العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإسلاميـة > قسم حوار الأديان

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /23-10-2011, 09:33 PM   #31

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الأساطير القانونية والسياسية في الصراع العربي - الإسرائيلي


الأساطير القانونية والسياسية في الصراع العربي - الإسرائيلي
عبدالله الأشعل: انطوى ملف الصراع العربي - الإسرائيلي في مسيرته الطويلة على عدد من المغالطات والأوهام والأساطير ذات الطابع القانوني التي يتعين إيضاحها ولو من زاوية الإسهام الفقهي.

الأسطورة الأولى، هي أن قرار التقسيم قصد به تقسيم فلسطين بين شعبين ودولتين وفق نص القرار. العرب رأوا في القرار غبناً فرفضوه، ولا جدوى الآن من استدراك مقولة ترى أن قبولهم به كان سيفوت كل ما جاء بعد ذلك من تطورات لمصلحة اليهود في فلسطين. أما اليهود فقد اعتبروه منحة من السماء وفسروه وفق المخطط الصهيوني وهو أنه أهم أداة تنفيذية نقلت المشروع من عالم الخيال إلى عالم الواقع، وتشير مذكرات الساسة الإسرائيليين إلى أن هذه الأداة التجريبية هي أول احتكاك بين الادعاء الصهيوني في فلسطين، وبين قدرة الادعاء على الحركة على الأرض بين الفلسطينيين لدرجة أن بن غوريون لو كان حياً لمات كمداً لأنه توقــع أن يموت المشروع كلما تقدم في الجسد العربي. القرار لم يكن تقسيماً حقيقياً ولكنه تظاهر بالتقسيم وهو يضمر كل فلسطين، ولذلك قال اليهود إن قيمة القرار هو أنه وثيقة اعترف بها العالم أخيراً وبعد جهود وعقود بأن فلسطين هي وطن الشعب اليهودي، أما إزاحة الفلسطينيين فهي مسألة وقت مع التخطيط والعمل لتحقيق هذه النتيجة، في محاولة لإعادة رسم خريطة المنطقة كلها بحيث تكون مستعدة لقبول إسرائيل محل فلسطين التي يطويها النسيان وتودع متحف تاريخ الأمم المنقرضة.

الأسطورة الثانية، هي أن الصراع بين العرب وإسرائيل هو صراع بين سرطان له مصادر قوته خارج المنطقة وبين منطقة لم تألف العمل سوياً ضد السرطان إلا بتماسك مركز القيادة فيها وهو مصر والشام، ولذلك عمد المشروع إلى تحطيم مركز القيادة وضمان تمزقه وعدم التئامه، ولذلك يعد التفكير حول العلاقات السورية - المصرية وفرص تحسنها تفكيراً سطحياً إذا أغفل الحقيقة التي فهمها جيداً هذا المشروع الصهيوني.

الأسطورة الثالثة، هي أن إسرائيل دولة عادية محتلة وأن معاملتها بموجب القانون الدولي يحرجها ويظهرها بمظهر الدولة العاصية مما يوقف تقدم المشروع ويعطي الفلسطينيين الأمل في العيش في فلسطين إلى جانبها. في ظل هذه الأسطورة ازدهرت ترسانة المصطلحات ونشطت آلاف الكائنات التي وظفت لتنفيذ هذه الأسطورة تارة تحت عنوان عملية السلام والمفاوضات وتارة أخرى تحت عنوان الدولة الفلسطينية، أو حل الدولتين. لا تطيق إسرائيل أن ترى الفلسطينيين واسم فلسطين، ما دامت ترى أن اليهود هم أصحاب الأرض وأن يهود اليوم هم ورثة يهود الأمس ليس فقط في فلسطين ولكن في كل مكان عاش الأجداد فيه.

الأسطورة الرابعة، هي أن قرارات الأمم المتحدة هي الشرعية الكافية لاسترداد الحقوق الفلسطينية التي يتم اغتصابها كل يوم مع تقدم المشروع الصهيوني. ولذلك يجب إعادة فرز وتحليل هذه القرارات واستخدامها في الصراع القانوني إذا توافرت الإرادة السياسية، ومن دونها فلا قيمة لأي تحليل أو توظيف، فحتى في هذه الحدود يمكن وقف المشروع الصهيوني ولكن الآفة الكبرى هي إدراك المشروع أن قوة اندفاعه ضد جسد عربي بقيادة مصر ستتداعى، ولذلك فإن التحكم في هذه القيادة هو أهم ضمان لاستمرار تقدم هذا المشروع، كما أن تفكيك الأوطان العربية بخاصة مصر يضمن رسم الخريطة المطلوبة لقرون قادمة.

الأسطورة الخامسة، هي أن الإدارة القانونية وحدها للصراع لا تكفي بغير إرادة شاملة، كما أن مقاومة مصر وحدها بعد انفراط العقد في عقود التيه العربي منذ عام 1979 هي مجرد بداية لصحوة عربية لإنقاذ عقل عربي أدمته جراح هذه العقود المظلمة، ولكن إحياء مصر نفسها أكبر معركة ضد هذا المشروع الغاشم.

الأسطورة السادسة، هي أن معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية هي بداية طريق السلام، ولا شك في أن سلوك الحكومة المصرية إزاء هذه المعاهدة يقطع بأن مصر الرسمية التقمت الطعم وسرى في دمها المرض الخبيث. ويترتب على ذلك سقوط كل المقولات التي لا يزال رموز المرحلة يرددونها بأن مصر جلبت السلام والعرب تقاعسوا، وأن مصر ضحت وغيرها خان وأنه آن الأوان لمصر أن تهتم بنفسها بعد أن نسيت الأخت الكبرى زينتها وفاتها قطار الزواج.

الأسطورة السابعة، هي أن القرارين 242 و338 هما أساس عملية السلام وأن الصراع بدأ بهما منذ عام 1967 وأنه لا يجوز النظر إلى ما قبلهما. هذه الأسطورة روجها اليهود والعرب معاً بغفلة منهم أو خديعة، لأن البدء بقرار مجلس الأمن 242 على أساس التسامح يعني إغفال قرار التقسيم الذي لا تريد إسرائيل العودة إليه بعد أن وصل قطار المشروع الصهيوني إلى محطات متقدمة داخل فلسطين والعالم العربى. ففي الرابع من حزيران (يونيو) 1967 كانت إسرائيل التهمت خارج قرار التقسيم 21.5 في المئة من أراضي فلسطين إضافة إلى القرار فأصبح نصيبها 78 في المئة. لهذا السبب فإن من الفادح أن نردد أننا نريد دولة بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية لأن ذلك يعني ببساطة التسليم بالتهام ربع مساحة فلسطين التاريخية والقبول بتسوية الانسحاب مقابل علاقات معينة مع إسرائيل، والتسليم بأن القدس الغربية هي جزء من إسرائيل على رغم أن طريقة الاستيلاء عليها لا تختلف عن طريق الاستيلاء على شرق القدس، فضلاً عن أن كل الوثائق الدولية لا تشير إلى شرق القدس إلا القرار 242 الذي كان يحدد الأراضي التي استولت عليها إسرائيل عام 1967، وهو لا يعني مطلقاً أنه بذلك يسلم لإسرائيل بالقدس الغربية وفق ما زعمت إسرائيل. هذا الموقف سهّل لإسرائيل أن تعلن – عبر الاستيطان والتهويد المباشر - أن القدس خارج دائرة المفاوضات.

الأسطورة الثامنة، أن المفاوضات مع إسرائيل هي طريق السلام الضامن لحقوق الفلسطينيين. فطبيعة المشروع تأبى هذا التفسير كما أنه إذا سلمنا بأن الأراضي الفلسطينية محتلة، وهو ما لم تعترف به إسرائيل، فلا يجوز مكافأة المحتل بالتفاوض معه على الانسحاب في مقابل، فالاحتلال غير المشروع يتطلب انسحاباً غير مشروط. أما في حالة إسرائيل فإن قوتها العسكرية والديبلوماسية والدعم الغربي والأميركي أوهما مصر بأن رد سيناء ولو منقوصة السيادة وفي دائرة المخطط الصهيوني يستحق كل ما جنته إسرائيل وخسرته مصر في هذه الصفقة التي أثبتت الأيام طابعها الكارثي على مصر أولاً والعرب في شكل عام.


الأسطورة التاسعة، هي أن أوسلو أعادت القضية إلى الساحة الدولية وأسقطت عن إسرائيل انفرادها بترديد الرغبة في السلام فالحساب الختامي واضح في ما آلت إليه حال فلسطين والعجز الذي وصلت إليه السلطة بعد طول رهانها على حسن نية إسرائيل وحرص واشنطن على العدل في فلسطين.

الأسطورة العاشرة، هي أن السلام كخيار استراتيجي عند العرب كسب الساحة الدولية وسحب البساط من تحت أرجل إسرائيل في العالم، والصحيح أن هذا السلام الاستراتيجي فهم عربياً على أنه وداع للصراع مع إسرائيل فأطفأ حاسة التوجس عند الحكومات وأشرعها عن الشعوب، بينما استغلت إسرائيل هذا الخيار الساذج وأدارت الصراع بأدواته التي تجيدها تاركة للعرب الحسرة والدهشة من براعة الكيان الغريب الذي يتغذى على الدم العربي كأسماك القرش.

الأسطورة الحادية عشرة، هي التناقض بين المواجهة القانونية ومنهج التسوية السلمية. وهذا هو الأخطر لأن العرب هربوا من المواجهة بهذه الصيغة المريحة وتوهموا أنها تجلب السلام بقطع النظر عن مدى ما يتحقق من حقوق فلسطينية، فانفصل السلام عن الحقوق، وتراجع الدعم العربي للحقوق، مع تواصل الدعم المادي للبقاء تعويضاً عن الدعم الشامل في مواجهة لهذا السرطان. بل إن الوهم وصل إلى حد الاعتقاد بأن أي مواجهة قانونية مع إسرائيل هي ضياع لفرص التسوية السلمية، فماذا يفعل العرب بعد أن أغلقت واشنطن هذا الملف وتركت الجميع في العراء يواجهون أقدارهم أمام توحش إسرائيل؟













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.

التعديل الأخير تم بواسطة الجشعمي ; 23-10-2011 الساعة 09:46 PM
  رد مع اقتباس
قديم منذ /25-10-2011, 01:14 AM   #32

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي التاريخ اليهودي

التاريخ اليهودي
خالد أبو شرخ

"التاريخ اليهودي" مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية والغربية، وفي الكتابات العربية والإسلامية, وهو مصطلح يفترض وجود تاريخ يهودي مستقل عن تواريخ الشعوب والأمم كافة، كما يفترض أن هذا التاريخ له مراحله التاريخية, وفتراته المستقلة, ومعدل تطوُّره الخاص، بل وقوانينه الخاصة, وهو تاريخ يضم اليهود وحدهم، يتفاعلون داخله مع عدة عناصر مقصورة عليهم، من أهمها دينهم, وبعض الأشكال الإجتماعية الفريدة, ومفهوم التاريخ اليهودي مفهوم محوري, تتفرع منه وتستند إليه مفاهيم الاستقلال اليهودي الأخرى, ومعظم النماذج التي تُستخدَم لرصد وتفسير سلوك وواقع أعضاء الجماعات اليهودية.

يضرب المصطلح بجذوره في الديانات الإبراهيمية الثلاث عامة, والتشكيل الحضاري الغربي خاصة، سواء في جانبه الديني أو السياسي أو الاقتصادي, فقد جاء في العهد القديم أن الخالق "اختار الشعب", والاختيار يعني درجة من اتحاد الإله بالشعب اتحاداً تاماً يذوب به كل منهما في الآخر, بحيث تكون الإشارة الى أحدهما إشارة إلى الآخر, وتوحَّد الإله والشعب مع التاريخ والأرض وأصبح هناك جوهر واحد للأمة والإله، لا يوجد الواحد منهما دون الآخر، ويتم على هذا النحو زوال ثنائية الخالق والمخلوق والإله والشعب والمطلق والنسبي، والأزلي والزمني والمقدَّس والتاريخي, ويصير تاريخ هذا الشعب محط عناية الإله، بل يصبح تجسيداً لفكرة مقدَّسة ومطلقة، فيتداخل المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّس، وتصبح أية حادثة تقع لليهود ذات دلالة دينية عميقة, ومن هنا فإن كتاب اليهود المقدَّس (العهد القديم) هو أيضاً سجل تاريخهم، حيث يتم تقديم العبرانيين وهم يخرجون من مصر, تهديهم ذراع الإله القوية, وتنقذهم من الغرق، ثم يُلحق بهم العذاب في الصحراء, ولكنه يسدد خطاهم في غزوهم لأرض كنعان, ويعقد الإله معهم المواثيق، ويقبل منهم أفعالهم كافة الأخلاقية منها وغير الأخلاقية, ولهذا أصبح تاريخ اليهودية هو نفسه تاريخ اليهود.

ورثت المسيحية العهد القديم, وتبنى الإسلام رواياته, كذلك ورثت الحضارتان الغربية المسيحية, والعربية الإسلامية هذه الرؤية, ولذلك يُعتبر اليهود ورثة العبرانيين القدامى؛ ولا تتم رؤيتهم إلا في عزلتهم, لا يزالون مستمرين في مسيرتهم في الصحراء، نحو كنعان عبر التاريخ الإنساني بأسره, وفي كل أرجاء العالم, وقد تبدَّى ذلك في المفهوم الكاثوليكي للشعب الشاهد, الذي يقف على حافة التاريخ، شـاهداً على عظمة الكنيسة, كما يتبدَّى في المفاهيم الإسـترجاعية البروتستانتية, التي تجعل من عودة اليهود إلى صهيون في نهاية التاريخ, شرطاً لعملية الخلاص, وشرطاً لتأسيس الفردوس الأرضي, ويتبدى أيضا في الرؤية الإسلامية بإعتبارهم الشعب الذي إختاره الله, لكنه عصاه وخالف شريعته وقتل أنبياءه, و إنتصار المسلمين عليهم من علامات اليوم الآخر, وقد تمت علمنة هذا المفهوم في العصر الحديث، فتحول اليهود من شعب يهودي مقدَّس أو عاصي, له تاريخ يهودي مقدَّس, إلى الشعب اليهودي المستقل, صاحب التاريخ اليهودي الفريد, وهذه كلها مفاهيم تفترض عزلة اليهود، كما تفترض أن لهم وجوداً وتاريخاً مستقلين.

ومما دعم الإحساس بوجود تاريخ يهودي مستقل، اضطلاع اليهود بدور الجماعة الوظيفية (المالية أو الاستيطانية) في المجتمعات الغربية, ومثل هذه الجماعات يتم عزلها عن بقية المجتمع, حتى تبدو وكأنها خاضعة لآليات وحركات تاريخية مستقلة، مع أنها في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من المجتمع، وخاضعة للآليات والحركات التاريخية نفسها, التي يخضع لها هذا المجتمع، تصعد بصعوده وتهبط بهبوطه, رغم استقلالها النسبي, وقد ظل دور الجماعة الوظيفية حكراً تقريباً على الجماعات اليهودية في العالم الغربي، وذلك على عكس الحضارات الشرقية حيث اضطلعت جماعات إثنية ودينية مختلفة، من بينها اليهود، بدور الجماعة الوظيفية.

وغني عن الذكر أن مفهوم التاريخ اليهودي, مفهوم محوري في الفكر الغربي, وفي إدراك الإنسان الغربي لليهود, لكن المقدرة التفسيرية لهذا المفهوم ضعيفة إلى أقصى حد، فهو مفهوم اختزالي بسيط إلى أقصى حد, والإيمان بنموذج التاريخ اليهودي المستقل له نتائجه السلبية, لا من الناحية المعرفية وحسب، وإنما من الناحية الإنسانية والأخلاقية كذلك.

من الناحية المعرفية، فإننا نجد أن رصد واقع الجماعات اليهودية، وتفسيره من خلال نموذج التاريخ اليهودي, يُبسِّط هذا الواقع ويختزله ويجعله تافهاً، كما أنه يُضخِّم جوانب ثانوية منه ويتجاهل عناصر أساسية فيه, إن استقلالية أي بناء تاريخي, تعني إستقلالية البنى الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك استقلالية البنى الحضارية والرمزية المرتبطة به، كما تعني تجانسها النسبي في كل مرحلة من مراحله, وكذلك فإن استقلالية أي بناء تاريخي, تعني أن هذا البناء يضم جماعة من الناس, لا وجود لها خارجه, ولا يمكن فهم سلوكها إلا في إطار تفاعلها معه, ولكن من الثابت تاريخياً, أن الجماعات اليهودية المنتشرة في العالم, كانت تتَّسم بعدم التجانس وعدم الترابط, وبأن أعضاءها كانوا يوجدون في مجتمعات مختلفة, تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية, اختلفـت باختلاف الزمان والمكـان, فيهـود اليمن في القرن التاسع عشر، كانوا يعيشون في مجتمع صحراوي قبَلي عربي, أما يهود الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فكانوا يعيشون في مجتمع حضري رأسمالى غربي, فإذا بحث المرء في العنصر المشترك بين يهود الىمن ويهود الولايات المتحدة، لوجد أنه هو الدين اليهودي وحسب، وهو عنصر واحد ضمن عناصر عديدة تحدد السلوك اليهودي, بل إن الأنساق الدينية اليهودية ذاتها، بسبب غياب سلطة مركزية دينية، تختلف اختلافاً حاداً وجوهرياً من حضارة إلى أخرى، ومن هنا نشأت قضية الهوية اليهودية, ولكل هذا نجد أن سلوك اليهودي اليمني, تحكمه عناصر البناء التاريخي العربي, الذي يعيش فيه، تماماً كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي, غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس, التي تُشكِّل الجانب الأكبر, في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس .

ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية, لم يكونوا من صناع القرار, في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصاً في الغرب, فقد كانوا يقتربون أحياناً من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار, باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحياناً أخرى, ولكن القرار ظل دائماً في يد هذه النخبة, ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه "أسحق ماركس يوسط" (1793 ـ 1860)، بدأ بالعبارة التالية :" هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟ ", والواقع أن الردّ بالنفي, إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد, خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخاً مستقلاً, بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل, وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية, تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل, يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهاً خاطئاً، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى, التي قررت مصير الجماعات اليهودية مثل ظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية والنازية, تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي, وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثاً هامشية ذات أهمية ثانوية.

إذا افترضنا جدلاً وجود تاريخ يهودي مستقل، فما أحداث هذا التاريخ؟

وهل تأتي الثورة الصناعية مثلاً، ضمن أحداث هذا التاريخ، أم أنها حدث ينتمي إلى التاريخ الغربي؟

الثورة الصناعية, حدث ضخم في التاريخ الغربي, ترك أعمق الأثر في يهود العالم الغربي, وأحدث انقلاباً في طرق حياتهم, ورؤيتهم للكون في القرن التاسع عشر, لكننا نجد أيضاً أن هذا الانقلاب, لم يحدث لهم باعتبارهم يهوداً, وإنما باعتبارهم أقلية, تُوجَد داخل التشكيل الحضاري الغربي, ومن هنا فهذا الانقلاب في طرق الحياة والرؤية للعالم, قد حدث أيضاً لأعضاء الأغلبية ولأعضاء الأقليات الأخرى الموجودة داخل المجتمعات الغربية, وفي الوقت نفسه لم يتأثر يهود العالم العربي بالثورة الصناعية بالدرجة نفسها, وفي الوقت نفسه، ذلك لأن التشكيل الحضاري العربي, كان بمنأى عن هذه الثورة الصناعية في بداية الأمر, لكن هذا التشكيل بدأ بعد حوالي قرن من الزمان, وبالتالي فقد بدأ أثرها يمتد إلى معظم المجتمعات العربية, بأغلبيتها وآقلياتها, أما يهود إثيوبيا مثلاً، فلم يتأثروا إلا بشكل سطحي، ذلك لأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية, التي كانوا يعيشون في إطارها, ظلت بمنأى عن تلك التحولات الكبرى, التي ترتبت على أحداث الثورة الصناعية، بل بقيت هذه التشكيلة ذات طابع قَبَلي, حتى وقتنا الحاضر, وبعبارة أخرى فإن الآثار المترتبة للثورة الصناعية, على أعضاء الجماعات اليهودية, هي مسألة تتعلق بأثر الثورة الصناعية, في كل جماعة يهودية على حدة، وترتبط أشد الارتباط, بآثار هذه الثورة في المجتمعات, التي تعيش في كنفها هذه الجماعات اليهودية.

إعتبار التاريخ اليهودي مستقلا, لا يمكن أن يكون إطارا مرجعيا لأي باحث, ولو أن الباحث جعل هذا التاريخ اليهودي, مرجعيته لعجز حتماً عن تفسير كثير من عناصر التفاوت وعدم التجانس في هذا التاريخ، ولاضطر إلى ليّ عنق الحقائق, ليفسر سبب تأثر يهود لندن بالثورة الصناعية فور حدوثها, وعدم تأثر بعض يهود إثيوبيا بها حتى الآن, أو يضطر إلى تفسير أحداث هذا التاريخ اليهودي الوهمي, من خلال عناصر ثانوية أو وهمية، مثل رغبات اليهود, وتطلعاتهم وتماسكهم ومدى اضطهاد الآخرين لهم أو عطفهم عليهم, وإذا تأملنا الدراسات التي تفترض استقلالية التاريخ اليهودي, فإننا سنجد عبارات مثل: " وكان قورش الأميني متسامحاً مع اليهود فأعادهم إلى بلادهم " أو " وتمت عـدة هجمات ومـذابح ضد اليهود عـام 1882 في روسيا القيصرية " أو " وبدأ اليهود يفكرون في تقليد الشعوب الأخرى لتصبح لهم حركتهم القومية ووطنهم القومي في فلسطين "، وكل هذه العبارات تفترض أن الأحداث التي تقع لليهود, تُفسَّر بالعودة إلى تاريخهم المستقل الافتراضي، وإلى رغباتهم وأحلامهم التي يبررها هذا التاريخ الافتراضي, ويتم تجاهل البناء الإداري للإمبراطورية الفارسية, التي إعتمدت على الشعوب الموالية لها، أو أزمة الرأسمالية أو النظام القيصري في عام 1882، أو ظهور الإمبريالية الغربية, التي كانت تحل مشاكل أوربا عن طريق تصدير هذه المشاكل إلى الشرق، وبالتالي حاولت حل مسألتها اليهودية, عن طريق إرسال اليهود إلى الشرق, لكن عزل التجارب التاريخية للجماعات اليهودية, عن سياقها التاريخي الإنساني العام يحوِّلها، في الحقيقة، إلى أجزاء من واقع يهودي عام واحد, يمكن فرض أي معنى عليه, ولذا فإن وقائع اضطهاد اليهود (كاضطهاد يهود فلسطين على يد الفرنجة, أو اضطهاد يهود روسيا في أواخر القرن التاسع عشر بسبب التحديث المتعثر), بدلاً من أن تُدرَس من حيث هي وقائع, يمكن تفسير كلٍّ منها في سياقها التاريخي المختلف، تصبح تعبيراً عن غربة شعب نُفيَ من بلده، ويصبح الاستيطان في فلسطين وطرد الفلسطينيين من بلادهم, ليس جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي, وإنما النهاية السعيدة لتجوال شعب بلا أرض, شعب إفتراضي تجوَّل بسبب اضطهاد الجنس البشري له, في كل زمان ومكـان, وتصـبح الدولة الصهيونية الحل الحتمي والوحيد لهذه المأسـاة.

وإذا ما تركنا الجانب المعرفي، وانتقلنا إلى الجانب الأخلاقي والإنساني، فإننا سنكتشف أن نموذج التاريخ اليهودي المستقل, يفترض وجود جوهر يهودي كامن, يشكل ما يشبه النمط الفكري الجاهز, لكل الأشكال التاريخية التي عاش في إطارها أعضاء الجماعات, حيث يتجاوز هذا الجوهر كل التحولات, ويصبغها بصبغته, ويتحدى جميع القوانين التاريخية المعروفة, ويتخذ اسم "الماضي اليهودي" أو "الاستمرار اليهودي" أو "روح اليهودية" أو "الشعب اليهودي الأزلي" أو "المستقبل اليهودي"، وهذه جميعاً مطلقات تحل محل الإله, الذي يوجه التاريخ اليهودي, حسب الرؤىة الدينية, وبهذا فإن مفهوم التاريخ اليهودي, يجعل مسار هذا التاريخ, هو التحقق التدريجي لهذا الجوهر الكامن في النفس اليهودية (حلول الإله في الشعب), وللـروح اليهـودية الدينيـة القوميـة, ويتم تفسير كل شيء على هذا الأساس، وتصبح مهمة المؤرخ, هي البحث عن الجوهر اليهودي, والروح اليهودية, وكل ما يعبِّر عنهما، متجاهلاً كل التفاصيل الأخرى, كل هذا يجعل التاريخ اليهودي أمراً لا علاقة له بالواقع الإنساني, الدنيوي, تاريخ يشبه البناء المصمت, المنغلق على نفسه, ويعبِّر عن نمط, أو أنماط محددة متكررة, لا تتعدى حدود تَجلّي الجوهر اليهودي المطلق, وهذا النمط يأخذ الشكل التالي: " منفى ثم عودة", المنفى هو الحدث الذي يقع لليهود، والعودة هي الفعل الذي يأتون به، وهذا التاريخ يبدأ عادةً بالعبودية في مصر, ثم يتم التغلغل في كنعان, والاستيلاء عليها, وتأسيس المملكة العبرانية, ثم يتكرر النمط بالتهجير الآشوري والبابلي، تليه العودة من بابل, حسب مرسوم قورش (الذي يؤسس الهيكل)، ثم تأسيس الدولة الحشمونية, ثم يتكرر النمط مرة ثالثة بهدم الهيكل على يد تيتوس, وشتات اليهود وعجزهم, بسبب عدم المشاركة في السلطة وغياب السيادة, وتصل حالة المنفى إلى قمتها, في الإبادة النازية (الحدث الأكبر)، ثم تبدأ العودة من خلال تأسيس الحركة الصهيونية, ثم تأسيس الدولة الصهيونية (الفعل الأكبر), ويلي ذلك تجميع المنفيين من كل البلاد، وهذا النمط يفترض دائماً نهاية مشيحانية للتاريخ, تتوقف عندها الدورات ويختفي الجدل, ويظهر الفردوس الأرضي.

ومثل هذا التصور للتاريخ، بأنماطه الهندسية المتكررة الرتيبة ونهايته القاطعة، لا يتنافى فقط مع الروح العلمية، وإنما يتنافى مع الروح الإنسانية كذلك, فهو يُسقط عن اليهودي صفة الإنسانية, بإنكار تفاعله مع البيئة التي حوله، يتأثر بها ويؤثر فيها، شأنه في هذا شأن كل أعضاء الجماعات الأثنية والدينية الأخرى, فالقوات الآشورية والبابلية لم تكتسح الدولتين العبرانيتين وحسب، بل اكتسحت معظم الدويلات الآرامية وغيرها, كما أن أزمة النظام القيصري لم تتسبب في مذابح لليهود وحسب، بل كانت لها آثار سلبية عميقة, في قطاعات كثيرة من البورجوازية الروسية, وفي جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها, فنموذج التاريخ اليهودي يُسقط إنسانية اليهودي، ويخلع عليه هالة أسطورية لا تاريخية, إذ تضعه خارج التاريخ الإنساني الفعلي.

مصطلحات مثل: "التاريخ اليهودي" و"الماضي اليهودي" و"القَدَر اليهودي" و"المصير اليهودي"، وكذلك سائر المصطلحات, التي تفترض وحدة التاريخ اليهودي, بشكل مباشر مثل "الاستمرار اليهودي", والمصطلحات التي تفترض هذه الوحدة, بشكل غير مباشر مثل "العبقرية اليهودية" و"الجوهر اليهودي" كل هذا مصطلحات تفترض عدم تجانس اليهود مع المجتمعات التي يعيشون في كنفها, وعدم خضوعهم للآليات التاريخية, بعكس مصطلح ("الجماعات اليهودية")، الذي يفترض أن الجماعات اليهودية, خاضعة للآليات التاريخية, التي تخضع لها المجتمعات التي يعيش في كنفها اليهود, كما أن الدراسه الموضوعية للتاريخ تحتم الفصل التام بين التاريخ المقدَّس, الذي ورد في العهد القديم, والأحداث التاريخية, التي وقعت للجماعات اليهودية من بعدهم، والفصل بين تاريخ اليهودية وتواريخ الجماعات اليهودية، فمصطلحات مثل "مرحلة الهيكل الأول" أو "هدم الهيكل" أو "الكومنولث الأول" ما هي إلا حديث عن تطورات دينية، إذ أن كل هذه العبارات تشير إلى أحداث ذات دلالة دينية, بالنسبة إلى الجماعات اليهودية, ولكنها لا تصلح لتفسير المسار العام للتاريخ الدنيوي والإنساني في كليته, فرؤية إنتماء أعضاء الجماعات اليهودية, إلى بنى تاريخية متعددة بعيدة عن الرواية الدينية, تُمَكِن من فهم سلوك أعضاء الجماعات اليهودية فهما مركباً، أي باعتبارهم أشخاصاً حقيقيين, وبشراً يتفاعلون مع العناصر التاريخية المتشابكة المختلفة, التي تحدِّد سلوكهم.

ومن الحقائق التي تستوجب الذكر, أن عدد المؤرخين من اليهود كان دائماً صغيراً محدوداً, وحينما تفاعل أعضاء الجماعة اليهودية, مع الحضارة الأندلسية، فإنهم تعلموا الكثير منها, ولكنهم لم يتعلموا كتابة التاريخ, ولهذا ظل إسهام المبدعين منهم مقصوراً على الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية.

نموذج التاريخ اليهودي, هو النموذج الأساسي الكامن, في موقف الحضارة الغربية مدعوما برؤية الديانات الإبراهيمية تجاه "اليهود", أي (الجماعات اليهودية), فالنزعة الصهيونية في الحضارة الغربية، والتي تمنح اليهود مركزية وقداسة، نابعة من افتراض وجود تاريخ يهودي مستقل, يختلط في الأذهان بالتاريخ المقدَّس, كما أن معاداة اليهود هي الأخرى، تعبير عن أن اليهودي, شخص له سماته الفريدة والمحددة وطبيعته الخاصة, النابعة من انتمائه لتاريخ يهودي مستقل, ونقطة الانطلاق بالنسبة إلى كلٍّ من الصهيونية والنازية (في موقفهما من اليهود), هي افتراض وجود شعب يهودي, له شخصية مستقلة وتاريخ مستقل, وفي تصوُّر كلٍّ من "هرتزل" و"هتلر"، فإن المسألة اليهودية ناجمة عن وجود هذا الكيان اليهودي العضوي المستقل, داخل الحضارة الغربية يدمرها وتدمره, ولذا لابد من التخلص منه, إما عن طريق إرساله إلى فلسطين, أو عن طريق إلقائه في أفران الغاز، فموقف الحضارة الغربية من اليهودي ( يجب أن يخرج منها ) .













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /25-10-2011, 01:37 AM   #33

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الصهيونية المسيحية (1-2)

الصهيونية المسيحية (1-2)
خالد أبو شرخ

المسيحية هي ديانة إبراهيمية, دعا إليها السيد المسيح, وتعد أكثر الأديان انتشارا في العالم، حيث يفوق عدد معتنقيها ملياري نسمة, وجذور المسيحية هي الديانة اليهودية, التي تتشارك وإياها الإيمان بالتوراة.

والصهيونية اختصارا هي أيديولوجية, تؤيد قيام دولة يهودية في فلسطين, ونقل اليهود إليها, بوصفها أرض الميعاد لهم, وتوطينهم بعد إقتلاع الشعب الفلسطيني .

أما "الصهيونية المسيحية", فهي الدعم المسيحي للفكرة الصهيونية، وهي حركة مسيحية, تقول عن نفسها إنها تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين, وسيادة اليهود على الأرض المقدسة, ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم, مدافعين عن الشعب اليهودي خاصة دولة إسرائيل، ويتضمن هذا الدعم, معارضة وفضح كل من ينتقد أو يعادي الدولة الصهيونية.

ويمكن تعريف "المسيحية الصهيونية", بأنها "المسيحية التي تدعم الصهيونية"، وأصبح يطلق على من ينتمون إلى هذه الحركة, اسم "مسيحيين متصهينين".

وتتلخص فكرة هذه الحركة, في ضرورة المساعدة, لتحقيق نبوءة الله, من خلال تقديم الدعم لإسرائيل. وتتصل جذور هذه الحركة, بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية, ويسمى بتيار "الألفيه"، و"الألفية" هي معتقد ديني, نشأ في أوساط المسيحيين, من أصل يهودي، ويعود إلى استمرارهم في الاعتقاد, بأن المسيح سيعود إلى هذا العالم, محاطا بالقديسين, ليملك في الأرض ألف سنة, ولذلك سموا بالألفية. هناك تفسير اعتمد تاريخيا, في العقيدة المسيحية, ينص على أن الأمة اليهودية, انتهت بمجيء المسيح، وأن خروج اليهود من فلسطين, كان عقابا لهم على صلب السيد المسيح، ودأبت الكنيسة الكاثوليكية على تحميل اليهود, المسؤولية الكاملة عن مقتل المسيح, وكان بعض المسيحيين في أوروبا, يحتفلون بمقتل المسيح, عن طريق إحياء طقوس عملية الصلب، بل وكان سكان مدينة "تولوز" الفرنسية, يحرصون على إحضار يهودي, إلى الكنيسة أثناء الاحتفال, ليتم صفعه من قبل أحد النبلاء, بشكل علني إحياء لطقس الضرب, الذي تعرض له المسيح من قبل اليهود.كما أن هناك نصا في إنجيل "متى", يحمل اليهود مسؤولية مباشرة, عن مقتل المسيح, ويذكر بالتفصيل كيف غسل "بيلاطس" الحاكم الروماني للقدس, آنذاك يديه بالماء, معلنا براءته من دم المسيح, الذي كان الرومان على وشك صلبه, قبل أن يصيح فيه اليهود قائلين "ليكن دمه علينا وعلى أولادنا".

إلا أن حركة الإصلاح الديني في أوروبا, في القرن الـسادس عشر, تبنت مقولة أن "اليهود هم شعب الله المختار"، وأنهم الأمة المفضلة عند الرب، وأن هناك وعدا إلهيا, يربط اليهود بفلسطين، لذا ارتبط الإيمان المسيحي البروتستانتي, بعد حركة الإصلاح, بأن الإيمان بعودة المسيح الثانية, مشروطةً بعودة اليهود, إلى أرض فلسطين. بدأت حركة الإصلاح, بإعادة الإعتبار لليهود, مع دعوة القس "مارتن لوثر", كتابه "عيسى ولد يهوديا" سنة 1523م وقال فيه, إن اليهود هم أبناء الله, وإن المسيحيين هم الغرباء, الذين عليهم أن يرضوا, بأن يكونوا كالكلاب التي تأكل ,ما يسقط من فتات من مائدة الأسياد.

ويرى الكثير من الكتاب والمؤرخين, أن هذه الفترة تعد الولادة الحقيقية والفعلية, للمسيحية اليهودية. ووصلت محاولة استمالة "لوثر" لليهود, من أجل الدخول في مذهبه, حدا قال فيه يوما أمام عدد من اليهود, الذين كانوا يناقشونه :"إن البابوات والقسيسين وعلماء الدين ذوي القلوب الفظة, تعاملوا مع اليهود بطريقة, جعلت كل من يأمل أن يكون مسيحيا مخلصا, يتحول إلى يهودي متطرف, وأنا لو كنت يهوديا, ورأيت كل هؤلاء الحمقى, يقودون ويعلمون المسيحية, فسأختار على البديهة, أن أكون خنزيرا بدلا من أن أكون مسيحيا".

"مارتن لوثر"عمل على تهويد المسيحية, عندما أصر على اعتماد التوراة العبرانية, بنفس مرتبة " العهد الجيديد", وقد قام عدد من رجال الدين البروتستانت, مثل القس الإنجليزي "جون نلسون داربي", بإعادة قراءة العقائد المسيحية المتعلقة باليهود، ومنحهم مكانة متميزة, حتى أصبحت الكنيسة البروتستانتية, هي حاملة لواء الصهيونية المسيحية أينما حلت. تتباين المراجع التاريخية في تقييم ما قام به "مارتن لوثر"، فهناك من ينظر إليه على أنه ثائر إصلاحي, خلص الكنيسة الكاثوليكية, من الكثير من الأساطير اللاهوتية التي أفسدتها، وهناك من يرى أنه أفسد العقيدة المسيحية, بمنحه اليهود مكانة رفيعة, جعلتهم يستعملون المذهب البروتستانتي, لتحقيق أهدافهم الخاصة، غير أن الكثير من المصادر تتجاهل حقيقة عودة مارتن لوثر, عن الكثير من مواقفه وآرائه, خاصة تلك المتعلقة منها باليهود. فقد كتب "مارتن لوثر" في آخر أيامه, كتاب "اليهود وأكاذيبهم", أعرب فيه عن خيبة أمله من اليهود, وأقر بالفشل في استقطابهم لعقيدته الجديدة, كما أقر في شبه استسلام تلقفته الصهيونية قبل غيرها, بأن دخول اليهود في الدين المسيحي, لن يتم إلا عبر عودتهم لأرض فلسطين, وعودة المسيح الذي سيسجدون له, ويعلنون دخولهم في الدين المسيحي, حتى يعم السلام العالم. على الرغم من تباين المراجع التاريخية, في تقييم ما قام به "مارتن لوثر", إلا أتها تجمع على أن رغبته الجامحة, في إعادة الاعتبار لليهود و"تمسيحهم", كانت تعود لإيمانه العميق, بضرورة وجودهم في هذا العالم, تمهيدا لعودة المسيح.

وقد حصل انشقاق داخل الكنيسة البروتستانتية نفسها, بسبب الموقف من اليهود, فبينما أعرب بعض البروتستانت الإنجليز, عن اعتقادهم بأن اليهود سيعتنقون المسيحية, قبل أن تقوم دولتهم في فلسطين، ذهب بعض البروتستانت الأميركيين, إلى أن اليهود لن يدخلوا في المسيحية, حتى لو قامت إسرائيل, وأن عودة المسيح هي الشرط النهائي لخلاصهم, وتوبتهم ودخولهم في الدين الذي جاء فيهم أصلا. وقد تزعم القس "نلسون داربي" هذا الفريق, وينظر إليه على أنه الأب الروحي للمسيحية الصهيونية, قبل أن يعمل العشرات من القساوسة, على نشر نظريته تلك. ونشر "وليم بلاكستون" الذي كان من أشد المتحمسين الأميركيين, لأطروحة "داربي" كتاب "المسيح آت" سنة 1887م, وترجم الكتاب إلى عشرات اللغات, وركز فيه على حق اليهود التوراتي في فلسطين, و"بلاكستون" كان وراء جمع 413 توقيعا, من شخصيات مرموقة مسيحية ويهودية, طالبت بمنح فلسطين لليهود, وتم تسليم عريضة التوقيعات للرئيس الأميركي آنذاك "بنيامين هاريسون".

أما القس "سايروس سكوفيلد", فيعتبر من أشد المسيحيين الصهيونيين تشددا, وقام بوضع إنجيل سماه "إنجيل سكوفيلد المرجعي", نشره سنة 1917م, وينظر إليه اليوم على أنه الحجر الأساس, في فكر المسيحية الأصولية المعاصرة. ومن أشهر السياسيين, الذين أسهموا في نمو حركة المسيحية الصهيونية, عضو البرلمان البريطاني اللورد "شافتسبري"، وكان "شافتسبري" مسيحيا محافظا, وعلى علاقة جيدة بصانعي السياسة البريطانيين, في منتصف القرن الـ19, وفي العام 1839م, ذكر "شافتسبري" أنه "يجب أن نشجع عودة اليهود إلى فلسطين بأعداد كبيرة، حتى يستطيعوا مرة أخرى القيام بالرعي في سامراء والجليل"، وكان ذلك قبل 57م عاما, من ظهور الحركة الصهيونية العالمية، وكان اللورد "شافتسبري", هو أول من وصف اليهود وفلسطين قائلا "شعب بلا وطن.. لوطن بلا شعب".

يعد "تيودور هرتزل" مؤسس الصهيونية الحديثة, هو أول من استخدم مصطلح "الصهيونية المسيحية"، وعرف المسيحي المتصهين بأنه "المسيحي الذي يدعم الصهيونية"، بعد ذلك تطور المصطلح, ليأخذ بعدا دينيا، وأصبح المسيحي المتصهين, هو "الإنسان الذي يساعد الله لتحقيق نبوءته من خلال دعم الوجود العضوي لإسرائيل، بدلا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح". "تيودور هرتزل" نفسه, آمن وطرح فكرة الدولة اليهودية, ولم تكن دوافعه دينية بالأساس، فهو قومي علماني، وأعلن استعداده لقبول استيطان اليهود في أوغندا أو العراق أو كندا أو حتى الأرجنتين، أما المسيحيون المتصهينون فقد آمنوا بأن فلسطين هي وطن اليهود، واعتبروا ذلك شرطا لعودة المسيح، لذا انتقدوا الموقف المتساهل, من قبل "تيودور هرتزل".

وتأثرت المسيحية الصهيونية, بثلاثة توجهات, يجمع بينها خلفية التفسير الديني المعتمد, على النصوص التوراتية، ورغم تباين هذه التوجهات وتناقضها بعضها مع بعض أحيانا، فإن التفسير الحرفي للتوراة, والإيمان بضرورة مساعدة إسرائيل, جمع بينهم. والتوجهات الثلاث هي:

• توجه يهتم بقضية نهاية العالم ومؤشراته, والتمسك بالتراث المسيحي اليهودي المشترك .
• توجه يهتم بقضية التقرب من اليهود والتمسك بالاخلاق اليهودية المسيحية من أجل المسيح.
• توجه يهتم بالدفاع عن إسرائيل والإلتزام الأدبي والأخلاقي وعلى مباركتها ودعمها بكل ما هو ممكن ومتاح. يستند توجه نهاية العالم, في التراث المسيحي والبروتستانتي, إلى عقائد إسطورية مثل " العقائد الالفية ", و " العقائد الإسترجاعية ", وأساطير " هرمجدون " و " المسيح الدجال " و "يأجوج ومأجوج" وغيرها من الأساطير.

والعقيدة الألفية, تعود جذورها إلى اليهودية، ولكنها أصبحت فكرة مركزية, في المسيحية البروتستانتية, إذ يؤمن كثير من المسيحيين البروتستانت, بأنه حينما يعود "المسيح المخلِّص" أو "الماشيَّح", حسب الرؤية اليهودية, الذي يُشار إليه فيها بـ "الملك الألفي", سيحكم العالم باعتباره "الملك المقدَّس", هو والقديسون لمدة ألف عام, يشار إليها أحياناً باسم "أيام الماشيَّح" أو "أيام المسيح"، وهي فترة سيسود فيها السلام والعدل, في عالم التاريخ والطبيعة وفي مجتمع الإنسان والحيوان. وعقيدة الملك المقدَّس هذه, لم يأت لها أي ذكر في العهد القديم, ويبدو أنها مجرد صدى في الوجدان العبراني, لمؤسـسة الملكية المقدَّسـة العبرانية, وما حدث هو أن مؤسسة الملكية المقدَّسة, اختفت مع انهيار الدويلات العبرانية, ولم تتم استعادتها, حتى بعد عودة اليهود بأمر قورش الفارسي, فأسقط الوجدان العبراني فكرة الملك المقدَّس, على المستقبل, أصبحت جزءاً من الأفكار الأخروية.

وتظهر العقيدة الألفية, في العهد الجديد, في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي, والذي يدور حول عودة المسيح الثانية, وحُكْمه العالم لمدة ألف عام, والنص مثل كل كتب الرؤى، مركب مضطرب, تتزاحم فيه صور الحشر الأخروية, والنص يتحدث عن تقييد الشيطان, ثم حكم المسيح للعالم, مع قديسيه لفترة تمتد لمدة ألف عام, بعد ذلك يُطلَق الشيطان من سجنه لهجمة أخيرة،عند هذه اللحظة يظهر المسيح الدجال, فتدور المعركة الفاصلة النهائية " هرمجدون", ويُلاحَظ أن المسيح الذي يعود هذه المرة, ليس هو مسيح الأناجيل المعروف لدينا, الذي يشيح بوجهه عن مملكة الأرض, والذي يعرف أنه سيُصلَب فداءً للبشر، وإنما هو مسيح عسكري, يجيئ راكباً حصاناً أبيض, وعيناه كلهيب نار, ومتسربل بثوب مغموس بدم, ومن فمه يخرج سيف ماض, لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصاً من حديد (رؤيا يوحنا 19/11 ـ 16), فهو إذن مسيح جدير بالرؤية المعرفية الإمبريالية، يشبه جيوش أوربا التي داست الأرض, ولوثت البيئة وثقبت الأوزون, وهو مسيح سيقتحم التاريخ عنوة, ويدخل المعركة النهائية، معركة "هرمجدون"، ضد ملوك الأرض, الذين يساعدهم الشيطان، فيُلحق بهم جميعاً الهزيمة النكراء, ثم يبدأ المسيح حكمه الثاني والنهائي، ويبعث كل البشر، المحسن منهم والسيِّئ, وذلك لمحاسبتهم ومجازاتهم, وينتهي الزمان, ويبدأ حكم مدينة الإله, وتختفي مدينة الأرض, وتختلط بكل هذا أقوال عن "يأجوج ومأجوج" وعلامات الساعة والنهاية، كما أن هناك العديد من الروايات الأخرى, التي لا تقل اختلاطاً عما لخصناه.

وأهـم النقـط التي يدور حـولها الخـلاف, بين الروايات المختلفة هو: متى تكون النهـاية النهـائية، هل تكــون بعد عودة المسيح أم قبلها؟ وما علامات هذه العودة الثانية، أهي مزيد من الشر والتدهور أم الخير والتقدم؟ ويُقسَّم الألفيون، أي المؤمنون بالعقيدة الألفية، إلى قسمين حسب رؤيتهم لزمن ظهور المملكة الألفية:

• أنصار ما قبل الألف: وهؤلاء يؤمنون بأن الملك الألفي, أي المسيح سيأتي فجأة, ويبدأ مملكة الألف عام التي سيسود فيها العدل والسلام، وهذه الرؤية هي الأكثر شيوعاً, وعلامة النهاية عند هؤلاء تكون عادةً انهيار الحضارة وتدهورها, وعندما ترد كلمة "ألفية" دون إضافات أو تحفظات, فهي تشير عادةً إلى العقيدة ما قبل الألفية.

• أنصار ما بعد الألف: وهؤلاء يرون أن الملك الألفي, سيأتي بعد الألف عام, التي سيسود فيها السلام والمحبة, وتعم فيها النعمة, بسبب أن المسيحيين سيتخذون موقفاً أخلاقياً ويطيعون إلههم, وستكون العودة الثانية للمسيح, هي ذروة هذه المرحلة، فهو سيأتي ليبعث الموتى ويحاسبهم على أفعالهم، وهذا هو يوم القيامة أو الحساب الأخير, وعلامة النهاية هنا, هي شيوع السلام والمحبة والرخاء في الأرض.

والخلافات هنا عميقة، فما قبل الألفيين يرون أن التغير فجائي, ناجم عن تَدخُّل أو تجسُّد إلهي في التاريخ, دون محاولة من جانب البشر، فهم عنصر سلبي في الدراما الكونية، وسيصاحب تَدخُّل الخالق مذابح وحروب, أما ما بعد الألفيين، فيرون أن التغيُّر تدريجي، وأنه ناجم عن أن المسيحيين, سيقومون بتغيير أنفسهم وتحسين دنياهم, والذروة التي يصل إليها التاريخ تدريجياً, هي إذن تعبير عن فعل إنساني أخلاقي, وليس مجرد تجسُّد فجائي للإله, في التاريخ, فالإنسان ليـس عنصراً سـلبياً, في الدراما الكونية، بل هو فاعل لا يخضع للحتميات. ويذهب الألفيون, إلى أن ما ورد, في العهدين القديم والجديد, نبوءات حرفية عن المستقبل, على عكس الرؤية المسيحية التقليدية, التي تذهب إلى أن آيات الكتاب المقدَّس, إما آيات عن أحداث وقعت في الماضي, أو نبوءات وردت ثم تحققت, فيرى الألفيـون، على سـبيل المثال، أن العبارات التي وردت عن خراب أورشليم (القدس), تشير إلى حروب عام 1967م أو عام 1948م, أما الرؤية المسيحية التقليدية، فتذهب إلى أنها تحققت بالفعل, عام 70م ميلادية على يد "تيتوس". والعقيدة الألفية، في كل مفاهيمها، تدور حول تجسُّد الإله في التاريخ, بشكل فعلي فجائي، وحول تَدخُّله فيه, حتى يمكن مشاهدته في آثاره الفعلية، وفي كل الشواهد المادية, التي يمكن إدراكها بالحواس الخمس الآن, وهنا في مملكة الأرض، وقد استفاد الألفيون من التأملات "القبَّالية اليهودية" الخاصة بحساب نهاية الأيام, وموعد وصول الماشيَّح, وبهذا المعنى، تكون العقيدة الألفية تعبيراً عن تهويد المسيحية.

وقد أدركت الكنيسة الكاثوليكية منذ البداية, خطورة العقائد الألفية على العقيدة المسيحية, وقد وصفت الكنيسة العقيدة الألفية, بأنها "عقيـدة على طـريقة اليهـود", أي تشبه الفكـر المشـيحاني اليهودي, وقد حاول القديس "أوغسـطين" محـاصرة ذلك المفهوم الألفي المعادي للتاريخ، وقد بيَّن أن الكنيسة الكاثوليكية هي مملكة المسيح، وأنها التجسيد التام للعصر الألفي، وأنها حالة روحية وصلت إليها الكنيـسة في عيـد العنصرة، أي بعد موت وبعث المسيح, وهذا لا يعني انتهاء الفوضى في الطبيعة والتاريخ، بل إن الفوضى ستستمر إلى نهاية الزمان, حتى يعود المسيح ثانيةً، وهي العودة التي سوف تتم, في وقت لا يمكن التنبؤ به، أي يتم خارج التاريخ (في يوم القيامة), وقد واكب تلك الرؤية, تقديم التفسير المجازي للعهد القديم, بحيث تصبح كل القصص والأحداث فيه, رموزاً لحالات روحية وأخلاقية. وقد بُعثت الفكرة من جديد مع الإصلاح الديني, الذي تزامن أيضاً مع هيمنة "القبَّالاه" على اليهود, وانتشارها في الأوساط الدينية الغربية, ورغم أن "لوثر" و"كالفن", تمسكا بتعاليم أوغسطين حول هذه الفكرة، فإنها أخذت تتسـرب إلى الجمـاهير, وتسـتقطب أعداداً كبيرة منهم، ثم صارت فكرة محورية, في عقول كثير من غلاة البروتستانت، وهو أمر منطقي يتسق مع بنية الفكر البروتستانتي, وتُعَدُّ "العقيدة الاسترجاعية" من أهم تجليات العقيدة الألفية.

"العقيدة الاسترجاعية" وهي الفكرة الدينية, التي تذهب إلى أنه كي يتحقق العصر الألفي، وكي تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها المسيح (الملك الألفي)، لابد أن يتم استرجاع اليهود إلى فلسطين, تمهيداً لمجيء المسيح, ومن هنا، فإن "العقيدة الاسترجاعية", هي مركز وعصب العقيدة الألفية, ويرى الاسترجاعيون, أن عودة اليهود إلى فلسطين هي بشرى الألف عام السعيدة، وأن الفردوس الأرضي الألفي, لن يتحقق إلا بهذه العودة, كما يرون أن اليهود هم شعب الله المختار القديم, أو الأول باعتبار أن المسيحيين هم شعب الله المختار الجديد أو الثاني, ولذا، فإن أرض فلسطين هي أرضهم, التي وعدهم الإله بها، ووعود الرب لا تسـقط, حتى وإن خرج الشـعب القـديم, عن الطريق القويم, ورفض المسيح وصلبه, ولذا، فإن كل من يقف في وجه هذه العودة, يُعتبَر من أعداء الإله, ويقف ضد الخلاص المسيحي، فأعداء اليهود هم أعداء الإله .

ويُلاحَظ هنا أن الفكر, يجعل اختيار اليهود كشعب مختار, ليس منوطاً بفعلهم الخير وتحاشيهم الشر، فهي مسألة عضوية حتمية, تتجاوز الخير والشر, كما أن جَعْل الخلاص, مسألة مرتبطة باليهود، ومَنْح اليهود مركزية, في رؤيا الخلاص، هو جوهر "القبَّالاه", التي تجعل خلاص الإله من خلاص اليهود، إذ يستعيد ذاته المبعثرة من خلالهم. ومن الواضح أن العقيدة الاسترجاعية، شأنها شأن العقيدة الألفية، تفترض استمراراً كاملاً, ووحدة عضوية بين اليهود في الماضي والحاضر والمستقبل، ومن ثم فهي تنكر التاريخ تماماً, والاسترجاعيون عادةً حرفيون في تفسير العهد القديم.

ولكن هذا التقديس لليهود, يُضمر كرهاً عميقاً لهم, ورفضاً شاملاً لهم ولوجودهم، ذلك أن بنية العقيدة الاسترجاعية هي نفسها بنية فكرة الشعب العضوي المنبوذ، شعب مختار متماسك عضوي, يرفض الاندماج في شعب عضوي آخر، ولذا لابد من نبذه, ويمكن أن نلخص هذا الكره وذلك الرفض في العناصر التالية:

• يذهب الاسترجاعيون إلى أن اليهود, أنكروا المسيح وصلبوه، وأن عملية استرجاعهم, إن هي إلا جزء من عملية تصحيح لهذا الخلل التاريخي, وجزء من عملية تطهيرهم من آثامهم, فاليهود ليسوا مركز الخلاص بل هم مركز الخلل وسببه.

• تذهب العقائد الألفية والاسترجاعية, إلى أن عملية الخلاص النهائي, ستصاحبها معارك ومذابح تصل ذروتها, في معركة واحدة أخيرة (هرمجدون)، وهي معارك سيروح ضحيتها ثلثا يهود العالم, وستخرب أورشليم (القدس), بل إنه كلما ازداد العنف, ازدادت لحظة النهاية اقتراباً، فكأن التعجيل بالنهاية, لا يتم هنا من خلال فعل أخلاقي, يقوم به المسيحيون, وإنما من خلال تقديم قربان مادي جسدي للإله (هولوكوست), بل إن أبعاد هذه المذبحة, ستكون أوسع مدىً من المحرقة النازية، فكأن العقيدة الاسترجاعية هي عكس العقيدة المسيحية, ففي العقيدة المسيحية، يأتي المسيح ويُنزَف دمه ويُصلَب ويُهزَم، فهو قربان يُقدِّمه الإله فداءً للبشر بأسرهم، قربان لا حاجة بعده إلى قرابين, أما العقيدة الاسترجاعية فتذهب إلى أن المسيح قائد عسكري, يدخل المعارك ويثخن في الأعداء ثم ينتصر, واليهود هم الذين سينزفون، وهم قربان الرب الذي لا حاجة بعده إلى قرابين، ولذلك فإن ذَبْحهم (أو صَلْبهم) يشير إلى النهاية الألفية السعيدة, كما أن اليهود، حسب الرؤية المسيحية التقلـيدية، كانوا دعـاة القـومية، على حين أن المسيح هو داعية العالمية, أما هنا، فإن العكس هو الصحيح، فاليهود هم مركز خلاص العالم, والمسيح هو القائد القومي, الذي سيؤسس مملكته في صهيون.

• انتهت حياة المسيح الأولى, بإنكار اليهود له وصلبه، أما حياته الثانية, فستنتهي بإعلان انتصاره, وبالتدخل في آخر لحظة, لإنقاذ البقية الباقية من اليهود, وإعادتهم إلى أرضهم، فيخر اليهود أمام المسيح, ويعترفون بألوهيته, ويقابلونه باعتباره الماشيَّح المنتظَر, ويتحولون إلى دعاة تبشير بالمسيحية, ينشرون الإنجيل في العالم، أي أن المسيح سينجح في إقناع اليهود, بما فشل في إقناعهم به أول مرة.

• العقيدة الاسترجاعية, عقيدة تُوظف اليهود تماماً، وتُحوِّلهم إلى وسيلة أو أداة نافعة وأساسية لخلاص المسيحيين, ولكنها لا قيمة لها في حد ذاتها، فهم يستمدون قيمتهم من مقدار أدائهم لوظيفتهم, ومقدار تعجيلهم, بعملية الخلاص المسيحية. فبنية الصيغة الاسترجاعية "شعب عضوي منبوذ يمكن توظيفه", هي نفسها الصيغة الصهيونية الأساسية، وعلى هذا فإن الفكر الصهيوني, في شكله الديني والعلماني فكر استرجاعي.

أما فيما يخص أسطورة "هرمجدون", وهي كلمة مكونة من كلمتين "هار" بمعنى "تل" و"مجدو", اسم مدينة في فلسطين, والتي تقع بالقرب منها عدة جبال ذات أهمية إستراتيجية، وهو ما جعل المدينة حلبة لكثير من المعارك العسكرية في العالم القديم, و"هرمجدون" هي الموضع, الذي ستجري فيه المعركة الفاصلة والنهائية, بين ملوك الأرض, تحت قيادة الشيطان (قوى الشر), ضد القوى التابعة للإله (قوى الخير) في نهاية التاريخ، وسيشترك فيها المسيح الدجال, حيث سيُكتَب النصر في النهاية, لقوى الخير وستعود الكنيسة لتحكم, وتسود مع المسيح, على الأرض لمدة ألف سنة، وبعدها ستأتي السماوات الجديدة والأرض الجديدة والخلود, وقد ورد ذكر "هرمجدون" مرة واحدة في العهد الجديد (رؤيا يوحنا اللاهـوتي "فجَمَعـهم إلى الموضع الذي يُدعَى بالعـبرانية هرمجدون"), ويرتبط كل هذا بعودة اليهود إلى أرض الميعــاد مرة أخرى، فهذا شرط الخلاص (وإن كان يرتبط أيضاً بهلاك أعداد كبيرة منهم تبلغ ثلثي يهود العالم), و"هرمجدون" هي الصورة المجازية الأساسية, في العقائد الألفية الاسترجاعية البروتستانتية, وهي تتواتر في الخطاب الغربي السياسي الديني (خصوصاً في الأوساط البروتستانتية المتطرفة واليهودية الصهيونية), لوصف المعارك بين العرب والصهيونية، أو لوصف أي صراع ينشب في الشرق الأوسط، أو حتى في أية بقعة في العالم، كما يتم إدراك الصرع العربي الإسرائيلي, من خلال هذه الصورة المجازية "هرمجدون", وكثيراً ما يشير بعض رؤساء الولايات المتحدة, إلى هذه الصورة المجازية في تصريحاتهم الرسمية, ولا يمكن الحديث هنا, عن أي تأثير يهودي أو نفوذ للوبي الصهيوني، فمثل هذه المصطلحات المشيحانية متأصلة في الخطاب الديني البروتستانتي, منذ عصر النهضة الغربية، حيث نرى كل التعبيرات والأحداث المجازية, في العهدين القديم والجديد, كنبوءات تاريخية لابد أن تتحقق بحذافيرها. ومن المعروف أن الأساطير والعقائد الألفية والاسترجاعية, غير معروفة لدى المسيحيين الشرقيين، كما أنها ليست موضع حوار أو مناظرة بينهم.

تترجم حركة المسيحية الصهيونية, أفكارها إلى سياسات داعمة لإسرائيل، وتطلب ذلك خلق منظمات ومؤسسات, تعمل بجد نحو تحقيق هذا الهدف, لذا قامت حركة المسيحية الصهيونية, بإنشاء العديد من المؤسسات, مثل " السفارة المسيحية الدولية" و" التحالف المسيحي الأمريكي" و" أصدقاء إسرائيل المسيحيون" و " مؤتمر المعمدانيين الجنوبيين" و "اللجنة المسيحية الإسرائيلية للعلاقات العامة" ومؤسسة "الائتلاف الوحدوي الوطني من أجل إسرائيل"، ومن أهداف هذه المؤسسات دعم إسرائيل لدى المؤسسات الأميركية المختلفة، السياسي منها وغير السياسي.

الصهيونية المسيحية (2 - 2)

آمن البروتستانت, بكل ما ورد من أساطير في التوراة, وأصبحوا ينظرون إلى اليهود, كشعب الله المختار, وآمنوا بفلسطين كأرض الميعاد, وبعودة اليهود إليها, وإقامة دولة لهم, كشرط أساسي للقدوم الثاني للسيد المسيح. ووصلت الحركة البروتستانتية, ذروتها في بريطانيا, في القرن السابع عشر, في عهد الثورة البيوريتانية, عندما إستلم "كروميل" السلطة, وأعلن بريطانيا جمهورية, وأخذت الأفكار والمباديء الدينية البروتستانتية, المتعلقة باليهود, تتحول من عقيدة دينية, إلى عقيدة سياسية, تقوم على مباديء وجود الشعب اليهودي المختار, وعودته إلى فلسطين, وأخذت تظهر في أوساط البروتستانت, داخل وخارج بريطانيا حركة منظمة, تدعو إلى العمل على إعادة اليهود إلى فلسطين. هذا التعاطف مع اليهود لدى البروتستانت, غير من صورة اليهودي, في ذهن كل من إعتنق هذه الأفكار البروتستانتية من المسيحيين الكاثوليك بشتى طوائفهم, فلم تعد صورة اليهودي كمرابي في الأدب الغربي, بل أصبحت شخصية الرجل الطيب . وليس من المستغرب أن يكون الساسة والعسكريون البريطانيون, الذين كان لهم دورا بارزا في خدمة الصهيونية, وتحقيق الحلم بعودة اليهود إلى فلسطين, هم من البروتستانت, الذين ترعرعوا على هذه المعتقدات, وبخاصة اللورد "بلفور", الذي تربى في أحضان الكنيسة الأسكتلندية, و"لويد جورج" رئيس وزراء بريطانيا, و"بالمرستون" و"هربرت صموئيل", والكابتين "تشارلز وينغيت", الذي أسس الوحدات الليلية, ولعب دورا بارزا في إنشاء الجيش الإسرائيلي .

أما في الولايات المتحدة الأمريكية, فقد كان الكثير من المهاجرين الأوائل, الذين إستوطنوا القارة الأمريكية, هم من البروتستانت البيرويتانيين, الذين حملوا معهم المعتقدات والتقاليد التوراتية, وأعطوا أبناءهم أسماء عبرية, وأطلقوا على مستوطناتهم أسماء عبرية أيضا, مثل حبرون وأرض كنعان. وإدعى هؤلاء المستوطنون, أن الله إختار العنصر "الأنجلوساكسوني" الأبيض لقيادة العالم, وشبهوا الشعب الأمريكي بالشعب اليهودي, الذي يسعى إلى دخول الأرض الموعودة, وسعوا إلى إيجاد رابطه بينهم وبين اليهود, الذين يدعون إنهم شعب الله المختار, وزعم احد كتابهم وهو " ريشارد بروتز " في كتابه " المعرفة المنزلة للنبوءات والأزمنة " أن الأنجليز الساكسون هم من أصل يهودي, وينحدرون من سلالات الأسباط, الذين إدعى اليهود أنهم تفرقوا, بعد الإجتياح الأشوري لمملكة إسرائيل عام 721 ق. م.

ومن هذه المنطلقات الأسطورية الدينية, إقترح الرئيس الأمريكي "جيفرسون", واضع وثيقة الإستقلال الأمريكية رمزا للولايات المتحدة, على شكل خروج أبناء إسرائيل, تقودهم في النهار غيمة, وفي الليل عمود من النار .

أما الرئيس "روزفلت" فقد إتخذ من نجمة داوود, شعارا رسميا للبريد والخوذات, التي يلبسها جنود الفرقة السادسة,وعلى اختام البحرية الأمريكية, وميدالية رئيس الجمهورية. الرئيس "ترومان" الذي تربى في أحضان الكنيسة المعمدانية, وصف نفسه بأنه "قورش", الذي أعاد اليهود إلى فلسطين .

"جون فوستر دالاس" وزير الخارجية في عهد الرئيس "أيزنهاور", صرح عام 1958م, أمام جمعية "بني بريت" اليهودية :" إن مدنية الغرب قامت في أساسها على العقيدة اليهودية في الطبيعة الروحانية للإنسانية " .

أما الرئيس "جونسنون" فقد صرح أمام نفس الجمعية عام 1968م :"إن إيماني المسيحي ينبع منكم (أي اليهود) وقصص التوراة منقوشه في ذاكرتي تماما مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر والإضطهاد " .

يشكل المسيحيون في الولايات المتحدة الأمريكية, تسعة أعشار المجتمع, ويشكل الكاثوليك ربع هؤلاء السكان المسيحيين, بينما تتقاسم الكنائس الإنجيلية التقليدية والأسقفية والمعمدانية والمنهجية وغيرها ربعي السكان المسيحيين, وأما الربع الرابع فيخضع للكنائس الأنجيلية العامه . و على العكس من معظم المجتمعات الغربية العلمانية، ظل الدين يمثل قيمة أساسية في حياة الأميركيين, وملمحا مميزا للمجتمع, على مدار التاريخ الأميركي، وعلى الرغم من علمانية الدولة, التي تم إقرارها منذ البدايات الأولى لجيل المؤسسين, وحرصهم على فصل الدولة الناشئة عن الكنيسة، ظل المجتمع الأميركي, واحدا من أكثر المجتمعات العلمانية محافظة وتدينا.

تشير نتائج استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة, إلى أن معظم الأميركيين يعتبرون أنفسهم مؤمنين,ومتدينين، ففي استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "غالوب" في منتصف التسعينيات أعرب 96% من عينة الدراسة, عن إيمانهم بالله، كما أن 71% قالوا إنهم منتمون إلى كنيسة أو معبد يهودي، كما أكد 45% من العينة أنهم يمارسون العبادات والطقوس بصورة منتظمة, ما يزيد عن 56% من الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم بروتستانت، بينما 27 % يعتبرون انفسهم كاثوليكا و2% يهود. وتؤيد إحصاءات مؤسسة "بيو" نتائج استطلاعات الرأي لـ"غالوب", كما يؤمن معظم الأميركيين, بالوقائع والمعجزات الدينية والتاريخية المذكورة في الكتاب المقدس، مثل قصة الخلق وطوفان نوح وشق موسى البحر بعصاه ومعجزات السيد المسيح وغيرها بصورة حرفية, ويضاف إلى ذلك الإيمان بعودة المسيح, ومعارك آخر الزمان, خاصة عند الطائفة الإنجيلية, كما يعتقد معظم الأميركيين في الغيبيات والجنة والنار والأرواح الشريرة وغيرها.

وداخل المؤسسات الدينية, تعتبر الطائفة الإنجيلية, التي تتخذ من الجنوب الأميركي, قاعدة لها من أكثر فئات المجتمع, تمسكا باتخاذ مواقف محافظة, مقارنة ببقية أعضاء المذهب البروتستانتي, وبقية المذاهب المسيحية في الولايات المتحدة بصورة عامة. كثيرا من الأميركيين, لا يوافقون على أن الحكومة, يجب أن تظل خارج هيمنة الدين، فالكثيرون يصنفون الولايات المتحدة, على أنها دولة مسيحية ويستشهدون بعبارة "أمة واحدة بأمر الرب", الموجودة في قسم الولاء للدولة وعبارة "نثق في الرب" المنقوشة على العملة الأميركية.

ويشير استطلاع للرأي أجرته "أسوشيتدبرس" أن 40% من الأميركيين, يعتقدون أن القادة الدينيين يجب أن يكون لهم رأي في السياسة العامة. وأشار استطلاع آخر, لشبكة التلفزة المحافظة "فوكس نيوز" إلى أن 77% من الأميركيين, يشعرون بأن المحاكم تمادت كثيرا في إبعاد الدين عن الحياة العامة، كما أوضح نفس الاستطلاع أن 66% يؤيدون تدريس الوصايا العشر, في المدارس العامة، وصوت 76% لصالح عرضها في المباني الحكومية, وطالبت بعض الجماعات الدينية بعودة الشعائر الدينية إلى المدارس، رغم حظر المحكمة العليا لهذا الأمر, منذ أكثر من 40 عاما مضت.

من أكثر الأمثلة وضوحا على دور وتأثير الدين, في الحياة العامة والسياسة الأميركية, عملية التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية، فغالبا ما يصوت المحافظون والمتدينون لصالح الحزب الجمهوري، ما يجعل قادة ومرشحي الحزب, ينحازون في برامجهم الانتخابية, إلى الأفكار الدينية الأصولية, والتأكيد على أن التراث التاريخي والثقافي الأميركي, القائم على ما يطلق عليه التراث اليهودي المسيحي, والربط بين المصير المشترك لليهود والمسيحيين, والتحالف الإستراتيجي بينهما. واقتناع كثير من الأميركيين بهذه الفرضية خاصة المتدينين، لأصبح واضحا لماذا يتخذ المواطن الأميركي العادي مواقف مؤيدة لإسرائيل.

ولا ينسب بداية التحالف بين الصهيونية المسيحية والأصولية البروتستانتية والحركة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية ليوم محدد، فهذا التحالف ناتج عن تطورات متصلة, منذ زمن بعيد، من الجدير بالذكر, أن أول جهد أميركي للدعوة لإنشاء دولة يهودية, لا ينسب إلى المنظمات اليهودية, بل للمبشر المسيحي الأصولي "وليام بلاكستون". وقد شن "بلاكستون" عام 1891م حملة سياسية, للضغط على الرئيس "بنيامين هاريسون", من أجل دعم إنشاء دولة يهودية في فلسطين ورغم أنها لم تسفر عن شيء، تعتبر حملة "بلاكستون" الظهور الأول للصهيونية المسيحية في السياسية الأميركية.

ورغم أن الصهيونية المسيحية, لم تختف تماما في العهود التالية، فإن عودتها الحقيقية إلى الساحة السياسية, كانت عام 1948م, عند الإعلان عن تأسيس إسرائيل، وزادت قوة بعد الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة الغربية, وقطاع غزة, وشرقي القدس, ومرتفعات الجولان السورية, وصحراء سيناء المصرية, عام 1967م، حيث أن المجتمع البروتستانتي الأصولي, نظر لهذا الحدث كتحقق لـ"النبوءة التوراتية", بانبثاق دولة يهودية في فلسطين. وفي هذا الإطار, كتبت دورية "المسيحية اليوم" :" للمرة الأولى منذ أكثر من 2000 سنة, القدس الآن في أيدي اليهود, ما يعطي دارسي الكتاب المقدس إيمانا متجددا في دقته وصحة مضمونه".

في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي, تحولت ظاهرة تصهين اليمين الأميركي، وتحالفه مع الصهيونية اليهودية, إلى عنصر دائم في الواقع السياسي, وقبل التطرق لهذا التحالف يجب ذكر النقاط التالية:

• لا يقتصر التحالف المسيحي الصهيوني على المسرح الأميركي، فعلاقة الحكومة الإسرائيلية بالمنظمات المسيحية الصهيونية, تمثل بعدا هاما للحلف, ويقال إن دور المنظمات المسيحية المتصهينة ,في جلب الدعم الأميركي لإسرائيل, يرتفع عادة في أوقات حكم حزب الليكود.

• تحالف الصهيونية المسيحية, مع الصهيونية اليهودية, بالولايات المتحدة ليس تحالفا شاملا، فبعض عناصر اللوبي الصهيوني اليهودي, غير مرحبين بمشاركة الجانب المسيحي الصهيوني, في دعم إسرائيل, فبعكس الاعتقاد السائد، التيار المسيحي الصهيوني, يمثل قوة سياسية مستقل عن اللوبي الإسرائيلي, من حيث الفكر الأيديولوجي والهوية ودوافع تقديم العون لإسرائيل.

• ازدادت صلابة هذا التحالف قوة, في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي, عندما بدأت شخصيات بارزة, من تيار اليمين المسيحي, تقر علنا بأن دعم إسرائيل فرض ديني لكل مسيحي، فقد قال "جيري فالويل" مؤسس حركة "لأغلبية الأخلاقية ", وأحد أبرز الإنجيليين اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية, ورئيس قساوسة كنيسة "طريق توماس المعمدانية" في "لينش بورغ" بولاية فيرجينيا، و مؤسس بعثات فالويل المسيحية, ومستشار ومؤسس جامعة الحرية الدينية بفيرجينيا أيضا :" إن الوقوف ضد إسرائيل, هو كالوقوف ضد الرب، نحن نؤمن بأن الكتاب المقدس والتاريخ, يثبتان أن الرب يجازي كل أمة بناء على كيفية تعاملها مع إسرائيل".

وقد قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "مناحم بيغن", جائزة "جابوتنسكي" لـ"فالويل" عام 1981م, تقديرا على دعمه لإسرائيل. كما شهد عام 1980م, تأسيس منظمة "السفارة المسيحية العالمية" في القدس, بهدف تقوية الدعم المسيحي العالمي لإسرائيل, وكانت القدس شهدت عام 1976م, تأسيس منظمة "جسور للسلام", والتي تصف مهمتها في تحقيق السلام, على النحو التالي :"نعطي من خلال برامجنا فرصة للمسيحيين، سواء داخل أو خارج إسرائيل، للتعبير عن مسؤوليتهم الكتابية أمام الرب, كأولياء لإسرائيل وللمجتمع اليهودي".

وكانت هناك عدة عوامل ساعدت, على صلابة التحالف بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية:

• ظهور اليمين المسيحي, ما أدى إلى انتشار الفكر الصهيوني المسيحي, داخل اليمين الأميركي.

• نجاح جهود اللوبي الصهيوني اليهودي بالولايات المتحدة, في تقوية دعم واشنطن لإسرائيل, بعد حرب 1967م.

• نجاح حزب الليكود في الفوز بأغلبية الكنيست عام 1977م, ومن المعروف أن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بيغن", للتوسع في بناء المستوطنات, حظيت بتشجيع المسيحيين الصهيونيين الأميركيين، وربما كان استخدامه المتكرر, للاسم التوراتي للضفة الغربية "يهوذا وسامرة", في تصريحاته ساعد على إحياء فكرة عودة المسيح, وصلتها بقيام الدولة اليهودية عند اليمين المسيحي.

وكشف هذا التحالف عن نواياه في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، عندما أعلن الرئيس الأميركي آنذاك "جيمي كارتر", ترحيبه بفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فقامت المنظمات اليهودية والمسيحية الصهيونية, بإدانة تلك الفكرة, من خلال نشر إعلان في الصحف الأميركية. أما الرئيس الجمهوري "رونالد ريغان", فكان من المؤمنين بالصلة, بين إنشاء الدولة الإسرائيلية وعودة المسيح .

وتشير دراسة لأستاذ العلوم الدينية بجامعة "نورث بارك" في شيكاغو "دونالد واغنر" إلى أن منظمات اللوبي الصهيونية اليهودي, مثل "إيباك" والمؤسسات المسيحية الصهيونية, اشتركوا في تنظيم ندوات في البيت الأبيض لحث إدارة "ريغان" على مساندة الموقف الإسرائيلي, وتحدث تلك الندوات قيادات التيار المسيحي الصهيوني, مثل "جيري فالويل" و"باتر"و"برتسون" و"تيم لاهاي" و"إدوارد ماكتير"، ومستشار الأمن القومي الأسبق "روبرت ماكفرلين"، و"أوليفر نورث" عضو مجلس الأمن القومي في عهد ريغان.

وفي واقعة تبرز قوة التيار المسيحي الصهيوني، أنه بعد تدمير إسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام 1981م, لم يقم رئيس الوزراء الإسرائيلي "بيغن", بالاتصال بالرئيس الأميركي، بل بأكبر زعماء اليمين المسيحي "جيري فالويل", طالبا منه أن يشرح للمجتمع المسيحي الأميركي" أسباب الضربة الإسرائيلية للعراق. "فالويل" نجح في إقناع الرئيس السابق, للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ, "جيسي هيلمز" ليصبح مؤيدا للضربة الإسرائيلية, بعدما كان من أكبر منتقديها.

وهبطت قوة التحالف المتصهين, في عهد الرئيس الديمقراطي "بيل كلينتون", ولم تظهر له قوة كبيرة على السطح لعدة أسباب منها:

• خلاف كلينتون مع منظمة "أيباك", قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك "إسحق رابين", أن يتعامل مباشرة مع الإدارة الأميركية, دون عون منظمات اللوبي ما دفع الحلف الصهيوني إلى الهوامش.

• لم يرض معظم أعضاء اليمين المسيحي, عن نتائج مباحثات أوسلو, ودعم البيت الأبيض لها.

• سيطرة حزب العمل على الكنيست, أضعفت علاقة إسرائيل باليمين المسيحي المتصهين, حيث إن الأخير عادة يفضل التعامل مع حزب الليكود.

ساعد فوز الليكود بانتخابات 1996م, على إعادة إحياء هذا التحالف، خاصة مع صعود "بنيامين نتنياهو" إلى رئاسة الحكومة, وكان "نتنياهو" قد أقام علاقات وطيدة مع المنظمات المسيحية الصهيونية, خلال خدمته مندوب إسرائيل الدائم بالأمم المتحدة في نيويورك. وقد شجع "نتنياهو" حلفاءه في اليمين المسيحي, على شن الحملات الإعلامية ضد مسيرة السلام, في هذا السياق قام "نتنياهو" بدعوة القيادات المسيحية الأصولية الأميركية, لعقد مؤتمر في إسرائيل, لإعلان دعم موقفها المعادي لعملية السلام, وعند عودتهم للولايات المتحدة, شنت تلك المنظمات حملة إعلامية, ركزت على انتقاد مقترح تقسيم القدس. كما رددت تلك المنظمات, ادعاءات إسرائيلية عن سوء معاملة السلطة الفلسطينية للمسيحيين.

عاد دور التحالف المسيحي اليهودي, ليبرز مجددا ويقوى في عهد الرئيس الجمهوري "جورج بوش" الابن، وينسب ذلك لعدة أسباب:

• تحكم الليكود في الحكومة الإسرائيلية, ما قوى من دور المسيحيين الصهيونيين بالولايات المتحدة.
• نجاح الحزب الجمهوري في انتخابات 2000م, ما قوى من نفوذ اليمين المسيحي, ومنه التيار المسيحي المتصهين.
• وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر, عزز الفكر المسيحي المتصهين، وساعد على تقوية التحالف بين المنظمات اليهودية والمسيحية, في الولايات المتحدة كنوع من التصدي لخطر "الإسلام الأصولي".

وفي عهد الرئيس "بوش", برز دور ملحوظ للتحالف الصهيوني, في تحديد مسار السياسة الأميركية, خاصة عام 2002م، ومن أمثلة ذلك الحملة الإعلامية الشرسة, التي شنها التحالف الصهيوني ضد دعوات "بوش" إسرائيل للانسحاب من الأرضي الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، وأدت تلك الحملة إلى تراجع "بوش" عن موقفه, والتوقف عن مطالبة إسرائيل بالانسحاب.

تعد مظلة المحافظين الجدد السياسية, المتمثلة في الحزب الجمهوري, البيئة الأفضل, لاستقطاب أعداد كبيرة من المسيحيين المتصهينين، لأن الحزب هو المفضل لدى المتدينين عموما, حيث يتبنى الحزب, فكرا أحاديا في السياسة الخارجية, ويفضل الحلول العسكرية, على الحلول الدبلوماسية أو السياسية, ويدعم الناخبون المؤيدون للمسيحيين المتصهينين, هذا الحزب في الانتخابات داخل الولايات المتحدة, ومن أسباب هذا الدعم, الإيمان بالوظيفة التي تؤديها إسرائيل أو اليهود, كما جاء في التوراة, تمهيدا لعودة المسيح عليه السلام, ويتركز هذا الدعم , في الجنوب الأميركي, خاصة فيما يعرف بولايات حزام الإنجيل، مثل "تكساس" و"جورجيا", وأصول الدعم ترجع إلى الكثير من القساوسة المتشددين في الولايات المتحدة, يركزون على الدراسات الخاصة بـ"نهاية العالم" و"عودة المسيح" ودور اليهود, في معركة نهاية العالم أو "هرمجدون", ثم تحولهم إلى المسيحية, أو فنائهم بالكامل. وكثير من العامة، خاصة من أوساط المجموعة الكبرى من المتدينين العاديين, الذين اكتشفوا دينهم مؤخرا, ويطلق عليهم "ولدوا للمسيحية من جديد"، يعتقدون أنه يتعين عليهم الدخول, في خندق واحد مع مناصرين آخرين لإسرائيل, وعلى رأسهم بالطبع تيار المحافظين الجدد، لأن هذا التيار, هو الذي يساعد إسرائيل, على الإسراع في عودة المسيح, والاقتراب من نهاية العالم.

ويقدر تعداد أتباع المسيحية الصهيونية, في الولايات المتحدة وفق دراسة البروفيسور القس "دونالد واغنر", بنحو 40 مليون نسمة, يشكلون حوالي 30% من مجمل عدد أتباع الصهيونية المسيحية في العالم, والذي يقدر بنحو 130 مليون نسمة. التحالف بين المحافظين والصهيونيين المسيحيين, استطاع بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م, توسيع ما يسمى الحرب على الإرهاب, ليشمل حرب إسرائيل على الفلسطينيين. ويشير القس "واغنر" إلى أن المسيحيين الصهيونيين, يرون "الدولة الحديثة في إسرائيل باعتبارها تحقيقا لنبوءة توراتية، وأنها بهذا تستحق دعما سياسيا وماليا ودينيا".

ويعتقد القس "واغنر" في دراسته عن الصهيونية المسيحية, أن دعمها للمحافظين الجدد ولإسرائيل, هو دعم تحركه المشاعر المعادية للإسلام والتعصب الديني, أكثر من المشاعر الدينية المسيحية, ويستشهد بتصريحات المحافظ الأميركي "بات بيوكانان", حينما قال في تعليق له أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان وفلسطين: "إن المرء ليتساءل إن كان هؤلاء المسيحيون, يهتمون فعلا بما يحدث لإخواننا المسيحيين في لبنان وغزة، والذين يعيشون دون كهرباء بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية، وهو شكل محرّم من أشكال العقاب الجماعي, الذي تركهم دون صرف صحي، يأكلون طعاما متعفنا، ويشربون مياها ملوثة، ويعيشون أياما في الظلام, ودون كهرباء في هذا الحر الرهيب في شهر يوليو 2006م".

وفي الحروب الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر, قدم تحالف المحافظين الجدد و الأصولية البروتستانتية والصهيونية المسيحية, الكثير من التبريرات والمسوغات والفتاوي الدينية لحشد التأييد للحرب, وغلفت الأدارة الأمريكية خطابها الحربي بأغلفة دينية عدة فقد تعمد الرئيس "بوش" ومساعديه, استخدام, العبارات ذات المعنى المزدوج, التي تظهر على أنها عادية بالنسبة للمستمع العادي، لكنها تحمل في طياتها تلميحات, لا يستطيع فكها سوى الشخص, الذي يفهم معناها الحقيقي, ويدرك المرجعية الدينية التي تستند إليها. فعندما يقول الرئيس "بوش" مثلا إن "منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة تاريخية ومفصلية, يتوجب على شعوبها الاختيار بين الديمقراطية والحرية وبين الاستبداد والتطرف" يتلقى الشخص العادي هذه العبارة, بمعناها السطحي والمظهري, على أنها تنم عن حسن نية والتزام الرئيس "بوش" بالمبادئ الأميركية, المتمثلة في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان. لكن بالنسبة للشخص المتدين، وأعني هنا بالتحديد الملايين, من أتباع الكنائس الإنجيلية, الذين يشكلون القاعدة الانتخابية للرئيس "بوش" ولليمين المحافظ، تبرز التزام الرئيس "بوش" بتطبيق حكم الله في الأرض, وتحقيق الرؤية, التي نص عليها الإنجيل والعهد القديم, ووردت في سفر الرؤية, أي تخليص منطقة الشرق الأوسط, من قوى الشر, الذي هو شرط أساسي لعودة المسيح, وتحضير المنطقة لخوض المعركة الأخيرة, التي سينتصر فيها الخير على الشيطان, وبالتالي إقامة دولة الله على الأرض.

ومنذ الوهلة الأولى, لدى وقوع هجمات 11 سبتمبر, أضفى "بوش", على ما يجري صفة النزاع الكوني والأبدي، الذي ينص عليه الإنجيل والتوراة، بين المؤمنين والدجالين أتباع الشيطان, وقال عقب ساعات قليلة من وقوع الهجمات, إن تلك الهجمات تمثل "انطلاقة الحرب الكونية ضد الشر"، وأضاف أن الولايات المتحدة, مدعوة لكي تتحمل "مهمتها التاريخية" وأن "الرد على هذه الهجمات, هو تخليص العالم من الشر", وشدد على أن النصر مؤكد في هذه الحرب, لأن الله يقف إلى جانب قوى الخير, التي تمثلها الولايات المتحدة, وردد حينها خلال خطاب بثته وسائل الإعلام, المزمور التوراتي رقم 23 الذي يقول :"تقدم إلى الأمام ودافع عن الحرية وعن كل ما هو خير وعادل في عالمنا". وخلال جميع التصريحات التي سبقت الحرب, في أفغانستان واستمرت حتى بعدها, وصولا إلى الحرب في العراق، واصل الرئيس "بوش" استخدام التعبيرات الدينية, والاستشهاد بفقرات من الإنجيل, في محاولة لتوضيح نظرته الخاصة, لما يجري في العالم.

وأظهر استطلاع للرأي العام الأميركي, أجراه معهد "بيو" لاستطلاعات الرأي في مارس 2003م، قبل أيام قليلة من الحرب في العراق, أن نسبة 77% من الإنجيليين البيض, يؤيدون استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية, للإطاحة بنظام حكم صدام حسين. ويجب الإشارة هنا, إلى أن مجموع الإنجيليين, بلغ أكثر من 60 مليون شخص, خلال عام 2000م, وهو في تصاعد مستمر، وهو ما يظهر مدى تأثير الكنائس الإنجيلية والقساوسة, في بلورة رأي هذه الشريحة الاجتماعية, التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسة للرئيس "بوش" والمحافظين الجدد، وذلك من خلال الترويج للفكرة, التي تعتبر أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس "بوش" "القائد المتدين والتقي الورع" تعمل على تطبيق مشيئة الله في الأرض. ظهر "تيم لاهاي" أحد أبرز الإنجيليين المقربين من الرئيس بوش, و يعتبر الزعيم الإنجيلي, الأكثر تأثيرا في الولايات المتحدة, على مدى السنوات الـ25 الأخيرة, من القرن العشرين, مرات عدة على شاشات التلفزيون والبرامج الحوارية الإذاعية, للتصريح بأن الحرب سواء في أفغانستان أو العراق, ضرورية بالنسبة للمؤمنين, وذهب إلى حد القول, خلال العديد من المناسبات إن "العراق يشكل نقطة محورية خلال أحداث نهاية العالم", حيث إن العراق سيلعب دورا أساسيا, في معركة "هرمجدون" التي ستقع في "مجدو" في فلسطين.

وقال في سلسلة مقالات وتصريحات صحفية, بوصفه أكبر خبير ديني, في شؤون الحشر ويوم القيامة, إنه "بعد غزو العراق, وتخليصه من حكم الطاغية, وإعتاق شعبه وإعادة إعماره, سيصبح العراق الدولة العربية الوحيدة, التي لن تدخل في حرب ضد إسرائيل, وضد جيش الله خلال الحرب الأخيرة". بناء على رؤية, أن العراق يمثل جزءا محوريا من الصراع الهادف, إلى تحضير منطقة الشرق الأوسط للحرب الأخيرة، حاول بعض القساوسة الإنجيليين, ومن أبرزهم "بات روبرتسون", وهو مؤسس ورئيس شبكة التلفزيون المسيحية "CBN" ومؤسس بعض المراكز والجامعات الخاصة بتدريس المسيحية، الربط بين صدام حسين و"نبوخذ نصر"، الملك الكلداني الذي حكم بابل خلال القرن الخامس قبل الميلاد, وقام بغزو القدس, وأحرق هيكل سليمان, وأخرج اليهود من أرضهم, وقام بتهجيرهم خلال ما يعرف بالسبي البابلي.

وحاول "روبرتسون" مرات عدة, خلال برنامجه الشهير "نادي السبعمائة", تهويل الخطر الذي يشكله "صدام حسين" على إسرائيل, وقال إنه يمثل قوى الشر المعادية للمسيح, التي تحاول تقويض قيام الدولة الموعودة "دولة الله في الأرض", التي ستقام لمدة 1000 سنة, بعد عودة المسيح, وذلك بطبيعة الحال, وفقا لمعتقدات المسيحيين الذين يؤمنون بالألفية. وقبيل الحرب في العراق خصص "روبرتسون", حيزا واسعا من برنامجه "نادي السبعمائة", وخطبه لتوضيح أهمية موقع العراق, والشرق الأوسط عبر التاريخ, وعبر توافد العديد من الإمبراطوريات عليها, وكان يُظهر خرائط للعراق, مشددا على الإشارة إليه باسمه القديم, ومثلما ورد في الإنجيل وهو بلاد الرافدين.

يعتبر "جيري فالويل" أبرز القساوسة المقربين من الرئيس بوش, قال مرة تلو الأخرى, عقب هجمات 11 سبتمبر, إنه يتعين على الرئيس بوش والقوات الأميركية, تعقب "أسامة بن لادن", زعيم تنظيم القاعدة, وجميع من وصفهم بالإرهابيين, في جميع أنحاء العالم, مهما استغرق ذلك من وقت, وقتلهم باسم ("الله"). وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة الرئيس بوش, تدق طبول الحرب, التي ستشنها على العراق, كان "فالويل" يشدد خلال عظات يوم الأحد, على ضرورة تأييد قرار الحرب, لأنها حرب مقدسة، وقال "إننا عندما نشن الحرب في العراق سنقوم بذلك لإعادة المسيح إلى الأرض لكي تقوم الحرب الأخيرة التي ستخلص العالم من جميع الكافرين". كان يقول "فالويل" دائما, إن الإنجيل ينص على أن الله يوجب على المؤمنين, معاقبة الكافرين مستشهدا بالإنجيل, وقد أصدر مقالا مثيرا للجدل, أطلق عليه عنون "إن الله مؤيد للحرب", يبرر فيه سبب وضرورة غزو العراق, والإطاحة بنظام حكم "صدام حسين"، وقال إن المسيحيين كانوا يجادلون بشأن قضية شن الحرب, ضد قوى الشر منذ عقود طويلة, وأضاف أن "الإنجيل لم يلتزم الصمت بشأن هذه القضية"، وأضاف أنه في الوقت, الذي نص فيه الإنجيل مرات عدة, على ضرورة أن يجنح المرء للسلم, نص أيضا على الحرب, وقال "إنه في الوقت الذي يعتبر فيه رافضو الحرب أن السيد المسيح مثال للسلام غير المتناهي، يتجاهلون الرواية بكاملها التي وردت في الرؤية التاسعة عشرة ويظهر فيها المسيح في يده سيف حاد يصعق الأمم ويحكمهم". وأضاف إن الإنجيل ينص على أن هناك وقتا للسلم ووقتا للحرب.

القس "ريتشارد لاند", هو رئيس لجنة الأخلاق, والحرية الدينية, في مجمع الكنسية المعمدانية الجنوبية, التي يبلغ عدد أتباعها أكثر من 16 مليون شخص, ولديها أكثر من 42 ألف كنيسة عبر الولايات المتحدة, ويعتبر أيضا من أبرز الزعماء الإنجيليين, المقربين من الرئيس "بوش" والمدافعين الشرسين عن سياساته خلال ظهوره, بشكل مستمر على البرامج التلفزيونية, وبالإضافة إلى تسخير جميع تلك البرامج, لحشد التأييد لسياسات الرئيس "بوش" المحافظة، ما يتعلق منها بقضية الإجهاض, وزواج المثليين, والأبحاث العلمية الخاصة بالخلايا الجذعية، كانت برامج برامجه الحوارية, بوقا للتسويق لقرار الرئيس "بوش", شن الحرب في أفغانستان والعراق, وحشد التأييد الشعبي لها, ومنحها التبريرات الدينية.

خلال العام 2002م, وجه "لاند" رسالة نيابة عن خمسة قساوسة إنجيليين, تناقلتها وسائل الإعلام الأميركية, بشكل واسع, يعتبر فيها أن شن الحرب الاستباقية ضد العراق, حربا مشروعة, لأنها تتوفر على جميع شروط "الحرب العادلة", المنصوص عليها في الدين المسيحي, وقال في الرسالة "إننا نؤمن بأن سياساتك المعلنة والمتعلقة بصدام حسين هي سياسات حذرة وتندرج في الإطار الزمني النزيهة الذي تنص عليه نظرية الحرب العادلة".

قال "تشارلز ستانلي", القس بالكنسية المعمودية الأولى بأتلانتا, وزعيم سابق لمجمع الكنسية المعمدانية الجنوبية, خلال إحدى عظات الأحد, التي يشاهدها ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزة :"يتعين علينا أن نقدم المساعدة في شن هذه الحرب بأي شكل من الأشكال", وأضاف :"إن الله يقاتل ضد الذين يعارضونه ويقاتلون ضده وضد أتباعه". ليكون بذلك القس "ستانلي", قد أضفى الشرعية الدينية الكاملة على الحرب ومباركة الله لها، وبالتالي فإن تأييد الحرب التي يقودها "بوش", هو واجب ديني, ومعارضتها هي معصية لمشيئة الله.

وهذه المسألة, لم تقتصر على رجال الدين الإنجيليين وحسب, بل رددها العديد من السياسيين, سواء بشكل مباشر وواضح, أم بشكلي ضمني, ففي أكثر من مرة, قال النائب "توم ديلي", عندما كان يتولى منصب زعيم الأغلبية الجمهورية, في مجلس النواب, إنه يتعين دعم الحرب ضد العراق, لأنها "البشير الذي يسبق عودة المسيح إلى الأرض ويفسح المجال لحدوثها".

الجنرال "بويكن", قائد العمليات السرية في الجيش الأميركي, ذكر في العديد من التصريحات, أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة, ضد ما تصفه بالإرهاب, هي صراع بين القيم المسيحية اليهودية والشيطان. وكان الجنرال "بويكن", يتولى مهمة القضاء على "أسامة بن لادن" و"صدام حسين", وعُين فيما بعد نائبا لوزير الدفاع, لشؤون الاستخبارات قال في يونيو 2003م, في كلمة بإحدى الكنائس بـ"أوريغان" : "المتطرفين الإسلاميين يكرهوننا لأننا أمة مسيحية، ولأن أساسنا وجذورنا تنبعث من القيم اليهودية المسيحية". وتابع يقول إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الإرهاب "هي حرب ضد عدو اسمه الشيطان". وقال : " إن الرئيس بوش تولى منصب الرئاسة في البيت الأبيض لأن الله اختاره لتولي ذلك المنصب", وقال في كلمة بإحدى الكنائس عام 2002م, وهو يرتدي الزي العسكري الأميركي :"إننا جيش الله، في بيت الله، وقد أقيمت مملكة الله لمثل هذه الأوقات التي نعيشها".

في النهاية تجدر الإشارة, أن الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية, والعديد من رجال الدين المسيحيين, يرفضون المسوغات الدينية للحروب الأمريكية, ويشددوا على أنها حروب غير شرعية, كما يرفضون إضفاء طابع الدين أو الشرعية الإنجيلية, على هذه الحروب بمن فيهم البابا "يوحنا بولس الثاني" وخلفه البابا "بينديكيت الـ16" وعشرات القساوسة الكاثوليك والأرثذوكس .

ملحق

مواقع بعض المؤسسات الصهيونية المسيحية على الشبكة العنكبوتية
• السفارة المسيحية الدولية
http://www.charismamag.com
• التحالف المسيحي الأمريكي
http://www.cc.org
http://www.patrobertson.com
http://www.cc.org/archives/war_on_terror/index.html
• أصدقاء إسرائيل المسيحيون
http://www.cfijerusalem.org
• منظمة جسور السلام
www.bridgesforpeace.com













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-11-2011, 05:09 AM   #34

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي من تاريخ الحركة النسوية اليهودية

من تاريخ الحركة النسوية اليهودية
جعفر هادي حسن

الحاخامون والمرأة اليهودية

كانت الحركة النسوية اليهودية قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين ، وهي الفترة التي ظهرت فيها الحركة النسوية الأمريكية الحديثة ، التي سميت فيما بعد بحركة تحرير المرأة. ولكن ظهور الحركة اليهودية كان أساسا لتحقيق ذات المرأة وشخصيتها في الديانة اليهودية خاصة ، حيث رأت أنها أقصت المرأة وهمشتها ، ونظرت لها نظرة دونية تمثلت في موقف الحاخامين منها ومعاملتهم لها. إذ لم يسمح لها هؤلاء في أن تلعب دورها ، وتبرز قدراتها وبقيت لفترة طويلة مغلوب على أمرها. فالحاخامون كانوا هم المسيطرون على زمام الأمور في القرون الماضية ، ليس على الحياة الدينية حسب ولكن على الحياة اليهودية العامة أيضا. حيث أصبحت آراؤهم هي السائدة بين اليهود ، وأحكامهم هي النافذة والمؤثرة في حياتهم وكان لذلك تأثير كبير على المجتمع اليهودي نفسه ، فأصبح مجتمعا ذكوريا يسيطر عليه الرجال. فلم يكن يسمح للمرأة أن تكون شاهدة، أو حاخامة، أو منشدة في كنيس أو تعطى لها مسؤليات فيه، ولم يكن يسمح لها حتى المشاركة في الصلاة ، بل لم يسمح لها أن تعلم الدين أو تتعلمه. وهي كذلك لا يسمح لها أن تُطلَق إلا بموافقة زوجها وموافقته على إعطائها كتاب الطلاق بيدها كما نصت التوراة.* وقد وردت نصوص عديدة في كتب التراث الديني اليهودي تؤكد على هذا الوضع .

وتتمثل نظرة الحاخامين الدونية إلى المرأة في عدة قضايا تأخذها الحركة النسوية عليهم وتنتقدهم بها. ومن ذلك ما جاء عنهم في وصفهم لها بأوصاف غير لائقة. كوصفهم لها في انها متعجرفة ، وناشرة للإشاعة وأحاديث الأفك ومنهمكة في القيل والقال ، ومسترقة للسمع وصرَاخة وحسودة ، ومتسكعة من أجل المتعة. وقالوا عنها إنها مخلوق تافه ولعوب ، ورغبتها الجنسية لا حدود لها ، وأنها إذا لم تعط عملاً تشغل نفسها به ، وتراقب من بعيد فإنها تفلت من العقال ، وتخرج عن السيطرة. وهم اعتبروا رغبتها الجنسية في منتهى الخطورة يجب مراقيتها والحذر منها والسيطرة عليها. ومما جاء عنها في كتاب «فرقي أبوت» "إن أي شخص يتكلم كثيراً مع النساء فإنه يجلب الشرّ على نفسه ويخالف التوراة ويدخل جهنم" .(1) ومن أقوالهم في المرأة كذلك قولهم إن المشي خلف الأسد أكثر سلاماً من المشي خلف المرأة.

وجاء في في الفصل الثالث، في الفقرة 8 من كتاب "كتصور شلحان عاروخ" (وهو رسالة عملية للأحكام الشرعية عند اليهود): "لا يجوز للرجل أن يمشي بين امرأتين أو كلبين أو خنزيرين ، وكذلك لا يجوز للرجال أن يسمحوا للمرأة أن تمشي بينهم ولا للكلب أوالخنزير. (2)

ونجد في كتاب "الحكمة" ليشوع بن سيراخ: إن خبث الرجل أفضل من عطف المرأة ، إذ المرأة تجلب الخزي والفضيحة.(3) وجاء في كتاب سفر حسيديم (من القرون الوسطى) "قول إيشاه عرفاه": (إن كلام المرأة عورة.)(4)

ومن الصفات الشنيعة التي وصف بها الحاخامون المرأة اليهودية ما جاء في التلمود (في رسالة السبت 152b): إن المرأة عبارة عن كيس وساخة. وتتمثل أيضاً هذه النظرة فيما يقوله اليهودي كل صباح "الحمد لله الذي لم يخلقني امرأة" (شي لوعساني ايشاه).(5)

ومما تنتقد به الحركة النسوية الحاخامين هو حرمانهم لها من التعليم والتعلم ، إذ كان التأكيد طيلة القرون الماضية على تعليم الأولاد الذكور، وجاء في رسالة قدوشيم (أ و ب) في التلمود "إن الواجبات نحو الدين مفروضة على الأب وليس على الأم فالنساء مستثنيات".وهم اعتمدوا في هذا على ما جاء في سفر التثنية 6/4: اسمع يا إسرائيل تعلمها لأبنائك"

وهنا فسر الحاخامون هذا النص بأن التعليم يقتصر على الأبناء دون البنات ، إذ ليس هناك أمر بتعليم البنات ، وأنه ليس على النساء أن يعلمن أنفسهن أو يعلمن الآخرين.(6) وزاد الحاخام والفيلسوف موسى بن ميمون على ذلك قوله "إن الحاخامين أمروا الأب أن لا يعلم البنات التوراة ، لأن أكثر النساء لم يقصدن أبداً أن يتعلمن أي شيء ، وبسبب ضعف فهمهن فإنهن سيحولن كلام التوراة إلى أشياء لا معنى لها". أما رأيه هو فهو"إن كل شخص يعلم ابنته التوراة فإنه مثل الذي يعلمها الأمور التافهة". (7)

وتعلق راحيل بيالا على هذا الموضوع وتقول إن الرجال هم ضمن حلقة التعلم والتعليم ، وإن النساء دائماً خارج هذه الدائرة ... والنساء لا يجب أن يعلمن ن وليس هناك ضرورة لتعليم أنفسهن، فهن خارج هذه الحلقة ولذلك تبقى الصلة فقط بين الآباء والأبناء على مرّ العصور(8).وهذه الأقوال عادة تتعلق بالكتب الدينية ولكنها أخذت تشمل الموضوعات العامة ، ولذلك كانت نسبة الأمية بين اليهوديات عالية جدا في الأزمنة الماضية. ويصف لورنس هوفمان (وهو باحث أمريكي يهودي) اليهودية بأنها مثل مكتبة نصفها خال لأن مصادر اليهودية وهي التوراة والمشناة والتلمود وكتب الصلوات ، إنما كتبها رجال ولذلك فهي تعطي نظرة ذكورية إلى العالم، فصوت النساء غير موجود إذ هو غائب . (9)

والرجل في اليهودية هو الذي يقيم العهد مع الرب من خلال ختانه، وهو الذي يدرس ، وهو الذي له الحق في مراجعة النصوص وقراءتها ، وهو الذي يؤدي الشعائر عندما يبلغ سن الرشد وهو الذي يتزوج الزوجة ويطلقها، وعلى عاتقه يقع أداء الواجبات من نواه وأوامر .(10) وتقول ماري دالي: إن النساء (اليهوديات) كن زائدات على المجتمع البشري "ونحن كن أجنبيات ليس فقط على قلاع السياسة بل كذلك على قلاع الفكر، وفي عالم ذكوري – أناني فإن نظام الرموز ، وجهاز الأفكار قد خلقها الذكر، وهذه كلها لم تعكس تجربة المرأة "بل إنها حرفت صورتنا وتجربتنا". وتنتقد الحركة ماتسميه نظرة الحاخامين إلى المرأة كموضوع للجنس. وتقول ماريكا بلمب "إذا نظرنا إلى الشعائر نظرة فاحصة نجد أن النساء غير مرئيات ، وليس لهن ذكر في عيون الحاخامين ، وهن يظهرن فقط عندما تتعلق المسألة بالجنس ، فهم قد اهتموا بالشعائر عندما يكون لها أساس جنسي أو يكون لها نتائج جنسية للرجال.

وتقول أيضا : نظر المجتمع الذكوري الحاخامي إلى النساء على أنهن مخلوقات للجنس ، كما أن تشريعات الحاخامين تهتم بنشاطهن عندما يتعلق الأمر بقضايا جنسية .(11)

وتقول سوزانا هشل: تدخل النساء نقاش الحاخامين عندما يتعلق الأمر بحياة الرجل ، فهن يُذكرن عندما يتعلق الأمر بطلاقه وزواجه مثلاً ، كما أن الرجال هم الفاعلون دائماً في القضايا الشرعية ، والمرأة تكون الموضوع في هذه القضايا وليس الفاعل الذي يفتي (في الأمور) أو يفسر النصوص أو ينظم القوانين .(12)

ولم تكن المرأة اليهودية لتجرأ في السابق على رفع صوتها احتجاجا على هذه المعاملة ، إذ كان الحاخامون هم المسؤولون عن الحياة العامة التي يعيشها اليهود ، بل وعن سلوكهم كما ذكرنا ، وإذا ماكان هناك مااعتبروه مخالفة للشريعة وخروجا على حكمهم كان سلاح "الحرم " (الطرد من اليهودية) هو السلاح القوي والمؤثر الذي كانوا يستعملونه ضد مَن يعتبرونه خارجاً عن اليهودية. ولكن بعد العصر الذي سمي بعصر تحرير اليهود في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وإعطائهم حقوقاً ، والتي جعلتهم على قدم المساواة مع أبناء البلد الذي هم فيه ، أخذت سيطرة الحاخامين تضعف. وبدأت بعض المجموعات من اليهود المتأثرين بالقوانين التي صدرت من الحكومات الأوربية لصالحهم تخرج عن سيطرة الحاخامين، إما لأنها علمانية ، أو أنها أنشأت فرقا دينية أخرى على قدم المساواة مع الفرقة السائدة ، التي كانت الوحيدة والتي كان الحاخامون يسيطرون من خلالها على المجتمع. وكان من الطبيعي أن يكون لهذا التحرر من ربقة الحاخامين تأثير على المرأة، خاصة ضمن هذه المجموعات التي ظهرت. لأن هذه المجموعات الجديدة أرادت بالأساس فك القيود اليهودية الأرثودكسية عنها والتحرر من تشددها، والتخلص من قيودها ولكن نتائج هذا التأثير على المرأة لم تظهر إلا بعد عقود ، إذ لم يكن من السهل رفع قيود استمرت لعدة قرون بين ليلة وضحاها.

ظهور الحركة النسوية اليهودية

وكانت بداية الحركة النسوية اليهودية قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان يعيش أغلب اليهود هناك. ومما ساعد على ظهورها ما ُسمي بالموجة الثانية للحركة النسوية الأمريكية – حيث سبقتها موجة في بداية القرن العشرين- وتؤرخ هذه الموجة بصدور كتاب Feminist Mystique للكاتبة اليسارية بتي فريدن عام 1963م وهي كانت يهودية. وهي في كتابها هذا انتقدت وضع المرأة وسيطرة الرجل عليها واعتمادها عليه مالياً. وقالت إن هذا الوضع قد جعل المرأة محصورة في حياة خاوية وإحباط ، وجعلها مشدودة لحياة البيت، واتهمت المؤلفة في الوقت نفسه المؤسسات الدينية خاصة بوضع القيود على النساء ، وفرض الرجال عليهن في المجال الديني عامة ، وعدم إعطاء فرصة لهن ليعبرن عن هذا الجانب فيهنّ.

وكان لهذا الكتاب تأثير كبير على حياة المرأة الأمريكية ، وظهر على أثر نشره عدد كبير من المقالات والدراسات والكتب حول هذا الموضوع. وفي عام 1966م شُكلت منظمة وطنية نسائية في الولايات المتحدة الأمريكية باسم National Organization for Women وأصبح مختصرها (NOW) ورأست المنظمة بتي فريدن نفسها لفترة من الزمن. وكان هذا التاريخ قد بدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحركة النسوية الأمريكية. وكانت من مطالب هذه المنظمة إزالة التفرقة بين الجنسين ، والتوقف عن التحرش الجنسي بالنساء في المكاتب والمدارس ، والسماح بإسقاط الجنين إذا رغبت المرأة بذلك ، وحرية منع الحمل ، وكذلك رفض العنف ضد النساء، وغير ذلك من مطالب أصبحت مميزة فيما بعد للحركة النسوية.

وكانت هذه الدعوات قد أثرت على النساء اليهوديات ، خاصة اللائي كنّ مهتمات بوضع المرأة في الحياة اليهودية وأخذن يكتبن ويتكلمن عن حقوقهن، . وانطلقن من المطالبة في أن يكون للنساء موقع رئيس وغير مهمش في الديانة اليهودية ، وإعطاؤهنّ فرصة مساوية أو شبه مساوية للرجل في الواجبات الدينية في العبادة ، وفي النشاط الديني وفي إدارة الكنيس. فطالبن بأن يكن حاخامات ومنشدات دينيات ، وعضوات في مجالس الكنس ومسؤولات تربية دينية إلى غير ذلك. ثم توسعت مطالبهن في المراحل اللاحقة حيث شملت القضايا الثقافية والإجتماعية ، وأمورا أخرى غيرها ، وهكذا نشأت الحركة النسوية في اليهودية بطريقة تختلف عن غيرها من الحركات النسوية الأخرى.

وكان من المقالات التي أثرت في تطور الحركة النسوية اليهودية مقالتان نشرتا في بداية ظهورها في أوائل السبعينات ، إحداهما بعنوان " حرية المرأة اليهودية المفقودة " كتبتها ترود ويس– روز– مرن وهي انتقدت في مقالتها ما اسمته ظلم الشريعة اليهودية للمرأة ومعاملتها وخذلانها لها ، خاصة في قضايا الزواج والطلاق . والمقالة الأخرى بعنوان "اليهودي الذي لم يكن هناك: الشريعة اليهودية والمرأة اليهودية" لراحيل أدلر، وهي أيضا انتقدت موقف الشريعة اليهودية منها وطالبت بتغيير نظرتها إلى تجربتها الدينية(13). وفي هذه الفترة أيضا أنشأت مجموعة من اليهوديات ينتمين إلى فرقة اليهودية المحافظة منظمة مهمة باسم "عزرت ناشيم" ، وهذه العبارة تطلق عادة على المكان المعزول الخاص بالنساء في الكنيس، ولكن المعنى الحرفي للكلمة الأولى يعني "مساعدة" وللثانية يعني "نساء" ويكون معنى الكلمتين " مساعدة النساء " وهو المقصود هنا باسم هذه المنظمة.

وعندما عقدت الفرقة المذكورة مؤتمرها السنوي عام 1972عقدت النساء في فترة انعقاده مؤتمرا خاصا بهن ، وفي نهاية المؤتمر أصدرن بياناً يحتوي على مجموعة من المطالب، وكان عنوان البيان " دعوة إلى التغيير " حيث انتقدن فيه معاملة الديانة اليهودية للمرأة وطالبن بالأمور التالية:

1- أن يسمح للنساء في أن يكن أعضاء في الكنيس.
2- وأن يكن جزءاً من المنيان (وهو العدد المطلوب في صلاة الجماعة وأقلّه عشرة وهو عادة يقتصر على الرجال البالغين).
3- وأن يسمح لهنّ بممارسة الشعائر الدينية كاملة.
4- وأن يسمح لهنّ بأداء الشهادة (التي هي عادة مقتصرة على الرجال).
5- وأن يسمح لهنّ بطلب الطلاق بدل أن يكون الطلاق من قبل الرجل فقط.
6- وأن يسمح لهنّ كذلك بأن يكن حاخامات ومنشدات دينيات.(14)

وإلى جانب كون هذا البيان فيه تحد للمؤسسة الدينية ، فإنه كان له صدىً كبير بين اليهود وبين أعضاء الحركة النسوية. وبعد سنة من صدوره صوتت فرقة اليهودية المحافظة بالموافقة على أن تكون المرأة جزءاً من "المنيان" وأن ينادى عليها لقراءة التوراة في الكنيس أمام المصلين وهو مايقوم به الرجال فقط . وكان هذا التصويت قد أحدث جدلاً بين أعضاء الفرقة ، حيث رفض بعض الحاخامين أن يطبقوا هذا القرار، وقد أظهر الاستطلاع في حينها أن 7٪ فقط من حاخامي هذه الفرقة يوافقون على ذلك.

بل إن الحاخامين المعارضين كونوا جمعية ضمن الفرقة نفسها أسموها "لجنة الحفاظ على التقاليد "(15) وقد تطورت هذه فيما بعد إلى منظمة كبيرة سميت "الاتحاد من أجل اليهودية التقليدية". وأصبحت المنظمة تضم مئات الحاخامين والعوائل ثم استقلت ، وأنشأت بعد ذلك كلية ترأًسها حاخام معروف ممن يعارضون الحركة النسوية. وعلى الرغم من معارضة هؤلاء فقد كانت الفرقة تسير في اتجاه الاستجابة لمطالب الحركة النسوية وإن ببطء. وفي فترة السبعينات أيضاً أخذت تظهر بعض المظاهر الأخرى للحركة النسوية حيث قامت بعض النساء بإنشاء مجموعات سمّيت "الحبوروت" (الصديقات) ، وأخذن بأداء الصلاة سوية (والصلاة غير واجبة على المرأة في الشريعة اليهودية) ، ويدرسن سوية مع بعضهن البعض مستقلات ودون علاقة بفرقة من الفرق اليهودية.

وكان من مؤسسات مجموعات الحبوروت شخصيات نسوية مهمة ، مثل بولا هيمن ، وهي أستاذة جامعية معروفة ومن رائدات الحركة النسوية والمؤلفات فيها ، وقد شاركت في تأليف كتاب بعنوان"النساء اليهوديات في الولايات المتحدة الأمريكية" الذي نشر عام 1976م وغيره من كتب، وهي أيضا من مؤسسات "عزرت ناشيم". وجودث بلاسكو وهي أستاذة علوم دينية ، وكذلك المحررة المعروفة اليزابث كولتن ، التي شاركت في تحرير كتاب مهم عن الحركة النسوية اليهودية في سبعينات القرن الماضي. ومن المحاولات المهمة في هذه الفترة ، هو إنشاء معهد للدراسات النسائية في كليفورنيا أسسته غيرين فاين إحدى رائدات الحركة عام 1977م وأغلب المدرسات فيه من النساء وتدرس فيه التوراة والتلمود والكتب الدينية الأخرى.

وفي هذه الفترة أيضاً ظهرت بعض المجلات التي تهتم بالحركة النسوية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية ، وربما كان أهم مجلة بينها هي مجلة "ليليث" ، وهي تكتب على غلافها عبارة " مجلة نسوية بامتياز . وهي بصورة عامة تعالج قضايا المرأة اليهودية ، وتدافع عن حقوقها وتركز على نشاطاتها ودورها في المجتمع اليهودي. كما أنها تكشف بين فترة وأخرى عن قضايا التحرش الجنسي ، التي تتعرض لها المرأة اليهودية ، خاصة تلك التي يمارسها بعض الحاخامين ، والتي تبقى عادة مسكوتاً عنها .

ويشارك في الكتابة فيها يهوديات مشهورات، مثل سنثيا أوزك وهي مؤلفة وراوئية وكاتبة معروفة، وكذلك بلاو غرينبورغ ، وهي مؤلفة أيضاً وصاحبة كتاب "المرأة واليهودية "، وإنما سمّيت المجلة باسم « ليليث » تيمناً بليليث التي ذكرت في الميثولوجيا اليهودية على أنها أول امرأة خلقت مع آدم (ولكن ليس من ضلعه كما هو مذكور في التوراة عن خلق حواء بل خلقت من تراب كما خلق آدم). وهي رفضت قيمومة آدم عليها كما ورد عن حواء في سفر التكوين 3/16 حيث جاء فيه مخاطباً الرب حواء "وإلى رجلك تنقاد أشواقك وهو يسود عليك ". واعتبرت نفسها مساوية له. وتضع المجلة على كل عدد من أعدادها عبارة وردت في كتاب « الفباء بن سيرا » والعبارة هي " في جنة عدن وقبل أكل التفاحة خلق الرب المقدس أول مخلوق اسمه آدم وخلق امرأة اسمها ليليث وقالت لآدم نحن متساويان لأننا خلقنا من نفس الأرض (16). وقد ورد اسم ليليث في سفر اشعيا 34/14 في النص التالي " وتلاقي وحوش القفر الضباع ويصيح الأشعر بصاحبه وهناك تقرّ ليليث "(17).

وفي عام 1981 أنشأت جودث بلاسكو منظمة باسم "بنوت إيش " ، وجاء في البيان الأول لهذه المنظمة أن هدفها استكشاف الجانب الروحي عند النساء. وأخذت نساء هذه المجموعة ، التي بدأت بست عشرة امرأة يجتمعن في نيويورك ويدرسن نصوصاً ويتناقشن حول النسوية نظرياً وعملياً ويصلين ، كما أنهنَ كن يركزن على الالتزام بالسبت كعمل روحي مهم. وعلى الرغم من أن هذه المنظمة ظلت صغيرة إلا أنها أصبحت مؤثرة على الحركة النسوية اليهودية بسبب النشاط الذي تقوم به من نشر المقالات والدراسات ، والكتب التي تتعلق بالحركة النسوية ، خاصة تلك التي نشرتها مؤسِسة الحركة بلاسكو ، وقد تفرعت عن هذه المنظمة بعض المجموعات كان أهمها "أحوت نور" (أخوات النور).

وفي عام 1983م حدث شيء مهم لصالح الحركة ، إذ وافقت فرقة اليهودية المحافظة على قبول الإناث في معهد تخريج الحاخامين، وكان طلاب المعهد قبل ذلك من الذكور فقط. وكانت الدفعة الأولى التي قبلت تتكون من تسع عشرة طالبة .وقد تخرجت أولى الحاخامات عام 1985م (18). كما أن فرقة اليهودية الإصلاحية أيضاً قامت بهذا العمل ، حتى أصبح فيما بعد عدد الحاخامات مساوياً لعدد الحاخامين في هذه الفرقة. كما أن اليهود الأرثودكس الذين هو أكثر إنشداداً للماضي وتمسكاً بالشريعة والتقاليد القديمة أصابهم هذا التأثير ، إذ أخذت مجموعات نسائية منهم يقمن بدراسة التلمود – وهو شيء لم يكن معروفاً من قبل – وكذلك إقامة صلوات خاصة بهنَ فاضطر زعماء اليهود الأرثودكس بسبب قوة الحركة النسوية أن يسمحوا لبعض النساء بأن يكن مرشدات إلى جانب المرشدين في الجماعة.(19)

وانتشر نشاط النساء الأرثودكسيات في عدة دول ، ومنها بريطانيا حيث اخذت جماعات من "الحبوروت" يقمن الصلاة سوية ، وببعض النشاطات الأخرى بعضها مرتبطة بالكنيس وبعضها غير مرتبطة به، وأخرى مرتبطة بمعاهد دراسية .وهناك منظمة في الولايات المتحدة وكندا تجمع عدداً كبيراً من هذه الحبوروت وتسمى "لجنة الحبوروت الوطنية" ، وهي تنظم حلقات دراسية واسعة في الصيف يشترك فيها عدة مئات من النساء والرجال (20).

كما أنشأت النسويات الأرثودكسيات منظمة خاصة بهن عام 1997م اسمها "الاتحاد اليهودي للنسويات الارثودكسيات" عندما عقد المؤتمر العالمي الأول حول النسوية والأرثودكسية. وقد واجهت هذه المجموعات نقداً شديداً من اليهود الأرثودكس في الولايات المتحدة الأمريكية ،ومع ذلك فإن انتشارها قد توسع. ولهذه المنظمة اليوم حضور قوي في بريطانيا إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كما أعلن حاخام معروف-أفي ويز- من نيويورك ، وهو من اليهود الأرثودكس أنه منح لقب حاخامة لإمرأة تخرجت من مدرسته ، ولكن مجلس الحاخامين في الولايات المتحدة الأمريكية أعلن عن رفضه القاطع لذلك ، وقرر في اجتماعه السنوي بأنه سوف لايقبل أن تنضم إمرأة للمجلس بأي عنوان كان. وكانت هناك دعوة لطرد الحاخام من هذا المجلس وهو اضطر تحت الضغط أن يتعهد بأن لايضفي صفة حاخامة على أية خريجة من مدرسته. وقد اعتبرت بلاو غرينبرغ –إحدى رائدات الحركة- أن قرار المجلس كان خطوة كبيرة إلى الوراء. (21)

وتأثرت اليهوديات في إسرائيل كذلك ، وأخذت أصوات بعضهن ترتفع مطالبة بدور أكبر في مجال الدين وبدأن بالقيام بممارسات لم تكن معهودة أو معروفة في إسرائيل ، وقمن بتنظيم مجموعات منها مجموعة " نساء الحائط " وتتزعم هذه المجموعة زوجة أحد الحاخامين .(22). وتذهب هؤلاء النساء إلى حائط المبكى للصلاة والدعاء عنده في كل رأس شهر، ويلبسن الطاليت والكباه(وهما خاصان بالرجال في التقاليد اليهودية) ويقرأن التوراة. ولما كان هذا النشاط يعتبر عند اليهود الحريديم خاصة مخالفا للشريعة اليهودية ، فإنهن يتعرضن في كل مرة إلى هجوم من قبل طلاب المدارس الدينية (اليشفوت) ، حيث ينادى عليهنَ بكلمة " نازيات" وغيرها من الشتائم ، ويسحب الطاليت منهنّ بل ويرمَين أحياناً بأكياس من الغائط. وفوق هذا فقد أصدرت المحكمة العليا قرارا عام 2003م طبقا لرغبة الحكومة يمنع المنظمة من قراءة التوراة ،أو تلبس نساؤها الطاليت أو يضعن التفلين في المكان العام عند حائط المبكى ، بدعوى أن هذا يسيئ للأمن الإجتماعي. وعلى اثر هذا القرار أخذت الشرطة تقوم باعتقال النساء اللائي يخالفن هذا القرار. ولم يمنعهنّ هذا الاعتداء من الإستمرار في الذهاب إلى حائط المبكى إذ هن مازلن يقمن بذلك. وفي بعض الكنس في إسرائيل مثل كنيس " شيراه حدشاه " (الأغنية الجديدة) تقوم النساء بقراءة التوراة ، وكذلك يقمن بقراءة جزء من الصلاة أيضاً أمام المصلين ، وهو شيئ محرم عليهن عند اليهود الأرثودكس.والحركة النسوية في إسرائيل اليوم هي حركة قوية ونشطة وقد صدرت كتب ودراسات عن نشأتها وتاريخها ونشاطها.

وفي عام 2008م أعلن معهد شالوم هارتمن للدراسات اليهودية – وهو معهد أرثودكسي)للأرثودكس المحدثين) في إسرائيل – أنه سيبدأ بفصول دراسية للرجال والنساء تستمر لأربع سنوات لتتخرج المرأة فيه حاخامة أرثودكسية. ويعتقد أن هذه الخطوة ستثير حفيظة المؤسسة الدينية الأرثودكسية حيث تعتبرها تحدياً لها. إذ أن المعهد سيؤهل النساء ليس فقط كمعلمات للدراسة الدينية ، بل كحاخامات للكنس يصلين ويخطبن ، كما هو موجود في بقية الفرق اليهودية. وعلى الرغم من أن الحاخامات النساء-في الفرق غير الأرثوكسية- قد كثر عددهن وأصبحن ظاهرة عادية اليوم ،إلا أن بعض أعضاء الحركة يعتبرن ماتحقق هو مساواة شكلية وليست حقيقية، بل هو على أحسن تقدير كما يقلن مساواة جزئية ويجب أن يقود إلى مساواة كاملة ، إذ أن الحاخامات-كما يقلن هؤلاء- مازلن يدرسن التاريخ الذكوري ، ويعظن بالوعظ الذكوري ، ويصلين بالصلاة التي تشير إلى الرب والى المصلي بضمير المذكر.

أحتفالات ومناسبات خاصة بالمرأة

ترى الحركة النسوية اليهودية ضرورابتداع مناسبات واحتفالات خاصة بالمراة كجزء من تحقيق هويتها واستقلاليتها، ولذلك أخذت الحركة تنشئ وتبتدع بعض المناسبات لبعض الحالات الخاصة بالنساء، أو تطور ما هو موجود في اليهودية أوتضيف عليه. فأصبحت أحداث مثل ،الولادة ،والفطام ، والبلوغ والزواج والطلاق ، وسن اليأس والعقر، والحمل وسقوط الحمل ، والإجهاض والشهر الجديد، مناسبات تحتفل بها الحركة النسوية وتحتفي بها. ومن الاحتفالات التي ابتدعتها هي تلك التي تتعلق بولادة البنت ، كما يُحتفل بولادة الذكر (حيث يعطى له اسما عبريا). وقد سمَت الحركة النسوية هذا الاحتفال بالعبرية "سمحت بت" (مسرّة البنت) وبعضهن يسمينه " شالوم بت " (سلامة البنت). وفي هذا الاحتفال يتحدث الأبوان حديثاً قصيراً يرتبط بالمناسبة وهدفها واهميتها للبنت.

كما ابتدعت الحركة أيضاً احتفالاً يسمى " بريت بانوت " (عهد البنات) وهو يقابل " بريت ملاه "(عهد الختان) ، الذي يحتفل فيه اليهود عند ختان الطفل الذكر في اليوم الثامن. وبهذه المناسبة يتحدث الأبوان حديثاً قصيراً أيضاً. وعند بعض المجموعات تغطس البنت في حمام شرعي ، أو تٌغسل رجلاها وهو عمل يتعلق بالجسم كما الختان عند الذكر .(23). وهذه الاحتفالات التي ابتدعتها الحركة غرضها التأكيد على أهمية المرأة وجعلها مثيلة للرجل منذ الصغر. وربما بسبب تأثير الحركة النسوية ، أدخلت الفرقة الإصلاحية بعض الأدعية والطقوس في كتب الصلوات تتعلق بالاحتفال بالبنت . ومن هذه الاحتفالات الاحتفال الذي سمّي "فديون هابت" (فدية البنت) عندما تكون أول من يولد ، وهو أيضاً يقابل الاحتفال بالذكر البكر الذي يسمى "فديون هابن" (فدية الإبن) ، الذي يكون عادة في اليوم الواحد والثلاثين بعد ولادته. كما أن الحركة أوجدت احتفالاً بمناسبة فطام البنت ، وكذلك أوجدت صلوات خاصة تقرؤها المرأة عند حملها وعند سقوط جنينها .(24) .

وقد أصدرت Deburah Kohen كتاباً عام 2001م يتضمن طرقاً للاحتفال بولادة البنت ، وبعض مراحل حياتها أسمته Celebrating your new Jewish Daughter .(25) أما بالنسبة إلى احتفال " البت مصفاه" (الذي يعني حرفيا بنت التكليف الشرعي)، والذي يحتفل به بمناسبة بلوغ البنت سن الرشد (12 سنة) فهو احتفال كان معمولاً به منذ عشرينات القرن الماضي. ويعتقد أن الحاخام مردخاي قبلان – مؤسس فرقة إعادة بناء اليهودية – هو رائده والبادئ به في الولايات المتحدة الأمريكية ، عندما احتفل ببلوغ ابنته سن الرشد. وقد أصبح هذا الاحتفال شائعاً بين الفرق اليهودية ، عدا اليهود الأرثودكس وهو يقابل احتفال "بار مصفاه" ، عندما يبلغ الذكر سن الرشد في الثالثة عشرة من عمره.

ومن هذه الاحتفالات التي أنشأتها الحركة النسوية احتفال خاص عندما تبدأ المرأة دورتها الشهرية، وهي في هذه الحالة تعتبر طبقاً للشريعة اليهودية نجسة ، وتكون معزولة حتى تطهر من طمثها بعد اغتسالها في الحمام الشرعي. وعند بعض اليهود لا تكون المرأة نجسة فقط ، بل إنها تنجس ماتلبسه وما تمسّه. وكان من عادات بعض اليهود الأوربيين أن البنت إذا أخبرت عن بداية الدورة تُضرب على وجهها ضربا خفيفا ، وعند يهود إيران كان يقال للبنت "لقد بدأت المشاكل". ويبدو أن ابتداع الاحتفال بهذه المناسبة ، هو تعبير عن الرفض لهذه المعاملة وتغيير طبيعتها. كذلك تحتفل الحركة بعد أن تطِهر المرأة نفسها من دورتها في الحمام الشرعي.

ومن الاحتفالات التي ركزت عليها الحركة النسوية الاحتفال بعيد الفصح الذي يسمى عند اليهود " فصح " ، وهو قد أصبح احتفالاً مركزياً بالنسبة إلى أعضاء الحركة النسوية. لأن هذا الإحتفال يعتبر عند اليهود عيد تحرير لهم من المصريين القدماء ومن ظلم الفراعنة(26) طبقا لما تذكره التوراة. ويركز الاحتفال على دور المرأة في هذا الحدث ، والإهتمام بها وأخذت الحركة بابتداع بعض الشعائر والطقوس لهذه المناسبة.

ومن المناسبات التي اهتمت بها الحركة النسوية اليهودية هي الاحتفال بالشهر الجديد الذي يسمى بالعبرية " روش حدش "(راس ألشهر). وعلى الرغم من أن اليهود عموما يعتبرونه مناسبة ، إلا أنه أصبح احتفالا خاصا بالنساء ، حيث كانت تحتفل به المرأة في اليهودية في القرون الماضية. وهذا الاحتفال لايؤكد عليه الحاخامون ، مع أن هناك اشارة له في التوراة عن توقف العمل فيه كما جاء في سفر عاموص8/5(... قائلين متى يمضي رأس الشهر فنبيع الحبوب و(يمضي)السبت فنصرف القمح..) ولكنهم أخذوا فيما بعد يعطون سببا لخصوصيته بالمرأة دون أدلة تاريخية. وهذا السبب كما يذكرون هو أن النساء امتنعن أن يعطين حليهن الذهبية عندما أراد بنو إسرائيل أن يصنعوا عجلا ذهبيا يعبدونه في غياب موسى ، وقلن لأزواجهن أنتم تريدون أن تصنعوا وثنا لايغني ولايسمن من جوع ونحن لانعطيكم حلينا، وبسبب ذلك كافأهن الرب ، وجعل رأس الشهر الجديد عيدا لهن. (27) وهذا الذي يذكره الحاخامون ليس مذكورا في التوراة ، وماهو مذكور فيها هو أن الرجال أُخبروا أن ينزعوا حلي زوجاتهم وبناتهم وأولادهم ويعطونها لصنع العجل.

وبمرور الزمن أخذوا يؤكدون على ضرورة توقف النساء عن القيام بأي عمل كغسل الملابس وغيره مما تقوم به المرأة في البيت. وهذا الامتناع مذكور في الأدبيات اليهودية وما أشير إليه في التوراة هو عام وليس خاصا بالنساء. وفي القرون الوسطى كانت بعض النساء في أوروبا يستغللن الفراغ الذي هنَ فيه ويقمن بلعب القمار. ونعرف ذلك من إحدى فتاوى الحاخامين من هذه الفترة في إيطاليا حيث جاء فيها " إن النساء اليهوديات اللعوبات ، أخذن يبذرن مال العائلة ، ويقمن بلعب القمار أثناء فراغهنَ في (عطلة) الشهر الجديد " .(28) ومن مظاهر هذا الاحتفال هو إشعال الشموع في ليلة أول الشهر ، أو في اليوم الأول منه.(29) ، ولكن هذه العادة أخذت تتلاشى بمرور الزمن.

وفي العصر الحديث أعادت الحركة النسوية الحياة إلى هذه المناسبة ونفخت فيها الروح ، حيث تحتفل بها بشكل يتسم بالجدية والإهتمام والسعادة. وبدأت عضواتها في سبعينات القرن الماضي يحتفلن فيها جماعياً ، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم انتقلت هذه العادة إلى النساء الإسرائيليات. وتقوم النساء في هذه المناسبة بعدة نشاطات كالعروض الفنية ، وعزف الموسيقى وطبخ أنواع من الطعام مختلفة ، والتبرع للجمعيات الخيرية. كما وضعن بعض الابتهالات (تخنّوت) لهذه المناسبة ، وكذلك بعض الأناشيد حيث يقمن بأدائها سوية، كما نشرت بعض المقالات والكتب عنها. وربما كانت أول مقالة مهمة نشرت حول هذا الاحتفال هي مقالة ارلين اوغس بعنوان " هذا الشهر لك: الاحتفال بالأول من الشهر كمناسبة للنساء " نشرتها في سبعينات القرن الماضي ثم نشرت بنينا ادرمان كتابا بعنوان ينبوع مريم.(30) وغيرهما من كتب.

لغة جديدة في الإشارة إلى الإله

وتقدمت الحركة النسوية خطوة أخرى أكثر جرأة وتحدياً فيما تسميه التحرر من السيطرة الذكورية ، حيث أخذ نقدها يطال اللغة التي تستعمل في الإشارة إلى الإله في الصلوات والأدعية والأناشيد الدينية . فما هو مستعمل في اليهودية هو صيغة التذكير عند الإشارة إلى الرب في الأسماء والصفات وغيرها ، مثل سيد وملك وراع إلى غير ذلك. وكذلك عندما يشبه بشيئ للدلالة على القوة فإنه يشبه باسم مذكر مثل تشبيهه بالكلمة العبرية "سلع" التي تعني بالعربية "صخرة"(وهي بالعبرية اسم مذكر). وتقول جودث بلاسكو "إن اللغة المستعملة (في الإشارة إلى الرب) هي لغة منتقاة وغير محايدة ، بينما يفترض في الإله أن يتجاوز الجنس فالأسماء والصفات المستعملة تعطي معنى القوة والتسلط. والرب في لاشعور اليهود هو صاحب الصوت الهادر، وهو الملك والسيد الذي يحكم الناس ويقودهم إلى الحرب.." وتقول أيضاً "عندما يكون الرب ذكراً ونحن خلقنا على صورته فكيف لا تكون الذكورية هي القاعدة العامة لليهود...إن كتاب الصلاة الذي يستعمل صيغة المذكر، يمنع المرأة من المشاركة في الحياة الدينية والتعليم وغيرهما ، إنه من الضروري أن يكون هناك جانب أنثوي للرب ، حيث سينعكس هذا على الطبيعة الإنسانية لليهودي. وهي ترى بأن هناك ما يمكن الاستعانة به في التراث اليهودي(في هذا الموضوع) والإستفادة منه." (31)

وبعضهن يرين بأن من الأفضل استعمال الصيغتين معاً أي التذكير والتأنيث إشارة إلى الرب ، ويشرن في هذا الصدد إلى أمثلة في التراث اليهودي استعملت الصيغتين. ومن الأمثلة التي يعطينها ما جاء في سفر اشعيا 42/13 – 14 (وإلاستعمال تشبيهي هنا): "الرب كجبار يبرز كرجل قتال ، يثير غيرته ويصرخ صرخة إنذار ، ويزعق ويتجبر على أعدائه. إني سكتُ طويلاً وصمت وضبطت نفسي ، والآن أئن كالتي تلد وأتنهد وألهث ".

وكان قد ظهر كتاب صلاة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 وفيه بعض المقاطع المترجمة من المزمور 147 استعملت فيه الصيغتان للمؤنث والمذكر حيث جاء فيه " إنها (بدل إنه) تجلل (بدل يجلل) السماء بالغيوم ويهيء المطر للأرض وتنبت (بدل وينبت) العشب في الجبال ، ويرزق البهائم طعامها ولفراخ الغربان التي تصرخ "(32) ويعترض عدد من النسويات على هذا الإستعمال ويعتبرنه ثنوية في العقيدة ولكن أخريات يقلن بأن استعمال لغة التذكير والتأنيث معاً لا يعني الإشارة إلى إلهين مذكر ومؤنث ، "لأننا نعتقد بإله واحد"، بل إن استعمال الاثنين معاً كما يقلن يعني أن لا أحد منهما كافياً.(33). ويرى البعض منهنَ أن تبدل الاستعمالات المذكرة كليا بالمؤنثة فبدل ملك الكون تستعمل " ملكة الكون " وهكذا. وترد دينا غروس على من يقول إن استعمال الأسماء والصفات المذكرة إشارة إلى ألرب ليس استعمالا حقيقيا بل هو شيئ تعارف عليه الناس وساروا عليه، ولايقصد بها معناها الحقيقي بالقول "إذا لم تكن الاستعمالات المذكرة مقصودة لذاتها وأنها شيء قد تعارف عليه الناس ، فلماذا يكون هناك رفض للاستعمالات المؤنثة وهي تقترح الاستفادة من الرموز الأنثوية ، التي تستعمل في الأديان الأخرى وتطويرها كي تناسب اليهودية(34).

ولكن هذا الرأي يجد معارضة من قبل بعض النسويات الأخريات مثل سنثيا أوزك ، حيث يرين في هذا رجوعاً إلى الوثنية ، وإلى عبادة عشتار وفينوس وغيرهما ، والتي جاءت اليهودية للتخلص منها كما تقول .وتقول أيضاً "إذا أصبحت الاستعمالات مؤنثة فإن هذا سيغير اليهودية ، وستصبح شيئاً آخر ولا تبقى يهودية ، ويصبح ما كان يقوله اليهود ليلاً ونهاراً " إن الرب إلهنا واحد " في صلواتهم لقرون لا معنى له".(35).

وأخريات رأين أن يستعمل الضمير الحيادي (it) بدل التذكير والتأنيث ، كإشارة إلى الرب. وممن يرى هذا الرأي منهن الشاعرة الأمريكية مارشيا فولك ، التي نشرت في تسعينات القرن الماضي ديواناً بعنوان " كتاب البركات " ، وقد استعملت فيه الضمير الحيادي إشارة إلى الرب ، كما أنها استعملت صيغاً أخرى عند الإشارة إلى الجماعة التي تصلي ، تشمل النساء والرجال وتشمل الأجداد والجدات (كلمة آبائنا واجدادنا تستعمل كثيراً في الصلوات اليهودية). وهي تقول إن كل ما استعملته له جذور في اليهودية في الكتاب المقدس والمدراش (تفسيرات وتعليقات الحاخامين على التوراة) والفيوطيم (الأشعار الدينية).(36).

ولكن هذا أيضاً واجه نقداً من نسويات أخريات حيث يقلن إن فيه بعداً عن الرب وهو غريب تماماًعن تقاليد الصلوات اليهودية. وإضافة إلى هذا الإعتراض فإنه من غير الممكن استعمال الضمير الحيادي في اللغة العبرية ، لأنها مثل العربية ليس فيها إلا نوعان من الضمير لاثالث لهما ، وهما المذكر والمؤنث للبشر وللأشياء.

وما تقترحه الحركة النسوية في هذا الخصوص يثير حفيظة اليهود الأرثودكس وغضبهم ، ويرفضون كل ماتقترحه هذه الحركة ، إذ هم يرون أن كل ماورد في اللغة التقليدية من أسماء وصفات تشير إلى الرب هو مقدس ولايجوز التلاعب به أو تغييره ، ويضيفون أن ذلك سيحدث شرخا عميقا بين لغة الصلاة ولغة التلمود والمشناة. ولكن الجدل حول هذا الموضوع مازال محتدما إلى اليوم، وأصبح له تأثير واضح على اللغة التي يستعملها اليهود في إشارتهم إلى الرب ، حيث شاعت استعمالات ماكانت شائعة وظهرت مصطلحات ماكانت معهودة ، ككلمة "ملجأ" و"روح" وغيرهما إشارة إلى الرب من قبل الشعراء والشاعرات والروائيين والروائيات. كما يجد هذا النقاش حضورا واضحا في المؤتمرات والندوات التي يعقدها اليهود عن المرأة.

تأثير الحركة النسوية على اليهودية

وعلى الرغم من تحقق الكثير للنساء اليهوديات منذ أن بدأت حركتهن ، حيث أصبحن حاخامات ومشاركات في كثير من القضايا الدينية التي كن بعيدات عنها لفترة طويلة ، فإنهنَ مازلن يطالبن بالمزيد ، ويعتقدن بأنهن لم يحققن ما يطمحن إليه. فالحاخامات كما يقلن ما زلن يشعرن بالتفرقة ضدهن ، وصعوبة الحصول على عمل . وقد اُعتبر ما قامت به الحركة النسوية في اليهودية ثورة بكل المقاييس ، فقد جاء في إحدى المجلات اليهودية الأمريكية في عام 1980م أن ما قامت به الحركة النسوية اليهودية يعتبر ثورة اجتماعية غيَرت مجرى الحياة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد بدأت هذه الثورة قبل عشر سنوات بإعادة النظر بالشريعة اليهودية التي جعلت النساء في وضع من الدرجة الثانية.(37)

وآخرون رأوا فيها ليس ثورة اجتماعية حسب بل أيضاً ثورة دينية، فهي ثورة في وضع المرأة وحقوقها ودورها، ولايشبه هذه الثورة إلا ما حدث لليهود في حركة النهضة والحركة الصهيونية. فثورة النسوية لم تؤثر على المتدينين فحسب بل إنها أثرت على العلمانيين كنقد النسوية لدور العائلة في اليهودية، وهي أيضاً ثورة لأنها تتحدى الديانة اليهودية ونظامها ، وكذلك تتحدى التقاليد الاجتماعية المتعارف عليها.(38).

وما يؤكد هذا ما قالته جودث بلاسكو بان ما سينتج عن الحركة النسوية اليهودية هو ليس فقط إعادة النظر بالهلخا (الشريعة) ، بل يتجاوز ذلك لأن تأثير الحركة سيشمل تغيير الأسس للحياة اليهودية بصورة عامة. فالحركة تطالب بفهم جديد للتوراة ، وفهم جديد للرب وبفهم جديد لليهود. والفهم الجديد للتوراة -كما تقول- يعني الاعتراف بظلم التوراة العميق (للمرأة) ، لأن النظرة الدونية لها سمَم مضمون الشريعة وبنيتها، وكذلك التقاليد والتراث بصورة عامة.(39).
ويرى البعض منهن أن تأثير الحركة النسوية على اليهودية هو تأثير إيجابي ، إذ أضاف إليها بعداً آخر يتسم بالروحانية والإبداع والحيوية، وإذا استمر بقاء الحركة النسوية على ما هو عليه فستكون اليهودية في المستقبل أكثر قوة وأكثر تمثيلا بحق لمُثل الأنبياء. ويقول تشارلس سلبرمن " من المحتمل ان الطاقة التي أرسلتها الحركة النسوية اليهودية ستكون على المدى البعيد مصدرا مهما للتجديد الديني.(40)

ولكن الحركة النسوية اليهودية تُتقد من قبل الكثير من اليهود ، وقد رأينا كيف أن بعض الحاخامين احتج على قبول النساء كحاخامات وانشق على فرقته. وأكثر الذين ينتقدون الحركة هم اليهود الأرثوذكس بكل أطيافهم – متشددين وغير متشددين – حيث قال بعضهم:

" إن ما تقوم به الحركة النسوية هو تحريف كامل لليهودية التقليدية، وهوسيؤدي إلى الإنحراف عن الطريق السوي .(41) وقال آخرون بأن الحركة النسوية ستدمر اليهودية وشعائرها ، بل وتدمر العائلة اليهودية. وتساءل غيرهم عما ستكون عليه طبيعة اليهودية الحالية بعد أن تطال الحركة النسوية التوراة والشريعة والأغداه (تعاليم الحاخامين غير الملزمة)، والأخلاق والصلوات و"الثيولوجي" ، وحينها ستكون اليهودية ضعيفة ومتهالكة.


هوامش:

*هناك اليوم آلاف النساء اليهوديات داخل إسرائيل وخارجها ممن يرفض أزواجهن طلاقهن لأسباب مختلفة ومنها الإبتزاز. وتسمى المرأة التي في هذا الوضع بالعبرية "أغوناه" وهي تعني "المقيدة" لأنها لم تحرر من قيد العلاقة الزوجية بالطلاق وأصبحت هذه الحالة اليوم مشكلة كبيرة خصصت لها النساء اليهوديات منظمات كثيرة من أجل إيجاد حل لها
(1) S.Sheridan.(ed) Hear Our Voice,p.93(London,1994)
و"فرقي أبوت" هي رسالة في المشناة – تعني "أخلاق الآباء" وهي تحتوي
على اقوال الأحبار القدماء من اليهود ويقرأ بعضها في الاعياد
(2)I. Shahak I, andN. Mezvenisky,,Jewish Fundementalism in Israel(London,1999),p38
(3)42-14
(4) S. Sheridan(ed) op. cit.p.X11
(5R.)R.Biale, Women and Jewish Law,( New York 1984),pp.32-3
(6)S. Sheridan,(ed).op.cit. p.85
(7) Talmud Torah,Law,chapter 1, rule 13
(8)R.Biale Women and Jewish Law,pp 32-33
(9)S. Sheridan,(ed.) op.cit p152
(10)Ibid,p54
(11)Ibid.p.128and p. 138
(12)Ibid,p.154
(13)J.Wertheimer, A People Divided(New York,1993),p.22
وقد أصدرت راحيل أدلر عام 2002 كتابا بعنوان "اليهودية النسوية الماضي والمستقبل"
(14)Ibid,p.145

(15)Ibid, p.146
(16)
يعتقد ان بن سيرا عاش في القرن الثاني قبل الميلاد وهو صاحب كتاب يسمى "حكمة بن سيرا".وكتاب الألفباء الذي ينسب له يعتقد أنه ألف في القرون الوسطى وهو يحتوي على أمثال وقصص شعبية وأساطير وحكم مرتبة على الحروف الأبجدية
يرجع أصل ليليث إلى البابليين وربما إلى السومريين ففي17)) ميثولوجيا بلاد مابين النهرين نجد ليلو وليلتو (ذكر وانثى) وكذلك وجد نص أشوري لتميمة لمنع ضرر هذين ، وقد عثر في شمال سوريا على شكل لشيطانة مجنحة (من القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد)حيث جاء فيه( (إلى من تطير في غرفة الظلام اخرجي بسرعة ياليليث).
وهي في تراث اليهود مخلوق سيئ وقبيح فقد وصفت بالمومس والشريرة والكاذبة والسوداء،وأخذت تعرف فيما بعد بأنها زوجة إبليس . ويعتقد الكثير من اليهود أن ليليث تحاول دائما أن تقتل الأولاد عند ولادتهم ولذلك يضعون عند ولادة الطفل أحرازا وتمائم عند رأسه وعلى جدران الغرفة لتمنع ليليث من ضرر الاطفال كما يعتقدون، وعند اليهود الشرقين ترسم ليليث مقيدة.
(18)S.G.Freedman, Jews VS Jews,(New York,)op.121
(19)Ibid,p.121
(20)H.Haker, S,Ross,S.,andM-Th.Wacker(eds) Women Voices in the World Religion(Londo.2006)p.17
(21 )Jewish Chronical Newspaper,30/4/2010
(22)S.G. Freedman, op.cit p.122
(23)S.Sheridan,(ed)op. cit.pp72-73
(24)Ibid,p73
(25) Jewish Chronical News paper, 18/5/2001
(26)S.G. Freeddman, op cit.p73
(27)
.وكانت بعض الشعوب القديمة تربط بين القمر والإخصاب وكان بعضها يسمي القمر سيد النساء
(28)S.Sheridan,(ed)op. cit. p.123
(29)Ibid, p 124
(30)Ibid,p.125
(31)S. Heschel,On Being a Jewish Faminist,(New York ,1983)pp.227-229
(32)S.Sheridan(ed),op.cit .p.147
(33)Ibid,pp166-168
(34)S.Heschel,op. cit p242
(35)Ibid,p.121
(36)J.Neusner andA. Avery-Peck.(eds.)The Blackwell Reader in Judaism,(Malden,Mass,2001) p.319
(37)S.Heschel, op. cit..,p.p337
(38)S.Sheridan,op. cit.p116
(39)S.Heschel,op cit.p.231
(40)Ch. Silberman,Certain People,p.262( USA 1986)
(41)S.G.Freedman,.op. cit.p123













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-11-2011, 02:22 PM   #35

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الإرهاب في الفكر الصهيوني بين قوة الحق وحق القوة

الإرهاب في الفكر الصهيوني بين قوة الحق وحق القوة

(واخذوا المدينة. 21 وحرموا كل ما في المدينة منرجل وامراة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.) سفر يشوع 6:21

هذه آية من سفر يشوع في ( العهد القديم ) ، وهو أول الأسفار التي نزلت بعد موت موسى عليه السلام على حدود فلسطين . ومن يقرأ هذا السفر يجد فيه ما لا يتخيله عقل من مجازر وفظائع ارتكبها بنو إسرائيل في عشرات المدن ومئات القرى الفلسطينية لدى دخولهم ( أرض الميعاد ) قبل بضعة آلاف سنة ، فقد كانوا يدخلون المدينة أو القرية فيقتلون فيها كل شيء يتنفس ، الأطفال والنساء والشيوخ والبهائم والمواشي ثم يأخذون جميع ممتلكاتهم فيكدسونها ويضرمون فيها النار ما عدا الذهب والفضة ، وبعد أن انتهوا من فتح جميع المدن وقتل من فيها وحرق ما فيها راحوا يقسمون الأرض على أسباطهم ويقيمون عليها ( مستوطناتهم ) .

إنك حين تقرأ هذا السفر لا يسعك إلا أن تتذكر تلك الصور التي سبق أن نقلتها القنوات الفضائية لآلاف الأطفال الذين يقتلهم الجيش الإسرائيلي بدم بارد ، تتذكر أطفال غزة وكيف تم قتلهم إما بالرصاص المباشر أو تحت أنقاض بيوتهم أو بالحرق بالفسفور ، تتذكر جميلة التي قطعت ساقاها وتتذكر لؤي الذي فقد البصر وتتذكر غيداء ومحمد الدرة وتتذكر أطفال قانا في لبنان وأطفال بحر البقر في مصر ، وحين تمر ببصرك على أسماء المدن الفلسطينية قبل بضعة آلاف سنة وما أرتكب فيها الغزاة من مجازر لا يسعك إلا أن تتذكر مجازر دير ياسين وكفر قاسم وصفد واللد وعيلبون وقانا الأولى والثانية وصبرا وشاتيلا ومجزرة الحرم القدسي والحرم الإبراهيمي ومجزرة جنين ، وكل هذه المجازر دون استثناء كانت لمدنيين ، فيهم الأطفال والنساء والشيوخ ، وهي أكثر من أن يحصيها باحث وتحتاج لمؤسسة بحثية متخصصة .

عقيدة الإرهاب الصهيوني هي فكرة توراتية متجذرة في العقل الصهيوني قديماً وحديثاً ، وهي عقيدة شديدة الخطورة على الجنس البشري بأكمله ، ولا تمكن مقارنتها بإرهاب حركات تريد الاستقلال أو أقليات تريد الانفصال لأن هذا الإرهاب الأخير ينتهي بانتهاء سببه ، أما الإرهاب الأول فهو فكرة أصيلة في العقل تؤمن أن قتل طفل بريء بدم بارد أمر يرضى عنه ( رب الجنود ) ويكافئ عليه . ولعلك تذكر كيف كان الحاخامات يشجعون صغار الجنود أثناء حرب غزة على قتل الأطفال والمدنيين ويقنعونهم أن هذا أمر يرضي الرب !

إن ما جعل الصهيونية تحافظ على بقائها منذ تأسيسها قبل أكثر من مئة سنة وتحافظ على بقاء الدولة الإسرائيلية لأكثر من ستين سنة هو ما يمكن أن نسميه حق القوة ، وهو حق مزيف له مخالب قوية ووجه بشع ، فأما المخالب فجيش قوي مزود بأحدث الأسلحة حتى المحرمة منها ، لا يكاد يتوقف عن الاعتداء على الجميع ولا يمنعه شرف الجندية من قتل النساء والأطفال حتى لو كانت النساء ناشطات أجنبيات مسالمات مثل راشيل كوري التي دهستها بدم بارد جرافة الجيش الإسرائيلي ، وحتى لو كان الضحايا مدنيين مسالمين مثل طاقم السفينة التركية الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي في المياه الدولية ! وأما الوجه البشع فتغطيه ثلاثة أقنعة حريرية تخفيه تماماً عن العيون ، أولها المال وثانيها الإعلام وثالثها الكونغرس الأمريكي ومن يدور في فلك أمريكا .

هذا الثلاثي القوي يستطيع أن يجعل عيون الدنيا لا ترى إلا ما يريد لها أن تراه ، انظر الى أعضاء الكونغرس حين خطب فيهم نتنياهو مؤخرا كيف كانوا يقومون للتصفيق ثم ما إن يقعدوا حتى يقوموا مرة ثانية وثالثة ورابعة وتاسعة عشرة ( وكأنهم يصلون التراويح ) ، لقد كانوا يرون بوضوح صواريخ القسام البسيطة المتواضعة الخجولة التي شكا منها نتنياهو بينما لم يروا مطلقاً قنابل الفوسفور التي كانت تضيء ظلام ليل غزة 2009 وتنفجر لتقطع أطراف الأطفال وتحرق المدنيين وتميت الضمائر العالمية السوداء وتعمي عيون الكونغرس الأمريكي . إن حق القوة المزيف يتطلب جهوداً شيطانية جبارة وقوى عظمى تسخر لأجله حتى يستمر لأنه لا يقوم بغير ذلك ، بينما قوة الحق ربّانية مجانية لا تكلف أحداً شيئاً ، ألا ترى اللص يدعي النزاهة دائماً بينما النزيه لا يدّعي السرقة ؟ والكذاب يدّعي الصدق دائماً بينما الصادق لا يدّعي الكذب ؟ لماذا ؟ لأن للنزاهة وللصدق قوة حق لا يختلف عليها اثنان حتى لو كان هذان الاثنان لصيْن وكذابيْن ، وهذا ما يثبت القيمة العظيمة لقوة الحق لأنها لا تحتاج الى رعاية تحميها ولا الى دعاية تبقيها ، بينما حق القوة المزيف في حاجة دائمة ومستمرة الى رعاية تحميه والى دعاية تبقيه ، وهذه الرعاية والدعاية تزيد وتنقص بقدر ما تكون عليه درجة الزيف ، فتزوير تاريخ ميلاد طفل في قرية نائية لا يحتاج الى أكثر من شاهديْن كاذبيْن ، وسارق دجاجة في نفس القرية لا يحتاج الى أكثر من يمين كاذبة أمام القاضي . ولكن تزوير تاريخ أمة وسرقة وطن يحتاجان الى أكثر من ذلك بكثير ، فلا يمكن لمن لا يملك جيشاً قوياً ولا يملك أكبر بنوك العالم ولا يملك أكبر وسائل إعلام الدنيا ولا يملك كونغرساً أمريكياً أن يفعل ذلك .

على أن هذا الحق المزيف للقوة لا يمكن له أن يستمر الى مالانهاية ، وذلك ببساطة لأنه مضاد لمنطق الأشياء ومعاكس لحركة التاريخ ، فسوف تظل خطورة سقوطه وافتضاح أمره قائميْن ، وسوف يسقط لا محالة أمام أول امتحان حقيقي يتعرض له . ذلك أن جميع الامتحانات التي تعرض لها في الماضي كانت مزورة . إنه أشبه بابن صاحب المدرسة الخاصة الذي ينجح بتفوق في جميع الأعوام الدراسية الأحد عشر لسبب غش أبيه صاحب المدرسة وسيطرته على الامتحانات ، ولكن حين يتقدم لامتحان الثانوية العامة الحكومي – بعيداً عن تدخل أبيه – فإنه يفشل فشلاً ذريعاً .

إنها مسألة وقت لا غير ، فالتقدم المطرد في الاتصالات وسهولة تبادل المعلومات يزداد يوماً بعد يوم ، وكلما ازداد ضيّق الهوة بين الشعوب وبين الحقائق المغطاة ، وازدادت معه الصعوبات أمام المؤسسات الإعلامية التي تحاول حجب الحقائق وتحويل الرأي العام نحو وجهة واحدة مقصودة ، كذلك فإن المنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني حبلى بما هو آت . والذي سيكون أول امتحان حقيقي لابن صاحب المدرسة .













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /13-11-2011, 02:09 PM   #36

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي 94عاماً على وعد بلفور


94عاماً على وعد بلفور
قصة 117كلمة إنكليزية زورت تاريخ وجغرافيا الشرق الأوسط

كتب هشام ساق الله مأمون كيوان:

صدر قبل 94 عاما تصريح بلفور المشؤوم، بنصه الشهير التالي: “عزيزي اللورد روتشيلد: يسرنيجداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي علىالعطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته: “إن حكومة صاحبالجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل منشأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. وأكون ممتناً لكم لو أبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الفيدرالي الصهيوني. إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح. المخلص آرثربلفور”.

وهذه الدراسة تعرض وتعالج الحجج القانونية الدامغة التي تثبت بطلان وعدم قانونية تصريح بلفور من وجهة نظر القانون الدولي.

قبيل صدور تصريح بلفور في العام ،1917 كانت الحركة الصهيونية قد عقدت أحد عشر مؤتمرا عاما لها تم فيها حسم الخيارات الصهيونية وتكريس سيطرة جناح الصهيونية السياسية الذي تزعمه منذ البداية تيودور هرتزل، واستند إلى نظرية مفادها أن حل المسألة اليهودية لن يتم بالهجرة والاستيطان فحسب، وإنما أيضا بمساعدة واعتراف دوليين، وهو جوهر منظورهرتزل، الذي عبر عنه بمصطلح “البراءة الدولية” charter)) الذي عبر عنه هرتزل في المؤتمر الصهيوني الثالث 1899 بصيغة رسمية مفادها: “تتجه مساعينا صوب الحصول علىبراءة من الحكومة التركية بحيث تأتي هذه البراءة في ظل سيادة صاحب الجلالة السلطان العثماني. وحين تصبح هذه البراءة في حوزتنا، شرط أن تشتمل على الضمانات القانونية العامة اللازمة، يمكننا آنذاك الشروع في استعمار عملي واسع النطاق. وسوف نجلب للحكومة التركية منافع كبرى لقاء منحها إيانا هذه البراءة”.

وبعد قيامإسرائيل” زعم “الإسرائيليون” أن كيانهم السياسي الاستعماري الاستيطاني يتمتع بالشرعية القانونية الدولية، وذلك على اعتبار أن تصريح بلفور وصك الانتداب البريطاني على فلسطين اعترفا بالأمرين التاليين: أولا: الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين. وثانيا: حق الشعب اليهودي في إعادة تأسيس وطنه القومي.

وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947 مشروع التقسيم الذييدعو إلى إقامة دولة يهودية في “أرض إسرائيل” وناشدت سكان البلد اتخاذ الخطوات الكفيلة بوضع المشروع موضع التنفيذ. فضلا عن أن اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته يؤلف أمرا يتعذر الرجوع عنه أوإلغاؤه.


التصريح وسياقاته التاريخية- السياسية

قدم الوزير البريطاني اليهودي الصهيوني هربرت صاموئيل في سنة 1908 مذكرةاقترح فيها تأسيس دولة يهودية في فلسطين تحت إشراف بريطانيا شارحا الفوائد الاستعمارية التي ستجنيها بريطانيا من قيام هذه الدولة في قلب العالم العربيوالقريبة من قناة السويس. وافق العديد من سياسيي بريطانيا على هذه المذكرة ومن بينهم: لويد جورج وآرثر بلفور. وقد صدر تصريح بلفور الذي شكّل محطة رئيسية في تاريخ الاستيطان الصهيوني، وبالتالي القضية الفلسطينية، في سياق الحرب العالمية الأولى،بأسبابها وأهدافها. وعندما بانت نتائجها بالانسجام مع المخططات البريطانية إزاءالمنطقة.

فقد جرت خلال سني الحرب العالمية الأولى محادثات سرية بين الحكومة البريطانية وزعماء الصهيونية للوصول إلى اتفاق بشأن منح فلسطين لليهود عقب نهاية الحرب. وحرص الصهيونيون على إظهار محاسن مثل هذا الاتفاق للاستعمارالبريطاني، وقد مهّد هايين وايزمان لذلك برسالة نشرها بتاريخ 12/11/1915 في جريدةالمانشستر غارديان” جاء فيها بالحرف “إذا دخلت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني ووافقت الحكومة البريطانية على تشجيع إسكان اليهود فيها فانه يمكن أن يصير لنا فيها خلال عشرين أو ثلاثين عاماً نحو مليون يهودي أو ربما أكثر من ذلك فيشكلون حراسةعملية قوية لقناة السويس”. ووصلت المحادثات البريطانية الصهيونية ذروتها في خريف العام 1917 عندما أخذت وزارة الحرب البريطانية تبحث رسمياً في مسألة تحقيق الأهداف الصهيونية في فلسطين وإصدار وعد بهذا الشأن. وقد بعث وايزمان برسالة إلى وزارةالحرب هذه بتاريخ 1917/10/14 قال فيها “إننا نعلن لكم بصراحة واحترام أننا نترك بين أيديكم مصيرنا الوطني الصهيوني آملين أن تنظروا إلى قضيتنا في ضوء مصالح الإمبراطورية البريطانية”.

وكانت بريطانيا وحلفاؤها قد بذلت وعوداً عديدة بقصد الاعتراف باستقلال العرب والعمل على تحقيقه. وكان من جملة هذه الوعود والتأكيدات: المراسلات التي جرتفي عام 1919-1915 بين الملك حسين ملك الحجاز، وكان يومئذ شريف مكة وهنري مكماهون المندوب البريطاني في مصر. وكتاب هوجارت الذي وجهته الحكومة البريطانية إلى شريف مكة في كانون الثاني/يناير 1918 رغبة في تبديد مخاوف العرب من ناحية تصريح بلفور. وتصريح السبعة، وهو الصادر في 16/6/1918 والذي أكد لسكان الأقاليم التي تحتلها قوات الحلفاء بان حكم هذه الأقاليم في المستقبل سيستند إلى رضا المحكومين وموافقتهم. والتصريح الإنجليزي الفرنسي الصادر في 7/11/1918 وقد جاء فيه، أن الغاية التي تتوخاها فرنسا وبريطانيا العظمى من خوض غمار الحرب إنما هي التحرير الكامل النهائي للشعوب التي طال زمن استعباد الترك لها، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطاتها من الممارسة الحرة لحقوق الشعوب المحلية واختيارها. وقد نثرت آلاف النسخ من هذاالتصريح بمنشورات ألقتها الطائرات فوق فلسطين.

مسودات التصريح

على ضوء اتضاح المسار العام لنتائج الحرب العالمية الأولى لصالح بريطانيا وفرنسا، بدأت المباحثات البريطانية- الصهيونية في شباط 1917تم خلالها صياغة ست مسودات لتصريح بلفور هي التالية:

المسودة التمهيدية لوزارة الخارجية البريطانية المعدة في يونيو/ حزيران أو يوليو/ تموز 1917 كانت الألفاظ الرئيسية عندما أعدت هذه المسودة هي: اللجوء والملجأ. والتصور أن تعلن الحكومة البريطانية تحبيذها لكي ينشأ في فلسطين “ملاذ لضحايا الاضطهاد من اليهود”. واحتج على هذه الصيغة ناحوم سوكولوف عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية بقوله: “لن تلبي حاجات القضية إطلاقا”.

المسودة التمهيدية الصهيونية في 12/7/1917: نصت على أن الحكومة البريطانية “تقبل بمبدأ الاعتراف بفلسطين وطنا قوميا للشعب اليهودي وحق الشعب اليهودي في بناء صرح حياته القومية بفلسطين تحت ظل حماية تجري إقامتها عند إبرام الصلح وعقب انتهاء الحرب إلى النجاح (….) منح الاستقلال الداخلي للقومية اليهودية بفلسطين، (و) حرية الهجرة لليهود”. لم يجر تقديم هذه المذكرة رسميا، ولذلك صرح سوكولوف في رسالة تفسيرية إلى اللوردروتشيلد بوجوب النص على مبدأين أساسيين هما: الاعتراف بفلسطين وطنا قوميا للشعب اليهودي، والاعتراف بالمنظمة الصهيونية.

المسودة الصهيونية في 18/7/1917: نصت على ما يلي: 1- إن حكومة جلالة الملك تقبل المبدأ القائل بأنه يجب تحويل فلسطين وطنا قوميا للشعب اليهودي. 2- سوف تبذل حكومة جلالته أفضل مساعيها لضمان تحقيق هذاالهدف، وسوف تبحث في الطرق والوسائل اللازمة مع المنظمة الصهيونية.

مسودة بلفور المقدمة في شهر اغسطس/ آب 1917: نصت على ما يلي: إن حكومة جلالته تقبل المبدأ القائل بإعادة تكوين فلسطين وطنا قوميا للشعب اليهودي. وهي سوفتستخدم أفضل مساعيها لضمان تحقيق هذه الغاية، كما أنها على استعداد للنظر في أية مقترحات حول الموضوع قد ترغب المنظمة الصهيونية في عرضها عليها.

مسودة ميلنر المقدمة في شهر آب 1917: نصت على ما يلي: إن حكومة جلالته تقبل المبدأ القائل بإتاحة كل فرصة ممكنة لإقامة وطن بفلسطين للشعب اليهودي، وسوف تستخدم أفضل مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، كما تكون مستعدة للنظر في أية مقترحات حول الموضوع قد ترغب المنظمة الصهيونية في عرضها عليها.

مسودة ميلنر-آمري في 4/10/1917: نصت على ما يلي: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي في فلسطين للجنس اليهودي، وسوف تبذل أقصى مساعيها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا بأنه لن يؤتى بعمل من شأنه إلحاق الأذى بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة بفلسطين، أو الحقوق والمكانة السياسية التي يتمتع بها في البلدان الأخرى أولئك اليهود الذين يشعرون بقناعة تامة إزاء جنسيتهم ومواطنيتهم الراهنة.


ومما لا بد ذكره أن اللورد كرزون كان وحده بين المسؤولين البريطانيين آنئذ، وهو نائب الملك في الهند سابقاً والوزير البارز في وزارة الحرب،الذي توقف بعض الوقت عند المضامين والمغازي التي ينطوي عليها وعد بلفور، مبيناً أثناء جلسة مناقشته في الوزارة البريطانية أن إعطاء هذا الوعد افتئاتاً على حقوق مصالح إسلامية وعربية أساسية، فقد قال حسبما ورد في سجل وقائع الاجتماع الذي جرى في 4/10/1917: “كيف يعقل أن يقترح التخلص من أغلبية السكان الحاليين المسلمين وإحلاليهود محلهم؟”. وهو يرى أن تأمين حقوق مدنية ودينية متساوية لليهود المقيمين فيفلسطين سياسة أفضل من العمل على إعادة اليهود إلى فلسطين على نطاق واسع، وهو “أمر يعتبره من مظاهر المثالية العاطفية التي ينبغي ألا يكون لحكومة صاحب الجلالة شأنبها من قريب أو بعيد”. وقد بلور كرزون وجهة نظره في مذكرة قدمها إلى الوزارة مؤرخةفي 26/10/،1917 أوضح فيها بجلاء المكانة التي تحتلها مدينة القدس في دنيا الإسلام والمسيحية، ويشير إلى المشكلة الإنسانية التي ينطوي عليها وعد بلفور إذ يقول: “يوجدهناك ما يزيد على نصف مليون من العرب السوريين، وقد استوطنوا هم وأجدادهم البلاد منذ قرابة 1500 عام، وهم أصحاب الأرض التي يتقاسم ملكيتها الملاك والمجتمعات القروية، ولن يرضى هؤلاء بمصادرة أراضيهم وانتزاعها منهم لتسليمها للمهاجرين اليهودأو أن يكونوا مجرد حطابين وسقائين لهم”.

ولإيضاح درجة خطورة هذا التصريحقال الكاتب والصحافي البريطاني دايفيد هيرست في كتابه الشهير “البندقية وغصنالزيتون”: كان وعد بلفور إحدى وثيقتين رئيسيتين شكلتا التاريخ الحديث في الشرق الأوسط. أما الوثيقة الثانية فهي اتفاقية سايكس-بيكو (…) ولقد جاء وعد بلفور نتيجةلاتفاقية سايكس-بيكو إلا أن أهميته تفوق أهمية هذه الاتفاقية كثيرا. بل من الصعبجدا اعتبار أن أي وثيقة غيرت مجرى التاريخ تغييرا عشوائيا مثلما فعلت هذه الوثيقة. فالصراع العربي-الصهيوني هو في العالم المعاصر المشكلة الأولى التي يحتمل أن تفجريوم القيامة النووي. وإذا حصل ذلك فإن من يبقى على قيد الحياة من المؤرخين لاشك سيسجل أن المشكلة كلها ابتدأت برسالة مختصرة، بريئة المظهر لا تزيد على 117 كلمة بالإنجليزية وجهها آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني إلى اللورد روتشيلد في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 1917. فيما لم يجد المؤرخ الكبير ارنولد توينبي مناصاً من إدانة بلاده على تقديم وعد بلفور للحركة الصهيونية، معلناً انه كإنجليزي يشعر بالخجل والندم الشديدين على ازدواجية المعايير الأخلاقية التي حكمت سلوك حكومة بلاده في الإقدام على هذه الفعلة المنكرة.


دحض قانونية وشرعيةالتصريح

هناك حجج وبراهين قانونية تثبت أن إجراءات الانتداب كانت خرقا لميثاق عصبة الأمم وانالتقسيم كان تجاوزاً لصلاحيات الأمم المتحدة وان وجود “إسرائيل” مخالف للقوانين والمبادئ القانونية. فضلا عن الحجج التي تثبت بطلان ولا قانونية تصريح بلفور لجهة مخالفته للقانون الدولي والأعراف الدولية. ويمكن تلخيص أبرز النقاط الأساسية التي تضمنتها الحجج العربية على النحو الآتي:

تأكيد الحق الثابت والأصلي لسكانفلسطين الأصليين بتقرير دستورهم وحكومتهم في المستقبل.

العهود والتأكيدات التي أعطتها بريطانيا للعرب في أثناء الحرب العالمية الأولى ( ومنها التصريح البريطاني-الفرنسي سنة 1918) بصدد استقلال البلاد العربية ومستقبلها عند نهايةالحرب هل كانت تشمل فلسطين أم لا؟

هل تصريح بلفور الذي أعطي دون معرفة سكان فلسطين الأصليين أو موافقتهم يتمتع بالصحة القانونية ويلزم شعب فلسطين؟ وهل هومنسجم مع الوعود والتأكيدات السابقة واللاحقة المعطاة للعرب؟

هل نصوص صكالانتداب على فلسطين والمتعلقة بإنشاء الوطن القومي اليهودي فيها مطابقة لأهداف عصبة الأمم ونصوص ميثاقها (المادة 22 منه بنوع خاص) ومتمشية مع تلك الأهداف والنصوص؟ وهل يمكن التوفيق في هذا الصك بين النصوص الواردة فيه والمتعلقة بإنشاءالوطن القومي اليهودي، وبين ما تضمنته من نصوص أخرى متعلقة بتطوير الحكم الذاتيوالحفاظ على حقوق عرب فلسطين ومركزهم؟

ألا يعني حل عصبة الأمم بدوره زوال الأساس القانوني للانتداب على فلسطين؟ أو ليس من واجب الدولة المنتدبة إذ ذاك أنتسلم السلطة والإدارة إلى حكومة فلسطينية تمثل الشعب الشرعي والحقيقي في فلسطين؟وكانت الحجج العربية التي تدحض المزاعم الصهيونية حول قانونية تصريح بلفور، تتمثل في التالي:

هذا الوعد لم يكن يمثل أي سند قانوني. فقد صدر عمن لا يملكوأعطي لمن لا يستحق، فلا بريطانيا كان لها أية ولاية على فلسطين حين إصدار الوعدولا كان للحركة الصهيونية في فلسطين أي حق قانوني أو أخلاقي. ولم يراع صك الانتداب على فلسطين بالذات نص المادة 22 من عهد العصبة أو روحها على علاتها القانونية والأخلاقية. فقد كان الهدف الواضح منه ليس تحقيق رفاهية شعب الإقليم الأصلي وتقدمهك أمانة مقدسة في عنق المدنية بل بكل بساطة التمهيد أو التهيئة لترجمة وعد بلفور إلى واقع عملي وبالصورة التي قصدها وتعني إقامة دولة يهودية في فلسطين. وتقول مقدمة صك الانتداب على فلسطين… ولما كانت دول الحلفاء الكبرى قد وافقت أيضا على أن تكون الدول المنتدبة مسؤولة أيضا عن تنفيذ التصريح الذي أصدرته في الأصل حكومة صاحبة الجلالة البريطانية في اليوم الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917 وأقرته الدول المذكورة لصالح إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين على أن يفهم جلياً انه لن يؤتىبعمل من شأنه الإضرار بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غيراليهودية الموجودة الآن في فلسطين. ولما كان قد اعترف بذلك بالصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك الدول”.

صك الانتداب لا يأتلف مع نظام الانتداب في المخالفتين الجوهريتين التاليتين:

1-اعتبرت المادة 22 من ميثاق العصبة ان الانتداب،يشكّل رسالة حضارية مقدسة وان غايته هي تسهيل إنقاذ الشعوب التي كانت خاضعة لسيادةبعض الدول ولم تصل إلى مرحلة كافية من النضج السياسي والاجتماعي الكامل. وعين صكالانتداب على فلسطين حدود السلطة والرقابة والإدارة التي تتمتع بها دولة الانتداب،واخضع إدارة الانتداب لالتزامات معينة كالحفاظ على حرية الضمير وممارسة الشعائرالدينية وتنظيم القوات اللازمة لحفظ السلم والدفاع عن البلد وإدخال نظام زراعييلائم حاجاته، وتطوير ثقافة السكان وإنماء الثروات فيه، وعدم إنهاء الانتداب إلابإقامة حكومة مستقلة في فلسطين.

غير أن المادة الأولى من صك الانتداب خالفت هذه الأهداف عندما منحت السلطة المنتدبة أوسع الصلاحيات في نطاق التشريع والإدارة،الأمر الذي شجع سلطة الانتداب على تطبيق تشريعها الخاص في أكثر من مجال. ثم إن التقيد بمبادئ نظام الانتداب كان في معظم الأحيان، تقيداً ظاهرياً ينطوي على تحيزفي المعاملة وتمييز بين فئات السكان.

2-تبنت المادة الثانية من صك الانتداب وعد بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا في 2/11/1917 إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.

هذا الوعد باطل لعدة أسباب:
أ- لأن الوعد صدر في عام 1917 أي فيوقت لم يكن لبريطانيا فيه أية صلة قانونية بفلسطين.

ب- لأن احتلال بريطانيا لفلسطين حدث بعد صدور الوعد، ولأن قانون الاحتلال الحربي لا يجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة، ولان الحكومة البريطانية أعلنت في مناسبات كثيرة أن الهدف من احتلالها هو تحرير فلسطين من السيطرة العثمانية وإقامة حكومة وطنية فيها.

ج- لأن الوعد أعطى فلسطين لمجموعة من الناس لا تملك أية صفة أو حق في تسلمها أو استيطانهاأو احتلالها.

د-لأن الوعد ليس اتفاقية مع دولة أو كيانات دولية ذات سيادة، فاللورد بلفور مسؤول بريطاني، ولكنه لا يملك حق التعاقد باسم دولته. واللورد روتشيلد مواطن بريطاني صهيوني، ولكنه لا يمثل الطائفة اليهودية المنتشرة في العالم.. والطائفة اليهودية لم يكن لها شخصية قانونية دولية.

ه-لأن الوعد اضر بالحقوق التاريخية والحقوق المكتسبة لسكان فلسطين، فهؤلاء السكان موجودون في فلسطين منذ آلاف السنين،وقد اعترفت لهم الدول الحليفة المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق تقرير المصيروحق اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلائمهم. ولان الوعد يتناقض مع بعض المواد في ميثاق عصبة الأمم أو صك الانتداب فهو مثلاً يتناقض مع المادة العشرين من الميثاق التي تنص على “إن جميع أعضاء العصبة يقرون كل ما يعنيه، بان هذا الميثاق يلغي كل الالتزامات أو الاتفاقيات الدولية المتعارضة مع أحكامه. ويتعهدون رسمياً بعدم عقد التزامات أو اتفاقيات مماثلة في المستقبل. وإذا كان أحد الأعضاء قد تقيد،قبل دخوله العصبة، بالتزامات متعارضة مع أحكام الميثاق، فعليه اتخاذ التدابيرالفورية للتخلص منها”.

تصريح بلفور باطل بسبب واضح هو أن بريطانيا التي أصدرته لا تملك فلسطين ولا تملك حق تقرير مصير شعبها، إنما فلسطين ملك شعبها بأكثريته العربية، وهو وحده يملك حق تقرير مصيره طبقاً لمبدأ حق الشعوب في تقريرمصيرها.

عندما صدر التصريح في 2/11/1917 كانت فلسطين لا تزال جزءاً من الدولة العثمانية، ولم تكن بريطانيا ومعها دول الحلفاء أكثر من محتل لجزء من فلسطين.

التصريح يتعارض والتزامات بريطانيا بالاعتراف باستقلال البلادالعربية وبضمنها فلسطين، تلك الالتزامات التي ارتبطت بها بريطانيا بمكاتباتها معالشريف حسين بن علي. حيث حارب العرب وبضمنهم عرب فلسطين جنباً إلى جنب مع بريطانياعلى أساس من ذلك الاتفاق والاعتراف باستقلال البلاد العربية.

ليس لتصريح بلفور صفة الإلزام القانوني، فهو تصريح من جانب واحد، لا التزامات متقابلة فيه، وقد صدر في شكل رسالة من وزير خارجية دولة إلى أحد رعايا الدولة ذاتها، فليس لهذاالتصريح صفة المعاهدة أو الاتفاق أو العقد الدولي. إذ لا بد لاعتبار وثيقة ما كذلك وفقاً لقواعد القانون الدولي من توفر شرطين:

أ-أن تكون تلك الوثيقة جرت بين شخصين قانونيين من شخصيات القانون الدولي.

ب-أن يكون قد أبرمها ممثلون عن الشخصيةالمذكورين، مفوضون بذلك رسمياً وفقاً للأصول والقواعد الدولية.

التصريح مبني لتحقيق غاية غير مشروعة ومخالفة للقانون الدولي. تصريح بلفور يجعل فلسطينوطناً” لليهود وهم ليسوا سكان فلسطين، حيث لم يكن في فلسطين من اليهود عند صدورالتصريح سوى خمسين ألفا من اصل عدد اليهود في العالم حينذاك ويقدر بحوالي 12مليوناً. في حين كان عدد السكان العرب في ذلك الوقت 650 ألفا.

التصريح لا يعترف لأكثرية سكان فلسطين وهم العرب إلا بحقوق مدنية ودينية، أما الحقوق السياسية فلا اعتراف لهم بها.

تصريح معاكس

مقابل ما شكله تصريح بلفور قبل 88 عاما من تزييف للتاريخ ومنح من لا يملك فلسطين لمن لا يستحقها،لا بد من الإشارة إلى أن وزير الخارجية البريطاني جاك سترو أقر في مقابلة مع مجلةنيو ستيتمان” الأسبوعية في 15/11/2002 بمسؤولية بلاده التاريخية عن الكثير من النزاعات الحالية بالمنطقة العربية وخاصة القضية الفلسطينية والنزاع بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير من خلال قوله: “إن الكثير من النزاعات الحالية بين الدولهي من نتائج ماضينا الإمبريالي، وينبغي علينا تسويتها”. وأقر أن بلاده أعطت وعد بلفور لليهود، والذي يعدهم بوطن في فلسطين، وفي الوقت نفسه منحت ضمانات متناقضة لكل من الفلسطينيين واليهود. “وهذه الأشياء تمثل تاريخا مهما لنا، لكنه ليس تاريخامشرفا”. وهذا التصريح البريطاني المتأخر لم يرفق ببذل أي جهد سياسي حقيقي لإلغاء بعض آثار تصريح بلفور عن كاهل الشعب الفلسطيني، كما أن الحكومة البريطانية الحالية لم تقدم أي دعم للقرارات الدولية التي تدين “إسرائيل” على مخالفتها لكافة القوانين والأعراف الدولية والقرارات الصادرة عن الشرعية الدولية ممثلة بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها الرئيسية وفي مقدمها مجلس الأمن الدولي.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /16-11-2011, 02:33 AM   #37

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي إيلان بابيه: هجرت إسرائيل بسبب العنصرية

إيلان بابيه: هجرت إسرائيل بسبب العنصرية
أحد المؤرخين الجدد يكتب ما يشبه السيرة الذاتية عن نبذه بسبب دفاعه عن الفلسطينيين

إيلان بابيه أستاذ جامعي إسرائيلي معروف كان يُدرِس التاريخ في جامعة حيفا لسنين، ولكنه اضطر لترك الجامعة والمجيء إلى بريطانيا ليستقر فيها بسبب موقفه الناقد للصهيونية والمدافع عن الفلسطينيين. وقد عرف اسم إيلان بابيه منذ الثمانينات كأحد المؤرخين الجدد في إسرائيل الذين جاءوا برواية مختلفة عن الرواية الإسرائيلية الرسمية فيما يتعلق بحرب عام 48 بعد أن درسوا الأرشيف الإسرائيلي ونقبوا فيه، وعثروا على الكثير مما يناقض الرواية الرسمية. وكان بابيه كما يذكر هو قد ربي على الفكر الصهيوني ونشأ في أحضانه كأي يهودي إسرائيلي، ولم يكن يعرف عن القضية الفلسطينية أو معاناة الفلسطينيين شيئا، إلى أن أخذ يسمع من زملائه الطلاب العرب في المدرسة كلمة «نكبة» تتكرر على مسامعه، والتي لم يكن قد سمعها من قبل. وكانت هذه بداية له في طريق طويل ومسار صعب في الصراع مع الآيديولوجيا الصهيونية. وأخذ يتقفى تاريخ النكبة وبدايتها، واطلع على ما جرى للفلسطينيين بسببها من كوارث أثارت مشاعره واهتمامه، ثم بعد اطلاعه على أرشيف الدولة، أصبح أكثر تفهما لهذه القضية ومعرفة بأبعادها واهتماما بها، واقتنع بأن ما أصاب الفلسطينيين هو ظلم كبير لا بد من العمل على إزالته أو التخفيف منه، وأصبح مدافعا عن حق الفلسطينيين، بل إنه بدأ يتخلى عن الصهيونية كما أشار إلى ذلك في كتابه الذي نشره في العام الماضي بعنوان «خارج الإطار: النضال من أجل الحرية الأكاديمية في إسرائيل».

وهو يقصد من الجزء الأول من العنوان بأنه «خارج الإطار» الرسمي للدولة بآرائه ومواقفه. وهو يذكر أن تخليه عن الصهيونية وطلاقه لها كان عملية تطورية وتدريجية، وكانت في الوقت نفسه كما يقول رحلة ثقافية وآيديولوجية وسياسية. وقد وصف الصهيونية في كتابه أعلاه بأنها آيديولوجيا وفلسفة عنصرية واعتبر تخليه عنها تحررا منها، وبأن ما تقوم به إسرائيل من اضطهاد للفلسطينيين هو نتيجة طبيعية لهذه الآيديولوجيا وهذه الفلسفة.

ومن هذا المنطلق اعتقد بابيه أن عليه مسؤولية أخلاقية في أن يكشف للناس حقيقتها وطبيعتها وأهدافها، وأن يكتب كذلك عن القضية الفلسطينية بغرض تعريف الناس بها وإطلاعهم عليها. ومن هنا بدأ صراعه مع أبناء جلدته، الذين رأوا فيما يقوله خروجا عن المألوف عندهم وشذوذا للمقبول لديهم. لذلك أخذ التهميش يطاله والناس تعزله، إلى حد أن نداءات تليفونية كانت تصله، قبل أن يغير رقم تليفونه، تشتمه وتحقره وتتهمه بخيانة بلده بل وتهدده بالقتل.

أما في الجامعة التي يفترض أن تكون الحياة فيها أكثر حرية وديمقراطية، فقد عومل بطريقة لا تختلف عما عامله بها عامة الناس، إذ كانت تحاربه نفسيا وتحاصره أكاديميا. وهو يذكر بعض التفصيلات عن هذه المعاملة، ويقول إنه في البداية كان هناك تحمل لآرائه من قبل الجامعة والسماح له بالتعبير عنها «كي يقال للناس إن في إسرائيل ديمقراطية وأني النموذج لذلك، ولكن الأساتذة في الوقت نفسه كانوا يطلبون مني سرا أن أجمل صورة إسرائيل أمام العالم». ولكن السماح له وغض النظر عنه والتهاون معه لم يستمر طويلا، حيث بدأت بعد ذلك الحرب عليه في السر والعلن، وبدأ يسمع من زملائه الأساتذة اتهامات ونقدا، مثل إن من يتبنى الرواية الفلسطينية خائن لبلده. كما أطلقت عليه أوصاف كانت قد أطلقت على الذين تعاونوا مع النازيين، وعملوا لهم وتجسسوا لحسابهم.

ويقول إن إطلاق هذه الأوصاف في سياق التفكير الإسرائيلي يعني الدعوة إلى قتله. وأخذ زملاؤه يتفادون اللقاء به ويتحاشون الحديث معه، كما كانوا يترددون في دعوته إلى الندوات والمؤتمرات، حتى في صلب اختصاصه. بل كانت موافقة الجامعة أو الكلية على عقد المؤتمر أو الندوة مشروطة بعدم دعوته، بل وصل الأمر بالجامعة أن أقدمت على سحب شهادة أحد طلابه، من الذين أشرف عليهم وأجازته الجامعة نفسها، بحجة أن ما جاء فيها كان تزويرا للحقائق. ويقول «ومع كل ما قامت به الجامعة من عزل نحوي لم ينبر أحد من الجامعيين في الدفاع عني». ولأنه استمر ينتقد ظلم الدولة للفلسطينيين، وقهرها لهم ويعلن عن تأييده مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وجهت إليه الجامعة تهمة تشويه سمعتها، والإساءة إلى مكانتها، وطلبت من المحكمة النظر في أمر طرده منها. وبعد أن نشر ذلك في الإعلام تكونت لجنة من الأساتذة خارج إسرائيل للدفاع عنه ومساندته، وحثت اللجنة الآخرين على إرسال رسائل للجامعة للتعبير عن سخطهم عليها ورفضهم لسلوكها. ولكن ذلك لم ينفع وأخذ الخناق يشدد عليه، فضاق به الأمر بعد سنوات من الصراع، فاضطر لترك البلد، والهجرة إلى بلد آخر (بريطانيا). وكان من نتائج تجربته المريرة هذه أن اقتنع كما يقول بأن إسرائيل ليس فيها ديمقراطية، وأن من واجبه أن يفند مقولة أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بل هو يرى ضرورة الكشف عن كذبها وزيفها.

ومن يقرأ كتاب إيلان بابيه، الذي يشبه سيرة ذاتية، يشعر بالحزن لما لاقاه وعاناه، ولكن في الوقت نفسه يُكبر في الرجل شجاعته وتحديه للضغوط المستمرة والترهيب الشديد، بإرادة وإصرار، والتزامه بمبادئه وتمسكه بها، حيث استمر يكتب وينشر آراءه إلى اليوم. وقبل كتابه هذا نشر كتابا آخر بعنوان «التطهير العرقي في فلسطين». ولا يسع الإنسان عندما يقرأ هذه السيرة إلا أن يتذكر ما حصل قبل أكثر من ثلاثة قرون لواحد من أبناء جلدته وأشهر فيلسوف أوروبي في العصر الحديث، وهو باروخ (بندكت) سبينوزا (ت1677م) الذي مر بتجربة لا تختلف كثيرا عن تجربة إيلان بابيه، وكان قد توصل إلى آراء تخالف آراء المؤسسة الدينية اليهودية، بعد بحث في تاريخ اليهود ودينهم، حيث توصل إلى آراء تخالف آراء الحاخامين التي ظلوا يتبنونها لقرون وأخذ ينتقد سيطرتهم على حياة الناس، فحاربه هؤلاء بسبب آرائه، واتهموه بالكفر والمروق عن الدين، وفرضوا عليه حصارا اجتماعيا حتى تحاشاه اليهود، كالحال عند إيلان بابيه من خلال درسه للأرشيف الإسرائيلي ونقده للصهيونية في ضوء ما اكتشف، فحاربه أبناء جلدته، كما أخذ الحاخامون يتسقطون أخبار سبينوزا ويتجسسون عليه وأصدروا فتوى بطرده من اليهودية حيث جاء في بدايتها: «ونحن من خلال وسائل عدة حاولنا أن نقنعه بترك طريقته ولكننا لم نجد تغيرا نحو الأفضل في أفكاره الفاسدة والمنحرفة، التي يعتنقها ويدرسها وكذلك الأعمال المشينة التي ارتكبها، والتي كانت تصلنا معلومات عنها في كل يوم من شهود موثوقين». وهذا أيضا ما حدث لإيلان بابيه، فقد جاء في بيان للجامعة: «إنه مصر على الإساءة إلى الجامعة ومؤسساتها كتابة، وفي محاضراته العامة ونحن نتسلم بين فترة وأخرى ردودا من زملائه الذين يستغربون من سلوك بابيه هذا، وهو أستاذ في الجامعة على الملاك الدائم، وفي فترة قريبة سابقة تسلمنا رد فعل عاطفيا وغاضبا على محاضرة في أميركا، حيث انتقد الجامعة ودولة إسرائيل بشدة». وكما أفتى الحاخامون بحرمان سبينوزا وطرده من اليهودية حيث جاء في الفتوى التي أصدروها «لذلك قررنا وبمصادقة حاخامينا أن المذكور يطرد ويعزل من بيت إسرائيل..».

كذلك طلبت الجامعة من المحكمة، الحكم على بابيه - وإن لم تتمكن من تحقيقه - حيث جاء في طلبها أن «يحاكم الدكتور إيلان بابيه على الجرائم التي ارتكبها وأن تستعمل قوانين المحكمة بشكل كامل لطرده من الجامعة». وعندما صدرت الفتوى في حق سبينوزا لم يكترث ولم يهتم بها، بل أخذ يدافع عن آرائه بقوة، مثلما فعل إيلان بابيه الذي دافع عن آرائه وما زال. وكما ضُرب طوق من العزلة على سبينوزا كذلك على بابيه كما ذكرنا، حيث جاء في فتوى الحاخامين نفسها «ولا يجوز لأحد أن يتصل به بشكل مباشر أو بواسطة الكتابة أو يزامله، أو يريه أي نوع من الرحمة أو يقرأ مؤلفاته مطبوعة أو مخطوطة».

وقد ذكر أيضا أن سبينوزا هدد بالقتل، بل ذكر أنه كانت هناك محاولة للتخلص منه بطعنه بسكين كما هدد بالقتل إيلان بابيه حيث يذكر ذلك نفسه في كتابه الذي ذكرناه، وأن هذا التهديد كان بالرسائل العادية ومرة بالبريد الإلكتروني وأخرى بالمكالمات التليفونية. ولم يتجرأ أحد من اليهود على نقد هذا الطرد في حال سبينوزا، كما في حال إيلان بابيه كذلك اضطر كلاهما للهجرة إلى مكان آخر بسبب المعاملة من أبناء جلدتهما، هاجر سبينوزا إلى مدينة أخرى في هولندا وإيلان بابيه لدولة أخرى. والفرق بين الحالتين أن سبينوزا حاربته المؤسسة الدينية واتهمته بالمروق عن الديانة اليهودية، وإيلان بابيه حاربته المؤسسة العلمانية واتهمته بالمروق عن الآيديولوجيا الصهيونية وكلاهما إرهاب فكري.

سيرة ذاتية

د. إيلان بابيه أثناء محاضرة له في جامعة مانشستر ميتروبوليتان عام 2008

إيلان بابي أو بابيه (Ilan Pappé אילן פפה) هو مؤرخ إسرائيلي ينتمي إلى تيار المؤرخين الجدد الذين قاموا بإعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي وتاريخ الصهيونية. درس بجامعة حيفا وهو يدرس حاليا بجامعة إكسيتر. يعتبر إيلان بابيه من أبرز دعاة حل الدولة الواحدة (للقضية الفلسطينية)، كما أنه من مؤيدي مقاطعة المؤسسات التعليمية الإسرائيلية. تعرض إيلان بابيه للكثير من النقد في إسرائيل بسبب تأييده للحقوق الفلسطينية في عودة اللاجئين وفي مقاومة الاحتلال.

ولد ايلان بابيه في سنة 1954 لأبويين يهوديين من أصول ألمانية هربا من الملاحقة النازيية لليهود خلال ثلاثينات القرن العشرين. تخرج من الجامعة العبرية في القدس سنة 1978 وحصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد سنة 1984. ترأس أكاديمية معهد السلام بجبت حبيبة من سنة 1993 إلى سنة 2000 ولديه مقعد بمعهد اميل توما للدراسات الفلسطينية. تناولت أولى كتبه موضوع موضوع السياسة الإسرائيلية في سنة 1948 وهو كتاب تناوله في آخر كتبه (التطهير العرقي لفلسطين (كتاب)) التطهير العرقي في فلسطين. يتناول كتابه (A History of Modern Palestine) تاريخ فلسطين الحديثة اخر مائتي سنة لتاريخ المنطقة كما يركز على القضايا الاجتماعية والثقافية.

انتمى للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وكان المرشح السابع في قائمتها لانتخابات الكنيست عام 1999. انخرط بابي في جدل واسع بسبب موضوع دكتوراة لتادي كاتز التي تتناول مجزرة قامت بها القوات الإسرائيلية سنة 1948 في قرية طنطورة. أعلن بابي دعمه علنيا ل تادي كاتز. في ديسمبر من سنة 2000 سحب كاتز روايته للأحداث ولكنه رجع عن سحبه لكلامه فيما بعد وتم إلغاء مشروع بحث كاتز من قبل جامعة حيفا بعد أن تحصلت على درجة 97 %.

في سنة 2005 دعم بابي مقاطعة إسرائيل بما في ذلك المقاطعة الأكاديمية ويفسر بابي دعمه للمقاطعة بأنه يجب الضغط على إسرائيل من الخارج كأحسن وسيلة لأنهاء أفظع احتلال عرفه التاريخ الحديث . نتيجة لذلك دعى رئيس جامعة حيفا ايلان بابي للاستقالة ولكنه قال يجب على بابي أن يذهب بمحض إرادته. في نفس السنة أطلق بابي المؤتمر الإسرائيلي لحق العودة والذي يدعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم سنة 1948.

في سنة 2007 غادر بابيه جامعة حيفا معللا بأنه أصبح من الصعب العيش في إسرائيل مع وجهات نظره ومعتقداته الغير مرحب بها وانضم إلى قسم التاريخ في جامعة اكستير.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /17-11-2011, 02:08 PM   #38

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي متى وكيف اخترع الشعب اليهودي؟!

متى وكيف اخترع الشعب اليهودي؟! - 1/2
عيسى القدومي

متى وكيف اخترع الشعب اليهودي؟ عنوان كتاب للبروفسور (شلومو زاند), أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب, صادر عن دار فايار في باريس, وتقدم في قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الكيان الصهيوني, الأمر الذي لم يتوقعه المؤلف، وترجم إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية وجار ترجمته لعدة لغات. مؤلف الكتاب شلومو زاند يعلن صراحة أن غرضه هو تفنيد ادعاءات اليهود بحق تاريخي في أرض فلسطين، أما سبيله إلى تحقيق ذلك فهو البرهنة على أنهم ليسوا شعباً ذا ماضٍ مشترك أو رابطة دم وأصل واحد إضافة إلى كونهم لا ينتمون إلى هذه الأرض.

ومدار كتاب (زاند) أنه لا يوجد مطلقاً شعب يهودي، نعم توجد فقط ديانة يهودية، وأنه لم يحدث نفي وبالتالي لم يكن هناك عودة، ويرفض الباحث معظم روايات تشكيل الهوية الوطنية في الكتاب المقدس. وأنه تم اختراع شعب وتلفيق تاريخ، وأن الرومان لم يطردوا اليهود من القدس، والشتات أسطورة لتشييد ذاكرة مزيفة، وأن الصهيونية لفقت أسطورة الأصل المشترك لليهود خدمة لأجندتها السياسية.

فقد أنكر الباحث الحكاية الصهيونية التي أقنعوا شتات اليهود بها والتي أركانها: النفي والاضطهاد، والخلاص والعودة، وأنهم عملوا على تدعيمها بنصوص توراتية محرفة، وخدمتهم البروتستانتية الصهيونية التي حولت الأسطورة إلى عقيدة تحرك الساسة والجيوش، وتضطهد الأمم والشعوب وبالأخص الأمة الإسلامية.

ولكن هذا يطرح السؤال التالي: إذا لم يتم طرد اليهود جماعياً من فلسطين - يهوذا القديمة بزعمهم - فكيف انتشر اليهود في جميع أنحاء العالم؟

للإجابة عن هذا السؤال قدم (زاند) تفسيراً للشتات اليهودي الذي تطلق عليه المراجع اليهودية مصطلح (الدياسبورا اليهودية)، مفاده أن بعض اليهود هاجروا بمحض إرادتهم، والكثير منهم من المتحولين إلى اليهودية؛ لأن اليهودية في فترة من الفترات اضطرت لأن تكون ديانة تبشيرية للحصول على أتباع جدد.

ويضيف أن «اليهودية دين وليست أمة، واليهود لم يكونوا شعباً وأمة، وذلك يثير الشكوك حول مبرر بقاء دولة يهودية تجمع شتات ما تفرق من تلك الأمة الأسطورة، فليس لليهود هوية وطنية».

وأكد ذلك بقوله: «إن قصة الشعب اليهودي وتحويل اليهود من مجموعة لها هوية ثقافية ودينية مشتركة إلى شعب مهزوم هو اختراع حديث العهد نسبيا، نشأ في القرن التاسع عشر بواسطة العلماء الصهاينة وتم دعمه من المؤسسة الأكاديمية في إسرائيل... لأنها مؤامرة فكرية من نوع ما، فالأمر كله خيال وأسطورة كانت ذريعة لقيام دولة إسرائيل».

وذهب الباحث إلى أبعد من ذلك بقوله لصحيفة (هآرتس): «فرض أن الفلسطينيين متحدرون من الشعب اليهودي القديم هو أكبر بكثير من الفرض أنني أنا أو أنت هم أحفاد الشعب اليهودي القديم». ويؤكد أنه: «ليس جديداً القول بأن بعضا من المعتقدات الشائعة بشأن التاريخ اليهودي لا أساس لها من الصحة، فالخبراء متأكدون, مثلاً, من عدم حدوث ما يعرف بحادثة طرد اليهود من أورشليم على يد الرومان عام 70 للميلاد، كما بات من الثابت علمياً أن نسب الأغلبية العظمى من اليهود المعاصرين لا تعود إلى يهود العهد القديم إنما إلى أقوام وثنية في أوروبا وشمال أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية اعتنقت الديانة اليهودية في الألفية الميلادية الأولى وفي بداية العصور الوسطى».

وفي مجال سعيه إلى تفنيد مزاعم اليهود بحق تاريخي في الأرض, يحرص (شلومو زاند) على البرهنة على أن أصول اليهود المعاصرين لا تنتهي إلى أرض فلسطين القديمة، ويستشهد بالنظرية القائلة بأن يهود وسط أوروبا وشرقها, الذين ينتسب إليهم 90٪ من اليهود الأمريكيين ينحدرون من الخزر الذين اعتنقوا الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وأقاموا إمبراطورية لهم في القوقاز. وهي نظرية ظهرت لأول مرة في القرن التاسع عشر واكتسبت مصداقية كبرى عندما تناولها الكاتب البريطاني آرثر كوستلر في كتابه الشهير (القبيلة الثالثة عشرة) الصادر عام 1976.

وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة (هآرتس) العبرية, أكد (شلومو زاند) دور الاعتناق في زيادة أعداد اليهود في العالم، يقول زاند: اليهود لم ينتشروا ولكن الديانة اليهودية هي التي انتشرت. وبخلاف التوجه اليهودي الحالي إلى الانغلاق على الذات, فإن اليهودية في عهودها المبكرة كانت تسعى إلى كسب المزيد من الأتباع.

بالطريقة نفسها, يقول (زاند): تمكنت الأسطورة والذاكرة البديلة والتطلعات والرغبات من حياكة نسيج التاريخ اليهودي الذي لا يستند إلا إلى النزر القليل من الأدلة المتضاربة التي يعثر عليها في المدونات أو التنقيبات الأثرية، حيث شكلت البذرة التي تجسدت لدى الأجيال اللاحقة على شكل اعتقاد راسخ بأن اليهود شعب تعرض للنفي والاضطهاد على مدى الجزء الأعظم من تاريخه.

ويخلص شلومو زاند من هذا الاستعراض لأوهام التاريخ اليهودي إلى اتهام المؤرخين الصهاينة منذ القرن التاسع وإلى يومنا هذا بإخفاء الحقيقة وتلفيق أسطورة الأصل المشترك لليهود المعاصرين خدمة للأجندة الصهيونية العنصرية. وهو لا يدعي لنفسه الكشف عن حقائق جديدة, لكنه يقول أنه قد رتب المعرفة بنحو مغاير، وبهذا يصدق على زاند ما قاله نيكولاس لانج في كتابه (التاريخ المصور للشعب اليهودي 1997): إن كل جيل من المؤرخين اليهود قد واجه المهمة نفسها وهي: إعادة رواية الحكاية وتكييفها لكي تلائم متطلبات الأوضاع التي يواجهها ذلك الجيل.

وفي مقابلته مع صحيفة (هآرتس) يقول رداً على سؤال حول وجه الخطورة في تصور اليهود أنهم ينتمون إلى أصل واحد: هناك درجة من التشويه في الخطاب الإسرائيلي بشأن الأصول، فهو خطاب عنصري, عرقي, منغلق على ذاته. ليس هناك وجود لإسرائيل كدولة يهودية. كل من يعرف النخب الشابة من عرب إسرائيل يستطيع أن يرى أنهم لن يرضوا بالعيش في بلد يعلن أنه ليس لهم. لو كنت فلسطينياً لتمردت على دولة من هذا النوع، بل إنني أتمرد عليها مع كوني إسرائيلياً.

ويضيف الكاتب أن حرب الـ 1967 سهّلت عمليات التنقيب بشكل كبير، لكن النتائج بدأت تبرز تناقضات الإيديولوجيا الصهيونية؛ لذلك كان يؤجل الإعلان عنها أمام الجمهور عشرين عاماً. عام 1970 حصل تطور في علم الآثار تحت تأثير مدرسة الحوليات التاريخية في فرنسا وارتدى الطابع الاجتماعي للبحث التاريخي أهمية أكبر من الطابع السياسي، ووصل هذا التحوّل إلى الجامعات الإسرائيلية. هكذا بدأت تناقضات الرواية الرسمية بالبروز وهو ما يزعزع الأساطير المؤسسة ليس فقط لدولة إسرائيل بل للتاريخ اليهودي عامة.

وإن الرواية التوراتية التي يعتبرها جميع المؤرخين الإسرائيليين حجر الزاوية في الذاكرة الوطنية والمرحلة الأكثر إشراقاً والأكثر تأثيراً في التاريخ اليهودي, دحضتها أيضاً الاكتشافات الأثرية الجديدة، إنها مملكة داود وسليمان التي يفترض أنها عاشت في القرن العاشر قبل الميلاد. إن الحفريات التي تم القيام بها في 1970 في كل محيط المسجد الأقصى لم تثبت وجود أي أثر لهذه المملكة ولا حتى لأي أثر لسليمان الذي تجعله التوراة بمرتبة ملوك بابل وفارس.

وينهي زاند هذا الفصل بالقول إن الكتب المدرسية طمست كلياً عمليات التبشير لتبيان أن كل الجماعات اليهودية خارج فلسطين هي من المنفيين مما يعطيهم الحق في العودة والأرض إضافة إلى الانتماء إلى شجرة العائلة اليهودية، بدلا من أن يكونوا نتيجة تمازج عرقي بين جماعات إنسانية مختلفة وهو ما يضعف الوحدة البيولوجية للأمة.

وخلص (زاند) إلى القول إنه لا أحد له مصلحة في إحياء ذاكرة الخزر، إن الابتعاد عن التأريخ الديني لليهود وإجراء أبحاث أنثروبولوجية عن حياتهم اليومية يكشف عن غياب قاسم مشترك علماني ليهود أفريقيا وآسيا وأوروبا وبالتالي لا يسمح بالحديث عن «أمة» يهودية وهو ما تتحاشاه الرواية الرسمية لتاريخ اليهود.

ويرى زاند أن الواقع قاس جدا بالنسبة للحقوقيين الصهاينة، فلم يعد هناك في العالم أي بلد يمنع اليهود من الهجرة إلى إسرائيل والهجرة المعاكسة أصبحت أقوى، وأن الأساطير التي بنيت عليها هي التي ستؤدي إلى تفجيرها من الداخل، الأسطورة الأولى: ملكية الأرض التاريخية دفعت إسرائيل إلى استعمار شعب آخر وخلقت لها مشكلة ديموغرافية هائلة والأسطورة الثانية هي إثنيتها التي تمنع أي غريب من الدخول إليها، وهو ما أدى إلى وضع غريب: كلما انخرط الفلسطينيون في الدولة الإسرائيلية ازداد استلابهم وتعزز رفضهم لأسس هذه الدولة، وذلك لاكتشافهم حقوقهم الناقصة قياساً على الإسرائيليين اليهود. لقد ساهمت ممارسات إسرائيل العنصرية في غزة والضفة في تقوية هذا الشعور إلى حد بعيد.

وفي الفصل الثاني والذي هو بعنوان «أسطورة - تاريخ، في البداية خلق الله الشعب» أكد (زاند): أنه كان لا بد من الاستشهاد بإعلان استقلال دولة «إسرائيل»: «إن أرض «إسرائيل» هي المكان الذي نشأ فيه الشعب اليهودي، وهنا تشكَّلَ طابعه الروحي والديني والقومي، وهنا أنجز استقلاله وخلق ثقافة ذات حمولة قومية وكونية ومنح التوراة الخالدة للعالم بأسره». وللرد على ذلك استعرض الكاتب الكتابات التاريخية حول المسألة اليهودية، ويرى، من خلال كمّ هائل من المراجع والإحالات، أنها كانت متأخرة، أي بعد 1600 سنة من ظهور موسى عليه السلام، واستشهد على ذلك بتأكيد الفيلسوف الكبير باروخ سبينوزا: «بأن أسفار موسى الخمسة الأولى لم يكتبها موسى، بل هي من تأليف كاتب جاء بعد موسى بعدة قرون».

وأضاف: «لكن العديد من الدراسات والأبحاث حول المسألة اليهودية والتي كان يقوم بها مثقفون ومؤرخون يهود، خصوصا في ألمانيا، لم تكن تستهدف غير منح قيمة لهذا البحث باعتباره قنطرة إضافية تتيح دمج الجماعة اليهودية في مجتمع ألماني قادم»، أي: «يجب التذكير بأن بدايات كتابة التاريخ اليهودي في العصر الحديث لا تتميز بخطاب قومي صارم».

ولكن ما يجب ألا نغفله وهو ما يشدد عليه المؤلف بقوة هو أنه «كانت توجد، منذ البداية، علاقة وثيقة ما بين تصور التوراة كوثيقة تاريخية ثابتة و المحاولة من أجل تحديد الهوية اليهودية الحديثة بتعابير قومية وغيرها.

وخلص البروفسور (زاند) بعد سرد الكثير من الحقائق والشواهد إلى أن هناك تناقضات المؤرخين الصهاينةوأكاذيبهم فيقول: «على الرغم من أن معظم المؤرخين المهنيين عرفوا أنه لم يكن ثمّة أبدا طردٌ بالقوة لـ «الشعب اليهودي»، فقد أخذوا تسلسل الأسطورة المسيحية في التقليد اليهودي من أجل أن يتركوها تَشُقّ طريقَهَا بحرية على الساحة العمومية وفي الكتب البيداغوجية للذاكرة القومية، من دون أن يحاولوا كبح مسارها، بل إنهم شجعوها بصفة غير مباشرة وهم يعلمون أن هذه الأسطورة وحدها يمكن أن تؤمّن شرعيتها الأخلاقية للاستعمار من طرف «أُمّة منفية» لأرضٍ يحتلها آخرون»، ويوجه الكاتب انتقاداته للفكر الصهيوني: «ليس مصادفة أن الفكر الصهيوني يستمد مرجعياته من المصادر الاثنوتخييلية القديمة. يستولي عليها باعتبارها كنزا نادرا ويقوم بقولبتها على هواه في مختبراته الايديولوجية».

وأكد أنه لم يكن المسلمون الأوائل يعادون الديانة اليهودية، كما أن مسار الأسلمة الذي قام به العرب المسلمون «لم يضع حداً للمد المتواصل من أتباع اليهودية في كل جنوب إسبانيا ومن أفريقيا الشمالية. ويدلل على ذلك بقوله: المؤرخ إسحق بايير، في كتابه المهم عن يهود إسبانيا، سجّل في حينه بإعجاب «أن إسبانيا العربية بدت كأنها تحولت إلى مكان لجوء من أجل اليهود». وهكذا استطاعت الجماعة اليهودية أن تزدهر من وجهة نظر ديموغرافية، بفضل تهويد محليّ وأيضاً بفضل موجات الفتح والهجرة حيث تفتحت الجماعة اليهودية ثقافياً، في إطار تناغُم استثنائي فيما بينها وبين التسامح العربي الذي كان يسود في مملكة الأندلس».

ويقول: «ترفض إسرائيل بعد ستين سنة من نشوئها، أن تتصور نفسها كجمهورية وجدت من أجل كل مواطنيها، ما يقارب ربع سكانها لا يعتبرون يهودا، وحسب روحية قوانينها، فإن هذه الدولة ليست دولتهم. وفي المقابل تقدم «إسرائيل» نفسها باعتبارها دولة من أجل يهود العالم، على الرغم من أن الأمر لم يعد يتعلق بلاجئين مضطهدين، ولكن بمواطنين يتمتعون بكامل المساواة في الدول التي يقطنونها. بصيغةٍ ما إن عرقية مركزية من دون حدود تبرر التمييز القاسي الذي تمارسه ضد جزء من مواطنيها باستحضار أسطورة الأمة الخالدة، التي تشكلت من جديد من أجل التجمع على أرض الأجداد».

ويواصل الكاتب: من الصعب كتابة تاريخ يهودي جديد، بعيداً عن القبضة الصهيونية. إن اليهود كونوا، بشكل دائم، جماعات يهودية تكونت، في معظم الأحيان، عن طريق التهويد، في مختلف مناطق العالم. إنهم لا يشكلون إثنية حاملة لنفس الأصل الأوحد والذي يكون قد انتقل على مرّ تيه امتد عشرين قرنا.

وأضاف أن تطور الكتابة التاريخية، مثل مسار التحديث يمران كما نعرف عن طريق اختراع أمّة، والأمّة شغلت الملايين من البشر في القرن التاسع عشر وخلال جزء من القرن العشرين. في نهاية القرن العشرين، رأينا تكسّر بعض هذه الأحلام. وقد قام باحثون، وهم في تزايد مستمر، بتحليل وتشريح وتفكيك المحكيات القومية الكبرى، وبشكل خاص أساطير الأصل المشترك العزيز على قلوب إخباريي ومؤرخي الماضي. إن كوابيس الأمس الهوياتية ستترك مكانها، في قادم الأيام، لأحلامِ هوية أخرى.

وسأكمل بمشيئة الله في العدد القادم ماهية الطرح الذي نشره الباحث والبروفسور اليهودي (شلومو زاند) ولماذا هذا الكتاب وفي هذا الوقت؟ ولماذا انتشر هذا الانتشار؟ وما علاقته بالمؤرخين اليهود الجدد؟ وما الحل الذي طرحه الباحث في آخر كتابه؟ وكيف كانت الانتقادات على ذلك الكتاب من اليهود والمستشرفين والمؤرخين الغربيين؟ وما مدى استفادتنا نحن المسلمين أصحاب الحق والأرض والمقدسات مما كتبه ذلك الباحث؟

متى وكيف اخترع الشعب اليهودي)؟! (2/2)

نكمل قراءاتنا لكتاب (متى وكيف اخترع الشعب اليهودي?) للبروفسور (شلومو زاند)، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب, والصادر عن دار فايار في باريس؛ حيث تقدم قائمة أكثر الكتب مبيعاً في الكيان الصهيوني؛ وترجم إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية ولغات عدة. وقد أعلن فيه صراحة أن غرضه من الكتاب تفنيد ادعاءات اليهود بحقهم التاريخي في أرض فلسطين، من خلال البرهنة على أنهم ليسوا شعباً ذا ماضٍ مشترك أو رابطة دم وأصل واحد إضافة إلى كونهم لا ينتمون إلى هذه الأرض. وفي هذه الحلقة سنبحث في ماهية الطرح الذي نشره الباحث والبروفسور اليهودي (شلومو زاند) ولماذا هذا الكتاب وفي هذا الوقت؟

ولماذا انتشر هذا الانتشار؟
وما علاقته بالمؤرخين اليهود الجدد؟
وما الحل الذي طرحه الباحث في آخر كتابه؟ وكيف كانت الانتقادات على ذلك الكتاب من اليهود والمستشرقين والمؤرخين الغربيين؟ وما مدى استفادتنا نحن المسلمين أصحاب الحق والأرض والمقدسات مما كتبه ذلك الباحث؟
ولماذا الآن هذا الكتاب؟

لا شك أن الكيان الصهيوني يعيش الآن بعزلة أكبر من أي وقت مضى - بل منذ قيامه وإلى الآن - والكثير من قادة هذا الكيان العسكريين لا يجرؤون على زيارة بريطانيا وبعض الدول الأوروبية خشية الاعتقال والمساءلة، بعد أن رفعت عليهم قضايا جرائم حرب، على الرغم من وقوف الحكومات الأوروبية مع الكيان الصهيوني كوجود واستمرار. أحداث وضعت قادة اليهود في مأزق حقيقي، فمنذ سنة 2000 م – على وجه الخصوص – أخذت الاعتداءات تتوالى وبأبعاد واتجاهات مختلفة - من اقتحامات للمسجد الأقصى، وحرب تلتها مذابح في الضفة كمذبحة جنين، وتهويد في القدس، وحصار وحرب على غزة، وجرائم حرب مصورة، وأسلحة محرمة، واعتداءات على سفن الإغاثة والنصرة، وإضعاف للسلطة التي وقعوا معها اتفاقات أوسلو، حواجز واعتقالات واغتيالات واستيطان يستشري في الضفة، وتصريحات وتبريرات إعلامية يهودية لا تنطلي حتى على السفهاء من الناس.

ولتدارك ما فات عقدوا المحاكم لبعض ضباط وجنود الاحتلال والذين صورتهم عدسات الكاميرات وهم يجردون عزلاً من ثيابهم ثم يعدمونهم بكل برود، محاكم شكلية طالما سمعنا بها، والجديد فيها أنها جرمت الجنود، بعدما كانت في السابق تجرم الضحية. والاعتداء على أسطول الحرية أدخلهم في مأزق جديد، ووتّر العلاقات مع الدولة الحليفة (تركيا)، وبعض الدول الأوروبية التي كان على متنها بعض رعاياهم، فشكلوا لجنة تحقيق في ملابسات هذا الاعتداء، ورفضوا تشكيل هيئة دولية محايدة تحقق فيما جرى.

فلا يستطيع الكيان اليهودي أن يستمر في هذه العزلة، بعد أن ضعفت أدواته في مواجهة النشاط المضاد لممارساته، حيث علت مستويات من يتبناه من أعضاء في البرلمانات الأوروبية ونشطاء مشهود لهم بالوقوف مع القضايا العادلة في بقاع الأرض.

كان لزاماً لهذا الكيان أن يخرج من مأزقه، بالانتقال لمرحلة واستراتيجية جديدة يغير فيها خطابه، ويقدم التنازلات – بزعمه – من أجل العيش بسلام!! ولا حل يعطيه الاستمرار في الوجود على الأرض المغتصبة أفضل من مصطلح (حل الدولتين)، وهذا التغيير لا بد له من تهيئة داخلية أولاً ثم عالمية ليهود الشتات.

ولتوزيع الأدوار نشط اليهود في الغرب، وأطلقوا وثيقة بعنوان (نداء للعقل) وقع عليها أكثر من ثلاثة آلاف يهودي أوروبي من بينهم مفكرون مرموقون تندد بسياسات إسرائيل الاستيطانية وتحذر من خطورة دعم الحكومة الإسرائيلية دون تحفظ، وكان من بين الموقعين على العريضة الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي، ودانيال كوهن بنديت زعيم الخضر في البرلمان الأوروبي. وهؤلاء الموقعون يعتبرون أنفسهم مدافعين عن إسرائيل ومخلصين لها، بيد أن صبرهم بدأ في النفاد, والقلق الصادق يملأ أفئدتهم؛ لأن إسرائيل تواجه خطرًا يتمثل في «الاحتلال ومواصلة سعيها لإقامة المستوطنات في الضفة الغربية والأحياء العربية من القدس الشرقية».

وبدأ يشاع أن غالبية يهود بريطانيا مع حل الدولتين، حيث أظهرت دراسة مسحية أجراها معهد أبحاث السياسات اليهودية على أربعة آلاف شخص من يهود بريطانيا، أن اليهود البريطانيين يتعاطفون بقوة مع إسرائيل, ويؤيدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها, لكنهم يرون أن عليها الآن مساعدة الفلسطينيين على إنشاء دولتهم الخاصة, حيث يؤيد أكثر من ثلاثة أرباع اليهود البريطانيين (77%) «حل الدولتين» بوصفه «الطريقة الوحيدة» لإحلال السلام بالشرق الأوسط, وقال أكثر من 52% منهم: إنهم يؤيدون إجراء الحكومة الإسرائيلية مباحثات مباشرة مع (حماس).

وحسب هذه الدراسة فإن 95% من عينة قوامها نحو 4000 من يهود بريطانيا قالوا إنهم زاروا إسرائيل (مقابل 87% بدراسة 1995)، وإن 90% يرون في إسرائيل (أرض الأجداد) للشعب اليهودي. ويشعر 86% بأن على اليهود مسؤولية خاصة لبقاء هذا الشعب، ويصنف 72% أنفسهم بأنهم صهاينة، علماً بأن يهود بريطانيا أكثر تعلقاً بـ (الدولة العبرية) منهم في أمريكا، ونقلت صحيفة (ذي جويش كرونيكل أونلاين) البريطانية عن البروفسور في السياسة الاجتماعية اليهودية في نيويورك ستيفن كوهين قوله: «إن اليهودية البريطانية أكثر ارتباطاً بإسرائيل من اليهودية الأمريكية».

وعلق المدير السابق لمعهد أبحاث السياسات اليهودية أنطوني ليرمان على نتائج الدراسة بقوله: «على الرغم أن بعض نتائج الدراسة توفر تطمينات للمنظمات اليهودية والجماعات الموالية لإسرائيل بشكل قوي في المملكة المتحدة وللحكومة الإسرائيلية الراهنة»، فإن أرقاما وبيانات تشير إلى وجود أقلية كبيرة، وفي بعض الأحيان أغلبية، تتبنى موقفا ناقدا بشكل قوي لإسرائيل؛ كما أن ثمة ميلا يهوديا كبيرا لرؤية الأشياء من منظور فلسطيني، وهذا يتجسد في اعتراف 55% بأن «إسرائيل قوة محتلة بالضفة الغربية»، وفي إقرار 47% بأن «معظم الفلسطينيين يرغبون في السلام».

وسبق ذلك تكشف حقائق الكثير من الأمور والممارسات، مما دفع نقابة الجامعات والمعاهد ببريطانيا «(يو سي يو) كبرى نقابات التعليم العالي في بريطانيا والتي تضم في عضويتها أكثر من (120) ألف منتسب، إلى تبني قرار مقاطعة الجامعات العبرية تضامنا مع الفلسطينيين؛ بل طالب القرار الاتحاد الأوروبي بالعمل على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية العبرية ووقف الدعم المالي لها. وتلا ذلك الدعوة لمقاطعة المنتجات التي تصنع في المغتصبات اليهودية في الضفة الغربية، وعلت أصوات الكثير من المؤسسات المدنية في الغرب المطالبة باتخاذ قرارات وإجراءات بحق هذا الكيان الظالم، وترادف مع ذلك تراجع في تأثير (اللوبي) الصهيوني متمثلاً في المؤسسات بكل قطاعاتها. تلك هي الأجواء العالمية التي تعيشها الحكومات والشعوب في الغرب، وفي خضم تلك المتغيرات صدر كتاب (زاند) ليمهد الطريق لقبول حل الدولتين.

ماذا وراء الحلول؟!

يرى الكاتب أن التفاهم بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين)، مفيد وحيوي من أجل بقاء (إسرائيل) يقول نصاً: «كل شركاء السلام عليهم أن يعرفوا أن تفاهما مشتركا حول دولة فلسطينية، إن تحققت، سيسجل ليس فقط نهاية مسار طويل ومؤلم، بل يسجل بداية مسار آخر طويل وضروري». ويُخْشى على الليل الكابوسي أن يكون متبوعاً بفجر مقلق. إن القوة العسكرية الهائلة لـ (إسرائيل) وسلاحها النووي وحتى الجدار الخراساني العظيم الذي انغلقت فيه لن تساعدها على تجنب تحويل الجليل إلى (كوسوفو). فمن أجل إنقاذ (إسرائيل) من الهوة المظلمة التي تحفرها لنفسها ومن أجل تطوير علاقاتها البالغة الهشاشة مع محيطها العربي، فإنه من الضروري جدا إجراء تغيير أساسي للسياسة الهوياتية الإسرائيلية».

لذا اجتهد للتدليل على أن هناك قواسم مشتركة قائمة بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين العرب، وأن كلتا المجموعتين تدعي نفس الأرض، وكلتيهما واجهت القمع والتشريد وكلتيهما وتطالب بـ (حق العودة)!! فلماذا لا نعيش نحن الطرفين في دولة واحدة؟!

لأنه يرى أن الحل الأمثل لمائة عام من الصراع هو (دولة ثنائية الهوية): «دولة ديمقراطية ثنائية القومية تمتد من البحر المتوسط إلى نهر الأردن». ولكنه يعترف بأن المسألة معقدة: «لن يكون من المعقول أن ننتظر من شعب يهودي (إسرائيلي)، بعد صراع طويل ودام، وبسبب المأساة التي عاشها عدد كبيرٌ من مؤسسيه المهاجرين في القرن العشرين، أن يقبل بأن يصبح يوماً أقلية في بلده».
وبعد ذلك العرض قدم الكاتب نصيحة قاسية لليهود في فلسطين ولمن سينتقدونه: «إذا كان ماضي أمّةِ ما يتعلق جوهرياً بأسطورة حُلْميّة، فلماذا لا يُبْدأ في إعادة التفكير في المستقبل، قبل أن يتحول الحلم إلى كابوس؟».

(شلومو زاند) والمؤرخون الجدد:

(شلومو زاند) ينتمي إلى مجموعة المؤرخين الجدد الداعين إلى مراجعة تاريخ الصراع العربي وإعادة النظر في الروايات التي ترادفت مع قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، من خلال مراجعة الصيغة التاريخية الرسمية، وتنقيتها من الأكاذيب ومن حيل الحرب النفسية التي تحولت إلى مسلمات في الطرح الصهيوني!!

تلك الحركة (المؤرخون الجدد) يطلق عليهم أحيانا مدرسة (التاريخ الإسرائيلي الجديد)، ويطلق عليهم أيضا مصطلح (ما بعد الصهيونية)، وقد تبنت التكليف من حزب العمل وبرعاية خاصة من إسحق رابين للتمهيد للتسوية السلمية على أن يبدأ ذلك بالتمهيد لنشر حقيقة استحالة استمرار العداء الإسرائيلي للعرب على المستوى الذي كان عليه منذ عام 1948م وحتى اليوم.وقد عمل المؤرخون على الطعن في الرواية الرسمية واتفقوا على كونها مركبة من مجموعة مقولات أو ادعاءات باطلة أو غير دقيقة على الأقل، واتفقوا على تسميتها بـ(الأساطير الصهيونية) كون الصهيونية نجحت في ربط كل كذبة من أكاذيبها بواحدة من الأساطير اليهودية؛ وذلك حتى تقنع الرواية الرسمية بالمنطوق التاريخي الموحد بأن الصهيونية قد حققت معجزة إقامة (دولة إسرائيل).

والجديد في الطرح أن المؤلف بدلاً من العودة إلى عام 1948 أو إلى بداية ظهور الصهيونية - كما فعل الآخرون - يعود إلى الماضي السحيق ليثبت أن اليهود الذين يعيشون اليوم في فلسطين لا ينحدرون من نسل الشعب العتيق الذي سكن مملكة يهوذا خلال فترة الهيكل الأول والثاني؛ وإنما هم خليط متنوع من جماعات مختلفة اعتنقت في مراحل متباينة من التاريخ الديانة اليهودية.

و(زاند) من خلال كتابه هو على قناعة بأن اليهود لا يستطيعون أن يستمروا في الكذب، فما كان ينطلي على الجيل السابق لا يمر على الجيل الحالي، فلا بد من وسائل جديد بطرق إقناع جديدة حتى تقبل فكرة الدولة الواحدة؛ لإيجاد الصيغة المناسبة لاستمراريتها.

ولم يخرج كون هؤلاء المؤرخين - ومنهم (زاند) - يهودا يعشون على أرض مغتصبة، ويسهمون بشكل أو بآخر في استمرارية هذا الوجود على أرض فلسطين، ويعملون على أن يخضع للعقل تاريخ الكيان اليهودي منذ التأسيس، دون التصدي للأساطير الدينية ولخرافاتها التي أوجدت هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين. ولعل ما سبق يوصلنا إلى حقيقة المؤرخين الجدد الذين يمكننا وصفهم بأنهم (محاربون في إسرائيل)، (ومن أجل إسرائيل)، فهم يخدمون الكيان اليهودي في مرحلته الحالية.

وقد حذر د.محمد أحمد النابلسي من الركوب في مقطورتهم، ورفض الاستجابة للدعوة إلى التدوين المشترك (عربي – إسرائيلي) للتاريخ، حيث إن الشيطان يكمن في التفاصيل، التي يجب علينا الانتباه عليها والتحذير من خطرها على مستقبل أجيالنا القادمة، والمرحلة الراهنة. حيث يصف د.محمد أحمد النابلسي في كتابه «يهود يكرهون أنفسهم» «المؤرخون الجدد» بأنهم منقبون في الوثائق المعلنة - بعد 30 سنة - من قبل المخابرات في الكيان اليهودي، ويعيدون صياغة هذه الوثائق لتسويقها وكأنها آراء ومواقف شخصية، ويقول: لذلك فأن «المؤرخ الجديد» هو مجرد نصاب - برأي المؤلف -ويحذر بشدة من الاستجابة للدعوة إلى التدوين المشترك (عربي – إسرائيلي) للتاريخ.ويرى طرف آخر من أن معرفة حقيقة «المؤرخون الجدد» لا تمنع من ترجمة مؤلفاتهم والاستفادة من مراجعاتهم التاريخية، وفضحهم للممارسات الصهيونية وأعمال القمع والقهر التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وقراءة ما يقدمه لنا المؤرخون الجدد من معلومات ووقائع ودراسات، واستثمارها في كشف أكاذيب اليهود وأساطيرهم، بنصوص ووثائق واعترافات تثبت حقنا بأرضنا ومقدساتنا.

الانتقادات على الكتاب:

واجه الكاتب مجموعة من الانتقادات على كتابه وأطروحاته، حيث وصف بأنه: «مظهر آخر من مظاهر الاضطراب العقلي للأكاديميين في أقصى اليسار في إسرائيل». أطرف الانتقادات ما صرح به السفير كيان الصهيوني في لندن بأن الكتاب «عمل لاسامي موّله الفلسطينيون»!!

وانتقد «بارتال» عميد كلية العلوم الإنسانية في الجامعة العبرية الكتاب ومع ذلك اعترف: «أن الصهيونية قد تمكنت من الأكاديميين في دراسة التاريخ الحقيقي لليهودية من خلال الهجرة والتحول التي من شأنها أن تضفي الشرعية على السعي من أجل الدولة اليهودية». وأيد «بارتال» ما طرحه «زاند» على أن أسطورة المنفى عن وطن اليهود (فلسطين) موجودة في الثقافة الشعبية الإسرائيلية، فإنها لا تكاد تذكر في المناقشات الجادة اليهودية التاريخية. ولا احد من المؤرخين اليهود يعتقد أن الأصول العرقية اليهودية البيولوجية نقية». ويعد الكتاب للكثير من اليهود الذين قرؤوه صدمة جديدة تضاف إلى ما ذكره المؤرخون الجدد من حقائق تنفي الأكاذيب التي أشاعها اليهود ليبرروا وجودهم على تلك الأرض المباركة.

ما الجديد في كتاب شلومو؟!

السؤال الذي يطرح، هل يهود اليوم من ذرية إسرائيل؟

ولا شك أن في اعتقادنا أن اليهود اليوم قسمان:

القسم الأول: ينحدرون في نسبهم من نبي الله إسرائيل وهم قلة قليلة لا نؤكدها ولا ننكرها.

والثاني: الذين اعتنقوا اليهودية ودخلوا فيها, وهم من غير بني إسرائيل, وهؤلاء يهود ماداموا قد اعتنقوا اليهودية, ومن الخطأ أن نقول يهود اليوم ليسوا يهودا، والصواب أن نقول أن يهود اليوم ليسوا من ذرية إسرائيل.

وما توصل إليه «شلومو زاند» قد أشار إليه عدد من المؤرخين المحققين وعلى رأسهم المؤرخ العربي أبو الفدا، فقد نبه إلى أن «اليهود» أعم من بني إسرائيل لأن كثيرا من أجناس العرب والروم والفرس وغيرهم صاروا يهودا ولم يكونوا من بني إسرائيل1. وغني عن البيان أن رأي «أبو الفدا» قد صدر عنه قبل قيام الصهاينة بقرون وأجيال، ولا يمكن أن يكون محل شبهة أو نزوع إلى العصبية العربية.وتلك الحقيقة العلمية كما اعترف بها عدد غير قليل من علماء اليهود ومفكريهم الأحرار، أن اليهود ليسوا شعبا ولا قوما، ولا جنسا، ولكنهم جماعات تؤمن بالديانة اليهودية منتشرة في جميع بقاع العالم وأن هذه الجموع تنتمي إلى أصول متعددة، وأجناس متباينة وأنها لا تستمد وجودها من أصول واحدة.

وفي هذا المجال نشير إلى ما كتبه علامة وهو محايد، الأستاذ أوجين بيتار أستاذ علم الأنثروبولوجيا في جامعة جينف من أن «جميع اليهود بعيدون عن الانتماء إلى الجنس اليهودي، وأن اليهود يؤلفون جماعة دينية اجتماعية، ولكن العناصر التي تتألف منها متنوعة تنوعا عظيما)، وقد أضاف الأستاذ بيتار أن "الصهيونية قد قذفت إلى فلسطين بجماعات يهودية متعددة الأصول والأجناس" .













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم 17-11-2011, 02:10 PM
الجشعمي
هذه الرسالة حذفت بواسطة الرقابة العامة. سبب آخر: بطلب من صاحبها
قديم منذ /27-11-2011, 02:58 AM   #39

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي صهيونية الخزر وصراع الحضارات

صهيونية الخزر وصراع الحضارات
ـ الحلقة الاولى / وليد محمد علي

هنا اعتقاد سائد سعى "اليهود" باستمرار لتكريسه. يقول بانتساب اليهود سلالياً للنبي التوحيدي إبراهيم الخليل (عليه السلام). وذلك في محاولة مستميتة منهم للتدليل على حقهم (كعنصر مبارك من الرب) في امتلاك ما تشتهي أنفسهم ( التي لا حدود لجشعها وطمعها) من أراضي وثروات الشعوب الأخرى (الأميين – الغوييم).

رحلة المباركة تلك تبدأ في "سفر التكوين" بلعنات يصبها نوح على كنعان. وبركات يمنحها نوح لسام. وتستمر الحكاية فتحصر البركات بقسم من أبناء سام يدّعي اليهود الانتساب له سلالياً سواء كانوا من العرق الزنجي، أو الأحمر، أو الأصفر أو غيره، أكانوا فلاشا أو خزر. ويجب على الجميع أن يسلموا دون أدنى اعتراض أو شك أو مجرد تفكير بانتساب اليهود الى "إبراهيم الخليل". رغم أن الصفات والأخلاق التي يحاولون لصقها به لا تتناسب إطلاقاً مع قدسية وسيرة إبراهيم الخليل التي تتحدث عنها المسيحية والإسلام. فماذا لو لم نستسلم لإلغاء عقولنا وتساءلنا، لماذا يلعن نوح (عليه السلام) حفيده كنعان على فعلة لم يقترفها، ولم يكن قد خرج الى الدنيا يوم حدثت وفق مروياتهم.

"... من الدلائل على أن سفر التكوين كتب بعد طروء بني إسرائيل على أرض كنعان، ونشوب العداء بينهم وبين الكنعانيين، قصة لعن نوح لكنعان المسجلة في إصحاحه التاسع حيث ذكر أن نوحاً قد سكر، وتكشف داخل خبائه، فرأى ابنه الصغير حام سوأة أبيه، فأخبر أخويه بذلك، فأخذا رداء وغطيا به سوأة أبيهما، فلما أفاق أبوهما أخبراه بما كان من حام فهتف (ملعون كنعان. عبداً يكون لعبيد أخوته. ويبارك الرب سام. وليكن كنعان عبداً له. يرحب الله ليافث ويكون كنعان عبداً).

فيكون اسم كنعان مقحماً إقحاماً لأن اسم الصبي الذي رأى سوأة أبيه هو حام، والسفر يذكر أن حام هو أبو كنعان، ولكن كنعان لم يكن قد ولد، ولم يكن ولد حام الوحيد، بل رابع أولاده كما يفيد السفر ذاته. وكما تقول توراتهم فلقد نشب عداء وصراع شديدان بين الكنعانيين ، وبين بني إسرائيل، حينما جاء هؤلاء قاصدين إبادة أولئك والحلول محلهم في وطنهم في شرق وغرب الأردن. ولا شك في أن لعن كنعان وتسجيل عبوديته لأخويه، وعبيد أخوته، متصل بذلك. ويكون هذا التسجيل بعد ذلك الطروء والعداء... والسفر يذكر أن إبراهيم الذي هو حسب ما ورد جد بني إسرائيل من ذرية سام فيكون هذا التسجيل من هذه الناحية توكيداً لافتعال الحادث وإقحام كنعان فيه، والقول بأن نوحاً قد لعنه ودعا ربه بأن يكون كنعان عبداً لسام ...).

لماذا لا تكون نفس العقلية التي فبركت تلك اللعنة، قد استعملت نفس الأسلوب في أكثر من موضع، وأكثر من رواية من روايات كتبهم "المقدسة"؟!!

ولماذا لا نخضع ما ورد في المرويات التوراتية للتمحيص والتدقيق وللعقل البشري الذي يشكل النعمة الأكبر التي منحها الباري (عز وجل) للناس واختصهم بها دون المخلوقات كافة.

"عندما تمت الاكتشافات في بلاد ما بين النهرين، وسوريا، ومصر، تبين للباحثين والدارسين أن أسفار التوراة "المقدسة" منقولة برمتها نسخاً، أو مسخاً عن الأداب والشرائع المصرية، والكنعانية، والبابلية..."(2).

وفي كتاب قيم أثار ضجة كبرى في الأوساط الصهيونية والمتصهينة رصد الأستاذ د. توماس ل. طومسون (أستاذ علم الآثار في جامعة ميلووكي الأميركية. والذي فقد وظيفته بضغط من الأوساط الصهيونية): مواقف الكثير من علماء التاريخ وباحثي الآثار. ويكتب أن – جي ويلهاوزن – سجل منذ قرن تقريباً أن الأسفار الخمسة الأولى، والكتب الستة الأولى من الكتاب المقدس، قد تم تشكيلها من أربعة مصادر مستقلة عن بعضها في الأصل ... وهي (المصادر اليهوهية والايلوهية والتثنية والكهنوتية) (3). ويضيف أن العنصر الأساسي في الدراسة التاريخية التي تعبّر عنه فرضية ويلهاوزن هو أن المصادر الأربعة للأسفار الخمسة الأولى يجب فهمها على أنها وثائق أدبية تم تأليفها وقت كتابتها، ولذلك فهي كمواد مؤلفة تعكس فهم ومعرفة مؤلفيها وعالمهم، هذا الافتراض أدّى الى نتيجة مفادها أنه لا يمكن أن نحصل منها على أي شيء تاريخي يعتمد عليه، عن المراحل السابقة لتاريخ إسرائيل. وبناء عليه فإن إمكانية الاستفادة من الأسفار الخمسة الأولى لإعادة تشكيل تاريخ إسرائيل القديم، السابق على وقت تأليفها قد انتفت تماماً..." (4).

كما رأى أن حكايات سفر التكوين فيها القليل مما له علاقة بالتاريخ بل تنتمي الى عالم الخيال... (5).

كما أن (توماس طومسون) يسجل موافقته على رأي جي غاربيني القائل إن كل تاريخ إسرائيل القديم، يجب أن يعتبر هيكلاً مصطنعاً شكلته دوافع لاحقة لأي بنية معروفة عن حوادثه ..."(6).

إن علماء التاريخ الذين تحررت أذهانهم من خلفية التاريخ التوراتي قد اتفقوا على القول بأن جميع قصص كتاب "العهد القديم" تقريباً، بما فيها قصة الأرض الموعودة، هي من صنع الخيال، وأنها كتبت في القرن الخامس قبل الميلاد، بعد زمن يتراوح ما بين خمسمئة وألف وخمسمئة سنة من وقوع الأحداث التي ترويها ..." (7).

ولا زالت المكتشفات الأثرية تؤكد يوماً بعد يوم، أن لا تاريخية للتوراة. فقد أوردت صحف 27/11/98 نقلاً (أ.ف.ب.) نبأ اكتشاف علماء الآثار قرب مدينة أريحا لبوابة أريحا القديمة محاطة بأسوار عدة.

وقال لورنزتيفرو عضو البعثة التي تمولها جامعة سابينزادي روما الإيطالية "نحن مقتنعون بإن البوابة التي شيدت بين العامين 1900 و 1550 قبل الميلاد هي بوابة المدينة الوحيدة ... وأضاف "أن البوابة موجودة في جنوبي شرق المدينة في إتجاه القدس ولذلك أطلق عليها اسم باب القدس. وكان يحمي البوابة برجان تصل سماكة كل منهما الى سبعة أمتار ... وكانت المدينة الواقعة على بعد 23 كيلومتراً من القدس في وادي الأردن قد أحرقت بأمر من الفرعون أحمس ثم هجرت في 3500 قبل الميلاد.

ولا تتطابق القصة الواردة في التوراة حول إستعادة يشوع للمدينة التي إنهارت أسوارها على صوت الأبواق (حسب زعم توراتهم) مع نتائج الحفريات الأثرية التي إنجزت حتى الآن.

إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن الهجرات البدوية، التي دخلت الى الهلال الخصيب في التاريخ القديم، قد انصهرت في إنسانه، وانطبعت بطابعه الحضاري في جميع مجالات الحياة. وتبعاً لذلك فإن الهجرة المسماة عبرانية قد انسحبت عليها هذه الحقيقة، ودخلت تحت سقف الحضارة الكنعانية: ديناً ولغة وأدباً وفناً وعمارة وصناعة، ولم يكن لها من الخصوصية ما يميزها في شيء، اللهم إلا تلك الردة الدينية – السياسية – الاجتماعية ، التي حصلت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، تحت تأثير المآسي التي نزلت بمملكة أورشليم وشعبها، والتي كانت لمّا تزل أليمة ساخنة لقرب العهد بها، وبتشجيع من السلطات الإمبراطورية الفارسية، التي كانت لها اليد الطولى في هذه الردة، التي اتخذت لنفهسا إلهاً خاصاً سحبته على موروثاتها الأسطورية والتاريخية، وكونت من وحيه شريعة لها، تقوم على ما زخرت به نفوس ذرية السبي من الكراهية للشعوب التي عايشوها، والشعوب التي عرفتهم حاكمة وعرفوها محكومين، وكتبت لشعبها تاريخاً من وحي هذا الإله وهذه الشريعة التي حرّمت عليهم أي تفاعل إنساني يمكن أن يؤدي بهم الى الانصهار في مجتمعهم الكنعاني، المنفتح بطبيعته الحضارية الراسخة ..." (8).

هكذا نرى أننا أمام صراع حضاري مفتوح، بدأ أساساً بين حضارة إنسانية منفتحة ومتفاعلة وحضارة عنصرية منغلقة اخترعت لأتباعها إلهاً خاصاً، لا يختص إلا بهم، وفبركت لهم نسباً ليتوهموا بالحماية، ومنع الناس من رؤية حقيقتهم وحقيقة أفكارهم وخطاياهم إن لم نقل جرائمهم بحق الإنسان والإنسانية.

كان لا بد من إرجاع أصلهم الى أقدس شخصية قديمة أي شخصية إبراهيم الخليل الذي كان صيته قد عمّ جميع أرجاء علمهم في تلك الأزمان. وقد حالفهم النجاح في سرد تاريخهم حسب أهوائهم بلباقة ومهارة لم يسبق لها نظير في الأدب القديم، وأضفوا عليه صبغة دينية ليضمنوا تقبّله من أتباعهم. وهكذا فقد أرجعوا تاريخهم الى إبراهيم الخليل، والىحفيده يعقوب (إسرائيل) فسموا جماعة موسى ببني إسرائيل على رغم كونهم ظهروا بعد إسرائيل بزهاء ستمائة عام، وذلك بغية ربط أصلهم بإبراهيم الخليل، وابتدعوا فكرة الشعب المختار التي كان إبراهيم الخليل ويعقوب وموسى بريئين منها... ثم جعلوا بني إسرائيل الموضوع الرئيسي الذي تدور حوله جميع الحوادث الواردة في التوراة، فهم عند واضعي التوراة موجودون في كل زمان وفي كل مكان حتى في الأدوار التي سبقت ظهور يعقوب الى عالم الوجود.

فقد اعتبرت وجود بني إسرائيل في عصر إبراهيم الخليل في القرن التاسع عشر قبل الميلاد قبل أن يخلق يعقوب (إسرائيل)!! كما أنها عدّت وجودهم بعد يعقوب لحوالي ستمائة عام، أي في عهد موسى ... ثم اعتبرت وجودهم في جميع الأدوار والأحداث التالية ومن ضمنها عهد الملوك وعهد الانقسام وما تلا ذلك، وحتى يهود الخزر الذين اعتنقوا اليهودية في وقت لاحق... وكذلك يهود أوروبا وأميركا ويهود العالم جميعاً هم على رأي التوراة نفس أبناء يعقوب الذي عاش قبل 3700 سنة فما أغرب هذا المنطق!!.

والأغرب من هذا كله هو أننا نجد الكثير من العلماء والباحثين يتقبلون مثل هذا الخلط. وهناك هدف آخر لذلك وهو الادعاء أن فلسطين وطنهم الأصلي على الرغم من تأكيد التوراة ذاتها أن فلسطين أرض غربة بالنسبة الى إبراهيم وإسحاق ويعقوب وبخاصة أبناء يعقوب (إسرائيل) الذين ولدوا في حران ونشأوا فيها، هذا إذا فرضنا أن قوم موسى هم بنو إسرائيل كما سمتهم التوراة. وهكذا فقد ابتدع مدوّنوا التوراة فكرة منح الرب أرض كنعان الى إبراهيم وذريته وأن الرب (إلههم يهوه الخاص بهم ) قد أمرهم بإبادة الكنعانيين هم وأطفالهم وشيوخهم ونساءهم ليحلّوا محلهم . هذا هو الدين الذي جاء به كتبة التوراة ونسبوه الى إبراهيم والى يعقوب والى موسى زوراً (9).

يبقى سؤال يلحّ في البال هل لعقل سليم أن يوافق: أن النبي إبراهيم أبو الأنبياء، والذي تتحدث عنه الأديان السماوية بكل تقدير واحترام هو نفس الشخصية التي تتحدث عنها المرويات التوراتية؟!

أو دعونا نصوغ السؤال على الشكل التالي: هل كان الأحبار الذين كتبوا التوراة في سنوات السبي في بابل مطلين إطلالة صحيحة على سيرة وحياة النبي التوحيدي إبراهيم (عليه السلام)؟!

وهو الذي ولد وترعرع وآمن بربه ورب العالمين الواحد الأحد هناك في ارض بابل. وإن كانوا كذلك فهل كانت سيرته تتناسب والأهداف التي ارادوها من وراء الإدعاء بالانتساب إليه (النبي إبراهيم). "إبراهيم الخليل" عليه السلام له منزلة عظيمة عند أبناء الديانات السماوية، فهو أبو الأنبياء وأول من جاهد في سبيل الدعوة الى اتباع الديانة التوحيدية وترك عبادة الأوثان.

وقد جاء في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي عرضت وقائع تاريخية صحيحة توصل العلم الى الإقرار بحقيقتها. وهي تقول بأن إبراهيم عليه السلام آمن بربه قبل أن يغادر موطنه حرّان وهذا ما يناقض ما جاء في المرويات التوراتية. فإبراهيم عليه السلام الذي آمن بالله وحده كان لا يترك فرصة إلا ويناظر قومه ويجادلهم في معبوداتهم، من ذلك تلك المحاورة التي أراد بها بيان بطلان عبادة الكواكب والشمس والقمر، وإظهار أن المعبود بحق هو الله وحده، قال تعالى:

<< فلما جن عليه اللّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين(76) فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين(77) فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي أكبر فلما أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون(78) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين(79) >> ... "سورة الأنعام"

... إن المتمعن في الآيات السابقة يرى حقيقة علمية للقرآن، فالقرآن يحكي عن المعبودات التي كانت في عصر إبراهيم وهي الكواكب والقمر والشمس وهي معبودات قديمة أقرّ العلم بوجودها بعد أن سبر تاريخ الأمم الماضية بواسطة الحفريات والآثار التي حصل عليها.ففي عصر إبراهيم وجدت عبادة القمر وكان يطلق عليه (نانار). كما عبدت الشمس وأطلق عليها (شماس) كما وجدت عبادة الكواكب وأشهرها الزهرة التي أطلق عليها (عشتار) وكوكب المريخ (مردوخ).

كما يذكر القرآن عن إبراهيم بأنه حطم الأصنام إلا كبيرها فقد جاء في سورة الأنبياء: << وتالله لأكيدن أصنمكم بعد أن تولوا مدبرين(57) فجعلهم جذذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون(58) >>، وتذكر الألواح التي عثر عليها في بابل أن مردوك كان كبير الآلهة عند أهل بابل وكان بجانبه الكثير من الآلهة الأصغر... (10).

وهناك أكثر من دليل جاء في القرآن الكريم يؤكد كذب ما جاء في توراتهم: << وإذ قال إبراهيم لأبيه أزر أتتخذ أصناماً ألهة إني أراك وقومك في ضلال مبين(74) >> [ الأنعام: 74].

إذن فوالد إبراهيم الخليل هو أزر وليس تارج كما جاء في سفر التكوين من توراتهم. وإله إبراهيم الخليل "عليه السلام" هو الله العلي الرحيم، لا يهوة إله "التوراة" الحاقد فسيدنا إبراهيم تلقى بركات ملكي صادق كاهن الله العلي الرحيم إله العالمين لا بركان "يهوه" إله القبيلة. وقد كان ادعاء اليهود بالنبوة لإبراهيم موضع نقاش بين اليهود والسيد المسيح كما يروي يوحنا المعمدان في انجيله (قالوا له: أبونا إبراهيم، قال لهم يسوع: لو كنتم أولاد إبراهيم، لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تريدون أن تقتلوني. أنتم من أب وهو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا) يو8 39 – 44.

ويقول البابا شنودة الثالث "... في إبراهيم يجتمع كل المؤمنين أياً كان أصلهم..." (11). هذا ما تقول المسيحية في إبراهيم الخليل وما قاله الإسلام. فماذا تقول توراة اليهود عن سيدنا إبراهيم.

"رفع أبراهام عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفين لديه، فلما ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد الى الأرض، وقال يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك" (12).

ويقول لهم "ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة. فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون. لأنكم قد مررتم على عبدكم. فقالوا هكذا نفعل كما تكلمت".

إذن فالرب عندهم كالبشر العاديين يأكل ويغتسل وكذلك ملائكته بعد أن يغتسلوا ويرتاحوا تحت الشجرة ماذا حدث؟!

"قالوا أين سارة أمراتك؟ فقال ها هي في الخيمة. فقال (الرب) إني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن. وكان سارة سامعة في الخيمة وهي وراءه. وكان أبراهام وسارة شيخين متقدمين في الأيام. وقد انقطع لسارة عادة كالنساء. فضحكت سارة في باطنها قائلة أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ؟ فقال الرب لأبراهام لماذ ضحكت سارة قائلة أجنا لحقيقة ألد وأنا قد شخت؟ هل يستحيل على الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن. فأنكرت سارة قائلة لم أضحك لأنها خافت فقال (الرب) لا بل ضحكت" (13).

انتبهوا هنا فالرب يجادل سارة ويناكفها، بل ويكذبها وتكذبه ولكن لا يغضب منها رغم سخريتها مما قال... أليست جدة شعب الله المختار!! الذي تغفر له كل الذنوب!!

وإبراهيم عندهم وتحت وطأة خوفه من الملوك وطمعاً في الثروة. يقدم لهم زوجته سارة لكي لا يؤذوه (هل يعقل هذا وهو الذي تحدى قومه ولم يخف النار التي ألقوه فيها تمسكاً بديانته التوحيدية).

فحسب مروياتهم .. في مصر ترك إبراهيم زوجته سارة ليضاجعها فرعون وحقق من ذلك ثروة عظيمة، الى أن اكتشف فرعون أن المرأة زوجة إبراهيم، لا أخته فطرده وإياها وبقية عشيرته من أرض مصر وبنى حائطاً وراءهم ليمنعهم من العودة. وهو حسب تلك المرويات لم يكتف بذلك فقد أعاد الكرة مع أبي مالك "ملك الفلسطينيين" عندما حلّ بأرض كنعان. ادّعى ثانية أن زوجته هي أخته، فكان "أن أرسل أبو مالك وأخذ سارة. فجاء الله الى أبي مالك في الحلم بالليل وقال له أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها فإنها متزوجة ببعل. ولكن لم يكن أبو مالك (لسعد طالعه) قد اقترب منها. فقال يا سيد أمة بارة تقتل؟ فقال الله في الحلم أنا أيضاً علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضاً أمسكتك عن أن تخطئ إلي. لذلك لم أدعك تمسها. فالآن رد امرأة الرجل فإنه نبي فيصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها فاعلم أنك موتاً تموت وأنت وكل من لك" (14).

الفقرة السابقة الواردة في سفر التكوين توحي وكأن أبو مالك الفلسطينيين كان يؤمن برب إبراهيم، أو أن يكون المتحدث هو آيل إله الكنعانيين. أما ثالثة الأثافي، فهو ما تقوله توراة السبي من أن سارة هي أيضاً أخت إبراهيم.

" ... وبالحقيقة أيضاً هي (سارة) أختي ابنة أبي. غير أنها ليست ابنة امي. فصارت لي زوجة. وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي قلت لها هذا معروفك الذي تصنعين لي في كل مكان نأتي إليه قولي عني هو أخي " (15).

وهذا الأمر (الزواج) من الأخت سواء أخت من الأم أو من الأب مرفوض من قبل كل الشرائع، فمضاجعة المحارم من أفظع الخطايا. وسفر اللاويين، كهنة موسى الأقربين، صريح وقاطع في ذلك "وإذا أخذ رجل أخته بنت أبيه أو بنت أمه ورأى عورتها أو رأت عورته فذلك عار. يقطعان أمام أعين شعبهما. قد كشف عورة أخته. يحمل زنية" (16). ومضاجعة الأخت، بنت الأب أو بنت الأم، اعتبرتها اللاهوتية التي عبّر عنها سفر اللاويين وسفر التثنية، من أفظع الجرائم التي تستوجب تمزيق أوصال مرتكبها، فهي أفظع من مضاجعة بهيمة، ولا يفوقها فظاعة إلا قتل اليهودي لليهودي (لا للأممي) ومخالفة لتعاليم الناموس (17).

هذه التخرصات تدحضها نتائج أبحاث علماء الآثار والتاريخ الذين اكتشفوا مسألة غاية في الأهمية وهي أن إبراهيم الخليل كان ينتمي الى حضارة عظيمة، الأمر الذي دفع مكتشف مدينة "أور" مسقط رأس "إبراهيم" العالم "ورلي" الى القول "إذن لم يكن إبراهيم راعياً" كما صورته التوراة. فهو ابن حضارة وتمدن وقيم وعقيدة تمنعه من ارتكاب جريمة الزواج من أخته او مبادلة زوجته بقطعان من الماشية والحمير كما تدعي "توراتهم" فمدينة "أور" إحدى أقدم المدن في العالم، شيدت فيها الأهرامات المتدرجة في عصر سحيق، وكانت حضارتها ترتكز على الزراعة ... وكانت من أوائل المدن التي دخلت فيها صناعة النسيج والمعادن النحاسية والبرونزية وأدوات التجميل. هل من عقل سليم يقبل بتاريخية كتاب يدعي أن ابن هكذا حضارة وأبو الأنبياء يمكن له أن يتزوج من أخته ويبادلها بمنافع تافهة.

كل ما ذكرنا سابقاً هل يجعل من شك عند كل صاحب بصيرة وعقل أن لا علاقة البتة بين إبراهيم الخليل أبي الأنبياء، وتوراة أحبار السبي – إلا مسخ ما تناقلته الألسن عن قصص الأولين بما يتناسب مع العقد النفسية التي أصابت يهود مملكة يهوذا بعد السبي. وبما أرادوه تبريراً لعدوانيتهم وحقدهم وإجرامهم بحق الإنسان والإنسانية. التناقضات والمبالغات في التوراة كثيرة جداً، ولا مجال لسردها، فذلك الأمر يحتاج الى كتاب من الحجم الكبير. وعلى كل من يرغب في التعرف الى تلك التناقضات العودة الى توراتهم وقراءتها بموضوعية وعلمية. ونضيف الى ما أوردناه سابقاً بعض الأمثلة النافعة بشكل مختصر جداً:

سفر التكوين يتحدث أن أدم عاش تسعمائة وثلاثين سنة، ونوح عاش أيضاً تسعمائة وخمسين سنة.

سفر القضاة جاء فيه أن شمشون قتل ألف فلسطيني بفك حمار.

سفر الملوك ذكر أن بني إسرائيل ضربوا من الآراميين في مملكة دمشق مائة ألف رجل في يوم واحد. ويقول المؤرخون إن سكان مملكة دمشق في ذلك التاريخ (حوالي عام 890 ق.م.) لم يبلغوا المائة ألف.

أما سفر يشوع فيقول أن يشوع أوقف الشمس والقمر حتى ينتهي من القضاء على أعدائه. وإن مدينة أريحا قد سقطت بمجرد أن قرع الإسرائيليون الطبول ونفخوا في الأبواق والزامور وصرخوا بأصواتهم.

الى كل ذلك نضيف أن قرناً ونصفاً من العمل والجهد إضافة الى الإمكانيات التي وضعت تحت تصرف الباحثين عن "آثار التوراة" في ما أسموه "أرض التوراة". بهدف العثور على مكتشفات أثرية تتطابق مع التصور المرسوم مسبقاً لهؤلاء الباحثين. كانت نتيجتها أن المكتشفات الأثرية التي عثروا عليها ليس فيها من أثر لرجالات إسرائيل القديمة التي تحدثوا عنها.

ويضاف تحفظ علماء الآثار الصهاينة على القسم الذي بحوزتهم من مخطوطات "قمران" المحفوظة في متحف "روكفلر" في القدس المحتلة. وحملتهم الشديدة على من سمحوا للباحثين بالإطلاع على ما توفر من تلك المخطوطات في مكتبة "هنغتون" في لوس أنجلوس. وكذلك الإتهامات التي نشروها بحق "جون ستروغنل" رئيس الهيئة الدولية التي تشكلت لتعمل على ترجمة نصوص "قمران" ووضعها بتصرف العلماء، والرأي العام. فبعد أن عمل "جون ستروغنل" 35 عاماً على بعض نصوص "قمران" التي وصلت إليه – ثم على الوثائق الكاملة التي تمكنت مكتبة "هنغتون" من الحصول عليها. غضبت عليه اللجنة "الإسرائيلية" المكلفة ملف مخطوطات "قمران" بحجة أنه باح بأسرار لا يجوز البوح بها. وكالعادة فإن هذا المؤرخ المحترم اتهم بمعاداة السامية ليس لسبب حسب زعمهم إلا لأنه وصف الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والرئيس السابق للنمسا "كورت فالدهايم" بالرجل العظيم. ورغم أن ذلك العالم نفى بشدة عداءه للسامية. فقد سارعت "المجلة الأثرية التوراتية" ونشرت رسالة موقعة من قبل خمسة من أعضاء الهيئة الدولية متهمة رئيسها "جون ستروغنل" بالاختلال العقلي مطالبين باستقالته وبالطبع عزل الرجل الذي أراد إزاحة اللثام عن بعض المكتشفات الأثرية لمخطوطات "قمران".

1) محمد عزة دروزة – العدوان الإسرائيلي القديم ص 16 2) جورجي كنعان – وثيقة الصهيونية – ص 20 3) توماس طومسون – التاريخ القديم للشعب اليهودي ص 9 4) المصدر السابق نفسه ص 10 5) المصدر السابق نفسه ص 12 6) المصدر السابق نفسه ص 83 7) موسى مطلق إبراهيم – وعد التوراة من أبرام الى هرتزل ص 33 8) موسى مطلق إبراهيم : وعد التوراة ص 33 9) أحمد سوسه – العرب واليهود – ش 10) للتوسع أنظر الجزء الثاني من قصة الحضارات: ويل ديورانت وإبراهيم أبو الأنبياء لعباس محمود العقاد 11) البابا شنودة الثالث: إسرائيل في نظر المسيحيين 12) سفر التكوين / 1: 18 – 20 13) تكوين / 18: 4 – 5، 9-18

صهيونية الخزر وصراع الحضارات
ـ الحلقة الثانية

يقول توينبي: "إنه من سخرية القدر أن شعب الجليل الذي تهود بالقوة أنجب يسوع المسيح الذي عارضه زعماء اليهود في ذلك العصر مما أضاع على اليهودية مستقبلها" (1).

من نماذج التهوّد البارزة كان تهوّد أنتي جونوس الذي قبل اليهودية مجبراً، بهدف استرضاء اليهود والاحتفاظ بحكم أورشليم، والذي كان قد تسلمه بمساعدة الفرس (43-40 ق.م.) (2) وبسقوط أنتي جونسون انتهت السيادة الاسمية لليهود على أورشليم وهي السيادة التي بدأت بعد مجيء اليهود من بابل بدعم وإشراف الملك أرتحششتا ملك الفرس (كما أشرنا سابقاً) وكانت سيادة منقوصة تابعة لدول أخرى (الفرس، اليونان، الهلينيين).

من نماذج التهود الجماعي كان نموذج التهود في اليمن كان ذلك في القرن الرابع ميلادي حيث الحياة الاقتصادية والتجارة رائجة في بلاد اليمن فحاول اليهود بحكم الحس التجاري عندهم التغلغل في تلك البلاد. فعملوا للتقرب من الملك (تبع بن أسعد كرب) ملك الحميريين، وبعد أن أوضح حبران من أحبار يثرب مدى الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها من جرّاء تهوّده اعتنق تبع اليهودية. وأدخلها الى اليمن في القرن الرابع الميلادي بالقوة والإجبار. وكان جزاء كل من يعارض سياسة ذلك الملك ويرفض التهود، السجن والعذاب الشديد وصولاً الى حرق الأحياء وما قصة أصحاب الأخدود الواردة في القرآن الكريم إلا نموذجاً لذلك العذاب. وبفضل ذلك الملك الحميري انتشرت اليهودية في بلاد اليمن (3).

ويبقى تهوّد مملكة الخزر من أبرز حالات التهود في التاريخ، وكان لها الأثر البارز في مصير اليهود الى يومنا هذا.

يقول بنيامين فريدمان:

"إن ما تفضحه أصول 327 مرجعاً ودراسة من حقائق عنا لخزر التي تضمها مكتبة نيويورك العامة، وغيرها من المراجع والدراسات (...) مختصر في "الموسوعة اليهودية" طبعة 1903 تشير الى أن الخزر: شعب خليط تركي، فنلندي، مغولاني (شبيه بالغول) غامض الأصول بالنسبة لوجوده التاريخي في قلب آسيا، شق طريقه بحروب دموية في حوالي القرن الأول قبل الميلاد نحو أوروبا الشرقية، حيث أقام مملكة الخزر ... "وامتزحت حياته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا ... أكرهته القبائل البدوية في السهول من جهة، دفعه توقه الى السلب والانتقام من جهة أخرى ... على توطيد أسس مملكة الخزر في معظم أجزاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفارانجيين (سنة 855م) بتأسيس المملكة الروسية ... في هذا الوقت (855م) كانت مملكة الخزر في أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة ... وعند نهاية القرن الثامن .. تحول ملك الخزر ونبلاؤه وعدد كبير من شعبه الوثنيين الى الديانة اليهودية ... كان عدد السكان اليهود ضخماً في جميع أنحاء مقاطعة الخزر، خلال الفترة الواقعة بين القرن السابع والقرن العاشر... بدا عند حوالي القرن التاسع، أن جميع الخزر أصبحوا يهوداً، وأنهم اعتنقوا اليهودية قبل وقت قصير فقط" (4).

ويقول المسعودي: "وقد كان تهود ملك الخزر في خلافة الرشيد، وقد انضاف إليه خلق من اليهود وردوا إليه من سائر أمصار المسلمين ومن بلاد الروم، وذلك أن ملك الروم في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة (هجرية) وهو أرمنوس نقل من في ملكه من اليهود الى دين النصرانية وأكرههم" (5) لقد أكد المؤرخون الحديثون وعلى اختلاف جنسياتهم – مع استقلالهم عن بعضهم – "أن الغالبية العظمى من اليهود المعاصرين ليسوا من أصل فلسطيني، وإنما هم من أصل قوقازي، وأن التيار الرئيسي للهجرات اليهودية لم ينبثق من حوض البحر المتوسط عبر فرنسا وألمانيا توجهاً نحو الشرق ثم عائداً أدراجه ثانية، ولكنه تحرك في اتجاه ثابت دائم نحو الغرب، بادئاً من القوقاز، عابراً أوكرانيا الى بولندا ومنها الى أوروبا (...) وإذا كان عسيراً أن نحدد نسبة الخزر العددية الى العناصر السامية وغيرها، فإن الدلائل المتراكمة تجعل المرء ميالاً الى الأخذ بالإحصاء الموثوق الذي قدمه المؤرخون البولنديون، والدال على أن "الغالبية العظمى في العصور السابقة كان أصلها من بلاد الخزر "ومن ثم الى قبول أن الخزر قد أسهموا في البنية التحتية السلالية لليهود إسهاماً جوهرياً بالضرورة وله السيادة والغلبة وفق أقوى الحالات" (6).

"والحقيقة أن من يزعمون أنفسهم "يهودا"، المتحدرين تاريخياً من سلالة الخزر، يشكلون أكثر من 92 بالمائة من جميع من يسمون أنفسهم "يهودا" في كل مكان من العالم اليوم (...). ويؤيد أكثر مشاهير العالم وعلماء علم الإنسان وعلماء الآثار وعلماء اللاهوت والمؤرخون والعلماء عامة في كل حقل من حقول البحث العلمي. المختصون بموضوع خزر أمس "ويهود" اليوم، والمراجع والأسانيد التي تبرهن بدون أي شك عن حقائق وأرقام تظهر ما وراء هذه المسألة، مؤكدة على أن ما لا يقل عن 92 بالمائة من جميع من يزعمون أنفسهم "يهودا" في العالم اليوم، يتحدرون ممن عرفوا بـ "يهود" السلالة الخزرية تاريخياً. وهؤلاء العلماء المشاهير يقدمون أيضاً حقائق وأرقاماً تؤكد على أن 8 بالمائة المتبقية ممن يزعمون أنفسهم "يهودا". يتحدرون من السكان الوثنيين البدو القدامى في أفريقيا وآسيا وحوض البحر المتوسط. الذين تحولوا الى عبادة يهوه، قبل تحول الخزر من عبادة قضيب الرجل الى عبادة يهوه" (7).

"وثمة مصدر مهم آخر لعملية التهود هو العدد الكبير من الناس الذين تحولوا الى اليهودية، وكانوا من أجناس شديدة الاختلاف، وممن يمثلون الهوس الديني لليهود في العصور القديمة: فلاشا الحبشة السود البشرة ويهود كاي – فنج الصينيون الذين يشبهون مواطنيهم، واليهود اليمنيون ببشرتهم الزيتونية الداكنة (كنا قد أشرنا الى كيفية تهودهم بالقوة) وقبائل برابرة الصحراء اليهود الذين يشبهون الطوارق" (8).

1) جي نوبيرغر: الفرق بين اليهودية والصهيونية ضمن أبحاث ندوة طرابلس – ليبيا ص 192 2) أرنولد تيبني –دراسة في التاريخ – مطبعة أكسفورد. 1960 نقلاً عن عبد الوهاب الكيالي تاريخ فلسطين الحديث ص 17 3) للتوسع: ثريا منقوش – التوحد في تطوره التاريخي 4) بنيامين فريدمان : يهود اليوم ليسوا يهوداً ص 19 5) المسعودي: مروج الذهب الجزء الأول ص 212 6) أرثر كوستلر: القبيلة الثالثة عشر ص 226 7) بنيامين فريدمان – يهود اليوم ليسوا يهوداً ص 45

أسباب تهود الخزر

ونعود الى مناقشة الأسباب التي كانت وراء تهود أجداد من يشكلون الغالبية الساحقة من يهود اليوم وفق تواتر المصادر التاريخية.

وهناك عدة روايات حول تلك الأسباب:

فالمسعودي مثلاً يعيد ذلك الى هرب اليهود من الإمبراطورية الرومانية التي كانت ترغمهم على التحول الى الديانة اليهودية، فهرب هؤلاء الى بلاد الخزر الواقعة على مصب نهر الفولغا وجواره فوجدوا هناك جنساً ذكياً ولكنه غير متعلم وقد عرضوا عليه دينهم. فاقتنع أبناء الجنس بمحاسن الدين اليهودي وأنه أفضل من دينهم الوثني فاعتنقوه.

أما البكري في كتابه الممالك والمسالك فيقول ما ملخصه أن ملك الخزر (الخاقان بولان) كان قد اعتنق المسيحية ثم تخلى عنها بعد أن اكتشف زيفها. فطلب من أتباع الكتب المقدسة (التوراة – الإنجيل – القرآن) أن يرسلوا عنهم ممثلين ليشرحوا له حسنات كل من الديانات الثلاثة، وكان له أن اقتنع بالدين اليهودي، نتيجة لخدعة، وتلاعب على الحديث بطريقة تذكرنا برواية خداع عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في التحيكم بين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان.

إلا أننا إذا ما استعرضنا واقع مملكة الخزر بين بلاد المسلمين وبلاد المسيحيين وتذكرنا عقلية اليهود ودورهم في التجارة الدولية نستطيع أن نستنتج أن ملك الخزر في ذلك الزمان (الخاقان بولان) كان قد أدرك أن الوسيلة الأنجح التي تمكنه من التفلت من التبعية للإمبراطورية المسيحية أو الخلافة الإسلامية وبالتالي عدم دفع الضرائب لأي منهما، هو اعتناق دين ثالث يجعله مميزاً عن كل منهما ومقبولاً منهما في آن. خاصة وأن الوثنية التي كان عليها أبناء الخزر ممقوتة ومكروهة من المسيحيين والإسلام على حد سواء.

فكان التهود هو الخيار الثالث، فهو إضافة لما سبق يمنحهم فرصة ذهبية للدخول الى عالم التجارة الدولية التي كان يسيطر عليها اليهود ويمكنهم من لعب دور الوسيط التجاري بين الإمبراطوريتين المسيحية والإسلامية.

هذا الأمر تقاطع مع مصالح اليهود. فقد كانوا يبحثون عن بلاد يلجؤون إليها وتحقق لهم مصلحة مزدوجة:

1- الخروج من كنف الإمبراطورية الرومانية حيث كان يفرض عليهم اعتناق المسيحية بالقوة.

2- يمكنهم من الركون الى دولة قوية يعتمدون عليها وتشكل قاعدة ارتكاز وحماية لهم وتساعدهم في فتح أسواق تجارية في العديد من البلدان التي تقيم علاقات مع تلك الدولة.

التهود في الإمبراطورية الرومانية

بلغ اعتناق اليهودية ذروته في الإمبراطورية الرومانية فيما بين سقوط الدولة اليهودية وظهور المسيحية، فقد تهودت كثير من العائلات النبيلة في إيطاليا ... ويتحدث فيلو عن التحول الضخم الى اليهودية في اليونان... ويكتب المؤرخ اليهودي ريناك "لقد كان الهوس الديني حقاً إحدى أبرز سمات اليهودية خلال العصر الإغريقي – الروماني، ولا شك أن اليهودية حققت بهذه الطريقة تحولاً ضخماً إليها خلال قرنين أو ثلاثة ... ولا يمكن تفسير التزايد السريع لليهود في مصر وقبرص ... بدون افتراض امتصاص دماء غير يهودية وفيرة، وقد تماثلت سيطرة الهداية الدينية على كل الطبقات العليا والدنيا في المجتمع" (1). واستمر التهود على هذه الوتيرة حتى ظهور الديانة المسيحية وتعاليمها ذات الطبيعة الإنسانية الحضارية المتناقضة مع تعاليم ديانة يهوه القبلية. ثم كان الحظر الكنسي على الزيجات المختلطة مع اليهود "من قبيل ما أصدره مجمع طليطلة سنة 580 م، ومجمع روما سنة 743 م ومجمع لاتيران الأول والثاني سنتي 1123 ، 1139" وقد توقف الأمر تماماً مع بداية ظاهرة الغيتو وأسواره العالية وإن كان قد عاد بعد انهيار تلك الأسوار، عبر ظاهرة الزواج المختلط والتهود الفردي عن طريق الحاخامين وهذا الأمر مستمر الى يومنا هذا.

أخيراً:

"فمع أن اليهودية لا تبشر بالدين اليهودي ... فإن عدداً من أبرز الحاخامين وأكثرهم تمتعاً بالاحترام هم ممن اعتنقوا اليهودية . ومعروف أن الآباء والأمهات اليهود في العالم كله يباركون أبناءهم كل يوم سبت ومساء كل يوم عطلة. ولقد دأبوا على فعل ذلك طيلة الأعوام الألف الماضية بالطريقة نفسها.

فإذا كان الأبناء إناثاً كان نص المباركة "فليجعلك الله مثل سارة وربيكا وراشيل وليا" مع العلم أن أياً من هؤلاء النسوة لم تولد يهودية كلهن اعتنقن اليهودية اعتناقاً بعد مولدهن. أما إذا كان الأبناء ذكوراً فإن نص الدعوة يكون: "فليجعلك الله مثل أفرايم ومناشة"، مع العلم أن كل واحد منهما كانت أمه عند مولدها مصرية ثم اعتنقت اليهودية .... وأخيراً فإن – تيناح – كتاب اليهود المقدس، يضم سفر – روث – وأصلها من الموآبيين أعداء اليهود التقليديين، ولكنها اعتنقت اليهودية فيما بعد ... وفي نهاية هذا السفر – سفر روث يذكر صراحة أن روث هي الجدة الأولى لداود أعظم ملوك اليهود" (2).

إن ما ذكرنا يؤكد بلا شك أن الدين اليهودي شأنه شأن معظم الديانات مفتوح أمام من يريد أن يعتنقه. وأن أهم النساء فيما يسمى التاريخ اليهودي هن نساء غير يهوديات بالمولد. إذن أضفنا الى هذا أن الأم في الديانة اليهودية هي من تحدد النسب لعرفنا ضحالة وخف القول إن هناك شعب يهودي يعود بأصوله الى أولئك اليهود الذين أقاموا في فلسطين في فترة قصيرة عبر التاريخ القديم.

8) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 62
9) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 139

إشكنازيم – سفارديم – مزراحيم

يقول المؤرخ أرثر كوستلر: "ينقسم يهود عصرنا الى قسمين السفرديم والاشكنازي .. وفي سنة 1960 قدر عدد السفرديم بخمسمائة ألف . وبلغ عدد الأشكنازي في الفترة نفسها حوالي 11 مليوناً" (1). هذا التقسيم صحيح بالنسبة لليهود الأوروبيين، ولكن لماذا تجاهل كوستلر الحديث عن "المزراحيم" وهم اليهود الشرقيين الذين عاشوا في البلدان العربية بشكل أساسي. هل لأنه يرى أن معظم هؤلاء جاءوا من إسبانيا إثر سقوط الخلافة الإسلامية هناك أم هناك أمر آخر. على كل حال فإن واقع الحال يقول أن يهود اليوم ينقسمون الى: أشكناز – سفارديم – مزراحيم ومجموعات عرقية أخرى. الفلاشا على سبيل المثال.

الاشكناز:

ورد في سفر التكوين وفي سفر أحبار الأيام الأولى، أن أشكناز هو أحد أبناء جومر بن يافث. وورد أيضاً أنه أخ توجارما وابن أخ ماجوج. كما ورد في سفر أرميا الأصحاح 51-27 أن النبي يدعو شعبه وحلفاءهم بأن يهبوا ويدمروا بابل "نادوا عليها ممالك أراراط ومنى وأشكناز".

وقد فسر هذه العبارة الزعيم الروحي لليهود الشرقيين في القرن العاشر "سادية جاوون" حيث قال أنها نبوءة تخص عصره: فبابل رمزت الى الخلافة العباسية. وأن الأشكناز الذين فرض عليهم مهاجمتها، كانوا إما الخزر أنفسهم أو قبيلة حليفة. وبناء على ذلك يقول المؤرخ بولياك: "إن بعض المثقفين من اليهود الخزر الذين سمعوا حجج جاوون البارعة أطلقوا على أنفسهم إسم الاشكناز حين هاجروا الى بولندا" (2).

وأصبح اسم "الاشكناز" هو الاسم البديل عن "الخزر" وعلى حد قول "كوستلر" فإن لفظ يهودي هو مرادف فعلا لليهودي الأشكنازي".

لغة الييدش:

تستخدم لغة الييدش من قبل اليهود الأشكناز ذو الأصول الخزرية، دون غيرهم وهي لغة ملتبسة يعتقد الكثيرون بأصولها الألمانية وهذا اعتقاد خاطئ لا أساس له. وتكتب لغة الييدش بأحرف عبرية وهي مزيج من السلافية والعبرية والكثير من المصطلحات التي كانت رائجة في المناطق الشرقية من ألمانيا الملاصقة للبلاد السلافية.

يقول آرثر كوستلر: "إن تطور لغة الييدش كان عملية طويلة ومركبة، يحتمل أنها بدأت في القرن الخامس عشر، إن لم يكن قبل ذلك. إلا أنها بقيت لمدة طويلة لغة الكلام، أو قل نوعاً من اللغة المشتركة ولم تظهر مطبوعة إلا في القرن التاسع عشر"(3). وقد تكونت تلك اللغة الهجين بفعل عدة عوامل متداخلة في الدولة البولندية التي كانت تنبعث، وكان حكامها يشجعون الهجرة اليها بهدف إعمارها وتطويرها فكان المهاجرون الألمان خير من يقوم بذلك "ويقال إن مجموع الألمان الذين هاجروا الى بولندا لم يقل عن أربعة ملايين"(4).

وقد شكل هؤلاء المهاجرون مدن حضارية، فيما تواجد اليهود الذين هاجروا من خازريا بعد إنهيار إمبراطوريتهم مدن صغيرة خاصة بهم أطلق عليها اسم "اشتتل". وبسبب سيادة الثقافة الألمانية في بولندا، ودخول نظام التعليم الألماني إليها "راح البولنديون يقدرون مزايا الثقافة العليا التي جلبها الألمان إليهم وأخذوا يحاكون أساليبهم الأجنبية كما ولع أفراد الأرستقراطية البولندية بالعادات الألمانية ووجدوا الجمال والمتعة في كل ما جاء من ألمانيا"(5).

إذا كان هذا حال البولنديين أبناء البلاد، فكيف يكون حال مهاجرين جدد اقتلعوا من ديارهم وقدموا الى مجتمع جديد؟!

لم يجد هؤلاء الخزر أمامهم من سبيل إذا أرادوا النجاح في وطنهم الجديد، إلا تعلم اللغة الألمانية السائدة في بولندا، كما كان لزاماً عليهم أن يتعلموا لغة الشعوب السلافية التي كانوا يحتكون بها، ويعيشون بين ظهرانيا، ويتعاملون في حياتهم اليومية مع أبنائها.أضف الى ذلك ما كانوا يتلقونه من دروس دينية على أيدي الحاخامات واستماعهم الى التوراة باللغة العبرية. فتشكلت من كل هذا لغة هجين استخدمها هؤلاء المتهودون الخزر هي لغة "اليديش" التي تشكلت بطريقة فوضوية غير قائمة على قواعد محددة "يمكن بيان الفوضى التي شابت الهجاء بالرجوع الى القواعد التي جاءت في الدليل اليهودي للشعب والذي ينص على ما يلي:

1- اكتب ما تتكلم 2- اكتب بحيث يمكن لليهود البولنديين واللتوانيين أن يفهموك 3- راع اختلاف هجاء الكلمات المتحدة في الصوت والمختلفة في المعنى" (6).

لغة اليدييش إنتشرت في أوساط المتهودين الخزر (الاشكناز) وشكلت لغتهم الخاصة. بإستثناء جزء من طائفة القرائين الذين استمروا في التحدث بلغتهم الخزرية الأصلية. ذلك ما جاء في أول إحصاء روسي أجري سنة 1897 (7).

السفارد:

"من أصل لاتيني إسباني برتغالي (من نسل المادانوس – أي يهود شبه جزيرة أيبريا المتخفين الذين ارتدوا عن اليهودية في الظاهر، وإن كانوا قد استمروا في ممارسة عقيدتهم في الخفاء)، يتحدثون اللادينو (وهي لهجة إسبانية دخلت عليها مفردات عبرية وتركية وبرتغالية) (8). وتعتبر اللادينو المعادل السفاردي للغة الييدش عند الأشكناز. وقد تشكلت بطريقة قريبة من الطريقة التي تشكلت بها الييدش. وكان متحدثو اللادينو يكتبونها بالخط "الراشي" الذي ابتدعه "ربى شلومو يريتسحات في القرن الحادي عشر. واستخدام لغة اللادينو نادراً الآن وتكتب بالحرف اللاتيني.

ويجب ألا نقع في التسرع والاعتقاد أن اليهود السفارديم يعودون الى أصل عرقي محدد. "فإن إقامتهم في إسبانيا لمدة تزيد على ألف سنة قد تركت عليهم وعلى مضيفهم بصماتها التي لا تمحى ... فقد كان والدا سبينوازا برتغاليين من المارانوس هاجرا الى أمستردام ثم أن الأسر اليهودية العريقة في إنجلترا (التي وصلت إليها منذ زمن طويل قبل التيار الذي تدفق إليها من الشرق في القرنين 19، 20) ومنها إسرة مونتيفيوري ولوسداس ... وساسون .. الخ جاءت كلها من الوعاء الايبيري الخليط ولا يمكنها الادعاء بالإنتساب الى أصل نقي أكثر نقاء من اليهود الأشكنازي" (9).

المزراحيم:

وهم اليهود الشرقيين الذين كانوا يقيمون في المغرب العربي والعراق وإيران وأفغانستان واليمن وكان هؤلاء يتحدثون كل بلغة بلده وموطنه. ولا يمكن اعتبار كل اليهود الذين كانوا يقيمون في هذه البلدان من أبناء هذه البلاد أصلاً. بل أن أعدادا كبيرة منهم قدمت من بلاد الخزر "ففي العراق على سبيل المثال وصل تعداد اليهود في عام 1947 الى 18 ألف نسمة، بينما كان عددهم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حوالي 50 ألف نسمة. وفي وسط آسيا كان تعداد اليهود في عام 1856 يقدر بعشرة آلاف نسمة، ثم قدر في عام 1921 بـ 45 ألف نسمة، ولم تحدث هذه الزيادة نتيجة للعوامل الطبيعية وإنما نتيجة لهجرة الكثيرين من اليهود الاشكناز من روسيا"(10).

فأعداد اليهود الحقيقية في تلك البلدان كانت تتناقص في الواقع فـ "تغيير أعداد كبيرة من اليهود لديانتهم واعتناقهم للإسلام قد أديا الى تضاؤل تعدادهم في المجتمع علاوة على هذا فإن حرص اليهود على تحديد النسل .. لعب دوراً مهماً في تضاؤل تعدادهم"(11). ويضاف الى ذلك تحول الكثير من يهود بعض البلدان الأسلامية الى الديانة المسيحية نتيجة للنشاط التبشيري خاصة في إيران "حقاً فقد كانت ظاهرة إعتناق اليهود للديانة المسيحية شائعة في إيران أكثر من أي بلد آخر"(12). ولولا بروز الظاهرة الاستعمارية، والحركة الصهيونية في القرن التاسع لكانت حركة الاندماج الطبيعي لليهود في مجتمعاتهم العربية والإسلامية قد أخذت دورتها الطبيعية . فعلى سبيل المثال فـ "صدور مرسوم كرسية – الذي منح حق المواطنة الفرنسية ليهود الجزائر – وإقامة مدارس جماعة "كل شعب إسرائيل أصدقاء" في المغرب قضت على إمكانات إندماج اليهود في مجتمعاتهم"(13). لقد تآمر الاستعمار الغربي والحركة الصهيونية على اليهود الشرقيين (المزراحيم) لإقتطاعهم من مجتمعاتهم، لاستغلالهم أبشع استغلال في مشروع صهيونية الخزر كما سنرى لاحقاً.

10) كوستلر : ص 148 11) كوستلر: ص 236 – 237 12) كوستلر القبيلة الثالثة عشر ص 179 13) أنظر: المصدر السابق ص 180 14) كوستلر: ص 172 15) المرجع السابق ص 172 نقلاً عن كوتشلر 16) المرجع السابق ص 173 نقلاً عن كوتشلر أيضاً 17) كوستلر: ص 172 نقلاً عن مقال لـ سمث في مجلة جمعية الدراسات الشرقية لجامعة جلاسكو 18) أنظر كوستر ص 174 19) عبد الوهاب المسيري: الايديولوجية الصهيونية ص 61 20) كوستلر: القبيلة الثالثة عشر ص 186 – 187 21) تحرير: صموئيل أتينجر اليهود في البلدان الإسلامية ص 26 22) المصدر السابق ص 27













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.

التعديل الأخير تم بواسطة الجشعمي ; 27-11-2011 الساعة 03:06 AM
  رد مع اقتباس
قديم منذ /03-12-2011, 02:09 AM   #40

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي نشاط الحركة الصهيونية في اضفاء المشروعية القانونية والدولية للمشروع الصهيوني

نشاط الحركة الصهيونية في اضفاء المشروعية
القانونية والدولية للمشروع الصهيوني
بقلم: مأمون شحادة

ان الحركة الصهيونية والتي اتبعت الخط المنهجي في اضفاء طابع المشروعية القانونية والدولية لمشروعها الفكري من اجل انشاء وطن قومي لليهود يجمع شتاتهم. وهذا واضح من خلال سعيها الدؤوب لكي تتماشى منهجيا لانشاء وطنهم القومي من خلال انشاء المؤسسات والاتصال بالدول الكبرى من اجل دعمها اوالحصول على ضمانات دولية فالصهيونية ومنذ البداية وقبل ان تتحول الى حركة سياسية كانت تسعى ولوببصيص امل لاقامة وطنها.

ان نشاط الحركة الصهيونية منذ البداية كان يرسم للحصول على الشرعيته والقانونيته وفق خطوات منهجية لتحويل حلمه الى واقع من خلال:

1. القيام على استيطان فلسطين من خلال العمل الزراعي وغير الزراعي ووفق مقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وان يتم ذلك وفق قانون البيع لكي تتم عملية التملك الرسمي... ويتبين ذلك من خلال شراء اول قطعة ارض عام 1855 واقيم عليها اول حي سكني خارج اسوار القدس سنة 1857 عرف باسم حي (مشكانوت شعنا نيم وعرف فيما بعد يمين موسى)، وايضا تاسيس اول مستوطنة زراعية عرفت باسم (مكفا اسرائيل) عام 1870 من اجل تزويد المستوطنين بالخبرة الزراعية، وايضا تاسيس اول مستوطنة بشكل منظم وهادف عرفت باسم (بتاح تكفا) في عام 1878. وتوالت فيما بعد عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بشتى الوسائل منها الشراء أوالاستئجار لمدة طويلة وبشكل قانوني.

2. تنظيم الشعب اليهودي باسره عبر منظمات محلية ووطنية ودولية تتلائم مع القوانين السائدة في كل بلد يوجد فيها يهود (وروسيا اكبر مثال على ذلك)في اول انطلاقة لهم من على ارضها مثل ما فعل احباء صهيون وقد تم تشكيل لهم لجنة فرعية مركزية في وارسو لمتابعة امور الشان اليهودي في العالم.

3. تعزيز الشعور بالهوية اليهودية والوعي القومي عند اليهود محاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، والعودة إلى صهيون. وقد اتخذت شعارا لها (إلى فلسطين)وفق مفهوم توراتي (عودة الشعب إلى أرض الميعاد)

4. اتخاذ الخطوات الضرورية للحصول على موافقات وتأييد حكومات الدول الكبرى في انشاء الوطن القومي لليهود.

بعد ظهور الحركة الصهيونية كحركة سياسية عملية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سعت هذه الحركة إلى في اتخاذ القرارات من اجل شراء الأراضي الفلسطينية، فالفكر المتاصل في نشاط الحركة الصهيونية هو(خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام )، اذ ان هذا الفكر الصهيوني والذي انعقد من اجله عدة مؤتمرات وذلك من اجل التخطيط لوضع الناحية القانونية لذلك المشروع من اجل تحديد ان فلسطين وطن للشعب اليهودي في حين ان المشروع الصهيوني كان لا ينص صراحة على ان فلسطين وطنا لليهود ويمكن اقامة هذا الوطن في اي مكان الا ان الحركة الصهيونية اصرت على ان تكون فلسطين هي الوطن القومي وذلك لكسب تاييد يهود العالم على هذه الفكرة من اجل تحقيق مشروعية الوطن القومي. ومن الملاحظ ان كلمة (دولة) استثنيت من الفكر الصهيوني على زمن العثمانيين واكتفوا بكلمة (وطن) او(مستقر)من اجل تخفيف مخاوف العثمانيين وحلفائها من الاطماع الاسرائيلية فبذلك اصبحت الاستراتيجية الاسرائيليه تمويهيه تبحث عن العذر القانوني من اجل تغليف هذا الوطن بالشرعية القانونية وايجاد البراءة الدولية لكي يتم تنفيذ مشروعهم والا فانها ستظل حبر على ورق ان لم تحتضنها رعاية دولية فقامت الحركة الصهيونية بعملية بحث من اجل احتضان مشروعهم من خلال ثلاثة بدائل قانونية:

القانون الدولي - ضمانات دولية - القانون العام

واخيرا استقرت الحركة الصهيونية على اختيار (القانون العام)والذي يدخل القانون الدولي والضمانات الدولية في اطاره مما يتبين انه لا يحدد دوله معينة اومجموعة من الدول ولكنه بين ان اي دوله كفيله ان تحتضن المشروع الصهيوني كركيزة لشرعية الوطن القومي في فلسطين. ليتبين ان هذا القرار الشرعي والقانوني ليس شرطا كافيا من اجل اقامة (الوطن القومي اليهودي) ولكنه مهم وضروري من اجل رسم الخطط مع عملية تنفيذ تلك الخطط واجراء عملية البناء...

ومع انطلاقة المؤتمر الصهيوني الاول تقرر انشاء هيئتين:

= الهيئة التشريعية والتنفيذية للحركة الصهيونية ممثلتا في المنظمة الصهيونية العالمية.
= الهيئة الاقتصادية والمختصة في جمع الاموال واستثمارها داخل وخارج فلسطين تحت اسم الوكالة اليهودية فاصبحت الذراع الاقتصادي للحركة الصهيونية

ومن هنا فقد حاولت الصهيونية ومن خلال تنقلها من وساطة الى وساطة من اجل تحقيق حلمهم وفق الغطاء الدولي لكي تتم الامور وفق شرعية القانون وذلك مثلما حدث مع الوساطة الالمانية على زمن القيصر ولهلم الثاني من اجل الحصول على البراءة الدولية من قبل العثمانيين من خلال الاستيطان لكنهم لم يجدوا ضالتهم فتوجهوا الى البراءة الدولية البريطانية لتنفيد ما يريدون.

واذا نظرنا الى المراوغة الصهيونية في اضفاء الشرعية على عمل الحركة الصهيونية من خلال محاولات هرتسل اجراء مفاوضات بين (المنظمة الصهيونية اوالوكالة اليهودية) من جانب وبين ممثلي الدول الكبرى (العثمانية، والالمانية، والانجليزية، والمصرية) من جانب اخر وذلك لاضفاء الشرعية على المؤسسات الصهيونية فقد كان ذلك بمثابة اعتراف دولي بالحركة الصهيونية حتى اذا اختلفوا معها واثبتوا هذا الاختلاف (كتابة) من مراسلات اومواثيق، ومن ثم يتضح ان الدبلوماسية كانت عالية عند الجانب الاسرائيلي وبشتى الطرق وباستعمال كل المحاولات من اجل الحصول على بصيص امل لارساء الشرعية على مشروعها.

وعلى الرغم من ضألة اليهود في فلسطين اذ ان اليهود لم يبداوا بعملية الاستيطان بالشكل الصحيح في فلسطين بانعقاد المؤتمر الصهيوني الاول عام 1898 بل كان هناك مجرد وجود يهودي محدود ولكنه بدا يتغيير شيئا فشيئا من خلال الهجرات الصغيرة والتي بدات اثر التعديلات في اوروبا وخاصة بعد اغتيال القيصر وعلى الرغم من ضألتهم في فلسطين فقد مثل المهاجرون الروس والاوروبيين الشرقيين والصندوق القومي اليهودي والصندوق اليهودي الاستعماري وشركة تطوير اراضي فلسطين ومكتب فلسطين البذور الاساسية لتكوين الجنين الطفيلي للكيان الصهيوني في فلسطين.

وبعد كل هذه التختيطات والعصف الذهني الصهيوني قد وجد الصهاينة ضالتهم في الجانب البريطاني الذين وجدوا فيه الارض الخصبة لنشر بذور الصهيونية فيه من اجل ايجاد البراءة الدولية للمشروع الصهيوني فقررت الحركة الصهيونية مفاوضة الجانب البريطاني بزعامة حاييم وايزمن مما ادى الى الاتفاق على وثيقة اوجدت وعد بلفور والذي يكاد يكون في كلماته نسخة طبق الاصل عن الوثيقة التي اقرها المؤتمر الصهيوني الاول عام 1898. وها قد تحقق الغطاء القانوني لانشاء الوطن القومي.

ويتبين من ذلك ان الحركة الصهيونية استطاعت التوصل الى هذه التغطية القانونية من خلال ثلاتة اشياء قانونية في ارساء الشرعية وهي :

1. (من الناحية الخاصة لكل دولة) قد عملت على تنشيط مؤسسات الصهيونية كحركات اجتماعية بفكر صهيوني وذلك وفق القانون التابع لكل دولة يوجد بها يهود وبترخيص من تلك الدولة.
2. (من ناحية اثبات الذات الصهيونية دوليا) قد عملت من اجل الاعتراف بالحركة الصهيونية دوليا من خلال المفاوضات التي كانت تجريها مع ممثلي الحكومات من اجل اضفاء الاعتراف بها.
3. (من الناحية العامة دوليا) وفرت الغطاء القانوني الدولي لانشاء الوطن القومي عن طريق بريطانيا.

ومن الملاحظ قبل توقيع وعد بلفور لعبت الحركة الصهيونية لعبة جذب الاطراف لجعل هذه الوثيقة تمتاز بالشرعية القانونية والتوافقية لكل الاطراف وخاصة التوافق مع الجانب الامريكي وذلك للتغلب على المعارضة الشديدة لمثل هذا الوعد بين قطاع واسع من اليهود الغربيين المناوئين للصهيونية لكي لا يكون هناك اي تعارض لكل الجوانب. فيتبين من ذلك ان الصهيونية كانت تبحث عن لحمتها اليهودية المشتته هنا وهناك بعد ان حصلت على الاحتضان الدولي.وهكذا قد حرصت الحركة الصهيونية بل اصرت على ان يكون وعد بلفور وثيقة دولية في معاهداتها ما بعد الحرب العالمية الاولى وضمن مقررات مؤتمر فرساي وسان ريمووالمنطقة الدولية الجديدة التي عرفت باسم عصبة الامم فتحققت كل احلام ونشاطات الحركة الصهيونية باصدار قرار الانتداب على فلسطين واحقية اقامة وطن قومي لليهود. فبذلك اصبحت البراءة الدولية لمشروعية الوطن القومي قانونية دولية بموافقة الراي العام الغربي وبمباركة دولية بقيادة بريطانيا.

ان الفكر الصهيوني بنشاطاته يهدف الى تحقيق فكرته على ارض الواقع وليس وضعها على رفوف التاريخ لياكله الغبار هنا وهناك عبر تراكم الصفحات، فكانت في عقلية النشاط الصهيوني عدة طموحات تسعى الى تحقيقها بعد ان حصلت على البراءة الدولية وهي:

= السيطرة على قرارات ادارة الانتداب البريطاني بكل الوسائل من خلال مكانة الشريك الفعلي في ادارة فلسطين.
= فتح ابواب الهجرة بمباركة الشرعية واضفاء المشروعية عليها.
= الحصول على الاراضي العامة (الميري) بواسطة الصناديق اليهودية.
= استحداث المجالس واللجان اليهودية والحفاظ على المصالح اليهودية.
= توضيح ان العنصر اليهودي عنصر مميز من خلال تعلمه وراس ماله الاقتصادي.
= ايجاد قوة عسكرية على ارض فلسطين تخرج من رحم القوى العظمى حينها راوغت الصهيونية على لعبة تقمص الادوار من خلال تعيين هربرت صومائيل كاول مندوب سامي على فلسطين فمن خلالها اتبعت الحركة الصهيونية خط الدبلوماسية في تعاملها مع الضمانه الدولية (البريطانيين) لكنها اتبعت خط العسكرية مع القوى العربية، ففي الخط الاول اتبعت ذلك لكي تحافظ على الهبة القانونية التي حصلوا عليها،اما الخط الثاني فقامت بممارستها باسم الشرعية التي حصلت عليها من الضمانة الدولية (بريطانيا) فمن خلال ذلك نلاحظ ان الحركة الصهيونية سعت منذ البداية على ايجاد قوة تخرج من رحم القوى العظمى فاتبعت مايلي:

= حرصت الحركة الصهيونية على تدريب اكبر عدد ممكن من اليهود في صفوف الجيش الغربي وذلك ايام الحرب العالمية الاولى وما بعدها لاكسابهم التدريب العسكري والعطف الغربي.
= حرصت الحركة الصهيونية على ايجاد قوة داخلية في فلسطين وبشكل قانوني تحت مسمى (شرطة المستعمرات اليهودية) من اجل ايجاد النواة الاولى لقاعدة الجيش الاسرائيلي وذلك وفق تفكيرهم (انه لن تكون هنالك دولة ان لم يوجد الجيش). لكن علينا ان نعرف انه حينما قامت الحكومة البريطانية بتحديد اعداد الوافدين الى فلسطين المهاجرين قامت الحركة الصهيونية بعمليات انتقامية على شكل ثورة شعبية ضد القوات البريطانية... احقا انهم قاموا بذلك ردا على تحديد الهجرات الى فلسطين ام غير ذلك....

فمن ذلك نستنتج ان من وراء هذا كله امور ثلاث:

1. ان اليهود ومن على ارض فلسطين اصبحوا اصحاب وجود وفق القانون الذي اعطي لهم دوليا وهم شركاء في ادارة فلسطين.
2. اعتبار القوات البريطانية التي توجد على ارض فلسطين قوات اجنبية واصبح خوض حركة تحرر ضد هذه القوات الاجنبية واجب اذ انها لا تمتلك الحق التاريخي في فلسطين وان الفلسطينيين في طريقهم الى الزوال.
3. اعتبر اليهود بذلك انهم يدافعون ومن على ارضهم مثل اي حركة تحرر عالمية لاخراج هذا الاجنبي الذي لا يملك اي شيئ على هذه الارض الا انهم سلطة انتداب مدنية.

يتضح ان نضالهم حسب رؤيتهم هم اصحاب قضية ومن على ارضهم ارض فلسطين يدافعون عنها مثل اي حركة تحرر مستغلين في ذلك ان الهجرة الى ارض فلسطين قانونية حسب صك الانتداب وان ايقافها يخالف القوانين التي وضعت وان وجودهم قانوني حسب وعد بلفور وصك الانتداب وان نضالهم قانوني ضد من يخالف هذه القوانين، فبذلك استغلت الحركة الصهيونية الامور القانونية في هجرتها الى فلسطين. فيستدل ان بريطانيا وضعت القانون لتثبيت اسرائيل فقامت اسرائيل بعملية مراوغة مستغلة هذا القانون في كل اعمالها. ومن زاوية الادعاءات الصهيونية لحماية اليهود من مخاطر العداء للسامية وما تبعها على ادعائهم بما يسمى محرقة اليهود على يد النازية وذلك لتحقيق حق مشروعية الهجرة الى ارض فلسطين.... لكن هل قامت الحركة الصهيونية بحماية اليهود من العداء للسامية؟؟؟... ان الوقائع التاريخية تدحض هذا الزعم وتثبت ان تعاونا وثيقا نشأ بين الزعناء الصهاينة واعداء السامية منذ اللحظة الاولى لتأسيس حركتهم.

فقد ادرك منظرووزعماء الحركة الصهيونية ان مشروعهم الاستيطاني لتهويد فلسطين لن يكلل بالنجاح ما دام اليهود يرفضون ترك اوطانهم الاصلية التي ولدوا وعاشوا فيها والتوجه الى وطن اخر لا تربطهم به ادنى صلة وكانوا ينظرون الى موجات العداء للسامية باعتبارها ظاهرة مفيدة للحفاظ على الشخصية اليهودية.

ولذا لم يتورع مؤسسوالحركة الصهيونية عن مشاركة اعداء السامية في تدبير وتنفيذ المجازر وحملات الابادة ضد اليهود لحملهم على التماس النجاة بواسائل نقل اعدتها الوكالة اليهودية بهدف دفعهم للهجرة الى ما يسمى (ارض الميعاد) ولم يعد خافيا ما كان يبذل من اموال طائلة لتغذية موجات الاضطهاد المفتعلة ودفع عجلة العداء للسامية لتشريد المزيد من اليهود وتوجيههم الى فلسطين باسم الشرعية المنبثقة من الاستعطاف الدولي.

ومما يتضح ان الحركة الصهيونية حاولت منذ البداية تحقيق حلمها خطوة خطوة وقد نجحت في ذلك مؤسساتيا وتفاوضيا ودوليا من خلال طرح قضيتها عبر كل الطرق والمحاولات لاثبات شرعيتها القانونية فمن ذلك استطاعت الحركة الصهيونية اكساب المجتمع الصهيوني معظم سمات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية عن طريق البراءة والحصانة الدولية تحت مسمى دولة اسرائيل وفق قرار التقسيم 181 وتم توحيد كل المنظمات الصهيونية وصهرها تحت مسمى جيش اسرائيل ليجتمع عنصر الدولة بقوة الجيش وهكذا ظهرت اسرائيل دولتا وجيشا وشعبا على احد الاقاليم ليجسد دولة اسرائيل على حساب فلسطين ولكن ضمن صراع حدودي.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /04-12-2011, 03:17 PM   #41

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي اليهودي يشكر الله لانه لم يخلقه أنثى!!

اليهودي يشكر الله لانه لم يخلقه أنثى!!
أسماء صباح

ليس النساء العربيات (المسلمات والمسيحيات) الوحيدات اللواتي يعانين من التهميش والاقصاء، بل ان اليهوديات اكثر قمعا وتهميشا، فقد ذكرت صحيفة الجارديان في الثاني من ديسمبر عام 2011 بان مجموعات من اليهوديات، اللواتي يقطن في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، قررن تصوير انفسهن وهن يحملت لافتة كتب عليها "المرأة يجب ان ترى وتسمع" ردا على مجموعة يهودية متشددة قامت يتمزيق صور الاعلانات التي تحمل صورا لنساء في القدس. ثم ترسل هذه الصور الى مؤسسة، تعنى بشؤون النوع الاجتماعي وتعارض التشدد الديني و التطرف، لتقوم هذه المؤسسة بالصاق هذه الصور في كل مكان من المدينة المقدسة لكي يرى المشددون ان للنساء صوتا وصورة، ردا على الحملة التي تقوم بها المؤسسات اليهودية المتشددة تجاه صور النساء الموجودة في الاعلانات.

وتعد هذه واحدة من التصرفات التي تواجه النساء اليهوديات في اسرائيل، اذ تعاني المرأة اليهودية من اضطهاد وقمع باسم الدين، ففي التوراة لا تتجاوز صورتها صورة الغاوية التي اخرجت ادم من الجنة، ولهذا عاقبها الله على هذا الذنب الكبير بالالام الحمل والولادة والرضاعة والطمث.

وعلى الرغم من العنصرية التي يواجهناها من الرجال والمجتمع الا انهن مستعدات لممارسة الاغواء في سبيل وطنهن الام، حيث عرف عن اليهود منذ الاف السنين انهم يدفعون ببناتهم الى جنود الاعداء اثناء الحروب من اجل تحقيق النصر، فالغواية فن تتقنه اليهوديات(الاسرائيليات) لأجل حماية الوطن.

وتعاني اليهودية كزوجة معاناة مؤلمة جدا، اذ تنبذ من الزوج في فترات الحيض والنفاس و يحرم عليها النوم إلى جواره، وتعتبر من النجاسات، ويحرم على المرأة اليهودية الصلاة داخل معابد اليهود بل تبنى لهن دور خارج المعبد يصلين بها، لأن المرأة أقل درجة من الرجال وجنس غير طاهر، لذلك يشكر اليهودي الذكر الله على أنه لم يخلقه امرأة، هذا ويحق للزوج تطليق زوجته إن كرهها أو على اي سبب تافه، ولا يعطي التشريع اليهودي في الميراث المرأة حقها فتكتفي بـ"الشوار" أي ما تذهب به إلى زوجها وليس من حقها المطالبة بميراث أخر.

ومع هذا نجد ان المجتمع الاسرائيلي يجمل المرأة في الاعلام ولا يبرز التفرقة والتمييز الذي تعاني منه فهمهم ان يرى العالم مدى السلام الداخلي الذي يعيشون فيه والوئام العائلي، بينما تقوم في الحقيقة حروب من نوع اخر في داخل هذا المجتمع المغطى بقشة والتي ستقسم يوما ما ظهر البعير...













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /13-12-2011, 01:34 AM   #42

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العلاقة بين أميركا وإسرائيل في إطار فهم التعليم اليهودي


العلاقة بين أميركا وإسرائيل في إطار فهم التعليم اليهودي
مصطفى قاعود

يتوهم من يعتقد بأن الولايات المتحدة يمكن أن تقف عائقاً في وجه «يهودية دولة إسرائيل» أو في وجه الاستيطان، ولفهم هذه الحقيقة لا بد من مواكبة مسيرة التعليم اليهودي، ونشأة المركزين الجديدين لليهودية، الأول في الولايات المتحدة والثاني في فلسطين، إذ بدأت موجات الهجرة إلى فلسطين منذ ثمانينات القرن التاسع عشر. وتواجَدَ اليهود في الولايات المتحدة الأميركية منذ اكتشافها، لكن ما حدد شكل يهودية الولايات المتحدة، هو الهجرات الكبرى إليها من شرق أوروبا، والتي بدأت نهاية القرن التاسع عشر واستمرت حتى عشرينات القرن العشرين،عندما بدأت عملية توجيه الهجرات الكبيرة باتجاه فلسطين، وهذان المركزان اليهوديان كبرا على حساب اضمحلال المركزين القديمين لليهودية، الإسباني والألماني.

بنى المركزين الجديدين يهود شرق أوروبا، ولفهم انعكاس ذلك في التعليم اليهودي لاحقاً كمحدد ليهودية أميركا وإسرائيل، لا بد من تتبع مسيرة التعليم الديني اليهودي، فالتعليم الديني اليهودي في شرق أوروبا كانت له سماته الخاصة التي تميزه عن باقي التعليم «الشتاتي»، لذا شكّل نواة ذات طبيعة خاصة للتعليم اليهودي في أميركا وإسرائيل، ولكن قبل ذلك خرج التعليم اليهودي في أوروبا عن نمط تعليم الغيتو، مع ظهور حركة «الهسكلاه» (التنوير) في ألمانيا بداية القرن الثامن عشر، كتعبير عن إخراج التعليم اليهودي من الإطار التقليدي الشرق أوروبي، وكتعبير عن أزمة المجتمعات اليهودية المغلقة في المجتمعات الأوروبية الكبيرة، لتعود هذه الأزمة لاحقاً لتظهر في إسرائيل ذاتها، كأزمة علمانية دينية، ومن أبرز مشاريع «الهسكلاه» كان مشروع مندلسون في ترجمة «التناخ» إلى الألمانية، وصدور كتاب «مواضيع الحق والسلام» لويزل، كدعوة الى اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، أي تعليم يهودي من أجل البقاء في «الشتات» والتعايش معه، وشكل ذلك بداية لأدب عبري يستوعب الأدب الأوروبي.

وبناء على ذلك، اتخذ التعليم اليهودي في كل من أميركا وإسرائيل لاحقا، خلفية مزدوجة لأجهزة التعليم الديني اليهودي ونُظُمه ومصادره، فهي ولدت من رحم التعليم التقليدي الشرق أوروبي، وتبنت «الهسكلاه» في مرحلة من المراحل دون العلمانية المعلنة، وهذا ما سمِّي بالتعليم اليهودي ونقيضه، وفي فترة ما بين الحربين العالميتين، أي فترة التغييرات الكبرى، ظهرت أجهزة ومفاهيم يهودية عدة للتعليم، كان أبرزها ثلاثة اتجاهات، اليهودي التقليدي، والهسكلاه، والترابوت المؤسس للتعليم «الوطني العبري» ومنشأه شرق أوروبا، وتحديداً بولندا، وتأثر ذلك طبعاً بعملية الانتقال من الصهيونية المسيحية إلى الصهيونية اليهودية، إذ لم يكن هناك أي وجود لفكرة «الوعي القومي اليهودي» التي مهدت لها الصهيونية المسيحية على مدار أكثر من قرنين من الزمن، لتشكل ولادتها عملية الانتقال من الصهيونية المسيحية إلى الصهيونية اليهودية، وبالتالي ولادة فكرة « الوطن القومي».

التعليم التقليدي

والتعليم اليهودي التقليدي القديم كان له جهاز على مستوى البلدة أو الغيتو، وعرف باسم «الحيدر» أي «الكتَاب»، فعلى رغم وجوده في وسط أوسع إلا أنه يحتفظ بعلاقة اقتصادية مع هذا الوسط، بينما يعزف عن حياته الدينية والاجتماعية والتعليمية، وذلك بوجود «غيتو أو موشاف» وصفه تسفي أدار (شعب يعيش وحيداً ولا «يأخذ الغوييم بعين الاعتبار» إنه يعرف نفسه جيداً ويثق بنفسه جداً، وهو ليس ملغى أمام المجتمع الواسع الذي يحيط فيه، بل على العكس، يلغي المجتمع الواسع وينظر إليه من عل)، انظروا إلى هذه النظرة العنصرية التي تعاطى بها اليهود مع مجتمعهم الأوروبي، وبعد ذلك يشتكون من العنصرية واللاسامية التي أنشأوها بأيديهم، أما المضمون الديني لتعليم «الحيدر» فهو التوراة، والتوراة التعليمي اسم أطلق على خمسة أخماس التوراة، أي القسم الأول من «التناخ»، إلا أنها طورت بعد فترة التناخ إلى مجموعة كبيرة شكلت التوراة الشفوية، وبعد ذلك التلمود، وتعليم التلمود هو الأساس في التعليم الديني اليهودي، عليه يستند التعليم الديني إلى خمسة أخماس التوراة والتلمود، حيث حيدت أسفار الأنبياء والمكتوبات من بين أسفار التناخ، وجرى تعليم التوراة ارتباطاً بالتفاسير الأسبوعية في الكنيس، إي أن التوراة لا تدرس لنفسها، بل من خلال ولأجل نمط الحياة اليهودية، لذا كان من السهل استقبال الأيديولوجيا الجديدة «الصهيونية»، ولكن تبدو الدراسة الأصعب هي دراسة التلمود، لذا اختص «الحيدر» بتعليم التوراة بينما اختصت «أليشيفا» أي المدرسة الدينية بتعليم التلمود، وهذا يقسم التعليم إلى أساسي ومتوسط.

التعليم اليهودي في فترة «الهسكلاه»

شهد التعليم اليهودي تغييرات كبيرة على يد دعاة حركة التحرر «الهسكلاه»، ما أدى إلى اضطرابات مست المجتمعات اليهودية (الغيتو)، حيث تغيرت المنطلقات. وجوهر التغيير نابع من دعوة «الهسكلاه» اليهود الى نيل حقوق المواطنة في دول أوروبا المختلفة، والانتماء إلى تلك الدول، وظهر ذلك منذ اجتماع السنهدرين في فرنسا، في عهد نابليون، اذ منحت الدولة اليهود حقوقاً شرط أن يعدوا أنفسهم مواطنين فيها، فكانت «الهسكلاه» بمثابة دعوة لليهود الى الخروج من الانغلاق الاجتماعي والحضاري، والدخول في عالم اجتماعي حضاري أوسع، فتولد مع ذلك التناقض الآتي من سؤال: كيف ينظم اليهودي حياته كيهودي، وكيف ينظم المجتمع اليهودي كينونته كمجتمع يهودي في تداخله مع المجتمع الأوروبي وحضارته؟ ما ولد مسألة الاندماج واللااندماج، وهذا ما عرف تماماً بالمسألة اليهودية، ومعها تولدت عملية البحث عن حل لتلك المسألة خارج حدود أوروبا، والإجابة عن أسئلة الاندماج لا شك في أنها كانت ستنعكس على نظم التعليم اليهودي، أو العكس تنظيم التعليم الديني اليهودي سيعكس عمق تلك الأزمة، بيد أن دعاة «الهسكلاه» اعتبروا التعليم المجال الأساسي لمقاربة تلك التناقضات، ودار صراع -ولا يزال- بين التيارات المختلفة في اليهودية على تلك المسألة، أي طريقة تنظيم التعليم اليهودي، وبموجب «الهسكلاه» انبثق أدب عبري جديد كان أول من تصدره نفتالي هيرتس 1782، فبرزت ملحمته الشعرية «قصائد فخر» وكانت عبرية مشبعة بروح الأدب الأوروبي، بينما دعا كتاب «مواضيع الحق والسلام» إلى التمييز بين «توراة الرب» و «توراة الإنسان»، فدعا ويزل مؤلف الكتاب إلى تدريس أقسام مختلفة من «التناخ» ومن ثم تدريس «المشناه» والتلمود لأولئك التلاميذ القادرين على الاستمرار، واقترح جعل «التناخ» كتعليم يهودي أساسي مشاركاً لجميع العلوم، ويكثف علوم التلمود لذوي الكفاءات في المرحلة الثانية، ويربط دراسة «التناخ» بدراسة اللغة العبرية وتدرج التعليم بحسب الفئة العمرية ليشتمل على «تناخ، مشناه، تلود، لغة الدولة الأوروبية، تاريخ ، جغرافيا، علوم طبيعية... إلخ». وفي حين تقبلت النخبة المثقفة الأوروبية المسيحية مبدأ تعليم «التناخ»، رفضت التلمود، الذي شكل عامل شقاق واختلاف، فلاءم «التناخ» أهداف «الهسكلاه» بينما اعتبر التلمود معيقاً لها، ولحل هذا التناقض، قام الحاخام شمشون رفائيل هيرش بوضع خطة تعليم «حريدي» تجمع بين «تعليم ديني يهودي وتعليم إنساني عام»، واعتبر ذلك خطة جديدة في مواجهة «الاندماج والكفر»، إلا أن ذلك أدى من وجهة نظر يهودية إلى «ضمور توراة الرب»، فساد في الولايات المتحدة تحديداً، نمطُ تعليم مزدوج، قائم على إرسال الأولاد اليهود إلى مدرسة عامة قبل الظهر من أجل تعلم «توراة الإنسان»، ومدرسة خاصة بعد الظهر لتعلم «توراة الرب»، وقد أقيمت أول المدارس الدينية اليهودية في ألمانيا، بينما استمر التعليم التقليدي «الحيدر» في أوروبا الشرقية حتى بداية القرن العشرين، إلى أن دخلت حركة «الهسكلاه» شرق أوروبا، إلا أنها لم تفلح في بناء تعليم ثابت ليحل محل «الحيدر»، فولد «الحيدر» المعدل وحل محل «الحيدر» القديم، مضيفاً إلى التعليم الديني تعليماً مهنياً، وذلك في فترة الحرب العالمية الأولى، وظهور ما سمي «بالتعليم الوطني الجديد في أرض إسرائيل»، كما ظهرت تيارات تعليمية ثلاثة في بولندا (التعليم الإيديشي الاجتماعي، التعليم التربوي، التعليم الديني)، وأدى التنافس بين هذه التيارات التعليمية إلى نشوب نزاع، بين ثلاثة مفاهيم لليهودية والحياة اليهودية، وانعكس ذلك على ظهور التيارات المختلفة للصهيونية، ومازال يلقى تعبيراته على التيارات السياسية داخل المجتمع الصهيوني اليوم «السياسة والسياسة التربوية».

التعليم «الترابوت»

وما سبق كله، مهَّد لظهور نمط التعليم «الترابوت»، المرتـبط بـالأيـديـولـوجـيا الاجتماعية الصهيونية، وظهرت مدارس «الترابوت» بين الحربين في بولندا، وهي مدارس صهيونية بكل معنى الكلمة، وربّت تلاميذها على الهجرة إلى فلسطين. يقول لوينسون:» أصبحت أرض إسرائيل القلعة المركزية، وعمود تعليمنا الفقري»، فاختلفت وظيفة التعليم، فبدل أن يكون التعليم من أجل حياة يهودية في بولندا، أصبح من أجل الانتقال إلى مجتمع جديد (إسرائيل)، وبلغت نسبة المهاجرين اليهود المنتمين لمدارس «الترابوت» 60% من نسبة المهاجرين اليهود إلى فلسطين، فولدت ثقافة نفي المهجر، وهذه لم تكن موجودة لا في التعليم التقليدي ولا في تعليم «الهسكلاه»، وحتى أنها غير موجودة في التعليم اليهودي القائم اليوم، حيث قدمت تعليماً أيديولوجيا، على رغم أن العلمانية فيه كانت غير معلنة. ولكلمة «ترابوت» معنى دلالي هو» إكساب الطلاب ثقافة شعب إسرائيل العبرية»، فـ «الهسكلاه» قام على أساس التكيف مع المهجر، أما «الترابوت» فقام على أساس نفي المهجر. فقط في الولايات المتحدة ظل التعليم يقوم على أساس تقبل المهجر، وعماده الأساسي التعليم الديني. والهدف من «الترابوت» هو بعث فكرة «أرض إسرائيل» وفكرة «الشعب اليهودي»، لذا تحول التعليم إلى تعليم حركي مرتبط بالصهيونية كمشروع هجرة، لكنه في إسرائيل ذاتها راح يأخذ شكلاً مؤسساتياً لا حركياً، ففي الجو الحركي ينصَّب المعلم «كزعيم روحي» لتقديم ما لا تستطيع تقديمه المؤسسة التعليمية كمؤسسة. وتبني «الترابوت» التعليم المهني أيضاً، لخصوصية الإنتاجية المطلوبة من أجل الحياة المستقبلية في أرض إسرائيل. واليوم تشهد إسرائيل كاستمرار للقديم في الجديد، انقلابات على تعليم المؤسسة لصالح التعليم القديم، وذلك عبر نماذج من «اليشيفاه»، التي تعتبر ان دخول العلمانية بالدين اليهودي، كان له علاقة بالأزمات التي مر بها اليهود، أما التعليم في الولايات المتحدة، فاستمر كتعليم ديني، ومن وجهة نظر المتدينين اليهود لا بد من أن يعود كذلك في إسرائيل، فاليهودية القديمة اندثرت في شرق أوروبا واستمرت في الولايات المتحدة، كضرورة للإبقاء على مركز كبير وجديد لليهودية بعد اضمحلال المراكز القديمة.

ومن وجهة نظر يهودية، استكملت إسرائيل أيضاً تحولها كمركز يهودي إلى جانب الأميركي، وبالتالي هناك ضرورة لعودة التعليم اليهودي القديم، ولكن هذه المرة ليس على أساس الغيتو، بل على أساس يهودية الدولة، فالمهاجرون اليهود إلى الولايات المتحدة «أسسوا يهودية أميركا، بوصفها الشتات الأكبر والأكثر استقلالية للشعب اليهودي»، وعلى الاستيطان وجمهور المستوطنين «أن يؤسسوا اليهودية»، لتكون هناك كينونتان جديدتان للشعب اليهودي «هما الاستيطان في دولة إسرائيل اليهودية، ويهودية أميركا»، وهذا ما يفسر السلوك الهمجي في الاعتداءات على المقدسات من قبل ما يسمى «فتيان الهضاب».

بالاستنتاج، يعبث من يعتقد أن أميركا ستقف يوماً في وجه الاستيطان أو في وجه «يهودية الدولة».













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /21-12-2011, 10:22 PM   #43

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الشخصية اليهودية في أدب باكثير: رؤية تحليلية تداوليَّة

الشخصية اليهودية في أدب باكثير: رؤية تحليلية تداوليَّة
د. إدريس مقبول - المغرب[1]
من أبحاث مؤتمر "علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية"
المنعقد بالقاهرة في 18-21 جمادى الآخرة 1431هـ/ 1-4 يونيه حزيران 2010م

يُعدُّ أدب علي أحمد باكثير - رحمة الله عليه - بحقٍّ من الأدب الإنساني العالمي الذي يَرقَى بشموخٍ إلى مصافِّ النُّجوم الخالدة والروائع الرائدة، وهو عندنا بمنزلة شكسبير للإنجليز غير أنَّه لم يوفَّ حظَّه من المتابعة النقديَّة، إنَّه باكثير الذي لم يستظلَّ بأدبه كما هي عِبارة المتقدِّمين من النُّقَّاد؛ بمعنى: أنَّه لم يتكسَّب به، باكثير الذي ناضَل بقلمه وفنه من أجل رِسالته في الحياة، مُنتَصِرًا لقِيَم الحقِّ والعدالة والجمال، ولعلَّ الأعمال الفنيَّة التي خلَّفها ما تزالُ ظَمأَى إلى مزيدٍ من الاجتهاد وبذْل الجهد في كشف مَكنُوناتها الفنيَّة وإماطة اللِّثام عن أفكارها ورُؤاها الأدبيَّة المتميِّزة.

ونحسب أنَّ موضوع "الشخصية اليهودية في أدب باكثير: رؤية تحليلية تداوليَّة" محاولةٌ ضمن هذا المشروع، ويمكن تلخيص دواعي اختيارنا لهذا الموضوع فيما يلي:

الكشف عن جانب من جوانب إبداع الأديب علي أحمد باكثير في التصوير الأدبي المتحيِّز لقضايا أمَّته، وإبراز الرؤية الفنيَّة والفكريَّة التي كانت ثاويَةً في تصوير باكثير للشخصيَّة اليهودية، وتجلية الرسالة الفنيَّة والإنسانيَّة في مُعالَجة باكثير لقضيَّة اليهود واليهوديَّة في أعماله، والجمع بين تجربتين: الأولى إبداعيَّة فنيَّة للراحل باكثير، والثانية منهجيَّة تحليليَّة نقديَّة للراحل عبدالوهاب المسيري.

وقد صدرت في موضوع القضيَّة الفلسطينيَّة في مسرح باكثير عدَّة دراسات، والواقع أنها كلُّها دراسات علميَّة جادَّة على جانبٍ من الأهمية في إثارة سُؤال اليهود في أعمال باكثير الأدبيَّة، غير أنَّ ما يغلب عليها هو انشِغالها بمسألة ريادة باكثير في طرْق موضوع القضيَّة الفلسطينيَّة حتى قبل قِيام الكيان الصِّهيَوْني - وهي مسألة مهمَّة بكلِّ تأكيد - كما انشغلت هذه الأعمال باستعراض جُلِّ أعمال الأديب الراحل التي تناوَلت الموضوع، والتمييز فيما بينها بين ما جاء موضوعه عن القضيَّة الفلسطينيَّة واليهود وما جاء فيها التعرُّض لليهود بطريقةٍ غير مباشرة أو رمزيَّة، وكذا عِناية باكثير - عليه رحمة الله - بعَرْضِ اليهود بصورةٍ موضوعيَّة غير متجنِّية ولا مُغرِضة؛ إذ لم يقتَصِر على تصوير الشخصيَّات اليهوديَّة التي تُمثِّل الجانب الشرِّير وحدَه، بل عرض للكثير من الشخصيَّات اليهوديَّة الإيجابيَّة التي ترفُض الحركة الصِّهيَوْنية، التي تقومُ على مبدأ التمييز العنصري وترفُض المقومات التي قامت عليها دولة إسرائيل.

تكمُن صُعوبات البحث في هذا الموضوع في أمرين أساسين:

الأول: ويتمثَّل في اتِّساع دائرة أعمال المرحوم الأديب الراحل، وتنوُّعها الأجناسي بين شِعرٍ ورواية ومسرح ومحاضرة وغيرها، وكلُّ أولئك يجعَلُ مهمَّة التتبُّع والاستقراء صعبةً في ورقةٍ علميَّة كهذه.
والثاني: يتمثَّل في غِياب مَراجِع أو دِراسات تحليليَّة سبقَتْ إلى تناول الموضوع من وجهة نظَر تداوليَّة تحليليَّة (النموذج التحليلي المركب).

ولعلَّ هذه الورقة تكونُ - بإذن الله - لبنة في هذا البناء.

النموذج المعرفي التحليلي المركَّب:

النموذج المعرفي التحليلي الذي اخترناه لِمُقارَبة الموضوع يعودُ الفضل في تأسيسه في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة المعاصرة إلى المفكِّر والناقد الكبير الدكتور الراحل عبدالوهاب المسيري - عليه رحمه الله - وهو ما ندعوه في بعض دراساتنا بالتداوليات التحليليَّة[2]، والمنهج هو وسيلةٌ لإدراك ما لا يمكن إدراكه بشكلٍ مباشر؛ نظرًا لتركيبيَّة الظواهر المدروسة باعتبارها مجازات مُتداخِلة.

إنَّ هذا المنهج يهدف إلى رصْد الظواهر في خُصوصيَّتها وعُموميَّتها، في سطحها وأعماقها، ورصد ما هو ظاهرٌ وقائم، وما وهو كامن وممكن، وهو منهجٌ تحليلي يحاول رصْد الظواهر لا بوصفها أجزاء مُتناثِرة، وإنما بوَصْفِها جزءًا من كلٍّ، أجزاء يَتفاعَل بعضها مع بعض. إنَّه منهجٌ يعلمنا عبر إجراءاته وآليَّاته التفكيكيَّة عدم الخضوع لإمبرياليَّة المقولات وعدم تقبُّل رُؤَى الآخَر عن نفسه وعنَّا كما لو كانت حقائق طبيعية ونهائيَّة؛ إذ لا بُدَّ أنْ ننفض عن أنفسنا التبعيَّة الإدراكيَّة، ونتخلَّص من التبسيط الموقع في الاختزاليَّة[3].

أولاً: لماذا البحث في الشخصية اليهودية؟

البحث في الشخصيَّة اليهوديَّة هو بحثٌ في غور "الإنسان الماكر" بنصِّ الدين والأدب والتاريخ، واستِطلاع لكشف أعماقه التي يُسَيطِر عليها في بعض الأحيان النُّزوع الشيطاني المارد على الحقِّ والخير والجمال، الطالب للباطل المشيع لقِيَم القُبح والسوء.

إنَّ البحث في الشخصيَّة اليهوديَّة هو بحثٌ يَرمِي إلى التعرُّف عن قُرْبٍ كيف تُفكِّر وتُدبِّر هذه الشخصيَّة، وكيف تَبنِي منطقها بالمغالطة والالتِفاف على حُقوق الآخَرين، كيف تستَبِيح حُرمات الآخَرين، كيف تُتقِن بناء منظومة الكذب ببراعة، وكيف تحتمي بشرنقة المظلوميَّة لتعاود الإغارة على ضحاياها أصحاب الحق.

وعلى قدر ما تَنال هذه الشخصيَّة اليهوديَّة من الإدانة الإنسانيَّة بسبب مواقفها وسُلوكياتها، تَحظَى في الآن نفسه بنوعٍ من الجاذبية التي يفرضها مَنطِقُ التصوير الأدبي، وهنا تكمُن براعة الأديب وقُدرته الفنيَّة في الرصد والتصوير والنَّفاذ إلى الأعماق مع الحِفاظ على التوازُنات المطلوبة في الصِّراع الدرامي[4]، ولقد أجاد باكثير - رحمه الله - أيما إجادة في رسم الملامح الفنيَّة لهذه الشخصيَّة بما يَشِي بمعرفة دقيقة بها وبمكوناتها وتفاصيلها النفسيَّة من منطلق رسالي[5]، وهو ما ساعَدنا في تطبيق نموذجنا التحليلي المركب عليها؛ لأنها تمتلك من مقومات البناء ما يسمح بتوفير قدرٍ كبير من المعطيات التي يغتني بها النموذج التحليلي لهذه الشخصيَّات في الواقع والأدب على حدٍّ سواء، ولقد كان باكثير - رحمه الله - على وعيٍ كبير بِخُطورة رسم الشخصيَّة في أعماله، فهو يُعتَبر أنَّه "لكي يُوفِّق الكاتب في رسم شُخوصه ينبغي أنْ يتعرَّف إليهم واحدًا واحدًا، ويعيش معهم في ذهنه برهةً كافية حتى يُقرِّر أو يكتشف لكلِّ واحد منهم أبعاده الثلاثة: البعد الجسماني أو الشكلي، والبعد الاجتماعي، والبعد النفسي، فعلى معرفته الدقيقة بهذه الأبعاد يتوقَّف نجاحه في رسم شخصيَّاته"[6]، وقد أفلَح باكثير في مهمَّته التصويريَّة لشخصيَّاته عُمومًا، وشخصيَّاته اليهوديَّة على وجه الخصوص.

ثانيًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والجماعة الوظيفيَّة:

الجماعة الوظيفيَّة[7] مُصطَلحٌ قام بوَضعِه الدكتور عبدالوهاب المسيري؛ استنادًا إلى مصطلحات قريبةٍ في علم الاجتماع، لوصف مجموعاتٍ بشريَّة تستَجلِبها المجتمعات الإنسانيَّة، من خارِجها في مُعظَم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفُسهم من بين الأقلِّيات الإثنيَّة أو الدينيَّة، ويوكل لأعضاء هذه الجماعة القِيامَ بوظائف في الغالب هامشيَّة ومنحطة ودمويَّة وارتزاقيَّة، ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفيَّة الخبرات في مجال تخصُّصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها بل ويتوحَّدون بها؛ لينتهي الأمر باكتسابهم هويَّتهم ورؤيتهم لأنفسهم من خِلال هذه الوظيفة لا من خِلال إنسانيَّتهم الكاملة، فإنسان الجماعة الوظيفيَّة إنسانٌ اختُزِلتْ إنسانيَّته فصار كائنًا ذا بُعدٍ واحدٍ[8].

والجماعة الوظيفيَّة كما تكون أفرادًا يمكن أنْ تكون دولة بكاملها مثلما هي إسرائيل نفسها في الشرق العربي أو الأوسط؛ إذ أرادت أمريكا أنْ ترث الاستعمار القديم فاتَّخذت إسرائيل آلةً لإخضاع العرب من خِلال اليهود، ظانَّة بذلك أنها تخضع العرب لها إلى أمد بعيد" كما ورد على لسان كوهين في "التوراة الضائعة" لباكثير[9].

والظاهر أنَّ باكثير كان على وعيٍ بخصوصيَّة هذه الجماعة الوظيفيَّة في دائرة الصِّراع العربي الإسرائيلي، وقد أحسن توصيفها وتأطيرها دراميًّا من خِلال ما رسَمَه لها من ملامح وما رصَدَه لها من أدوار، وفي مسرحيَّة "شيلوك الجديد" على سبيل المثال نُصادِف نماذج للشخصيَّة اليهوديَّة كلها تُمارس أدوارًا ضِمنَ مفهوم الجماعة الوظيفيَّة؛ انطِلاقًا من شيلوك الذي يرمز للقائم على الاقتصاد الربوي في المنظومة الصِّهيَوْنية، إلى كوهين الذي يُمارِس المحاماة لانتزاع الحقوق من أصحابها لفائدة التوسُّع الصِّهيَوْني، إلى زيكناخ رمز الجماعات المسلَّحة الدمويَّة التي تُصفِّي المعترضين على المشروع الصِّهيَوْني والمقاومين لمخططاته، إلى راشيل التي تلعب دور المرأة الجسد في لعبة الصِّراع.

ولنأخُذ مثال "راشيل" (رمز الصِّهيَوْنيَّة الفاجرة) في مسرحيَّة "شيلوك الجديد"؛ إذ يصفها باكثير حين يُحدِّد سماتها في إطارٍ وظيفي أحادي البُعد، لا يخرج عن "التوظيف المادي الجسدي"، وكلُّ منظومتها السلوكيَّة لا تبتَعِد عن هذا التوظيف بما يستَتْبِع من (كذب وخيانة ومجون وعمالة وفساد...)، إنها نموذج الفتاة اليهوديَّة التي لا تردُّ يَدَ لامسٍ طبعًا من أجل غايات ووظائف محدَّدة، وتركيز باكثير منذ البداية على أنها "شقراء ممشوقة القد، ناضجة الأنوثة، كلُّها إغراء وفتنة، وترتدي فستانًا من الحرير سماوي اللون، محبوكًا على جسدها حتى ليكاد أنْ يتمزَّق"[10] يفتح أفق توقُّع القارئ على الوظيفة المرسومة لهذه الشخصيَّة ولأدوارها في المسرح والحياة، ومن جهةٍ أخرى يعطي الانطباع بأنَّ الكاتب كان واعيًا بالمفهوم الذي نُرسِي عليها تحليلنا؛ أي: "المجتمع الوظيفي" وما يتطلَّبه من "مهارةٍ وخبرةٍ وظيفيَّة" حتى يفعل "مفعوله".

ومعلوم أنَّ "الشخصيَّة اليهوديَّة تاريخيًّا "مثلت وظيفيًّا "الدعارة في سبيل العمالة" عالميًّا أخبثَ تمثيل وأكثرَه قدرة على التأثير والاختراق.

ولَمَّا كانت هذه الوظيفة تتوجَّه أكثر ما تتوجَّه لمخاطبة أحطِّ ما في الإنسان من مقومات، وهو جانبه الأضعف، فقد كان دائمًا العمل الاختراقي لجهاز العمالة لا يستغني عنه باعتباره "مكملاً وظيفيًّا رئيسًا"، وهو ما عبَّر عنه "خليل" حين بادَر بالجواب على راشيل: "لقد أدَّيت واجبي الذي أقدر عليه، أمَّا الباقي فعلى جمالك يا راشيل وفتنتك"[11].

إنَّ سائر المفاهيم التواصُليَّة من وجهة نظَر الجماعة الوظيفيَّة تأخُذ معناها من طبيعة المهمَّة المنوطة بالجماعة ذاتها حتى إنَّ مفهوم "المكافأة" الذي يُعتَبر مفهومًا تحفيزيًّا في أيِّ عمل إنساني من أجل المواصلة والتقدُّم، يصبح في تقاليد المجموعة الوظيفيَّة التي تنتمي إليها "راشيل" مفهومًا موسعًا يبتدئ بـ"المال الحرام" الذي يسيل له لُعابُ الضعفاء (خليل وأضرابه)، مُرورًا بـ"الجسد" الذي يتمُّ تسليعه وحوسلته على حدِّ تعبير الدكتور المسيري (أي: تحويله إلى وسيلة) من خلال علاقة تعاقديَّة نفعيَّة محايدة خالية من أيِّ بُعدٍ عاطفي وإنساني، فلا مجالَ للغيرة أو الحبِّ الحقيقي أو أيِّ بُعدٍ أخلاقي؛ إذ لا مجال للصِّدق أو الإخلاص، فيتمُّ التعامُل مع المنتمي لهذه الجماعة الوظيفيَّة "بوَصفِه مادَّة نافعة يتمُّ التعامُل معها بمقدار نَفعِها"[12]، وفي هذا المعنى يُورد باكثير على لسان شيلوك وراشيل الحوار الذي يُؤكِّد هذه الحقيقة:

"شيلوك: حاذري يا ابنتي أنْ تكوني جادَّة في هذا الأمر، إنَّنا إنما نلعب بهذا الشاب العربي لنقضي وطرنا منه، ومن مصلحتنا أنْ تتَّصل به فتيات أخر من أخواتك.
راشيل: صدِّقني يا عمي شيلوك إنِّي ما غرت عليه من أحد"[13].

إنَّه لا مجال للعواطف في عمل الشخصيَّات المنتمية لـ"الجماعة الوظيفيَّة"؛ لأنَّ الأخلاق والعواطف قِيَمٌ إنسانيَّة ترفَع من معدلات انتماء الشخصيَّة للمجتمع الإنساني وتزيد من تماسُكه وانسجامه، في حين لا يطلب من عضو الجماعة الوظيفيَّة إلا الالتزام الصارم بالوظيفيَّة المحدَّدة لها خالية من أيِّ قيمة، وهذا الفصل بين الفعل والقيمة صُلبُ الفلسفة العلمانيَّة الصِّهيَوْنيَّة[14].

"ويتجاوَز مفهوم الجماعة الوظيفيَّة الجوانب الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة المباشرة ليصلَ إلى الجوانب المعرفيَّة وإلى رؤية الإنسان للكون"[15].

ومن ذلك أنَّ "راشيل" وإن اختُزِل وجودها في تحقيق طُموحات وغايات وظيفيَّة ماديَّة صِرفة، فإنها لا تخلو من وعيٍ يُمثِّل الحدَّ الأدنى من رؤيتها للعالم، هذه الرؤية التي لا تخلو في هندستها من مُعتقدٍ ديني يتراوَح في جدليَّة بين الخفاء والتجلِّي:

"راشيل: هذا الخاتم في إصبعك يشهَدُ إنَّك كاذب فيما تقول.
عبدالله: هذا الخاتم في إصبعي وليس في قلبي.
عبدالله: قد كان ذلك قبل أنْ أراك يا راشيل، ولكن حبك قد نسخه كما نُسخت شريعة موسى بشريعة محمد.
راشيل: ولكن شريعة موسى هي الباقية يا عبدالله.
عبدالله: دعي هذا البحث للشيخ والحاخام يتنازَعان القول فيه، أمَّا نحن فلنُوحِّد الشريعتين في هذه القبلة"[16].

إنَّ "راشيل" لا تني تردُّ في سُرعة بديهة بوثوقيَّة وجزم على عشيقها "عبدالله" حين أحرجَتْه بارتباطه بالمرأة المصريَّة من خلال الخاتم الذي يحمله في إصبعه، ردًّا يعكس جزءًا من العقيدة التوراتية التي تنفَلِت بين الفينة والأخرى لتفصح عن "المكنون" الذي لا يموتُ ولا يتلاشى وإن "استتر" لدواعٍ تداوليَّة سياقيَّة.

إنَّ جواب "راشيل" يَعكِس لحظةً من الوعي اليهودي بالهويَّة المستقلة، "واليقظة الصِّهيَوْنية" في مقابل "بوهيمية عربية" و"غفلة قومية" عن حساسية الموقف الوجودي حين يشهر "الآخر" سلاحه و"هويته"، فـ"راشيل" لم تقل بأنْ شريعة موسى باقية ولم تُنْسَخ كما ذكر "عبدالله" في معرض توظيفه الحجاجي، وإنما أكَّدت بأسلوبٍ غاية في التوكيد والحسم بأنَّ شريعة موسى "هي الباقية" بالتعريف المفيد القصر، وهذا جزءٌ من البرنامج الوظيفي للشخصيَّة، وما يفهم بالاقتضاء أنَّ سواها هو المنسوخ والفاني، إنها لحظة تواصليَّة ينكشف فيها "المستور" من خِلال الخطاب والحرب المستضمرة في الخطاب، ليستمرَّ شلل الذات العربيَّة أمام هذا التصريح، بل وليُؤكِّد "عبدالله" الذي لم يحفظ من الكلمات العبرية إلا كلمة "شالوم" أنَّه "تلميذ بليد كسول"[17]، إنَّه كذلك بالفعل لأنَّ مَن لم يعرف في الحياة إلا "السلام" كان فريسةً سهلة لأعدائه، ومَن يُراهِن على السلام وحدَه مع عدوٍّ لا يُؤمن إلا بمنطق العنف[18] والقوَّة لا يكون إلا بليدًا مُتأصِّل البلادة، وإنْ حصل على "الليسانس في الحقوق" كما جاء على لسان "عبدالله".

إنَّ من وظائف "راشيل" في مسار الأحداث أنْ تُسهِم في مَسار التطبيع مع "التضحية"، تطبيعًا يستهدف تحقيق أمرين:

الأول: أنْ تحطم الشخصيَّة الماديَّة والأخلاقيَّة للعربي "عبدالله" بإدخاله حالة السيولة، وهو الخطر الذي عبَّر عنه باكثير من خِلال تصوير الخطر المُحدِق بـ"السمعة"؛ أي: الشخصيَّة المعنوية أو الأخلاقيَّة و"الأملاك"[19] أو الشخصيَّة الماديَّة.

الثاني: أنْ تتحوَّل الدوالُّ عن مَدلولاتها الحقيقيَّة، فيَصِير العدوُّ صديقًا، ويتحوَّل الشرُّ إلى خيرٍ مُطلَق، ويستحيل المستعمِر إلى صاحب حقٍّ، وهي آليَّة ذاتُ خطرٍ كبير[20]، ولعلَّ أكبر خطرٍ يتهدَّد الوجود العربي والإسلامي هو خطر التطبيع الذي ينطلق لنسف مقوم الوجود من أساسه، وتظلُّ اللغة غير بريئة في هذا الاتِّصال النكد، ولنستمع إلى عبدالله يُبيِّن كيف سرى في جسمه الداء إلى أنْ أقعده:

"راشيل:... إنَّك تُبغِض العبرية كما يبغضها قومك.
عبدالله: أتريدين الحقَّ يا حبيبتي راشيل؟ كنت فيما مضى أكرَه العبرية وأعدُّها مزاحمةً للغتي القومية في فلسطين، ولكنِّي لما أحببت راشيل أحببت لغتها معها"[21].

إنَّ هذا المقطع يُبيِّن مَسار التحوُّل والذوبان الذي انتهى بالعربي من "دائرة التحيُّز" الواعي "كنت فيما مضى" إلى "مهاوي التطبيع" و"التماهي الذي يصل حدِّ الهيام بـ"العدو"، إنَّه خطاب ينوب في التعبير عن بعض النخب العربيَّة التي صارت إلى "حب أعدائها" والدِّفاع عن "مصالح الملك" أكثر من "الملك".

إنَّ الوظيفة التطبيعيَّة لعُضوِ الجماعة الوظيفيَّة "راشيل" تواصل سَيْطرتها إلى حدٍّ يقرُّ فيه العربي "عبدالله" القاصر بأنَّه لا يستطيع ردَّ كلمات مركز القوَّة (الوصي على عقله ومشاعره)، فيمضي مستسلمًا قائلاً: "أمرك مُطاعٌ يا راشيل، ولا رادَّ لمشيئتك"[22].

وحين تتورَّط راشيل في علاقتها مع العربي "عبدالله" إلى آخر حدٍّ لتَحْمِل منه، يكشف لنا باكثير جانبًا من المهام الأخرى للجماعة الوظيفيَّة لا تقف عند حدِّ الإلهاء والغواية والتضليل والاستغلال، بل تصل إلى حدِّ الإسهاة في حسم المعركة الديمغرافيَّة التي يستشعرها اليهود ويستشعرون معها التهديد الديمغرافي للعنصر الفلسطيني، جاء على لسان شيلوك:

"أما تحبين يا راشيل أنْ تُسهِمي في حركة النسل اليهوديَّة؟ إنَّ العرب يتناسلون بكثْرةٍ مزعجة، فلا بُدَّ أنْ نباريهم إنْ شئنا أن تكون لنا الأكثرية"، "لا بُدَّ من التضحية يا جميلتي راشيل، إنَّ الدولة اليهوديَّة تقوم على سواعد أمثالك من المضحيات المخلصات، وإنَّ إعادة هيكل سليمان يا ابنتي ليست بالمطلب الهيِّن"[23]،

فمن هذا المنطلق يتمُّ تصوير المهمة البيولوجية "الاأخلاقيَّة" بأنها مهمَّة مقدَّسة، وقَداستها من جنس قَداسة الحرب التي تشنُّها إسرائيل على العرب وعلى كلِّ أعدائها، إنَّه التزام بالمهمَّة السامية من أجل الغاية الكبرى "إعادة هيكل سليمان" المزعوم[24].

و"راشيل" في شيلوك الجديد "لا تختلف عنها في "شعب الله المختار"؛ إذ تمارس نفسَ الأدوار وتقومُ بنفس الوظائف، ودائمًا يرتفع شعار "في سبيل إسرائيل"[25] ليُغطِّي على الجرائم والحماقات والفضائح...

يخلص لنا الدكتور المسيري ما مرَّ بنا من مواصفات عضو الجماعات الوظيفيَّة بأنَّه "إنسان اقتصادي محض له بُعدٌ واحد (وظيفة محددة) مُتحرِّر من القِيَم الأخلاقيَّة السائدة، ويُكرِّس ذاته لمنفعته ولذَّته، ويؤمن بالنسبيَّة الأخلاقيَّة وبازدواجيَّة المعايير وبالحتميَّة، ويتَّسم بالحركيَّة، ومرجعيَّته النهائيَّة في علاقته بالمجتمع المضيف مرجعيَّة ماديَّة"[26].

ثالثًا: الشخصيَّة اليهوديَّة ومنطق السِّمات المميزة:

كتَب الدكتور المسيري كتابًا نُشِرَ سنة 1997م تحت عنوان "مَن هو اليهودي؟"[27] وقد عرَض فيه لقضيَّةٍ غاية في الحساسية تخصُّ هوية اليهودي في العالم، وهي قضيَّة تسائل الطروحات الصِّهيَوْنية التي تُقدِّم نفسها باعتبارها قوميَّة اليهود، وأنَّ اليهود شعبٌ واحد موحد[28]، وقد بيَّن فيه المسيري - رحمه الله - كيف أنَّ اليهود واقعٌ إثني وعرقي متنوع، وأنَّ الطروحات الصِّهيَوْنية هي طروحات اختزاليَّة كاذبة.

كان المسيري - رحمه الله - يتحدَّث عمَّا يمكن تسميته بالسمات المميزة إذا شئنا الدقَّة التي تُميِّز الجماعات اليهوديَّة، هذه السِّمات التي قد يقومُ بينها بعض التناقُض والتدافُع في الشخصيَّة اليهوديَّة، وهو سرُّ تميُّزها، ومن هذه السِّمات التي نرى حُضورها من خِلال أدب باكثير - رحمه الله - والتي استمدَّها من دون شكٍّ من خلال معرفته المباشرة بواقع حال هذه الشخصيَّة، وأيضًا - وهذا أمر غاية في الأهميَّة - من خلال اطِّلاعه الدقيق على تصوير القُرآن الكريم لهم[29]:

أ- السمة الأولى: العنصريَّة:

من آيات العنصريَّة التي يمكن أنْ نعثر عليها - وهي كثيرةٌ - ما عبَّرت عنه الشخصيَّة العربيَّة من مُعاناةٍ أثناء الاشتغال المشترك في دوائر الوظيفة مع اليهود، يقول ميخائيل المسيحي العربي في مسرحيَّة "شيلوك الجديد" مشتكيًا ومتألمًا:

"آه يا كاظم لو كنت موظفًا مثلي لشهدت بعيني رأسك كيف يتغطرَسُ الموظفون اليهود على الموظفين العرب كأنهم أصحابُ البلاد، وكأنَّ العرب غرباء فيها، والويل للموظف العربي إذا كان رئيسًا في المصلحة، ففي هذه الحال يتوقَّح مرؤوسوه اليهود عليه ويربكون عمله، ويُدبِّرون الخطط لإيقاعه، في زلَّةٍ تقع تبعَتُها عليه، فإذا قاوَمهم واستَعمَل سُلطَته عليهم أو شَكاهم فلا يلبثْ أنْ يُنقَل من منصبه، ويستبدل به رئيس يهودي، بدعوى الرغبة في انسجام العمل"[30].

وتمتدُّ العنصريَّة اليهوديَّة في مشهدٍ آخَر لتأتي الشهادة هذه المرَّة على لسان اليهودي إبراهام (اليهودي غير الصِّهيَوْني)؛ حيث يتمُّ التفريق بين العامل العربي والعامل اليهودي في الأجر، بل إنَّ السياسية العنصريَّة تذهب أبعد لمنع العمَّال العرب من العمل واستبدال عمال يهود بهم[31]، وهي الفكرة التي جاء بها "جوردن" اليهودي الصِّهيَوْني المعروف صاحب فلسفة "دين العمل" التي انبثقت منها نظريَّة العمل العبري، حيث ينبغي أنْ يقوم اليهودي بكافَّة الأعمال، ويعني ذلك ضمنًا عدم تشغيل اليد العاملة العربيَّة[32].

ولقد نجح باكثير أدبيًّا في رصد سمة العنصريَّة بما هي سمة مُتجذِّرة في الشخصيَّة اليهوديَّة التي تحظى سياقيًّا بالقوَّة[33] من داخل المجتمع الصِّهيَوْني ذاته؛ إذ يُعانِي اليهود الشرقيون (السفارديم)[34] من الإحساس بالدونيَّة والتهميش جرَّاء معاملة اليهود الغربيين (الأشكيناز)، نقرأ ذلك من خِلال الحوار الذي دارَ بين كوهنسون وكوهينيم في مسرحيَّة شعب الله المختار:

كوهنسون: لا تنسَ يا موسيو كوهينوف أنَّنا دولة يهوديَّة فيجب علينا أن نحترم السبت.
كوهينوف: رجعيَّة سخيفة لا تليق بدولتنا المتحضِّرة.
كوهينسون: هذا لو كان يهود إسرائيل كلهم ملحدين مثلك، لكنَّ فيهم المؤمنين المحافظين.
كوهينوف: تعني أولئك الرجعيين المنحطِّين من يهود العراق ويهود المغرب ويهود اليمن، هؤلاء يجب أنْ يكونوا تبعًا لنا، لا أنْ نكون نحن تبعًا لهم.
كوهان: أنا على رأي مسيو كوهينوف - أنَّه من أسخف السخف أنْ يُفرَض علينا نحن يهود أوربا وأمريكا بأنْ ننحطَّ إلى مستوى يهود اليمن"[35].

من خِلال هذا الحوار استَطاع باكثير - رحمه الله - ببراعةٍ أن ينقل لنا حدَّة الانقسام أو التناقُض بين اليهود الشرقيين والغربيين، هذه الحدَّة التي دفعت بعض الباحثين الإسرائيليين إلى التخوُّف من ظُهور إسرائيل شرقيَّة وأخرى غربيَّة مُستقبَلاً، ورغم أنَّ الشرقيين هم الأكثر عددًا إلا أنَّ الغربيين هم المُسَيطِرون سياسيًّا وثقافيًّا، وهم - أي: الغربيون - ينظُرون إلى الشرقيين نظرةَ المُتَعالِي؛ فهم في نظرهم مفتقرون للعقلانيَّة والتخطيط ويتَّسمون بخرافيَّة التفكير والذاتيَّة والعاطفيَّة وسُرعة الإحباط، بل هم أقرب إلى العرب، وقد بلَغ بهم الشطط أنهم يعتقدون أنَّ "العرب واليهود السفارديم يعمَلون معًا في خطَّة واحدة لتدمير الحضارة الأشكنازية"[36].

ب- السمة الثانية: تجاوز الأخلاق:

من وجهة نظَر وظيفيَّة يُعتَبر التجاوز الأخلاقي خُصوصًا مع الآخرين في الفكر اليهودي عملاً مقدسًا[37]، وصاحِبُه مبارَك، ووجهة النظر هذه إنما هي انعكاسٌ للواحديَّة الكونيَّة من جهة بما هي اختزالٌ لسائر الأبعاد، ومن جهةٍ أخرى لفكرة "الجوييم" الآخرين الذين يحلُّ فعل أيِّ شيء بهم، "إنهم يعتقدون أنهم هم وحدَهم البشر، أمَّا غيرهم فحيوانات مُسخَّرة لخدمتهم، هكذا يقول كتابهم التلمود"[38].

يُعبِّر عن هذه السادية كوهين في "التوراة الضائعة"؛ إذ هو يدعَمُ إسرائيل بأمواله من أجل أنْ يُمتَّع عينَيْه برؤية أعدائه وهم مهزومون مَسحُوقون وعلى رؤوسهم أحذية الجنود الإسرائيليين، يريد أنْ يشفي غليله بالانتقام لكلِّ ما أصاب شعب الله المختار في تاريخه الطويل من اضطهادٍ وإهانات[39]، إحساس مُتجذِّر بالتشفِّي لا يترك مجالاً للأخلاق أو للتراحُم والتعاطُف الإنسانيَّيْن، حتى إنَّ منظر الوجوه المشويَّة بالنابالم، ومنظَر البيوت العربيَّة المخربة والجثث، وصورة لهفة الفارِّين من بُؤس الحرب وآلامها تصيرُ منظرًا من وجهة نظره رائعًا؛ لأنَّه أشبه برواية مسلية هزليَّة تبهج النفس وتريح الأعصاب[40]!

إنَّ هذه الزاوية من نظَر الشخصيَّة اليهوديَّة للعالم وللعرب تحديدا تَفُوقُ أيَّ مستوًى لمفهوم التجاوُز الأخلاقي المتعارَف عليه، وتُذكِّرنا بما قاله أحدُ الشعراء اليهود وهو هاينريش الألماني عن اليهوديَّة، فهي عنده "مصيبةٌ وليست دينًا"، وقد كتب مرَّة يقول: توجد أمراض ثلاثة شريرة: الفقر والألم واليهوديَّة.

إنَّ إضفاء القَداسة في الفكر اليهودي على الفعل الخبيث (الذي يرمز لنوعٍ من التجاوز الأخلاقي) أو أي فعلٍ إنساني منحطٍّ مهما تناهَى في انحطاطه يوضحه على سبيل المثال ما قاله شايلوك بشأن راشيل: "إنَّك فتاة مباركة يا راشيل"[41].

لقد كان باكثير - رحمه الله - حريصًا على تعرية الشخصيَّة اليهوديَّة في هذا الجانب، فأجاد في كشف مستوى الفساد والتردِّي الأخلاقي الذي انحطَّت إليه الشخصيَّة اليهوديَّة في "شعب الله المختار"، حتى وصلت إلى حدِّ أنَّ الزوجة (سارة) تُعاشِر أعضاء الكنيسيت (كوهينسون وكوهين وكوهينوف وكوهان) وتدفَع ابنتها "راشيل" إلى أحضانهم وأحضان الميليونير الإيطالي، والفتاة تغازل المستثمر الأمريكي علنًا، وخطيبها "سيموت" يرى كلَّ هذا ويقبَله، وصاحب الفندق (حائم) لا يغضبه أنْ يرى زوجته تنتقل بين الحجرات ليلاً بقدر ما يغضبه أنها تُخفِي عنه كم نالت من كلِّ واحد من زبانئها، ويوافق على تقلُّب ابنته بين الرجال، كلُّ هذا من أجل المال.

وفي مسرحيَّة "التوراة الضائعة" ترتَمِي "بربارة" وهي المسيحيَّة التي تحوَّلت إلى اليهوديَّة في مستنقع الفساد مع يهودي "واعظ" غير زوجها "على الأرض المقدسة"، وتوهَّم زوجها أنَّ الولد ولده، وهي على وَضاعة فعلتها لا ترى أنَّ جرمها يستَوجِب النار أو العِقاب، فهي ستَدخُل الجنة لأنَّ زوجها يعتقد ذلك، وينتهي الأمر بحالةٍ من السيولة المتمثِّلة في الوُقوع في الإلحاد، حيث إنكار وجود الإله بالمرَّة[42].

لعلَّ ما يُفسِّر هذا الجموح الذي رصَدَه باكثير في الشخصيَّة اليهوديَّة للتجاوز الأخلاقي خُصوصًا في مسألة الدعارة والجنس ما نجده في مُدوَّنات اليهود وشروحهم التلموديَّة للمسألة؛ إذ لا يعتبر التلمود الزنا بامرأةٍ من الأغيار (غير اليهود) - متزوجة أو غير متزوجة - محرَّمًا، أمَّا التحريم في العهد القديم فيقتصر على "زوجة الأخ" لا زوجة الغريب، وفي إحدى الفتاوى جاء أنَّ إناث الأغيار "زوناه" وجمعها "زونوت"؛ أي: عاهرات، حتى لو تهوَّدن

كما يُمكِن ملاحظة أنَّ العهد القديم مَلِيءٌ بالأحداث الجنسيَّة المنافية للقِيَم الدينيَّة، والمعبِّرة عن سمة التجاوز الأخلاقي بامتيازٍ، من ذلك (اعتداء أحد أبناء يعقوب على جارية أبيه، العلاقة بين يهودا وثامارا زوجة ابنه، داود وامرأة أوربا الحيثي، إبراهيم وزوجته في مصر... إلخ)[43].

ت- السمة الثالثة: الاستغلال:

لعلَّ ألمع مثالٍ يحضر في أعمال الراحل باكثير مؤشرًا على الاستغلال في الشخصيَّة اليهوديَّة هو "شيلوك"، وقد أبدَعَ باكثير في رسم ملامحه وتدقيقها بما جعَلَ منه وحشًا كاسرًا لا يهمُّه سوى المال، ينشر وُكلاءَه في كلِّ مكان ليغرقوا البُسَطاء والمحتاجين في ديون لا تنتَهِي بهم إلا تحت رحمته، أو بتعبير أدق "قسوته"، يُؤكِّد هذا الأمر حديث "ميخائيل" في حديثه للشاب "عبدالله" عن شَراهة اليهود وكيدهم بكلِّ السبل؛ استغلالاً لضعف الفلسطيني في جرِّه لبيع أرضه لوكالات السمسرة الصِّهيَوْنية، يقول: "... نحن نُجاهِد اليوم يا بُنيَّ لنمنَع ما بقي لنا من أرض الوطن أنْ يتسرَّب إلى أيدي اليهود، إنَّنا نقف اليوم يا بُنيَّ في وجه الذهب اليهودي الذي يتدفَّق على بلادنا من كلِّ الجمعيات الصِّهيَوْنية في العالم ويغزو مَكامِن الضعف فينا بأسلحته الفتَّاكة ووسائل إغرائه الجهنميَّة"[44].

إنَّ الاستغلال في الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير قد يأخُذ طابع القداسة من أجل إحداث حالةٍ من الرضا لإيقاع الظُّلم على الآخَرين بسلبهم ما يملكون أو تعريضهم للمتاعب والمصائب، كيف لا وموسى نفسُه فيما يدعونه "توراة" يأمُر أتباعه بسرقة حليِّ النساء المصريَّات ليلة الخروج، ألا يكون من الأتباع للموسوية نهج سبيله[45]، جاء في حوار "جيم" مع "جوزيف" في مسرحيَّة التوراة الضائعة:

"جوزيف: قال ميمانود: "إذا رَدَّ اليهودي إلى الأمي ماله المفقود فإنَّه يرتكب إثمًا كبيرًا، كَمِّل من عندك ألست تحفظ التلمود؟
جيم: (مكملاً) لأنَّه بعمله هذا يُقوِّي الكفار، ويعرب عن حبِّه للوثنيين، ومَن أحبَّهم فقد أبغَضَ الله"[46].

يبدو من تحليل هذا المقطع أنَّ أفظع أنواع الاستغلال وأشنعه ذلك الذي يعتَقِد فيه صاحبُه أنَّه يتعبَّد بهذا السلوك إلى ربه، ويتقرَّب به إلى مولاه؛ إذ هو يحرص أنْ يكون استغلاله للآخَرين (الأميين) على نحو مُتقدِّم وفي إبداعٍ وإتقان حتى يرتقي في مدارج القُرب من مولاه وربه، ويُكسب عمله وسُلوكه المادي الصرف غِلافًا مُقدَّسًا، وهذا الطابع أو السِّمة في الشخصيَّة اليهوديَّة ذكرها القرآن حين عبَّر عن تبريرهم بقوله: "ليس علينا في الأميين سبيل"، وقد كان باكثير - رحمه الله - متمثِّلاً هذه الآية تحديدًا في توصيفه لمنطق الشخصيَّة اليهوديَّة المستغلَّة، بل وأوردها على لسان صلاح الدين في حواره مع ريتشارد قلب الأسد: "يا عزيزي قلب الأسد، إنَّ لهؤلاء اليهود عذرهم فيما فعَلُوه، فهم يعتقدون أنْ ليس عليهم في الأميين سبيل"[47].

إنَّه ليس اعتذارًا لهم بقدر ما هو فضح وكشف لألاعِيبهم ومخطَّطاتهم ولنفسيَّاتهم المريضة، وقد كان باكثير في كثيرٍ ممَّا نقله عن الشخصيَّة اليهوديَّة موجهًا في تفسيره بروح القرآن الكريم ونصوصه التي رفعت الغطاء عن مَكنُوناتهم ودواخلهم، فصارت لِمَن يتأمَّل نصوص الوحي، التي هي بمنزلة المنظار الكاشف، واضحة في تفاصيلها المخزية والرديئة، والمعادية لكلِّ قيمةٍ إنسانيَّة سامية.

وقد أفلحت شخصيَّة "جيم" في التنبُّه إلى صُدور الشخصيَّة اليهوديَّة في الاستغلال عن نُصوصٍ مُقدَّسة ممَّا دَعاه للشك، كيف يكون دين سماوي من المفروض أنْ يدعو للتسامح والتعاون والرحمة نجدُه يدعو في المقابل لاغتنام كلِّ فرصة لنهب الآخرين وتضييع حقوقهم، أم كيف يجوز تصور موسى يتعبَّد الله بالاستغلال والعنصريَّة: "يا مستر جوزيف، إني قرأت عن الأديان كلها السماوية وغير السماوية، فوجدتها كلها تدعو إلى الإحسان والبر بالإنسان أيًّا كان جنسه ولونه ومعتقده، إلا هذا الدِّين اليهودي الذي أنتم عليه، فإنَّه لا يأمُر بالإحسان إلا لليهود وحدَهم، ولا ينهى عن ارتكاب الإثم إلا في حقِّ اليهود وحدهم، أمَّا غيرهم من بَنِي البشر فمُباح لليهودي أنْ يسرقهم أو يظلمهم أو يعتدي عليهم، بل واجبٌ عليه أنْ يفعل ذلك إذا أمن الوقوع تحت طائلة القانون"[48].

ث- السمة الرابعة: الطهرانية:

في الوقت الذي تُعلِن فيه "الشخصيَّة اليهوديَّة" أخذها بمبدأ التخلُّق في الممارسة العمليَّة، وانتهاجها سبل الاستقامة، تحرص في السر على خرق هذا الادعاء، بالارتماء في أتون الشهوة والفساد وهتك الحرمات، ولعلَّ السِّياق الاجتماعي في الواقع كما نقَلَه باكثير يرسخ هذا المعنى، من شواهد ذلك الحوار الذي جمع أمبرتو وكوهان:
أمبرتو: هل لك يا سيدي أنْ تخبرني عن هذه العادة الغريبة عندكم؟
كوهان: أي عادة يا سنيور؟
"أمبرتو: لقد طُفنا أنا وزوجتي يوم أمس بجميع فنادق المدينة فلم نجد فندقًا واحدًا يرضى أن يعطينا حجرة بسريرين أو سرير مزدوج.
كوهان: هذا ممنوعٌ هنا في تل أبيب.
أمبرتو: لكنَّها زوجتي.
كوهان: ولو، للرجال جناح وللنساء جناح.
أمبرتو: هذا أمرٌ لا نظير له في أيِّ بلد آخر، فما السر في ذلك؟
كوهان: السر واضح يا سنيور، رعاية للأخلاق ومحافظة على الشرف".
كلُّ هذا التبرير الطهراني ليكشف "أمبرتو" له في الأخير أنَّ "راشيل" عوَّضت زوجته ونابَتْ عنها تحقيقًا لشعار "أخلاقيَّة بدون أخلاق"، وحينها يتحوَّل الفندق الماخور إلى "أشرف فندق في العالم"[49].

إنَّ طبيعة "الشخصيَّة اليهوديَّة" طبيعة أبيقورية مُغرِقة في الأخْذ بمبدأ اللذَّة، حتى إنَّ أكثر الجماعات اليهوديَّة الصوفيَّة ادِّعاء للأخلاق والسمو والطهرانيَّة، وهي الحسيدية، تجد المنتمين إليها أكثر الناس تطرُّفًا في الشهوانيَّة والماديَّة.

هذه الطهرانيَّة - أي: طهرانيَّة العنصر اليهودي - جعلَتْه من أشدِّ الكائنات انغِماسًا في التناقُض بين الظاهر والباطن، وهو تطرُّف يُذكِّرنا بجماعات يهوديَّة مثل السكوبتسي والخليتسي التي تُحرِّم الجماع الشرعي من ناحية، ثم تُقِيم من ناحية أخرى احتفالات ذات طابع جنسي داعر، وقد تأثَّر يهود اليديشية بتلك الحركات، ولعلَّ كلَّ ذلك أدَّى إلى تهيئة الجوِّ لظهور شبتاي تسفي الذي نادَى بالترخيصيَّة وبإسقاط الأوامر والنواهي، وبدأ في ممارساتٍ جنسيَّة كانت تفسر تفسيرًا رمزيًّا من قِبَلِ أتباعه[50].

والطهرانيَّة التي سجلها أدب باكثير كسمةٍ للشخصيَّة اليهوديَّة كما تجدُ مستندها فيما ذكرنا، هي أيضًا ذاتُ طابع مُقدَّس؛ إذ كما تروي التوراة، فإنَّ نبيَّ الله هوشع أمره الله أنْ يتَّصِل بعاهرةٍ ويُنجِب منها أبناء، وقد فعل ذلك بحماسٍ أو بنشاط كما تحكي روايتهم "انطلق فاتَّخذ لك امرأة زنا وأولاد زنا، فإنَّ الأرض تزني عن الرب"[51]، وبذلك تُعبِّر هذه السمة عن حالة السيولة الشاملة التي بلغَتْها الشخصيَّة اليهوديَّة في التاريخ والثقافة.

ج- السمة الخامسة: اصطناع المظلوميَّة (الإحساس بالاضطهاد):

الإحساس بالاضطهاد مُكوِّن رئيس في الشخصيَّة اليهوديَّة[52]، وعليه يعيشُ اليهود في الدعاية الصِّهيَوْنية العالمية، يقول كوهين وهو أفضل مَن يُتقِن النواح والتعبير عن هذه السمة ضمن شخصيَّات باكثير: "أتعد قيام دولتنا واعتراف الأمم بكياننا القومي بعد ما قاسَيْناه من الاضطهاد الطويل لعنة علينا".

"مرحبًا بلعنةٍ تنصفنا وترفع عن ظهورنا سياط الاضطهاد"[53].

فاستمرار الوهم بالاضطهاد يخلق في الكائن اليهودي حالةً من عقدة الاضطهاد؛ إذ يتحوَّل العالم كله إلى شرٍّ يحيق باليهود واليهوديَّة، كما يتحوَّل معه أيُّ سلوك تواصلي في التأويل اليهودي إلى محاولةٍ للمحو من الوجود، وهكذا تصيرُ قاعدة التشكيك في النَّوايا واتِّهام الآخَرين بالظُّلم وإلقاء اللوم عليهم من الأسلحة النفسيَّة القريبة لكلِّ شخصيَّة يهوديَّة، كما يتحوَّل التبرير باعتباره آليَّة نفسيَّة مُؤقَّتة إلى سُلوكٍ يومي دائم، سُلوك للأخطاء ولتاريخ الحقد وتدشين لمجتمع الكراهية.

عقدة الاضطهاد لها منطقُها التفسيري الذي تواجه بها خُصومها المزعومين، وهي تعتبر أنَّ "بقاء اليهود على هذا الوضع المحزن مأساةٌ إنسانيَّة، ومن العار على بني الإنسان ولا سيَّما في هذا العصر الذي استيقظ فيه الضمير العالمي أنْ تستمرَّ هذه المأساة، إنَّ اليهود جنسٌ من البشر لا يختلف عنهم صورةً ولا يقلُّ عنهم ذكاء ومواهب، ولا يتخلَّف عنهم في رِكاب الثقافة والحضارة، ولا ينقص عنهم شعورًا بحقِّه في الحياة، ولكنَّ اليهودي ما برح منذ القدم ينظر إليه بعين الريبة والحذر في كلِّ بلدٍ يحلُّ به كأنَّه من طينةٍ أخرى غير طينة البشر، فإذا تمكَّن بالرغم من ذلك من النجاح في معترك الحياة بجدِّه وذكائه عُدَّ ذلك ذنبًا عليه، فكرهوه على الأقل إنْ لم يضطهدوه"[54].

وفي مسرحيَّة "التوراة الضائعة" نستَمِع للحوار الخيالي الذي دارَ بين زعيم النازيَّة هتلر وزعيم الصِّهيَوْنيَّة هرتزل فيما يُشبِه لقاءً في يومٍ من أيَّام القيامة على طريقة أبي العلاء في رسالة الغفران أو دانتي في الكوميديا الإلهية حيث جمعت الزبانية بين العدوَّيْن اللدودين جمعًا يكشف عن وعي هتلر بما تُظهِره "الشخصيَّة اليهوديَّة" من الاستضعاف المزيف من أجل الاستقواء فيما بعدُ على غيرها.

"هرتزل: اضربني لكي يرثوا لحالي فيعيدونا كما كنَّا.
هتلر: هيه! هذه طريقتكم تفتعلون الاضطهاد لاستدرار العطف"[55].

إنَّ هذا الحوار الذي تخيَّله باكثير وجمع فيه بين شخصيتين لم يجمعهما التاريخ حقيقةً، له ما يُبرِّره فنيًّا وفلسفيًّا؛ إذ إنَّ باكثير أراد من خلاله نقل رسالة للعالم بأنَّ الأيديولوجيَّة الصِّهيَوْنيَّة قامت على مُبرِّرات غير واقعيَّة ومُفتَعلة، وقد نجحَتْ في كسب التعاطُف بما صنعته من سيناريوهات صوَّرت اليهودي بأنه مُضطهَد مُطارَد بئيس صاحب حقٍّ ضائع، كما يُبيِّن من جهةٍ أخرى أنَّ النازية في حربها على اليهود كانت واعيةً بخطَرِهم الداهم على الحضارة، وهي مسألةٌ لم يكن هتلر ليُخفِيها في كتابه الشهير كفاحي؛ إذ اعتبرهم سوس الحضارة الإنسانيَّة وسبب خرابها.

ح- السمة السادسة: النبوءة:

استطاع باكثير - رحمه الله - تجسيد هذه السمة في الشخصيَّة اليهوديَّة من خِلال عدَّة ملامح أهمها قضيَّة "شعب الله المختار" التي كتب مسرحيَّة بعنوانها، وفي الوقت ذاته وببَراعة فنيَّة تمكَّن من تفنيد هذه النبوءة بفنيَّة من طريق نقل حالة الصِّراع التي تغلي بها إسرائيل خُصوصًا بين اليهود الشرقيين والغربيين، والتي عكست تشظِّي هذه النبوءة ذاتيًّا؛ إذ ينكر اليهود الشرقيون أنْ يكون خُصومهم الغربيون ممَّن يشملهم وصف "شعب الله المختار"، فهم في النهاية جماعة "مفاليك صعاليك" من نسلٍ مختلط لا يصح أن يرقوا إلى مرتبة الاصطِفاء.

عزرائيل: أنتم سبب الانحطاط يا إشكنازيم، ما دمتم في إسرائيل فلن يتمَّ لها مجدها الموعود أبدًا.
كوهين: أتستطيع يا عزرا أنْ تقول لنا لماذا؟
عزرا: لأنكم لستم من شعب الله المختار، أنتم دُخَلاء من نُطَفِ السلاف والصقالبة واللاتين والجرمان ومَن شئتم من الأمم!
كوهينسون: ومَن هم شعب الله المختار إذًا؟
كوهان: أنتم!
عزرا (محتدًّا): نعم نحن.
الأربعة (ساخرين): أنتم؟"[56].

يرد على لسان كوهين في مسرحيَّة شيلوك تأكيدٌ على أنَّ حق "اليهودي" وحق "إسرائيل" في الوجود والسِّيادة حقٌّ مُقدَّس جاءت به النُّبوءات القديمة: "إنَّ حقَّ اليهود في فلسطين ثابتٌ بالكتاب المقدَّس، وقد قامَتْ فيها مملكة إسرائيل العظيمة، وظهَر فيها أنبياء بني إسرائيل، ونحن وَرَثة داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء والرسل"[57].

وهذا الذي ذكَرَه باكثير عن نبوءات "اليهودي" مستمدٌّ - من غير شكٍّ - من خِلال اطِّلاعه على نُصوص التوراة والتلمود التي تغرس الخرافات في أذهان وعقول اليهود عبر التاريخ، جاء في سفر التثنية على سبيل المثال: "لأنك شعبٌ مُقدَّس للرب إلهك، وإيَّاك اصطفي الربُّ أنْ تكون له أمَّة خاصَّة من جميع الأمم التي على الأرض"[58].

ومثله أيضًا ما جاء في سفر الأخبار: "أنا الرب إلهكم الذي فرزكم من بين الأمم، وقد ميَّزتكم لتكونوا لي"[59].

وإسرائيل كما هو معروفٌ - فيما يعتبرونه نبوءات - لا تقفُ عند حُدود بلاد فلسطين، "إنَّ إسرائيل لن تقفَ عند حُدودها الحاليَّة، ولن تهدَأ حتى تُهَيمِن على سائر أرض الميعاد من النيل إلى الفرات"[60]، وهذه النبوءات تسكن العقل الباطن للشخصيَّة اليهوديَّة وتُحرِّك سواكنه في لحظات الانفِعال سواء بالفَرح أو الغَضب.

"كوهان: لنرقُص جميعًا، لترقُص إسرائيل، لترقُص أرض الميعاد (ينطلق إلى أقصى اليسار) من الفرات (ثم ينطلق إلى أقصى اليمين) إلى النيل"[61].

إنَّ الحلم بـ"أرض الميعاد" حلمٌ بتهويد الجغرافيا والتاريخ واللسان والإنسان، حتى تصير العبرية في المستقبل "هي اللغة الرسمية في جميع أرض الميعاد"[62].

خ- السمة السابعة: الإحساس بالاغتراب:

يغلب الإحساس بالاغتراب على الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير وفي الواقع، ومردُّ ذلك إلى ازدواجية الولاء الذي يتنازع اليهودي المهاجر، أيكون ولاؤه لبلده الأصلي الذي ترعرع فيه ونشأ أم لبلده المضيف "إسرائيل"، وقد تكون نهاية هذا الشعور درامية (الانتحار) كما صوَّر باكثير في مسرحيَّة شعب الله المختار، حيث انتَحَر مردخاي بعد عودته إلى بلده رومانيا، وغطت الحادثة بثقلها أيضًا على سيمون صديقه حال زيارته لبلده مصر لتجرَّه للتفكير في نفس المصير نتيجة التمزُّق النفسي الذي يعانيه المهاجر اليهودي[63].

تمزُّق تعكسه اللغة نفسها التي يتكلَّمُها عددٌ من اليهود داخل إسرائيل؛ إذ "كثيرٌ من اليهود أنفسهم لا يعرفون العبريَّة، وإنما يتكلمون بلغات بلدانهم الأصليَّة"[64].

وإذا تأمَّلنا الشخصيَّات اليهوديَّة التي رسَمَها باكثير نجد أنها جميعها تحسُّ بازدواجيَّة الانتماء، وقد يتحوَّل في بعض الأحيان هذا الشعور إلى نوعٍ من التعالي (شعب الله المختار) والتظاهُر بمركب العظمة تفاديًا للوقوع في براثن الانتحار والضياع الهووي (من الهوية):
"كوهنسون: وأنا أمريكي مثلك.
أندرسون: (في سخرية خفيَّة) أقصد أنني أمريكي فقط أمَّا أنت فأمريكي وإسرائيلي في وقتٍ واحد.
كوهان: وأي عيب في ذلك؟ فأنا أيضًا إسرائيلي وفرنسي.
كوهين: وأنا إسرائيلي وإنجليزي.
كوهينوف: وأنا إسرائيلي وروسي.
كوهينسوف: هل ترى في ذلك عيبًا يا مستر أندرسون؟
أندرسون: أنا لا أعيب ولا أمدح، ولكن هذا وضع شاذ لا مثيل له في شُعوب العالم.
كوهان: وهل لنا نحن مثيل في شعوب العالم؟ نحن شعب الله المختار"[65].

هكذا يُسَيطِر الاغتراب باعتباره شُعورًا شاذًّا (وضع شاذ لا مثيلَ له في العالم) كما ورد في نصِّ الحوار، والشخصيَّة اليهوديَّة تُحاوِل تأويله لتُعطِي من الضعف والشَّتات والتلاشي معنى القوَّة والتميُّز والانتِخاب الطبيعي أو الإلهي (شعب الله المختار).

إنَّ الاغتراب قلقٌ في المكان والزمان، ومحاولة للانعتاق منهما بضرْب من التَّسامِي (الترونسوندونطالي) الذي يرى في فكرة العنصريَّة والعرقيَّة خلاصًا من عذابات الواقع الذي يجمع أفرادًا من البشر، أوَّل ما يقومون به هو (التنافي) نفي الصفة المميزة عن بعضهم البعض، فيقول السفارديم للأشكيناز: لستم على شيء، ويقول الأشكيناز للسفارديم: لستم على شيء، نفي يزيدُ من اغتراب الإنسان اليهودي حين تضيق به أرض ميعاده؛ لأنَّه ببساطة لا يجد فيها أمنًا كما وعدَتْه النبوءة المزعومة.

رابعًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والماشيحانيَّة:

في الفكر اليهودي تحيل "الماشيحانية" على عقيدة حلوليَّة تستضمر فكرة النيابة عن الله في تنفيذ مهمَّة خاصَّة يوكلها الإله إليه، وهي مهمَّة مقدَّسة بدون شكٍّ، وأصل الكلمة من "الماشيَّح" وهي كلمة عبرية تعني "المسيح المخلص"، ومنها "ماشيحوت"؛ أي: "الماشيحانية" أو الاعتقاد بمجيء "الماشيح" في آخِر الأيام، والكلمة مشتقَّة من الكلمة العبريَّة "مشح"؛ أي: "مسح" بالزيت المقدَّس، وكان اليهود على عادة الشعوب القديمة يمسَحون رأس الملك أو الكاهن بالزيت قبل تنصيبهما علامةً على المكانة الخاصَّة الجديدة، وعلامة على أنَّ الروح الإلهيَّة أصبحت تسري فيهما.

ويسمِّي الدكتور المسيري الرغبة في العودة إلى صِهيَوْن (أي: فلسطين) عند الشخصيَّة اليهوديَّة بـ"الحمى الماشيحانيَّة"، ومعلومٌ أنَّ الشريعة اليهوديَّة تُحرِّم على اليهود العودة إلى فلسطين، وعلى اليهودي أنْ ينتظر بصبرٍ وأناة إلى أنْ يشاء الإله ويرسل "الماشيح"، فيحقُّ حينئذ أنْ يعود، ويرى كثيرٌ من المؤرخين أنَّ حمَّى العودة ورفض الانتظار بدأت بين اليهود بحملات الفرنجة، ووصلت إلى قمَّتها مع الحركة الصِّهيَوْنية التي حقَّقت نجاحًا كبيرًا؛ لأنها قامت على النزعة الاستعمارية، وتعاونت مع الغرب ووضعت نفسها تحت تصرُّفه[66].

في مسرحيَّة "التوراة الضائعة" يُصوِّر لنا باكثير - رحمة الله - شخصيَّة يهوديَّة ألمانيَّة ماشيحانيَّة (كوهين) غاية في السادية، عادَتْ من أمريكا مع أسرتها بعد أنْ جمعت أموالاً طائلة (بعد أنْ صار مليونيرًا)، عادت بجنون الماشيحانيَّة تحمل في ضميرها حقدًا لا نهاية له على الآخَرين (النازيين) و(العرب) وكل ما سوى اليهود، وهذه الشخصيَّة تتطلَّع لإسرائيل الكبرى التي تجمع يهود العالم بعد أنْ ينزحوا إليها من كلِّ حدب وصوب، ينزحون ليقتلوا كلَّ مَن يجدون أمامهم، مِصداقًا لنبوءة ميمانود في التلمود: "يجب قتل الأجنبي؛ لأنَّه من المحتمل أنْ يكون من نفس الشعوب السبعة التي كانت في أرض كنعان المطلوب من اليهود أنْ يقتلوها عن آخرها"[67].

وماشيحانيَّة كوهين ترتبط بإسرائيل وبلاد إسرائيل، الأرض التي كتَبَها الله لليهود قديمًا، وأعادها إليهم حديثًا، وجعلها لهم خاصَّة لا يشاركهم فيها أحد[68].

"كوهين: تذكري يا هذه أنَّ أجدادنا كانوا يهودًا، وقد جاءَتْ إلى أرض اليهود، فيجب أنْ تعود إلى دِينها القديم"[69].

فحمى العودة هي حمى ماشيحانيَّة يتحلَّل فيها اليهودي المهاجر خارج إسرائيل ليجدَ فيها دافِعًا قويًّا للنُّزوح المقدَّس إلى أرضٍ أعدَّها الله له ولأبنائه، أعدَّها لهم ليعودوا من جديدٍ على مسرح الأحداث العالميَّة فيقودوا زمام الحضارة، ويُعِيدوا الأوضاع إلى ما ينبغي أنْ تكون عليه؛ أي: إنَّ وظيفتهم تصحيحُ وضْع التاريخ المختلِّ بأنْ ينفذوا مشيئة الربِّ في أرضه باستِعباد ما سوى اليهود وتنحيتهم من دائرة الفاعليَّة إلى دائرة المفعوليَّة، ولعلَّ تصفية الإسلام والمسيحيَّة من جُملة الأهداف "النبيلة" في شريط هذه الملحمة المقدَّسة، يقول هرتزل زعيم الصِّهيَوْنيَّة مخاطِبًا هتلر منتشيًا في "التوراة الضائعة": فأبشِر؛ فقد سقط في أيدينا مهد المسيح وقبر المسيح... لقد اقترَبْنا من الهدف العظيم الذي نصبو إليه... القضاء على دين المسيح"[70].

إنَّ الذي جمَع هتلر وهرتزل في رؤية باكثير - رحمه الله - من وجهة نظر النموذج الإدراكي المركب هو انتماؤهما معا (النازية والصِّهيَوْنية) إلى نفس المنظومة الواحديَّة العنصريَّة، فرغم الصِّراع الذي كان تاريخيًّا بين الفكرتين، فإنَّ البنية التركيبيَّة لنسق كلٍّ من الصِّهيَوْنيَّة والنازيَّة واحدة؛ لأنَّ عُنصر البناء هو تمجيد الذات الصِّهيَوْنيَّة من خِلال الدِّين والأرض الموعودة، والنازيَّة من خِلال العرق الآري الجرماني، وكلاهما ينتهي لنفس النتيجة في علاقته بالآخَر؛ أي: النفي والإلغاء، كما أنَّ الصِّهيَوْنيَّة والنازيَّة تلتقيان أيضًا في نزعتهما الاستعماريَّة التوسُّعيَّة على حِساب الآخَرين.

خامسًا: الشخصيَّة اليهوديَّة والحلوليَّة:

الحلوليَّة عقيدةٌ تقومُ على أنَّ مركز الكون ليس مفارقًا له، بل حالاًّ؛ إمَّا في الطبيعة أو في الإنسان، وإمَّا حالٌّ فيها جميعًا، حيث يشمَل الحلول الطبيعة وضمنها الإنسان، وفي مسرحيَّة "إله إسرائيل" يعكس باكثير كيف انتقلت الحلوليَّة إلى الفكر اليهودي وإلى الشخصيَّة اليهوديَّة؛ حيث ينتقل اليهود من عبادة إبليس الذي يعبدونه ويأتمرون بأمره لينتهوا بالحلول فيه، ففي "القسم الأول: الخروج"، يُصوِّر باكثير ما حصل من اضطهادٍ لليهود وخُروجهم إلى سيناء، حيث يبدأ الاتِّصال بربهم "إبليس"[71]، وتبدأ السيكولوجيا اليهوديَّة في التشكُّل من خِلال الأنانيَّة والمعصية والجدل العقيم والدمويَّة وعقيدة الشعب المختار.

وسعي "الشخصيَّة اليهوديَّة" إلى الحلول والاتِّحاد مع "إبليس" هو سعيٌ لتحقيق هدفين:

الأول: لإقامة مملكة الرب أو "مملكة إبليس" إله إسرائيل الحق.
الثاني: لإضفاء القَداسة على السُّلوك العدواني والشرِّير، ومنه الاستعمار والاغتصاب[72].

يذكر جاك مايلز وهو من الباحثين والدارسين للاهوت المسيحي واليهودي أنَّه "على مَدَى القُرون الطويلة التي شكَّل فيها إله اليهود والمسيحيين واقعَ الغرب الصميمي دون أنْ يهزَّه شيء، سعى الأوربيون رجالاً ونساء ومن بعدهم الأمريكيون إلى صَوْغ أنفُسِهم على غِرار هذا الإله، منصرفين إلى هذه المهمَّة بحميَّة وحماس، ومعتقدين أنَّ المحاولة المتكرِّرة سوف تُمكِّنهم من التوصُّل إلى صُوَرٍ يتزايَد اقترابها من الأصل الإلهي، فمُحاكاة الله ، مقولة أساسيَّة في الإيمان اليهودي"[73].

وممَّا يُؤكِّد المنحى الحلولي للشخصيَّة اليهوديَّة ما يذهب إليه الصهاينة من أنَّ مركز الحياة اليهوديَّة في العالم بأسْره هو إسرائيل (فلسطين)، ويُعبِّرون عن موقفهم هذا من خِلال مصطلح "مركزيَّة إسرائيل في حياة الدياسبورا".

وهذه الرؤية لها جذورٌ في الطبقة الحلوليَّة في العقيدة اليهوديَّة؛ إذ يحلُّ الإله في الشعب والأرض ويربطهما برباط عضوي ويخلع عليهما القَداسة ويُضفِي على إرتس يسرائيل محورية خاصَّة، وقد قام الصهاينة بعَلمَنة هذه العقيدة فنادَوْا بضرورة أنْ تصبح الدولة الصِّهيَوْنيَّة الملجأ الوحيد لليهود، وبأنْ تقوم وحدَها بالدِّفاع عنهم، وأنْ تتحدَّث باسمهم، وقالوا: إنَّ الحروب التي يخوضُها المستوطِنُون الصهاينة إنما تهدف إلى الدِّفاع عن كلِّ يهود العالم، ويرى الصهاينة أنَّ الدولة الصِّهيَوْنيَّة هي التي تُساعِد يهود العالم في الحرب ضد خطر الاندِماج وفي الحِفاظ على الهويَّة اليهوديَّة، وأنها هي التي تضمَنُ استِمرار التراث اليهودي وتطورُّه، وتحسن صورة اليهود أمام الأغيار، فبدلاً من صُورة اليهودي التاجر والمرابي والجبان تأكَّدت صورة اليهودي باعتباره المُقاتِل الشَّرِس؛ وبذا يستعيد اليهودي احترامه لنفسه بعد أنْ فقَدَه بسبب آلاف السنين من النفي[74].

إنَّ الطبيعة الحلوليَّة للشخصيَّة اليهوديَّة تكمن أيضًا فيما تشتغل عليه التربية اليهوديَّة من ربطٍ صارم بين الإنسان والأرض وبالشعب وعقيدة الشعب باعتبارها تحيل على شيءٍ واحد ومرجع واحد تسقط فيه جميع المسافات، فإسرائيل هي الإله وهي نفسها الشعب والدين في نفس الآن، فيظهر من خِلال ذلك كيف تتألَّه الدولة وهي نفسُها الشعب والدِّين في نفس الآن، فيظهر من خِلال ذلك كيف تتألَّه الدولة ويتألَّه الشعب ويتألَّه الإنسان نفسه اليهودي؛ لأنَّ حياته لا تنفكُّ عن هذه الأيقونات المذكورة ورد في الكتاب السنوي الإسرائيلي لعام 1974م تصور لهدف التربية اليهوديَّة في الدياسبورا يُقرِّر أنَّ

"واجب التربية اليهوديَّة في الدياسبورا أنْ تجعل الشاب يحلم بالوطن وبالصِّهيَوْنيَّة، وأنْ يعرف أنَّ في إسرائيل أعظم ثورة في التاريخ الإنساني، وبهذا يربط حَياته بحياة الشعب الإسرائيلي والدولة"[75].

خاتمة

بعد هذه الجولة السريعة في أدب الراحل باكثير من خلال المنهج الإدراكي المركب الذي سعَيْنا بواسطته إلى تحقيق قَدْرٍ أكبر من التفسيريَّة لطبيعة "الشخصيَّة اليهوديَّة"، نرجو أنْ نكون قد وُفِّقنا في الجمع بين عملاقين يُشرِّفان ثقافتنا العربيَّة والإسلاميَّة بما قدَّماه من رؤية إسلاميَّة في الإبداع والنقد لا شكَّ أنها تحمِل إضافات كبيرة لصَرْحِ الأدب والثقافة الإسلاميَّتَيْن من زاوية التحيُّز الإيجابي لقَضايانا ولهموم أمَّتنا، ويمكن إجمال نتائج هذا البحث في المضامين التالية:
• التأكيد على أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير تنتمي نسقيًّا إلى مفهوم "الجماعة الوظيفيَّة" باعتباره مفهومًا تحليليًّا تداوليًّا ضمن النموذج الإدراكي المركَّب.
• الاستدلال على أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير أحاديَّة البعد خاضعة للحتميَّات الماديَّة والغريزيَّة الاختزاليَّة.
• بيان أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة عند باكثير هي عِبارة عن مجموعةٍ من السِّمات المميزة التي قد لا تخلو من تناقُض: العنصريَّة، الاستغلال، النبوة... إلخ.
• بيان أنَّ الشخصيَّة اليهوديَّة في أدب باكثير شخصيَّة حلوليَّة وماشيحانيَّة.

ومن جملة ما نوصي به في النهاية:

• تخصيص مزيدٍ من الدراسات الأكاديميَّة لإبداع الراحل علي أحمد باكثير، وتشجيع الباحثين الشباب في المؤسسات الجامعيَّة لتُهيِّئ أطروحات عن أعماله.
• إعادة طبْع الأعمال الكاملة للراحل علي أحمد باكثير في مجاميع في نسخ اقتصاديَّة بهدف تشجيع انتشارها على أوسع نِطاقٍ بين الدارسين.
• ترجمة أعمال باكثير - رحمه الله - أو ما لم يُتَرجَم منها إلى اللغات الحيَّة والتشجيع على ذلك بجوائز تُرصَد لهذا الغرض.
• تنظيم حلقات دراسيَّة وندوات علميَّة دوليَّة بتنسيقٍ مع شُعوب الآداب للتعريف بإبداعاته وتسليط الأضواء على الجوانب القيميَّة والفنيَّة والأدبيَّة والفكريَّة في أعمال باكثير.
• اغتنام مناسبات الاحتفال بيوم الأرض وانطِلاق الانتفاضة وغيرها للاحتفال بباكثير وأدبه باعتباره أديب القضيَّة بامتياز.


[1] د. إدريس مقبول، المركز التربوي الجهوي - جامعة المولى إسماعيل، مكناس، المغرب.
[2] يراجع كتابنا: الأسس الأبستمولوجية والتداولية، عالم الكتب الحديث، إربد، 2007م.
[3] يراجع: المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية، ط1، 2006، ص385.
[4] يراجع: عصام بهي: الشخصية الشريرة في الأدب المسرحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م، ص113.
[5] يعتبر باكثير - رحمه الله - أنَّ من مهمات المبدع العربي أنْ يهتم بالمعركة المصيرية التي تخوضها أمَّته اليوم اهتمامًا يفضي إلى الوعي الصادق العميق الذي يدفعه للإسهام بالعمل في نصرة قومه، يراجع: باكثير: دور الأديب العربي في المعركة ضد الاستعمار والصِّهيَوْنيَّة، ضمن مجلة الآداب، ع5، 1969م، ص10.
[6] باكثير: فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، مكتبة مصر، ص74.
[7] يراجع: المسيري: الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذج تفسيري جديد، القاهرة، دار الشروق، 2002م.
[8] المسيري: دفاع عن الإنسان، دراسات نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، دار الشروق، ط2، 2006، ص11.
[9] باكثير: التوراة الضائعة، ص97.
[10] باكثير: شايلوك الجديد، دار مصر للطباعة، ص10.
[11] باكثير: شيلوك الجديد، ص13.
[12] المسيري: دفاع عن الإنسان، ص22.
[13]باكثير: شيلوك، ص47.
[14]للمزيد يراجع: ملكين يعقوب: اليهودية العلمانيَّة، ترجمة وتعليق أحمد كامل راوي، مراجعة عبدالوهاب وهب الله، مركز الدراسات الشرقية، القاهرة، 2003م.
[15]المسيري: دفاع عن الإنسان، ص14.
[16]باكثير: شايلوك الجديد، ص19.
[17]باكثير: شايلوك الجديد، ص20.
[18] عن العنف والعدوان في الشخصية اليهودية يراجع: الشامي رشاد عبدالله: الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية، دار الزهراء، 1991م.
[19] باكثير: شيلوك الجديد، ص28.
[20] عن آليات التطبيع اللغوية في الخطاب الصهيوني المعاصر يراجع كتابنا: المخفي والمعلن في الخطاب الأمريكي، منشورات الزمن الدار البيضاء، 2007م.
[21] باكثير: شيلوك الجديد، ص20.
[22] باكثير: شيلوك الجديد، ص22.
[23] باكثير: شيلوك الجديد، ص51.
[24] جدير بالذكر أن إسرائيل مستعدة لتحمل الأبناء غير الشرعيين في هذه المعركة كما ورد في التوراة الضائعة لباكثير، 49.
[25] باكثير: شعب الله المختار، ص39.
[26] المسيري: دفاع عن الإنسان، ص24، المثال الآخر الذي يحضرني جامعًا لهذه الخواص هو شخصيَّة عزرا في شعب الله المختار الذي كان يعمَل في جمع القاذورات في اليمن ومنها راكم ثروة كبيرة وهاجر إلى إسرائيل لاستثمار، وأيضًا مثال كوهين في التوراة الضائعة حيث عمل حمالاً بعد فراره من ألمانيا إلى الولايات المتحدة قبل أنْ يتحول إلى مليونير، وجدير بالذكر أنَّ المنتمين عادة للجماعات الوظيفيَّة يقومون بأعمال وضيعة عادة.
[27] المسيري: من هو اليهودي؟ دار الشروق القاهرة، 1997م.
[28] يراجع: صابر طعيمة: التاريخ اليهودي العام، دار الجيل بيروت، ط2، 1992م، ج2، ص165.
[29] من ذلك ما نجده من إيراده لبعض الآيات التي تحدث فيها القرآن عن بني إسرائيل أو اليهود في أعماله، والتي تُؤكِّد تداخُل البعدين الواقعي الخارجي والقرآني النصي في تصوير باكثير لهذه الشخصيَّة وإدراكه لأبعادها السلوكيَّة والقيميَّة، فرؤيته للشخصيَّة اليهوديَّة رؤية فنيَّة إسلاميَّة قرآنيَّة (شيلوك الجديد: 3، التوراة الضائعة: 13، مأساة أوديب: 3).
[30] باكثير: شيلوك الجديد، ص38.
[31] باكثير: شيلوك الجديد، ص69.
[32] عطاري توفيق عادل، التربية اليهودية في فلسطين المحتلة والدياسبورا، مؤسسة الرسالة، ط1، 1980م، ص49 - 50.
[33] يراجع: قبعة كمال، الصهيونيَّة والفصل العنصري، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، 1992م، وسقاف أحمد: العنصرية الصهيونية في التوراة، شركة الربيعان، الكويت، 1984م.
[34] للتفصيل في هذه القضيَّة يراجع: جابر أحمد مصطفى: اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، 2004م.
[35]باكثير: شعب الله المختار، دار مصر للطباعة، ص17 - 18.
[36]Coben, Louise, Israel is Committing Sucide, TelAviv, 1974, P32
[37] باكثير: التوراة الضائعة، ص72.
[38] باكثير: التوراة الضائعة، ص13.
[39] باكثير: التوراة الضائعة، ص21.
[40] باكثير: التوراة الضائعة، ص22.
[41] باكثير: شايلوك الجديد، ص46.
[42] باكثير: التوراة الضائعة، ص56 - 58.
[43] المسيري: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1، 2002م، ص62.
[44] يراجع للمزيد: جوناثان كريتش: حكايات محرمة في التوراة، ترجمة نذير جزماتي، دار نينوي، ط1، 2005م.
[45] باكثير: شايلوك الجديد، ص33.
[46] باكثير: التوراة الضائعة، ص81.
[47] باكثير: التوراة الضائعة، ص79.
[48] باكثير: التوراة الضائعة، ص13
[49]باكثير: التوراة الضائعة، ص 80.
[50] باكثير: شعب الله المختار، ص49.
[51] المسيري: اللغة والمجاز، ص70 - 71.
[52] نبوءة هوشع: ص1 - 2.
[53] يراجع للمزيد: عطا زبيدة محمد: اليهود في العالم العربي: قراءة في خرافة الاضطهاد، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية القاهرة، 2004م.
[54] باكثير: شيلوك الجديد، ص68.
[55] باكثير: شيلوك الجديد، ص170.
[56] باكثير: التوراة الضائعة، مكتبة مصر، ص16.
[57] باكثير: شعب الله المختار، ص19.
[58] باكثير: شيلوك الجديد، ص167.
[59] التوراة: سفر تثنية الاشتراع، ص6 - 7.
[60] سفر الأخبار: ص20 - 24.
[61] باكثير: شعب الله المختار، ص16 - 17.
[62] باكثير: شعب الله المختار، ص31.
[63] باكثير: شعب الله المختار، ص35.
[64] باكثير: شعب الله المختار، ص27
[65] باكثير: شعب الله المختار، ص34.
[66] باكثير: شعب الله المختار، ص62.
[67] يراجع: المسيري: الإنسان والحضارة والنماذج المركبة: دراسات نظرية وتطبيقية، دار الهلال، 2002م، ص185.
[68] باكثير: التوراة الضائعة، ص27.
[69] باكثير: التوراة الضائعة، ص45.
[70]باكثير: التوراة الضائعة، ص110.
[71] عن تماهي الله بالشيطان في الفكر اليهودي، يراجع: جاك مايلز: سيرة الله، ترجمة ثائر ديب، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، ط1، 1998م، ص329.
[72] معلومٌ أنَّ عبادة الشيطان التي نشطت في العالم المعاصر عقيدة يهودية وضَعَها اليهودي الكاهن أنطون لافي سنة 1966م، وجميع طقوسها تقومُ على التجاوز الأخلاقي وانتهاك الحرمات بكلِّ السبل من التعرِّي وممارسة الجنس الجماعي وتعاطي المخدرات وما إليها.
[73]جاك مايلز: سيرة الله، ص17.
[74] المسيري: مركزية إسرائيل في حياة الدياسبورا وغزو الجماعات اليهودية وتصفيتها، ضمن جريدة الحياة الإماراتية، بتاريخ 5/4/2008.
[75] The Israeli Year book, Tel Aviv, 1974, Israeli Yearbook Publicqtion Ltd, p63.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /16-09-2015, 08:48 AM   #44

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي خمسون عاما من البحث في الفرق والحركات اليهودية

جعفر هادي سعى إلى فهم العقلية اليهودية من خلال التتبع التاريخي

جعفر هادي حسن: خمسون عاما من البحث في الفرق والحركات اليهودية
الباحث جعفر هادي حسن تميز بنفسه الحيادي وتفكيره الموضوعي،
فاعتُبر المحاضر الأهم في اجتماع اللجنة العربية اليهودية في البرلمان البريطاني.

منجزات جعفر هادي

◄ إنشاء معهد للدراسات العربية بلندن لتعليم اللغة العربية للأجانب
◄ كتابة مادة «اللغة العبرية أصلها وتاريخها وتطورها» لدائرة المعارف الإسلامية في تركيا
◄ مشاركة بمحاضرة افتتاحية في اللجنة العربية اليهودية في البرلمان البريطاني

قدّم جعفر هادي حسن، المختص في اللغة العبرية وحقل الدراسات اليهودية، شهادة قيّمة في الأمسية الثقافية التي أقامتها مؤسسة الحوار الإنساني، مؤخرا بلندن، احتفاء بمنجزه الفكري الّذي يمتد على خمسة عقود، على أقل تقدير. فقد أمضى جعفر هادي عقد السبعينات من القرن الماضي برمته في دراسة اللغات السامية (العبرية، الآرامية، السريانية، الفينيقية)، إضافة إلى تخصّصه في حقل الدراسات اليهودية في جامعة مانشستر البريطانية، هذا إذا ما وضعنا جانبا، دراسته للغة العربيّة في جامعة بغداد وحصوله على شهادتي البكلوريوس والماجستير.

درّس جعفر هادي ثلاث سنوات في جامعة الملك عبدالعزيز لكنه لم يستطع أن يكتب شيئا البتة، فلم تكن الظروف مشجعّة على الكتابة العلمية أو البحث العلمي، لكنه لم يكشف النقاب عن طبيعة هذه الظروف التي منعتهُ من الكتابة، وتركته يستغرق في التأمل والتفكير طوال تلك السنوات الثلاث، لكنه ما إن عاد إلى إنكلترا عام 1982 حتى عقد العزم على الكتابة، وفق خطة معينة رسمها في ذهنه، لا سيما أنّه يمتلك أدوات مختلفة للتعبير مثل اللغات السامية الأربع، آنفة الذكر، إضافة إلى دراسته لليهودية كدين وفكر وتاريخ، ناهيك عن استفادته الجمّة من الأساتذة والعلماء الّذين أشرفوا على تدريسه في بغداد ومانشستر، وزرعوا فيه حبّ الموضوعية والالتزام بالجانب العلمي المحايد.
شبتاي سفي ويهود الدونمه

ذات يوم كان جعفر هادي يبحث عن مُؤَلَّف في مكتبة جامعة “سواس”، فوجد، مصادفة، كتاباً يحمل عنوان “تهرُّؤ اليهودية في وقتنا الحاضر” لموشي مِنوهَين، لفت نظره. وأثناء قراءته لهذا الكتاب عثر على موضوع “شبتاي سفّي”، مؤسس حركة الدونمة، حيث يقول المؤلف أنّ هذه الحركة هي من أهمّ الحركات التي ظهرت في تاريخ اليهودية.

فكيف لا يعرف جعفر هادي عنها شيئا وهو المختص بالدراسات اليهودية؟ لذلك ذهب إلى الموسوعة اليهودية مباشرة، فهي المصدر الأول الذي يعود إليه بالنظر، فأعجبه الموضوع كثيرا، خاصّة وأنّه لم يرَ شيئا مكتوبا عنه باللغة العربية، سوى كُتيّب صغير، لذلك كتب مقالا عن شبتاي سفّي ويهود الدونمه ونشره في مجلة العربي عام 1985، ثمّ قرّر أن يطبع الكتاب على نفقته الخاصّة بمبلغ كبير، والأدهى من ذلك أنّ الكتاب ظهر مليئا بأخطاء كثيرة، ولكنّه ما إن تحسس ردود الفعل الطيبة على النسخة الأولى، حتّى أعاد طبعه ثانية في لبنان، وكان الإقبال في المرّة الثانية أفضل ممّا كان عليه مع الطبعة الأولى.

ثم طبع الكتاب طبعة جديدة، منذ ثلاث سنوات، وقد أضاف إليه جعفر هادي نحو خمسين صفحة تحتوي على معلومات مهمة عن هذه الفرقة التي تغلغلت في المجتمع التركي، واحتل بعض أعضائها مناصب حساسة في الدولة التركية. وكانت نسبة مبيعات هذه الطبعة مشجعة.

فرقة القرائين اليهود

أصدر جعفر هادي كتابه الثاني الذي حمل عنوان “فرقة القرّائين اليهود”، الممتدّ على 150 صفحة في طبعته الأولى التي صدرت عام 1989، وقد جاءته رسالة من عالِم كبير هو “أف، فانتون”، رئيس قسم الدراسات العبرية واليهودية من جامعة ستراسبورغ شجعته على أن يعيد طباعة الكتاب.

وقد كتب فانتون هذه الرسالة باللغة العربية، مفتتحا إياها بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم”، مبينا فيها احترامه لشخص جعفر، وهي مذيلة بتاريخ 1 مارس 1996، نوجزها في ما يلي: “أنه جاء إلى لندن في زيارة واقتنى نسخة من كتاب ‘فرقة القرائين اليهود’ الذي وجده ممتعا، فقرأه بعناية فائقة فوجد أنّ الكاتب متبحر في الموضوع ومتبع لمنهج متوازن في البحث.

كما سأل الباحث عن الحافز الذي شجّعه للاهتمام بهذا الموضوع تحديدا. وأعرب عن رغبته في اقتناء نسخة من كتاب ‘الدونمة’ الذي نفذ من المكتبات، وتمنّى أن يرسل له الكاتب نسخة منه إن كان متوفرا لديه، سائلاً الله أن يتوِّج جهوده الكريمة بالتوفيق”. هذا وقد غيّر المؤلف عنوان كتابه من “فرقة القرائين اليهود” إلى “تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر”، كما أن عدد الصفحات قد تنامى من 150 صفحة إلى 430 صفحة.

غلطة زمن

وفي السياق ذاته توقف جعفر هادي عند مكان بالقاهرة يسمّى “الجنيزة” وهو كنيس بن عزرا، المكان الذي يرمون فيه الأوراق والوثائق التي لا يجوز إتلافها أو إهمالها وفقاً للديانة اليهودية، خاصّة إذا انطوت على اسم الله سبحانه وتعالى بين ثناياها، حيث يتم تخزينها في غرفة من غرف الجنيزة التي دأب اليهود على تخزين أوراقهم ووثائقهم فيها منذ القرن التاسع ميلاديّا حتى القرن التاسع عشر.

حيث تمّ اكتشاف هذا المكان من قبل شخص ما، وتبيّن أنّ عدد الوثائق الموجودة فيه تعادل الـ 250.000 وثيقة، وأنّ الكثير منها متعلّق باليهود القرائين، ولو كانت هناك “غلطة زمن”، لأصبح اليهود القرّاؤون هم الاتجاه السائد والبقية مجرد فروع، لكن الزمن يسير وفق مسارات محددة، فشرع العلماء اليهود من ثمّة في طباعة ونشر ما وجدوه عن القرائين.
كان جعفر هادي حسن ذات يوم في مكتبة “سواس”، فوجد كتاباً يمتدّ على ألف صفحة يحمل عنوان “اليهودية القرائية”، فهل من المعقول أن يترك هذه المادة الضخمة التي تتوفر على مصادر كثيرة؟ بدأ يراجع هذه المصادر وهو يكتب الكتاب منذ عشرين عاماً إلى أن ظهر في طبعته الثانية عام 2014، وما تزال عنده مادة غزيرة لم يضفها إلى الكتاب كي لا يكون أكبر مما هو عليه الآن، حيث أنّه بلغ الـ 430 صفحة.

قضايا وشخصيات يهودية


جعفري هادي حسن اهتم بتاريخ اليهود في مؤلفاته

أما الكتاب الرابع الذي لا يختلف في مادته الثرية عن الكتب الثلاثة السابقة، فهو “قضايا وشخصيات يهودية”، الذي صدر في العراق عام 2011، وقد تناول فيه الباحث عشر قضايا يهودية مفصلية، إضافة إلى تسليطه الضوء على أربعة فلاسفة يهود وهم كلّ من؛ سبينوزا، أوريل داكوستا، يوسف ناسي ويعقوب كلتزكن. ثمة موضوعات محورية في هذا الكتاب لم يُكتب عنها باللغة العربية، نذكر منها موضوع “الحركة النسوية اليهودية”، وقد أراد الباحث أن يقدّمها للقارئ العربي واليهودي الذي يقرأ العربية أيضاً لكي يطلِّع على ما يدور في ثنايا اليهودية؛ كيف ظهرت هذه الحركة إلى الوجود؟ كيف أثّرت في اليهودية أيضا؟ ولماذا تركت هذا التأثير؟

أما الكتاب الخامس الذي نترقبه بشغف كبير، فهو”البحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة والمشروع الصهيوني”، الذي يسلّط الضوء على عدد غير قليل من المنظمات الصهيونية التي تريد أن تجلب أعداداً كبيرة من الناس بحجة انتمائهم إلى قبائل بني إسرائيل الضائعة التي تناثرت في الهند وأفغانستان وباكستان حتى وصلت إلى اليابان. وبالفعل فقد وصلت إلى إسرائيل مجموعات من هؤلاء اليهود “الضائعين” الذين يسكنون في الهند وميانمار وأماكن أخرى من العالم. وهذه حركة مهمة وكبيرة غير أنّ الناس بصورة عامة- بما في ذلك اليهود- لا يعرفون عنها شيئاً، وقد كتب عنهم جعفر هادي فصلاً في هذا الكتاب، ونتمنى أن يرى النور قريباً.

لدى كل كاتب وباحث عدد من المنجزات التي يعتز بها، وجعفر هادي حسن يفتخر بثلاثة أشياء أنجزها خلال رحلة حياته الثقافية والفكرية. المنجز الأول هو إنشاء معهد للدراسات العربية بلندن لتعليم اللغة العربية للأجانب، كما كان يسعى لتحسين صورة العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. أما المنجز الثاني فيتمثل في كتابة جعفر هادي لمادة “اللغة العبرية أصلها وتاريخها وتطورها” لدائرة المعارف الإسلامية في تركيا، وظهرت هذه المادة في المجلد 22، وقد كان سعيدا أن يُطلب منه، ولا يُطلب من باحث يهودي أو من مسيحي، أن يكتب مادة اللغة العبرية في دائرة المعارف الإسلامية المذكورة أعلاه.

فيما يتمثل المنجز الثالث في اللجنة العربية اليهودية في البرلمان البريطاني التي شُكلت قبل عشر سنوات تقريباً، وبحثت اللجنة آنذاك عن محاضرين للجلسة الأولى فاختاروا ثلاثة أشخاص أحدهم مسلم وهو جعفر هادي حسن، والثاني مسيحي وهي كارين آرمسترونغ، والثالث يهودي وهو رئيس جامعة بوستن.

وقد تحدث جعفر هادي عن اليهود في الدولة الإسلامية من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر ميلاديّا، وكان أغلب الحضور من بين اليهود، وعندما انتهى من المحاضرة وانفضّ الاجتماع، جاء كل اليهود الذين استمعوا إلى المحاضرة، وطلبوا منه بلا استثناء نسخة من ورقتها التي قوبلت باستحسان كبير. وكلما يتمّ عقد هذا الاجتماع سنوياً، يذكر الحاضرون أنّ المحاضر الأول كان جعفر هادي حسن التي تميّز بنفَسه الحيادي وتفكيره الموضوعي، وذهنيته العلمية الصارمة. وهي ذات السّمات التي دفعت مؤسسة الحوار الإنساني لتكرّمه وتحتفي بمنجزه الفكري.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /16-09-2015, 09:03 AM   #45

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي فرقة اليهودية البشرية

فرقة اليهودية البشرية
جعفر هادي حسن

تضم الديانة اليهودية اليوم فرقا متعددة ومختلفة ،بعضها قديم وبعضها ظهر في العصر الحديث.ومن هذه الفرق التي ربما لم يسمع عنها القارئ من قبل، والتي لم أطلع أنا على شيئ منشور عنها بالعربية، هي الفرقة التي نتحدث عنها في هذه الدراسة المختصرة ،والتي قد تكون الأولى حولها بهذه اللغة. والإسم العربي أعلاه للفرقة هو ترجمتي من الإسم الإنجليزي Humanistic Judaism ولم أترجم الكلمة الأولى بكلمة الإنسانية، لأن ذلك سيعطيها معنى آخر، ليس هو المقصود هنا من هذه الكلمة، وسيتوضح للقارئ معنى كلمة "البشرية" في ثنايا الدراسة.

كانت بداية ظهور هذه الفرقة في الولايات المتحدة ألأمريكية عام 1963 م ،عندما بدأ الحاخام شيروين واين (توفي عام 2007م) من فرقة اليهودية الإصلاحية ، بانشاء أحد المعابد في مدينة ديترويت، في مشيغان ،في الولايات المتحدة الأمريكية لنشر الدعوة إلى اليهودية البشرية. وهو بعمله هذا يعتبر مؤسسا. وفي عام 1966م تكونت لجنة خاصة في نفس المعبد ، لإشراك الناس العاديين مع الحاخامين في العبادة وفي مجال التربية أيضا. ثم في عام 1967م اجتمع عدة أشخاص لهذه الحركة في ديترويت أيضاً ، واصدروا بياناً أكدوا فيه على أن اليهودية ، يجب أن تكون محكومة بالتجربة العقلية والحاجة الإنسانية. وبعد سنتين انشئ كنيس خاص بهذه الفرقة. وفي عام 1969 انشئت جمعية باسم "اليهودية البشرية" "من أجل إقامة التعاون والالتقاء بين اليهود البشريين". وفي عام 1970 عقدت هذه الجمعية مؤتمرها السنوي الأول في ديترويت، وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ ، انشئت كنس عدة في الولايات المتحدة وكندا ، ثم بعد ذلك أصبحت تسمى اليهودية العلمانية البشرية ، وأخذت تنتشر كحركة عالمية لها مؤيدون في أكثر من قارة، وأصبحت لها تسع جمعيات عامة في كندا وامريكا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا والأرجنتين والأورغواي وإسرائيل.وفي عام 1986م أنشأ الحاخام واين إتحادا من هذه الجمعيات سمي " الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية".

وفي العام نفسه أصدر الاتحاد بياناً حول معتقدات هذه الفرقة وأهدافها جاء فيه: إننا نؤمن بقيمة العقل الإنساني ، وفي واقعية العالم التي يكشفها العقل. وان الكون الطبيعي يقف وحده دون تدخل من عالم الميتافيزيقيا ، ونحن نؤمن بقيمة الوجود الإنساني ونؤمن بقدرة الإنسان على حل المشاكل بشكل فردي وجماعي ، وان الحياة يجب أن توجه من أجل ارضاء الحاجات الإنسانية. وكل انسان له الحق في الحياة والكرامة والحرية، ونحن نؤمن بقيمة الهوية اليهودية ، ونؤمن كذلك ببقاء الشعب اليهودي، وان التاريخ اليهودي هو قضية سطرها البشر. كما أن اليهودية كحضارة لليهود هي من خلق البشر وصنعهم، والهوية اليهودية هي حقيقية عرقية. والحياة اليهودية تشمل كل مظاهر الحياة لليهود ومن ضمنها اللغات اليهودية ، والاخلاق والذكريات التاريخية والتراث الثقافي ، خاصة ظهور دولة اسرائيل في العصر الحديث. واليهودية كذلك تشمل عدة معتقدات وسلوك حياتي. ولما كانت اليهودية هي من خلق اليهود أنفسهم ، ولأنها من ابتداع البشر فإنها دائماً تتغير وتتطور. ويقول أتباع هذه الفرقة، نحن نؤمن بقيمة البشرية العلمانية والديمقراطية لاسرائيل ولكل شعوب العالم. كما أن الدين والدولة يجب أن ينفصلا. ويجب أن يضمن لكل شخص الخصوصية والاستقلالية ، وكل انسان مع غض النظر عن جنسه وعرقه ودينه له حقوق متساوية. ولأتباع هذه الفرقة اليوم معهد كبير في اسرائيل ، يتخرج منه حاخاموهم ويمنحونهم شهادات منه.

نظرةالفرقة إلى الله تذكر

الفرقة على موقعها أن أتباعها يختلفون في نظرتهم إلى الله فمنهم الملحد الذي لايؤمن بوجود خالق للكون،ومنهم المشكك بوجوده ،ومنهم من يؤمن بوجود قوة ميتافيزيقية. وتقول الفرقة إن الإيمان بالله وعدم الإيمان به لا يؤثر على طريقة سلوكنا في حياتنا.ونحن لانتوقع استجابة لصلاتنا من إلاه، ولا نلجأ إليه في الحصول على الحكمة والحقيقة، وإن صلواتنا ليس فيها إشارة إلى إله، وإنما نستعمل لغة تجعل الإنسان هو المركز في فلسفتنا.وردا على مايتبادر إلى أذهان بعض الناس عن كيفية أن تكون اليهودية دين بدون إعتقاد بالرب،فإنهم يجيبون على هذا التساؤل في أن اليهودية العلمانية كانت موجودة منذ عصر النهضة، واليوم يكَون اليهود العلمانيون الذين يعتبرون اليهودية ثقافة وليست دين، نصف يهود الولايات المتحدة الأمريكية.ويقولون وبالنسبة لنا فإن اليهودية ليست مقتصرة على الدين ،وإنما هي حضارة تضم جوانب كثيرة من الحياة إضافة إلى بعض الجوانب العقائدية والطقوس الدينية المختلفة.(واليهودية كحضارة والدين جزء منها،هي معتقد إحدى الفرق اليهودية المعاصرة، تسمى "فرقة إعادة بناء اليهودية"، التي أنشأها الحاخام مردخاي قبلان في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن الماضي، ووضع أسسها في )Judaism as Civilisationكتاب مشهور عنوانه

نظرتها الى التوراة والتلمود والانبياء والمناسبات الدينية
التوراة


ترى اليهودية البشرية بأن التوراة تثير الارتباك والتشوش عند الإنسان ، كما أن النقد العلمي قد كشف أنها لم تكن قد كتبت من قبل موسى (كما يقول الحاخامون)، ولكنها في الواقع مكونة من أربع وثائق رئيسة على الأقل، وهي وثائق كتبت منفصلة في أزمنة مختلفة وكان تحرير التوراة في القرن السادس الميلادي(وهذه الوثائق توصل إليها العلماء الألمان من خلال مايسمى بالنقد العالي في القرن التاسع عشر، ومازالت هذه النظرية هي السائدة بين الباحاثين إلى اليوم). كما أن الكثير من قصصها متناقضة، كما في الالاصحاح الأول والثاني من سفر التكوين.(وربما الإشارة هنا إلى قصة خلق الإنسان حيث القصتان مختلفتان عن خلق آدم). والكثير من الحوداث إما أنها لم تحدث، أو أنها لم تحدث بالطريقة التي تحدثت عنها التوراة. كما أن عدداً كبيراً من هذه القصص كتبت بعد قرون من افتراض حصولها. ويقولون إن التوراة تكشف أشياء أخرى من خلال التناقضات والادانات، وأنها إذا قرئت بتعمق فإنها ستكشف عن وجود آراء يهودية أخرى غير الآراء المعروفة، ونحن ليس علينا أن نقبل ما يكتبه محررو التوراة.

ويرى هؤلاء أيضاً بأن التوراة وثيقة عنصرية، إذ أنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً حيث لهم حقوق خاصة بهم دون غيرهم، إضافة الى أنهم مفضلون،وهذا التفضيل لايأتي من فضائل فطرية يتمتعون بها ،بل لإنهم أبناء يهوه المفضلون. كما أنه ليس هناك دور للناس الآخرين عدا اليهود، وكلام كثير عما يعمل يهوه من أجلهم وماذا يتوقع منهم هو، فرب العالم والهه يسلك سلوك رب عشائري. كما ان التوراة تعتبر وثيقة رجعية تشجع على اهانة اليهود المعاصرين اخلاقياً. والحياة التي تعرضها التوراة هي حياة العائلة الدكتاتورية وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وحكومتها حكومة ثيوقراطية وتركز على الخصوصية العشائرية كما أنها تركز على الأضاحي. واساطير التوراة تحمل في طياتها اهانة للانثى وعداء عشائرياً، كما أن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة ولذلك فإنها لا يمكن أن تكون أساساً لشريعة علمانية من دون أن يكون الإنسان غير صادق مع نفسه. إن التوراة لا تناسب وجهة نظرنا انها شعار يناسب اليهود الذين يؤمنون بالحاخامين، وهي تناسب طموحهم وحياتهم التي يرغبونها، ولكنها بالنسبة الى اليهودية البشرية هي كذب لأنها تتحدث عن تقاليد غير صحيحة.

واليهودية البشرية لم تخرج من الوثيقة الرسمية لليهودية الكهنوتية والحاخامية، بل إنها وليدة التجربة اليهودية وأن التاريخ اليهودي من وجهة نظر اليهودية البشرية يختلف عما ينظر إليه الحاخامون والكهنة. إن الشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة. إن التوراة لا تناسب اليهودية البشرية ونحن لا نريد أن ننقدها فهي الوثيقة الرئيسة لليهودية الحاخامية، وانها تعبير عن وجهة النظر الثيوقراطية للعالم والمجتمع.

إن محررين من القرن السادس قبل الميلاد قد وضعوا مبادئهم وقناعاتهم على لسان الآباء (ابراهام واسحق ويعقوب) وعلى لسان موسى. وان التوراة إذا درست بشكل علمي، فإنها ستظهر لنا حقيقة الأحداث خلف الأساطير. وان هؤلاء المحررين نظروا الى الماضي من خلال أفكارهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، كما أن التاريخ اليهودي هو بالضرورة ذلك الذي رآه الحاخامون والكهنة. إن التوراة هي مجموعة من الاشارات التي تقودنا الى الأحداث الحقيقية التي هي خلف الاسطورة حتى وإن كانت نصوصها التاريخية كذباً وشرائعها غير صالحة اخلاقياً. ويقولون إن أجدادنا قد آمنوا بذلك ايماناً عميقاً وكان ذلك ضاراً لهم.

إن يهوه لم يكتب التوراة ولكن الاعتقاد بأنه هو الذي كتبها يؤثر على الشخص في تعامله مع الأفكار.

وهم يعتقدون بأن السلوك العملي لليهود قد جاء من أفكار التوراة وشروحها، وان دراسة هذه الأفكار هي دراسة للتاريخ اليهودي، كما ان دراسة الحالات التي تناقض تلك هي أيضاً جزء من التاريخ اليهودي.

وإذا كانت هناك أفكار تتفق بها اليهودية البشرية مع اليهودية الحاخامية، فإن ذلك قد جاء من خلال وعي التجربة الإنسانية التي تجعل مثل هذا شيئاً مهماً حتى لو لم يكن ذلك في التوراة.

كما أن التأكيد على أن اليهود يجب أن يتذكروا اعتمادهم على التدخل الالهي هو مخالف للإعتماد على النفس. والسلوك الأخلاقي لليهود لم يأت من الوصايا العشر، التي ذكرتها التوراة، ولكنه جاء من التجربة اليهودية.

وخلاصة القول إن التوراة هي كتاب أدبي، وحقها ان توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية، يتحدث عنها المعلمون وعن أهميتها التاريخية وقوتها، ولكن لا يجوز لمن يؤمن باليهودية البشرية، أن يعبدها ويعتقد بأن الهوية اليهودية والسلوك الأخلاقي يتوقف عليها.

التلمود

اليهود البشريون لايعترفون بالتلمود ، لأنهم يرون فيه نتاجا من نتاجات اختلاف الحاخامين، فالحاخامون قالوا بأن تعاليم التوراة هي تعاليم غير كاملة، وان هناك تعاليم ربانية أخرى تكتمل بها التوراة وهذه التعاليم هي شفوية (ويطلق عليها بين اليهود التوراة الشفوية) وهي مهمة كأهمية التوراة المكتوبة. وقد سميت هذه التعاليم الشفوية بالتلمود. وقد أصبح التلمود هو الاساس ليهود الحاخامية، وقد جعل الحاخامون يهوه مركز أفكارهم. فهم يقولون بأن يهوه قد اختار ابراهام (ابراهيم) الذي اعتبروه جداً لشعب خاص ومختارا وهو قد اقام عهداً معه ، وإذا ما حاول احفاد ابراهام وجاهدوا من أجل أن يتبعوا تعاليم يهوه ويصبحوا قريبين اليه، فإنه سيجازيهم بجزاء خاص وستصبح اورشليم التي يعتبرها اليهود عاصمة لهم، سكناً خاصاً به، وسيكون لليهود الشرف في السكن قرب قصره وحضوره الأرضي.

وبعدما يظهر المسيح اليهودي المخلص ممثل يهوه ، سيهزم الأشرار وسيجعل القدس عاصمة العالم (راجع كتابنا الدونمه بين اليهودية والإسلام). وفي يوم القيامة سيكون اليهود أفضل الشعوب، وسيجد اليهود الدخول الى الجنة أسهل من بقية الشعوب الأخرى وهم سيكونون سعداء برؤية أعدائهم يذلون ويُحاكمون ، لكن على اليهود أن يلتزموا بالهلخا ، الشريعة التي عرضت في التلمود والتوراة.

كما أن اليهود عندما يعاقبهم يهوه فهو عقاب خاص ، إذ هو ليس بغرض الاهانة والاذلال ، وإنما هو عبارة عن معاملة خاصة، كما أن الحاخامين جعلوا من هزيمة اليهود واذلالهم ، رمزاً لرضا يهوه عنهم وجعلوه رمزاً للشرف ، وتخفيفا من الذنوب وجزاء في المستقبل. ويؤكد الحاخامون على أن يهوه لا يقبل التعددية ، وإنما اليهودية هي وحدها المقبولة. وترى اليهودية البشرية بأن الحاخامين قد جعلوا من قصة يهوه دافعاً قوياً ومحركاً. وقد كانت هذه القصة – قصة يهوه – مقنعة لليهود الى العصر الحديث، ولكن في الوقت الحاضر ، فإن أكثر اليهود قد تركوا ما قرره لهم الحاخامون بالنسبة الى يهوه.

الأنبياء

يقول اليهود البشريون إن أنبياء اليهود مثل عاموص واشعيا وميخا يعتبرون شخصيات مهمة في العهد القديم لدفاعهم الحار عن الفقراء والمحتاجين، حتى اصبح هؤلاء نماذج عليا لبعض اليهود في العصر الحاضر. ولكن لهؤلاء الأنبياء مشكلات جدية، تواجهها البشرية إذ انهم كانوا يعرضوا أنفسهم كملتزمين بالدين وأتقياء وقديسين ولكنهم أيضاً في الوقت نفسه كانوا ديكتاتوريين ولم يكونوا يسمحون بالرأي الآخر، وكانوا دائماً يأمرون بدون مناقشة. ولما كان هؤلاء صوت يهوه فهم كانوا يعتبرون معصومين. لا شك ان هناك بعض الفقرات في العهد القديم التي تصل الى ثلاثين أو اربعين، والتي تدين استغلال الفقير وتشجع على العدالة، ولكن الناس لا يعرفون بأن هناك مقابل هذه الفقرات القليلة مئات الفقرات التي تنبأت على تدمير العدو بشكل لاإنساني. وعند قراءتنا لكتب الأنبياء إشعيا إرميا وحزقيال والإثني عشر نبيا الآخرين) فإننا نقرأ كتباً مليئة بصفحات من الدم والقتل، قبل أن نعثر على القليل من الاحساس الإنساني.وأي توجه للشخص نحو آلهة أخرى غير يهوه، فإنه يستحق الموت. والواقع أن أنبياء يهوه الذين اختيروا من أجل اشاعة النص المقدس، يظهرون سلوكاً أخلاقياً غير متجانس وان كلامهم لم يحفظ من أجل سبب انساني، وإنما حفظ من أجل أن يعطي ثقة لليهود بمستقبلهم، ولتوضيح لماذا أن الحاضر هو سيئ. ولذلك فإن ما كتبه الأنبياء كان يقرأ في الاجتماعات العامة لاعطاء أمل وتعبير عن التأثر لحالة الضعفاء وعدا عن ذلك فإن كتب الأنبياء مثل التوراة لا يمكن أن تؤخذ على انها قواعد اخلاقية. كما أن هؤلاء لايعتقدون بأن النبي موسى كان قد قاد الإسرائيليين الأوائل.

المناسبات الدينية

يرى البشريون أن المناسبات الدينية لم تأتي بأوامر ميتافيزيقية بل إنها كانت ردود فعل لأحداث طبيعية لإالفصح لم يكن بأوامر من الأعلى وإنما هو حدث تطرر ليخدم القوميين والحكام الوطنيين وكذلك يوم الكفوريم شرع من قبل الكهنة كوسيلة من أجل زيادة خوف الرب. ويقول البشريون ، إنهم يصرون على أن الأعياد والمناسبات اليهودية، تعطيهم كرامة وإن الصلوات والقصص ، التي تحول التجربة اليهودية إلى شهادة للاعتماد على الغيب، ليس لها مكان في احتفال المناسبة، وان مدح يهوه في الفصح ، يقلل من جهد الإنسان وابداعه ولذلك لا بد ان يكون هناك طريق لتقديم القصص ، التي تؤكد على العقل الإنساني والكرامة الإنسانية، وانه ليس هناك خطة غيبية تجعل العبودية ممكنة. إن مقاربة اليهودية البشرية للتقويم اليهودي ، لا بد وأن تكون عملية، ولذلك فإن التواريخ التي وضعها الحاخامون للمناسبات لا بد من قبولها ، لأن اليهود متعودون عليها وهم يصبحون أكثر وعياً لهويتهم اثناءها ، وإذا كان من الصعب تغيير أوقاتها ،فلا بد إذن أن تمارس بشكل مختلف حتى تتحقق الكرامة مع الهوية.

ويقولولون كذلك بأنهم لهم الحق في وضع مناسبات جديدة ، كما كان لأجدادهم فالمناسبات القديمة تربطهم بكل اولئك الذين يشاركونهم بالهوية، وان المناسبة الجديدة التي تنشؤها اليهودية البشرية ، تدعم تفرد فكرتهم الإنسانية. فمثلاً الاحتفال في شهر مارس بميلاد انشتاين يكون مناسبة إضافية ذات معنى ، حتى لو لم يرد الحاخامون الاحتفال بها.

وقد تسقط بعض المناسبات القديمة التي لا تستحق بذل الجهود لإعادة تفسيرها واعطاءها معنى مثل صوم استير في 17 تموز وكذلك صيام 9 آب(وهو اليوم الذي يفترض فيه أن الهيكل اليهودي قد هدم فيه مرتين). إذ ليس هناك سبب جيد لاستمرارها ، كما أن مثل هذه المناسبات تحول طاقتنا من مناسبة أكثر أهمية، فمثلاً تهديم المعبد في أورشليم الذي بسببه يصوم اليهود في التاسع من آب كان كارثة قومية لليهود، ولكن الهولوكست يعطي هذه الفكرة بشكل أوضح ، ولذلك فإن قرار اليهودية البشرية لبعث المناسبات القديمة وإعادة تفسير الحالي منها ، واختراع أخرى هو جزء من خطة لبرنامج واضح جداً ، لأن المناسبات هي أفضل طريق وأكثر أهمية لتعليم التاريخ اليهودي والهوية لبشر مشغولين "في الحياة".

إن يهودية الحاخامين تطغي عليها النشاطات الدينية والصلوات وقراءة التوراة، كما أنهم اضافوا قصصاً جديدة لتضفى على المناسبات علاقة، وارتباط بيهوه وقد حاول الحاخامون أن يكون الحديث عن موسى والخروج من مصر جزءاً في أكثر المناسبات.

وهم يرون بان هذه المناسبات يجب أن تتخلص من دكتاتورية الحاخامين ويجب أن تعطى لغة علمانية وقصصاً غير دينية وليس من الصحيح اجراء تعديلات شكلية عليها، وان البشريين يجب أن يكونوا جريئين كجرأة الكهنة والحاخامين الذين نسبوا الكثير من هذه المناسبات الى موسى ويهوه ولا بد أن ننظر الى الجانب الآخر من التاريخ اليهودي في هذه المناسبة.

السبت

إن السبت هو من أكثر المناسبات الدينية تكراراً ولكن أصل السبت مجهول ويعود الاحتفال به إلى ما ذكر في سفر التكوين أن الاله يهوه استراح في اليوم السابع ويقول اليهود إننا أيضاً يجب أن نستريح كذلك في اليوم السابع، ولكنهم يفسرون كلمة "شبث" العبرية ليس بمعنى راحة ولكن بمعنى توقف عن النشاطات، وان يوماً ليس فيه نشاط هو يوم مختلف عن يوم الراحة.

ويقول هؤلاء إن يوم السبت يتسم بالخوف عندما تكون كل أنواع الحركة محظورة وخطرة، وان الكهنة نقلوا هذا اليوم الى اليوم السابع من الاسبوع وأعطوه أهمية قصوى، وأنه يوم خاص ليهوه وأكده أولئك الذين يؤمنون بالرقم 7.

وأصبح يوم السبت مع الختان علامتين رئيسيتين للهوية اليهودية وبما أنه مناسبة وضع اساسها الكهنة، فإنه جعل يوماً مخيفاً. فالتوراة قد حددت حركة الناس وجعلتهم يجلسون في بيوتهم كل اليوم وبدون ضياء كل الليل والخوف من السبت وتخويف الحاخامين منه هو انعكاس لخوف الوجود اليهودي. وان اختيار يوم معين للابتعاد عن كل أنواع اللذات والنشاطات هو أقرب الى الارهاب منه الى الراحة والاستجمام.

ولكن الحاخامين فيما بعد خففوا من قساوة هذا اليوم بأن سمحوا باشعال الشموع وبشرب النبيذ وباجتماع عام وقراءة التوراة وقد أجازوا للناس الذهاب الى الكنيس والصلاة فيه ولكنهم في الوقت نفسه يمنعون أكثر النشاطات ومع ذلك ليس من السهولة بأن يوصف بأنه يوم راحة.

وعندما جاء عصر تحرير اليهود في أوربا وجد العلمانيون الالتزام بالسبت أمراً صعباً وتهاونوا بالالتزام فيه ولذلك حاولت بعض المذاهب اليهودية فيما بعد التخفيف من شروطه ومن هذه المذاهب كان المذهب الاصلاحي. فالسبت عند هؤلاء هو يوم راحة وكل الأشياء الممنوعة قد أجيزت.

وعندما جاءت الصهيونية انقذت يوم السبت وجعلته عطلة رسمية في إسرائيل وأصبح اليهود العلمانيون في إسرائيل يعاملون يوم السبت كما يعامل الامريكان يوم الأحد على الرغم من نقد المؤسسة الدينية وهجومها عليهم ولكن هذا الحل الإسرائيلي لا يوفر حلاً للبشريين في الشتات.

ويقول اتباع اليهودية البشرية انهم يعتبرون يوم السبت رمزللإنسانية، وهو شاهد على الأواصر والعلاقات الانسانية والتي هي وحدها تجعل البقاء ممكناً. واجتماع العائلة يوم السبت عند العشاء يمثل القوة الرئيسة للبقاء الإنساني وإذا كان العالم يجعل الإنسان قلقاً، فإن عائلته تعطيه الاسناد والرعاية. ويقولون إن عشاءنا يوم السبت هو اعتراف للعائلة التي تجلس حول المائدة، وان ما نقدمه في السبت من شعائر هو اعتراف للعائلة اليهودية الكبيرة التي تشترك معنا في التاريخ وفي قدرنا الاجتماعي.

مساواة الرجل والمرأة

ذكرنا سابقا أن هذه الفرقة ترى بأن التوراة تصور العائلة على أنها دكتاتورية ،وأنها لاتمت إلى مساواة الرجل بالمرأة ،وتؤكد البشرية إنها تؤمن بالمساواة بين الرجلوالمرأة كما أنها لاتؤمن بممارسة الختان للذكر، إذ أن هذا في نظرهم يشي بالتفرقة بين الذكر والأنثى،وإنما هم يفضلون أن يكون هناك احتفال للإثنين، تجتمع أثناءه العائلة، وتكون فيه تسمية للذكر وتسمية للأنثى.وتطبيقا للمساواة فإن لهم حاخامون من الرجال والنساء ،وكانت أول من تخرجت من معهدهم حاخامة اسمها تمارا كولتن من الولايات المتحدة الأمريكية،في عام1999 وكانت أول منشدة تخرجت أيضا إمرأة في عام 2 0 01ولكن الفرقة توقفت فيما بعد عن تخريج المنشدين والمنشدات بعد هذا التاريخ .


الختان

يرى هؤلاء بأن الختان كان يمارس في السابق بين الساميين وغيرهم ولم يكن خاصاً باليهود ولكن اليهودية الكهنوتية قد عظمت كثيراً من قضية الختان وفسرته على أنه علاقة على كثرة النسل الذي وعد به يهوه ابراهام ونسله وقد نص في التوراة على الختان في سفر التكوين 17-9-14. وقال الكهنة للناس إذا لم يقم الأب بعملية الختان في اليوم الثامن، فإن مصائب خطيرة ستصيب الطفل واليهود وما زال الخوف موجوداً الى هذا اليوم. وأصبح الاحتفال بأداء الختان احتفالاً محكماً للذكر أما الانثى فلم يكن نصيبها سوى وضع التمائم وقراءة البركات.

إن اليهودية البشرية لا يمكن أن توافق على مثل هذا النوع من التفرقة، حيث يقام الاحتفال للذكور فقط، كما أن الختان بطبيعته لا يتفق مع قيم اليهودية البشرية وهي وإن كانت لا تمانع في اجراء ذلك بسبب صحي، ولكنها لا توافق على أن يكون موضوعاً للإحتفال بين الناس. وتقترح اليهودية البشرية أن يكون هناك احتفال على مستوى العائلة أو الجماعة اليهودية لكل من الذكر والانثى، وبمستوى واحد ويُبرز الاحتفال ارتباط الطفل ذكراً وانثى بمستقبل العائلة وباليهود وبالإنسانية عامة واعطاء الطفل الاسم العبري بهذه المناسبة يكون رمزاً للارتباط باليهود.

وعلى الرغم من ان الغالبية العظمى من اليهود يمارسون عملية الختان لأبنائهم، إلا أن بعض المذاهب اليهودية غير الأرثوذكسية أخذت تتهاون في قضية الختان للأطفال خاصة إذا كان أحد الأبوين غير يهودي. كما برزت اليوم بين اليهود ظاهرة عدم ختان الأطفال - وإن كانت على نطاق محدود- وأخذت هذه الظاهرة تتشكل منذ بضع سنوات على اعتبار أن عملية الختان هي عملية وحشية أو بدائية أو مؤذية نفسياً للطفل الى غير ذلك من أسباب.

ولهؤلاء موقع على الانترنت باسم يهود ضد الختان. كما اخذت هذه الظاهرة تبرز أيضاً بين يهود إسرائيل، ولهؤلاء أيضاً موقع على الانترنت كما ذكرت صحيفة الجويش كرونكل في عددها بتاريخ 6/7/2007). والكثير من هؤلاء الذين يعارضون الختان هم من المثقفين. وبعض هؤلاء يقترح، كما تقترح اليهودية البشرية، احتفالاً بديلاً، وان البعض منهم اعطاه اسم "عهد السلام".

من هو اليهودي

قد يستغرب القارئ من أن اليهود لم يتفقوا إلى اليوم على تعريف واحد لليهودي ، والسبب في ذلك هو تعدد الفرق والمذاهب في اليهودية .وقد جاء في بيان لهذه الفرقة حول من هو اليهودي ما نصه "اننا نحن أعضاء الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية ، نعتقد بأن حياة اليهود تتوقف على نظرة أوسع للهوية اليهودية، ونحن نرحب بكل الرجال والنساء- من الذين يريدون أن يشاركوا باخلاص التجربة اليهودية ، مع غض النظر عن اصلهم- أن يدخلوا في الشعب اليهودي. ونحن نرفض الاعتقاد بأن اليهود هم أصلاً بشكل خاص مجتمع ديني، وان الاعتقاد أو السلوك الديني ، هو شيء أساسي من أجل أن يكون الانسان عضواً كاملاً في المجتمع اليهودي. إن الشعب اليهودي يتكون من أناس عالميون لهم ثقافات متعددة ، وحضارات متعددة ، وان اليهودية كثقافة لليهود هي أكثر من كونها التزام ديني ، وهي تضم لغات كثيرة وآداب متعددة وتقاليد تاريخية مختلفة وفي وقتنا الحاضر، فإن الهولوكست وظهور إسرائيل مرة أخرى جزء رئيس من الوعي اليهودي.

ونحن كيهود علينا مسؤولية أخلاقية ، كي نرحب بكل الذين يريدون أن ينتموا إلى ثقافتنا وقدرنا وان الأطفال والزوجات والأزواج من غير اليهود الذين يرغبون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي يجب أن لا يرفضوا بسبب أن أمهاتهم لسن يهوديات ولا يريدون أن يخضعوا لطريقة التهود الدينية. وان مهمة تعريف "من هو اليهودي" تتعلق بكل اليهود ولا يمكن أن تختطف من قبل أي مجموعة من اليهود. إن الجواب على سؤال من هو اليهودي الذي تدعيه بعض الاتجاهات الارثودكسية والتي تدعي على أساس من التجربة التاريخية لليهود هو تعريف مؤذ. وإننا نؤكد بأن اليهودي هو ذلك الشخص الذي ينحدر من أصل يهودي أو يعلن عن نفسه أو تعلن عن نفسها بأنه أو أنها يهودية ، ويشخص نفسه أو تشخص نفسها مع القيم الاخلاقية والثقافة والحضارة والجماعة اليهودية والقدر اليهودي.

ويقول " شروين وين" إن الهوية اليهودية هي التزام مهم ، ولكنها ليست الالتزام الوحيد والمثل الرئيسي ن وان اعطاء الهوية اليهودية الوضع الأكبر والأفضل هو خرق للاخلاق الإنسانية، وانه انتزاع للهوية الشخصية للأفراد وتضييق مجال الاكتشاف الأوسع لكرامة الإنسان.

تاريخ يهودي جديد

ترى اليهودية البشرية ضرورة أن يكون هناك تاريخ جديد لليهود، يختلف عن ذلك الذي تعارفوا عليه ، وهذا التاريخ يتطلب مغادرة كاملة للتاريخ التقليدي، بحيث يتمكن أن يٌفرق بين الدعاية والتجربة ،وبين الحقيقة والأيدلوجية الرسمية ،وإن النظرة الجديدة يجب أن تقلل من التركيز على الأفكار الثيولوجية وعلى الممارسة العبادية. لأن دراسة العهد القديم أصبحت بديلا عن دراسة التاريخ. بل يكون التركيز أكثر على الخبرات التي تميز بها اليهود من أجل بقائهم.

إن فهم التاريخ اليهودي هو المفتاح للهوية اليهودية البشرية،وإن عدم التفرقة بين الأيدلوجية التقليدية والتجربة الحقيقية اليهودية، يجعل تاريخ اليهود قصة دينية عادية جدا، لا يمكن أن توضح لماذا اليهود هم على هذا الحال، وليس على غيره.وإننا فقط عندما نتخلى عن المقاربة التقليدية للتاريخ اليهودي،يمكننا أن نفهم الجانب البشري للتجربة اليهودية .إنه من الضروري أن تكون هناك مقاربة جديدة للتاريخ اليهودي، ولكن هذه تعتورها صعوبات جمة.لأن الذين كتبوا التاريخ اليهودي يصرون على إعطاء الأولوية للأفكار الدينية. فيهوه والتوراة يعتبران عنصرين أساسيين في تجربة اليهود.وهذا يخلق مشكلة كبيرة، لأنه يعني أنهما إذا تلاشيا، فإن الهوية اليهودية تتلاشى أيضا بسبب الترابط.وهذا التأكيد على الأفكار الدينية يزيف المقاربة للماضي .بخاصة وأن عصر الكهنة والأنبياء والأباء يغلب على أي عصر آخر، كما أنه يتميز عن أي عصر آخر(بسبب ما أعطي من أهمية).

وطريقة المقاربة هذه مضرة،لأنها تمنعنا من رؤية مايجب رؤيته ،حيث تحل الأدبيات محل الأحداث، ونصبح مهتمين أكثر في وصف الأحداث بدل الأحداث نفسها .فمؤلفو التوراة يخبروننا أن النبي إبراهيم، كان شخصا حقيقيا، وأنه شخصية مهمة لا لأن هناك سببا يجعلنا نصدق ذلك ، ولكننا أقنعنا بأن تصديق التوراة، هو شيئ أساسي للحفاظ على الهوية اليهودية. ويخبروننا(الكهنة)أيضا، بأن موسى استلم الألواح، وأنه أهم نبي في التاريخ ،فنحن نقبل هذا الكلام ولانشكك به، بخاصة وأنه ليس بأيدينا وثيقة تتحدى هذا الكلام.وعلى الرغم من كل الأدلة التي تؤكد، أن ماتذكره التوراة على أنها أحداث قد حدثت هي لم تحدث، لم يكتب أحد تاريخ آخر بشجاعة كبديل لتاريخ الكهنة.وفي الواقع إن التاريخ الحقيقي بقي خبيئا في كتب العلماء والباحثين.

إن مقاربة البشرية للتاريخ اليهودي يجب أن تكون من منظور طبيعي،وأن المقاربة الميتافيزيقة التي يعرضها الكهنة والحاخامون عندما حرروا التوراة والتلمود، هي غير مقبولة، لأن ماهو موجود في هذه الكتب "المقدسة" هي من صنع البشر ومن تأليفهم ,وهي في الواقع تصوير للزمان والمكان، الذي كتبت فيه ووجود مصلحة لمن كتبها. فقضايا مثل الأضاحي في الهيكل التي جاءت تفاصيلها في سفر اللاويين مثلا، كتبها الكهنة لأن لهم مصلحة في ذلك،وهكذا.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الحركة النسوية اليهودية ،تدعو أيضا إلى إعادة كتابة التاريخ وتحدي التاريخ اليهودي الحالي، الذي- في رأيهن- كتبه الرجال فقط.وخلال العقدين الماضيين استمرت عضوات الحركة بنبش هذا التاريخ وفحصه ومراجعته والتأمل فيه بل وإيجاد البديل له، ومازلن إلى اليوم يقمن بذلك، حيث حققن ويحققن نجاحا . فهن لا يعتقدن في ان الرجال وحدهم هم الذين صنعوا التاريخ، وأن النساء جلسن في البيت ينجبن الأولاد،بل يصررن على أن الرجال والنساء كلهم قاموا وقمن بصنع هذا التاريخ .والأحداث التي تذكر في فترة تاريخية معينة ولايذكر دور المرأة مع الرجل في هذه الأحداث والعلاقة بينهما، إنما يكون تاريخ رجال فقط، وليس تاريخا عاما كما يدعي كاتبوه. وقد تقدمت هؤلاء النسويات من الكتابة عن ظلم المرأة ومشاركتها في الأحداث المهمة، إلى حالة فهم تاريخ المرأة من خلال المرأة نفسها .وتهدف هؤلاء المؤرخات والباحثات إلى تغيير نظرتنا للماضي،بما يعرضن من حقائق لم تذكر في التراث اليهودي، ليتمكن القارئ-كما يقلن- من رؤية تغير الماضي ،عندما ينظر له من خلال عيون النساء وقيمهن التي يحددنها.

الزواج المختلط

لايجيز اليهود الأرثودكس الزواج من غير اليهودي أو اليهودية لأنهم يعتبرون ذلك مخالفا للهلخا (الشريعة اليهودية). بل إنهم يقيمون عزاء لفترة من الزمن إذا تزوج ابن لهؤلاء من امرأة غير يهودية حيث يعدونه ميتا.وبقية المذاهب غير الأرثودوكسية تجيز الزواج المختلط بصورة عامة.ويرى أتباع الفرقة البشرية إن اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود لا يعني أنهم يتخلون عن يهوديتهم ويرفضونها وانما ذلك تعبير عن قوة الحب عند الإنسان لشخص آخر يشاركه في الأفكار والمُثل حتى لو كان هؤلاء غير يهود. ويقولون إنه إذا كان الحفاظ على الهوية اليهودية هو أهم شيء فإن منع الزواج المختلط يكون شيئاً عقلانياً تماماً كي يوضع حد له ، ويكون القول بأن الزواج المختلط منافياً للاخلاق شيئاً منطقياً. ولكن من جانب آخر إذا كان الهدف الرئيس للحياة السماح لليهود بتحقيق سعادتهم وكرامتهم فإن منع الزواج المختلط يكون تدخلاً لا اخلاقياً ويكون رفض الحاخامين للزواج المختلط منافياً للاخلاق لأنهم يضعون الهوية اليهودية فوق الحب الشخصي.

إن اليهودية البشرية تحترم حق الافراد في اختيار طريق كرامتهم واحترام رغباتهم الشخصية ، شرط أن لا تؤذي كرامة الآخرين ولذلك فإن اليهودية البشرية تعطي الحق لكل اليهود في الزواج من أي شخص يختارون ، وهي مستعدة لمساعدتهم. والزواج المختلط لا يصح أن يكون مانعاً ليهودية الشخص ، الذي تكون أمه أو يكون ابوه من اليهود. وتعترف البشرية بالأطفال سواء أقام الأبوان بعمل شيء نحو الهوية اليهودية أم لم يعملا ، لأن يهودية الشخص يحكم عليها بعلاقة النسب اليهودية ، خاصة في عيون غير اليهود.

وهم ينتقدون اليهود الارثوذكس وغيرهم من اليهود الآخرين ممن يقولون إن يهودية الأم ضرورية لتحقيق يهودية الشخص ، ويعتبرون ذلك ضد ممارسة الواقع الاجتماعي، فكما أن الشخص الأسود لا يحدده الأشخاص السود فقط، بل البيض أيضاً (يعرفونه أسود) كذلك اليهودي، فإنه لا يحدد من قبل اليهود وحدهم ، ولكنه أيضاً يحدد من قبل الأغراب، ففي نظر أكثر اليهود وفي نظر الأغراب، فإن انحدار الشخص من اصل يهودي يكفي في اعطائه الهوية اليهودية. وفي الواقع فإن اسم الأب الذي يعطى للشخص ، هو أكثر قوة في تحديد الارتباط اليهودي من الأم.

وفرقة اليهودية البشرية تختلف عن غيرها من الفرق اليهودية ، في أنها لا تطلب من غير اليهودي المتزوج من يهودية أن يتحول إلى اليهودية، ويقوم باحضار الشهود التي تطلبها بعض الفرق كي يكون رفضاً لمعتقده السابق ، لأنه في نظر اليهودية البشرية ان الهوية اليهودية ، هي إضافة وليست سبباً في رفض معتقد آخر، فاليهود البشريون هم أصلاً بشريون وتبني الهوية اليهودية الى معتقدهم لا ينفي معتقدهم بل هي تأكيد له.

ويقولون كذلك إن الزواج المختلط يجعل الهوية اليهودية أقل حدة وشدة، وفي الوقت نفسه يجعلها أكثر انتشاراً، وهي في هذه الحالة تكون أكثر أهمية للعلمانيين في عالم علماني. وهذا التغيير لا بد أن يكون مرحباً به ، لأن الانفصال الذي يعمل عليه الحاخامون( انفصال الأرثودكس عن غيرهم) يقود إلى تعصب أعمى ، وإلى رفض العالم غير اليهودي. ولا بد للهوية اليهودية أن تكون خياراً لمن ولد من اليهود الذين يختارون الزواج من غير اليهود، ولذلك سوف لا تصبح الهوية اليهودية مقتصرة في المستقبل على أولئك الذين يولدون لأمهات يهوديات وكذلك يكون يهود المستقبل مختلفين عن يهود السابق.

علاقة يهود الشتات بإسرائيل في نظر اليهودية البشرية

يقول أتباع البشرية ، بأن إسرائيل مهمة جداً لليهود في خارجها ، وليس هناك ما يثير الحماس والعاطفة لديهم أكثر مما تثيرهما إسرائيل، فهم يفكرون بها ويقلقون حولها ويعملون من أجلها. إضافة إلى أنهم يعتقدون بأن ذلك يحقق يهوديتهم. ففي الوقت الحاضر ليس هناك صلاة تقام في الكنيس ، إلا وتذكر فيها إسرائيل ، وليس هناك مشروع ثقافي يثير ما تثيره إسرائيل ، بل حتى برامج الكنس قد جعلت إسرائيل قضية مركزية لبرامجها.

ويقول هؤلاء لقد جعلت الصهيونية انشاء الدولة حلاً لمشكلة الشتات ، واعتقدت بأن الشتات سينتهي بانشائها ، وأن الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية سيصبحان شيئاً واحداً. ولكن الذي حصل هو أن الشتات لم ينته، وأن الهويتين لم يتحدا ، وان قسماً فقط من مجموع يهود العالم يعيشون في إسرائيل ، وسيبقى أكثر من نصف اليهود يعيش خارج إسرائيل ، بخاصة في أمريكا الشمالية، وان العلاقة اليوم بين إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها هي علاقة مضطربة، لأن إسرائيل هي من صنع الشتات. إذ الحركة القومية اليهودية ، هي حركة أوربية، وهي رد فعل على المشاكل التي مرّ بها اليهود في أوربا ، فانشأ الشتات اسرائيل. ومن جانب آخر، فإن اليهود خارج إسرائيل ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم أكثر يهودية منهم، حيث لهم ثقافة لغتها العبرية، فهم أكثر يهودية ممن يعيش في مجتمع انكليزي مثلاً. ويناقش يهود الشتات هذا الراي ويردون عليه بالقول إن الواقع ليس كذلك، لأن الكثير من سكان إسرائيل ، الذين هم من غير اليهود يتكلمون العبرية أفضل من اليهودي الذي يزور إسرائيل.(ويشير هؤلاء هنا إلى فلسطيني 48 الذين يعيشون داخل إسرائيل).

ومع أن أكثر الشعوب تجعل الإنسان الذي يتكلم لغتها جزءاً منها، لكن إسرائيل ليست كذلك، إذ أن العرب الذين يتكلمون العبرية لم يصبحوا جزءاً منها، والإسرائيلي اليهودي يشعر بعلاقة ارتباط مع يهود الشتات أكثر مما يشعر مع العرب ، الذين هم مواطنون معه. والحقيقة كما يقول هؤلاء، فإن العلاقة مع العرب تؤكد أن إسرائيل ، هي دولة ذات قوميتين ودولة ذات شعبين ، ولولا الهجرة المتزايدة إلى إسرائيل( في العام الماضي2014 أكثر من ستة وعشرين ألف مهاجر)، لأصبح العرب هم الأغلبية. إن هناك أمراً ملحاً على إسرائيل ، وهو أن تمنح العرب حقوقاً متساوية، وهذه تحتاج الى معالجة سريعة.

إن الصهيونية كحركة لتحرير اليهود ، لم يبدأها مجموعة مضطهدة تعيش في وطنها، والصهيونيون الأوائل قبل أن يحرروا شعبهم، كان لا بد عليهم ان يقوموا بصنع البلد ، وان القرار لصنع شعب في فلسطين سبق وصول هذا الشعب ، وأصبح الشتات هو الحافظ لهذا البلد والمعين له.

كما أن إسرائيل تختلف عن بقية الدول بالنسبة الى اليهود خارجها عما يتعلق بالجذور. فالجماعات الاثنية ، التي هي خارج موطنها الأصلي، مثل الايطاليين والايرلنديين والبولنديين لهم جذورهم وذكرياتهم في أوطانهم الأصلية، كما انهم يتكلمون لغة البلد الأصلي ، وهذه تجعلهم يتطلعون الى البلد الذي هاجروا منه ، أو هاجر منه اباؤهم أو أجدادهم ويرتبطون به، واليهود خارج إسرائيل ليس لهم جذورهم في إسرائيل، فهم لم يهاجروا منها وليس لهم ذكريات فيه ولا يتكلمون لغته.

فيهود أمريكا الشمالية تثير ذكرياتهم روسيا واللغة اليديشية، وان إسرائيل واللغة العبرية كانتا نوعاً من الفنتازيا لهؤلاء اليهود. أضف الى ذلك ان الإسرائيليين والصهاينة بصورة عامة ينظرون الى يهود الشتات نظرة سلبية. إذ الصهاينة الأوائل (مثل بن غوريون) اعتقدوا بأن اليهود خارج إسرائيل لا مستقبل لهويتهم، وقالوا انهم سيختفون إما بسبب الاندماج أو بسبب العداء لليهود، ولذلك فإنه فقط بالهجرة الى إسرائيل يمكن لليهود أن يحفظوا الهوية اليهودية، وان واجب كل شخص يهودي خارجها أن يقوم بالعالياه (الهجرة) إلى اسرائيل، ولذلك فإن اليهودي – خاصة الصهيوني – الذي يعيش خارج إسرائيل عليه دائماً أن يبرر وجوده، والشعور بالدونية والذنب عند هؤلاء(نحو يهود إسرائيل) يطغى على الحوار بين الاثنين.

ولأن النظرة الى هؤلاء سلبية، فإن إسرائيل لا تتمكن أن تتعامل مع هؤلاء بشكل صادق وواقعي، وان الصهيونيين لم يتمكنوا أبداً أن ينظروا الى الشتات على أنه وطن تاريخي، تكونت فيه ثقافتهم وشخصيتهم بصورة عامة. والحقيقية أن الشخصية التي وضعت المشروع الصهيوني قد تكونت في الشتات، كما أن وجود اليهود تكون في الشتات .وقد بدأ الإسرائيليون يشعرون بأهمية العلاقة مع الشتات ، وأن هذه العلاقة هي أبعد من جلب المهاجرين. كما أن إسرائيل كثيراً ما يطلق عليها مركز العالم اليهودي، ولذلك فإنها مصب المساعدات اليهودية، وصاحبة الحظوة منهم بالتأييد السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تعتقد بأن عليها أن تستورد شيئاً من ثقافة الشتات ، أو أن هناك شيئاً يمكن أن تتعلمه من الخارج، لأنها تعتقد أن الثقافة اليهودية تصدر ولا تستورد. وهم يغضون النظر على أن الخارج هو الوطن الأصلي ن وان الشخصية اليهودية قد صنعت خارج إسرائيل وليس في مكان آخر، إذ اليهود هم الذين اخترعوا إسرائيل.

إن العلاقة مع الشتات تمثل للإسرائيليين أيضا مشكلة ايديولوجية وعاطفية، وهناك أيضاً مشكلة الجذور، فالصهاينة الأوائل ادعوا بأن جذور الدولة اليهودية الحديثة، هي في دولة اليهود القديمة، دولة داوود ودولة المكابيين(في القرن الثاني قبل الميلاد) ، وأن للعهد القديم موقعاً سياسياً مهماً. كما أن العهد القديم يؤكد على علاقة تاريخية لليهود بفلسطين بينما تجاهل الشتات.

إن الجذور الحقيقية للشتات هي في الشتات نفسه، كما ان جذور اليهود الإسرائيليين هي أيضاً تضرب في الشتات ، وهم واعون دائماً الى أن آباءهم وأجدادهم قد هاجروا من أماكن أخرى ، وهم ليسوا سكاناً محليين كالفلاحين الايطاليين في ايطاليا أو الدنماركيين.

إن التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم والصراع بينهم(في إسرائيل) ، هو دليل واضح على أنه نموذج للتوتر الذي يحصل في الشتات.

وعلى الرغم من آمال الصهيونيين الأوائل في أن تصبح إسرائيل دولة عادية تماماً، فإن ذلك لن يكون ، لأن الشتات لم يكن عادياً. ومهما أراد الإسرائيليون ان يصبحوا إسرائيليين ، دون أن يكونوا يهودا، فإنهم يفشلون لأن العالم ينظر الى إسرائيل على أنها دولة يهودية لها علاقات أساسية ومهمة مع يهود العالم ، وكذلك الرأي العالمي يربط اليهود في العالم بإسرائيل.

والمهاجرون اليهود ، الذين هم أغلب السكان، سيفرضون على العلمانيين التعامل مع حقيقة أن الهوية الإسرائيلية ، هي ليست نفسها الهوية اليهودية. وقد أخذ العلمانيون الإسرائيليون يشعرون بأن أهمية العلاقة مع الشتات ، هي أبعد من الحاجة لجلب المهاجرين. وكما أن اليهود تعلموا ليجعلوا إسرائيل مركزا، فكذلك يجب الاعتراف بالشتات على أنه الأصل والجذر.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا نتعلم من دراسات التعلم اثناء النوم salam100s قسم الصحة و الطب 5 29-11-2012 05:20 PM
((صور + وثائق)): عقيدة أهل السنة والوهابية في (تجسيم الله) عقيدة بوذية يهودية؟؟! أبو حيدر11 قسم الحوار الإسلامي 5 18-07-2010 05:24 PM
مصادر عراقية: وفود يهودية تزور معبدا في مدينة الحلة بشكل منتظم صادق للابد القسم السياسي 1 14-08-2008 02:31 PM
(مكتبة القرآن الكريم ) دراسات وبحوث قرآنية ’’ وكتب قيمة JO0ORYA قسم القرآن الكريم 4 17-05-2008 05:08 AM
الكتاب الإلكتروني دراسات في علم الأصول كشكول قسم الكتاب 0 01-08-2007 03:47 PM


الساعة الآن 11:16 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education