العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإخبارية و الأحداث العالمية > القسم السياسي

القسم السياسي واحة تضم المواضيع والأخبار و المقالات السياسية وتحليلها و طرح الحوارات السياسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /26-09-2011, 09:05 PM   #1

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي التيار الديني في السعودية

التيار الديني في السعودية
إعادة (بطركة) السلطة الدينية (الجزء الاول)
مركز قضايا الخليج

المصاهرة بين العقيدة السلفية التقليدية والفكر الحركي الاسلامي أنتجت سلطات دينية فرعية، ورموز شعبية قادرة على تعبئة الشارع عبر توظيف الموروث الديني المسكوب في قالب أيديولوجي.. انعقدت هذه المصاهرة ضمن شروط تاريخية مؤاتية وتبدّلات داخلية وخارجية سياسية وفكرية ساهمت في تنضيج ظروف المصاهرة. وقد أثار تصّدع النظام المراتبي السلفي الرسمي في بداية التسعينيات من القرن الماضي قضية مستقبل النظام الديني القديم مع بروز طبقة جديدة ناشطة ناضلت ببسالة شديدة نحو تأسيس نظام مراتبي فرعي داخل المجتمع االسلفي، في مسعى لصنع سلطة دينية موازية تضطلع بدور قيادي وتوجيهي في مقابل طبقة العلماء التقليديين الذين تآكلت مصادر مشروعيتهم ونفوذهم. عملية الانفصال التي قادها عدد من أفراد الطبقة الثانية في النظام المراتبي الديني بعثت أسئلة مركزية حول أسباب الخلخلة الخطيرة التي أصابت التحالف الاستراتيجي بين العائلة المالكة والمؤسسة الدينية، خصوصاً وأن هذا التحالف استطاع لعقود طويلة أن يحافظ على تماسكه في ظروف بالغة الحرج ونجح الطرفان في تجاوزها عبر التوافق الضمني على توفير آليات المساندة المتبادلة. ولكن ثمة تطوّرات حصلت منذ بداية الثمانينات ساهمت في تنشئة إتجاه جديد داخل المؤسسة الدينية الرسمية أعلن عن نفسه خلال أزمة احتلال العراق للكويت في أغسطس 1990.

الانشقاق الحاصل في المؤسسة الدينية في تلك الفترة لم يكن، بالتأكيد، وليد أو رد فعل على متغيّر سياسي آني، بل هو تعبير عن إشكالية عميقة ترتد الى التعارض بين مشروعي الدولة والدين. فما أفصح عنه الاتجاه السلفي الصحوي في خطابه الاحتجاجي كان بالغ الوضوح في تعبيره عن رؤية شاملة حول مشروع الدولة الدينية، وإن جاءت رؤيته سلبية، في هيئة فاتورة حساب طويلة حول المخالفات الشرعية في أنظمة وسياسات وأجهزة الدولة السعودية. لقد ضبط التيار السلفي الصحوي الدولة متلبّسة بجرمها العلماني، متمسكاً بخيار العودة بها الى المجال الديني، واستبدال ردائها ومكوّناتها. لم يكن هذا التيار معنياً البته بأصل نشأة وتكوين وهوية الدولة، بما هي دولة تميل، في نهاية المطاف ومهما جرت محاولات كبح مسارها التاريخي والموضوعي، الى استعادة هويتها الاصلية العلمانية ومن الطبيعي أن يُحدِث هذا التجاذب بداية افتراق بين الدولة والدين.

كان الاعتقاد بان وجود مؤسسة دينية داخل الجهاز الاداري للدولة سيحقن الاخيرة بمصل وقائي يحصّنها أمام عدوى العلمنة، الا أن هذا الاجراء لم يوفّر نظام حماية شامل للدولة، التي تظل مشدودة نحو وظائفها الاصلية. وكان لظروف التحول الداخلي الاقتصادي والفكري والاجتماعي وكذلك الاوضاع الخارجية دورها النافذ لجهة تحرير الدولة من القوى الضاغطة عليها والمعيقة لسيرورتها. في تجربة الدولة السعودية، كان نجاح التوفيق والتكييف الذي حققته المؤسستان السياسية والدينية متوقفاً على وجود علماء نافذين يضطلعون بمهمة تبرير سياسات الدولة بما فيها المتعارضة مع النص السلفي. وقد برعت طبقة العلماء التقليديين في توفير الغطاء الشرعي للسياسات غير الشرعية للدولة على مدى عقود طويلة، وكانت هذه الطبقة قادرة على (تأجيل الخروج على الدولة).

وبحسب الرؤية الشرعية للعلماء التقليديين، فإن دورهم يظل مقتصراً على شرعنة الدولة دون أن يهبها ذلك شيكاً مفتوحاً، وبإمكان المرء العثور على أمثلة حول مجاهرة العلماء بالاعتراض على الاخطاء الشرعية الجليّة والتي غالباً ما ترتبط بقضايا ذات طابع معاملاتي (التشريعات التجارية والاجتماعية)، وهذه المجاهرة لا تصل الى حد تفتيت المعادلة الدقيقة للموقف المتوازن الذي يضبط العلاقة مع السلطة، فقد أصرّوا على موقف ثابت حيال خيار الخروج على الدولة، واعتبروا أخطاءها، مهما بلغت مستوى فداحتها، محصّنة أمام أي محاولة لاطاحتها، واختاروا تصحيح مسار الدولة وإبقائها ضمن خط الدين بالقدر الممكن والمتاح، وأن التوسّل بمبدأ المناصحة هو الخيار النهائي المعتمد مع الدولة، تأسيساً على أن الفتنة المحتملة والناشئة عن الخروج على الدولة أفدح في الأثر وحتى لا يصدق المثل القائل كمن (يبني قصراً ويهدم مصراً).

مشكلة الطبقة الدينية التقليدية العليا تكمن في كونها تفتقر الى مستند رصين نقلي وعقلي في مسألة معارضة خيار الخروج على الدولة، خصوصاً مع موجود كتلة من النصوص السلفية الملتهبة الداعية لمجاهدة المستحلّ لحرام الله والمخالف جهاراً لأحكام الشريعة والمحرّضة على نزع يد الطاعة من والخروج على الظالم، سيما مع مرور فترة طويلة من المناصحة التي لم تؤد الى تصحيح مسار الدولة وإعادتها الى خط الشريعة، بل عظم انحرافها وتفاقم فسادها، بحسب رؤية الشيخ سفر الحوالي، أحد رموز التيار الصحوي.

لقد أفضت النزعة التسويغية لدى العلماء التقليديين الكبار الى استنزاف رأسمالهم الشعبي والروحي، وفتح الطريق أمام شخصيات دينية من الطبقات الدنيا للصعود واعتلاء منابر التعبئة الدينية التي حشدت وحصدت قطاعاً كبيراً من المجتمع السلفي. ولابد من الاشارة الى أن ميل العلماء الكبار الى المحافظة والمهادنة لم يكن تكوينياً بالضرورة، ففي تجارب بعضهم يظهر أنهم تمرّدوا في مراحل مبكرة من أعمارهم ولكن ضمن دوائر محدودة وإزاء قضايا مختلفة (قد تكون اليوم مرفوضة من المؤسسة الدينية نفسها)، وأن نزوعهم نحو الدعّة والمسالمة مع السلطة السياسية قد تمت مع تقدّمهم في العمر أو لخضوعهم لعملية ترويض مكثّفة من قبل أهل الحكم أفضت الى تبنيهم مواقف محافظة.

المثال البارز هنا هو المفتي السابق الشيخ عبد العزيز بن باز الذي افتى حين كان طالب علم شاب بفتوى كادت أن تودي بحياته وقد هدده الملك عبد العزيز بالقتل حينذاك، ولكنه انتهى تقليدياً ومهادناً للسلطة، واستعملته الاخيرة في مرحلة بزوع التيار الصحوي في التسعينيات كأداة لترويض وكبح جماح رموز التيار، حيث كان يجتمع ويبعث الموفدين من قبله لتحذيرهم من الجهر بمعارضة الدولة والخروج عليها. ويدرك مشايخ الصحوة الدور المرسوم للعلماء التقليديين في مثل هذه الحوادث، وقد سبق جهيمان أن كتب في رسالة (الامارة والبيعة والطاعة، وكشف تلبيس الحكام عن طلبة العلم والعوام) ما نصه: (وتجد حكمهم وسلطانهم ـ أي آل سعود ـ قائماً على ثلاث قواعد من معاملة أهل العلم والدين: إن وافقتهم وسكتّ عن باطلهم قرّبوك واتخذوك حجة على من خالفهم، وإن سكتّ عنهم سكتوا عنك وربما زادوك وأرسلوا لك الهدايا، وإن خالفتهم قتلوك بشبهة يسكتون بها الأرانب ـ أي الشعب أو الرعية ـ فيقولون هو خارجي).

التيار السلفي الصحوي، الذي تدور حوله الاتهامات في هذه الفترة أصبح وسيطاً كيميائياً لتفاعلات أيديولوجية وسياسية واجتماعية أفضت فيما بعد الى ترويج ثقافة العنف، واستطاع بنشاطيته اللافتة الحلول في جوف الطبقة العليا للمؤسسة الدينية، حتى بات رموز التيار الصحوي، بعد الانهاك الشديد الذي أصاب أفراد الطبقة القديمة أو بحسب وصف الشيخ محسن العواجي (الديناصورات)، هم الامناء الحقيقيين على العقيدة السلفية، ولكونهم متحررين جزئياً من ضغط معادلة المصالح المملية لالتزمات متبادلة بينهم وبين الحكومة، كانوا أقدر على إعلان حالة التمرد على الدولة والمؤسسة الدينية معاً، وشكّلوا، لاحقاً، سلطة دينية بديلة وقدّموا رؤويتهم في مشروع الدولة الدينية.

في واقع الأمر، أن التيار السلفي الصحوي، حطّم هيبة الطبقة التقليدية لتحصّنه داخل النص السلفي النقي، ولقدرتها على الحشد والتعبئة وسهولة كشف عيوب الدولة وأخطائها، ولا ننس عجز الطبقة القديمة عن تجديد ذاتها، واخفاقها في ازالة التناقض الفاضح بين النص الديني الذي تعتنقه والموقف البراغماتي الذي تسلكه، بما جردها من جزء جوهري من مصداقيتها. واجمالاً، استطاع التيار السلفي الصحوي تشييد عالم جديد، مستثمراً الظروف المحيطة والمنجزات القائمة حتى المعارضة له. فرغم خلافه المبدئي مع الثورة الايرانية، استلهم التيار الصحوي منها الرؤية الايديولوجية المركزية حول دور العلماء السياسي وقيادة الدولة، وهو ما نبّه اليه الدكتور غازي القصيبي في كتابه (حتى لا تكون فتنة)، وقد لحظنا أيضاً استمرارية هذا التأثير في كتابات رموز الصحوية مؤخراً مثل الشيخ ناصر العمر والشيخ البراك وغيرهما.

مصدر قوة التيار السلفي الصحوي يتمثل في انفتاحه على أدبيات الاسلام السياسي، ما منحه فرصة العثور على إجابات عن اسئلة مرتبطة بالمشروع السلفي وبالعلاقة مع الدولة، فبدأت مصطلحات جديدة مستعارة من أدبيات حركية خارجية تروج في الكتابات السلفية الجديدة، بل إن قائمة الموضوعات المتداولة تبدّلت فبعد ان كانت مرتبطة بقضايا تاريخية أو فقهية موغلة في القدم، بات المجتمع السلفي يستقبل كتابات حول ما اصطلح عليه بـ (فقه الواقع). تجدر الاشارة الى أن التيار الصحوي لم يحتفظ ببنية صلبة فقد ظل على الدوام مرشَّحاً لتشققات فرعية، فقد سنّ هو مبدأ الانشقاق ثم لحقته تبعاته، فصار الزمن بتحولاته كفيل بتوليد خطوط أخرى بما فيها خط العنف المنشق من باطنه.

من هنا يمكن الزعم بأن تعدد مصادر الفتوى في المجتمع السلفي يعكس تعدد الانشقاقات، مع ضرورة الاشارة الى أن النص السلفي لا يساعد على بناء سلطة افتائية موحّدة، لأنه يمنع حصر الاجتهاد في جهة واحدة، بل يفتح الباب واسعاً، وأن تأخُّر بروز الظواهر الانشقاقية في النظام الديني السلفي يعود الى أسباب معروفة منها: قلة عدد طلبة العلم في العقود الماضية (وبصورة محددة ما قبل الثمانينات من القرن الماضي)، وانغلاق المجتمع على ذاته وعلى العالم الخارجي، وبساطة الموضوعات الاشكالية، وغياب الحراك الثقافي. ولكن زوال تلك الاسباب أدى الى إحداث تبدلات عميقة في البناء الديني السلفي، فقد مدّ الانفتاح على العالم الخارجي أفق وسلطة عالم الدين السلفي حتى بات يفتي في شؤون الكون، كما تضاعفت اعداد طلبة العلم والمشايخ بوتيرة سريعة، فطبقاً لبعض التقديرات فإن 4 من كل 6 من كل شهادات الدكتوراة في السعودية هي في قسم الدراسات الاسلامية.

ويمكن تلخيص أسباب نشأة سلطات دينية فرعية أو بديلة على النحو التالي:

الاول: عدم مواكبة السلطة الدينية التقليدية للزمن وحاجاته وانشغالها شبه التام بموضوعات قديمة غير صالحة لزماننا. وقد تحدث الشيخ الصحوي محسن العواجي عن هذه المشكلة في سياق نقده للمؤسسة الدينية الوهابية، حيث وصف في مقابلة مع (إيلاف) في الحادي عشر من يوليو علماء المؤسسة الدينية بأنهم: (مجموعة من كبار السن الذين أخفقوا كثيراً في تشخيص القضايا ذات الطابع العولمي، مما تسبب بالكثير من الحرج للمثقفين الاسلاميين).

الثاني: التصاق الطبقة التقليدية الشديد بالدولة وتحوّلها الى جهة تبرير ومصدر مشروعية للدولة بكل أخطائها، الى مستوى غير محتمل مع انكشاف الواقع الفعلي لعيوب الدولة ونقاط ضعفها واخفاقاتها، بما لا يمكن تبريره شرعياً.

الثالث: قلة وضعف تأثير أدوات تواصل الطبقة القديمة مع الجمهور في مقابل منظومة فاعلة من الادوات التي يديرها التيار الصحوي الذي كان له حضور كثيف وطاغٍ بين الجمهور.

السبب الرابع: فقدان الكاريزما، خصوصاً بعد موت العلماء الكبار الذين كانت لديهم سلطة روحية ونفوذ على الشارع السلفي. ولذلك، نشأت كاريزمات دينية بزي عصري يتناسب ومنسوب الوعي الحركي الاسلامي العام، وهنا بدأت عملية إعادة بطركة المجتمع الديني السلفي.

وقد باتت الدولة تدرك حجم وقوة ونفوذ التيار الصحوي في الشارع، وإليه لجأت في لجم العنف، ومنه اختارت أعضاء (لجنة المناصحة) لإقناع أفراد الجماعات المسلّحة بالتخلي عن السلاح، ويبقى السؤال كيف ستكون علاقته معه في المرحلة القادمة خصوصاً بعد أن أصبح جزءاً من معادلة الصراع على السلطة، وهل سيمهّد السبيل أمامه لوراثة الطبقة القديمة.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /26-09-2011, 09:13 PM   #2

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 754
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 6

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي دور الجماعات المتوهّبة في دوامة العنف (الحلقة الثانية)

التيار الديني في السعودية
دور الجماعات المتوهّبة في دوامة العنف (الحلقة الثانية)
مركز قضايا الخليج للدراسات الاستراتيجية ـ قسم الأبحاث

هل تحتاج السعودية الى استيراد التطرّف من الخارج، أو حتى استنساخ العناصر التفجيرية للعنف من خلف الحدود، أليس في البلاد فائض من الأفكار، والأشخاص، والتجارب ما يحرّض على العنف. بالنسبة للمتخصّص في شؤون هذه الدولة، ترتسم أمامه علامة تعجّب حيال التصريحات المتكررة الصادرة من الأمراء وهم يتحدثون عن منابع التطرف الخارجية، وانتقال تأثيراتها الى الداخل، حتى ردّد بعض الصحافيين، وقسم منهم وجد في الاشتغال على الموضوع قطاراً سريعاً نحو الشهرة. إلصاق أسماء خارجية بجماعات عنف أو تطرف في الداخل مثل السرورية والجامية والاخوان وغيرها يهدف الى تحويل الأنظار عن خزائن التشدّد المحلية التي مازالت قادرة على تقديم كل الدعم لجماعات يجري تشكيلها وتحريضها في الخارج للقيام بما هو أقصى وأقسى من أعمال عنفية.

الحديث عن قيادات خفيّة للعنف لا يتغيا مجرد تبرئة ساحة الأمراء من ضلوع مباشر في الإرهاب، رغم أن التقارير المتناوبة التي تصدر في الغرب وخصوصاً الدول المتضررة من الأعمال الإرهابية تشير أحياناً الى وجود صلة للأمراء بتمويل جماعات العنف في الخارج، ولكن الأهم هو إبعاد المصادر الفكرية عن المسائلة القانونية والإعلامية، رغم أن دراسات عديدة صدرت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر تناولت تراث التشدّد الديني في السلفية الوهابية.

في المقابل، حاول الأمراء وكتيبة من الصحافيين المشتغلين على موضوع الجماعات المتطرّفة والمسلّحة في الداخل تصوير المشكلة وكأنها خارجية، فجرى فتح ملفات الجماعات الدينية في الخارج وذيولها المحلية، مثل السرورية والجامية والاخوان أو القطبية (نسبة الى سيد قطب)، وغيرها، على أمل أن تخمد الأضواء المسلّطة على (الوهابية) باعتبارها مصدر التغذية الرئيسي لكل العمليات الارهابية. وصار الكلام على هذه الجماعات كما لو أنها منجاة للسلفية الوهابية وللعائلة المالكة من العقاب القانوني والإعلامي على المستوى الدولي.

في محاولة لإحداث فصل تعسفي بين السلفية الوهابية والجماعات الدينية بهوياتها الخارجية، جرى تصوير السلفية وكأنها تعرضت لعلمية اختطاف من قبل الجماعات الحديثة، أي تلك التي نقلت السلفية إلى مشروع حركي وسياسي، فقالوا مثلاً بأن السرورية هي النموذج الحركي للسلفية المتشدّدة، وهي المسؤولة عن زرع عنصر الجهاد في السلفية الوهابية، فيما تم تصوير تسرّب العامل الإخواني الى السلفية الوهابية بأنه المسؤول عن تحويلها الى مشروع كوني بعد أن كان مجرد حركة دعوية ذات طابع محلي.

الأمير نايف الذي انبرى لمهمة تحميل جماعة الاخوان المسلمين في مصر مسؤولية انتشار الأفكار المحرّضة على العنف، والتطرف في السعودية، كما جاء في مقابلته مع صحيفة (السياسة) الكويتية في 25 نوفمبر 2002، تعمّد، على ما يبدو، تجاهل نصوص شبه واضحة في رسائل جهيمان العتيبي وجماعته يقدح فيها في الاخوان المسلمين وجماعة التبليغ والدعوة، كما قام جهيمان بتطهير جماعته من أي عناصر قريبة من الاخوان المسلمين.

وتمضي الرواية الإعلامية في تصوير التداخلات الأيديولوجية والحركية بين السلفية الوهابية والجماعات الإسلامية في الخارج، لينتقل فيما بعد إلى جانب التوزيع الجغرافي لكل جماعة، بعد أن أصبحت كل واحدة منها تياراً شعبياً، فبينما اقتصر وجود تيار الاخوان في المنطقتين الشرقية والغربية، كانت السروية تتمّدد في بقية المناطق، ولم تشهد الساحة المحلية صراعات علنية بين التيارات الحركية تلك لسبب بسيط هو غياب مناطق الاحتكاك بينها، فكل تيار يعمل في مجال مستقل عن الآخر، ولم يكن هناك تنافس بين التيارين. تقول الرواية الإعلامية بأن الصراع يحتدم بين التيارين في العالم الافتراضي، أي على شبكة الانترنت، أو في مجال النشر الدعوي، وبلغ الصراع ذروته في الانتخابات البلدية العام 2005، حيث انغمس قادة التيارين في حملات تشهير متبادلة، ومارس الجميع اللعبة الإنتخابية بكل أصولها الدنيوية، أي على أساس المصالح وليس المبادىء.

ثمة، بلا ريب، فجوة زمنية واسعة تفصل بين تاريخ تشكّل التيارات تلك وبين التأسيس الأيديولوجي للعنف، فنحن نتحدث عن فارق زمني يقترب من قرنين، أي منذ أن بدأ إرساء الأساس الديني للدولة السعودية. لم تكن السلفية الوهابية بحاجة الى السرورية كيما تستعير منها العنصر الجهادي، ففي الأدبيات السلفية التأسيسية ما يكفي من عناصر تحريضية على القتال، وبإمكان المرء أن يعثر في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه والعلماء المتحدّرين من مدرسته على كتلة نصوص تشكّل رؤية أيديولوجية محكمة تكفّلت بتوفير وصفة المشروعية للدولة السعودية، وهي رؤية تقوم على مكوّنين أساسيين: تكفير المجتمعات المجاورة، وإعلان الجهاد ضدها. بل أمكن القول، بأن من نبّه التيارات الحركية سواء في مصر أو الأردن الى الفكر التكفيري والقتالي لدى الشيخ ابن تيمية هي السلفية الوهابية وليس العكس، كما تكشف مصنّفات ورسائل علماء المدرسة الوهابية.

أما البعد الكوني في السلفية القتالية، فلم يكن المسؤول عنه الإخوان المسلمين، ولم يكن من مهمات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين إشاعة الرعب في أرجاء العالم، كما هو الحال بالنسبة للسلفية الوهابية التي بدأت في نجد ثم أطلقت العنان لنزعتها التكفيرية كيما تبرر مقاتلة المجتمعات في المناطق القريبة والبعيدة فغزت بادية العراق، وبادية الشام وكل أنحاء الجزيرة العربية بما في ذلك شمال اليمن وبلدان الخليج الحالية، ولو قدّر لها التمدّد خارج هذا المجال لفعلت، وكانت ترى في نفسها (الطائفة المنصورة) التي يكتب على أيدي عناصرها نشر الهداية للبشر قاطبة. صحيح أن البعد الكوني للسلفية القتالية كما نراها اليوم يحتّل المشهد الإعلامي الدولي، ولكنه امتداد طبيعي وايديولوجي للنزعات الكونية التأسيسية للسلفية الوهابية. ولابد من الإشارة إلى أن الانتشار الدولي للسلفية الوهابية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي هو ما وفّر للجماعات القتالية بنيّة تحتية واسعة وصلبة كيما تحقق أحلامها القديمة.

ما يلزم لفت الإنتباه إليه، أن أغلب الأسماء التي أضفيت على جماعات بعينها مثل الشيخ أبو بكر الجزائري، ومحمد بن سرور زين العابدين، والشيخ ربيع المدخلي، والشيخ مقبل الوادعي، والشيخ محمد أمان الجامي، وغيرهم لم تكن كما يراد تصويرها بأنها جماعات نشأت في الخارج ثم نقلت تأثيراتها الى الداخل، بل هي في الأصل ذات منشأ أيديولوجي محلي، أي أنها تربّت في المدرسة السلفية الوهابية وتشرّبت أفكارها المتشدّدة سواء في (الجامعة الاسلامية) بالمدينة المنورة أو (جامعة أم القرى) بمكة المكرمة أو (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) بالرياض. ولابد هنا من الإشارة الى مواصفات هذه الشخصيات:

أولاً: أنهم أكثر ولاءً لآل سعود من التيار السلفي المحلي ولم يكن لديهم تحفظات على حكم آل سعود، وهم النموذج الأقصى يمينية في العلاقة بين علماء الوهابية والدولة، بل قد أعلنوا عداءهم لأعداء النظام، والتأكيد على فضائله، وربما ساعدت غربتهم على تبني موقف متملّق من النظام حتى قال الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه (الإعلام بأن العزف والغناء حرام، ط. 1407ص 57)،(لو لم يبق إلاّ عجوزٌ واحدة من آل سعود لم يكن لها أن تتنازل عن مبدأ الحقّ). وكان جهيمان العتيبي لا يثق به ويتّهمه بالتجسس عليه وكان ينقل ما يدور في الجلسات الخاصة التي كان يحضرها مع جهيمان وجماعته الى الحكومة، ونقل الشيخ مقبل الوادعي في كتابه (المخرج من الفتنة) (ص 76 سنة 1983)، عن جهيمان قوله (نحن لا نثق به…هناك مجالس سريّة بيننا بلغت الحكومة…فمن بلّغها؟)!

ثانياً: أن أكثرهم له امتدادات خارجية بالتنسيق مع الدولة السعودية، وليس كما يصوّره البعض بأن هذه الجماعات نشأت خارج عباءة الدولة أو أنها هرّبت بضاعتها الأيديولوجية والحركية الى الداخل. فقد اشتغل أبو بكر الجزائري، المقرّب من وزارة الداخلية، على السلفية في الجزائر وفي فرنسا، والوادعي ثم المدخلي على اليمنيين وبالذات على الشوافع والزيود، وقد أشعل ربيع المدخلي بحركته التكفيرية في منطقة صعدة بشمال اليمن شرارة الحرب الأولى العام 2004. أما الشيخ الجامي القادم من الحبشة فدرس على كبار مشايخ السلفية المعاصرة مثل الشيخ محمد بن ابراهيم والشيخ ابن باز، وكان يصنّف على علماء (أهل المدينة)، وكانت له جولات تبليغية في الخارج وخصوصاً في القارة الأفريقية، وحمل راية الهجوم على الجماعات الأخرى السرورية والقطبية وغيرها. وقال عنه الشيخ محمد بن علي بن محمد بن ثاني، المدرّس بالمسجد النبوي في كتابه المؤرّخ 4 محرم 1417هـ (وله نشاط في المحاضرات في المساجد والندوات العلمية في الداخل والخارج). وله كتاب بعنوان (أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام) يحتوي على عرض للدعوة في أفريقيا، ورسالة أخرى بعنوان (الإسلام في أفريقيا عبر التاريخ).

كان من المدافعين عن الدولة السعودية، وجاء في كتاب للشيخ الدكتور صالح بن عبد الله العبود مدير الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة بتاريخ 15 ربيع الثاني سنة 1417هـ: في عام خمسة وتسعين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى (ص) كانت بيننا وبين أناس من خارج هذه البلاد ممن ابتلينا بهم خلافات في العقيدة والمنهج، يريدون معارضتنا في عقيدتنا الإسلامية وسياسة حكومتنا الراشدة، فكتبت إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره من علماء الدعوة في بلادنا أشكو من بعض هذه الأمور، فلقيت الشيخ محمد أمان في مكة بدار الحديث وأطلعته على ما كتبت أستشيره وأستطلع رأيه، فشدّ من عزمي وشرح لي بكلمة موجزة معنى المرجعية الصحيحة وقال: إن هؤلاء العلماء في بلادنا من علماء الدعوة إلى الله هم المرجع الذين يؤخذ عنهم الاعتقاد فينبغي ألا نتردد في الرفع لهم عن كل مخالفة تحدث وينبغي أن نقول لهم أنتم مرجعنا في مثل هذه المسائل العقدية فإذا لم نجدكم أو لم تحتملونا فقدناكم.. ويضيف (وافترقنا وأنا أحمل هذه الروح فكان لها تأثير بأمر الله جيد، وفهمت فهماً راسخاً كيف ينبغي أن نحافظ على سلسلة مرجعيتنا وألا نلتفت إلى أولئك الأجانب مهما تظاهروا به من التزيي بالعلم و لباس العلماء، وأقصد بالأجانب الأجانب عن عقيدة السلف الصالح ممن تلقوا ثقافتهم وتشبعت أفكارهم بمنطق اليونان وفلسفة الفلاسفة البعيدين عن الوحي الإلهي بقسميه الكتاب والسنَّة، المغرورين بآرائهم وعقولهم المختلطة وشبهاتهم المنحرفة).

وصنّف الجامي كتباً في الدفاع عن نظام الحكم في السعودية ومعارضة الديمقراطية، وهما (حقيقة الديموقراطية وأنها ليست من الإسلام) و(للجزيرة العربية خصوصية فلا تنبت الديموقراطية)، و(حقيقة الشورى في الإسلام). أما محمد سرور زين العابدين (فلسطيني الأصل) فقد التحق بالمدرسة السلفية بعد انشقاقه عن حركة الاخوان في سورية بعد أحداث حماه في مطلع الثمانينات، ودرس في جامعة الامام محمد بن سعود وتشبّع بالفكر السلفي في السعودية، ثم سافر الى افغانستان للجهاد في الثمانينات ثم انتقل الى بريطانيا وعاش في مدينة برمنجهام وكان يصدر مجلة (السنة) والتي عارض فيها الحكومة السعودية فترة من الوقت قبل أن يعود أدراجه الى الخط السلفي التقليدي بنزعته الطائفية النافرة، وانتقل الى الأردن في العام 2004 .

ورغم أن هناك من حاول ربط السرورية بالإخوان، على أساس اعتماد فكرة التنظيم باعتبارها منتجاً إخوانياً في المجال الاسلامي، ألا أن التباينات الكبيرة بينهما كانت واضحة في اعتماد الأولى على فكر ابن تيمية، والامتثال للمرجعية السلفية المتشدّدة. وعارض السروريون إنخراط الاسلاميين في السلطة في مرحلة لاحقة، بالرغم من انتساب أغلب مشايخ الصحوة أمثال الشيخ سلمان العودة، والشيخ ناصر العمر، والشيخ عايض القرني، والشيخ سفر الحوالي، الى المدرسة السرورية.

ويمكن القول، في ضوء ما سبق، إن دور الخارج في صنع توجّهات عنفية متشدّدة في الداخل لم يكن سوى إسقاط متأخر ومحاولة للفكاك من مسؤولية التورّط في دوامة العنف. ونذكّر هنا بالتقرير الذي نشرته مجلة فورين بوليسي في عددها الصادر في يوليو/أغسطس 2006 بعنوان (مع أصدقاء مثل هؤلاء)، إذ تم طرح سؤال حول إسم البلد الذي ينتج العدد الأكبر من الارهابيين الدوليين، فأشار خبراء السياسة الخارجية الى السعودية وباكستان ومصر، وهي الدول الثلاث الحليفة للولايات المتحدة في العالم الإسلامي. مايلفت الإنتباه بدرجة خاصة أن ثلثي (أي 62) من المشاركين في التقييم عرّفوا السعودية بأنها المحور القيادي للمشكلة، فيما أشار 13 بالمئة الى مصر، و11 بالمئة الى باكستان. وحسب فواز جرجس من كلية ساره لورانس أن السعودية بعد الحادي عشر من سبتمبر قد برزت باعتبارها مسرحاً رئيسياً للأفكار والأفعال الجهادية السلفية. أما الدول الأخرى مثل العراق، ولبنان، وفلسطين، وايران، واليمن، وأفغانستان فإن الخبراء وضعوا لكل من هذه الدولة علامة واحدة فحسب فيما يرتبط بالإرهاب الدولي.

نقطة الجدل الجوهرية تقع بالدقة في استمرار تدفق مقاتلين من وسط السعودية للإلتحاق في صفوف القاعدة، وتصاعد نبرة الخطاب التحريضي لدى مشايخ السلفية المتشدّدين. يقول المراقبون بأن مصر لأنها التزمت بتعهّداتها بملاحقة ما تعتبره واشنطن إرهاباً فقد حصلت على مساعدة مالية منتظمة منذ العام 1979 وحتى الآن والتي تتجاوز ستين مليار دولار أميركي، وكذلك فعلت باكستان لولا أنها لم تعد تحظى بتلك الأولوية في برنامج المساعدات الإقتصادية الخارجية للولايات المتحدة، فأوكلت المهمة الى دول حليفة لواشنطن للعب هذا الدور عن طريق عقود واتفاقيات عسكرية وتجارية كما جرى بين العراق وباكستان، وبين الأخيرة من جهة والسعودية والامارات من جهة ثانية، من أجل مواجهة تحديات اقتصادية وأمنية عاجلة.

أما بالنسبة للسعودية، فإن الأمر مختلف تماماً، ولو أردنا كلاماً مختصراً لقلنا بأن الأميركيين لا يثقون بالطبقة الحاكمة في السعودية، وقد خبروا ألاعيبها، وكلاهما يلعبان السياسة بأشكالها المختلفة. لا يقدّم آل سعود معلومات صحيحة للأميركيين، وهذا معلوم منذ سنوات طويلة، وأن التشدد الديني السلفي في الداخل هو أحد أوراق اللعبة بيد آل سعود حتى مع الأميركيين، الذي يدركون حقيقة ما يريده حلفاؤهم في الرياض. بطيئون في ملاحقة عناصر القاعدة، ومشايخ التحريض، بل إن لعبة (الباب الدوّار) باتت جزءً من مشهد السياسة السعودية في قضية الإرهاب.







  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب موثق من وزارة الداخلية السعودية يصور مدى الديمقراطية المستخدمة في السعودية ابوجهاد القسم السياسي 0 26-09-2011 07:43 PM
السلطات السعودية تقطع التيار الكهربائي عن مسجد شيعي في الخبر المبين قسم الحوار الإسلامي 3 14-08-2009 07:42 PM
هل التيار الصدري يخالف المرجعية ؟؟ Al-7osayni القسم السياسي 74 16-11-2008 11:39 AM
اسرار البحار ابو جعفر الباقر قسم القرآن الكريم 4 17-05-2008 05:09 AM


الساعة الآن 03:34 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education