيت في مكاني. ولاحظ السائق أن الغضب يجتاح الباص، فتوجه الى الركاب قائلاً: «توقفوا عن ذلك، دعوها تجلس حيث تشاء».

والفصل هذا مهين، وترتضيه شركة الباصات «إيجاد» طمعاً بالربح. والدولة تدعم الشركة ويفترض ألا تميز في خدمة السكان، على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية والجنسية. والحق أن نواة المشكلة هي تعاظم نفوذ الحاخامين المتطرفين والمتعصبين الساعين إلى إحكام قبضتهم على السلطة. ويقنع هؤلاء طلابهم بأفكارهم وقيمهم، ويقدمون أنفسهم على أنهم الحل والخلاص، ويريدون الزام المجتمع بالتوراة. والتطرف هذا تغذيه الأموال والسلطة السياسية وضعف بعض الوزراء وأعضاء الكنيست الذين يحاولون استمالة جمهور المؤمنين.

وليس تعاظم نفوذ رجال الدين في اسرائيل ظاهرة جديدة. فهي بدأت مع توافد السياسيين على زيارتهم واسترضائهم. ولا تسوغ اليهودية التمييز بين النساء والرجال، والتمييز هذا هو ثمرة الأحكام المسبقة والنزاع على السلطة. فالاسرائيليون سئموا من النضال لإرساء حقوق الانسان.

وفي وقت تهبّ رياح التغيير ويطالب الناس بحياة كريمة، لا يجوز إهمال فكرة المساواة. ويضطهد النساء من يزعمون أنهم متعلمون ويحترمون البشر. رسالتي لهم: النساء هنّ أيضاً من البشر.

شولاميت ألوني / وزيرة عمّالية اسرائيلية سابقة، عن «يديعوت أحرونوت» الاسرائيلية، 22/9/2011، اعداد منال نحاس







  رد مع اقتباس
قديم منذ /03-10-2011, 12:20 AM   #26

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي هزيمة الاستنارة اليهودية أمام عقدة «الخيرية» وضغوط العقيدة الصهيونية


هزيمة الاستنارة اليهودية أمام عقدة «الخيرية» وضغوط العقيدة الصهيونية
صلاح سالم

مثَّلت اليهودية أولَ شريعة كبرى، ومن ثم اضطلعت بمهمة تحضيرية كبرى، جوهرها تأسيس الوحدانية في قلب الوثنية، ما كان يمثل ثورة وانقلاباً على شتى جوانب الموروث الديني، الذي وُجدت فيه بقايا وحي الأنبياء السابقين كمجرد ذكريات متناثرة، وقصص غابرة، ومواعظ متقادمة غير مسطَّرة في شريعة كاملة أو كتاب خالد، كما كانت مختلِطة بأساطير عن الألوهية تتداخل فيها عبادة الأرواح والأسلاف مع عبادة الطوطم، وتأليه الأبطال مع أنسنة الآلهة، والخشوع لمظاهر الطبيعة الهائلة التي تلقي بالروع في الذهن الإنساني. ومن ثم، خاضت اليهودية منذ نزول الوحى على موسى عليه السلام، معركتين أساسيتين، يمكن اعتبار الأولى «خارجية»، والثانية «داخلية».

أما المعركة «الخارجية»، فكانت ضد البيئة الوثنية، وفيها تمكنت اليهودية من تحقيق نجاح صعب بعد جهاد مرير استمر لنحو سبعة قرون على الأقل، تمتد بين بعثة موسى وتلقيه ألواح التوراة، وحتى عودة اليهود من السبي البابلي، ونبوة أشعياء الثاني، الذي دعا مخلصاً إلى توحيد الإله «يهوه»، والذي كان له صدى عميق في الوعي العبري أخذ معه مفهوم التوحيد ينمو ولا يتراجع، ومفهوم التعدد ينكمش ولا يزيد، حتى كانت الصياغة التنزيهية للعقيدة اليهودية من قبل موسى بن ميمون، في قانون الإيمان وبنوده الثلاثة عشر بعد نحو عشرين قرناً، بفعل نمو العقل البشري وتحت تأثير الإسلام.

وأما المعركة الثانية «الداخلية»، فكانت ضد المفهوم القبلي للألوهية، الذي جعل من «يهوه» إلهاً لبني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر، وليس إلهاً للعالمين، وهنا نمت فكرة «الخيرية»، التى جعلت من اليهودي لمجرد صدفة الميلاد من أم يهودية، مختاراً من الله، ما أوقع اليهودية في أسر العنصرية، التي جعلت منــها ديناً مغلقاً يرفض أتباعه التبشير به، وحَرَمَها من أن تكون ديــانة إنسانية كبرى ذات رسالة تبشر بها في العالمين، كما فعلت المسيحية تالياً، والإسلام أخيراً. ويعني هذا ادعاءً بفشل اليهودية في تلك المعركة الداخلية مع ذاتها، على العكس من الانتصار النهائي الذي تحقق لها في المعركة الخارجية مع البيئة الوثنية، ما يؤكد سنة تاريخية كبرى، وهي أن العقائد والأمم والناس تستطيع أن تنتصر بإصرارها على ما هو خارجها، بينما تفشل في تطويع ذاتها، إذ في داخل النفس يقبع ذلك الشيطان، سواء بمعناه الديني المباشر الذي يعيد تمثيل دور إبليس في قصة الخلق والتكوين، أم بمعناه التاريخي المراوغ الذي يتخلل غرائز البشر والأمم، ويستولى على روحها ليعوقها عن إصلاح ذاتها. ولم تكن آفة الخيرية القبلية بالنسبة الى اليهود، سوى ذلك الشيطان الكامن في غريزتهم الجمعية.

وبفعل عنصريتها وتقوقعها على ذاتها، لم تتحول اليهودية قط إلى نمط حضاري جذاب طيلة تاريخها الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، فـ «الدين اليهودي» لا يناظره ما يمكن تسميته بـ «الحضارة اليهودية»، على رغم تكوين مملكتين سياسيتين لفترة قصيرة من العمر بداية الألف الأول قبل الميلاد، أو ممارسة نوع من الحكم الذاتي في عصر المكابيين (القوميين اليهود) في القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك قبل أن ينتهي وجودهم التاريخي المستقل بتحطم هيكلهم الثاني على يدي القائد الروماني تيتوس عام 70 م. وقد زاد اغترابَهم في التاريخ، مجيءُ المسيح إلى الأرض نبياً للرحمة لا القتال، رافضاً أن يكون ملكاً مقدساً لهم، فاتحاً شريعة موسى ودين الرب للأغيار/ الأمم، مانحاً الخيرية الحق لكل المؤمنين المنتمين لإبراهيم بالروح لا بالجسد، وبالعقيدة لا بالعرق.

ومع استقلال المسيحية كدين له مؤسسته وكنيسته وطقوسه، وليس مجرد فرقة يهودية، توقف إسهام اليهود في الحضارة الإنسانية كجماعة جنسية أو عرقية أو ثقافية، وإن ظل هذا الإسهام حاضراً وفعالاً بشكل فردي.

وفي الحقيقة، كان السياق الحضاري الإسلامي هو الأكثر تسامحاً مع اليهود، فلم تعرف مجتمعاته ما يسمى «المسألة اليهودية»، ولم يبرز فيها قط ما اصطلح عليه بـ «معاداة السامية»، لأنها ببساطة مجتمعات سامية لغة وعرقاً، ولقد تبدى ذلك في التجربة التاريخية الطويلة عندما قبل المسلمون الأوائل بوجود اليهود في المدينة المنورة باعتبارهم أهل كتاب، وعندما عاشوا بين مسلمي الأندلس إحدى أفضل مراحل تاريخهم، حيث لمع أبرز فلاسفتهم، ووصل بعضهم إلى مناصب سياسية غير مسبوقة، ولم يعانوا الاضطهاد إلا من المسيحيين عندما سقطت الأندلس، حيث كانوا يذبحون ويطردون مع المسلمين ومثلهم تماماً. وكان ذلك هو الشأن نفسه في الخلافة العثمانية تقريباً، وفي العراق والمغرب، وفي مصر بالذات، بل إن ميلاد الحركة الصهيونية نفسها وتنامي حركة الاستيطان اليهودي لم يعطلا تراث التسامح العربي الإسلامي معهم، والذى أخذ في التراجع فقط مع إعلان دولة إسرائيل على حساب فلسطين.

وفي المقابل، خضعت العلاقة بين اليهود والمسيحيين في السياق الحضاري الغربي لنوع من الاضطراب الدائم دفع بالوجود اليهودي في أوروبا المسيحية نحو العزلة، وأصبح «الغيتو» عالماً مستقلاًّ لليهود، ولم يتحسن وضعهم في أوروبا إلا مع هبوب رياح الثورة الفرنسية ونضوج فلسفة التنوير، أي في الفترة التالية علي نهاية القرن الثامن عشر.

وقد حفز التنوير اليهودي فهماً يهودياً إنسانياً يجعل فكرة الاختيار تضم جميع المؤمنين بالله من بني الإنسان، وتصير معه أرض الميعاد الحقيقية كما كانت في مفهوم المسيح، هي الأرض بكاملها «ملكوت الله»، الذي يضم العائلة الإنسانية كلها على اختلاف الأمم والألسنة، إذ يملك الله عليها ويوحدها بروحه أفراداً وشعوباً، لتصبح شعباً واحداً لله يؤول تنوع عناصره إلى تناغم وتكامل لا إلى صراع واقتتال.

غير أن القرن التاسع عشر، الذي شهدت بدايته اقتراب اليهود من بلوغ تلك التسوية الإنسانية مع منطلقاتهم العنصرية، سرعان ما شهدت نهايته محاولة جديدة لاستعادة حضورهم الجماعي كجنس، وحضورهم السياسى كدولة، من خلال العقيدة القومية (الصهيونية)، التي أجهضت الحركة التنويرية وتمكنت من إنشاء الدولة الإسرائيلية الاستيطانية العنصرية، في تجربة نادرة على صعيد عمليات بناء الدول، استلهاماً لعقيدة سابقة تقوم على قاعدة أن سوء النية والعداء والتربص باليهودي صفات أزلية أصيلة في غير اليهود.

ولعل المفارقة الكبرى هنا، أنه وفي موازاة عملية إعادة الوصل بين الجذور اليهودية وبين المسيحية، كانت هناك في المقابل عملية جارية هدفها الفصل وهدم الجسور القائمة بين الحضارة الغربية الـ «يهو-مسيحية» ونظيرتها العربية الإسلامية، حتى صارت الأخيرة هي عدوها الأول، والمتهم دوماً بـ «معاداة السامية»، التى لا تعدو قوانينها الباطشة لكل ناقد للدين أو العرق أو حتى للتاريخ اليهودي، وضمنه واقعة المحرقة، أن تكون استعادة لقاعدة الخيرية اليهودية القديمة بكل عنصريتها ومجافاتها لروح العقل والحضارة.

وهكذا، نجد الحركة الصهيونية تسلك في ضدية الحركة التنويرية، إذ عمدت:

> ليس إلى تجاوز التاريخ الانعزالي الاستبدادي لليهود، ولكن إلى توظيفه لمصلحة تدعيم الاستثنائية اليهودية، فبدلاً من محاولة تفتيت التناقض اليهودي مع الأغيار في شتى المجتمعات التي يعيشون فيها، فإنها سعت إلى تجميع هذا التناقض ومركزته في جيتو جديد هو الأكبر في التاريخ (إسرائيل).

> وليس إلى استلهام خبرة التنوير الأوروبي في التعلم من التاريخ بقصد عدم تكراره، ولكن إلى تعمد تكراره الفجّ، بل واستلهام أسوأ ممارساته في مواقفها من الفلسطينيين اليوم الذين يعانون من موجات متتالية للتدمير والقتل الجماعي.

> وليس إلى الاندماج في النزعات الإنسانية والليبرالية ولكن إلى التحالف مع القوى المهيمنة ولو كانت عنصرية، طالما خدم ذلك مصالحها، حيث كان الكثيرون من القادة والمفكرون الصهاينة هللوا لهتلر حين صعوده إلى السلطة لأنهم كانوا يشاطرونه الاعتقاد بتفوق (العرق) ومعارضة (اندماج) اليهود في أبناء العرق الآري، وذلك لتسهيل انتقال هؤلاء إلى إسرائيل، الدولة التي كانت صارت لديهم حلماً وشيك التحقق. وعلى النحو ذاته هم الآن أصدقاء لوجستيون للولايات المتحدة الأميركية.

ومنذ سبعينات القرن الماضي، أخذت هذه السمات النرجسية للصهيونية تدفع باتجاه صهيونية جديدة/ دينية أكثر عنفاً وشراسة من الصهيونية التقليدية/ العلمانية.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /13-10-2011, 02:27 PM   #27

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي أمريكا التوراتية ....

أمريكا التوراتية ....

د.علي التميمي

أحتقان الخرافة وأستحضار ألاسطورة في العقل القيادي ألامريكي؟

وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا – الكهف – 59 –

وقضينا الى بني أسرائيل في الكتاب لتفسدن في ألارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا – ألاسراء -4-

فأذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا – 5- ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا -6- ألاسراء

لو كررت ذلك على مسامعي فلن أصدقه | الكاتب الفرنسي جان كلود موريس .

أنشغل العرب والمسلمون بخلافاتهم , وتوحدت مراكز القيادة ألامريكية حول خرافاتهم , فمن يصدق أن سفر التكوين لحزقيال المرقم 38- 39 – هو الكتاب ألاول الذي يقرأه رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة ألامريكية عام 1980 ؟

وسفر حزقيال هو الكتاب المفضل عند جورج بوش ألابن الذي بلغ به الحد أن يصبح هائما مغرما معتقدا بألاسطورة التوراتية أكثر من اليهود أنفسهم , واليوم عندما يقف الرئيس ألامريكي أوباما على منصة ألامم المتحدة ليرفض التصويت على قبول دولة فلسطين عضوا في ألامم المتحدة , ثم يردف ذلك مازحا بقوله أن مجلس ألامن أصبح تحت رئاسة ألارهاب قاصدا بذلك دولة لبنان التي تترأس مجلس ألامن في هذه الدورة , وأشارة أوباما تلك هي لحزب الله في لبنان الشريك القوي في الحكومة اللبنانية التي تشكلت أخيرا نتيجة ألاغلبية النيابية ؟

والسفيرة ألامريكية في لبنان نقلت الى البطرك الماروني ما بشارة الراعي نتيجة مواقفه ألاخيرة أنزعاج القيادة ألامريكية من تلك المواقف التي تنتمي الى الوطن لبنان والى محيطه العربي ؟

أن ما سنبينه في هذه الدراسة يعكس عجز ألاعلام العراقي والعربي وألاسلامي عن فهم حقيقة المواقف ألامريكية المستميتة في الدفاع عن أسرائيل , مثلما تكشف هذه الدراسة عجز الساسة العرب عن فهم معادلة الصراع العربي الصهيوني المصحوب بعجزهم عن فهم سايكولوجية القيادة ألامريكية ومعها القيادة البريطانية وألاسترالية وجمع من ألاوربيين الذين تتباين مواقفهم ولكنها لاتخرج عن الخط ألامريكي المغرم بالاهوت والمولع بألاساطير التي تشكل ميكانزم التفكير الروحي المختطف بأيحاءات سفر التكوين المليئ بالنبوءات الكاذبة التي كتبها " حزقيال " في الجزء "38" – و " 39" وذلك بذريعة القضاء على : " يأجوج ومأجوج " من خلال أصطناع معركة وهمية سموها " هر مجدون" وهار = يعني جبل بالعبرية

مجدون = وادي في فلسطين يقع في مرج أبن عامر .

وسأذكر ألاسماء باللغة ألانكليزية كما وردت في كتبهم المتداولة في الكنيسة " ألانجيلوكانية " التي كانت تقول :-
كانت الصهيونية " أنشودة مسيحية " ثم أصبحت " حركة سياسية "

GOG-U-MAGOG- EZeKieL-38-39-THEWARTOENDALLWARE

وسأضع أمام القارئ والمتابع جملة من الشعارات التي طغت على الخطاب الرئاسي ألامريكي من أيام رونالد ريغان مرورا بجورج بوش ألاب مع بروز حاد وطاغي أيام جورج بوش ألابن الذي سنرى أنه ألاكثر هوسا بالخرافة الاهوتية التي تحولت الى توراتية متجذرة في عقيدة " هرمجدون " و " يأجوج " و " مأجوج " وهناك خرائط تفصيلية يحتفظون بها في مكاتبهم وفي الكنيسة " ألانكلوكانية " المتعصبة التي تعتبر هي من يحمل معنى ألاصولية المسيحية المتطرفة والتي لاترتبط بالكنائس المسيحية المرتبطة بالفاتيكان , والقس الذي أراد حرق القرأن هو من هذه المجاميع المتعطشة للعدوان والتي جعلت الممثل الغاوي رونالد ريغان الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة يجعل من أمنياته الرئيسية أن يشارك في معركة " هرمجدون " ولكنه والحمد للله قد وافاه ألاجل ولم تتحقق أحلامه المتعطشة لسفك الدماء , ولم يأخذ العبرة من فشل خططهم الماكرة عندما تهاوت طائراتهم في صحراء طبس ألايرانية ؟

وشعاراتهم التي وعدنا بها القراء هي :-

1- محور ألاشرار
2- بؤر الكراهية
3- قوى الظلام
4- شعب الله المختار
5- الهر مجدون
6- ظهور المسيح الدجال
7- فرسان المعبد

وكان جورج بوش ألابن يدعي أنه تأتيه رسائل مشفرة يبعثها اليه الرب عن طريق ألايحاءات الروحية وألاحلام الليلية ؟

وكانوا يزعمون أن يأجوج " و " مأجوج " هم بالقرب من بابل , وهذا ما كانت تروج له الكنيسة " ألانجلوكانية " وهي صاحبة شعار " الصهيونية أنشودة المسيح " ؟

وعندما ضغط جورج بوش على جاك شيراك الرئيس الفرنسي قبيل شن الحرب على العراق قائلا له : أننا من الضروري أن نقوم بحرب أستباقية لتدمير يأجوج ومأجوج التي تتحضر لتدمير أسرائيل وتدميرنا وأنها ستكون المعركة الفاصلة , وبالرغم من أن جاك شيراك لم يقتنع بمثل هذا الكلام , بل أنه أستسخفه وأحتقره كما نقل ذلك الى " جان كلود موريس " مؤلف كتاب " لو كررته على مسامعي ما صدقته "

ألا أن جاك شيراك أستعان بالبروفيسور اليهودي في جامعة لوزان السويسرية وهو " توماس رومر " وهو من علماء الفقه اليهودي حيث سأله عن معنى " يأجوج ومأجوج " الذي قال : أن يأجوج ومأجوج ورد ذكرهم في سفر التكوين , وكتبهم هي :-

1- حزقيال – ألاجزاء -38-39-
2- التلمود
3- الزوهار
4- الطاروط

وحتى نأخذ فكرة عن حجم الحشد الذي يقف وراء تلك ألافكار وترويجها نذكر ألارقام التالية :-

1- هناك 1200 كنيسة أنجليكانية ؟
2- وأن رونالد ريغان كرر كلمة هرمجدون " خمس مرات " ؟
3- جيري فلويل : زعيم ألاصوليين المسيحيين والذي قال :"الهرمجدون حقيقة " وستكون المنازلة النهائية فيها ؟
4- وقال " جيمي سواجرت " أن الهرمجدون " قادمة وهي بالقرب من بابل ؟
5- وقال القس ألاصولي " كين نبوغ " : أن المليارات من البشر سيموتون في الهرمجدون ؟
6- وقال سكوفيلد : أن المسيح سوف يرفعهم فوق السحاب ؟
7- وقالت الكاتبة ألامريكية " جريس هالسال " : أن تاريخ ألانسانية سينتهي في " الهرمجدون "
8- ونشرت أحدى مؤسساتهم في العام 1985 قائلة :" أن " 61" مليون أمريكي " يستمعون هذا البرنامج ويبشرون بالهرمجدون ؟
9- ويقول الكاهن " جاك فان أيمب " لدينا برامج أسبوعية تشترك فيها :-

أ‌- 90 قناة تلفزيونية
ب‌- 43 محطة أذاعة
ت‌- ويصل برنامج " جيمس دونس " الى " 28" مليون مشاهد
ث‌- وشبكة "cba يديرها الكاهن المتعصب " بات روبرتسون " أن لديها
ج‌- 80 ألف قس
ح‌- 20 ألف مؤسسة لاهوتية
خ‌- 200 كلية لاهوت
د‌- مئات المحطات التلفزيونية التي تبشر بالهرمجدون ؟
ذ‌- ذكرت صحيفة لوفو أوبزرفاتور الفرنسية تفاصيل هذا الحشد ألاعلامي والتثقيف اليومي وألاسبوعي والشهري والسنوي

أن جان كلود موريس هو المراسل الحربي لصحيفة " لو جورنال ديماش " من عام 1999 – 2003 وهو من كتب عن جاك شيراك ونقل عنه رأي جاك شيراك بجورج بوش ألابن , وهو من كتب عن ساركوزي الرئيس الحالي لفرنسا والذي قاد الحملة في ليبيا وزارها مع رئيس الوزراء البريطاني " كاميرون "

ولا ندري هل أن ألاوربيين أعتقدوا بأن " الهرمجدون " أنتقل الى ليبيا ؟

أم أنهم لازالوا يعيشون أضغاث أحلام رونالد ريغان وجورج بوش ألابن الذين كانوا يعتقدون أن " الهرمجدون " بالقرب من بابل ؟

ولذلك كانت النقاشات والحوارات المعمقة مع بعض ألامريكيين من طاقم وزارة الخارجية ألامريكية الذي خصص قسما كبيرا للعراق لدراسة كل ما يتعلق بالعراق :-

1- تاريخيا
2- سياسيا
3- أجتماعيا
4- أقتصاديا
5- عسكريا
6- عقائديا

ولذلك كنا نرى الساسة ألامريكيين يركزون بعمق على القضايا الدينية وألاختلافات العقائدية والتباينات ألاثنية , والجيوسياسية , والفورمولوجيا السكانية وألاثارية , لذلك أول مانهب متحف العراق وأستوطنت الوحدات العسكرية ألامريكية في كل مواقع ألاثار العراقية ,

ولم يلتفت أحد من السياسيين العراقيين الى هذه الظاهرة كما لم يلتفت أغلب المثقفين العراقيين الى هذه الظاهرة ؟
وألامريكيون كانوا يقولون في سرهم ونجواهم وبعد محادثات معمقة : أن حضار بابل : هي من الحضارات الحارة ؟

ويقصدون بالحارة " الحيوية الجذابة " فأن لم تسيطر عليها تسيطر عليك ؟

وهذا الفهم نابع من مفاهيم التوراة المحرفة والتي يتبناها أصحاب الكنيسة ألانجلوكانية " المتطرفة التي تحسب في الظاهر على أسم الكنيسة ولكن لاعلاقة حقيقية لها بها فهي أختطت لنفسها ثقافة لاهوتية توراتية من خلال شعارها " الصهيونية أنشودة المسيح " ؟ ومن العار أن كل ألاعلام العربي وكل المثقفين العرب وكل السياسيين العرب لم يفكروا بعمق وخطورة هذه الثقافة التي أختطفت القيادة ألامريكية والعقل ألامريكي من خلال الحشد ألاعلامي والاهوتي والمال الهائل الذي سخر لذلك بما فيه المال العربي المودع في مصارفهم وبنوكهم , ثم أن الخلل الكبير في أشكالية الثقافة العراقية والعربية أنها نأت بنفسها عن الثقافة التي تمتلك أصالة المواجهة والقدرة على كشف العقل الاهوتي المزيف الذي يدعي بالرب باطلا , وأبتعاد الزخم الثقافي والسياسي العربي عن تبني فكرة السماء صاحبة المشروع المخطط لبوصلة الصراع البشري ومعرفة نهاياته , وصاحبة المعرفة التفصيلية بنوايا اليهود قتلة ألانبياء وأصحاب ألانحراف الفكري التاريخي ضد رسالات ألانبياء ؟

وبدلا من أن يصار الى أستشارة العقل المعرفي ألايماني في منطقتنا وسياستنا المبتلاة بالتأمر والخيانة والموعودة بالمواجهة التي لابد منها والتي حضر العقل القيادي ألامريكي نفسه لها من خلال حشد الخرافة والكراهية للاسلام من خلال مابينا من أرقام ميدانية , ألا أن الذي جرى عندنا هو ألاستعانة بالمحدودية من الذين لم يقرأوا تاريخ الصراع قراءة معرفية ومن الذين لم يكونوا يوما أرقاما تشتهيها المعرفة وتحترمها الثقافة وتعترف بها السياسة لذلك بقينا في دوامة تعطي لخصومنا الفرصة الذهبية ولازالت , وعندما تتغير هذه المعادلة تتغير خريطة الصراع " وتلك ألايام نداولها بين الناس "







  رد مع اقتباس
قديم منذ /14-10-2011, 01:14 AM   #28

alwesam

الصورة الرمزية alwesam

 رقم العضوية : 7591
 تاريخ التسجيل : Nov 2009
 جنسك : ~ الجنس: male
 المكان : قلب صاحب العصر والزمان
 المشاركات : 4,692
 الدين , المذهب : الاسلام الحقيقي : رافضي خبيث فيه تشيع لعلي
 النقاط : alwesam is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 12
 الهوايات : حب محمد وال محمد
 SMS :

إذا موزا مارح تضب جوزا رح نخلي العالم يضحك عليه وعجزيرتو

alwesam غير متواجد حالياً

افتراضي

احسنت اخي لموضوعك الممميز والمليئ بالفائدة ساقراهم كلهم باذن الله
شكرا لك لكل ماتكتبه في هذا المنتدى من فوائد كثيرة














التوقيع - alwesam

ألا يــا خـامنــــائي لك الركب وصل
و قلبي تحت نعليك تهاوى و انجدل

http://www.islamidavet.com/multimedya/velayet-aski/

قال تعالى : " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "


  رد مع اقتباس
قديم منذ /18-10-2011, 12:14 AM   #29

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الرواية التوراتية تناقض مصطلح «يهودية الدولة»

الرواية التوراتية تناقض مصطلح «يهودية الدولة»

مصطفى قاعود : ورث نتانياهو عن شارون وكلاهما ورثا عن قادة الحركة الصهيونية، الهروب من الخطاب السياسي، إلى المغالطات التاريخية والخطاب الديني. ففي خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك في خطابات سابقة، أبرزها خطابه أمام الكونغرس وأمام جامعة بار إيلان، مارس نتانياهو لعبة التسلق على تشويه التاريخ، مدعياً أن فلسطين ما هي إلا أرض إسرائيل. وتحدث عن علاقة «اليهود بالأرض اليهودية، أرض الآباء والأجداد»، وأشار إلى تشويه التاريخ قائلاً: «قد سمعنا عن تشويهات التاريخ، ما من تشويه للتاريخ يمكنه أن ينكر علاقة السنوات الكثيرة بين الشعب اليهودي والأرض اليهودية».

حسناً لا أريد الرد على نتانياهو وفقاً لمنطق التاريخ، أولاً لأنه لا يفهمه وثانياً لأنه يعتبر التاريخ مشوهاً، على رغم أن ما من جهة عملت على تشويه التاريخ بالقدر الذي عملت عليه الحركة الصهيونية، لذا سأرد عليه وفقاً لمنطق الرواية التوراتية، التي أسرت الغرب منذ القرن السادس عشر، مع ادعاءات الصهيونية غير المسيحية التي ابتدعت فكرة «شعب الله المختار»، بهدف التخلص من اليهود وإبعادهم عن أوروبا، ولكن بطريقة مفيدة عبر تحويلهم إلى «شعب وظيفي»، يفاد منه بالمشروع الاستعماري الغربي، ثم إن الله لا يختار شعوباً بل يمنح أمة فضلاً أو خيرية مشروطة ولا تضعها فوق البشرية، فخاطب الله أمة الإسلام بقوله «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر»، أي شرط هذه الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندما قال لبني إسرائيل: «إني فضلتكم على العالمين» كان ذلك أيضاً بشروط أخلوا بها حتى عندما كان موسى حياً بينهم، فهل هذا يضعهم فوق العالمين إلى يوم الدين؟

«يهودية الدولة»

وبالعودة إلى موضوعنا الرواية التوراتية التي لا يفهمها نتانياهو، نقول إن ليس فيها مصطلح الشعب اليهودي ولا الأرض اليهودية، ولا تعترف بمصطلح «يهودية الدولة» التي يريد من العالم أن يعترف بها، فوفق تلك الرواية وعندما نجحت القبائل العبرانية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد بالتسلل إلى فلسطين، رفضت فكرة الشعب اليهودي والدولة اليهودية المركزية، وأصرت على النظام القبلي، وحتى أنها وفي إطار توزيع الأراضي التي تم الاستيلاء عليها، حرمت قبيلة «لاوي» القيمة على الدين اليهودي من أن تكون لها أرض خاصة بها كباقي القبائل العبرية، أي أنها بشكل أو آخر نبذت الديانة اليهودية وفكرة «يهودية الدولة».

وسوف أفصل في ذلك، فقد توزعت القبائل العبرانية المتسللة على شكل بؤر استيطانية متناثرة بين المدن الكنعانية التي لا تنكر التوراة حقيقة وجودها وأسبقيتها وملكيتها للأرض، فجاء في «سفر التثنية 6/10 -12» أن الرب يخاطب موسى عليه السلام بالقول: «إني سأسوقك إلى مدن عظيمة لم تبنها وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وآبار محفورة لم تحفرها، وكروم زيتون لم تغرسها». إذاً لم يذهبوا إلى «أرض خربة هجرها سكانها» كما ادعت الحركة الصهيونية عندما جاءت إلى فلسطين، بل هي أرض معمورة كما جاء في التوراة أيضاً في الحديث عن جواسيس يوشع بن نون الذين أرسلهم لاستكشاف فلسطين، تماماً كما فعل ملوك أوروبا بإرسالهم الرحالة لاستكشاف فلسطين من وجهة نظر توراتية تمهيداً للمشروع الصهيوني، فقد أبلغ الجواسيس يوشع بن نون «إنها أرض تفيض لبناً وعسلاً، ومدنها حصينة عظيمة جداً». طبعاً ذلك بفضل أهلها إذ أقام الكنعانيون حضارة متقدمة وعظيمة جداً، وشكا العبرانيون منها ومن قوتها وامتدادها أكثر من مرة وفي أكثر من موضع في التوراة، وكانت تلك الحضارة في ما بعد سبباً مقنعاً يفسر ذوبان واندماج الكثير من العبرانيين المتسللين من أصل قبلي وبدوي، فلم يتمكنوا من مقاومة بريق تلك الحضارة.

والحقيقة أن الرواية التوراتية تجافي الحقيقة وتغالط نفسها عندما تعتبر الهجرة العبرانية إلى أرض كنعان نوعاً من الغزو، في ظل وجود تلك المدن المحصنة والمدججة بالعربات الحديدية كما تقول التوراة، فيصح على تلك الهجرة مصطلح التسلل أكثر من مصطلح الغزو، وأخذ هذا التسلل شكل البؤر الاستيطانية تماماً كما حدث عام 1882 وما تلاه من تغلغل للمشروع الاستيطاني الصهيوني، والدليل على ذلك أن تلك العمليات استغرقت حوالى خمسين سنة، منذ عام 1250 ق م وحتى عام 1200 ق م.

وفي ذكر جواسيس يوشع بن نون أيضاً يتضح أن ما سهل عمليات اكتشاف الجواسيس لنقطة ضعف، هي غياب الوحدة الإثنية على أرض فلسطين، فقد ورد في «سفر العدد 13/38 – 29» ووفق توصيف الجواسيس: «العمالقة ساكنون في أرض الجنوب والحثيون واليبوسيون والعموريون ساكنون في الجبل، والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن».

وفي هذا النص حقيقتان الأولى هي أن تلك الأقوام هي صاحبة الأرض ولا وجود لمصطلح «الأرض اليهودية، أو أرض إسرائيل»؛ والحقيقة الثانية أنه ورغم نقطة الضعف هذه، فشل العبرانيون في إحراز نصر عسكري حاسم، ودخلوا فلسطين عن طريق عمليات التسلل والتجسس والتخريب وإثارة الفتن، والزاوج حتى من العاهرات، إذ تذكر التوراة أن يوشع بن نون عندما دخل أريحا أحرق كل من فيها بأمر من «يهوه» ما عدا العاهرة رحاب (سفر يوشع 6/21/24) التي تزوجها في ما بعد لأنها كانت تساعد جواسيسه.

وكل ما ورد في سفري القضاة ويوشع حول توصيف التواجد العبراني في أرض كنعان، يخلص إلى أن هذا التواجد ما هو إلا شكل من أشكال الاستيطان المبعثر، لقبائل وأسر ظل أفرادها لاجئين مشردين بين الكنعانيين، لدرجة أنهم لم يحافظوا على لهجة موحدة لهم، إذ سرعان ما تأثروا باللهجات الكنعانية، وذلك مثبت أيضاً في التوراة، خصوصاً في ذكر الصراع بين قبيلة إفرايم العبرية التي استوطنت شمال فلسطين، وبين سكان جلعاد من قبائل «رؤوبين وجاد ومنسى»، وكلها قبائل عبرية متناحرة وفي هذا الصراع هزمت قبيلة إفرايم. وقد ورد في «سفر القضاة» أنه «كلما كان يدعي أحد من أفراد قبيلة إفرايم أنه من جلعاد كان يطلب منه أن ينطق بكلمة شبولت أي سنبلة فإن فشل في ذلك بسبب اللهجة كان يذبح». فهذه القبائل أو الأسباط كما تسميها التوراة، علاوة عن عجزها في السيطرة على الأرض الكنعانية وإتيانها بأي فعل حضاري يذكره التاريخ وعلم الآثار، كانت متصارعة متناحرة ومصرة على الاستقلالية القبلية، ولم تتكون في يوم من الأيام على شكل «شعب يهودي موحد».

الرواية التوراتية

هنا نصل إلى الاستخلاص الأهم، وهو أن الرواية التوراتية ذاتها تدحض وبشكل لا لبس فيه فكرة الشعب اليهودي والدولة اليهودية، التي يتغزل بها نتانياهو وشارون وينسبانها زوراً إلى التاريخ، وإليكم الدليل ودائماً وفق الرواية التوراتية، فما أن استكملت القبائل العبرانية تسللها الاستيطاني إلى أرض كنعان، قام يوشع بن نون بتوزيع الأراضي على الأسباط البالغ عددها اثني عشر سبطا، فخصص لكل سبط منها أرضاً باستثناء سبط «لاوي»، وهو السبط القائم على خدمة الدين اليهودي، ولاوي اسم عبري معناه «مقترن» وهو اسم أحد أبناء يعقوب عليه السلام من ليئة، وقد أطلق اسمه على إحدى القبائل العبرانية، وهي عشيرة موسى وهارون التي كانت لها الزعامة الدينية والاجتماعية على سائر القبائل، ويقال لأفرادها اللاويون ومنهم الهارونيون الذين اضطلعوا بدور الكهنة. ويرى بعض العلماء أن السبب في عدم تخصيص أرض لهم من قبل يوشع بن نون أرجعه الأخير إلى أن هذا لا يتفق مع مهماتهم الكهنوتية، ويذهب فريق أخر من العلماء إلى أن اللاويين لم يكونوا قبيلة، وإنما كانوا يضمون ممثلين لكل القبائل، وكان نظامهم الكهنوتي يشبه نظام الكهنة في مصر، في تمثيل كاهن لكل معبد.

ويشير سفر التثنية إلى صراع بين الكهنة واللاويين وآخر بين اللاويين والأسباط الأخرى، وذلك لرفض القبائل المطلق فكرة التوحد تحت لواء الدين والنظام الكهنوتي، والإصرار على الاستقلالية القبلية وحتى القربانية، وعدم تقبل فكرة المملكة أو الدولة الواحدة اليهودية. ومما يروى أن يربعام الأول ملك الشمال طرد اللاويين من مملكته، تأكيداً لاستقلاليتها الداخلية، لأن اللاويين أصبحوا في مرحلة من المراحل طبقة شبه حاكمة، ولكن ظل النظام القبلي هو النظام القائم بين القبائل العبرانية، حتى في ظل ما يسمى الملكية أي في ظل حكم داوود وسليمان، إذ جرت محاولة لتوحيد تلك القبائل في نظام ملكي لم ينجح ولم يستمر أكثر من تسعين عاماً وانهار في عام 928 ق م ، فبينما ضمت مملكة الشمال «يسرائيل» عشر قبائل ظلت الوحدة بينها ضعيفة، ضمت المملكة الجنوبية المسماة وفق التوراة «يهودا» قبيلتين «يهودا وبنيامين»، وكلتاهما رفضتا فكرة الدولة اليهودية القائمة على النظام الكهنوتي وأنشأت كل واحدة منها عبادة قربانية مستقلة، وطردتا اللاويين والكهنة الذين لجأ قسم كبير منهم إلى مصر وبابل، وكل ذلك طبعاً وفق الرواية التوراتية.

وفي المحصلة، إذا كان قادة الصهاينة مصرين على تزوير التاريخ فهل يستطيعون إنكار وتزوير الروايات التوراتية؟ أما آن لهذا العالم أن يستفيق من التنويم المغناطيسي الذي نفذته الصهيونية بكل أشكالها ومسمياتها من الصهيونية المسيحية إلى اليهودية الدينية والعلمانية، ويدرك أن جوهر المشروع الصهيوني هو كما وصفه هرتزل «مشروع استعماري»؟

* المرجع الأساسي للبحث: موسوعة اليهود واليهودية للدكتور عبد الوهاب المسيري.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-10-2011, 12:38 AM   #30

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي صراع الحدود وصراع الوجود

صراع الحدود وصراع الوجود (1)
أحمد عز العرب

على مدى حوالى ستين عاماً منذ أعلنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر سنة 1947 قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود وكنا وقتها تلاميذ صغارا فى بداية مرحلة الدراسة الثانوية وخرجنا مع مئات الألوف الغاضبة نهتف »نداء الدم يا فلسطين«، ومروراً بأعوام النكبة الأولى بهزيمة العرب وقيام دولة إسرائيل سنة 1948 وما أعقبها من سنوات العواصف السياسية والانقلابات العسكرية بالمنطقة، ثم سنوات دراستنا الأكاديمية بالسويد لهذا الصراع أوائل حقبة ستينات القرن الماضى وارتباطنا الفكرى والنفسى الكامل بدقائق هذا الصراع حتى يومنا هذا وإلى أن يختارنا المولى إلى جواره كنا طوال هذا العمر الطويل نتابع مراحل هذا الصراع الذى سار حتى الآن لغير صالح الجانب العربى. ونحاول قراءة احتمالات المستقبل واستشعار احتمالات النهاية السلمية له أو قيام أحد طرفيه بإبادة الآخر أو هزيمته هزيمة تامة ساحقة يقرها الطرفان وتقبلها الأجيال التالية لهما.

بصرف النظر عن مشاعرنا الشخصية تجاه هذا الصراع وبصرف النظر عما يردده حكام المنطقة ليل نهار عن السلام الوشيك إرضاء لما تمليه عليهم واشنطن من أوهام يحاولون عبثاً أن يخدروا بها شعوبهم، فإننا نقرر بداية ومع الأسف الشديد ـ وقد نكون مخطئين ننال أجر المجتهد ـ أن انتهاء هذا الصراع الطويل المرير بسلام حقيقى دائم مستحيل تماماً لا لأن العرب لا يريدون السلام ولا حتى لأن الاسرائيليين لا يريدون العيش فى سلام ولكن لأن ظروف نشأة هذا الصراع وعوامل تغذيته والقوى التى خلقته ومازالت تقف وراءه لا يمكن لسلام حقيقى أو حتى استسلام مؤقت من أحد طرفى الصراع أن يحقق أهدافها. وسنعرض فى هذا المقال والمقالات التالية أسباب ما نعتقد.

بداية لابد أن نمر فى لمحة عاجلة على تاريخ بنى إسرائيل فى فلسطين وكيف كانت نهايته. فعندما ثار اليهود فى فلسطين ثورتهم الأخيرة على الاستعمار الرومانى وأخمدت هذه الثورة سنة 127 ميلادية أمر الامبراطور الرومانى هادريان بإبادة كل المجتمع اليهودى فى فلسطين واستئصال شأفة اليهود منها، فهربت الفلول التى تمكنت من النجاة إلى خارج أرض الإمبراطورية الرومانية واحتمت مجموعات من بنى اسرائيل الهاربة بالقبائل السلافية المتبربرة خاصة حول منطقة بحر قزوين وجنوب روسيا الحالية.

ورغم أن بنى إسرائيل يؤمنون بأن الديانة اليهودية هى ديانة خاصة بهم باعتبارهم شعب الله المختار ولا يجوز التبشير بهذه الديانة خارج بنى إسرائيل فإن المجموعات الهاربة اضطرت للتبشير بالديانة اليهودية بين هذه القبائل لخوفها من الانقراض وتحول الكثير جداً من أبناء هذه القبائل الى اليهودية. ومن سخرية القدر أنه بمرور القرون أصبح الأغيار من غير بنى اسرائيل هم الأغلبية الساحقة من يهود العالم كما تقر المراجع اليهودية نفسها ومنها على سبيل المثال دائرة المعارف اليهودية طبعة سنة 1960 التى قدرت عدد اليهود الإشكناز ممن ليسوا من سلالة بنى إسرائيل بحوالى 90% من يهود العالم عندئذ.وعلى مر القرون ظل اليهود أقليات دينية وعرقية انتشرت تدريجيا فى أغلب دول العالم القديم وكانت تعيش معزولة غالباً عن المجتمع فى تجمعات وأحياء خاصة بها تعرف بالجيتو. وظل أمل العودة لأرض الميعاد فى فلسطين أملا رومانسيا يداعبهم وكانت التحية التقليدية بين اليهود يوم رأس السنة العبرية هى: »السنة القادمة فى القدس«.

ظل الحال كذلك حتى نهاية القرن الثامن عشر عندما غزا نابليون مصر لاقامة امبراطورية فى الشرق تواجه عدو فرنسا اللدود عندئذ بريطانيا وتسد طريقها للإمبراطورية البريطانية فى الهند. وقام عبقرى الفكر الاستعمارى نابليون بحملته على الشام التى فشلت نتيجة عجزه عن فتح عكا ولكن فى الطريق لها وقف أمام حائط المبكى بالقدس ودعا يهود العالم إلى ما سماه العودة لأرض الأجداد واعداً إياهم أن الامبراطورية الفرنسية ستحتضن مشروعهم إن عادوا. ولم يكن بالقدس وقتها من اليهود إلا أقل من ألفى شخص أغلبهم من العجائز الذين أتوا لإنهاء حياتهم بجوار حائط المبكى لأسباب دينية. كان نابليون يهدف بفكره الإستراتيجى العميق إلى اقامة كيان غريب عن المنطقة يعاديها وتعاديه يكون ركيزة للاستعمار الفرنسى بها وفى حاجة دائمة لحماية فرنسا. فشل المشروع بفشل الحملة الفرنسية على مصر وجاء محمد على لحكم مصر وبدأ مشروعه للنهضة الذى أثار خوف القوى الاستعمارية فى الغرب، خاصة إنجلترا وفرنسا وتحالف الغرب عليه حتى هزموه عسكرياً وفرضوا عليه معاهدة لندن سنة 1840 التي قلصت مصر داخل حدودها كولاية تابعة للسلطان فى إسطنبول.

أدركت بريطانيا قيمة مشروع نابليون واحتضنته خاصة بعد حفر قناة السويس سنة 1869 ونشط عملاؤها وسط الجاليات اليهودية لإحياء فكرة عودة اليهود لفلسطين وتم عقد أول مؤتمر صهيونى فى بازل سنة 1897 كما هو معروف للمناداة بقيام دولة يهودية فى فلسطين وتبنت انجلترا المشروع تماما لتكون الدولة ركيزتها فى المنطقة وجاء وعد بلفور سنة 1917 ثم الانتداب البريطانى على فلسطين الذى مهد لقيام دولة إسرائيل سنة 1948 وما تلاها من حرب خسرها العرب ووقعوا هدنة دائمة سنة 1949 مع اسرائيل ثم تغير ميزان القوى الدولية وأصبحت أمريكا هى القوة العظمى الأولى فى العالم ومهدت لوراثة أملاك الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية فى العالم العربى ومنطقة الخليج البترولية وشرق آسيا مثل فيتنام وغيرها. وجاءت فرصة العمر لها فى منطقتنا عندما وقع العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 إثر تأميمها قناة السويس فوقفت أمريكا ضده وانتهى بانسحاب قوى العدوان ومعها النفوذ البريطانى تماما ودخلت أمريكا لملء الفراغ وأصبحت اسرائيل فى خدمة السيد الجديد وقامت بدور كلب الحراسة للنفوذ الاستعمارى الأمريكى فى المنطقة. وتم استدراج العرب للهزيمة المنكرة فى يونيو سنة 1967 وأصبح النفوذ الأمريكى هو السيد دون منازع فوق أنظمة الحكم الشمولية السائدة بالمنطقة التى قامت اسرائيل بدور شرطى الحراسة فيها. وحتى عندما استرد العرب بعض كرامتهم المفقودة نتيجة النصر الجزئى الذى حققوه فى حرب أكتوبر سنة 1973 تمكنت أمريكا على يد الذئب الصهيوني العجوز كيسنجر من إفراغ هذا النصر من محتواه بإخراج مصر من الصراع العربى الاسرائيلى بصلح منفرد وأقر الرئيس الراحل السادات أن 99% من أوراق اللعب فى يد أمريكا التى حول سياسته نحوها تماما وحاول عبثا منافسة إسرائيل على القيام بدور ركيزة أمريكا الأولى فى المنطقة.

اغتيل السادات فى أكتوبر سنة 1981 وسقط الاتحاد السوفيتى الذى كان القطب الدولى المناوئ لأمريكا وعنصر التوازن الوحيد امام أمريكا على الساحة العالمية، سقط أوائل حقبة تسعينات القرن الماضى وتفككت أوصاله وبقيت أنظمة الحكم الشمولية فى المنطقة عارية تماما امام النفوذ الأمريكى بعد أن حرمت نفسها تماما من الاستعانة بشعوبها فى مواجهة هذا النفوذ وتطور دور مصر كبرى الدول العربية بعد مقتل السادات إلى أداة أمريكا الأولى فى المنطقة بعد أن استعادت علاقاتها العربية التى قطعت إثر معاهدة الصلح بين السادات وإسرائيل سنة 1979 وكانت مصر فى دورها الجديد تنافس السعودية أساساً وليس إسرائيل التى ظلت ولاتزال قاعدة أمريكا العسكرية الأولى فى المنطقة التى تتفوق على القوى العربية مجتمعة بضمان أمريكى، ودخلت مصر حرب الخليج الأولى بجانب أمريكا سنة 1990 بثانى أكبر قوة عسكرية عددا بعد الحشد الأمريكى. وكان الشعار الأمريكي الذى ردده بوش الأب لحشد الأنظمة الشمولية العربية وراءه والذى حاولت هذه الأنظمة عبثا تسويقه لشعوبها المقهورة وليست الغبية هو أن تحرير الكويت سيعقبه حل الصراع العربى الاسرائيلى حلا عادلا وتبنت أمريكا مؤتمر مدريد للصلح بين العرب وإسرائيل بينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتفاوض سرا وبمباركة أمريكية وعربية مع اسرائيل، وتم توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993 وأعقبه العديد من الاتفاقيات التى كان المفروض أن تؤدى فى النهاية الى قيام دولة فلسطينية مسالمة بجانب إسرائيل، وسار العرب وراء الوهم الأمريكى طوال رئاسة كلينتون حتى نهاية سنة 2000 دون أن تظهر الدولة الفلسطينية إلى الوجود. وجاء بوش الابن وبرعت العصابة اليمينية المحيطة به فى إستغلال أحداث سبتمبر سنة 2001 لتبرير غزو أفغانستان ثم العراق وما قد يستجد من دول، كل ذلك والدولة الفلسطينية المزعومة لا تظهر للوجود كما وعد بوش الإبن صراحة وحدد لوعده تاريخا سنة 2004 تم ترحيله إلى سنة 2005 ثم ترحيله إلى سنة 2009 حتى تاريخه، كل ذلك والاستيطان الإسرائيلى يستشرى فى الأرض الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة استشراء يمنع قيام هذه الدولة الفلسطينية المزعومة. فما هى قصة هذا الاستيطان الإسرائيلى الذى يمنع قيام دولة فلسطينية؟ هذا ما سنغطيه فى المقال التالى إن شاء الله.

صراع الحدود وصراع الوجود (2)

غطينا في مقال الجمعة الماضى بالوفد لمحة سريعة لتاريخ الحركة الصهيونية وكيف كانت القوة الاستعمارية الغربية المسيطرة علي المنطقة هي سبيل الصهيونية لبناء دولة اسرائيل، وذكرنا أننا نعتقد بعد متابعة هذا الصراع العربي الاسرائيلي لعقود طويلة استحالة الحل السلمي لهذا الصراع ليس بسبب عدم رغبة العرب أو اليهود في السلام وإنما لأن المصالح المتشابكة للقوي الواقفة وراء هذا الصراع يضرها تمام الضرر انتهاء هذا الصراع سلميا لأن بقاء العداء المستمر بين العرب واليهود سواء بالحرب أو بالهدنة المسلحة هو ضمان استمرار قيام اسرائيل بدورها التاريخي في خدمة مصالح القوة الغربية المسيطرة.

وذكرنا أن وعود بوش المتكررة بإنشاء دولة فلسطينية مسالمة بجانب اسرائيل هي مخدرات ينشرها لتخدير العرب وترددها حكوماتهم الشمولية إرضاء لواشنطن علي أمل بقائها في السلطة المطلقة.

وانتهينا إلي أن سياسة الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي العربية تضمن استمرار الصراع. فما هي قصة هذا الاستيطان الذي يمنع قيام دولة فلسطينية؟

نشرت جريدة نيويورك تايمز يوم 10 مارس الماضي أوضح صورة لملحمة الاستيطان هذه في مقال بعنوان »مأساة إسرائيل المستقبلة« للكاتب الاسرائيلي جرشوم جورنبرج يقول الكاتب إنه كلما اقتربت الانتخابات الاسرائيلية اتضح أن مشروع الاستيطان في الأرض العربية يفقد المزيد من تأييد الاسرائيليين. فرئيس الحكومة المؤقت ينوي إخلاء مزيد من مستعمرات الضفة الغربية ويوقف سياسة عدة عقود من الاستثمار في البنية التحتية للمستعمرات، وهو تغير واضح في فكر رئىس الحكومة المؤقت اليميني طوال حياته وفي اتجاه الناخبين. والسبب الواضح لهذا التغير أن احتفاظ إسرائيل بالضفة الغربية بكل سكانها العرب يؤدي إما إلي توقف اسرائيل عن كونها دولة ديمقراطية أو توقفها عن كونها دولة يهودية. ويستطرد جورنبرج قائلا إن كلا من المستوطنين وقادة إسرائىل قد داسوا القوانين في سبيل ما اعتبروه هدفا وطنيا، وأنه كإسرائيلي درس بإمعان سجل المشروع الاستيطاني، ويري أن هناك عنصراً إضافياً مؤلماً في هذه القصة وهو أن التحذيرات ضد الاستيطان كانت موجودة من البداية ولكن قادة اسرائىل المتوالين تجاهلوها وأخفوها وخدعوا شعبهم وأنفسهم وهكذا بدأت المأساة الوطنية.

ويعطي جورنبرج مثالا لذلك أنه في سبتمبر سنة 1967 درس رئيس الوزراء عندئذ ليفي أشكول أولى موافقات علي الاستيطان في الضفة الغربية والجولان التي استولت اسرائيل عليها في يونيو سنة 1967 وذلك بعد رفض العرب في مؤتمر القمة العربية بالخرطوم الصلح مع اسرائىل، فقد كان اشكول يعتقد أن هضبة الجولان والشريط الأرضي بطول نهر الاردن يجعل الدفاع عن اسرائيل أسهل كما كان يريد إعادة بناء مستعمرة كفار إتزيون قرب بيت لحم التي استولي عليها العرب سنة 1948.

وسئل المستشار القانوني للخارجية الاسرائيلية تيودور ميرون عما إذا كان القانون الدولي يسمح بالاستيطان في الأرض المحتلة فقدم مذكرة غاية في السرية يقول فيها إن استيطان مدنيين في أرض محتلة مخالف تماما لميثاق جنيف وشرح أن هذا الميثاق الذي وقعت عليه اسرائيل يحظر علي سلطة الاحتلال نقل جزء من مواطنيها إلي الارض المحتلة وأن الجولان هي دون أي شك أرض محتلة حتي ولو كانت هناك وجهات نظر اسرائيلية بأن الضفة الغربية ليست في نفس الوضع لأنها متنازع عليها حيث إن حدود ما قبل الحرب كانت مجرد خطوط هدنة وأن الأردن قامت بضم الضفة الغربية إليها من جانب واحد. ومع ذلك رفض ميرون هذا المنطق الإسرائيلي في مذكرته السرية لسببين أولهما أن المجتمع الدولي لن يقبله وسيعتبر الاستيطان مقدمة لضم الضفة لاسرائيل والسبب الثاني قانوني لأن بعض قرارات اسرائيل لا تتمشي مع الزعم بأن الضفة ليست أرضا محتلة. فالأمر العسكري الصادر في اليوم الثالث للحرب مثلا نص علي إلزام المحاكم العسكرية الاسرائيلية في الضفة بتطبيق ميثاق جنيف. وهنا تكمن المفارقة، فاعتبار الضفة الغربية أرضا محتلة يعني اعتراف اسرائىل بالحقيقة القانونية ولكن هذا الاعتراف يعني أن عرب الضفة لا يمكن دمجهم في الدولة الاسرائيلية بعكس عرب اسرائيل الذين يحملون جنسيتها.

ويستطرد جورنبرج قائلا إن أشكول وغيره من قادة اسرائيل كانوا يعلمون أن منح الجنسية الاسرائيلية لعرب الضفة وقطاع غزة سيحيل اسرائيل إلي دولة مزدوجة الجنسية. وقد ذكر ميرون هذا في مذكرته صراحة قائلا إنه إذا كانت الضفة أرضا محتلة يسكنها العرب فلا القانون الدولي ولا قواعد الديمقراطية الاسرائيلية تسمح باستيطان اليهود فيها. وأضافت المذكرة أن الاستيطان المسموح قانونا هو بالوحدات العسكرية وليس المدنيين وفي قواعد عسكرية مؤقته بالضرورة. وبعد أسبوع واحد من تقديم المذكرة لاشكول أخطر مجلس وزرائه أن مستعمرة كفار اتزيون سيعاد إنشاؤها ولكن سيقطنها فرع من الجيش مختص بالاستيطان العسكري يسمي ناحال، وتم الاعلان بأن قاطني المستعمرة هم جنود من ناحال رغم أنهم كانوا في الحقيقة مدنيين. وهكذا تكشفت الحقيقة المؤسفة وهي أن ثقة قادة إسرائيل في امكان القفز فوق القواعد الدبلوماسية والاخلاقية في عملية الاستيطان كانت ثقة في غير محلها. وقد ترك ميرون الخدمة في الخارجية الاسرائيلية بعد عشر سنوات للتدريس في جامعة نيويورك وأصبح أحد الخبراء العالميين في قوانين الحرب ثم قاضيا في محكمة جرائم الحرب الدولية ليوغسلافيا.

ولم يمض وقت طويل علي تقديم مذكرته لاشكول حتي قامت المستوطنات المدنية الخالصة علي الأراضي المحتلة سنة 1967 وتمسك دبلوماسيو اسرائيل ومؤيدوها بأن الضفة ليست أرضا محتلة ينطبق عليها ميثاق جنيف، وهؤلاء الذين مازالوا يرددون هذه المزاعم ربما لا يعلمون حقيقة الموقف القانوني الاسرائيلي السري الذي سبق قيام المستوطنات.

ويختم جورنبرج عرضه قائلا إنه يوجد اليوم ربع مليون يهودي يقطنون في الضفة الغربية ولا يمكن للحجج القانونية أن تلغي ثمانية وثلاثين عاما من بناء المستوطنات، ووصول حماس للسلطة في فلسطين جعل الوصول لحل دبلوماسي بالنسبة لمستقبل الضفة أكثر صعوبة بكثير عن ذي قبل. ومع ذلك فالقانون الدولي والقوانين الاسرائيلية قد تم الالتفاف حولها أو انتهاكها لإمكان الاستمرار في الاستيطان. والتناقص بين استمرار خضوع الفلسطينيين للحكم العسكري بينما يتمتع المستوطنون اليهود بحقوق المواطنة قد أصبح واضحا للكل بما فيهم قوي يمين الوسط الاسرائيلية. وكان هذا هو السبب في التحول في السياسة الإسرائيلية. ومن الواضح حاليا أن مستقبل اسرائيل كدولة يهودية يتوقف علي إنهاء حكمها للضفة الغربية فقد قيدت المستوطنات إسرائيل بدلا من خدمتها. وبعد ثمانية وثلاثين عاما من المأزق ومن تجاهل التحذيرات علينا إيجاد وسيلة للخروج من المأزق.

وإلي هنا ينتهي عرض جورنبرج لملحمة الاستيطان الذي يمنع قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل. وقد يبدو للوهلة الأولي من النتيجة التي انتهي اليها أن الرأي العام الاسرائيلي في طريقه للتحول ضد الاستيطان وأن قيام دولة فلسطينية ممكن في نهاية المطاف، وأن الصراع العربي الاسرائيلي يمكن انتهاؤه سليما. ولكن التعمق في مشروعات إسرائيل المستقبلية وما تقوم بتنفيذه حاليا لفرضه كأمر واقع بحماية أمريكية كاملة وحماية أوروبية تابعة تغمض العين عما تقوم به إسرائيل من مشروعات فردية لاقامة حائط عازل حول كل إسرائيل وفرض حدودها النهائية علي الفلسطينيين والاحتفاظ بما تريد من الأرض ومصادر المياه بما لا يبقي للفلسطينيين في النهاية سوي كانتونات معزولة عن بعضها البعض ليس لديها أية امكانيات لقيام دولة ولكن لهم ان شاؤوا أن يسموها دولة معزولة السلاح تسيطر إسرائيل علي حدودها وشواطئها وسمائها وكل المعابر الداخلة والخارجة منها مع ما تحاول إسرائيل ترديده مؤخرا بإمكان توسيع قطاع غزة داخل الأرض المصرية قرب العريش لدق اسفين عداء دائم بين مصر والفلسطينيين وتحويل الصراع العربي الاسرائيلي إلي صراع مصري فلسطيني إن امكن. من يتعمق في كل هذه المخططات الاسرائيلية يدرك دون عناء أن سلاما كهذا لا يمكن أن يتحقق ويستمر في المستقبل كنهاية للصراع العربي الاسرائيلي.

وحتي لو فرضنا المستحيل وقبل الفلسطينيون هذا الأمر الواقع الاسرائىلي واستسلم له باقي العرب فلن يحل السلام.. لماذا؟ لأن الكيان الذي أقامته الصهيونية في إسرائيل بالقوة وسياسة الامر الواقع لا يمكن له أن يطمئن لاستسلام العرب فيسترخي عسكريا فهو في حاجة دائمة لعدائهم لامكان تماسكه الداخلي. وفي المقالات التالية سنقدم حقيقة الفكر الصهيوني المعاصر داخل إسرائيل كما يعرضه الاسرائيليون أنفسهم دون أي تدخل من جانبنا سوي بالتعليق علي ما يقولون وسنلتزم بالأمانة الكاملة في ترجمة مايعرضه الاسرائيليون من نظراتهم المستقبلية.

صراع الحدود وصراع الوجود (3)

في المقالين السابقين عرضنا باختصار تاريخ نشأة الحركة الصهيونية ودور القوة الغربية المسيطرة في قيام دولة إسرائيل لتكون ركيزة حماية مصالح هذه القوة بالشرق الأوسط مما يستدعي بالضرورة استمرار العداء بين الدولة العبرية وجيرانها لتظل في حاجة دائمة لحماية القوة الغربية المسيطرة لها. وعرضنا سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأرض العربية المحتلة منذ سنة 1967 التي تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل تؤدي في النهاية إلي سلام دائم ونهاية للصراع العربي الإسرائيلي. وانتهينا إلي أنه حتي لو استسلم الفلسطينيون لكل شروط إسرائيل فلا يمكن للكيان الصهيوني أن يثق في مستقبل سلام مع العرب ويسترخي عسكرياً.

ونعرض في هذا المقال والمقالات التالية حقيقة الفكر الصهيوني المعاصر الذي يمنع السلام كما يعرضه الإسرائيليون أنفسهم.

من يطلع علي الكم الهائل من الكتب والأبحاث والمقالات الإسرائيلية التي يصدرها الإسرائيليون من كافة التيارات السياسية من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار يستوي في ذلك اليهود المتدينون والملحدون يصل لنتيجة لا تخطئها العين وهي أن هناك قاسماً مشتركاً يجمع بين كل هؤلاء الأشتات وهو فكرة أن تظل إسرائيل دولة متفوقة عسكرياً علي كل جيرانها مجتمعين وأن تظل مرتبطة بالقوة الغربية المسيطرة في العالم سواء في ذلك الإمبراطورية البريطانية في الماضي أو الأمريكية حالياً وألا تقوم فوق أي مساحة من أرض فلسطين دولة فلسطينية حقيقية ذات إمكانيات البقاء لأن مثل هذه الدولة لو رسخت فستكون مقدمة لاسترداد باقي أرض فلسطين من اليهود جزءاً بعد جزء تماماً كما فعلت إسرائيل نفسها التي بدأت مع وعد بلفور بمجرد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بجانب شعبها العربي ثم تطورت بعدهزيمة العرب في الحرب الأولي سنة 1948 إلي دولة تحتل أغلبية أرض فلسطين أكثر كثيراً مما خصصه لها قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود وتطورت بعد ذلك الي احتلال كل فلسطين وسيناء المصرية والجولان السورية، بعد هزيمة العرب سنة 1967. والفرق الحقيقي في سياسات ما يسمي بالصقور والحمائم في إسرائيل أو »أنصار السلام« والمتطرفون اليمينيون هو فرق في أسلوب تنفيذ الأهداف الإستراتيجية للدولة المشتركة بين كل هذه التيارات التي شرحناها أعلاه فبينما يلبس من يسمون قوي اليسار والسلام قفازاً حريرياً فوق حلبة الصراع مع العرب يستعمل اليمينيون القبضة الحديدية والقوة العارية مع عدوهم. وعلي من ينس من العرب أن يتذكر أن من يسمون قوي اليسار الإسرائيلي وأنصار السلام وبالذات حزب العمل والأحزاب التي انشقت منه سواء إلي يساره أو يمينه كان هو الحزب الذي قاد إسرائيل لهزيمة العرب سنة 1948 وسنة 1967 وأخرج موسي ديان وإسحق رابين رئيس الوزراء صاحب سياسة تكسير عظام علي الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عام 1987 وعشرات غيرهم من قادة اليسار الإسرائيلي وعلي رأسهم ليفي أشكول رئيس الوزراء الذي بدأ سياسة إنشاء المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة.

في هذا المقال والمقالات التالية سنعرض بأمانة كاملة فكر أحد أهم رموز اليسار والسلام اليهود وحقيقة مشاعره نحو العرب ونظرته للمستقبل من واقع كلماته دون أي تحريف وهو الكاتب والمؤرخ اليهودي الشهير بني موريس وهي الأفكار التي نشرتها جريدة هاآرتز الإسرائيلية في 9/1/2004 تحت عنوان: »عندما يكون التطهير العرقي مبرَّراً« يعرض محرر الجريدة آفي شافيت آراء موريس ودراسته التاريخية عن نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين فيقول إن الكثيرين أخطأوا حينما ظنوا أن موريس كان يعادي المشروع الصهيوني ويحاربه بهذه الدراسة لأن موريس كان طوال حياته صهيونياً حقاً. أما كتابه عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين فإن من يشككون في إخلاص موريس لصهيونيته لم يفهموا الكتاب أو يقرإوه بحياد المفكر الأخلاقي الذي أملي الكتاب. فعندما وصف موريس الأعمال بالغة القسوة التي ارتكبتها الحركة الصهيونية سنة 1948 فهو لم يكن يدفعها وعندما وصف عمليات طرد السكان العرب من مساكنهم علي نطاق واسع فهو لم يكن يدينها كذلك. فالكثير من قراء الكتاب لم يفهموا أن مؤرخ خطايا الصهيونية لم يكن ضد هذه الخطايا بل ملتزماً بها ومقتنعاً أن بعضها علي الأقل لم يكن ممكناً تجنبه. وفي عام 2002 كان موريس الذي اتهمه الكثيرون بأنه يساري متطرف يصرخ فجأة أن إسرائيل لا تجد شريكاً في عملية السلام وأن الدوائر الأكاديمية التي قاطعت موريس باعتباره عدواً لإسرائيل وجدته يكتب مقالات في صحيفة الجارديان البريطانية دفاعاً عن إسرائيل.

ويستطرد المحرر شافيت عرضه لأعمال موريس التي تبدو متناقضة فيقوم باستكمال موسوعته بالعبرية المسماه: »الضحايا الأخلاقيين«، تاريخ الصراع الصهيوني العربي من سنة 1881 إلي سنة 2001« التي تعرض المظالم والمآسي التي تعرض لها اليهود ويقوم في نفس الوقت بنشر كتابه عن نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينين الذي يدين أعمال إسرائيل. ويقول المحرر إن موريس صرح مؤخراً أنه يشعر بالخوف مما قد يسببه كتابه عن اللاجئين الفلسطينيين وما احتواه من تفاصيل بشعة عما فعله الإسرائيليون بهم من ضرر لإسرائيل.

وقد ولد موريس لأبوين مهاجرين من إنجلترا في مستعمرة عين حاهوريش وكان عضواً في حركة الشبيبة اليسارية وعمل فترة مراسلاً لجريدة جروزاليم بوست ورفض أداء الخدمة العسكرية في الأرض الفلسطينية المحتلة ويعمل حالياً أستاذاً للتاريخ في جامعة بن جوريون في بير سبع ولا يتردد في التصريح بأفظع العبارات عن الفظائع التي ارتكبها الصهيونيون مع العرب. وقد أجري معه المحرر شافيت الحوار المطول التالي الذي يوضح دون أدني شك حقيقة المشاعر الصهيونية الدفينة نحو العرب رغم التناقض الذي يسببه تأنيب الضمير إزاء هذه المظالم والمحصلة النهائية التي تقطع باستحالة الوصول لسلام حقيقي بين طرفي الصراع.

وسنعرض في هذا المقال والمقالات التالية هذا الحوار المطول:
أولاً: الاغتصاب والمذابح والطرد.

يسأل المحرر شافيت موريس عن كتابه المنتظر صدور طبعة منقحة له عن كيفية نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيون ومن سيغضبه الكتاب أكثر من غيره، الإسرائيليون أم الفلسطينيين.

فيرد موريس:

كتابي المعدل سلاح ذو حدين فهو مبني علي وثائق لم تكن متاحة لي عندما كتبت الكتاب الأصلي وأغلبها من سجلات وزارة الدفاع الإسرائيلية. وما تظهره هذه الوثائق أنه كانت هناك مذابح ارتكبها الإسرائيليون اكثر بكثير ما ظننت سابقاً. ولدهشتي كانت هناك ايضاً حالات كثيرة من الاغتصاب. ففي شهري أبريل ومايو سنة 1948 أعطيت وحدات من الهاجاناة أوامر صريحة بإبادة سكان القري العربية وطردهم منها وهدم القري نفسها. وفي نفس الوقت كانت هناك أوامر من القيادات العربية العليا بإجلاء الأطفال والنساء والشيوخ من القري. و بذلك فكتابي يؤكد الاتهامات ضد الصهيونية ولكنه في نفس الوقت يؤكد أن العرب الذين رحلوا من قراهم فعلوا ذلك بتشجيع القيادات الفلسطينية نفسها.

ويستمر شافيت في السؤال، طبقاً للوثائق الجديدة كم كان عدد حالات الاغتصاب التي قام بها الإسرائيليون سنة 1948؟

ويرد موريس أنها كانت حوالي إثنتي عشرة حالة. ففي عكا قام أربعة جنود إسرائيليين باغتصاب فتاة وقتلها هي ووالدها. وفي يافا اغتصب اليهود فتاة وحاولوا اغتصاب أخريات. وفي جنين اغتصبوا فتاتين وقتلوهما. وكانت هناك حالتا اغتصاب جنوب حيفا وحالة في قولا. وفي قرية أبوشوشة اغتصبوا احدي السجينات العرب. وكانت هناك حالات أخري. وفي أغلب حالات الاغتصاب تم قتل الضحايا لإخفاء الحدث. وعلينا ان نفترض ان حالات الاغتصاب المذكورة هي ما تم الابلاغ عنه ولكنها لم تكن كل ما حدث فهي فقط بمثابة قمة جبل الثلج. وننتهي في هذا المقال عند وقائع الاغتصاب ونستطرد في المقال التالي الحوار بين شافيت محرر جريدة ها آرتز وبين موريس وفيه يبدأ الحديث عن حالات المذابح التي قام بها الإسرائيليون ضد عرب فلسطين.


صراع الحدود وصراع الوجود - 4

غطينا في الثلاث مقالات السابقة تاريخ نشأة الحركة الصهيونية ودور القوة الغربية المسيطرة في قيام إسرائيل لتكون ركيزة لحماية مصالحها في الشرق الأوسط مما يستدعي بالضرورة استمرار العداء بين إسرائيل وجيرانها لتظل في حاجة لحماية القوة الغربية المسيطرة. وعرضنا سياسة الاستيطان الاسرائيلي في الأرض المحتلة سنة 1967 التي تجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية بجانبها تؤدي لسلام دائم وانتهينا إلي أنه حتي لو استسلم الفلسطينيون لكل شروط إسرائيل فلايمكن لها أن تثق في مستقبل سلام مع العرب وتسترخي عسكريا.

وعرضنا حقيقة الفكر الصهيوني المعاصر من وجهة نظر إسرائيلية توضح دون أي شك أن السلام مع العرب مستحيل. واستعرضنا في المقال الأخير فكر أحد أهم رموز اليسار والسلام في إسرائيل وحقيقة مشاعره نحو العرب ونظرته للمستقبل وهو بني موريس من خلال حواره المطول مع آفي شافيت محرر جريدة هاآرتز التي نشرت الحوار في 9/1/2004 تحت عنوان »عندما يكون التطهير العرقي مبرراً«. وكان الحوار عن كتاب موريس المعدل عن نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وقد غطي الجزء الأول من الحوار جرائم الاغتصاب التي ارتكبها جنود إسرائيل عند إنشاء الدولة سنة 1948 ضد الفتيات العرب ثم قتل المغتصبات وذويهن في أغلب الحالات. ويستمر الحوار في هذا المقال عن المذابح التي قام بها اليهود ضد العرب سنة ،1948 فيسأل شافيت موريس: طبقا لما اكتشفت من وثائق، كم عدد المذابح التي قام بها اليهود ضد العرب سنة 1948؟

ويرد موريس:

أربعة وعشرون مذبحة. في بعضها كان عدد القتلي أربعة أو خمسة وفي البعض الآخر كان القتلي سبعين أو ثمانين أو مائة. وكان هناك قتل عشوائي كثير مثل قتل عجوزين كانا يسيران مصادفة في حقل وامرأة عجوز كانت تسير وحيدة في قرية. وهناك حالات مثل قرية دواييما التي دخلها طابور يهودي وأباد كل شيء يتحرك. كانت أسوأ الحالات هي قرية صالحة حيث قتل بين سبعين وثمانين عربياً ودير ياسين حيث قتل بين مائة ومائة وعشرة أشخاص. وليس هناك دليل علي مذبحة في قرية تنتورا ولكن جرائم حرب ارتكبت فيها. وكانت هناك مذبحة في يافا لا تعرف تفاصيلها للآن ومثل ذلك في قرية عرب الموسوي في الشمال. وكان حوالي نصف عدد المذابح جزءا من »عملية حيرام« في الشمال في أكتوبر سنة 1948 في قري صفصف وصالحة وجيش والعبون وعرب الموسوي ودير أسد ومجدل كروم وصعصع. وفي عملية »حيرام« هذه كان هناك تركيز غير عادي علي قتل العرب بوضع ظهورهم للحائط أو إيقافهم بجوار بئر بطريقة منظمة. ولا يمكن أن يكون ذلك مصادفة فهي أسلوب تنفيذ. ويبدو أن العديد من الضباط الإسرائيليين الذين اشتركوا في العملية فهموا أن أوامر طرد العرب الصادرة لهم تسمح لهم بالقتل لتشجيع العرب علي الفرار. ولم يعاقب أحد علي هذه المذابح فقد أسكت بن جوريون الموضوع وتستر علي الضباط الذين ارتكبوا المذابح.

ويسأل شافيت موريس: هل تعني أن »عملية حيرام« كانت تتضمن أوامر صريحة بطرد العرب من بيوتهم؟ ويرد موريس:

نعم. وأحد القصص المذكورة في الكتاب أنه يوم 31 أكتوبر سنة 1948 أصدر قائد المنطقة الشمالية موشيه كارمل أمرا كتابيا لوحداته بالإسراع بطرد السكان العرب وقد صدر الأمر فورا عقب زيارة من بن جوريون لقيادة المنطقة الشمالية في الناصرة. ولاشك عندي أن الأمر كان من بن جوريون تماما كما كان الأمر الذي وقعه إسحق رابين بطرد عرب مدينة اللد بعد زيارة بن جوريون لقيادة »العملية داني« في يوليو سنة 1948. فمنذ إبريل 1948كان بن جوريون ينفذ سياسة طرد العرب دون أن يصدر أمرا كتابيا بذلك. وكانت القيادة الإسرائيلية كلها تفهم أن هذه هي سياسة الحكومة وكان الضباط يعلمون الواجب الملقي علي عاتقهم فقد وضع بن جوريون إطار سياسة طرد العرب. طبعا كان بن جوريون مؤمنا بهذه السياسة فقد فهم أنه لايمكن إقامة دولة يهودية يعيش فيها مجتمع عربي كبير معاد فمثل هذه الدولة لن يكتب لها البقاء.

وعندما سأل شافيت موريس: ألا تدين هذه السياسة؟ رد عليه: كان بن جوريون علي حق لأنه إن لم يفعل ما فعل فلم يكن ممكنا قيام الدولة. وهذا واضح تماما ومن المستحيل تجنبه، فدون القضاء علي الفلسطينيين لم يكن ممكنا قيام دولة يهودية هنا.

وعاد شافيت يسأله: لقد قضيت أحقابا في دراسة الجانب المظلم للصهيونية وأنت خبير في بشاعات سنة 1948. فهل تبرر ما حدث وتدافع عن طرد العرب سنة 1948؟ ويرد موريس: ليس هناك تبرير لجرائم الاغتصاب أو القتل فهي جرائم حرب. ولكن في بعض الحالات فإن طرد السكان ليس جريمة حرب ولا أظن أن طرد العرب سنة 1948 كان جريمة حرب فأنت لاتستطيع طبخ طبق أومليت دون تكسير البيض وتلويث يديك.

ويستطرد شافيت سؤاله قائلا: إننا نتكلم عن قتل الآلاف وتدمير مجتمع كامل. ويرد موريس في برود قائلا: إن المجتمع الذي يحاول قتلك يضطرك لتدميره. وعندما يكون خيارك هو أن تحطم أو تتحطم فخير لك أن تحطم!!

ويستمر شافيت قائلا: هناك شيء مرعب في الطريقة التي تقول بها ذلك بهدوء. فيرد موريس مستمرا في بروده قائلا:

إذا كنت تتوقع مني أن أنفجر في البكاء فيؤسفني أن أخيب ظنك. وعندما يؤرقك أن قائد »العملية داني« وقف يشاهد الطابور الطويل الحزين لخمسين ألف عربي مطرودين من اللد إلي الشرق فأنا لا أبرر ذلك ولكني أتفهمه تماما ولا أظن أن ضباطنا شعروا بتأنيب الضمير فدون هذا العمل لم يكن ممكنا أن يكسبوا الحرب ويقيموا الدولة. ولذا فأنا لا أدينهم أخلاقيا رغم التطهير العرقي الذي قاموا به فهناك حالات تاريخية تبرر التطهير العرقي فهو أفضل علي أي حال من إبادة الأجناس. فإذا كان جنسك معرضاً للإبادة فأضل لك تطهير الآخرين عرقيا. وكان هذا هو الوضع سنة 1948 الذي لاقاه الصهيونيون فلم يكن ممكنا قيام الدولة دون طرد سبعمائة ألف فلسطيني من ديارهم. كان ضروريا إخلاء الداخل والمناطق الحدودية والطرق الرئيسية من العرب وإخلاء القري التي كانت تعترض قوافلنا ومستعمراتنا وتطلق عليها النيران.

ويستطرد شافيت قائلا إن تعبير التطهير العرقي بشع ويبدو أنك متحجر المشاعر. فيرد موريس: أنا أتعاطف مع العرب الذين تعرضوا فعلا لمأساه وأتعاطف مع اللاجئين. ولكن إذا كانت الرغبة في إقامة دولة يهودية هنا مشروعة فلم يكن هناك مفر مما حدث ولم يكن ممكنا ترك طابور خامس من الفلسطينيين في إسرائيل. فمنذ بدأ العرب مهاجمة الاستيطان اليهودي في فلسطين قبل سنة 1948 لم يعد هناك مفر من طرد الفلسطينيين وإزالتهم من الطريق خلال الحرب. وتذكر أن العرب يملكون دولا كثيرة ليس بسبب مهارتهم وفضائلهم ولكن نتيجة غزو وقتل من غزوهم وحولوهم جبرا للإسلام خلال أجيال عديدة ولديهم في النهاية اثنتان وعشرون دولة بينما لم يكن لليهود دولة واحدة وليس هناك سبب يمنع ذلك. ولذلك فمن وجهة نظري فإن الحاجة لإنشاء دولة يهودية في هذه البقعة من الأرض تفوق الظلم الذي حاق بالفلسطينيين نتيجة اقتلاعهم منها.

ويستطرد شافيت سائلا: ومن الناحية الأخلاقية ألا تجد غضاضة في ذلك؟ فيجيب موريس نعم لا أجد غضاضة. والديمقراطية الأمريكية العظيمة نفسها لم يكن ممكنا إقامتها دون إبادة الهنود الحمر. هناك حالات تبرر فيها المصلحة العامة الأعمال العنيفة القاسية التي ترتكب علي مدار التاريخ. وفي حالتنا هذه فإن طرد السكان العرب كان له ما يبرره. أما ما صاحب ذلك من جرائم حرب ومذابح وحرق المزارع وتدمير القري خلال النكبة فهي جرائم حرب صغيرة، فكل من قتلوا خلالها سنة 1948 كانوا حوالي ثمانمائة شخص. وبالمقارنة إلي المذابح التي ارتكبت في البوسنة فهي أحداث تافهة. وبالمقارنة للمذابح التي ارتكبها الروس ضد الألمان في ستالينجراد فهي أقل من تافهة. وعندما تتذكر أنه كانت لدينا حرب أهلية دموية هنا وأننا فقدنا خلالها واحدا في المائة من شعبنا فإنك تري أننا تصرفنا بطريقة طيبة جدا.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا نتعلم من دراسات التعلم اثناء النوم salam100s قسم الصحة و الطب 5 29-11-2012 06:20 PM
((صور + وثائق)): عقيدة أهل السنة والوهابية في (تجسيم الله) عقيدة بوذية يهودية؟؟! أبو حيدر11 قسم الحوار الإسلامي 5 18-07-2010 06:24 PM
مصادر عراقية: وفود يهودية تزور معبدا في مدينة الحلة بشكل منتظم صادق للابد القسم السياسي 1 14-08-2008 03:31 PM
(مكتبة القرآن الكريم ) دراسات وبحوث قرآنية ’’ وكتب قيمة JO0ORYA قسم القرآن الكريم 4 17-05-2008 06:08 AM
الكتاب الإلكتروني دراسات في علم الأصول كشكول قسم الكتاب 0 01-08-2007 04:47 PM


الساعة الآن 01:00 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education