العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإخبارية و الأحداث العالمية > القسم السياسي

القسم السياسي واحة تضم المواضيع والأخبار و المقالات السياسية وتحليلها و طرح الحوارات السياسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /30-09-2011, 04:32 PM   #1

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي ملفات ودراسات: الهند.. عوامل النهوض وتحديات الصعود


الهند.. عوامل النهوض وتحديات الصعود
مركز الجزيرةللدراسات-قسم البحوث والدراسات
محرر الملف: محمد عبد العاطي


تعد الهند حاليا واحدة من أهم القوى الإقليميةالصاعدة في قارة آسيا ومن المتوقع في العقدين القادمين أن تكون إحدى أهم القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

كيف حققت الهند هذه الطفرة في أقل من خمسة عشر عاما؟
وما طبيعة التحديات التي تواجهها حاليا وتلك التي ستبرز أمامها مستقبلا؟
وما تأثيرتنامي قوة الهند في المحيط الإقليمي والفضاء الدولي؟

هذا الملف محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، وذلكمن خلال مجموعة من الدراسات المحكمة التي أعدها نخبة من الكتاب والباحثين الهنود والعرب والغربيين. وهو ملف يأتي ضمن سلسلة ملفات القوى الصاعدة التي بدأها مركزالجزيرة للدراسات مطلع العام 2009. ويتناول "الهند.. عوامل النهوض وتحديات الصعود" عبر عدة محاور:

المحور الأول
الدولة والمجتمع

يقدم هذا المحور إطلالة على الهند من منظورجيو-سياسي وجيو-إستراتيجي، ويبين مقومات القوى الصلبة والناعمة، ويستعرض المؤهلاتالتي تمتلكها وتستند إليها في رحلتها للصعود إلى مصاف الدول الكبرى. وينقسم هذاالمحور إلى مبحثين:

المبحث الأول: الهند.. المارد النائم
أحمد سرور

وفيه يستعرض الباحث الهندي أحمد سرور إمكانات الهند من موقع جغرافي إستراتيجي، وموارد طبيعية وبشرية، وقدرات عسكرية تقليدية ونووية، كما يتحدث عن طبيعة النظام السياسي وآليات صنع القرار، ودور الأحزاب والقوى السياسية والتيارات الفكرية، ويلقي الضوء على الحضارة الهندية وإسهاماتها في مسيرةالحضارة الإنسانية، ويعرج على ما لحق بالهند جراء الاستعمار البريطاني وتأثير ذلك في مسيرتها التنموية.

المبحث الثاني: المسلمون في الهند.. عقبة مانعة أم قوة دافعة
عاطف معتمد عبدالحميد

أما المبحث الثاني فتم تخصيصه للحديث عن الأقلية المسلمة في الهند. والهدف من إفراد هذه الأقلية بالذات بمبحث مستقل، رغمأنه قد تم المرور على ذكرها سريعا ضمن المكونات الدينية والعرقية واللغوية فيالمبحث السابق، هو الرغبة في منح هذه الأقلية ما تستحقه من حيز معرفي في وعي وإدراك القارئ العربي لما تمثله من أهمية على مستوى العالم الإسلامي، فالمسلمون في الهند،كما ذكر معد هذا المبحث أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة الدكتور عاطف معتمد، هم ثالث أكبر وزن ديمغرافي إسلامي في العالم بعد إندونيسيا وباكستان، ومنهنا كان من المفيد معرفة ما إذا كان هؤلاء يمثلون بالنسبة للدولة الهندية قوة مضافة تعزز مسيرتها في رحلة الصعود إلى مصاف القوى العظمى أم عقبة تقف في الطريق وثقلايؤخر النهوض.

المحور الثاني
مسيرة التنمية الاقتصادية

ولم يكن للهند أن تصعد لتصبح قوى إقليمية كبيرةوفاعلة ومرشحة لأن تكون إحدى القوى العظمى في العالم لو لم يكن اقتصادها قويا وفيطريقه لأن يكون أقوى خلال المستقبل المنظور. والاقتصاد الهندي هو بالفعل كذلك، فترتيبه ضمن أكبر اقتصاديات العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي الخامس بعدالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ومن حيث معدل النمو السنوي يحتل المركز الثاني بعد الصين. فكيف تحقق ذلك؟ وما دلالاته وتأثيراته إقليميا ودوليا؟ ذلك هو التساؤل الجوهري الذي حاول هذا المحور الإجابة عنه من خلال مبحثين:

المبحث الأول: اقتصاد الهند.. الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد
بيتراس أوستريفيشيوس وجون بوزمان

حاول معدا هذه الدراسة معرفة الدور الذي يمكنأن يلعبه الاقتصاد الهندي في عالم جديد يتجه نحو التعددية القطبية، وكيف يمكن لبقية القوى الكبرى في العالم وبخاصة أميركا وأوروبا أن تعيد بناء تحالفاتها الإستراتيجية وفقا لهذا الدور. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف استعرضت الدراسة مكامن القوة وعوامل الضعف في بنية الاقتصاد الهندي، وأشارت فيما أشارت إليه إلى العقبات الداخلية والتحديات الخارجية التي تعترض المسيرة التنموية في الهند، وما إذا كان بالإمكان التغلب عليها. كما قدمت مقارنة بين نموذجين أسيويين في التنمية هما النموذج الهنديوالنموذج الصيني.

الدراسة أعدها اثنان جمعا بين خبرة العمل السياسي والدبلوماسي داخليا في بلديهما وخارجيا لدى عدة منظمات إقليمية ودولية وبين الخبرة البحثية والأكاديمية والتخصص الدقيق في دراسات القوى الصاعدة، الباحثان هما الليتواني بيتراس أوستريفيشيوس والأميركي جون بوزمان، وتجدر الإشارة إلى أن نشر هذه الدراسة تحديدا يتم بترتيب خاص بين مركز الجزيرة للدراسات وحلف الناتو.

المبحث الثاني: الهنود العاملون في الخارج.. ذراع جديد للنموالاقتصادي
زوشما راماتشاندران

تولي نيودلهي عناية خاصة بالهنودالعاملين في الخارج والذين بلغ عددهم أكثر من 25 مليونا، وذلك لما يمثلونه من أهميةاقتصادية وسياسية في أغلب البلدان المتواجدين فيها. الباحثة الهندية زوشماراماتشاندران تناولت الأسباب التي جعلت العاملين الهنود في الخارج ذراعا جديدة للنمو الاقتصادي، كما ألقت الضوء على التأثير السياسي الذي تمارسه هذه العمالة في بلدان المهجر، وآفاق وأبعاد تنامي هذا التأثير في المستقبل وذلك في مبحثها "الهنودالعاملون في الخارج.. ذراع جديد للنمو الاقتصادي".

المبحث الثالث: ثغرات في قصة التنمية بالهند
محمد ضياءالحق

ورغم أن الحكومات الهندية المتعاقبة خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة لم تستجب "بلا تحفظات" لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، واختطت عوضا عن ذلك لنفسها سياسة اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار الشرائحالفقيرة في المجتمع، وتحركت بخطوات "محسوبة ومنضبطة" وهي تسير في طريق التحول من اقتصاد اشتراكي إلى رأسمالي، رغم ذلك، لم تسلم المسيرة التنموية من ثغرات، ولم يسلمفقراء الهند مما لحق بهم من تبعات. هذه الثغرات وتلك التبعات يستعرضها الكاتب والباحث الهندي محمد ضياء الحق في مبحثه "ثغرات في قصة التنمية الهندية".

المحور الثالث
السياسة الخارجية

ويهدف هذا المحور إلى التعرف على القضاياالإستراتيجية للدولة الهندية التي وضعتها نصب عينيها وهي تخطط وترسم المعالمالإستراتيجية لسياستها الخارجية، كما يهدف إلى معرفة كيف تنظر النخبة الحاكمة في الهند إلى مصالح الوطن العليا التي تود تحقيقها أو تلك التي تجتهد لاستمرارية المحافظة عليها عبر آليات العمل الدبلوماسي. ولتحقيق هذه الأهداف تم تقسيم المحورإلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: السياسة الخارجية الهندية في ظل عالم متغير
براهما تشيللاني

وقد تناول فيه أستاذ الدراسات الإستراتيجية بمعهد البحوث السياسية في نيودلهي البروفيسور براهما تشيللاني الأسس والمرتكزات الإستراتيجية للسياسة الخارجية الهندية، وأوضح كيف ترسم الهند معالم هذه السياسةآخذة بعين الاعتبار العالم الذي تعيشه وما فيه من تغير في مراكز القوى، ووفق رؤية خاصة بالهند تقيم من خلالها طبيعة التهديدات وخطورة التحديات التي تواجهها سواء مندول الجوار الملاصقين لحدودها أو من القوى الأخرى في محيطها الإقليمي المباشر أو فيالفضاء الدولي غير المباشر. كما ألقى هذا المبحث كذلك الضوء على المصالح المتبادلة والقضايا المشتركة والملفات الشائكة بين الهند وبعض الدول المهمة بالنسبة لها وعلىرأسها الولايات المتحدة والصين واليابان وكيف ستتطور العلاقة مع هذه الدول مستقبلا.

المبحث الثاني: العلاقات الهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية
خالد رحمن

تقدم هذه الدراسة رؤية لأحد أوجه السياسةالخارجية الهندية بمنظور مختلف عن تلك التي قدمها البروفيسور تشيللاني. فتتناولورقة مدير معهد الدراسات السياسية بإسلام أباد البروفيسور خالد رحمن "العلاقاتالهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية" الأبعاد الإستراتيجية لهذهالعلاقة وتجلياتها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية،كما تلقي الدراسة الضوء على أثر التجاذبات الإقليمية والدولية على أفغانستان،وتحاول استشراف مستقبل هذا البلد بعد الفراغ الذي يمكن أن يحدثه انسحاب القواتالأميركية من هناك.

المبحث الثالث: العلاقات الهندية - الخليجية: رؤية إستراتيجية
خالد نايف الهباس

استعرض في هذا المبحث أستاذ العلوم السياسيةبجامعة الملك عبد العزيز بجدة الدكتور خالد نايف الهباس علاقة الهند بالعالم العربي عموما ودول الخليج على وجه الخصوص، وسلط الضوء على القضايا الإستراتيجية التي تهم الطرفين وعلى رأسها أمن الممرات البحرية وتأمين مصادر الطاقة، كما تناول هذا المبحث إمكانية مشاركة القوات المسلحة الهندية في أمن منطقة الخليج جنبا إلى جنب مع القوى الكبرى في العالم التي لها مصالح في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية.

المبحث الرابع: العلاقات الهندية-الإسرائيلية وتداعياتها الإستراتيجيةعلى الشرق الأوسط
محمد فايزفرحات

وقد عمد هذا المبحث إلى تتبع العلاقات الهندية-الإسرائيلية وحاول معرفة كيف تحولت إسرائيل في عين الهند من "قاعدة للغرب الإمبريالي الاستعماري"، كما كانت تنظر إليها إبان عهد "ناصر-نهرو" في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إلى "حليف إستراتيجي"، وحاول الباحث رصد نتائج الجهود المتواصلة التي بذلت على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية لتمتين العلاقة بين البلدين، كما حاول معرفة دلالات وتداعيات أن تصبح الهند أكبر سوق لصادرات السلاح الإسرائيلية، وأن تصبح إسرائيل ثاني أكبر مورد للسلاح إلى الهند، وسلط الباحث المتخصص في الشؤون الأسيوية محمد فايز فرحات الضوء على المحتوى الأمني-الدفاعي لهذه العلاقة لما يمثله من أهمية، كما اجتهد في تقديم قراءة للتداعيات الإستراتيجية لهذه العلاقة على منطقة الشرق الأوسط.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /30-09-2011, 10:13 PM   #2

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الأول: الهند.. المارد النائم

المحور الأول
الدولة والمجتمع

يقدم هذا المحور إطلالة على الهند من منظورجيو- سياسي وجيو-إستراتيجي، ويبين مقومات القوى الصلبة والناعمة، ويستعرض المؤهلاتالتي تمتلكها وتستند إليها في رحلتها للصعود إلى مصاف الدول الكبرى. وينقسم هذاالمحور إلى مبحثين:

المبحث الأول: الهند.. المارد النائم
أحمد سرور

وفيه يستعرض الباحث الهندي أحمد سرور إمكانات الهند من موقع جغرافي إستراتيجي، وموارد طبيعية وبشرية، وقدرات عسكرية تقليدية ونووية، كما يتحدث عن طبيعة النظام السياسي وآليات صنع القرار، ودور الأحزاب والقوى السياسية والتيارات الفكرية، ويلقي الضوء على الحضارة الهندية وإسهاماتها في مسيرة الحضارة الإنسانية، ويعرج على ما لحق بالهند جراء الاستعمار البريطاني وتأثير ذلك في مسيرتها التنموية.


المقومات الجيو-سياسية والجيو- إستراتيجية
الهند.. الدولة والمجتمع
أحمد سرور

تدخل الهند القرن الحادي والعشرين ممسكة بكافة المعطيات التي حددها علماء الجغرافيا السياسية لتعريف الدول القوية. فهي دولة مستقلة، وذات حكومة متميزة، تتمتع برقعة واسعة من الأرض، وحجم سكاني ضخم، فضلا عن أنها قوة نووية إقليمية تطمح في المستقبل المنظور للعب دور عالمي أكبر.

ملامح البيئة الطبيعية
مشاهد من التاريخ
المركب الديني والعرقي والطبقي
النظام السياسي والمؤسسي
تركة الاستعمار وميراث التاريخ
القدرات العسكرية والنووية
خاتمة

ملامح البيئة الطبيعية

"في الوقت الذي بدأت فيه أهمية الغرب فيالتراجع ظهرت قوى اقتصادية في الشرق مثل الصين واليابان والهند وماليزيا وإندونيسيا وتايوان. وهنا تبرز أهمية الهند كمحطة عبور لا غنى عنها على طرق الملاحة بين الشرق والغرب" .

تتسم الهند بثراء طبوغرافي وموارد بشرية معتبرة، وموقع جيواستراتيجي مثالي، كما تطل الهند على طرق بحرية تربط أوربا والشرق الأوسط الغني بالنفط ,من ناحية بدول الازدهار الاقتصادي كالصين واليابان وبقية دول آسيا الشرقية من ناحية أخرى. ومن ثم تقع الهند في منتصف ذلك القوس الواسع الممتد بين مدينة فلاديفوستوك في شرق روسيا ولندن في المملكة المتحدة، مرورا برأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا. وإلى جانب تنوعها اللغوي والديني والثقافي، تتسم الهند بتنوع كبير في مظاهر سطح الأرض. فجبال الهيمالايا المغطاة قممها بالثلوج تمتد لمسافة 2400 كم من الغرب للشرق. وتضم هذه الجبال بعض أعلى القمم الجبلية في العالم، والتي تمثل حاجزا طبيعيا ضخما كأنه حائط دفاعي يحمي الهند من جهة الشمال. ورغم أن هذا الحائط قد اخترقه الجيش الصيني في أكتوبر- نوفمبر 1962، فانه يظل في مجمله حصنا منيعا للهند أمام الصين، ثاني أكبر قوة في العالم المعاصر. ومن أعلى قمم هذه الجبال، يمتلك الجيش الهندي القدرة على مراقبة الأوضاع العسكرية في العمق الصيني شمالا، وباكستان وآسيا الوسطى غربا، وميانمار شرقا. وقد تمكنت الهند في عام 1984 من السيطرة العسكرية على نهر سياتشن الجليدي في سلسلة جبال الهيمالايا، وذلك على الحدود مع باكستان، حيث دارت معارك لم يعرف لها التاريخ مثيلاً .

وإلى الجنوب من الهيمالايا تترامى السهول الشمالية التي تعد موطنا لثلاثة أنظمة نهرية كبرى هي السند، والجانج، وبراهمابوترا. وقد حملت ثلاث حضارات كبرى أسماء هذه الأنهار وازدهرت عبر التاريخ القديم. ومن القمم الجليدية للهيمالايا تنبع آلاف الروافد النهرية المتفاوتة في الحجم، والتي تقدم للإقليم رواسب تجعله واحدا من أكثر الأقاليم خصوبة. وتبلغ مساحة هذا الإقليم 700.000 كم2 ممتدا لمسافة تزيد عن 2400 كم طولا، بينما يتراوح الاتساع ما بين 240 و 320 كم. وعلى مدى آلاف السنين، كانت خصوبة هذه الأرض وظروفها المناخية المواتية سببا في جذب الغزاة والتجار من كافة أرجاء العالم. وإذا توغلنا أكثر نحو جنوب هذا السهل الخصيب، تمتد هضبة عظمى تتميز بثراء كبير في مواردها المعدنية ومحاصيلها الزراعية، وفي مقدمتها القطن. كما تتميز بظروف مناخية مثالية كانت وراء ظهور مدن كبيرة ، مثل حيدر أباد وبانجالور,كما لعبت دورا كبيرا في جذب المستثمرين الأجانب نحو هذه المدن.

والسواحل الغربية والشرقية للهند مثالية لإقامة الموانئ والمرافئ، ويبلغ طولها نحو 7517كم. وقد شهدت تلك السواحل صولات وجولات الأساطيل البحرية خلال عصر التوسع التجاري. وفي الهند منطقتان صحراويتان، واحدة في ولاية راجستان غرب الهند، على الحدود مع باكستان، والثانية صحراء باردة في منطقة لاداخ على مقربة من الحدود مع الصين، ولهاتين المنطقتين أهمية استراتيجية كبرى. كما تضم الهند مجموعتين من الجزر تمثلان مخافر أمامية للبلاد. ففي الغرب تمتد جزر لاكشدويب بينما تمتد جزر آندمان ونيكابور في الشرق. وتوفر هذه الجزر للهند فرصة مثالية لمراقبة ما يحدث في أعالي البحار.

مشاهد من التاريخ

"انخرط المحتل البريطاني في عمليةنهب منظم ومتواصل للهند على مدى قرنين. وقد اتبع سياسة "فرق تسد" فألب الهنود علىبعضهم البعض، وخلق تصنيفات دينية وطبقية وقبلية لا تزال الهند تعاني منها إلى اليوم"

على الدوام مثلت الهند الموحدة، والتي كانت تضم ضمن حدودها ما يعرف اليوم بباكستان وبنجلاديش، مصدر جذب للغزاة من جهة الغرب، والذين جاءوا في أغلب الحالات عبر ممر خيبر على الحدود الأفغانية. كما تمكن القائد العربي محمد بن قاسم من جلب خيول المسلمين لأول مرة إلى الهند عام 712م، واصلاً في البداية إلى السند (في باكستان اليوم) ثم إلى إقليم البنجاب عبر الطريق الجانبي المخترق لمنطقة بالوشستان الإيرانية. وقبل وصول المسلمين، تعرضت الهند لهجمات متوالية من جهة الغرب. إذ كان الإسكندر المقدوني أبرز الملوك الذين هاجموا الهند في التاريخ القديم. لم يكن محمد بن قاسم في حقيقة الأمر أول من جاء بالإسلام إلى الهند، فقد سبقه البحارة والتجار والدعاة العرب الذين كانوا قد توافدوا على الهند عبر ساحل كيرلا في جنوب غرب البلاد. وقد حدث هذا بعد عقود قليلة من وفاة الرسول (صلوات الله عليه وآله وسلم) ابتداء من سنة92هجرية. ولقد استفادت السيطرة العربية على طرق الملاحة البحرية من الهند كثيرا، خاصة أن الهندوس كانوا آنذاك يعتبرون الملاحة في البحر من الخطايا.

وبعد ثمانية قرون، تبع الملاح البرتغالي فاسكو دي جاما الطريق الملاحي العربي، وتمكن من الوصول إلى قاليقوط في كيرلا عام 1498. لقد قام الملاح أحمد بن ماجد بإرشاده حتى الساحل الهندي. ثم تلا ذلك وصول البريطانيين والهولنديين والفرنسيين الذين جاءوا بداية كتجار في متصف القرن 18، ثم سرعان ما راودتهم طموحات السيطرة على الهند، قبل أن تتمكن بريطانيا من هزم كافة القوى الأوربية الأخرى الساعية لاحتلال شبه القارة الهندية. واندفع البريطانيون نحو السيطرة على الهند لملء الفراغ الذي عاشته الهند نتيجة الضعف الذي أصاب حكامها من المغول من تفكك بعد وفاة أورانجزيب، آخر أباطرتهم العظام في 1707.

نجح البريطانيون في هزيمة حاكم البنغال الهندي في معركة بلاسي عام 1757، وذلك عبر اختراق جبهة الهند الشرقية في سابقة تاريخية، إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي تأتي فيها القوى الغازية عبر طريق بحري شرقي. ومن المفارقات في هذا الصدد أن البريطانيين الذين هم أبعد شعوب الأرض نحو الغرب من الهند، اختاروا حين غزوها الجبهة الشرقية التي لم تجرب من قبل. وخلال فترة حكم الإمبراطور المغولي أورانجزيب (1658م-1707م) كانت الهند إمبراطورية ضخمة تضم باكستان وبنجلاديش ضمن هوية جغرافية واحدة. وكانت الهند آنذاك رائدة الاقتصاد العالمي، إذ كانت تسهم حتى عام 1750 بنحو 25 % من إجمالي الناتج القومي العالمي، بينما لم تكن بريطانيا تسهم سوى بـ 1.5 % من هذا الناتج. وبعد نحو قرن من ذلك التاريخ، انقلب الوضع تماما، وأصبحت بريطانيا تسهم بنحو 25 % بينما تناقصت حصة الهند إلى 1.5 %، بل إلى أقل من ذلك.

وعندما وصل الإنجليز إلى شبه القارة الهندية لم تكن بريطانيا دولة قوية ولا ثرية، وإن كان المد البريطاني قد تجلى من خلال مستعمراتها الكبيرة في أمريكا. وخلال قرنين من الزمن استنزفت بريطانيا موارد الهند المعدنية والزراعية. وقامت معظم إنجازات الثورة الصناعية التي شهدها القرن 19 بفضل الاعتماد على ثروات الهند. وقبل اختراع القطارات والسيارات وغيرها من الآلات الحديثة أسرف البريطانيون في استنزاف الزراعة الهندية وصناعتها القطنية. وقد رفعت الإنجازات العلمية خلال القرنين 18 و 19 من حجم الاستغلال البريطاني في هذين المجالين. فخطوط السكك الحديدية مدت على طول المناطق الغنية بالموارد المعدنية بوسط الهند، وذلك من أجل السيطرة على كافة الموارد، وبصفة خاصة خامات الفحم والحديد. كما انخرط البريطانيون في اجتثاث محموم للغابات شمل كل إقليم الهضاب في البلاد، تلبية لحاجة بريطانيا من الأخشاب لبناء السفن والعوارض الخشبية لخطوط السكك الحديدية.

ومن الجدير بالملاحظة أن الغزو البريطاني خاصة ـ و الأوربي عموما ـ يختلف عن أي غزو خارجي آخر. فبعض من الغزاة الأوائل اتخذوا من الهند موطنا لهم، بينما قام غزاة آخرون بعمليات سلب ونهب ثم عادوا إلى أوطانهم ليعيشوا حياة الدعة والرفاه، منفقين ما سلبوا ونهبوا. أما البريطانيون فقد جاءوا إلى الهند في مرحلة تاريخية شهدت تطورا نسبيا في وسائل النقل، خاصة عبر البحار. لم يقم البريطانيون بنهب سريع ليعودوا بعده إلى أوطانهم، كما لم يستقروا في البلاد ولم يجعلوها موطنا لهم. فعدد البريطانيين في الهند لم يتجاوز 100 ألف، ومع ذلك تمكنوا من السيطرة على بلد يزيد سكانه عن 300 مليون نسمة في عام 1947، وهو العام الذي استقلت فيه الهند.

لقد انخرط البريطانيون في عملية نهب منظم ومتواصل لموارد الهند، وذلك طوال قرنين، فألبوا الهنود على بعضهم البعض، وخلقوا تصنيفات دينية وطبقية وقبلية. ورغم أن جهودهم تلك لم تكلل بالنجاح في القرن 18، إلا أنهم اتبعوا أسلوبا أكثر نجاحا في القرن 19 مستفيدين من الإنجازات التي حققتها الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية، الأمر الذي ساعدهم على إتمام السيطرة على إمبراطوريتهم المترامية. ومما هو جدير بالملاحظة في حالة الاستعمار الأوربي، أن هذا الاستعمار حقق نجاحا في الهند، والشرق الأقصى والصين، بدرجة أكبر مما حققه في شمال إفريقيا وشرق أوربا وغرب آسيا. وقد كان مرد ذلك إلى أن الأتراك العثمانيين، وإن تعرضوا للضعف بمرور الزمن، كانوا لا يزالون يمتلكون من القوة ما مكنهم من الدفاع والمقاومة. هكذا لم تتمكن القوى الأوربية من احتلال شمال إفريقيا، القريبة منها، إلا في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك بعد قرن على الأقل من احتلال الهند وغيرها من دول شرق آسيا. وفيما بين القرنين 15 و17 فضلا عن بداية القرن 18 كان للأسطول العثماني نفوذ كبير على البحر المتوسط، وهو ما أخر سيطرة بريطانيا على شمال إفريقيا.

واليوم، ومع دلائل تراجع الغرب ـ أو ربما وصوله إلى سقف التطورـ وظهور قوى اقتصادية مثل الصين واليابان والهند، تتجه أنظار العالم نحو الشرق. ويدعم ذلك ظهور دول أخرى في الجوار الإقليمي مثل ماليزيا وإندونيسيا وتايوان. وبفضل هذه الصحوة التي يشهدها النصف الشرقي من الكرة الأرضية ، وتحول كل الطرق التجارية إليه اليوم ,أصبحت الهند محطة عبور لا غنى عنها على هذه الطرق. تتمتع الهند بميزات لا تتوفر لجارتها الصين، التي وإن كانت دولة عظمى إلا أن موقعها الجغرافي يتوغل أكثر نحو الشرق، وتحيط به السلاسل الجبلية الضخمة من ثلاث جهات، وليس له سوى واجهة بحرية واحدة على المحيط الهادئ، الأمر الذي جعل بلوغ الأراضي الصينية ليس بالأمر الهين، فالصين , بناء على ما سبق ,تبدو منعزلة إذا ما قورنت بالهند.

المركب الديني والعرقي والطبقي

"عمل الاحتلال البريطاني على الإيقاع بين المسلمين والهندوس ليسود بينهما العداء فيستتب له الأمر، وقد نجح في ذلك منذ القرن التاسع عشر، ولا تزال العلاقات بينهما متوترة رغم استقلال الهند عام 1947 "

بناء على تعداد عام 2001 فان عدد سكان الهند يزيد عن 1.03 بليون نسمة، وتشير تقديرات عام 2009 إلى أن هذا العدد قد بلغ 1.16 بليون نسمة. ويشكل الهندوس 82 % من السكان بينما تتوزع النسب الباقية على المسلمين (13.4% ) والمسيحيين (2.3%) والسيخ (1.99%) وهناك أقليات أخرى أقل عددا تعتنق الديانات الجانية، والبوذية والزرادشتية واليهودية. وإذا كانت الزرادشتية (الفارسية) قد أتت من فارس، فإن اليهودية في الهند تمد جذورها إلى ساحل الليفانت. ويعيش معتنقو هاتين الديانتين، بأعداد صغيرة للغاية لا تتجاوز عدة آلاف، في مدينة مومباي، عاصمة الهند التجارية. وبينما يضرب الإسلام واليهودية بجذورهما في المشرق العربي، تعد السيخية والجانية والبوذية ديانات متفرعة عن الهندوسية. ومن المفارقات أن البوذية التي نشأت عن الهندوسية وانتشرت في جزء كبير من شرق وجنوب شرق آسيا، لا يعتنقها في الهند اليوم سوى عدد محدود للغاية لا يصل إلى 1 % من سكان الهند. فقد طرد البوذيون من الهند قبل 1500 سنة، وذلك خلال حكم الملك بوشيميترا سونجا. وأجبر من بقي منهم في الهند على اعتناق الهندوسية.

بعد استقلال الهند قام أول وزير للعدل ورئيس لجنة صياغة الدستور، الدكتور بيم راو أمبدكار مع آلاف من مناصريه من طبقة الداليت الفقيرة بإعلان تحولهم إلى البوذية. ومن المعروف أن الداليت هم أضعف شريحة في المجتمع الهندي. لكن هذا المشهد لا يغير من الواقع في شيء، ذلك الواقع الذي تبدو فيه البوذية غائبة عن الأرض التي ولدت فيها. ويمكن القول إنه ليست هناك توترات ساخنة بين الأديان ذات الجذور الضاربة في التربة الهندية، وإن كانت ثمانينات القرن العشرين قد شهدت حركة انفصال سيخية، كانت من الشدة بحيث أدت إلى وقوع هجمات إرهابية وعمليات عنف في معظم أرجاء شمال الهند، وخاصة في ولاية البنجاب، حيث يمثل السيخ الأغلبية، كما ينتشرون بنسب أقل في ولاية هريانا المجاورة، إضافة إلى عاصمة البلاد نيودلهي. لقد ترتب على حركة الانفصال السيخية تلك تداعيات أدت إلى أوضاع مأساوية، حيث قام الجيش الهندي في يونيو 1984 بقصف المعبد الذهبي في مدينة أمريتسار، أكثر مدن السيخ قداسة، وذلك لإخراج مئات المسلحين السيخ المعتصمين في المعبد، بعد أن سعوا إلى الانفصال وتشكيل دولة خالستان في إقليم البنجاب الهندي. كما قتل مئات من السيخ، من بينهم عسكريون سابقون في الجيش الهندي، إضافة إلى عناصر من القوات الهندية، وذلك في معركة استمرت 48 ساعة. ونتيجة لقصف المعبد الذهبي تمرد السيخ في الجيش الهندي، لكن سرعان ما تم قمع ذلك التمرد. صحيح أنه لم يكن كافة السيخ يسعون إلى إقامة دولة خالستان، لكن لا أحد منهم كان ليقبل بالهجوم على المعبد الذهبي. ثم تفاقمت الأوضاع حين قام بعض من الحرس الشخصي لرئيسية الوزراء الهندي السيدة إنديرا غاندي باغتيالها (ويعتقد أنهم من السيخ). وقد أدى هذا إلى وقوع مذابح انتقامية قام بها الهندوس الغاضبون ضد السيخ في دلهي وبقية المدن الهندية. وفيما بين يومي 31 أكتوبر/تشرين الأول و2 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1984 قتل أكثر من 3000 سيخي في شوارع دلهي فقط. لقد تطلب الأمر سنوات عدة حتى تعود الأمور, بين أبناء الطائفتين, إلى سابق عهدها السلمي. ومن علامات هذا التحسن أن منصب رئاسة وزراء الهند يشغله اليوم السيخي "مانموهان سينغ".

على الواجهة الأخرى، تتسم العلاقة بين المسلمين والهندوس بتاريخ مضطرب. فالمشاحنات الطائفية بدأت في القرن 19، حين زرع الاحتلال البريطاني بذور الفتنة من خلال تطبيقه لسياسة ٍ’’فرق تسد ’’. فقد أدت الخطط البريطانية لتقسيم الهند، والتي ترجمت عمليًا في عام 1947، إلى صدع ديني حاد بين الهندوس والمسلمين. فمع تقسيم شبه القارة الهندية، انتقل الجزء الأعظم من مسلمي الهند إلى باكستان. ورافق ميلاد باكستان محرقة طائفية بين الهندوس والمسلمين. وتبعا للتقديرات فقد قتل ما بين 0.7 إلى 1 مليون نسمة في حمام دماء بدأ قبيل التقسيم في أغسطس/آب 1947 واستمر لعدة أشهر بعده. وخلال الشهور التي شهدت المذابح والحرب الأهلية هاجر 8.9 مليون مسلم من الهند إلى باكستان، التي ظهرت للوجود في 14 أغسطس/آب 1947، وفي المقابل هاجر 8.2 مليون من الهندوس والسيخ من باكستان إلى الهند، التي أعلنت استقلالها بعد يوم واحد، في 15 أغسطس/آب1947.

لقد بقيت المشاحنات الطائفية ظاهرة منتظمة في الهند، خاصة في نصفها الشمالي حيث ترك التقسيم آثارا بالغة. فجرت أعمال عنف بين الهندوس والمسلمين على فترات منتظمة التباعد منذ تاريخ التقسيم. وإن بدأت العلاقات في التحسن التدريجي في أجزاء عديدة من البلاد. غير أنه في نهاية ثمانينات وبداية تسعينيات القرن العشرين شهدت الهند موجة جديدة من العنف بين الطرفين، وخاصة في ولايات جوجارات و أوتار براديش وبيهار ، وماديا براديش، ومهراشترا... وغيرها. بؤرة التوتر اليوم يمثلها المسجد البابري الذي يعود بناؤه إلى القرن 16 خلال حكم الإمبراطور بابير (1526-1530) وهو أول إمبراطور مغولي للهند. وبحسب معظم المؤرخين فقد بني هذا المسجد بأمر من أحد جنرالات بابير في أيودا، وهي بلدة صغيرة تقع في منطقة فايزآباد حيث أكثر المناطق كثافة بالسكان في ولاية أوتار براديش بشمال الهند.

وقد ظهرت في العقود الأخيرة حركة هندوسية سياسية يمينية التوجه، تعرف باسم حزب الشعب الهندوسي (حزب بهاراتيا جاناتا BJB) المنبثقة عن منظمة ثقافية تعرف باسم منظمة أر. إس. إس (راشتريا سويامسيفاك سانغ Rahtriya Swamsevak Sangh، ومعناها الحرفي المنظمة القومية للمعتمدين على سواعدهم). ويصر حزب الشعب الهندوسي على أن بابير دمر معبد الإله رام وبنى المسجد على أنقاضه. ومن المعروف أن رام إله هندوسي يزعم الهندوس إنه ولد في نفس البقعة التي أقام فيها بابير المسجد. وعلى الرغم من أن النزاع حول الحق التاريخي مطروح أمام أنظار القضاء إلا أن حزب الشعب الهندوسي، تحت زعامة لال كريشنا أدفاني، الذي صار رئيسا لوزراء الهند (1998-2004) شن حملة واسعة النطاق مطالبا بالسيطرة على المسجد لهدمه وإعادة بناء معبد رام من جديد. وقد بدأت تلك الحملة في 1989 واستمرت إلى 6 ديسمبر/كانون الأول 1992، حتى اليوم الذي تمت فيه تسوية المسجد بالأرض.

لقد قوبل موقف حزب الشعب الهندوسي بمعارضة كبيرة، ليس فقط من قبل المسلمين، لكن من قبل المؤرخين العلمانيين أيضا ، ونشطاء المجتمع المدني وعدد من السياسيين. فقد اعتقد هؤلاء، وما يزالون، أن حركة معبد رام كانت مجرد ذريعة مفتعلة لخلق صدع بين الطائفتين، وذلك بدافع انتهازية سياسية للوصول بحزب الشعب الهندوسي إلى سدة الحكم. وقد تكاثفت جهود حركة معبد رام، وحزب الشعب الهندوسي، ومنظمة أر. إس. إس، فاجتمعوا في السادس من ديسمبر/كانون الأول 1992 مع الآلاف من مناصريهم في بلدة أيودا، وقاموا بتدمير شامل للمسجد البابري، الذي يعتقد أنه بني بين عامي 1527-1528. وقد لقي آلاف الأشخاص حتفهم نتيجة أعمال العنف الطائفية التي نشبت في عديد من المدن والبلدات في أعقاب ذلك، ونقلت وسائل الإعلام العالمية هذه الأحداث. كما لم تسلم مومباي بدورها من الأعمال الطائفية التي أودت بحياة مئات الأشخاص.
وفي 12 مارس/آذار 1993 انفجرت عدة قنابل ضخمة في مومباي وأودت بحياة 250 شخصًا. ويعتقد أن هذه التفجيرات نفذها بعض المسلمين كرد فعل على تدمير المسجد البابري وما تلا ذلك من مذابح. وبعد أربعة أيام (في 16 مارس/آذار 1993) لقي أكثر من 100 شخص حتفهم في تفجير آخر في المدينة الحضرية الكبرى "كلكتا" الواقعة في شرق الهند. "ما يزال التمييز الطبقي جليا بينأغلب شرائح المجتمع الهندي. كما لا يزال "الداليت"، وهم أدنى طبقة في المجتمع،منبوذين في كثير من أرجاء الهند، وأحيانا يتحول التمييز إلى عنف دموي"وبعد عدة سنوات من تدمير المسجد البابري، وصل حزب الشعب الهندوسي إلى الحكم (1998-2004) متحالفًا مع بعض الأحزاب ذات التوجه الفكري المشابه. ورغم أن العلاقة بين الهندوس والمسلمين بدأت بالتحسن من جديد، إلا أن أعمال العنف الطائفية اندلعت , من جديد , في فبراير/شباط 2002 في ولاية جوجارات في غرب الهند، وذلك في أعقاب احتراق عربة قطار مكدسة بالحجاج الهندوس العائدين من أيودا.

كان حزب الشعب الهندوسي يحكم ولاية جوجارات آنذاك، وقد اتهم الحزب المسلمين في منطقة جودرا، حيث احترق القطار، بارتكاب الحادث. وعلى الرغم من أن الاستقصاء المستقل لم يتهم المسلمين بإضرام النيران في القطار، إلا أن أعمال عنف طاحنة وقعت في الولاية بعيد وقوع الحادث بساعات معدودة، تسببت في قتل مئات المسلمين وتشريد آلاف غيرهم. لقد أدى تدمير المسجد البابري في 1992، وأحداث جوجارات في 2002 إلى خلق صدع كبير بين الطائفتين. وقد تبع كل حادثة عدد من التفجيرات في عدة مدن هندية. وما تزال هذه الظاهرة مستمرة إلى اليوم، ويقال إن بعض المسلمين في الهند متورطين فيها. وفي تسعينيات القرن العشرين، شهدت الهند لأول مرة تدهورا في العلاقة بين الهندوس والمسيحيين. وكان السبب مرة أخرى صعود حزب الشعب الهندوسي، إذ استهدفت البعثات التبشيرية المسيحية، التي قامت بأعمال تعليمية وخدمات صحية، من قبل المتطرفين الهندوس، خاصة في ولايات جوجارات وأوريسا وماديا براديش. وفي أغسطس/آب- سبتمبر/أيلول 2008 لقي نحو 40 مسيحيا مصرعهم، وتم تشريد نحو ألف آخرين، وذلك في الأجزاء الداخلية من ولاية أوريسا.

وإذا انتقلنا إلى البعد الاجتماعي، سنجد المجتمع الهندي مقسما على أسس طبقية، ورغم أن الطبقة (الكاست الهندي Caste) ظاهرة هندوسية بامتياز، إلا أنه يمكن تلمس تأثيرها على المسلمين والمسيحيين والسيخ على السواء. وما يزال التمييز الطبقي جليا بين أغلب شرائح المجتمع الهندي. كما لا يزال الداليت، وهم أدنى طبقة في المجتمع، منبوذين في كثير من أرجاء الهند. وفي بعض الأحيان يتحول التمايز الطبقي إلى منهج عنيف كلما ازداد تأكيد الطبقات لهويتها في المجتمع الهندي. وإن كانت هناك بعض الحالات المبشرة، على نحو ما حدث في ولاية أوتار براديش، وهي أكبر الولايات سكانا، حيث اختيرت مايواتي، وهي امرأة من طبقة الداليت، رئيسة لوزراء الولاية.

وعلى الرغم من أنه لم تنشر مطلقا أية بيانات رسمية عن التوزيع الطبقي في الهند منذ الاستقلال، إلا أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن الطبقة الهندوسية العليا تشكل 15 % من السكان، بينما تشكل الطبقات الدنيا نحو 43 % ، ويشكل الداليت 16 %، بينما يمثل سكان القبائل نحو 8 %. أما البراهمة، ويمثلون أرقى الطبقات في الهند، فيتوزعون في كافة أرجاء البلاد، وإن لم تزد نسبتهم من إجمالي السكان عن 3 %، على نحو ما تشير إليه نفس التقديرات غير الرسمية. وإذا كان من النادر حدوث التزاوج بين الطبقات في الهند، فان بعض الزيجات العابرة للطبقات قد تحدث خاصة في أوساط الفئات العليا للمجتمع الحضري، وهذا الأمر ينطبق أيضا على طائفتي السيخ والمسلمين دون المسيحيين. كما انه ليس شائعا لدى مسلمي شمال الهند وإن لم يتخذ درجة الصرامة التي نجدها في الحالة الهندوسية، حيث يتم إنزال عقوبة الإعدام، من طرف محاكم شعبية، بكل من يتزوج من خارج الطبقة. وخاصة في المناطق الريفية.

ويقف النظام الطبقي الصارم عقبة كبيرة أمام مسار التنمية المتسارع في الهند. ففي المناطق الحضرية قد لا يلحظ المرء حدة تأثيرات الطبقة ـ وإن كانت ما تزال موجودة ـ لكن في كثير من المناطق الريفية فإن شخصا من طبقة الداليت (المنبوذين) لا يمكنه حتى الجلوس أمام شخص من طبقة أعلى منه، ويحظر عليه ملء الماء من نفس البئر أو ذات الصهريج الذي يملأ منه شخص من طبقة أعلى، كما يحظر عل أبناء الداليت ارتياد المعابد التي يتعبد فيها أبناء الطبقات الأسٍمى. ويعيش أكثر من 77 % من مواطني الهند بدخل يومي لا يتجاوز نصف دولار يوميا في أوضاع لا إنسانية، دون أن تحقق جهود الحكومة أي تحسن ملحوظ في أوضاعهم المعيشية.

وعلى المستوى الإداري، تتألف الهند من 28 إقليما تسمى ولايات، فضلا عن 7 اتحادات إدارية مركزية صغيرة. وتتميز الهند بتنوع ثقافي واجتماعي فريد. فمواطنو الهند في ولاية البنجاب (غرب الهند) هم أقرب من الناحية الثقافية واللغوية – وربما الدينية- لمواطني دولة باكستان المجاورة منهم إلى الهنود في ولاية كيرلا في جنوب غرب الهند. كما أن التاميل في ولاية تاميل نادو في جنوب شرق البلاد هم أقرب إلى التاميل ثقافيا ولغويا في دولة سريلانكا منهم إلى مواطنيهم في الولايات الهندية المجاورة. ويعترف الدستور الهندي بـ 22 لغة. وتعد اللغة الهندية اللغة الرسمية للبلاد، بينما الإنجليزية لغة رسمية قرينة للهندية. وتنتشر في البلاد 33 لغة أخرى فضلا عن ألفي لهجة محلية. ويتكلم الهندية نحو 18 % من سكان البلاد، وهي لغة الشمال بشكل أساسي. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن 40 % من المواطنين يفهمون ويتكلمون تلك اللغة. لكن في الولايات الجنوبية مثل كرنتاكا وكيرلا واندرا براديش وتاميل نادو وولايات الشرق الممثلة في البنغال الغربية وآسام وتريبورا وناجالاند وميزورام وميجاليا ومانيبور وغيرها، يفضل السكان التحدث بلغاتهم الإقليمية.

وباستثناء بضع ولايات، يتحدث المسلمون في الهند اللغة الأوردية. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة تشابه كبير بين اللغتين الهندية والأوردية. وعلى أية حال يفهم المسلمون اللغات الإقليمية الأخرى وبوسعهم التحدث بها. وفي العديد من الولايات الهندية، هناك انتماء قوي للغات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، يعارض التاميل في ولاية تاميل نادو فرض اللغة الهندية كلغة قومية للبلاد، الأمر الذي دعى الحكومة إلى قبول اللغة الإنجليزية كلغة رسمية ثانية. ورغم أنه لم يكن هناك الكثيرون في شمال الهند ممن يعارضون فرض اللغة الهندية كلغة وطنية، إلا أن ولاية تاميل نادو وغيرها من ولايات الجنوب قد شهدت معارضة قوية لهذا التوجه. ففي ستينيات القرن العشرين، انتحر عدد من التاميل احتجاجا على التوجه لفرض اللغة الهندية كلغة وطنية للبلاد.

ورغم أن الإنجليزية ليست اللغة الأم في أي ولاية هندية، إلا أن ربع السكان يمكنهم التواصل بهذه اللغة. ولدى 10 % من سكان البلاد القدرة على استخدام قدر أو آخر من الإنجليزية تحدثا وكتابة، ومرد ذلك إلى الموروث البريطاني، الذي ساعد الهند على التفوق على الصين في صناعة البرمجيات المعتمدة على الإنجليزية. كما ساعدت الإنجليزية في نهوض قطاع صناعة الخدمات في الهند، الأمر الذي أتاح للشركات متعددة الجنسية اتخاذ الهند مقرا لأعمالها، وخاصة تلك المرتبطة بالنشر والخدمات المصرفية والتجارية.

التقسيم الإداري

وعلى المستوى الإداري، تتألف الهند من 28 إقليما تسمى ولايات، فضلا عن 7 اتحادات إدارية مركزية صغيرة. وتتميز الهند بتنوع ثقافي واجتماعي فريد. فمواطني الهند في ولاية البنجاب (غرب الهند) هم أقرب من الناحية الثقافية واللغوية – وربما الدينية- لمواطني دولة باكستان المجاورة منهم إلى الهنود في ولاية كيرلا في جنوب غرب الهند. كما أن التاميل في ولاية تاميل نادو في جنوب شرق البلاد هم أقرب إلى التاميل ثقافيا ولغويا في دولة سريلانكا منهم إلى مواطنيهم في الولايات الهندية المجاورة. ويعترف الدستور الهندي بـ 22 لغة. وتعد اللغة الهندية اللغة الرسمية للبلاد، بينما الإنجليزية لغة رسمية قرينة للهندية. وتنتشر في البلاد 33 لغة أخرى فضلا عن ألفي لهجة محلية. ويتكلم الهندية نحو 18 % من سكان البلاد، وهي لغة الشمال بشكل أساسي. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن 40 % من المواطنين يفهمون ويتكلمون تلك اللغة. لكن في الولايات الجنوبية مثل كرنتاكا وكيرلا واندرا براديش وتاميل نادو وولايات الشرق الممثلة في البنغال الغربية وآسام وتريبورا وناجالاند وميزورام وميجاليا ومانيبور وغيرها، يفضل السكان التحدث بلغاتهم الإقليمية.

وباستثناء بضع ولايات، يتحدث المسلمون في الهند اللغة الأوردية. ومن المهم الإشارة إلى أن ثمة تشابه كبير بين اللغتين الهندية والأوردية. وعلى أية حال يفهم المسلمون اللغات الإقليمية الأخرى وبوسعهم التحدث بها. وفي عديد من الولايات الهندية، هناك انتماء قوي للغات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، يعارض التاميل في ولاية تاميل نادو فرض اللغة الهندية كلغة قومية للبلاد، الأمر الذي دعى الحكومة إلى قبول اللغة الإنجليزية كلغة رسمية ثانية. ورغم أنه لم يكن هناك كثيرون في شمال الهند يعارضون فرض اللغة الهندية كلغة وطنية، إلا أن ولاية تاميل نادو وغيرها من ولايات الجنوب قد شهدت معارضة قوية لهذا التوجه. ففي ستينيات القرن العشرين، انتحر عدد من التاميل اعتراضا على التوجه لفرض اللغة الهندية كلغة وطنية للبلاد. ورغم أن الإنجليزية ليست اللغة الأم في أي ولاية هندية، إلا أن ربع السكان يمكنهم التواصل بهذه اللغة. ولدى 10 % من سكان البلاد القدرة على استخدام قدر أو آخر من الإنجليزية تحدثا وكتابة، ومرد ذلك إلى الموروث البريطاني، مما ساعد الهند على التفوق على الصين في صناعة البرمجيات المعتمدة على الإنجليزية. كما ساعدت الإنجليزية في نهوض قطاع صناعة الخدمات في الهند، الأمر الذي أتاح للشركات متعددة الجنسية اتخاذ الهند مقرا لأعمالها، وخاصة تلك المرتبطة بالنشر والخدمات المصرفية والتجارية.

النظام السياسي والمؤسسي

"إضافة إلى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن لدى الهند سلطتها الرابعة المستقلة، التي يمثلهاالإعلام. فوسائل الإعلام الإليكترونية والمطبوعة تتمتع بالحرية وتدلي بدلوها في الحراك السياسي في البلاد "

تعد الهند أكبر ديموقراطية برلمانية في العالم. ويتكون البرلمان الهندي من مجلسين: يعرف الأدنى باسم لوك صابحا (مجلس الشعب) حيث ينتخب الشعب الهندي أعضاء هذا المجلس بالاقتراع المباشر. ويحق لكل هندي أكمل من العمر 18 عاما التصويت لاختيار أعضاء هذا المجلس في دورة انتخابية مدتها خمس سنوات. ويتألف هذا المجلس من 545 عضوا يتم انتخابهم في دوائر انتخابية موزعة على كافة أرجاء البلاد. أما المجلس الأعلى فيعرف باسم راجيا صابحا (مجلس الولايات) ويتألف من 250 عضوا يتم انتخابهم من قبل أعضاء المجالس التشريعية على مستوى الولايات، وليس عبر انتخاب مباشر من قبل الشعب. وكما هو الحال في المملكة المتحدة، فإن لمجلس الشعب نفوذًا أكبر من مجلس الولايات. ولا يمكن إقرار قانون جديد في الدولة دون تقديم "مشروع قانون" يناقشه كلا المجلسين، كما لا يصبح هذا القانون ساريا قبل تصديق رئيس الدولة عليه. ويناظر منصب رئيس الدولة في الهند منصب الملك البريطاني، بينما تقع السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء. والفرصة متاحة أمام أعضاء المجلسين النيابيين لأن يصبح أي منهم رئيسا للوزراء أو وزيرًا في مجلس الوزراء. وتتألف الهند من بناء فدرالي، وكما أن البرلمان يمثل الدولة على المستوى القومي، فكذلك لكل ولاية مؤسساتها التشريعية المشابهة للمجلسين البرلمانيين. ويسمى المجلس النيابي على مستوى الولاية بالمجلس التشريعي, كما يسمى رئيس الحكومة على مستوى الولاية باسم الوزير الأول (رئيس وزراء الولاية). وكما أن للهند رئيسا فإن لكل ولاية حاكما عاما.

وبينما يتم انتخاب المجالس النيابية كل خمس سنوات، فإن المجالس التشريعية الدائمة، أو ما يعرف بالأجهزة البيروقراطية، ذات تأثير ونفوذ قويين للغاية. كما توجد لجنة الخدمات الاتحادية التي تشرف على اختيار أعضاء المؤسسات البيروقراطية على مستوى الهند. وبالمثل، هناك لجان اتحادية على مستوى كل ولاية، تقوم باختيار مسئولي العمل الحكومي. ومن الناحية الإدارية، تتألف الهند من 630 قسما إداريا، يرأس كل قسم منها قاض ومراقب عام للشرطة. ويرأس الجهاز البيروقراطي على مستوى الولاية أمين عام، بينما يشغل أعلى منصب مدني في الجهاز البيروقراطي "أمين سر" الدولة. كما أن لكل وزارة في الدولة ممثليها الإداريين على مستوى كل ولاية. وتتمتع الهند بنظام قضائي مستقل، ويسمى كبير قضاة المحكمة العليا باسم قاضي قضاة الهند، يساعده عدد من القضاة. وتعرف المحكمة العليا باسم المحكمة الدستورية العليا. وتراقب هذه المحكمة أي انتهاك للدستور، حتى ولو من قبل المؤسسات التنفيذية.

وإلى جانب ذلك فإن لكل ولاية محكمتها العليا التي يرأسها كبير القضاة في تلك الولاية. ويتفاوت عدد القضاة من ولاية لأخرى. وهناك محكمة إدارية في كل قسم إداري، وتمثل الوحدة الأساسية للنظام القضائي الهندي. والمحكمة الإدارية تنظر في كافة القضايا المدنية والجنائية. وهناك محاكم استئناف تمثلها كل من المحاكم العليا والمحاكم الدستورية العليا. وإلى جانب ذلك هناك محاكم للنظر في رفع دعاوى المصلحة العامة. وعلى مدى العقود الماضية، شهدت الهند عددا من الأحكام القضائية ذات التأثير المصيري. ففي عام 1975 تجرأت المحكمة العليا في مدينة الله آباد وأبطلت انتخاب رئيسة وزراء البلاد إنديرا غاندي، التي اتخذت رد فعل قوي على هذه الخطوة وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد لمدة 21 شهرا. وخلال هذه الفترة المحدودة من الزمن خضع النظام القضائي لرقابة سياسية من السلطة التنفيذية. ورغم عدم استبعاد التأثير على القضاء الهندي، إلا أن هذا النظام يبقى متمتعا بدرجة أو بأخرى من الاستقلالية.

وإضافة إلى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي تلعب دورها في إدارة شؤون البلاد، فإن لدى الهند سلطتها الرابعة المستقلة، التي يمثلها الإعلام. فوسائل الإعلام الإليكترونية والمطبوعة تتمتع بالحرية وتدلي بدلوها في الحراك السياسي في البلاد، وهذا شأن المجتمعات الديموقراطية التي تلعب أحزاب المعارضة ووسائل الإعلام فيها دورا لا يقل أهمية عما تلعبه السلطة الحاكمة. وإذا ما راجعنا الأحزاب التي حكمت الهند، سنجد أنه خلال الثلاثين عاما الأولى من استقلال البلاد (1947-1977) كان الحكم في يد حزب المؤتمر الوطني، وهو الحزب الذي صارع من أجل تحقيق الاستقلال. وفيما بين 1977 و1980 وصل حزب جانات، وهو تحالف من الأحزاب المعارضة، إلى سدة الحكم، وقد خسر حزب المؤتمر أمام هذا التحالف لأنه كان عليه أن يدفع ثمن فرض قانون الطوارئ الذي أقرته إنديرا غاندي في 25 يونيو 1975 واستمر حتى انتخابات مارس 1977.

وقد تمكن حزب المؤتمر من العودة مجددا إلى الحكم تحت قيادة إنديرا غاندي في عام 1980، وذلك حين أجريت انتخابات مبكرة بعد فشل تحالف الأحزاب المعارضة في الاستمرار في الحكم فسقط في منتصف الطريق بعد ثلاث سنوات فقط من وصوله إلى السلطة. بقي حزب المؤتمر في السلطة بين عامي 1980 و1989 قبل أن يخسر أمام تحالف معارض آخر يقوده حزب جاناتا دال. وبدوره لم يعمر جاناتا دال في الحكم طويلا وخسر مرة أخرى في انتخابات عام 1991 تاركا السلطة لحزب المؤتمر من جديد. وفي عام 1996 خسر حزب المؤتمر الانتخابات مرة أخرى. وفيما بين عامي1996 و1998 خضعت الهند لحكومتي ائتلاف، سرعان ما تعرضتا للسقوط. وفي عام 1998 وصلت إلى السلطة جبهة سياسية جديدة عرفت باسم التحالف الوطني الديموقراطي، وكان حزب الشعب الهندوسي ذو التوجهات القومية المتطرفة هو القوة الدافعة في هذا التحالف، وهو الذي حكم الهند حتى عام 2004. إلا انه وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2004 تمكنت الجبهة التقدمية المتحدة بزعامة حزب المؤتمر الوطني بقيادة مانموهان سينغ، من الوصول إلى السلطة. ثم تجدد فوزها مرة أخرى في انتخابات أبريل-مايو 2009.

وبينما يعد حزب الشعب الهندوسي حزبا يمينيا متشددا يصنف حزب المؤتمر كحزب وسطي. وبالمثل تنتمي أغلب الأحزاب الإقليمية المشاركة في التحالف الوطني الديموقراطي الذي يتزعمه حزب الشعب الهندوسي إلى أطياف ذات توجه سياسي يميني، بينما تنتمي أغلب الأحزاب المشاركة في الجبهة التقدمية المتحدة إلى أطياف ذات توجه سياسي وسطي. وإن كانت السياسات الاقتصادية لكل من حزب المؤتمر وحزب الشعب متشابهة وذلك منذ تحرير الاقتصاد الهندي في عام 1991 على يد حكومة ناريسما راو (من حزب المؤتمر)، وقد كان الاقتصاد الهندي, قبل ذلك التاريخ , اقتصادا اشتراكيا أو مختلطا.
تركة الاستعمار وميراث التاريخ

"ترك الاستعمار آثارا بالغة على الهند، ليس فقط من حيث استنزافه للموارد الطبيعية بل والبشرية أيضا، فقام بتجنيد الهنود للقتال في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل مثلما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية"

ترك الاستعمار آثارا بالغة على الهند، ليس فقط من حيث استنزافه للموارد مثل الفحم والحديد والحبوب الغذائية والأعشاب الطبية، بل واستنزافه موارد الهند البشرية من خلال تجنيد الرجال للقتال في معارك دارت رحاها بعيدا عن الوطن الهندي، سواء في الحرب العالمية الأولى أو الثانية. لقد ألقى الاحتلال البريطاني خلال الحربين العالميتين بالجنود الهنود في أتون المعارك في تركيا، والعراق، وشمال إفريقيا، وجنوب شرق آسيا. وكانت النتيجة مقتل وجرح وتشويه الملايين منهم الذين استخدموا كدروع للدفاع عن المستعمرات البريطانية في بقية أنحاء العالم.

وبعد رحيل البريطانيين، تبنت الهند المستقلة سياسة تحديث البلاد. ولم يتردد أول رئيس للوزراء بالبلاد، جواهر لال نهرو، في تبني المظاهر الإيجابية من حضارة الغرب. لقد كان من حسن حظ الهند أن كلا من حكامها الأفغان والمغول خلال فترة العصور الوسطى كما حكامها البريطانيين خلال القرنين 19 و 20 أقاموا بنية تحتية أساسية ضخمة في البلاد، ساعدت في تنمية الهند فيما بعد. فالإمبراطور الأفغاني شير شاه (1540-1545) مد طريقا ضخما يكاد يربط كافة أرجاء الهند من الشرق للغرب.هذا الطريق، الذي عرف بـ "السراك العظم" أو "الطريق العظيم"، يربط بيشاور التي تقع اليوم في غرب باكستان قرب حدودها مع أفغانستان بمنطقة ناريان غانج في بنجلاديش الواقعة في أقصى شرق الهند، ممتدا على مسافة تزيد عن 2500 كم. وفضلا عن ذلك قام شير شاه بمد شبكة واسعة من الطرق خلال خمس سنوات فقط من حكمه. وفي العهود اللاحقة قام الحكام المغول والمستعمرون البريطانيون بتطوير هذه الطرق، التي ما تزال تعمل كشريان حياة للسكان في شمال الهند وباكستان وبنجلاديش. كما قام الاستعمار البريطاني يمد شبكة من طرق السكك الحديدية. فبعد اختراع القطار مدت بريطانيا في الأراضي الهندية أكثر من 60.000 كم من خطوط السكك الحديدية وذلك فيما بين عامي 1853 و1947. صحيح أن معظم هذه الطرق والسكك الحديدية ربطت مناجم الموارد المعدنية الهندية بالموانئ البريطانية، إلا أنه وبعد جلاء البريطانيين ظلت البنية التحتية لهذه الطرق تستخدم لبناء الاقتصاد الهندي.

ولما كانت الهند قد تعرضت دوما للغزو العسكري والحضاري، فقد تشكل على أرضها مزيج ثري من الثقافات. لقد ترك التأثير العربي والفارسي والتركي والمغولي آثارا ملموسة إلى اليوم، دون أن يتعارض هذا مع حقيقة أن الهند في معظمها تبدو ذات ثقافة هندوسية بالدرجة الأولى. ومن زاوية أخرى أعطت الإنجليزية، لغة المستعمر البريطاني، الهند فرصة لفهم الغرب وتقدمه بدرجة أفضل مما تحقق في كثير من البلدان الأخرى في المنطقة. وقد ساعدت هذه اللغة الهند على تجاوز الصين في تكنولوجيا البرمجيات كما في قطاع الخدمات، وربما لهذا السبب يعاني اليابانيون من تأخر نسبي في تعلم اللغة الإنجليزية، وإن كانوا يحاولون علاج تلك الفجوة بوتيرة أسرع.

القدرات العسكرية والنووية

تقاوم الهند باعتبارها قوة نووية ضغوطا صارمة من قبل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لحثها على التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومن أجل الوفاء بمتطلباتها من الطاقة وقعت الهند مؤخرا اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة من اجل إقامة مشروعات طاقة نووية تلبي احتياجاتها الشرهة من الطاقة والتغلب على عجز الطاقة في البلاد. كما تقاوم الهند في ذات الوقت الضغوط الأمريكية من أجل التحكم في كميات الكربون المنبعث من الأنشطة الصناعية. وقد أجرت الهند أولى تجاربها النووية في مايو 1974، وأتبعت ذلك بتجارب أخرى في مايو 1998. وتعمل الهند جاهدة على الثبات على موقفها بألا تكون البادئة باستخدام السلاح النووي. ومع تقادم السلاح السوفيتي في البلاد، تتجه الهند للاعتماد بشكل أساسي على الدول الغربية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا من أجل تحديث قواتها البرية والبحرية والجوية. وفي العقود الماضية تطور تعاون عسكري هندي – إسرائيلي، حتى أن الهند اليوم تمثل أكبر مشتر للسلاح من إسرائيل.

وللهند جيش قوي وجيد التسليح قوامه 1.1 مليون جندي. ويعتمد هذا الجيش على كافة أنواع الأسلحة التقليدية، إضافة إلى أحدث أنواع صواريخ أرض ـ أرض، وأرض ـ جو. وفي السنوات القليلة الماضية ارتفع الإنفاق العسكري في الهند بشكل مطرد، حتى وصل معدل الزيادة إلى 8.5 % بين عامي 2006-2007. وقد شهدت ميزانية السنة المالية لعامي 2007-2008، المعروضة على البرلمان في فبراير عام 2007، زيادة أخرى في ميزانية الدفاع بنسبة 7.8 %، بل زادت هذه الميزانية بنسبة 10 % في العام التالي. لقد ارتفع حجم الإنفاق العسكري خلال عام 2009-2010 إلى 141.7 بليون روبية هندية، بقفزة مقدارها 34 % عن العام السابق مباشرة. ويعزى السبب الرئيسي وراء ذلك للهجوم الإرهابي الذي شهدته مدينة مومباي في 26-28 نوفمبر/تشرين الثاني 2008 وأدى إلى مقتل 166 شخصا.

وفي صيف 1999، ذلك العام الذي خاضت فيه الهند آخر معاركها ضد باكستان في تلال كارجيل الجليدية في جامو وكشمير، كانت الهند قد أنفقت 48.5 بليون روبية على الدفاع، بما في ذلك كلفة المعركة ذاتها. وباعتبار التطورات الحادثة في دول الجوار، فضلا عن طموح الهند للعب دور إقليمي وعالمي أكبر،فقد قررت الهند تحديث جيشها وأسلحتها على نطاق واسع. وإن كانت الزيادة في معدل التضخم يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند حساب هذه الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع. ولأنها قوة نووية تسعى الهند لأن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن، وإن كان عدد من أعضاء هذا المجلس ليست لديهم النية للسماح بذلك.
خاتمة

تقف الهند اليوم دون شك كدولة ذات موقع بالغ الأهمية الاستراتيجية، متمتعة بميراث ثقافي ثري، وأراض خصبة وغنية بالموارد ، ولديها قوة عمل ضخمة، فضلا عن قدراتها العسكرية والنووية ونموذجها الديمقراطي الموحي. وتتخذ الهند وضع الاستعداد للانطلاق إلى مصاف الدول العظمى. لكن هذا كله لا يمنعنا من القول بأن التصنيف الطبقي للمجتمع الهندي يقف حجر عثرة أمام إمكانيات التطور المستقبلي، هذا على الرغم مما حققه الآباء المؤسسون من بناء وحدة قائمة على التنوع، وهو الهدف الذي يجب أن تظل الهند محافظة عليه وساعية إليه على الدوام.
_____________________
أحمد سرور، كاتب وباحث هندي. ترجم النص من الإنجليزية إلى العربية عاطف معتمد عبد الحميد.







  رد مع اقتباس
قديم منذ /01-10-2011, 03:31 PM   #3

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المسلمون في الهند.. عقبة مانعة أم قوة دافعة

المحور الأول
الدولة والمجتمع

المبحث الثاني: المسلمون في الهند.. عقبة مانعة أم قوة دافعة
عاطف معتمد عبدالحميد

أما المبحث الثاني فتم تخصيصه للحديث عن الأقلية المسلمة في الهند. والهدف من إفراد هذه الأقلية بالذات بمبحث مستقل، رغمأنه قد تم المرور على ذكرها سريعا ضمن المكونات الدينية والعرقية واللغوية في المبحث السابق، هو الرغبة في منح هذه الأقلية ما تستحقه من حيز معرفي في وعي وإدراكالقارئ العربي لما تمثله من أهمية على مستوى العالم الإسلامي، فالمسلمون في الهند، كما ذكر معد هذا المبحث أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة الدكتور عاطف معتمد، هم ثالث أكبر وزن ديمغرافي إسلامي في العالم بعد إندونيسيا وباكستان، ومن هنا كان من المفيد معرفة ما إذا كان هؤلاء يمثلون بالنسبة للدولة الهندية قوة مضافة تعزز مسيرتها في رحلة الصعود إلى مصاف القوى العظمى أم عقبة تقف في الطريق وثقلا يؤخر النهوض.


صلاة العيد في نيودلهي

المسلمون في الهند.. عقبة مانعة أم قوة دافعة

حين تتقدم أية أمة في التاريخ لتنازع على احتلال مرتبة الدولة العظمى فإن هذا يعني أنها قد حسمت بالفعل أمرها حيال مجموعتين من العوامل. الأولى تجسدها عوامل القوة الخارجية من اقتصاد معافى، وقوة عسكرية قاهرة، ورسالة أيديولوجية قادرة على غسل القلوب والأدمغة وشحنها بحزمة من الآمال والتطلعات. ولا تصبح لهذه العوامل فاعلية إلا بعد أن تكون الدولة قد أمسكت بزمام المجموعة الثانية من العوامل والتي تمثلها مصادر القوة الداخلية، وفي مقدمتها رقعة جغرافية واسعة تضم تنوعا من الثروات والمواد الخام، وقوة ديموغرافية متجددة تتألف من جماعات بشرية طموحة ومتجانسة.

لمحة من التاريخ
حين تتدين القومية
لائحة الاتهام
العقبة المانعة
القوة الدافعة

ليست هناك أمة في العالم كاملة التجانس العرقي والديني واللغوي، فالأمم "النقية" وهم كبير في خريطة العالم السياسية، ولم تنشأ مثل هذه الأمم حتى بجهود مجرمي الحرب ممن اخترعوا المحارق والمقابر الجماعية والتطهيرالعرقي والإبادة. وفي كثير من الأمم ثمة جماعات بشرية يشار إليها دوما باسم "الأقليات". وتعاني هذه الأقليات، عبر قارات العالم الست، من تاريخ مضطرب، وحاضر قلق، ومستقبل غامض. وليست حالة الأقلية المسلمة في الهند استثناء.مصطلح الأقلية شائك للغاية، وهو مرفوض من لدن أية جماعة توصف به، والمسلمون في الهند قد يكونون أقلية من حيث العدد (14 % من إجمالي السكان) لكن التاريخ يشهد بأنهم قد وصلوا مبكرا إلى الهند من ناحية إقليم السند (باكستان اليوم) في أواخر القرن الأول الهجري (مطلع القرن الثامن الميلادي) أي تقريبا في ذات الوقت الذي بدأ فيه فتح الأندلس. كان الإسلام قد وصل قبل ذلك بطرق تجارية ودعوية منذ سنوات الإسلام الأولى عبر مدخل كيرلا في جنوب غرب الهند، التي كانت مقصدا للتجارة العربية قبل الإسلام والتي تحملا اسما محورا عن الأصل العربي (خير الله) في دلالة بالغة على تباين البيئة الصحراوية المعدمة والأرض الموسمية المليئة بالخيرات.

لمحة من التاريخ

"حكم المسلمون الهند ستة قرون وتشكلت صورة الهند عالميا عبر حكامها المسلمين من الغوريين والخلجيين وآل تغلق والمغول، الذين لم يتركوا الساحة للاحتلال البريطاني إلا في منتصف القرن التاسع عشر"

الهند مثلها مثل إسبانيا، تحتفظ بتراث إسلامي لغوي وسياسي وسياحي يمثل جزءا من هويتها الثقافية على المستوى العالمي. لم يأت المسلمون إلى الهند ليعيشوا على أطراف البلاد أو ليعبروا مع العابرين. ففي القرن العاشر الميلادي تمكن محمود غزنوي من الانطلاق من أفغانستان ليضم إقليم البنجاب لدولته الكبرى، وكانت فتوحاته المهيبة في غرب الهند تمهيدا لسيطرة الحكم الإسلامي في القرن الثاني عشر الميلادي. ستة قرون تلت ذلك التاريخ خضعت فيها الهند لحكم إسلامي في معظم فترات تلك الحقبة (من نهاية القرن الحادي عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر) وتشكلت صورة الهند عالميا عبر حكامها المسلمين من الغوريين والخلجيين وآل تغلق والمغول، الذين لم يتركوا الساحة للاحتلال البريطاني إلا في منتصف القرن التاسع عشر. خلال تلك القرون الطويلة سميت الهند في كتب الرحلات والأسفار بـ "قرص عسل النحل" المتشابك في حلقاته الثقافية ؛ موطن للتعدد الديني والعرقي واللغوي، ومثال حي للتنوع داخل الوحدة. كانت الهند دولة "عش ودع غيرك يعش" ووطنا رفع شعار "تقبل الآخر كي يتقبلك"، كما تم تصويرها كأرض أنتجت حكما وتجارب في التعايش، وفي مقدمتها تلك الحكمة القائلة "إذا كنت تعيش في سكينة وأمن فصل لربك كي ينعم جارك بما تنعم به".

في كتابه "اكتشاف الهند" يعكس جواهر لال نهرو موقف الهندي المعتدل من الحكام المسلمين حين يقول "في التاريخ الهندي أبطال سعوا إلى توحيد الهند وحمايتها، وفي مقدمتهم "أشوكا، كبير، جورو ناناك، الأمير خسرو، جلال الدين أكبر، وغاندي". جلال الدين أكبر مثله مثل غاندي لدى نهرو، فكلاهما بطل قومي أحدهما مسلم والآخر هندوسي. أما أورانكزيب، فقد رآه نهرو "حاكما متعصبا أدت سياساته إلى إدارة عقارب الساعة إلى الخلف". هناك عدة أماكن في الهند بوسعها اختزال تاريخ طويل من التطور الثقافي والسياسي الذي تركه الإسلام في الهند.

هل يمكنك فهم بانوراما الاستعمار البريطاني دون أن تمر على مومباي؟

هل بوسعك إدراك قوة السلطة المركزية لدى أمراء الهند دون التنقل بين قصور وقلاع راجستان وجايبور؟

وبالمثل، هل تفهم الهند سياسيا وثقافيا و"دمويا" إذا لم تزر معبد السيخ الذهبي في أمريتسار؟

وحتى إن فاتك كل ما مضى، هل يمكنك الولوج إلى قصة الإسلام في الهند دون أن تشرع من نقطة البداية في تاج محل؟

يقع تاج محل على نهر صغير ينساب وينعطف بهدوء ويعرف باسم يامونا، على ضفتي يامونا تخليد لذكرى شخصيتين بارزتين في تاريخ الهند، فالتاج يخلد حاكم الهند الأشهر شاهجهان وعلى الضفة المقابلة تترامى قلعة حمراء تضم سجنا صغيرا آل إليه مصير شاهجهان بعد أن انقلب عليه ابنه أورانكزيب وانتزع الحكم منه ثم أودعه السجن قبل أن يصفى إخوته المتنازعين معه على سلطنة دلهي. بين ضفتي نهر يامونا يتوزع حب الهندوس وكراهيتهم للحكام المسلمين، ضريح جلال الدين أكبر، وتاج شاهجهان يحظيان بتقدير الهندوس كرمزين للتسامح والتقارب بين المسلمين والهندوس، بينما لا يستحضر الهندوس اسم أورانكزيب -الذي يراه المؤرخون السلفيون ورعا تقيا نصر الدين وذب عنه الهرطقات الهندوسية- إلا مرفقا باللعن والهجاء.

التركة التاريخية التي تركها المسلمون في الهند تعرضت لمحنة بالغة حين بدأ تقسيم الهند في عام 1947. في ذلك العام شب صراع دموي على "الجغرافية المقدسة" للبلاد، وذلك بعد ان أفضى الاستقلال إلى تكوين دولة إسلامية في فضاء جغرافي يسميه القوميون في الهند بـ"التراب الهندوسي المقدس"، حيث قامت باكستان (الغربية آنذاك) في ذات الأرض التي جاءت منها واستقرت فيها قبائل الفيدا الهندوسية التي استعمرت السبتا سند (Saptasindhus) أو أرض الأنهار السبعة. لم يكن التقسيم طلاقا سعيدا بلا مناوشات على نحو ما شهدته سلوفاكيا وتشيكيا، بل كان انفصالا قائما على "تدنيس" المقدس الهندوسي. ومنذ ذلك العام تبلور خطاب تحريضي في المدارس الدينية الهندوسية والتجمعات القومية وعدد كبير من المؤسسات السياسية والإعلامية الهندية محذرا من المخاطر التي تهدد الأمن القومي الهندي بعد زرع تلك الخلية "السرطانية" التي تمثلها دولة إسلامية متطرفة اسمها "باكستان" والتي اقامها أحفاد المستعمرين من سلاطين الهند الذين لا يختلفون -بحسب هذا الخطاب- في سلبهم ونهبهم واستعبادهم عن لاحقيهم من البريطانيين.

بل إن هذه الدولة الاستعمارية المسماة باكستان -يمضي الطرح الهندوسي- لم تكتف باقتطاع جزء غالٍ من جسد الهند فحسب، بل وتسعى ليل نهار لتأليب المسلمين الذي بقوا في الهند، بعد التقسيم، ضد دولتهم؛ وتعمل على استغلالهم كطابور خامس لتفكيك وحدة الأراضي الهندية. هكذا تحولت الهند من فضاء شهد ميلاد ثقافة الأهيمسا (اللاعنف) إلى ساحة حرب طائفية بين الهندوس والمسلمين، وتمت المبالغة في الوزن الديموغرافي والجغرافي للمسلمين حتى بدوا وكأنهم يهددون ثاني أكبر دول العالم سكانا. ووجد المسلمون أنفسهم تحت رحمة التيارين السياسيين الرئيسيين في البلاد: العلماني والقومي.

حين تتدين القومية

"تتبنى القومية الهندوسية أيديولوجية "الهندوتفا" التي تعمل على أن تسود قيم الديانة الهندوسية على غيرها من الديانات،وتسترد مجدها القديم الذي "دنسه" المسلمون والمسيحيون والسيخ"

نقطة البدء في تتبع التحول الذي شهدته العلاقات الهندوسية الإسلامية يكمن في ظهور حركة عالمية اسمها القوميات المتدينة . لقد عرفت الهند قبل التقسيم الأنواع الناعمة من القومية، كالقومية المدنية التي لا تتعاطف مع التوجهات العرقية أو الدينية، والتي تنظر بمساواة إلى مختلف شرائح المواطنين في ظل حقوق المواطنة. لكن بعد الانفصال والتقسيم شقت القومية العضوية لنفسها طريقا ساعية إلى ربط مصير الدولة بالانتماء العضوي الهندوسي وزاوجت بين التعصب القومي والاستعلاء الديني. ظهرت القومية المتدينة في الهند، كغيرها من بقية دول العالم، نتيجة لعوامل متعددة أهمها مقاومة الاستعمار، وأزمة الهوية، والصراع مع الدولة العلمانية، ومقارنة أوضاع الأغلبية بالامتيازات التي قد تحصل عليها الأقليات، والغزو الفكري الخارجي، وطموحات مناطق الأطراف في صراعها مع المركز، والمشروعات الانفصالية ضد وحدة الدولة. جاءت حركة القومية المتدينة في خضم تكون عدد كبير من المنظمات ذات الصبغة الطائفية ( بما فيها الهندوسية والاسلامية والسيخية ) والتي يزيد عددها اليوم عن 500 منظمة، بعد أن كان عددها لا يتجاوز عشر منظمات في عام 1951 . وبينما كانت المناطق المصنفة كبؤر توتر طائفي لا تزيد عن 60 منطقة ارتفع هذا الرقم منذ مطلع الثمانينيات إلى 250 منطقة من أصل 350 منطقة في الهند. وجاء ذلك بشكل أساسي نتيجة استغلال الأحزاب السياسية لعواطف الأغلبية الهندوسية وتنافسها فيما بينها للمزايدة على المسلمات لكسب أصوات الناخبين.

نشأت القومية الهندوسية مبكرا في بداية القرن العشرين، كشكل من أشكال المقاومة الثقافية للتغريب والاستعمار البريطاني، وجاء أعضاء هذه القومية في تلك الفترة من البراهمة وهي الطبقة المسيطرة سياسيا وثقافيا، ولم تكن حركة القومية الهندوسية في تلك الفترة تطمح سوى إلى تحرير الهند من الاستعمار ولم تكن ذات توجهات معادية للمسلمين. تصنف القومية الهندوسية سكان الهند إلى ثلاث فئات: الأولى تضم الهندوس عرقا وثقافة ودينا وهم أبناء الهند الأصليون. والثانية تشمل المنشقين عن الديانة الهندوسية ويمثلهم السيخ والبوذيون. أما الثالثة فتجمع أبناء "المحتلين الغزاة" الذين تخلفوا حينما رحل المستعمرون أو سقطوا، ويمثلهم المسلمون والمسيحيون ومن اعتنق ديانتهم من الهندوس ، وهؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للأمة الهندوسية بوصفهم أذناب الاستعمار.

وتتبنى القومية الهندوسية أيديولوجية "الهندوتفا" ، التي يعود عمرها لنحو قرن من الزمان. يقصد بالهندوتفا مركبا متكاملا من القواسم الدينية والثقافية والانتماء لأرض واحدة وملامح اجتماعية متشابهة ومستقبل تسود فيه قيم الديانة الهندوسية على غيرها من الديانات، وتسترد مجدها القديم الذي "دنسه" المسلمون والمسيحيون والسيخ. أما الأهداف التي تسعى إليها الهندوتفا فتتمثل في غايتين: كسب الأتباع يوما بعد يوم، وبصفة خاصة على مستوى القرية والمجتمع الريفي البعيد عن "ملوثات" الفكر العلماني الناقد للتعصب القومي المتدين. والثاني استهداف الأقليات الدينية من المسلمين والمسيحيين وحملهم على هجرة البلاد وإرهاب من يفكر في اعتناق دينهم من الهندوس. الشعار الذي ترفعه الهندوتفا في وجه المسلمين هو "باكستان يا قبرستان" أي على المسلمين – الذين يقترب عددهم في الهند من 170 مليون نسمة- أن يرحلوا غير مأسوف عليهم إلى باكستان و إن بقوا فعليهم تحمل مسؤولية المصير الذي سيلقونه حين يحفرون قبورهم بأيديهم في الهند. هي إذن سياسة إقصاء وتطهير كاملة الملامح.

"الأقلية المسلمة لم تلعب منذ تقسيم الهند عام 1947 أي دور من أدوار جماعات الضغط والمصلحة، وليست لها تنظيمات حزبية أو سياسية فاعلة، فهي منشغلة بأزمة الهوية والمواطنة والدفاع عن نفسها ضد الاتهامات الهندوسية"

وفي مجتمع هندوسي يتخذ من القرود والأفيال والأبقار آلهة، ويُصنف الناس فيه إلى فئات عليا ووسطى وطبقات منبوذة بقدر إلاهي، يفتخر المسلمون بديانة التوحيد وعبادة "إله واحد لا شركاء له" جعلتهم جميعا سواسية كأسنان المشط. في المقابل تفتقر الديانة الهندوسية،التي يعود عمرها إلى5.000 سنة، إلى بناء سلطوي مركزي علي غرار بابوية الكنيسة أو لإله واحد تلتف حوله جماهير الهندوس. فهوية الهندوسية مشتتة ومتفرقة بين طوائف ومعتقدات مختلفة تمت شخصنتها حول عدد بعينه من الآلهة ومن القديسين ذوي المكانة في التاريخ الهندوسي القديم والحديث. ولكي تتمكن حركة القومية الهندوسية من لم شمل الطوائف والفئات المختلفة فقد سعت إلى توحيد منزلة الآلهة بعدما كان هناك ترتيب هرمي يجعل إلها أعلى منزلة من آخر. هكذا تم تمجيد الإله شيفا كبير آلهة الطوائف الشيفية ورفعت مكانته إلى مكانة الإله كريشنا أكثر الإلهة شهرة وأعلاها منزلة لدى طوائف الفيشنافاس.

وسعت القومية الهندوسية عن طريق ذلك إلى توسيع نفوذها بضم كافة أتباع الديانات الأخرى التي ولدت علي الأراضي الهندية كالجانية والسيخية والبوذية. كما تم تمجيد زعماء كل الديانات المنبثقة من الهندوسية مثل المها فيرا (بطل الديانة الجانية) وبوذا، وجورو جوبند سينغ، آخر زعيم للسيخ وقائدهم العسكري والذي تميز مثله في ذلك مثل الزعيم السيخي باندا بايراجي بقضاء حياته في صراع ضد الحكام المغول المسلمين. أما الطبقات المتدنية من الهريجان أو الطبقات المجدولة (المعروفة سابقا باسم المنبوذين) فقد لقيت الاعتراف من خلال تمجيد "فالميكي" الكاتب الأسطوري لملحمة الراميانا والذي تمت ترقيته مؤخرا إلى مصاف القديس الراعي للهريجان

استمر تلاعب السياسة بالدين حتى النهاية، ففي عام 1998 حين تمكنت الهند من اجراء خمس اختبارات نووية (تجارب بوخران 2) وصار مؤكدا ان هناك قنبلة "هندوسية" تمتلكها "هندوستان" في مقابل القنبلة "الإسلامية" التي تمتلكها "باكستان"، اقترحت منظمة المجلس الهندوسي العالمي VHP حمل بعض تراب بوخران كتربة مقدسة ووضعه في وعاء مقدس والسير به في حملة شعبية عبر أرجاء البلاد ليتبرك به الجميع. كما اقترحت نفس المنظمة بناء معبد للقنبلة في ذات المكان الذي تم فيه إجراء التجارب الخمس. كانت كلمة الختم الفاصلة اعتبار أرض الهند الإلهة الأم لكافة الطوائف، وقد أنجبت هذه الأم إلها حيا هو الأمة الهندوسية. كما تم اعتبار كل آلهة وأبطال الماضي والحاضر أبناء لهذه الأم الإلهة. بهذه الطريقة وجدت القومية الهندوسية في "الهند الأم" إلاها واحدا إزاء إله المسلمين الواحد. ومن البعد الميتافيزيقي إلى الممارسة على أرض الواقع ترجمت الهندوتفا مشروعها بتدمير المسجد البابري في 1992بدعوى إقامته على أنقاض معبد الإله رام.

استمدت الهندوتفا مبرراتها من مصادر "تراثية"، بعض منها عربي على غرار رحلة بن بطوطة التي تشير في غيرما مرة إلى المساجد التي كانت سابقا معابد. في مخطوطة الرحلة يقول بن بطوطة واصفا جامع دهلي الكبير: "...وعند الباب الشرقي من أبواب المسجد صنمان كبيران جدا من النحاس، مطروحان بالأرض قد ألصقا بحجارة (المسجد). ويطؤهما كل داخل الى المسجد أو خارج منه. وكان موضع هذا المسجد بدُخَانة، وهو بيت الأصنام. فلما افتتحت جعل مسجدا". لم يكن الأمر ليقف عند تدمير المساجد تحت دعوى أنها كانت معابد سابقة بل تحول منهج الهندوتفا إلى حملة دموية كان أبرزها ما وقع في السابع والعشرين من فبراير/شباط 2002 حين قام المتطرفون الهندوس باستهداف المسلمين في ولاية غوجرات فتمكنوا من قتل وحرق 2000 مسلم وطرد وتشريد 200.000 آخرين.

المشاهد التفصيلية لعملية المحرقة من تمثيل بالجثث وإرهاب للسكان بكافة الأسلحة البدائية والحديثة (من سيوف واسطوانات غاز ومحارق جماعية واغتصاب علني) لا تضاهيها أية أشكال أخرى، وتبدو أساليب التطهير التي قام بها صرب البلقان ضد المسلمين بالمقارنة معها متواضعة جدا. خلال شهر فبراير/شباط الأسود في غوجرات لم تنج المساجد والأضرحة من الإحراق والهدم، لقد كانت الكاسحات الضخمة تهدم المساجد وكأنها تنفذ أمرا حكوميا ضد مبان مخالفة للقانون، كثير من المساجد اقتحم ونصبت "الأصنام" الهندوسية في محاريبه، أو علقت عليها صور للآلهة الهندوسية في الداخل والخارج.

"لتحسين أوضاع الأقلية المسلمة لابد عليهم أولا أن ينتقلوا من خندق الدفاع عن أنفسهم والتعامل بمنطق الأقلية المضطهدة إلى تنظيم النفس حزبيا وسياسيا واقتصاديا وتعليميا"

وقد سجلت أحداث غوجرات منعطفا هاما لدور الشرطة في المجتمع الهندي، فقد بات معروفا أن جهاز الشرطة في الولاية شارك مع المتطرفين سواء بإطلاق النار على المسلمين أو بمنعهم من الخروج من القرى المحترقة أو بحبس بعضهم وضربه حتى الموت. كما تعمد المتطرفون الهندوس ممن شاركوا في المذبحة رفع شعار "يه أندار كي بات هاي ، بوليس هماري ساث هاي" ويعني " سنفشي لكم سرا ، الشرطة في صفوفنا " وهو ما كان تفاخرا متبجحا أظهر كيف تغلغل "التدين الدموي" بين صفوف الشرطة. وعلى محور آخر تمكنت تيستا سيتالفاد إحدى الناشطات في منظمة محلية للمرأة من زيارة مسجد بابان شاه في قرية سوامي ناريانا شاوال أثناء أعمال العنف في غوجرات وكتبت في تقريرها تقول "لم يتعرض القرآن لتمزيق صفحاته والدوس عليه فحسب، بل كان لدى البرابرة الوقت الكافي للتغوط عليه! ".

المنظمة الراعية لهذا النهج هي فيلق المتطوعين القوميين( راشتريا سويامسيفاك سانغ ) وتشتهر اختصارا بمنظمة أر.إس.إس RSS وقد تمخض عنها حزب سياسي هو حزب الشعب الهندوسي الذي يعد إبنا شب عن طوق أمه الراعية. وقد قدمت المنظمة والحزب الدعم لأجنحة عسكرية يمينية في كافة المناطق الإدارية، حيث يتم تدريب الشباب الهندوسي علي رياضة الجودو والكاراتيه والمهارات القتالية ومختلف أنواع الأسلحة المستخدمة في عمليات التطهير العرقي وذلك من أجل تحضيرهم للرد بفاعلية علي كل من "عملاء" المخابرات الباكستانية والمسيحيين وعملاء الغزو الثقافي، فعلى أيديهم ستتمكن البلاد من استعادة "المملكة الهندوسية. وأعلنت منظمة RSS عن وجود 30.000 فرع لها في كافة الأراضى الهندية.

وفي مجتمع هندوسي فقير لا يطلع على الصحف أو الإنترنت ويتابع بشكل متقطع التغطيات السياسية والإخبارية، لعب شريط الكاسيت الشعبي دورا بالغ الأهمية في شحن الجماهير الغفيرة بسبب ثمنه البخس وسهولة نقله من مكان لآخر وخاصة إلى الأماكن البعيدة التي لا يصلها البث الإذاعي أو التلفزيوني، فضلا عن عمره الطويل وسهولة تداوله بين الأيدي ومن بيت لآخر وإعادة تشغيله عشرات المرات. تحتوي أغلب شرائط الكاسيت التي وزعها حزب الشعب الهندوسي على مواد دعائية تبث الكراهية ضد المسلمين. ففى العديد من المدن التي وقعت فيها عمليات الهجوم على المسلمين كان الناس يسمعون صيحات مرعبة تنبعث من مكبرات الصوت من أسطح المنازل.

وكانت هذه الأصوات تصدر بشكل متكرر من شرائط كاسيت مسجل عليها مواد أغلبها يبدأ بصيحة "الله أكبر" بكيفية تمثل وكأن مسلما يستغيث من هجوم الهندوس ثم يتبع ذلك بنداء للإله رام يحث أتباعه "اقتلوهم اقتلوهم!" ويعقب ذلك مجموعة من أصوات نساء وأطفال الهندوس يستغيثون من هجوم المسلمين عليهم ويستنصرون الهندوس لنجدتهم. ويتم تكرار هذه الاصوات المرعبة مرات لا حصر لها في الأحياء التي تقطنها الأقلية الإسلامية قبل أن تتأجج ضدهم الهجمات الهندوسية.

وإلى ما سبق يضاف تورط منظمة "مجلس الهندوس العالمي "VHP" ومنظمة بجرانج دال في التوتر والاضطرابات التي تشهدها الولايات الحدودية وعديد من البلدان والقرى في ولاية غوجرات، وبدرجة ما في ولاية راجستان. وقد اشتكى المسيحيون والمسلمون في هذه المناطق من تعرضهم لاعتداءات جسدية وتمييز اجتماعي وثقافي. وتتضمن عمليات الاضهاد الديني التي تقوم بها تلك الجماعات الهندوسية اتهام الشباب المسلم بخطف فتيات هندوسيات وإجبارهن علي اعتناق الإسلام، كما تتضمن شن حملات علي مستوى الولاية ضد الزواج المختلط بين الطوائف وضد اعتناق الهندوس للإسلام، وشن حملات مماثلة لمقاطعة اقتصادية للمنتجات والخدمات الإسلامية وتوزيع ملصقات ناصعة اللون تحمل علامة OM ( والتي ترمز إلى آلهة الهند الكبرى براهاما وفيشنا وشيفا) علي سيارات الريكشا (سيارات النقل الشعبي الصغيرة الحجم) لتميز الهندوس عن المسلمين، كنوع من الحرب النفسية.

الحرب النفسية ليست الوسيلة الوحيدة، فهناك الحرب الاقتصادية وسلاح المقاطعة.



يقول منشور، وزعته حركات اليمين الهندوسي المتطرف فى مدينة أحمد أباد، إن الهندوسي المؤمن هو:
  • من لا يبيع مسلما شيئا ولا يشترى منه
  • من لا يوفر للمسلم فرصة عمل ولا يعمل معه فى مكان واحد
  • من لا يشارك مسلما فى مشروع تجاري ولا يسانده في إقامة أي عمل يتكسب منه
  • من لا يقيم فى فندق أو يستأجر منزلا أو متجرا من مسلم
  • من لا يبيت سيارته فى مرآب سيارات يمتلكه مسلم
  • من لا يشاهد فيلما يشارك فيه ممثل مسلم أو قامت بانتاجه شركة يمتلكها أو يشارك فيها مسلمون
  • من لا يذهب للدراسة فى أي مكان به مُعلم مسلم
  • من يقطع أية علاقة بين شاب وفتاة هندوسية ويحول دون زواجهما
لائحة الاتهام

"على مسلمي الهند الحفاظ على أكبرقدر من التواصل وتعميق التعاون مع حزب المؤتمر باعتباره الضمانة الرئيسية بوجه تشددوعنصرية الأحزاب اليمينية المنافسة"

ترى ما السر الكامن وراء هذا النهج الفاشي؟ تسوق الهندوتفا حزمة من الاتهامات و في مقدمتها:

1- أن مسلمي الهند لا يتطلعون إلى الهند كوطن لهم بل إلى باكستان، الدولة المتأصلة في العداء للهند،ذات الفكر السياسي المتحجر ، والتي تعاني من أزمة هوية، وتتشكل من مجتمع سكاني يحكمه متطرفون لا هم لهم سوى "محو الهند " من الوجود، والذين لا يتورعون عن التهديد بإشعال حرب جديدة (حتى لو كانت حربا نووية) من أجل السيطرة على جامو وكشمير، وذلك لإكمال مهمة التقسيم التي لم تنته منذ عام 1947.

2- يعتبر تحول قرية بأسرها هي قرية ميناكشيبورام ـ وعددها 1000 نسمة ـ في ولاية تاميل نادو من الهندوسية إلى الاسلام في 19 فبراير/شباط 1981 نموذجا على ما يقوم به المسلمون في الهند مستغلين الدولارات النفطية (التبشير الديني البترودلاري) لتحويل الطبقات الهندوسية الفقيرة عن دينها، وذلك من خلال علاقة مسلمي الهند بالدول العربية البترولية ذات النهج السلفي، وهي نفس الدول التي قدمت الدعم المالي لشراء التقنيات الأجنبية لبناء القنبلة النووية "الإسلامية" في باكستان.

3- أن التحيز الذي اتبعته الدول العربية السلفية في استقدام العمالة المسلمة (غير الهندوسية) قد أدى إلى تهديد السلم الاجتماعي في البلاد. فالانتعاشة التي شهدها المسلمون نسبيا في الثمانينات، بعدما جنوا ثمار عملهم في دول الخليج، بدت آثارها الاقتصادية في ولايات أوتار براديش ومهراشترا وأندرا براديش وكيرلا. حيث ازدهرت أحوال بعض المسلمين في هذه الولايات فبنيت المنازل والمدارس والمتاجر والمصانع وقد تم اعتبار ذلك من قبل الهندوتفا ثمنا في مقابل أنشطة غير قانونية يتحتم على مسلمي الهند القيام بها من قبيل دعم باكستان ونشر الإسلام في ربوع الهند وتمويل الحركات الأصولية والميليشيات الجهادية.

4- يتعاون المسلمون مع المخابرات الباكستانية لتنفيذ أعمال إرهابية على الأراضي الهندية سواء في المدن الكبرى أو من خلال التعاون مع التنظيمات الكشميرية المسلحة التي تقدرها السلطات الهندية بالعشرات، وفي مقدمتها حركة المجاهدين، وجبهة تحرير كشمير، وحركة الأنصار، وعسكر طيبة، وجيش محمد، والأخيرتان مدرجتان على لائحة الإرهاب الأميركية. وإذا كانت باكستان قد صنعت سبع قنابل نووية، فإن هناك قنبلة ثامنة قوامها، على الأقل، عشرة ملايين من المسلمين المواليين لباكستان في الهند على استعداد لإشعال التمرد في صالح باكستان.

5- أن المسلمين طائفة منشقة تستحق نفس السحق الذي لقيته حركة الانشقاق السيخية في عام 1984. ولتأكيد ذلك يمكن استحضار موقف وزير الدفاع الهندي جورج فيرناندز –في معرض دفاعه عن حكومته اليمينية التي سكتت عن مذابح غوجرات 2002- أمام انتقاد حزب المؤتمر بقوله " لماذا ينتقدنا حزب المؤتمر على موقفنا من تلك الأحداث، وكأن هذه هي المرة الأولى التي تقتل فيها أم، أو ينتزع جنين من بطن أمه، أو تغتصب إبنة أمام أبيها، أو يقتل أحدهم حرقا..ألم يتعرض السيخ لكل ذلك في دلهي على يد الهندوس تحت حكم حزب المؤتمر في عام 1984؟.

6- أن المسلمين في الهند تمتعوا بسياسة "استرضائية" من قبل حزب المؤتمر الذي كان يغازلهم وينافقهم طمعا في أصواتهم. وقد أدى ذلك إلى أنه في الوقت الذي كان فيه المسلمون يتمردون ويضربون الهندوس ويدمرون معابدهم كانت حكومة حزب المؤتمر تسترضيهم وتستميل الخونة منهم. وحافظت الحكومات العلمانية على ممارسة المسلمين لقوانين الأحوال الشخصية دون الالتزام بقانون البلاد العلماني كما منحتهم بعض الامتيازات في كشمير، وقدمت لهم منحا مالية لتسيير رحلات الحج وصيانة الأوقاف الإسلامية.

7- حين تجد نفسك أمام أطلال في الهند، وحين تصل إلى آثار هندوسية مهدمة فتلك بصمات الإسلام، أما حين تجد نفسك أمام الإبداع فأنت،لامحالة، أمام الهندوسية ؛ الهندوس شعب مبدع ، حنون، ثاقب الرؤية، متسامح دينيا، بينما المسلمون شياطين ذوو نزعة تدميرية موروثة. وإذا لم يندمج المسلمون في المجتمع الهندوسي وظلوا "كالسكر في اللبن" رافضين الذوبان فان عليهم أن يواجهوا مصير حبة من الليمون قطعت ثم عصرت فجفت ثم ألقي بها فوق كومة من القمامة. ومهما أبدى المسلمون من سلوك مسالم ظاهريا فإن هذا لا يخفي حقيقة أنهم " ياوان ساناب " أي "ثعابين وافدة من خارج البلاد".

8- إذا كان المسلمون يرفضون التهم السابقة ويرغبون حقا في أن يصبحوا جزءا من الأمة الهندية فيجب عليهم الكف عن الإصرار على تمييز أنفسهم، والإذعان لتحقيق الشروط الأساسية لإكمال عملية الاندماج وهي:
  • القبول اللامشروط بالهندوسية مركزا للحضارة الهندية.
  • إغلاق المدارس الدينية التي تعمل بشكل مواز للتعليم الهندي و"ترضع" أبناء المسلمين الافكار الانعزالية وتمثل "مفارخ للإرهابيين".
  • تبجيل واحترام الرموز الهندوسية الأساسية وفي مقدمتهم الإله "رام" وتبجيلهم كأبطال لحضارة البلد الذي يعيشون فيه، وليس مجرد النظر إليهم كشخصيات دينية هندوسية.
  • الإقرار بأن حكام المسلمين (الغزاة) قاموا خلال الفترة من 1000إلى 1875 بتدمير أعمدة الحضارة الهندية وخاصة المعابد الهندوسية في مختلف أرجاء البلاد.
  • سحب كافة الادعاءات حول الأحقية في خصوصيات دينية مثل الخضوع لقوانين إسلامية خاصة بمجال الأحوال الشخصية أو مطالبة الدولة بمنح مالية لدعم مؤسساتهم التعليمية فضلا عن حظر ذبح الأبقار.
العقبة المانعة

"اتهامات اليمين الهندوسي تصور المسلمين باعتبارهم عقبة مانعة في وجه تقدم الهند إلى مصاف الدول الكبرى، لكن المراجعة النقدية تظهر أن هذه الاتهامات صُكت بشكل غوغائي في مجتمع فقير، أمي، تتلاعب بعقله وقلبه الشعارات الدينية المتطرفة"

الاتهامات السابقة تصور المسلمين باعتبارهم عقبة مانعة في وجه تقدم الهند إلى مصاف الدول الكبرى، لكن البحث والمراجعة النقدية تظهر أن هذه الاتهامات صُكت بشكل غوغائي في مجتمع فقير، أمي ليس هناك من شعار يمكنه أن يلعب بعقله وقلبه أكثر من الدين. وقد فند عدد من الباحثين مسلمين وهنودا أبرز هذه الاتهامات خاصة في ظل تناقض تلك التهم مع واقع حال المسلمين الاقتصادي والتعليمي المتخلف، الأمر الذي يجعلهم يصنفون في فئة المهمشين "الداليت" ويعيشون أوضاعا أسوأ من تلك التي كانوا عليها قبل الاستقلال. فبعد أن كان نهرو يضمن نوعا ما من التمييز الإيجابي لصالح المسلمين في الهند -الذين رفضوا الهجرة إلى باكستان برغبتهم وفضلوا البقاء في وطنهم الهند- مارست الحكومات المتعاقبة في العقود الثلاثة الأخيرة سياسة الحفاظ على قدر من التمييز الايجابي لكن لصالح المهمشين من الهندوس وغيرهم من الطبقات المتأخرة بمن فيهم سكان القبائل وذلك لتحقيق أغراض سياسية بغاية ضمان بقائهما تحت جناح الهندوسية وللمتاجرة بالشعور بالذنب تجاه هذه الفئات التي عاشت مهمشة لآلاف السنين تحت مبرررات القدر الإلهي الذي خلقهم من نسل متدن.

كما تراجعت كل المزايا التي كانت لفقراء المسلمين مقارنة بما يحصل عليه فقراء الهندوس من عائدات الضرائب التي يكفلها لهم قانون توزيع الضرائب بتخصيصه بلايين الروبيات سنويا للهندوس دون غيرهم من القوميات. أما القول بان المسلمين يستفيدون من قوانين الأحوال الشخصية فهم في ذلك سواء مع الأقليات والتجمعات القبلية الأخرى وعلى نحو ما تمتع به الهندوس من مثل هذه القوانين في عهد الهند البريطانية. أما بالنسبة لكشمير فقد أعطيت لها هذه الوضعية الخاصة لا تمييزا لمسلميها عن بقية الشعب الهندي بل من أجل أن تضمن دلهي بقاءها تابعة ،ولا تختار الانضمام إلى باكستان المجاورة. بل إن هذه الوضعية الخاصة قد سلب أغلبها وأصبحت عرضة للتدخل من قبل الهند بدرجة تفوق ما هو واقع في باقي الولايات خاصة مع التدخلات الأمنية الكثيفة التي تمارسها القوات الهندية في الشطر الخاضع لها من جامو وكشمير. أما قضية الإعانات المالية للحج فقد أقرت في عام 1974 حينما تعرضت رحلات الحج بالسفن إلى التوقف في أعقاب أزمة النفط. وقد أخذت الحكومة على عاتقها دفع فرق ثمن السفر جوا في تلك الفترة. هذا الامتياز تعرض بدوره، في السنوات الأخيرة، للتراجع حين هددت الحكومة المسلمين أكثر من مرة بأن هذه الإعانة عرضة للإلغاء. وهذه لم تكن بقضية رفعها أو طالب بها المسلمون وإنماكانت مبادرة حكومية.

ويعترف أحدث تقرير حكومي عن واقع المسلمين في الهند قُدم الى مجلس الوزراء في 2007 إلى أنهم الأقل تعلما والأكثر فقرا والأكثر بطالة مقارنة ببقية الهندوس. بل أن حالة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية أدنى من الطبقات الهندوسية الفقيرة في الهند بشكل عام. وحذر هذا التقرير من أن الأوضاع المأساوية لمسلمي الهند تهدد الأمن القومي نظرا لوجود أغلب هؤلاء المهمشين في أوساط المسلمين إما في مناطق حدودية (مع باكستان وبنجلاديش) أو على البوابات الساحلية للبلاد. وتكشف الزيارات الميدانية التي يمكن أن يقوم بها أي باحث لمناطق انتشار المسملين في الهند عن كونهم لا يختلفون من حيث الملامح الأنثروبولوجية عن بقية الهنود، إذ لا يمكنك التفرقة بين المسلم والهندوسي في شوارع بومباي أو دلهي أو غيرهما إلا حين يؤذن للصلاة فيهب عدد من الناس إلى المسجد. كما لا يتمتع المسلمون بأية ميزة اقتصادية تجعلهم محط حسد وغيرة من الأغلبية الفقيرة على عكس ما تروج له الدعاية الهندوسية المتطرفة، فالمسلمون مشتركون مع الهندوس في حالة الفقر وتدنى مستوى الدخل بشكل عام، وهم بالتأكيد أقل حظا من الهندوس في التعليم، ويترتب على ذلك أن فرصهم في العمل أقل وهو ما يفسره بعض المسلمين بأنه اضطهاد وتمييز.

ويجب ألا يفهم من كون بعض كبار نجوم بولييود (السينما الهندية)هم من المسلمين، أومن كون بعض كبار رجال الاقتصاد والصناعة أيضا من المسلمين بان هناك ارتفاعًا في مستواهم المعيشي، إذ أن حظهم في ذلك كحظ نجوم الفن والمال والصناعة من أبناء الطبقات الأخرى كالسيخ والهندوس وغيرهم. صحيح أن عدد المسلمين في الهند يتراوح بين 160 -170 مليون وهو رقم يجعلهم يمثلون من حيث الأعداد المطلقة حجما يعادل تقريبا نصف إجمالي سكان العالم العربي، ويجعل منهم ثالث أكبر كتلة ديموغرافية إسلامية في العالم (بعد إندونيسيا التي تبلغ 240 مليون نسمة وباكستان التي تبلغ 176 مليون نسمة)، إلا انهم مع ذلك لا يمثلون أكثر من 14% من إجمالي سكان الهند البالغ عددهم 1.17 مليار نسمة وهي نسبة لا تخولهم تجاوز وضعية الأقلية العددية خاصة إذا عرفنا أن هذه الأقلية لم تلعب منذ التقسيم أي دور من أدوار جماعات الضغط والمصلحة، وليست لها تنظيمات حزبية أو سياسية فاعلة، فهي منشغلة في المقام الأول بأزمة الهوية والمواطنة والدفاع عن نفسها ضد الاتهامات السابقة.

ولعل انشغالها بتفنيد الاتهامات يشغلها عن لعب دورها الحقيقي، وهو ما يجعل البعض يذهب إلى اعتبار التهم الموجهة لها هي من باب الهجوم الساعي إلى الحصار والتطويق حتى لا تتاح لهم فرصة التحرك كمجموعة سكانية فاعلة. ومن زاوية أخرى لا يتركز المسلمون في ولايات بعينها فيمثلون مصادر خطر انفصالية على نحو ما نجده في حالة تايلاند أو الفلبين أو روسيا أو أوكرانيا على سبيل المثال، بل هم منتشرون في كافة أرجاء الولايات الهندية. وهم لا يشكلون الأغلبية سوى في ولاية جامو وكشمير وجزر لاكشدويب. وتتباين نسبتهم المئوية بين 1-2 % في ولايات مثل ناجالاند وأرونشتال براديش، و20-22 % في ولايات مثل غوجرات وكيرلا، بينما يشكلون في المتوسط نحو 10% في أغلب ولايات الهند. ومن ثم فإن المسلمين -على خلاف السيخ المستحوذين على أغلبية ولاية البنجاب- لا يمكن أن يتسببوا في بلقنة الهند أو تفكيكها على أسس دينية على نحو ما تزعم الحركة الهندوسية المتطرفة.

ويضاف إلى ما سبق أنه ليست لدى المسلمين مطامع سياسية في حكم الهند أو في التنظيمات السياسية داخل المعترك الحزبي المعاصر، بل هم أقرب إلى الانضواء في حزب المؤتمر صاحب منهج القومية العلمانية كبديل لا مفر منه في ظل تهديدات الأحزاب اليمينية الشوفينية وغيرها من الأحزاب المتأرجحة بين اليمين واليسار. ومن التضليلات التي تذهب إليها الاتهامات السابقة تصوير مسلمي الهند كنسيج سلفي متجانس يسعى إلى نشر الفكر الطالباني في الهند وما حولها، بينما حقيقة الأمر أن مسلمي الهند موزعون على كافة الأطياف الفكرية التي يعرفها العالم الإسلامي، حيث نجد السلفية الأصولية، والفرق الشيعية باطيافها المختلفة، فضلا عن الفرق الصوفية وما يندرج فيها من أطياف الإسلام الشعبي المتأثر بـ"رواسب المعتقدات السالفة"، فضلا عن عدد من الفرق المارقة مثل البهائية والأحمدية والقاديانية والقرآنية.

القوة الدافعة

هل تتبقى مساحة من التأمل للتحول إلى الوجه الآخر للعملة ؟
هل يمكن للهند أن تستفيد من المسلمين كقوة دافعة على طريق سعيها إلى مصاف الدول العظمى؟

يبدو أن الرد على هذا السؤال سيكون بالإيجاب شريطة تحقق العناصر التالية:

1- أن ينتقل مسلمو الهند من خندق الدفاع عن أنفسهم والتعامل بمنطق الأقلية المضطهدة إلى تنظيم النفس حزبيا وسياسيا واقتصاديا وتعليميا. ولعل قضية التعليم هي التحدي الأول لمسلمي الهند في بلد مشهود لأبنائه بإقبال كبير على التعليم الفني والتقني والهندسي. ولعل أفضل الأمثلة على ذلك الخطاب الذي دافع به رئيس الوزراء الهندي الأسبق إيتار بيهاري فاجباي في معرض رفضه لأن توصف القنبلة النووية الهندية بأنها قنبلة هندوسية حين قال في 31 مايو/أيار 1998 "إن مثل هذه الشائعات تهدف إلى إحداث شرخ وانقسام في البلاد، لقد شارك في اختراع القنبلة علماء وفنيون ينتمون إلى مختلف الطوائف الدينية، كما أن كبير علماء الذرة في الهند ، الدكتور أبو بكر عبد الكلام آزاد، رجل مسلم".

2- على مسلمي الهند الحفاظ على أكبر قدر من التواصل وتعميق التعاون مع حزب المؤتمر باعتباره الضمانة الرئيسية بوجه تشدد وعنصرية الأحزاب اليمينية المنافسة. وذلك بالمنافسة على الوصول إلى مناصب قيادية في حزب المؤتمر تمكن من وصول رئيس وزراء مسلم على نحو ما هو حاصل الآن مع مانموهان سينغ السيخي الأصل في رئاسته لوزراء الهند.

3- أن تقوم المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومراقبة أشكال التطهير العرقي وجرائم الحرب، بواجبها في متابعة ما يجري في الهند ؛ وألا توقفها العلاقات الحسنة بين الهند والولايات المتحدة وأغلب الدول الاوربية وإسرائيل عن ممارسة دورها الحيادي.

4- أن تُراجع باكستان مواقفها وتراقب الحركات التي تعمل باسمها والتي تنقل ميدان الصراع مع الهند من خط الحدود الكشميري إلى العمق الهندي وهو ما يتسبب في وقوع خسائر فادحة للمسلمين في الداخل. ومع هذا لا يمكن استبعاد ألاعيب السياسية القذرة التي قد تشهد وقوع أعمال إرهابية من خلال طرف ثالث لحسابات سياسية انتهازية.

5- أن تتحمل الدول العربية والمنظمات الإسلامية الدولية مسؤولياتها الأدبية والمادية وتمد جسور تواصل متينة مع مسلمي الهند. ومن المؤسف أن مسلمي الهند الذين لم يتأخروا يوما عن الخروج متعاطفين ومتظاهرين في كل حدث يشهده العالم العربي سواء في فلسطين أو العراق أو غيرهما، لايجدون أحدا في المشرق العربي أو مغربه يتظاهر أو يتابع قضايا المسلمين في الهند على المستوى الدبلوماسي او الإعلامي أو الديني. وبينما يشدو المسلمون في الهند بأشعار محمد إقبال عن فلسطين والمسجد الأقصى لا نعرف شاعرا عربيا كتب قصيدة عن محرقة غوجرات أو هدم المسجد البابري. وفي الوقت الذي تتوجه فيه أموال طائلة من العالم العربي للمساعدات الإنسانية والشراكة الاقتصادية إلى كافة قارات العالم تبدو الهند بعيدة للغاية عن هذه الخريطة. وحين ترفض الهند اليوم دخول أية مساعدات مالية أو هيئات إغاثية -حتى لا يستخدم المال العربي النفطي في "دعم الإرهاب"- لا يتم التنسيق حول أية جهود بديلة لطمأنة الجانب الهندي وتوفير دعم لمسلمي الهند في ذات الوقت. وقد تكون نقطة البدء في دعم العلاقة بين مسملي الهند والعرب هو تصحيح العلاقة التي تشوبها بعض الآلام (كالاستعلاء والازدراء والاستغلال ) التي يمارسها بعض أثرياء وكفلاء دول الخليج والشام تجاه العمالة الهندية الوافدة.

6- أن تخرج المراكز الإعلامية الكبرى ذات الرسالة الواعية من مأزق الإنكفاء على متابعة القضايا المركزية التي شغلت الإنسان العربي وأغرقته في دوامة لا تنتهي، عسى أن يفتح ذلك أفقا أكثر رحابة نتعلم منه ونفيد، ونمد عينًا ونبسط يدًا للتواصل والبناء مع أكبر جالية إسلامية في العالم وثالث أكبر تجمع إسلامي على سطح الأرض.
______________

عاطف معتمد عبد الحميد، أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة القاهرة.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /02-10-2011, 05:33 PM   #4

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الأول: اقتصاد الهند.. الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد

المحور الثاني
مسيرة التنمية الاقتصادية

ولم يكن للهند أن تصعد لتصبح قوى إقليمية كبيرةوفاعلة ومرشحة لأن تكون إحدى القوى العظمى في العالم لو لم يكن اقتصادها قويا وفيطريقه لأن يكون أقوى خلال المستقبل المنظور. والاقتصاد الهندي هو بالفعل كذلك،فترتيبه ضمن أكبر اقتصاديات العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي الخامس بعدالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ومن حيث معدل النمو السنوي يحتل المركز الثاني بعد الصين. فكيف تحقق ذلك؟ وما دلالاته وتأثيراته إقليميا ودوليا؟ ذلك هو التساؤل الجوهري الذي حاول هذا المحور الإجابة عنه من خلال مبحثين:

المبحث الأول: اقتصاد الهند.. الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد

حاول معدا هذه الدراسة معرفة الدور الذي يمكنأن يلعبه الاقتصاد الهندي في عالم جديد يتجه نحو التعددية القطبية، وكيف يمكن لبقيةالقوى الكبرى في العالم وبخاصة أميركا وأوروبا أن تعيد بناء تحالفاتها الإستراتيجيةوفقا لهذا الدور. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف استعرضت الدراسة مكامن القوة وعواملالضعف في بنية الاقتصاد الهندي، وأشارت فيما أشارت إليه إلى العقبات الداخلية والتحديات الخارجية التي تعترض المسيرة التنموية في الهند، وما إذا كان بالإمكانالتغلب عليها. كما قدمت مقارنة بين نموذجين أسيويين في التنمية هما النموذج الهنديوالنموذج الصيني. الدراسة أعدها اثنان جمعا بين خبرة العمل السياسي والدبلوماسيداخليا في بلديهما وخارجيا لدى عدة منظمات إقليمية ودولية وبين الخبرة البحثيةوالأكاديمية والتخصص الدقيق في دراسات القوى الصاعدة، الباحثان هما الليتوانيبيتراس أوستريفيشيوس والأميركي جون بوزمان، وتجدر الإشارة إلى أن نشر هذه الدراسةتحديدا يتم بترتيب خاص بين مركز الجزيرة للدراسات وحلف الناتو.


العمالة الهندية المدربة رفعت من مكانة الهند الاقتصاديةعالميا (رويترز-أرشيف)

اقتصاد الهند.. الدور والمستقبل في نظام عالمي جديد
بيتراس أوستريفيشيوس وجون بوزمان

تمهيد:

لأول مرة على مدار قرن مضى، تسهم الاقتصاديات الناشثة بأكئر من نصف إجمالى الناتج العالمي الخام، قياسا بمؤشر القدرة الشرائية. وستؤدى تغيرات من هذا النوع إلى تحولات فى الأمن الاقتصادى الدولي. الأمر الذي يدعونا إلى مراجعة تأثير ذلك على القوة النسبية لاقتصاديات أخرى استقرت لها مفاتيح الهيمنة والسيطرة على العالم مثل أميركا الشمالية وأوربا، تلك القوة التى تتعرض للتراجع أمام هذه الاقتصاديات الناشئة، وما سيخلفه ذلك من آثار بليغة على الطريقة التى يتشكل بها النظام الدولي، وإمكانات استمراره أميركيًا وأوربيًا.

رحلة الاقتصاد الهندي
اتجاهات الاقتصاد الكلي
العلاقة بين الحكومة والسوق
الهند ونموذج التنمية البديل
اقتصاديات الطاقة
الأبعاد الجيوسياسية



تقدم الهند بشكل مطرد إشارات تدل على أنها قد تلعب فى القريب العاجل نفس الدور الذي تلعبه الصين حاليا. وليس من المستغرب تاريخيا أن تتقدم هاتان الحضارتان نحو ريادة الاقتصاد العالمى. وقد أشار بعض المؤرخين الاقتصاديين إلى أنه على مدار 18 قرنا التي سبقت الاستعمار البريطاني للهند، كانت الهند والصين تسهمان معا بنحو 80% من إجمالى الناتج العالمي الخام . وبحلول عام 1950 تناقصت هذه الحصة بشكل متوال، لكنها عادت لتشهد صعودا من جديد خلال الخمس عشرة سنة الماضية. وبحسب إحصاءات عام 2007 ينمو الاقتصاد الصينى بمعدل 11.4% والاقتصاد الهندي بمعدل 9.4%. وإذا ما استمر الاتجاه الحالي لاقتصاد هذين العملاقين بهذا المعدل المتسارع، وفى غيرهما من الاقتصاديات الناشئة، فإن العالم الثالث سيسهم بنحو ثلثى إجمالي الناتج العالمي خلال العقدين المقبلين. والسؤال الذي يطرح نفسه على راسمي الاستراتجيات وخبراء الجيو-إستراتيجية هو: هل تحضر هذه الدول نفسها للسيطرة على اقتصاد العالم؟ هذا هو السؤال المهم الذي يطرح نفسه اليوم بقوة.

ولعل في هذا التحول النسبى فى القوى الاقتصادية إشارة إلى أن دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية ستجد نفسها فى نظام عالمى يستدعي منها أن تولى عناية أكبر لهذه القوى الصاعدة. فدول مثل الهند والصين والبرازيل لاتنمو بمعدلات أسرع من الدول النامية فحسب، بل إنها تمضي فى هذا النمو من خلال تعميق تكاملها فى أسواق العالم التجارية والمالية. وقد ارتفع الوزن النسبى لهذه الدول فى النظام الاقتصادى، وكان ذلك واضحا فى مؤتمر الدوحة للتنمية الذى عقدتة منظمة التجارة العالمية فى عام 2001.

رحلة الاقتصاد الهندي

على مدار معظم القرن الماضى، اتسم الاقتصاد الهندى بمعدل نمو بطيء للغاية لم يتجاوز 0.8 % سنويا، ويعزى هذا المعدل بشكل مباشر إلى نمو السكان وعدم القدرة على استغلال طاقاتهم الإنتاجية بالشكل الأمثل. وعلى مدار عقود متوالية لم تحقق الهند إنجازات فى تحسين معدل الدخل الفردى. لقد فتح الاستقلال (1947) أبواب أمل جديدة وواعدة نحو المستقبل، وطرح المهاتما غاندي نموذجًا تنمويًا بديلا للهند حين كان يحلم بمغزل في كل بيت هندى. قامت فكرة غاندى على أن الهند يجب أن تنمى قدراتها الصناعية بطريقة تضمن استغلال قوتها العمالية الضخمة لا أن تتجه إلى تصنيع عالي التقنية يؤدي إلى الاستغناء عن الأيدي العاملة (وهى فكرة شبيهة بنموذج هيكشر -أوهلين عن التخصص فى العمل تبعا للوفرة النسبية في عوامل الإنتاج).وقد زاوج غاندى هذه الفكرة مع رؤية خاصة بالقيم الروحية والتقليدية "الهندوستانية".

وبدوره أرسى جواهر لال نهرو وحلفاؤه السياسيون ديموقراطية قائمة على القيم الاشتراكية الفابية(نسبة إلى فابيوس كونكتاتورد).وبغية التوافق مع النموذج التنموي السائد فى عصره، ذهب نهرو إلى أن الدولة يجب أن تكون الفاعل الأساسي في الحياة الاقتصادية. وردد نهرو مقولة "إن الهند قد دفنت على مدى أكثر من قرن تحت سيطرة بريطانية مباشرة وآن الأوان كي تخرج إلى الحياة وتحقق لنفسها مكانا ومكانة"، فأثار هذا القول الشعور الوطني للهنود مما ساعد نهرو في إستراتيجيته الساعية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتى. وكانت الفكرة الأساسية في عملية التنمية الهندية آنذاك هي مركزية الدولة والاقتصاد الموجه والسعي إلى الاكتفاء الذاتي ووضع قيود حمائية، ولتحقيق ذلك فرضت الدولة ضوابط هائلة على الاقتصاديات الصغيرة والوضعيات المالية. وهو ما ضمن تكوين بيروقراطية ذات تدريب جيد مكنت النظام الحاكم من إدارة العمليات الصناعية والتحديثية والتنموية.

"أثبت الزمن أن الاعتقاد بأن نخبة صغيرة من التكنوقراط بوسعها تطوير دولة ضخمة مثل الهند، متنوعة، ومتأخرة، وذلك من خلال إعادةتوزيع الموارد من المركز إلى الأطراف، أمر خاطئ"

وقد طورت الهند نظاما متميزا من التعليم الجامعي، تمكن من تخريج العديد من العلماء والاقتصاديين على درجة عالية من التأهيل. لكن فى المقابل، لم تحقق الهند تقدما مماثلا في الإدارة الاقتصادية، وإن كان مشروع بناء الدولة قد شحن الأمة بالشعور بأن للهند رسالة، وهو ما نجح في بث العافية في جسد تلك الدولة الوليدة الواهنة.وقد أسهم نهرو بنفسه في فكرة التخطيط، ورأى فى نموذج الخطة الخمسية السوفيتية وسيلة لتعزيز تنمية بلاده. وفيما بعد تم إرساء نظام محكم تحت إشراف الدولة يراقب الاستثمار، والانتاج، وطاقة المصانع، وأسعار المخرجات، وحجم رأس المال، ويحدد القطاعات الصناعية التي يجب الاحتفاظ بها للمنتجيين الصغار. وفى الوقت الذى رحبت فيه النخبة السياسية الهندية بالقطاع الصناعي الخاص، أخضعت هذا القطاع لإطار دقيق من الضبط والتنظيم. ووفق طريقة التنظيم هذه، خضع هذا القطاع للصناعات الحكومية الكبرى التى وجد فيها نهرو العوامل الحيوية للتنمية الوطنية. كما تبنت الحكومات الهندية النظرية التنموية التي اشتهرت آنذاك باسم "الصناعة الخام" والتى تفترض أن التصنيع والتحديث وبلوغ التنمية الاقتصادية والاجتماعية سيتحقق فقط من خلال الحمائية التجارية. فالحواجز التجارية ستهيئ من الناحية النظرية، لمؤسسات التصنيع المحلية،مجالا للازدهار والاستعداد للانطلاق.

ويعترف الاقتصاديون الهنود اليوم بأن نظام نهرو أصبح مرهقا للغاية بمرور الوقت، خاصة حين تم تعزيز الحواجز التجارية في الوقت الذي كان يجب فيه التخلص منها. وقد أثبت الزمن أن الاعتقاد بأن نخبة صغيرة من التكنوقراط بوسعها تطوير دولة ضخمة متنوعة، ومتأخرة، وذلك من خلال إعادة توزيع الموارد من المركز إلى الأطراف، أمر خاطئ . لقد فشل هذا الاعتقاد فى إدراك أنه ليس بوسع سلطه مركزية امتلاك المعلومات الضرورية لتدبير وإدارة اقتصاد دولة بهذه الشساعة، خاصة حينما يؤدى هذا النوع من التدخل الحكومى إلى خلل فى آليات السوق والأسعار النسبية. وكانت خلاصة التجربة نشوء نظام معقد قام في النهاية على ثلاثية "السماح -والترخيص- وتوزيع الحصص". وربما كان لحواجز التعريفات الجمركية تأثير ضار على الاقتصاد الهندى بقدر فاق الضرر الذي سببته الإجراءات التنظيمية الداخلية. وعلى الرغم من أن سياسة الحمائية الهندية قد منحت الصناعات المحلية ضمانات فتح الأسواق، إلا أنها لم تقدم شيئا يضمن فاعلية هذه المؤسسات الصناعية، وذلك لأن السوق الهندى مجزأ بطريقة مفتعلة وخاضع لسيطرة شديدة.

وبافتقادها المنافسة المحلية والدولية اشتهرت المؤسسات الصناعية الهندية بعدم الفاعلية. ومن ثم انتقص هذا النظام من المكاسب الفاعلة التى كانت المنافسة والتجارة كفيلتان بضمانها. زد على هذا أن الدولة فاتها أن تحجز لنفسها موقعًا فى الثورة العارمة التى شهدها العالم فى فترة مابعد الحرب العالمية الثانية في ميدان التجارة الدولية التى وفرت ثروات هائلة لعدد من الدول. هكذا أصبحت القاعدة الصناعية الهندية أكثر تضخما، واكتفت بغض الطرف والرضي عن النفس. لقد تحددت الأسعار بناء على الاحتكار الحكومى، وبناء على سياسات احتكار الصناعات الصغيرة.

وقد أدى ذلك الاحتكار إلى تصادم المحفزات القليلة التي كانت تحاول الاستجابة لفرص السوق. وفى نفس الوقت أدى التدبير الحكومي للقطاع الخاص إلى فرض إجراءات صارمة على مستوى ضبط الأسعار والإنتاج والاستثمار بشكل لم يكن له نظير فى العالم الثالث. وقد قوض ذلك من إنتاجية القطاع الخاص وقلل من قدرته على الاستجابة لفرص السوق. فعلى سبيل المثال كان لزاما على أية شركة تتجاوز قدرتها المالية 20 مليون دولار أن تعرض كل قرراتها الاستثمارية الكبرى على الدولة قبل التصديق عليها، علما بأن مستوى دينامية الجهاز الحكومي كان بطيئا للغاية. وعلى مدى ثمانينيات القرن العشرين تزايد الاقتراض الهندى وأوشكت المؤسسات المملوكة للدولة على الإفلاس وافتقدت إلى رأس المال ومحفزات الاستثمار والابتكار. وفى حقيقة الأمر كان من الأسهل لهذه المؤسسات أن تعيش على الإعانات الحكومية، تلك الإعانات التى ضمنت أن يصبح النظام الاقتصادى فى كنف السلطة السياسية .

وبعد 40 سنة من الاستقلال نما القطاع العام في الهند بقوة مع تبني خلفاء نهرو لسياسته الاقتصادية. فأنديرا غاندي إبنة نهرو -والتى حكمت الهند بين عامي 1966 - 1977 ثم بين عامي 1980- 1984 (قبل اغتيالها) كانت هي الأخرى تطمح إلى تحويل الهند إلى جمهورية اشتراكية. لقد عطلت أنديرا غاندي الديموقراطية لفترة قصيرة من الزمن، وضخمت فيما بعد من قدرات الحزب الحاكم فى الإشراف على الاقتصاد، وعززت مكانته في زيادة مركزة سلطة الدولة على الولايات الفدرالية. لم يبدأ الوضع فى التغير سوى مع حكومة راجيف غاندى، الذى جاء ببرنامج إصلاح اقتصادى. تمكن راجيف من تنفيذ مستوى معتدل من التحرر من قيود الإصلاحات الضريبية رغم المقاومة السياسية الشديدة داخل حزبه تجاه هذه الخطوات الليبرالية الجديدة. ولكن حكومة راجيف لم تدم طويلا، واضطر للإستقالة في عام 1989.

"بدأت الإصلاحات الاقتصادية أوائل التسعينيات بخفض قيمة العملة الوطنية (الروبية) وتقليص الإعانات التجارية، وخفض التعريفات الجمركية، والحواجز غير الجمركية، كما تم إسقاط المراسيم البالية والقوانين التى لم تؤد سوى إلى نتائج عكسية"

أما ناريسما راو، الذى جاء خلفا لراجيف فقد كان مناصرا لحزب المؤتمر من الطراز القديم مع ميول طفيفة للاستمرار في نهج الإصلاحات التى بدأها راجيف. وقد ورث راو أزمة مالية وخللا في ميزان المدفوعات لم تترك له خيارا آخر سوى الاستمرار في الإصلاحات التي لم تحظ بتأييد شعبى فضلا عن سياسة التشقف التى بدأها راجيف. وبحلول عام 1991 وصل العجز لدى الحكومة إلى8 % من إجمالي الناتج المحلى، وكانت الخزانة خاوية تقريبا. وفى أثناء مواجهته لكارثة مالية لاحت فى الأفق، اختار راو لمنصب وزير المالية مانموهان سينغ، الاقتصادي المتخرج من جامعة أوكسفورد وصاحب التوجهات الليبرالية القوية، كما اختار بالانيبان تشيدامبارام وزيرا للتجارة، والذى كان بدوره قد تلقى تدريبا فى جامعة هارفارد. وقد أصبح سينغ وتشيدامبارام المهندسين البارزين للإصلاحات التى شهدها الاقتصاد الهندي. يشغل مانموهان سينغ اليوم منصب رئيس وزراء الهند، وأصبح بي تشيد امبرام وزيرا للمالية، ويشكل سينغ وتشيد امبرام إلى جانب "مونتيك سينغ أهلواليا" الذي يشغل منصب الرئيس المفوض للجنة التخطيط القومي، ما يسميه الإعلام الهندى " فريق الاحلام الاقتصادي". ولعله ليس من قبيل المصادفة أن جهود الإصلاحات الاقتصادية قد بدأت فى الهند فى الوقت الذي كان نموذج التخطيط المركزي على النمط السوفيتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. إذ أن هذه الجهود قد قام بها نفس الأشخاص الذين أوكل اليهم قيادة الاقتصاد المخطط. وقد تم تبنى إصلاحاتهم بطريقة تسمح بالحد من الصدمات التى لايتحملها الاقتصاد الهندى الضعيف. كما كان وجود هؤلاء المسؤولين داخل الدولة حافزا لإعادة الثقة لدى الكثير من المتشككين. وسرعان ما قام سينغ وتشيد امبرام بخفض قيمة العملة الوطنية (الروبية) وتقليص الإعانات التجارية، وخفض التعريفات الجمركية، والحواجز غير الجمركية، كما تم إسقاط تلك المراسيم البالية والقوانين التى لم تؤد سوى إلى نتائج عكسية، ووقفت عائقا، لفترة طويلة، دون تمكن مديرى الأعمال من تنمية أعمالهم. وقد وضعت هذه التغييرات البلاد على طريق لم تحد عنه كافة الحكومات الهندية اللاحقة.

وقد قام حزب الشعب الهندوسى ذو التوجه اليميني، والذى قاد الحكومة خلال الفترة من 1999 إلى 2004، بتبني جهود الإصلاح السابق ذكرها، بل سرع من خطواتها فى بعض المجالات. فقد تم خلال تلك الفترة الحد من القيود التى فرضت على التجارة والاستثمار الأجنبى، وهو ما أدى إلى التوسع الكبير فى التجارة، وزيادة الاستثمار الأجنبى، وتحقيق نهضة في مجالي التكنولوجيا المتقدمة والخدمات. وأصبحت الهند فى النهاية بطل رواية الاقتصاد العالمى، الأمر الذي أدى إلى طفرات شاملة في مسارها التنموي. لقد تجلت محصلة هذه الاصلاحات فى دعم قوي لسلطة اتخاذ القرار لدى أصحاب المشروعات التجارية والمديريين، وفي تخلى الدولة عن التدخل -ولو جزئيا- فى عملية إدارة الاقتصاد. كما خفت القيود التى كانت تفرضها الدولة على طبقة رجال الأعمال، فانتعشت هذه الطبقة من بين صفوف التكنوقراط ذوي التعليم العالي. وبعد عقود من الإرتهان لإمكانات الطبقة الوسطى، أصبح القطاع الخاص، الآن، يشكل العمود الرئيسي لنمو الناتج القومي الهندي. كما توسعت العديد من الشركات الهندية، وأصبح بعض منها علامة تجارية عالمية. ويشهد السوق الهندي اليوم أكثر من مائة شركة يبلغ رأس مال كل منها بليون دولار، كما ازدهر سوق الأسهم فى السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ. وصار قطاع البنوك فى أفضل حالاته عما كان عليه قبل عقد مضى، رغم أن الهند لم تقدم على خصخصة البنوك المملوكة للدولة. ويشهد القطاع الخاص بصفة عامة نموا ملحوظا، ويجتذب هذا القطاع -خلافا لما هو في الصين- نحو 18% من إجمالى القروض البنكية فى الهند.

ورغم ذلك، فلن نفاجأ إذا وجدنا أن نسبة القروض المعدومة في الهند أقل بكثير مما هى عليه فى الصين. فقبيل الأزمة المالية الحالية، كانت مثل هذه القروض تشكل 2% فقط من القروض غير المسددة، وهى نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بنظيرتها فى الصين التى تقترب من 20%. وكان من المتوقع أن يضع رئيس الوزراء الهندى مانموهان سينغ الاصلاحات الاقتصادية فى بؤرة أجندة حكومته حين ترأس الحكومة عام 2004، رغم أن كثيرين قد راهنوا على أن عودة حزب المؤتمر إلى السلطة هى بمثابة رفض لسياسه التحرير الاقتصادى. ويبدو سينغ، فى حقيقة الأمر، سجينا لهدفين متعارضين، فمن ناحية عليه أن يمضي في النهج الإصلاحي، ومن ناحية أخرى عليه أن يلبي تطلعات حزبه (حزب المؤتمر) والتحالف الحاكم اللذين يدافعان عن بعض آليات التدخل الحكومي في السوق، تلك الآليات التي أعاقت لفترة طويلة نمو اقتصاد الهند .

"خلال الفترة من 1999 إلى 2004 تم الحد من القيود التى فرضت على التجارة والاستثمار الأجنبى، وهو ما أدى إلى التوسع فى التجارة، وزيادة الاستثمار الأجنبى، وتحقيق نهضة في مجالي التكنولوجيا المتقدمة والخدمات"

إن الأكثرية من الناخبين الذين أوصلوا حزب المؤتمر للسلطة هم في الأساس من الفقراء الذين لم يستفيدوا عمليا من عملية التحرر الاقتصادي . وتحظى فكرة حماية سوق العمالة بتقدير مقدس في الهند، وتعد من تراث حزب المؤتمر، ومن المسلمات التى يصعب تغييرها. ومازال شائعا فى منهج حزب المؤتمر السعى إلى برنامج خلق وظائف جديدة، رغم أن هذه البرامج لم تقدم الكثير لتطوير إنتاجية الدولة أو تنميتها على المدى الطويل، أو حتى لتحقيق زيادة حقيقية فى الوظائف الجديدة. ومع ذلك يتم الدفاع عن هذه البرامج باعتبارها أحد اشكال مواجهة الفقر. وفي المقابل يرى أصحاب التوجه الليبرالى أن مثل هذه البرامج عقبة تربك القطاع الخاص المتسم بدينامية تسمح له ـ حين تصبح الظروف مواتية ـ بخلق وظائف أكبر مما يمكن للحكومة تحقيقه. لكن برامج التوظيف الحكومية مع ذلك تظل ذات أهمية رمزية فى مجتمع لم تجن ثمار الاصلاحات الليبرالية فيه سوى قطاعات بعينها وأقاليم دون غيرها، مقارنة ببقية شرائح وأقاليم البلاد. ويجب أن نلاحظ هنا أن 90 % من العمال الهنود يعملون فى القطاع غير الرسمي.

اتجاهات الاقتصاد الكلي

من الجدير بالملاحظة أن الهند امتلكت، ولفترة طويلة نسبيا، قطاعا صناعيا حديثا. وقد بنيت أولى المصانع فى الهند فى خمسينيات القرن التاسع عشر. ومع الاستقلال صنفت الهند كسابع أكبر دولة صناعية فى العالم. ولعل هذا يجعلنا ننظر إلى النجاح الذى حققته الهند برؤية مغايرة. فالإنجازات الاقتصادية ليست جديدة على الهند، وإن كان معدل نموها هو الذى يبدو اليوم متسارعا، جاعلا منها لاعبا عالميا. يبلغ حجم الطبقة الوسطى فى الهند اليوم نحو 250 مليون نسمة، إضافة إلى عدة ملايين أخرى تنتشل نفسها من الفقر للارتقاء إلى تلك الطبقة. كما يتراجع الإنفجار السكانى الذى كانت الهند قد شهدته من قبل، خاصة بتناقص معدل النمو السكانى من 2.2 % سنويا إلى 1.7 %. مما ساعد في رفع نصيب الفرد من الدخل القومي، فقد ارتفعت قيم الدخل الفردى من 1.178 دولار فى عام 1980 إلى 3.051 فى عام 2006، قياسا بمكأفىء القدرة الشرائية. كما استفادت الأوضاع الديموغرافية من التغيرات الاقتصادية بأن توفرت للأسر الهندية فرص أكبر للاستثمار فى تعليم أبنائها، وهو مصدر حيوي آخر للتنمية الاقتصادية المستدامة. وبحسب الصحفي داز جورشران فان ما بين 30 إلى 40 % من مقدار النمو الهندى يمكن إرجاعه إلى الاستغلال الفعال لعوامل الانتاج.

فقد نمى الاقتصاد الهندى بمعدل 6 % سنويا فيما بين 1980 و2000 وبنحو 8.6 %بعد عام 2000 ، وخلال السنة المالية لعام 2007 قفز المعدل إلى 9.4 %. وتضع هذه الأرقام الهند بين أسرع دول العالم نموا خلال الربع الأخير من القرن الماضي. ومع ارتفاع الاستثمار بنسبة تبلغ نحو 30 % ـ توافقا مع إرتفاع إجمالى الناتج المحلى ـ ترسي الهند بذلك قاعدة متينة لتوسع اقتصادى مطرد، على الرغم من أن طريق النمو سيعتمد على العديد من العوامل فى مقدمتها حالة الاقتصاد العالمى، وتطور الأزمة المالية الحالية، ومدى قدرة الحكومة الهندية على التقدم بالاصلاحات الاقتصادية إلى الأمام. لقد زادت الصادرات الهندية من 100 مليون دولار فى عام 1990-1991 إلى نحو 100 بليون فى عام 2007، أو بزيادة نسبتها 30 % من قيمة إجمالى الناتج المحلي. وحتى وقت قريب جدا ظهرت علامات على تدهور الاقتصاد، وهو ما تطلب توفير دعم متواصل. واضطرت المؤسسات لأن تعمل فوق طاقتها القصوى، وارتفع العجز التجارى وعجز ميزان المدفوعات، وبلغت نسبة التضخم 7 %. ورغم نمو الصادرات، فإن العجز في الحساب الجارى قد تفاقم فى السنوات الأخيرة، وبالمثل تزايدت نسبة الدين العام بالنسبة لإجمالي الناتج المحلى.

كما أدى ازدهار الائتمان إلى ارتفاع في أسهم وأسعار العقار. لكن هذا التوجه يشهد تباطؤا ملحوظا نتيجة أزمة القروض العالمية. وفى السنوات الأخيرة اعتمدت الهند، بشكل كبير، على التدفق القصير الأمد لرؤوس الأموال. وقد يؤدى ذلك إلى تعرض الهند -كغيرها من الاقتصاديات الناشئة- لارتفاع في معدلات الفائدة، وربما لهروب رؤوس الأموال فى ظل ما يعيشه العالم اليوم من أوضاع بالغة الاضطراب. ولعل القيود المفروضة على الاستثمار المباشر الطويل الأمد تعد أحد الأسباب التى تجبر الهند اليوم على الاعتماد على تدفقات رؤوس الأموال القصيرة الأمد. وعلى نحو ما أشرنا إليه سابقا، ليست الهند محصنة ضد تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة، فاندماجها المتزايد فى النظام العالمى يجعلها أكثر عرضة للتغيرات الخارجية مما لو كانت تعمل بنظام أكثر اعتمادا على الذات. وعليه، فليس غريبا أن يتباطأ النمو في الأشهر الأخيرة. كما أدى تراجع الدولار إلى تخفيض أسعار الفائدة عليه نظرا لأنها تقوض من المنافسة التصديرية. وبشكل متزايد تحولت الشركات الهندية أيضا إلى السوق المحلى من أجل الحصول على مصادر إقراض جديدة. وفى ضوء هذا التوجه نفهم مثلا عرض شركة هندية مثل تاتا في يناير /كانون الثاني 2008، لسيارة لايعدو سعرها الألفي دولار. و هذا دليل على أن المؤسسات الهندية الأكثر دينامية ما زالت مستمرة فى الحفاظ على استراتيجية إبداعية وطليعية.

العلاقة بين الحكومة والسوق

"تنتج الهند ثروة ضخمة فى صناعة التكنولوجياالمتقدمة والخدمات من خلال قطاع صغير من القوى العاملة، لكنه قطاع على درجة عالية من التدريب والكفاءة والخبرة "

من بين ما ورثته الهند في رحلتها الاقتصادية جهازا حكوميا مترهلا وغير فعال. ويحتفظ هذا الجهاز بسلطة قوية تخوله التدخل في السوق وإعاقة المشروعات التجارية وعرقلة قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة. ففي واقع الأمر تتوقع النظرية الاقتصادية النيوكلاسكية، وبوجه خاص نظرية هيكشر- أوهلين، أن الدول سوف تتخصص فى إنتاج سلع تصديرية تتطلب توفر مداخل للإنتاج وبغزارة مفرطة. وفى الحالة الهندية تعتبر القوى العاملة هى أكثر مداخل الإنتاج وفرة، ومع هذا فإن الهند تنتج ثروة ضخمة فى صناعة التكنولوجيا المتقدمة والخدمات من خلال قطاع صغير من القوى العاملة، لكنه قطاع على درجة عالية من التدريب والكفاءة. وأخذا في الاعتبار المستوى التدريبى العالى لهذا القطاع فمن الممكن اعتباره عامل انتاج عالي الكثافة في رأس المال. ويرى الاقتصاديون في هذا الوضع تناقضًا إلى حد ما، خاصة وأن الهند لم تعرف ثورة تصنيع كثيفة في الأيدي العاملة بما يقدم تفسيرا لحالة البطالة المرتفعة التي تعانيها. فنسبة القوى العاملة فى قطاع العمل الرسمى لا تتجاوز 11.3 %، نصيب القطاع الخاص الرسمى منها 3 %. ورغم أن العديد من مظاهر "مملكة التصاريح" القديمة التى اتسم بها النظام الاقتصادى الهندى لم تعد موجودة اليوم. إلا أن عددا من التنظيمات والضوابط ما زالت تعيق مرونة القطاع الصناعى الهندى.

وعلى مدى سنوات عدة، وقفت الحكومة الهندية حائلا دون دخول المؤسسات التجارية فى عدد من قطاعات الأعمال تاركة السوق يختار "الصناعات الصغيرة" ومن ثم حالت الدولة دون ظهور شركات كبرى منافسة كان بوسعها دفع هذه الصناعات نحو المنافسة العالمية. كما تعرضت أسواق التجزئه أيضا للحماية الفاعلة أمام المنافسين الأكثر دينامية، سواء كانوا محليين أو أجانب. ولعل بقاء هذا النوع من التنظيمات الحكومية ـ والتى تحظى بدفاع مستميت من المنتفعين ومن ممثليهم السياسيين ـ يشكل حاجزا منيعا أمام النمو الاقتصادى والتنمية.وتجرب الهند ممارسة التحرير الاقتصادى عبر نظام المناطق الاقتصادية الخاصة، التي تتمتع بقدر من الاعفاءات الضريبية، وغيرها من المنافع التى يحظى بها المستثمرون فى الهند. ويدور حول هذه البرامج جدل اقتصادى خاصة أنها تتسبب فيما يعرف باسم "تشويه الأسعار النسبية".

كما أن لهذه البرامج آثارا وتداعيات اجتماعية، حيث تؤدى إلى تهميش المجتمعات غير المرتبطة بنمط إنتاج المناطق الاقتصادية الخاصة وذلك من خلال إنكار هذه البرامج حق تلك المجتمعات فى الحصول على عائدات الضرائب الممكنة، فضلا عن تشريدها لملاكي الأراضي الصغار. وليس هناك ارتباط وثيق بين المناطق الاقتصادية الخاصة وبقية الاقتصاد الهندى. وهناك مخاوف من أن تؤدى الامتيازات التى تحصل عليها تلك المناطق الاقتصادية إلى إضعاف مصادر الدخل الحكومى وفتح الأبواب أمام الفساد. وتظل التحديات التي تواجه التنمية الهندية هائلة فى حجمها. فنحو ربع سكان الهند يعيشون دون خط الفقر الوطني، مع تباين كبير في درجة الفقر على مستوى الأقاليم. وبحسب مؤشر التنمية البشرية الصادر عن الأمم التحدة لعام 2007 ـ والذى يقارن بين 178 دولة من حيث قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها من خلال قياس عدة مؤشرات في مقدمتها معدل الحياة، ومحو أمية الكبار، وتمدرس الأطفال، ونصيب الفرد من إجمالى الناتج المحلى ـ فإن الهند تحتل المرتبة 128 من بين 178 دولة.

ويتحتم على الهند أن تحافظ على معدل نموها البالغ 8 % خلال العقد القادم من أجل النهوض بمستوى الشعب الهندى ككل ونقل التنمية إلى ما وراء الأقاليم الغنية التى جنت بالفعل ثمار التنمية. ورغم النمو السريع الذى شهدته البلاد خلال الخمس عشرة سنة الماضية، لم يتحسن معدل الحد من الفقر سوى بـ 1 % سنويا، ولعل هذا أحد أشكال التناقض الأخرى فى الاقتصاد الهندى خاصة أن النمو الاقتصادى هو المحرك الأول الفاعل في الحد من الفقر.

"تجرب الهند ممارسة التحرير الاقتصادى عبر نظام "المناطق الاقتصادية الخاصة"، التي تتمتع بقدر من الاعفاءات الضريبية. ويدورحول هذه البرامج جدل اقتصادى خاصة أنها تتسبب فيما يعرف باسم "تشويه الأسعارالنسبية""

ويتسم النظام التعليمي في الهند بتناقض مماثل. فمدارس التدريب الفني تخرج عناصر قادرة على المنافسة الدولية خاصة مع تقدم الهند بشكل مزدهر فى مجالات التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا الفضاء. وفى نفس الوقت نجد أن معدلات الأمية فى الريف الهندي مازالت مرتفعة للغاية نتيجة ضعف فاعلية الدعم الحكومى فى التعليم الابتدائى. وتبدو المشكلة بالغة السوء بالنسبة للفتيات، اللائي يعد تعليمهن أمرا حيويا من أجل إتمام عملية التنمية. ويمثل الضغط على الميزانية جزءا آخر من المشكلة. فعلى عاتق الدولة يقع عبء ثقيل من تمويل الديون، والإنفاق العسكري، فضلا عن دعم السوق. ويتنازع هذا النوع من الإنفاق الحكومى مع الإنفاق على تنمية الريف والتعليم. وكما أشرنا من قبل، فإن هناك جماعات ضغط محلية تدافع عن أولويات الإنفاق الحالية. مما يجعل أحد التحديات الأساسية الملقاة على عاتق الدولة عقد توافق شعبي عام حول أولويات الإنفاق الجديدة الأكثر فائدة للمجتمع.

ومنذ نيلها الاستقلال، حظيت الزراعة في الهند بأولوية خاصة لدى صانع القرار السياسي- الاقتصادي. وقد حكمت المجاعات التى عانتها الهند فى الماضى توجهات السياسة الزراعية فى حقبة ما بعد الاستقلال، وخاصة التركيز على تأمين الغذاء. وقد سعت الثورة الخضراء إلى تحقيق درجة من الاكتفاء الذاتي من الطعام عبر اعتماد عدد من الوسائل التقنية والتنظمية، كتطوير بذور فائقة القدرة الوراثية، والزراعة المحصولية المركبة، والاستعانة بالمخصبات الزراعية، وتوسيع الرقعة الزراعية، واعتماد أنظمة ري حديثة. وقد تضمن البرنامج أيضا عددا من المبادرات التشريعية من أجل ضمان عدم سيطرة الأهداف الربحية التجارية على إنتاج الطعام. وقد أدى هذا البرنامج الممول جزئيا من طرف البنك الدولي، إلى زيادة مبهرة فى الإنتاج الزراعى الهندى، وهو ما ساعد فى جعل الهند تصبح واحدة من أكبر دول العالم إنتاجا للغذاء مع نهاية عقد السبعينيات. وهناك مع ذلك انتقادات مهمة بحق الثورة الخضراء، فى مقدمتها تناقص التنوع الحيوى، وزيادة التباين فى الدخل فى المجتمع الريفى، وفقدان فرص العمل نتيجة إدخال المكننة الزراعية التي استغنت عن شريحة من الأيدى العاملة، وزيادة الفجوة بين الأراضى الزراعية الجيدة الري والقائمة على المحاصيل النقدية(ذات القيمة الاقتصادية العالية)، ونظيرتها من الأراضي الجافة المهملة، فضلا عن الإفراط فى استخدام المبيدات الزراعية. ويبقى القطاع الزراعى الهندي محدود الفعالية، بل في بعض الأحيان يقف حجر عثرة أمام التحديث والعصرنة.

وتتمتع معظم الأراضي الهندية بخصوبة تربتها ووفرة مياه الري وبالمناخ الملائم للزراعة، الأمر الذى يجعل كثيرا من مواطني الهند قادرين على توفير المتطلبات الأساسية للحياة بفضل الزراعة التي يعمل بها 50 % على الأقل من القوى العاملة الهندية ( تبلغ هذه النسبة الثلثين طبقا لتقدير حديث لمجلس العموم ) ومع ذلك لا تنتج هذه النسبة سوى 17 % من إجمالي الناتج المحلي. ولا يحصل الفلاحون الهنود سوى على 20 إلى 30 % من سعر التجزئة النهائى لبيع الفواكه والخضروات، وهو سعر أدنى بكثير مما يحققه المزارعون الأوربيون من أرباح. ويعود ذلك جزئيا إلى السياسات الزراعية والغذائية، التى تتبناها الحكومة الهندية. إذ يرى البعض أن القطاع الزراعى يعوزه التحديث، وهو ما يشكل أولوية كبرى بوسعها تشجيع قطاع الأعمال الزراعي، واستثمار رأس المال الخاص، وتحقيق الابتكار الزراعى فى الأقاليم الريفية. غير أنه يجب أولا التخفيف من قيود التوزيع، وبالمثل يجب التخلص من الضوابط التى تحول دون إقامة اتصال مباشر بين المزارعين وتجار التجزئة.

ويمكن للمزارع الكبرى أن تدعم الإمكانات التصديرية للزراعة الهندية، لكن ذلك يتطلب جهدا لتعميم المهارات والتقنيات الزراعية الحديثة فى الريف الهندى لجعله أكثر قدرة على الإنتاج. وتتمثل إحدى السبل المواتية أمام الهند لتحفيز تجربتها التنموية فى سحب شريحة من عمالها في القطاع الزراعي ودفعها إلى قطاعيّ التصنيع والخدمات، وإن لم يخل ذلك السبيل من مخاطر اجتماعية. وتتمثل إحدى هذه المخاطر فى أن التصنيع لم يتطور بعد في الهند بالدرجة الكافية التى تؤثر بشكل إيجابى على المنظومة العامة لسوق الشغل. وتبعا لذلك قدر البنك الدولى أن الهند فى حاجة إلى تركيز أكبر في مجهودها الإبتكارى كى تتمكن من امتصاص عدد أكبر من العمالة فى عملية التحول نحو التصنيع. ولقد تحكمت المصالح الزراعية أيضا فى إستراتيجيات تفاوض الهند مع منظمة التجارة العالمية. فقد لعبت الهند أحيانا دور الجسر الواصل فى تلك المفاوضات، حيث كانت الهند واحدة من الدول الرائدة فى كتلة مجموعة G33 المؤلفة من 33 دولة نامية، فى الوقت الذى لعبت فيه دورا فاعلا آخر فى مجموعة الأربعة الكبار G4 المؤلفة من البرازيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والهند. وقد عملت هذه النخبة من الدول على التوصل إلى تسوية بشأن عدد من القضايا المهمة فى تلك المفاوضات.

"حققت الهند اكتفاءا ذاتيا من الطعام عبراعتماد عدد من الوسائل التقنية والتنظمية، كتطوير بذور فائقة القدرة الوراثية، والزراعة المحصولية المركبة، والاستعانة بالمخصبات الزراعية، وتوسيع الرقعةالزراعية، واعتماد أنظمة ري حديثة "

وتبدو الهند في هذا الصدد لاعبا أساسيا تمكن من أن يطرح على طاولة التفاوض مصالحه القومية الخاصة فى القضايا الأربع موضوع التفاوض وهى: الزراعة التسويقية، فتح الأسواق أمام المنتجات غير الزراعية، وتجارة الخدمات، والقواعد الإجرائية لمكافحة إغراق السوق، والرسوم التعويضية. ولم تكن موافقة الهند ذات أهمية محورية لأي اتفاق نهائي فحسب، بل كانت في ذات الوقت اللاعب الرئيسى فى فشل تلك المفاوضات! وقد زجت الهند نفسها بقوة من أجل الولوج إلى الأسواق الزراعية الغربية، وسعت أيضا إلى الحفاظ على آلية الضمانات الخاصة من أجل حماية مزارعيها من تحرير التجارة المفاجئ. وقد التزم التحالف الحاكم فى الهند بتحسين الأوضاع المستقبلية للفقراء فى الريف الهندي. وتبلغ نسبة التعريفات الجمركية ( الحد الأقصى من الجمارك الذي تسمح به منظمة التجارة العالمية) التى تفرضها الحكومة الهندية على السلع الزراعية المستوردة 114 %، مقارنة بـ 12 % فقط فى الولايات المتحدة، ومقارنة بـ 62 % كمتوسط عالمي، بل إن هناك تعريفات جمركية تتجاوز هذه النسبة.

وما يزال المسؤلون الهنود يعترضون على التنظيمات والقوانين الزراعية الداعمة للغرب. فقد أشار وزير التجارة والصناعة الهندى شري كمال ناث إلى أن "خفض الدعم المشوه للتجارة فى الدول المتقدمة قضية لا يمكن المساومة عليها، لأنها تؤثر بشكل عكسي على حياة الملايين من المزارعين الفقراء في بلادنا". ويزداد القلق الهندي أيضا بشأن أسعار الغذاء عالميا. ففى الشهور الأخيرة، فرضت الهند بعض الضوابط التصديرية على الأرز فى محاولة لحماية المستهلكين من ارتفاع أسعار الأرز عالميا. وتتهم الولايات المتحدة نيودلهي بإتباع سياسة تضر بجيرانها في جنوب آسيا، وترفع من الأسعار العالمية، وتربك الأسواق الدولية. وتسعى الهند إلى الوصول إلى الأسواق الكبرى لاقتصاديات الدول المتقدمة، لكنها تريد فى ذات الوقت الحفاظ على مرونة التوصل إلى سياسات تجارية استراتيجية وليست سياسات قائمة على مبدأ "دعه يعمل" المتعلق بحرية التجارة. فقد عارضت الهند التصديق على قانون التجارة المتعلق بحقوق الملكية الفكرية، ومعايير العمل، والمعايير البيئية التى طرحتها منظمة التجارة العالمية بحجة أن هذه وسائل حمائية تفرضها الدول المتقدمة على الدول النامية. كما عارضت الهند بقوة سياسات الولايات المتحدة لدعم القطن تحت ذريعة أن ذلك سيؤدى إلى خفض أسعار القطن الهندى بشدة، وهو المحصول النقدي التاريخي في البلاد.

وفى قطاع الخدمات، سعت الهند للوصول إلى الأسواق الكبرى، لكنها مع ذلك تريد حماية مناطقها الخاصة. وهنا نجد أن موقف الهند قريب بشكل عام من موقف الاتحاد الاوربى والولايات المتحدة. وفى مجال التفاوض على فتح الأسواق أمام السلع غير الزراعية تريد الهند تخفيضا فى عدد من الحواجز غير الجمركية الغربية، فى الوقت الذى تقاوم فيه، وباستماتة، مطالب الاتحاد الأوربى والولايات المتحدة بالبدء فى إزالة بعض حواجزها الحمائية المتبعة أمام تجارة السلع المصنعة. كما تمثل اتفاقية حقوق الملكية الفكرية قضية شائكة، ذلك لأن الملكية الفكرية قد تبدو من المنظور الهندي شكلا من أشكال الحمائية المقنعة. فلدى الهند صناعة دوائية خلاقة، توفر الدواء للعديد من دول العالم الثالث. كما تندفع الهند نحو إحداث تغيرات فى إجراءات مواجهة الإغراق والرسوم التعويضية. وقد استخدمت الهند موقفها الدبلوماسى المنيع فى جنيف لمقاومة أية تنازلات في الاتفاقات الزراعية وحقوق الملكية الفكرية دون أن تنال في المقابل ما تريده من تنازلات من قبل الدول المتقدمة على القوانين والخدمات. وبحسب كبير مفاوضي الهند فى جنيف راول خولار فإنه " فى المفاوضات الزراعية فان مصالحنا دفاعية...وسنتخلى فى نهاية المطاف عن بعض إجراءات الحماية دون أن نكسب الكثير. وفى مجال حقوق الملكية الفكرية فإن التعريفات الجمركية فى الدول المتقدمة منخفضة لدرجة لا يمكن معها جنى كثير من المكاسب. وفى مجال التبادل يمكن أن تكون هناك مكاسب للجميع. وما يشغلنا هو تحقيق مكاسب عبر فتح مزيد من أسواق الدول المتقدمة أمام السلع الهندية المتخصصة، فضلا عن ترشيد القوانين الضابطة.

الهند ونموذج التنمية البديل

ساعد صعود شرق آسيا فى إعادة صياغة كلا من نظريتي التنمية الاقتصادية والوصفة السياسية لعدد من الدول التى كانت تسعى لتدعيم مسارها التنموي. لم يكن الدرس غائبا عن مخيلة زعماء الهند. فخلال زيارة قام بها مانموهان سينغ فى 1989 لكوريا الجنوبية صدمت الرجل حقيقة كون تلك الدولة كانت تقف تقريبا عند نفس مستوى التنمية في الهند عام 1945 ولكنها تمكنت خلال 40 سنة من مضاعفة معدل الدخل الفردى ليتجاوز نظيره الهندى بنحو 10 مرات.

"تسعى الهند إلى الوصول إلى الأسواق الكبرى لاقتصاديات الدول المتقدمة، لكنها تريد فى ذات الوقت الحفاظ على مرونة التوصل إلى ىسياسات تجارية استراتيجية وليست سياسات قائمة على مبدأ "دعه يعمل" المتعلق بحرية التجارة"

وتجنى الهند اليوم ثمار منهجها فى التحرر الاقتصادى وفتح الأسواق، ومن المحتمل أن تصبح بدورها نموذجا لدول نامية أخرى مازالت مكبلة فى مصيدة الفقر. ومنذ نهاية الحرب الباردة، ربطت الهند بشكل واعٍ بين مسارها التنموى ومثلها الديموقراطية. ففى 1999، أصبحت الهند واحدة من عشر دول مؤسسة لمبادرة التجمع القومي، وقد أعرب مانموهان سينغ عقب توليه منصب رئاسة الوزراء بالقول " لو أن هناك فكرة تصور الهند وتعرفها لكانت هي تلك الفكرة التي تقدم الهند كمجتمع شامل يتمتع بالانفتاح والتنوع الثقافى والتعدد العرقي واللغوي، لدينا في الهند التزام نحو تاريخ الإنسانية بأن نضمن فاعلية هذا التنوع. ولعل الديمقراطية الليبرالية هي النظام الطبيعي للتنظيم السياسي لعالمنا المعاصر. فكل الانظمة البديلة، شمولية كانت أو جماهيرية باختلاف درجاتها، ليست سوى انحراف عن الطريق القويم".

تمتلك الهند ديموقراطية أصيلة نسبيًا مقارنة ببقية العالم النامي، ويتمتع الشعب الهندى بحق الاقتراع منذعام 1951. وقد توقع الكثيرون فى مستهل الديموقراطية الهندية أن تلك الديموقراطية الضخمة لايمكن أن تستمر طويلا، غير أن ذلك كان مخالفا لما أثبته الشعب الهندى الذي ازدهرت ديمقراطيته يوما بعد يوم. ويعتقد المفكر الاقتصادي الهندي الأصل والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998 "أمارتيا سن" أن التقاليد الديموقراطية الهندية أقدم من نظيرتها الأوربيه وتتمتع بسمات فريدة مميزة.

فبنية الديموقراطية الهندية سهلت عملية التفاوض والتعبير عن وجهات النظر المختلفة بين الأطراف المتعددة المساهمة فى السياسات الوطنية للبلاد. وقد تمكنت هذه القيم الديموقراطية العريقة في الهند من إكساب الثقافة السياسية المميزة فى البلاد قدرة عالية على التوحد والتماسك. وبالتعبيرات الديموقراطية يمكننا القول إن الهند قد استوفت كل المسوغات اللازمة. فلديها نظام برلمانى مستقر ونظام اقتراع منتظم، حر ونزيه؛ كما أن نسبة مشاركة الناخبين فى الاقتراعات عالية، وهناك تداول سلمي للسلطة. وتتمتع الدولة بسلطات راسخة، كما أن الصحافة حرة ونابضة بالحياة.

لكن في ذات الوقت تتسم صناعة القرار الهندى ببطء شديد، ولم تحقق الاصلاحات تقدما كبيرا على نحو ما يأمل الكثيرون. ولعل إحدى المشكلات التحليلية للسياسة الاقتصادية فى الهند تكمن في ضرورة إدراك أنها دولة فدرالية تتمتع بقدر عالٍ من اللامركزية. فالمجالس البرلمانية على مستوى الولايات تمارس سلطاتها بشكل فعال، وقد يؤدى ذلك إلى توتر كبير مع السلطات المركزية وهو ما ينتج عنه قدر من الارتباك السياسي. ولعل الأهم بالنسبة لأغلبية المواطنين فى الهند هو توزيع الثروة، ويؤدي ذلك إلى تعقيد عملية الإصلاح وأحيانا يحول المداولات الديموقراطية إلى صراع من أجل اقتسام الغنائم. ويحتاج ذلك كله إلى تسوية بطريقة ديمقراطية. كما يؤدى التطور السياسى الحديث للهند إلى المزيد من التعقيد في تفاصيل القصة. فحزب المؤتمر عرف تراجعا في نصيبه من أصوات الناخبين في السنوات الأخيرة، مما جعله يبحث عن شركاء لتكوين حكومة ائتلافية. وعلى مستوى الولايات ظهر عدد من الأحزاب ذات المرجعية الإقليمية والطبقية. وفى مقدمة ذلك التحول صعود حزب الشعب الهندوسي ـ ذو التوجهات الهندوسية والقومية المغالية ـ ليصبح ثانى أكبر الأحزاب السياسية فى الهند. ومن ثم فإن بعض الأقاليم الهندية لاتوجد بها مطلقا تمثيلية لحزب المؤتمر، رغم أنه الحزب الحاكم اليوم.

وينتقل القرار السياسي في الهند من رئيس الوزراء إلى عدد لانهائي من المؤسسات داخل وخارج الولايات، كما أن الائتلاف الحاكم الآن يضم أعضاء من الحزب الشيوعى والحزب الاجتماعى الجماهيرى. ويسود بعض القلق حول سلطة الحكم في البلاد، والطريقة التى يتم بها تعقيد عملية اتخاذ القرار نتيجة توزع السلطة بين المركز والولايات. ولا تقدم القيم الديموقراطية للهند سمة أيديولوجية لهذه الدولة تميزها عن منافسيها الإقليميين فى الصين وباكستان فحسب، بل إن هذه القيم تؤكد أيضا على الأساس المشترك للتفاهم مع الغرب. ولا تزال الهند ممانعة في التخلي كلية عن دورها التاريخى كرائدة لحركة عدم الانحياز، كما لاتندفع نحو إقامة تحالفات جديدة يمكن أن تؤثر سلبا على مكانتها الدولية التقليدية. وقد صار من البديهيات فى الغرب القول بان إصلاحات السوق تمضي يدا بيد مع الإصلاحات الديموقراطية. وتبدو هذه العلاقة التلازمية جلية في دول وسط وشرق أوربا، وتحظى هذه الروابط دون شك بدعم من خلال الإشارات التي يرسلها كل من الاتحاد الأوربي وحلف النيتو مرحبا بانضمام هذه الدول إليه. ومع هذا فإن الربط بين عملية الدمقرطة والتحرر الاقتصادي ليس ربطا آليا مباشرا. ويتضح ذلك في النموذج الصيني، حيث ما زال الحزب الشيوعي يمارس سيطرة شاملة على الحياة السياسية، رغم أنه يقدم ضمانا لقوى السوق كي تعمل بشكل مستقل ذاتيا. وروسيا حالة أخرى ملفتة للإنتباه، حيث تزايدت عملية الدمقرطة بالموازاة مع وحشية السوق الحر، ومن ثم يبدو كل منهما (الديموقراطية والسوق) مشوها لسمعة الآخر في عيون كثير من المواطنين الروس. بينما تقدم الهند بديلا بالغ الأهمية لكل من النموذجين الصيني والروسي.

ولم تقم غالبية الدول الأوربية، والدول المسماة بالنمور الآسيوية، بإرساء نظام اقتراع إلا بعد أن أرست قاعدة تصنيعية. ولعل هذا النهج الخاص من التنمية يحد من المقاومة السياسية للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المفاجئة، تلك المقاومة النابعة من شرائح اجتماعية قد تعاني في المدى القصير والمتوسط من حدة مثل هذه التغيرات. أما الهند فقادرة في المقابل على إدارة هذا النوع من الاضطراب بقدر كبير من الديموقراطية. فكفاءة الهند لإرساء توافق ديمقراطي عام ربما يفسر بطء مسارها الإصلاحي. ومن الجدير بالملاحظة أن التفاوت الكلي في توزيع الثروة أقل من نظيره في حالة الصين. فحسب مؤشر جيني -والذي يقيس عدم التساوي في الدخل اعتمادا على مقياس يترواح بين صفر و100 درجة- فإن المعدل يبلغ في الهند 33 مقارنة بـ 45 في الصين. ويشير هذا إلى أن سياسات إعادة توزيع الثروة التي تتبعها الهند -والتي تؤدي إلى تباطؤ النمو- قد تحدث أيضا زيادة متوسطة في التفاوت في الدخل، ومن ثم ترفع من الحد الأدنى للتوافق الوطنى العام في مجتمع يتميز حكامه بقدر كبير من الديموقراطية. وبناء على هذا، فإن إصلاح السوق في الهند يمثل حلا وسطا فريدا من نوعه بين المدافعين عن حرية السوق وأولئك المهتمين بسياسات رعاية الفقراء. وربما تتمكن الديموقراطية من التوصل إلى أرضية مشتركة لتحقيق توزان بين هذين المطلبين.

وتجد المجتمعات الديمقراطية المتسارعة النمو نفسها مضطرة للاستجابة للضغوط السياسية من أجل جبر فجوة الثروة التي عادة ما ترافق مراحل الانطلاق الاقتصادي الناجح. وتعمل النخبة السياسية الهندية من أجل احتواء هذه الفجوة، وإن كان الوصول إلى عدالة متوازنة في ظل الدينامية الاقتصادية مهمة صعبة في واقع الأمر. وقد أظهرت دراسة أجراها المسح القومي الانتخابي في عام 2004 أن الغالبية الأكثر فقرا في الهند تعتقد أن الإصلاحات الاقتصادية أفادت الأثرياء في المقام الأول.

ويذهب البعض إلى أن الفقراء يرون بأن الإصلاحات الاقتصادية تستثنيهم بينما تفيد الآخرين. ويقترح بعض الاقتصاديين تبني الليبرالية الجديدة، إلى جانب حكامة رشيدة، لتحقيق جزء، على الأقل، من حل طويل الأمد لمشكلة الفقر في الهند. لكن الفقراء ومن يمثلهم سياسيا لديهم على ما يبدو تحفظات كثيرة على الإصلاحات الاقتصادية، ولهؤلاء نفوذ كبير في ديموقراطية الهند. وربما يعبر ذلك بدقة عن سبب سعي الحزب الحاكم في الهند لتحقيق توازن في النمو مع عدالة في التوزيع، وذلك من خلال دفاعه عن بعض مبادئ النظام الاقتصادي القديم القائم على تدخل الدولة في السوق. ومن الناحية السياسية يبدو من المخاطرة إلحاق ضرر ولو قصير الأمد بحق مجموعات سكانية فقيرة لإرساء قواعد قد تحقق مكاسب عامة على المدى الطويل. ففي حقيقة الأمر لا تعمل الدورات السياسية والاقتصادية بطريقة متزامنة، وتشعر المؤسسة الحاكمة في الهند بحدة هذا التناقض، خاصة مع نزوع هذه المؤسسة إلى التحرك بسرعة نحو إصلاح سوق العمالة والخصخصة والتحرر من القيود.

"الفقراء ومن يمثلهم سياسيا لديهم تحفظات على الإصلاحات الاقتصادية، ولهؤلاء نفوذ كبير في ديموقراطية الهند، وهذا سبب سعي الحزبالحاكم في الهند لتحقيق توازن في النمو مع عدالة في التوزيع، وذلك من خلال دفاعه عن بعض مبادئ النظام الاقتصادي القديم القائم على تدخل الدولة في السوق"

وربما يكون ذلك ثمن الإصلاحات الاقتصادية المتجذرة في الديموقراطية الهندية، وإن كان من المحتمل أيضا أن تصبح هذه الإصلاحات مصدر قوة في ذات الوقت لو تمت إدارتها في النهاية من أجل بناء توافق شعبي عام أكبر وأشمل حول الأسواق ودورها في توسعة رقعة الرفاهية. وتشتهر الهند بتنوع بالغ، وقد لعبت دورا رئيسيا في دعم تماسك طوائفها العرقية المختلفة والإبقاء عليها داخل المسار الوطني الرئيسي للحياة السياسية والاقتصادية. غير أن سجل العلاقة بين هذه الطوائف لا يتسم دوما بالانسجام، فهناك حالات من التطاحن والصدام. ويمثل الصعود الحديث للقومية الأصولية الهندوسية ذات التوجه الراديكالي أخطر التهديدات التي تحيق بالرؤية العلمانية الدستورية التي تتسم بها الليبرالية الهندية. ويعد اتساع فجوة الثروة بين السكان المسلمين والهندوس أحد المصادر الدائمة الباعثة على القلق خاصة مع تدهور الحالة الاقتصادية للمسلمين، وإن كانت هناك عوامل أخرى إلى جانب ذلك. وتعد موجه العنف التي شهدتها ولاية جوجارات في عام 2002 – حين لقي 2000 مسلم حتفهم ردا على احتراق 58 هندوسيا في عربة قطار تحمل حجاجا هندوسيين ـ نموذجا من تلك الأحداث التي يمكن أن تثير قدرا كبيرا من الاضطراب وعدم الاستقرار. ولهذا السبب يحاول قادة الهند الحيلولة دون تمكن السياسات الطائفية من تعطيل نجاح الجهود الساعية إلى تعزيز الحوار الوطني الداخلي. وتقدم المؤسسات الديموقراطية في الهند وسيلة فاعلة لتعزيز مثل هذا الحوار، وتشجيع الوصول إلى تسوية سلمية.

ولا يمكن للمرء أن ينكر العامل الديموقراطي حين يقارن الهند بالصين. فالهندسة السياسية في البلدين تشكل أعمدة بناء الاقتصاد، فضلا عن صياغة التوجهات التي تحدد السياسات الاقتصادية. ففي الديموقراطيات الرشيدة، لا يمكن للسلطة المركزية أو حكومات الولايات فرض إصلاحات فوقية دون التشاور مع الشعب، صاحب الأصوات الانتخابية. إذ ليس أمام مثل هذه الحكومات سوى السعي لتحقيق قدر من التوافق الوطني العام بين الأطراف المعنية. وفي مجتمع مثل الهند غني في تنوعه العرقي واللغوي والديني، تتسم عملية التوافق الوطني العام ببطء شديد، وتتعرض لمد وجزر بين الاخفاق والنجاح.

وتتم المداولات الديموقراطية في الهند عبر تركيبات سياسية متشعبة، تضم الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمسؤولين المنتخبين محليا، والعديد منهم من النساء. وتساعد هذه العملية في تحديد المشكلات، وتحاط الدولة علما كي تجد لها حلاً. ولعل في ذلك دلالة واضحة على ديموقراطية الهند. ففي واقع الأمر يعد العامل الديموقراطي ـ أكثر من أي عامل آخر ـ المسؤول عن لم شمل تلك الدولة ذات الأطراف الشاسعة، و التنوع الشديد و الفقر الكثير. ويتمثل التحدي الذي يواجه الهند اليوم في بناء مؤسسات اقتصادية بديلة قادرة على التوافق مع مجتمع عالمي موحد وأكثر ديموقراطية، والحفاظ، في نفس الوقت، على حوار ديمقراطي نابض بالحياة. وتكمن خطورة هذا التحدي في أن الدولة ما تزال غير فاعلة ومتشبثة بطرق بالية في تنظيم الحياة الاقتصادية، خاصة أن هناك مدافعين أشداء عن سياسة الوضع الراهن في الهند اليوم.
وينعكس نمو الدخل الهندي على ارتفاع حجم الاستهلاك، والذي بلغ في 2005 ما يعادل نحو 64 % من إجمالي الناتج المحلي. وهو أعلى من نظيره في أوربا (58 % ) وفي الصين (42 %).

ولعل النمو الاقتصادي المدعوم بالطلب الداخلي يمكن أن يساعد في حماية الهند نسبيا من تراجع الاقتصاد العالمي، ويدحض الإدعاء الذي يقدمه البعض من أن نموذج التصدير الشرق آسيوي هو المسار الوحيد للازدهار التنموي. وقد تمثل الهند مسارا تحديثيا أكثر أمنا من الناحية السياسية، وذلك لأنها تجمع بين ميزة التكامل والاندماج في الاقتصاد العالمي إلى جانب صغر حجم فجوة الثروة في اقتصادها. وهناك بالطبع تفسير آخر لذلك الانجاز. فالسوق الهندي الداخلي ضخم للغاية ومن ثم فهي في وضع أفضل من دولة مثل سنغافورة، ولديها القدرة بالتالي على تركيز معظم طاقتها الاقتصادية لتلبية حاجة مستهلكيها المحليين. ويلعب مستثمرو القطاع الخاص دورا مركزيا في التنمية الهندية المتسارعة. في الوقت الذي تمثل فيه الشركات المملوكة للدولة والمؤسسات الأجنبية محركات الدفع الأساسية في حالة الاقتصاد الصيني القائم على النموذج التصديري. وما تزال مؤسسات الإقراض الصينية تفضل التعامل مع الشركات المملوكة للدولة، بينما لا تتلقى الشركات الخاصة سوى 10 % من القروض المسجلة المتاحة. ويصل هذا الرقم في الهند إلى 80 %. غير أن هذه الأرقام قد لا تظهر بوضوح الحقيقة كاملة، أخذا في الاعتبار النزوع الصيني نحو التعامل مع شبكات التمويل الذاتي أو الشبكات الأسرية وذلك من أجل رفع حجم رأس المال المستثمر.

ومن الجدير بالذكر أيضا أنه في الوقت الذي تستحوذ فيه الشركات الهندية المملوكة للقطاع الخاص على معظم تجارة الهند الخارجية، تخرج معظم الصادرات في الصين من شركات غير صينية. ويعبر هذا جزئيا عن القيود التي يستمر فرضها على عمل الشركات الأجنبية في الهند. وإن كان ذلك يكشف الكثير أيضا عن طبيعة قطاع الأعمال الهندي الأقرب إلى نظام المقاولات. حققت الصين نجاحها المدوي في عالم التصدير اعتمادا على انخفاض تكلفة الأيدي العاملة وبراعتها التنظيمية واستخدامها لعواملها الإنتاجية بشكل أكثر فاعلية مقارنة بالهند. لقد أصبحت الصين واحدة من دول العالم الأولى في التصنيع من خلال مراكز التجميع الصناعي و قدرتها على استقدام عشرة ملايين عامل من الريف إلى المدن سنويا.

"تشير الدراسات إلى أن المهندسين في الهندأكثر كفاءة من الناحية التدريبية من نظرائهم في الصين، وأن معين الهند الذي لا ينضب من الخريجين المؤهلين يعادل تقريبا ضعف القدرات الصينية في هذا المجال"

في المقابل تتميز الهند بنمو القيمة المضافة في مجال التصدير بقطاع التكنولوجيا والخدمات. كما تخلق الهند العديد من الوظائف التصنيعية، وإن كان هذا القطاع ما زال أقل فاعلية وأدنى انتشارا من نظيره في الصين. وتشير الدراسات إلى أن المهندسين في الهند أكثر كفاءة من الناحية التدريبية من نظرائهم في الصين، وأن معين الهند الذي لا ينضب من الخريجين المؤهلين يعادل تقريبا ضعف القدرات الصينية في هذا المجال. وتعاني أكثر من نصف النساء في الهند من الأمية، بينما تصل هذه النسبة إلى 14 % فقط في الصين. وهذه المشكلة هي عنق الزجاجة في مسيرة التنمية الهندية، حيث يشير الاقتصاديون إلى أن مفتاح التنمية الهندية في المستقبل مرهون بالتعليم في الريف.

وكما اشرنا من قبل، فإن عدد الوظائف التي يتيحها مجال صناعات المعرفة والخدمات ضئيل بالنسبة للمخزون الضخم من سوق العمالة في البلاد. فعلى سبيل المثال يوظف قطاع البرمجيات أقل من 0.5 % من العمالة الهندية بينما يسهم في إجمالي الناتج المحلي بنحو 5 %. وتعد العمالة الهندية المختصة في تقنية المعلومات ذات كفاءة عالية، تلقى جزء كبير من أفرادها درجات علمية من الغرب، و هم أبطال قصة النجاح السريع في الهند. وسرعان ما أدركت شركات تقنيات المعلومات والخدمات الأجنبية أن في الهند ميزة التكلفة الأقل، كما لمست بالمثل الكفاءة العالية للعمالة المختصة في مجال هندسة العلوم والخدمات. وقد أقامت 125 شركة كبرى، من أصل 500 شركة على مستوى العالم، مراكز أبحاث وتنمية على الأراضي الهندية. في المقابل دفعت الصين نفسها للأمام عن طريق البدء أولا بإتقان الحد الأدنى من دورة الإنتاج، رغم أنها تتحرك الآن بخطى سريعة نحو الإنتاج المعقد والمتقدم، ويعود الفضل في ذلك جزئيا إلى قدراتها التنظيمية العالية وقوتها العاملة دائمة التطور المهاري.

اقتصاديات الطاقة

تمثل الهند اليوم، بحجمها السكاني الضخم واقتصادها الآخذ في التوسع السريع، سادس أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وحتى تحافظ الهند على معدل نمو مقداره 6 % سنويا خلال العقدين المقبلين، ستضطر لزيادة استهلاكها من الطاقة بنحو 5 % سنويا. وإذا كانت تستورد اليوم 70 % من إجمالي ما تستهلكه من النفط، فسيرتفع هذا الرقم في عام 2020 إلى 90 % بحسب مؤشرات الاستهلاك الحالية. ومن ثم أصبحت الهند فاعلا أساسيا في أسواق الطاقة العالمية، ويسهم طلبها المتزايد على الطاقة في تحديد الأسعار العالمية لهذه الموارد الاقتصادية.

"تمثل الهند سادس أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وحتى تحافظ على معدل نمو مقداره 6 % سنويا خلال العقدين المقبلين، ستضطر لزيادة استهلاكها من الطاقة بنحو 5 % سنويا. وإذا كانت تستورد اليوم 70 % من إجماليما تستهلكه من النفط، فسيرتفع هذا الرقم في عام 2020 إلى 90 % بحسب مؤشرات الاستهلاك الحالية "

وتصطدم الهند باختناقات حقيقية في إمدادات الطاقة، وستحتاج إلى زيادة طاقتها الإنتاجية بشكل عاجل. كما أنها تعاني من ارتفاع كلفة إنتاج الطاقة الكهربائية، خاصة وأن إمدادات الكهرباء لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل في كثير من الأحيان. والهند مثل الصين مضطرة لتأمين مصادر طاقة قادرة على تأمين احتياجات نموها المتسارع. وقد مضت الهند في سعي محموم لشراء الطاقة لتأمين احتياطات دائمة منها. وذلك عن طريق تركيز معظم جهودها في آسيا الوسطى وإيران، على نحو ما فعلته مثلا من خلال المشاركة في تطوير استخراج النفط من حقول كازاخستان. وكان للسياسة التي نهجتها الحكومة الهندية بتوفير الدعم للوقود تأثير سلبي على سوق الطاقة الداخلي. حيث أدت سياسة الدعم هذه -والتي يفترض أنها تقدم حلا ولو جزئيا لعلاج مشكلة الفقر- إلى الإفراط في استهلاك الوقود في البلاد. مما زاد من تعقيد مهمة الجهات الاقتصادية المسئولة عن اتخاذ خطوات فعلية بناء على مؤشرات أسعار الطاقة، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز خلال السنوات الأخيرة. وقد ألقى ذلك بضغوط شديدة على ميزان المدفوعات، رغم أن الهند تحتفظ باحتياطي نقدي مقداره نحو 300 بليون دولار. ومن الناحية الشكلية استخدمت الحكومة سياسة الدعم في أفق تبني سياسة الرفع التدريجي، المدروس بدقة، لأسعار الوقود. ولعل السبب الحقيقي من وراء تلك السياسة كون المواطن الهندي غير مستعد لقبول الزيادة المفاجئة في أسعار الطاقة. ويعد الدعم في كل الأحوال بالغ الكلفة وليس مثاليا من الناحية الاقتصادية. وقد قلصت الحكومة مؤخرا من الدعم بنسبة 10 %، وهي خطوة أثارت ردة فعل قوية من قبل اليسار واليمين على السواء.

وعلى المستوى المحلي، أدى خفض الدعم عن الوقود الى ارتفاع أسعار البنزين بمقدار 5 روبيات لكل لتر، والديزل بمقدار ثلاث روبيات لكل لتر. وتحول النسبة المرتفعة للضرائب المفروضة على البنزين من وصول الدعم فعليا إلى المستهلك. وفي الواقع فإن أسعار البنزين في الهند أعلى من نظيرتها في الولايات المتحدة، في حين يباع الديزل بأسعار منخفضة بشكل غير واقعي. وما تزال الشركات النفطية المملوكة للدولة تتكبد خسائر تكلف الحكومة ما قيمته 2-3 % من إجمالي الناتج المحلي. والخط الذي تنتهجه الحكومة يعتبر أن الدعم يقدم مظلة واقية لفقراء البلاد من سطوة الاقتصاد العالمي، غير أن الدلائل تشير إلى أن الأكثر انتفاعا من هذه السياسة هم ملاك السيارات من الأثرياء ومن الطبقة الوسطى. ويتوجه جزء كبير من الدعم الحكومي عموما للصناعات ذات العمالة الكثيفة والتي تخلق فرص عمل جديدة. كما أن الخلل الواقع بين أسعار الديزل والكيروسين مقابل أسعار البنزين يؤدي إلى عملية خلط الوقود ذات الأثر السلبي على البيئة. ولاشك أن إعادة ضبط أسعار الوقود ستقدم الكثير للصناعة الهندية وتجعلها أكثر شفافية وترفع من الرصيد الحكومي الذي يمكّن الدولة من الإنفاق على برامج الحد من الفقر. وإذا كان ذلك يواجه بمشاعر متعاطفة فلا بأس من الإبقاء على دعم الوقود استجابة لكون "الدعم" رمزا من رموز التزام الدولة تجاه الفقراء.

ويعمل نظام تسعير الغاز الطبيعي في الهند وفق بنية مختلفة عن تسعير أسعار الوقود النفطي. فأسعار البترول العالمية تختلف تبعا لاختلاف أسعار النفط الخام، وتعدل الحكومة الهندية نظام الدعم الذي تقدمه من أجل الحفاظ على أسعار محلية ثابتة للنفط. في حين ليس هناك حد ثابت للأسعار العالمية للغاز الطبيعي، ويتحدد السعر عادة على المستوى الإقليمي وحسب المفاوضات الجارية بين الموردين والمستهلكين. وتقدم الهند عادة دعما لأسعار الغاز الطبيعي تبعا لآلية حكومية لتحديد الأسعار، وتنتج الهند معظم الغاز الطبيعي المستهلك محليا. وقد شهدت السنوات الأخيرة، عموما، زيادة الطلب على الغاز الطبيعي بما يفوق قدرة الآلية الحكومية لتحديد الأسعار على توفير الإمدادات محليا. وفي عام 2000، قدمت الحكومة الهندية مخططا للترخيص باستكشافات جديدة للغاز الطبيعي، وتقوم هذه السياسة على تشجيع استثمار القطاع الخاص في مشروعات جديدة للغاز الطبيعي مع وعد بترك السوق يحدد أسعار الغاز. ومع زيادة الإنتاج من خلال استكشاف المزيد من الحقول في أحواض كريشنا-جودافاري ومهانادي، تتراجع قدرة الآلية الحكومية لتحديد الأسعار على التحكم في سعر الغاز الطبيعي، وتزداد في المقابل فرص تحديد السوق لسعر الغاز. وما تزال الهند مع ذلك تحتفظ بحصة الحكومة في تحديد الأسعار المدعمة للغاز في القطاعات المركزية مثل قطاع الطاقة الكهربائية وإنتاج المخصبات الزراعية، والتي تستهلك 70 % من إمدادات الغاز الطبيعي في البلاد.

وكانت الحكومة قد أعلنت في مايو/أيار 2005 عن رفع أسعار الغاز بنسبة 12 % في القطاعات المدعمة المشار إليها سابقا، كخطوة يتوقع منها أن ترفع الإيرادات الحكومية وتحقق نقلة في سياسة الاستكشافات الجديدة ومنح حقوق التنقيب وتحديد الأسعار بناء على آلية السوق. ومنذ نهاية عام 2007 دفع التضخم وارتفاع أسعار الوقود بالآلية الحكومية لتحديد الأسعار إلى رفع الأسعار بشكل لا يمكن تحمله، لكن الحكومة تواجه معارضة قوية تجاه محاولاتها إعادة هيكلة الأسعار، خاصة أن الوعد بوقود رخيص يعد نقطة السبق الأساسية التي تغازل بها الأحزاب اليسارية جموع الناخبين من فقراء الهند. وقد انتشرت المعارضة في كافة أنحاء الهند بعد رفع أسعار غاز الطهي بنسبة 25 % عن أسعاره المدعومة من قبل الدولة، في ظل عدم الاستقرار في تحالف الجبهة اليسارية المتحدة الذي بلغ ذروته خلال إعادة هيكلة سياسات مجلس الشعب الهندي (لوك صابحا) وذلك في أعقاب التصويت على اقتراع بالثقة على الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة، أجري في 22 يوليو/تموز 2008.

"تتفاوض الحكومةالهندية مع دول آسيا الوسطى منأجل استغلال مخزون النفط والغاز في تلك المنطقة، هذا على الرغم من أن أية خطوط للأنابيب ستأتي من آسيا الوسطى لابد أن تمر، بالضرورة، عبر أفغانستان؛ من هنا يمكن تفسير أحد أسباب الاهتمام الهندي المتزايد بأفغانستان"

وسعيا منها إلى تأمين الوصول إلى موارد جديدة للطاقة، استثمرت الهند في مشروعات بناء سدود ضخمة على الأنهار من أجل توليد الطاقة الكهربائية مثل مشروع ساردار ساروفار في وادي نارمادا، والذي يثير جدلا بسبب فرضه تهجير السكان المحليين من شعب الأديفاسي من موقع البناء. كما تتفاوض الحكومة مع دول آسيا الوسطى من أجل استغلال مخزون النفط والغاز في تلك المنطقة، هذا على الرغم من أن أية خطوط للأنابيب ستأتي من آسيا الوسطى لابد أن تمر، بالضرورة، عبر أفغانستان؛ ومما سهّل التفاوض بين الطرفين موقع الهند كعضو مراقب في منظمة شنغهاي التي تضم ضمن عضويتها دول آسيا الوسطى.

يرتبط النمو الاقتصادي السريع في الهند بحزمة جديدة من التحديات المناخية، ويلقي بظلاله في ذات الوقت على القضايا البيئية العالمية محل الاهتمام، وفي مقدمتها قضية التغير المناخي. فارتفاع الطلب على الطاقة يرتبط بشكل وثيق بالتصنيع والنمو السكاني، لكن لاستخدام تلك الطاقة تداعيات بيئية ومناخية بالغة التأثير على أقاليم بعينها وطبقات اجتماعية دون الأخرى. ومن ثم يتحتّم على الهند أن توازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. وقد قاومت الحكومة الهندية بشجاعة أي نوع من المساومة بين السياسة التجارية والبيئة.

ومع ذلك يمثل التدهور البيئي تحديا خطيرا للاقتصاد الهندي والتنمية المستقبلية المستدامة. فاجتثاث الغابات في الهيمالايا تمثل نموذجا للمعضلات التي يواجهها زعماء الهند على المستوى الوطني والمحلي. لأن إنتاج الأخشاب والزراعة في المرتفعات الجبلية الهندية يسهمان بشكل مباشر في وقوع كوارث الفيضانات في الأراضي السهلية المنخفضة. فقطْع غابات الهيمالايا يتسبب في فيضانات ذات كلفة بشرية مرهقة نظرا لما تلحقه من خسائر في المحاصيل، وحياة البشر والممتلكات. ورغم وعي الحكومة بالأبعاد المعقدة للمشكلة إلا أن حاجتها لمنافع قصيرة الأمد ولاستخراج الموارد لتلبية الحاجة المتزايدة للنمو الاقتصادي يحول دون قيامها بتدابير فعلية لحل المشكلة.

وقد عالج بعض المحللين النمو الاقتصادي الهندي بمعايير منحنى كوزنيتس ، الذي تظهر عليه المستويات المتدنية والعالية من التنمية في علاقة بالظروف البيئية والصحية، بينما المنطقة الواقعة على هذا المنحنى بين المستويين، والتي تعيشها الهند اليوم، تدل على تدهور بيئي شديد. ويتضح هذا النمط أيضا في مشكلة التلوث الهوائي. وتعتمد جودة مياه الشرب على عدد من العوامل المحلية. ففي ولاية كيرلا على سبيل المثال ترتبت مشكلة تدهور جودة مياه الشرب وتدمير غابات المنجروف (شجر الشورى) عن الاعتماد على تقنيات متدنية كالألياف المتعفنة المصنوعة من ثمار جوز الهند. في حين يمكن أن يؤدي الاعتماد على وسائل أفضل في هذه المنطقة إلى تحسين جودة المياه. وقد عارضت الهند على الدوام فرض قوانين بيئية من خلال مفاوضات منظمة التجارة العالمية. وتزعمت تحالفا من الدول النامية لمقاومة محاولات الدول المتقدمة جعل المعايير البيئية ضمن العناصر الأساسية لشروط الاتفاقات التجارية.

كما رفضت الهند المقترحات التي قدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي للحد من الرسوم الجمركية على السلع المتوافقة مع البيئة، نتيجة اعتبارها الأمر محاولة مكشوفة لتسهيل وصول سلع الاتحاد الأوربي والسلع الأميركية إلى الأسواق العالمية، واعتبرت الهند المقترحات المطروحة لفرض حظر على دعم المصائد السمكية من أجل حماية المخزون السمكي الطبيعي بمثابة تهديد لحياة الصياديين الفقراء في الهند. وقد أعرب عدد من الدول المتقدمة عن أسفه لعدم توقيع الهند على اتفاقية كيوتو. وتدافع الهند عن موقفها على أساس أن معدل الفرد لديها من انبعاث الملوثات الصناعية لا يتجاوز ربع المعدل العالمي، وأن انبعاث الملوثات من مصادر إنتاج الغذاء في الهند لا يمثل سوى 4.5 % من حجم ما يصدر عن الدول المتقدمة في هذا الصدد، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

الأبعاد الجيوسياسية

يلقي القلق الهندي حول أمن الطاقة بظلال ثقيلة على موقف البلاد من الأمن الجيوسياسى، فانشغال البلاد بقضايا الطاقة عمّق من التحالفات العسكرية فى الإقليم، ودفع بالهند نحو إرسال تمثيل عسكري صغير إلى طاجيكستان، وإلى توقيعها اتفاقية مع إيران لإقامة محطة تسييل الغاز الطبيعى، ومدّ خط للأنابيب. وانصبّ الحوار مع إيران بشكل مباشر على الاتفاق الأمنى، بما فى ذلك إجراء مناورات عسكرية بحرية مشتركة، واتفاقات صيانة وتدريب عسكري. هذا التقارب مع إيران قد يؤثر سلبا على علاقة الهند ببعض الدول الاوربية، كما أنه أثار قلق بعض أعضاء الكونجرس الأميركي.

"يلقي القلق الهندي حول أمن الطاقة بظلاله علىموقف البلاد من الأمن الجيوسياسى، فانشغال البلاد بقضايا الطاقة عمّق من التحالفات العسكرية فى الإقليم، ودفع بالهند نحو إرسال تمثيل عسكري صغير إلى طاجيكستان، وإلى توقيعها اتفاقية مع إيران لإقامة محطة تسييل الغاز الطبيعى، ومدّ خط للأنابيب "

ولدى الهند رغبة عارمة فى فرض موقف مؤثر على النظام العسكرى فى بورما، على الرغم من أن رغبتها هذه لا تلقى استحسانا من الغرب. وتندفع الهند فى ذلك الاتجاه نتيجة تنافسها مع الصين للهيمنة على تلك الدولة، إضافة إلى رغبتها فى تأمين نصيب من مخزون الغاز الطبيعى فى بورما التي تضم نحو 10 تريليون قدم مكعب من الغاز، فضلا عن احتياطيات محتملة من المياه الجوفية. وتصارع الهند من أجل اللحاق بالصين فى سباق الطاقة المحموم. كما يقاوم زعماء الهند برباطة جأش الجهود الغربية لتبنى معايير صارمة جدا تجاه انبعاث غازات الاحترار العالمي. ويرى قادة الهند أن دولة نامية مثل دولتهم لا يمكنها الوفاء بهذه الالتزامات الصارمة. وعليه، فليس غريبا أن يسعى الموقف الهندي إلى الإبقاء على المعايير البيئية بعيدة عن المشاورات التجارية المتعدة الأطراف، رغم الآثار المدمرة التى يمكن أن تضرب أجزاءً من الهند نتيجة مشكلة الاحترار العالمي.

ويمر أكثر من نصف النفط العالمى عبر المحيط الهندي، وتلعب الهند دورا متناميا فى ضمان أمن الطاقة فى هذه المياه. ويرحب الغرب بهذا الدور الهندي. ولعل أحد الأسباب التى دفعت الولايات المتحدة لإقامة علاقات تجارية نووية مع الهند تكمن في أن تنمية قطاع الطاقة النووية الهندي يقدم وسيلة فعالة للحد من الآثار المتوقعة للنمو الاقتصادى الهندى على أسواق النفط والغاز العالمية والتي تتعرض للتقلص يوما بعد يوم. وسيبقى قطاع المواصلات الهندى شديد الاعتماد على واردات النفط، وستستمر محطات توليد الطاقة "غير النظيفة" المعتمدة على الفحم تنتج معظم احتياجات الكهرباء فى الهند لسنوات مقبلة. وإن كان من المتوقع أن تقلل الطاقة النووية، فعليا، من استهلاك الهند الشره للخامات الهيدروكربونية، وهذا من شانه أن يحد من حجم المواد المنبعثة الضارة بالمناخ العالمي. وإذا لم توسع الهند برنامجها النووي المدني، فستحتاج إلى استيراد وحرق ما قيمته 1.6 بليون يورو من الفحم سنويا وذلك بحلول عام 2050. ولعل فى تغيير النظام العالمي ونمو الاقتصاد الهندي السريع ما يؤدى إلى دعم موقف الهند فى إعادة رسم مكانتها في المنطقة وفي العالم ككل. فالهند تتقدم اليوم إلى مائدة التفاوض الدبلوماسي وهي غير مكبلة بأوضاع اقتصادية متأخرة، بل راضية بمكانتها الاقتصادية الآخذة في الازدهار. ويعطي ذلك للهند ثقلا تحتاجه القوى العظمى لتولي الهند عناية واهتماما في العلاقات الدولية.

وفي الختام فإنه من المفيد الانتباه إلى أن القيادة الهندية تواجه صعوبات كبيرة للحفاظ على تماسكها ووحدتها، خاصة في مجتمع بالغ التنوع والتعدد، ويعاني من توترات على المستوى الإقليمي والديني والطبقي والأيديولوجي والفئوي، وهي توترات كفيلة بأن تحد من عملية الإصلاح الاقتصادي وقد لا تسمح بتمريرها إلا بشق الأنفس. وفي النهاية، يمكننا القول إن الهند، مثل الصين، قدمت فصلا من ملحمة التغير الأسطوري في ميزان الاقتصاد العالمي والذي سيشكل المستقبل الإنساني على مستوى الوظائف والاستثمار وسوق الطاقة والوضع البيئي العالمي والتوازن العسكري. وفي هذا العالم الجديد ليست هناك بوابات للنجاح سوى الانفتاح والمرونة، وهي القيم التي يجب أن تحافظ عليها دول أوربا وأميركا الشمالية، فضلا عن دول الاقتصاديات الناشئة، والهند في مقدمتها.
___________
بيتراس أوستريفيشيوس، باحث ليتواني وأكاديمي وسفير سابق وله العديد من المؤلفات في اقتصاديات القوى الصاعدة. أما جون بوزمان فهو سياسي وباحث أميركي وله أيضا عدة كتب وبحوث في اقتصاديات القوى الصاعدة وبالأخص الصين والهند والبرازيل. ترجم النص من الإنجليزية إلى العربية عاطف معتمد عبد الحميد. ينشر مركز الجزيرة للدراسات هذه الدراسة بترتيب خاص مع مجلس برلمان الناتو NATO Parliamentary Assembly.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /04-10-2011, 02:03 PM   #5

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الثاني: الهنود العاملون في الخارج.. ذراع جديد للنمو الاقتصادي

المحور الثاني
مسيرة التنمية الاقتصادية

ولم يكن للهند أن تصعد لتصبح قوى إقليمية كبيرةوفاعلة ومرشحة لأن تكون إحدى القوى العظمى في العالم لو لم يكن اقتصادها قويا وفيطريقه لأن يكون أقوى خلال المستقبل المنظور. والاقتصاد الهندي هو بالفعل كذلك،فترتيبه ضمن أكبر اقتصاديات العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي الخامس بعدالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ومن حيث معدل النمو السنوييحتل المركز الثاني بعد الصين. فكيف تحقق ذلك؟ وما دلالاته وتأثيراته إقليمياودوليا؟ ذلك هو التساؤل الجوهري الذي حاول هذا المحور الإجابة عنه من خلال مبحثين:

المبحث الثاني: الهنود العاملون في الخارج.. ذراع جديد للنمو الاقتصادي

زوشما راماتشاندران


العمالةالهندية في الخليج (رويترز-أرشيف)

"قد يظن المرء خلال مراجعته لإحصاءات هجرة العمالة الهندية في الخارج أن الإسهام الأكبر في الاقتصاد الهندي يأتي من العمالة الماهرة، لكن الحقيقة تخالف هذا الظن، فالمكاسب المالية الأكبرتأتي من العمالة غير الماهرة ونصف الماهرة خاصة تلك التي تعمل في دول الخليج "

تولي نيودلهي عناية خاصة بالهنودالعاملين في الخارج والذين بلغ عددهم أكثر من 25 مليونا، وذلك لما يمثلونه من أهميةاقتصادية وسياسية في أغلب البلدان المتواجدين فيها. الباحثة الهندية زوشماراماتشاندران تناولت الأسباب التي جعلت العاملين الهنود في الخارج ذراعا جديدةللنمو الاقتصادي، كما ألقت الضوء على التأثير السياسي الذي تمارسه هذه العمالة فيبلدان المهجر، وآفاق وأبعاد تنامي هذا التأثير في المستقبل وذلك في مبحثها "الهنودالعاملون في الخارج.. ذراع جديد للنمو الاقتصادي".

ثمة ما يزيد عن 25 مليونا من أصل هندي ينتشرون في كافة أرجاء العالم، وبشكل خاص في أميركا الشمالية والمملكة المتحدة ودول الخليج. وتسهم العمالة الهندية في الخارج في تقدم الدول التي يعملون فيها بنفس القدر الذي تسهم فيه بدعم الوطن الأم عند المستويين الاقتصادي والثقافي.في بعض البلاد التي هاجروا إليها شارك الهنود بفاعلية في الحلبة السياسية، ووصل بعضهم إلى الحكومة. ويمثل الهنود العاملون في الخارج (أو ما يعرف اصطلاحا بالهنود غير المقيمين NRI) أهمية كبيرة للهند، الأمر الذي تم تقديره مؤخرا من خلال تشكيل وزارة شؤون الهجرة. وهدفت هذه الخطوة إلى الحفاظ على قدر من التواصل بين الهنود المهاجرين ووطنهم، وفي سبيل ذلك تم تقديم عدة تسهيلات وحوافز هدفت إلى تشجيعهم على الاستثمار في مجال البنية الأساسية الصناعية كي يتمكنوا من الإسهام في مستقبل الهند، لا أن يشعروا أنهم غرباء عن وطنهم.

مقاصد الهجرة

ينتشر الهنود المهاجرون في عديد من الدول، وإن كان العدد الأكبر في الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، ودول الخليج، وإقليم البحر الكاريبي، وماليزيا. وقد بدأت أولى موجات الهجرة الهندية في القرن التاسع عشر، وذلك بعد إلغاء الرق في المملكة المتحدة. وفي تلك الفترة تم استقبال أعداد كبيرة من الهنود كعمالة وافدة إلى دول البحر الكاريبي مثل ترينيداد، وتوباجو، وجامايكا، وجيانا، وجزر المحيط الهندي مثل موريشيوس، فضلا عن استقدام هذه العمالة إلى مناطق كانت آنذاك جزءا من الإمبراطورية البريطانية، كما وصل الهنود إلى أماكن أبعد في أرجاء هذه الإمبراطورية مثل جزر فيجي في المحيط الهادئ. وبدأت الموجة الثانية من هجرة الهنود للخارج في خمسينيات القرن العشرين، حين توجهت أعداد كبيرة منهم إلى المملكة المتحدة حيث تم استيعابهم في مهن متدنية. أما الهنود الذين سافروا إلى شرق إفريقيا في مطلع القرن العشرين فقد اختاروا الجنسية البريطانية رغبة في الالتفاف على سياسة التمييز التي مارسها ضدهم زعماء أفارقة مثل عيدي أمين في أوغندا. وفي ستينيات القرن العشرين استمرت موجة الهجرة إلى الدول الأوربية، وخاصة المملكة المتحدة، نتيجة الروابط الاستعمارية السابقة. وقد تغيرت نوعية المهاجرين الهنود في تلك الفترة فأصبحوا ممن تلقوا تعليما عاليا، وذوي مستوى مهاري مرتفع. فالأطباء الهنود على سبيل المثال توجهوا بأعداد كبيرة إلى المملكة المتحدة في الخمسينيات والستينيات.

كما هاجرت أعداد كبيرة من الهنود إلى الولايات المتحدة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وكان هؤلاء المهاجرون ممن تلقوا تعليما راقيا وذوى مهارات عالية. ويعيش اليوم في الولايات المتحدة ما يقرب من ثلاثة ملايين من أصل هندي، ويتفوق معدل التعليم بينهم على المعدل الأميركي العام. وقد تألفت موجات الهجرة التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين من المهندسين والأطباء والعلماء الذين كانوا يبحثون عن مستقبل اقتصادي أفضل. وفي السنوات الأخيرة أصبح الهنود من مصممي البرامج الحاسوبية جزءا من اقتصاد المعرفة القائم في الغرب، وتم توظيف عدد كبير منهم في شركات وادي السيليكون في الغرب الأميركي. كما شملت موجات الهجرة التي توجهت إلى الولايات المتحدة العديد من المهاجرين من سكان ولاية غوجرات بغرب الهند، المعروفين بمهاراتهم في قطاع الأعمال والتجارة. وقد اشتهرت هذه الجالية في الولايات المتحدة بنجاحها في قطاع الخدمات السياحية وتجارة التجزئة.

كما سافرت جالية صغيرة من غوجرات أيضا إلى مدينة أنتفيرب في بلجيكا، وأصبح لهؤلاء الهنود دورا كبيرا في صناعة الماس، وذلك لمهاراتهم في التعامل مع الأحجار الكريمة البالغة الصغر بعد أن كانت الصناعات هناك ترفض الاعتماد على هذا النوع من الأحجار. كما توجهت هجرة هندية إلى كندا، وقد بدأت في مطلع القرن العشرين مع موجات من هجرة السيخ. وقد تبع ذلك أن استقدم هؤلاء السيخ أسرهم من الهند إلى كندا، ومن ثم فهناك اليوم جالية هندية كبيرة في مقاطعتي فانكوفر وأونتاريو. ويقدر عدد الهنود في كندا بنحو 1.5 مليون.

وهناك نوع آخر من الهجرة الهندية غير الماهرة ونصف الماهرة توجهت إلى دول الخليج بعد ارتفاع أسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين، وما تبع ذلك من ازدهار اقتصادي، وبصفة خاصة في الإمارات والكويت والسعودية، وهناك لعب المهاجرون الهنود دورا بارزا في حل مشكلة نقص العمالة. ويبلغ عدد العمالة الهندية في الخليج اليوم نحو خمسة ملايين عامل. وينتمي 70 % من هذه العمالة إلى فئة العمالة غير الماهرة أو نصف الماهرة، أما النسبة الباقية فتشمل المتخصصين من الأطباء والمهندسين والمعماريين وموظفي البنوك والمحاسبين. في المقابل ينتشر المهاجرون الهنود في جنوب شرق آسيا في كل من ماليزيا وميانمار وسنغافورة وإندونيسيا وبروني وتايلاند. وقد توجه معظم المهاجرين إلى هذه المناطق في القرن التاسع عشر، وذلك من خلال تنفيذ اتفاقات استقدام القوى العاملة، والتي أقرها آنذاك الحكم البريطاني، واستمرت هذه القوانين في القرن العشرين. وفي تلك الأثناء، كان تدفق العمالة الهندية يأتي على السواء من فئات الياقات البيضاء والزرقاء. وكانت هذه الموجة من الهجرة مدفوعة بروابط ثقافية ودينية، يعود عمرها إلى قرون عديدة وذلك مع انتشار المعتقدات الهندوسية في دول مثل تايلاند وإندونيسيا، فضلا عما لعبه انتشار البوذية من الهند إلى تلك الأقاليم وما كان له من أثر كبير في توثيق الروابط الثقافية.

ويجب ألا تغيب عنا الجالية الهندية الكبيرة في جنوب إفريقيا، فمن هناك أطلق المهاتما غاندي حركته المعروفة باللاعنف والتي أدت في النهاية إلى إخراج البريطانيين من درة تاج الإمبراطورية. وحين ذهب غاندي إلى جنوب إفريقيا في عام 1893، كان آنذاك محاميا تلقى تعليمه الحقوقي في إنجلترا. ورغم تعليمه البريطاني إلا أنه تعرض في جنوب إفريقيا للاضطهاد والتمييز العنصري لكونه هنديا. ومن هنا بدأ غاندي حركة الدفاع عن حقوق الهنود، وهي الحركة التي تكللت في النهاية بتشكيل حزب المؤتمر الوطني الهندي.

"تحويلات الهنود المقيمين في الخارج بلغت فيعام 2008 نحو 43.5 بليون دولار. ومن هذا الرقم يأتي 18 بليون دولار من العمالة الهندية في دول الخليج، وهو ما يجعلهم رافدا اقتصاديا مهما"

وحين عاد غاندي إلى الهند فيما بعد، استخدم نفس الأسلوب في تشكيل حركة اللاعنف التي شملت كافة أرجاء البلاد، وأجبرت البريطانيين في النهاية على الخروج من الهند. ويقيم في جنوب إفريقيا اليوم نحو مليون هندي، تعود جذور معظمهم إلى أجيال بعيدة. ولذلك فإن هذه الجالية تحمل من السمات الجنوب إفريقية الكثير، وإن كانت هناك روابط وثيقة بين هذه الجالية وبعضها البعض، وبصفة خاصة ترابطها مع عائلة المهاتما غاندي. وإلى جانب ذلك، كانت الحكومة الهندية قد اتخذت مواقف متشددة ضد الحكومة العنصرية التي كانت تحكم جنوب إفريقيا سابقا، ولكن العلاقات عادت اليوم إلى الدفء مع الحكومة الحالية. وقد سعت الهند وجمهورية جنوب إفريقيا إلى تمتين العلاقات الاقتصادية البينية اعتمادا على ما لدى الدولتين من مكانة في الاقتصاديات الناشئة، وتعاونتا معًا في السنوات الأخيرة في عدد من المنتديات الاقتصادية متعددة الأطراف.

السياسات الحكومية

"الهند، على خلاف دول أخرى، تنظر إلى تصدير القوى العاملة كمصدر قوة للاقتصاد، حتى لو كان هؤلاء العمال من ذوي المهارات الاحترافية العالية وهذا يعكس ثقتها في منظومتها التعليمية القادرة على إمداد السوق المحلي والخارجي بمثل هؤلاء باستمرار"

على نحو ما أشرنا سابقا، تعيش العمالة غير الماهرة ونصف الماهرة في الخليج ظروفا صعبة. وفي مقدمة هذه الصعوبات احتفاظ الكفيل بجوازات سفرهم بمجرد وصولهم إلى تلك الدول. كما يتعرض هؤلاء العمال للغرامة والعقوبة بل والحبس لأية مخالفات حتى ولو كانت صغيرة. ولأن جوازات سفرهم لدى الكفيل ولا يستطيعون التحرك أو السفر، فإنهم يصبحون أحيانا عرضة للإساءة والاستغلال من قبل أرباب العمل. ولمواجهة هذه التجاوزات اتخذت الحكومة الهندية عدة خطوات لضمان عدم تعرض مواطنيها لمثل هذه المشكلات خلال عملهم في دول المهجر. ومن المعروف أن حماية العمال الهنود في الخارج رهينة بتعاون حكومات الدول المضيفة لهم. ومن ثم عقدت حكومة الهند اتفاقات بشأن حقوق العمال مع الأردن وقطر في الثمانينيات. وفي أعقاب تشكيل وزارة شؤون الهجرة في عام 2004 بذلت الحكومة الهندية جهودا أخرى لتوقيع مذكرات تفاهم مشتركة مع دول غرب آسيا من أجل حماية حقوق العمال الهنود الذين يعملون في تلك الدول.
وقد تم توقيع مثل هذه المذكرات مع الإمارات العربية المتحدة والكويت في عامي 2006 و2007 على التوالي. كما تم التوقيع على بروتوكول إضافي بشأن العمالة الهندية مع قطر في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 لتلبية المصالح المشتركة. وفي عام 2008 تم توقيع مذكرة تفاهم مشتركة مع سلطنة عمان، وتم التوصل إلى مذكرة أخرى مع ماليزيا في 2009. وهناك مذكرة مشابهة أخرى تم الانتهاء من صياغتها مع البحرين وسيتم توقيعها قريبا. كما تبذل جهود أخرى للتفاوض بشأن توقيع مذكرة تفاهم مع المملكة العربية السعودية واليمن. وتتضمن مذكرات التفاهم السابق الإشارة إليها إعلان نوايا مشتركة، يضمن دعم فرص العمل والتعاون الثنائي بين الجانبين، وحماية حقوق العمال. وتلزم هذه المذكرات الدول المضيفة بأخذ التدابير اللازمة لحماية العمال وضمان حقوقهم، وخاصة في القطاع غير الحكومي، كما تتضمن هذه المذكرات بيانا بالإجراءات العامة التي سيتبعها رب العمل في الدول المضيفة تجاه استخدام العمالة الهندية. وتضع هذه المذكرات شروطا حول استخدام العمالة بحيث تتفق مع قوانين العمل في كلتا الدولتين. كما تمخضت هذه المذكرات عن تشكيل مجموعات عمل مشتركة تضطلع بتنفيذ بنود مذكرات التفاهم، بحيث تلتقي هذه المجموعات بشكل منتظم بحثا عن حلول لمشكلات العمال بين الجانبين. وستوقع الهند قريبا مذكرات تفاهم مشتركة مع الدول الرئيسية في استخدام العمالة الهندية في كل من شرق ووسط أوروبا وآسيا، وذلك بحثا عن شراكات ثنائية لتوسعة سوق العمالة الهندية في الخارج وبصفة خاصة العمالة الماهرة التي تحتاجها أسواق هذه الدول.

ومع الدور الذي تلعبه وزارة شؤون الهجرة، يتزايد الاعتراف بالعمالة الهندية كعامل مهم لتنمية اقتصاد الهند، وقد بدأت الحكومة تولي أهمية للهجرة الخارجية واعتبرتها أحد الأبعاد المهمة التي تؤثر على العلاقات الاقتصادية بين الدول النامية والمتقدمة. ومن ثم قررت الحكومة في 2006 تشكيل شعبة السياسات الخارجية في وزارة شؤون الهجرة، وذلك لتسهيل وتعزيز حركة الهجرة من الهند إلى أسواق العمل الخارجية. وتم تشكل هيئة حكومية مستقلة لمعالجة كافة القضايا السياسية المرتبطة بهجرة العمالة الهندية. وتشمل المسؤوليات الأساسية لوزارة الهجرة صياغة سياسات تضمن إدارة فاعلة للهجرة، كما تم التقدم باقتراح تغييرات تشريعية جديدة، وتنفيذ الإصلاحات المتعلقة بشؤون الهجرة، فضلا عن صياغة برنامج لتحقيق رخاء المهاجرين، ودعم الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف المتعلقة بالتعاون الدولي في شؤون الهجرة.

وإضافة إلى ما سبق، تحاول وزارة شؤون الهجرة اتباع وسائل أكثر فاعلية، وتحويل نظام الهجرة إلى نظام يمكّن العمالة الهندية من السفر إلى الخارج من خلال نظام منهجي محلي ودولي وعبر وسائل تعاونات ثنائية ومتعددة الأطراف. وفي مقدمة هذه الوسائل صياغة مسودة تشريع جديد للهجرة يحل محل قانون الهجرة الصادر عام 1993، إضافة إلى إعداد برامج لتنمية مهارات العمالة الهندية وتأهيل تلك الشرائح من العمالة التي تستعد للسفر للخارج، فضلا عن بناء إطار منهجي للتحقق من وجود حياة كريمة للعمالة في الدول المضيفة، وإقامة مراكز في تلك الدول ترعى شؤون المهاجرين الهنود. ومن المنتظر أيضا أن تقوم وزارة شؤون الهجرة بتبني أفضل السبل التي اتبعتها دول أخرى في المنطقة لديها تجارب مشابهة في تحقيق رخاء مهاجريها مثل الفلبين، وذلك من خلال مراجعة وتنقيح نظام استخدام العمالة الهندية في الخارج حتى يصبح أكثر احترافا ومسؤولية.

وفي سبيل ذلك تم تأسيس مجلس قومي لحسن توظيف العمالة المهاجرة بهدف دعم اتخاذ القرار الحكومي في هذا الصدد، ولطرح استراتيجيات وممارسات فاعلة لإدارة هجرة العمالة الهندية من خلال إجراء عدد من البحوث والدراسات. كما تم إدراج نظام تراخيص السفر والهجرة في نظام إليكتروني وبرامج حاسوبية. وأيضا فإن مشروعا آخر قيد الإعداد لتحقيق تنفيذ شامل للحكومة الإليكترونية بما يجعل إدارة عملية الهجرة أسهل وأكثر دقة وشفافية، وذلك من خلال جعل كافة الأطراف المسؤولة والمشاركة في عملية الهجرة على دراية بكافة التفاصيل وعلى أرضية مشتركة من المعرفة. كما تبذل وزارة شؤون الهجرة جهودا أخرى من أجل تنويع سوق العمل المفتوح أمام الهنود وذلك من خلال توقيع عدة اتفاقات شراكة بشأن العمالة المهاجرة مع دول ينتظر أن تفتح أسواقها للعمالة الهندية في المستقبل. وتسعى الحكومة الهندية إلى توقيع اتفاقات ثنائية مع الدول المتقدمة بشأن الأمن الاجتماعي لحماية مصالح المهاجرين الهنود الذين يعملون في مهن عالية الاحتراف في تلك الدول.

كما تتعاطف الدولة بشكل تدريجي مع الجهود التي يبذلها المهاجرون الهنود في الخارج للارتباط بالوطن الأم. فقد أطلقت الحكومة في يناير 2006 مشروع "بطاقة المواطنة للمهاجرين في الخارج" استجابة لمطالب معلقة منذ فترة طويلة بشأن حصول الهنود غير المقيمين على المواطنة الهندية. وقد حقق هذا المشروع نجاحا كبيرا، فبحسب وزير شؤون الهجرة فايلار رافي تم إصدار 90.000 بطاقة منذ الإعلان عن هذا المشروع قبل ثلاث سنوات مضت. ويمكن للأشخاص ذوى الأصل الهندي الذين يعيشون في دول تسمح بالجنسية المزدوجة بالتقدم للحصول على هذه البطاقة. ويتمتع حامل هذه البطاقة بكافة مزايا المواطنة للهنود المقيمين في الهند، باستثناء حق التصويت الانتخابي، وحق الترشح للمناصب الدستورية مثل منصب الرئيس أو نائب الرئيس أو قاضي قضاة المحكمة الدستورية أو المحاكم العليا في الدولة.

ومن المشروعات الأخرى المتاحة للمهاجرين الهنود في الخارج الحصول على بطاقة "شخص من أصل هندي" والتي تعطي لحاملها مزايا خاصة في الدولة التي يعيش فيها. وأغلب الذين يحصلون على هذه البطاقة هم ممن هاجروا عبر نظام العقود البريطانية إلى كل من فيجي وسورينام وإقليم البحر الكاريبي وذلك خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ويضاف إلى كل ما سبق فإن الحكومة الهندية تنظم مؤتمرا سنويا خاصا بالهنود غير المقيمين في الوطن. ويتم تنظيم هذا المؤتمر من خلال التعاون بين كل من الحكومة واتحاد الغرف الصناعية. ويعرف يوم عقد هذا المؤتمر باسم "يوم الهنود المقيمين في الخارج" “Pravasi Bharatiya Divas” ويعقد في يناير/كانون الثاني من كل عام. ويهدف هذا اليوم إلى الاعتراف بإنجازات الجالية الهندية المهاجرة، وبصفة خاصة تقديم التقدير لأولئك البارزين في مجال تخصصهم. وقد صار هذا الحدث مناسبة سنوية لمناقشة قضايا تشغل الجالية الهندية، وقضايا أخرى متعلقة بتنمية وتطوير الهند. وعقد أول مؤتمر من هذا النوع في الفترة من 9 إلى 11 يناير/كانون الثاني من عام 2003. وعادة ما يعقد هذا المؤتمر على مدار ثلاثة أيام. ويتغير عنوان القضية الأساسية للمؤتمر من عام لآخر. وفي عام 2009 أعلنت وزارة شؤون الهجرة أنها تهدف إلى الاستماع لخبرات الهنود المقيمين في الخارج في مضمار التنمية، في محاولة لتحقيق المصالح المشتركة بين الطرفين.

وعلى الرغم من أن يوم الهنود المقيمين في الخارج حديث العهد، إلا أنه صار حدثا بارزا في مسيرة التنمية الهندية. فعلى سبيل المثال، حين عقد المؤتمر الثالث في 2005 في أعقاب التدمير الذي سببته موجات التسونامي للساحل الجنوبي للهند، تمكن المؤتمر من الحصول على ملايين الدولارات من تبرعات الهنود في الخارج لمساعدة الضحايا. كما تطرق المؤتمر لقضايا هامة مثل الجنسية المزدوجة وحقوق الانتخاب للهنود المقيمين في الخارج وغير ذلك من الموضوعات التي لقيت مناقشة جادة وعميقة بأكثر مما حظيت به في المؤتمرات السابقة. وفي هذا الصدد، من المهم الإشارة إلى أن الهند، على خلاف دول أخرى، تنظر إلى تصدير القوى العاملة كمصدر قوة للاقتصاد الهندي. ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الدول مثل الصين منع مواطنيها من السفر للعمل في الخارج، لم تضع الهند أية عقبات أمام سفر القوى العاملة، حتى لو كان هؤلاء العمال من ذوي المهارات الاحترافية العالية. ورغم النقد الذي وجه في الماضي لهجرة ذوي الكفاءة العالية، فيما يعرف اصطلاحا بـ"نزيف العقول"، لم تضع الهند أية عراقيل أمام هجرة الأطباء أو المحاسبين رغم ما أنفقته الدولة من قبل لتعليم وتأهيل هؤلاء المهاجرين. ويشير العائد النهائي لإنتاج هؤلاء المهاجرين إلى أنهم أصبحوا عنصرا أساسيا في اقتصاديات الدول التي يعملون فيها.

الدور والأهمية

ولأن الهنود قد تركوا وطنهم بسبب عوامل اقتصادية في المقام الأول، فلابد إذن من تشجيعهم ودعمهم للاستمرار فيما يقومون به من "إرجاع" مدخراتهم للنهوض بذلك الوطن، خاصة مع اتجاه بعض الهنود للعودة للهند والرغبة في الاستقرار في الوطن الأم، وذلك مع الركود الاقتصادي العالمي، أخذا في الاعتبار أن الوضع في الهند ليس بنفس السوء الذي تعانيه عدة دول في العالم. ويقتصر هذا التوجه على المهاجرين من الجيل الأول ممن يحتلون قمة قطاع الاقتصاد المعلوماتي، خاصة وأن الهند صارت مركزا عالميا في هذا المجال. "القوى العاملة الهندية في الخارج والتي تقدررسميا بـ 25 مليون نسمة، لا تتوقف أهميتها على الجانب الاقتصادي فقط، وإنما يمتدتأثيرهم إلى المجال السياسي أيضا حيث أصبحوا يلعبون في البلدان التي يقيمون فيهادورا سياسيا متزايدا خاصة من قبل أؤلئك المهرة ذوي المناصب المهمة قد يظن المرء خلال مراجعته لإحصاءات هجرة العمالة الهندية في الخارج أن الإسهام الأكبر للاقتصاد الهندي يأتي من العمالة الماهرة المتعلمة التي تشكل النسبة الأكبر بين الجالية الهندية في الولايات المتحدة. لكن الحقيقة تخالف هذا الظن، فالمكاسب المالية الأكبر التي تجنيها الهند من مهاجريها في الخارج تأتي في المقام الأول من العمالة غير الماهرة ونصف الماهرة في دول الخليج ممن يرسلون تحويلات هائلة إلى وطنهم. ويرسل هؤلاء العمال بمعظم رواتبهم لأسرهم في الهند من أجل توفير مدخرات كافية للمستقبل. وقد كان لهذه التحويلات أهمية محورية في تعزيز احتياطي النقد الأجنبي في ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين بعدما كان هذا الاحتياطي قد وصل إلى أدنى مستوى له في سبعينيات ذلك القرن.

وتأتي معظم العمالة الهندية في الخليج من ولاية كيرلا بجنوب غرب الهند. وتتميز الولاية بمعدل تعليمي مرتفع حيث لا تتجاوز نسبة الأمية في الولاية 1 %، وقد صنفها عالم الاقتصاد الهندي الشهير أمارتيا سين بأنها من أكثر ولايات الهند تقدما في مجالي الرعاية الطبية والتعليم، وهي خدمات متاحة لكافة شرائح المجتمع في الولاية. ورغم أن الولاية قد خضعت بالتناوب لحكم الحزب الشيوعي وحزب المؤتمر إلا أنهما لم ينجحا في تحقيق فرص عمل كافية للسكان. وكنتيجة لهذا هاجر كثير من سكان كيرلا إلى الخليج بحثا عن فرص عمل خلال سبعينيات وثمانينات القرن العشرين. وبحسب وزير شؤون الهجرة فايلار راي في حوار له مع صحيفة هندية اقتصادية يومية فإن تحويلات الهنود المقيمين في الخارج بلغت في عام 2008 نحو 43.5 بليون دولار. ومن هذا الرقم يأتي 18 بليون دولار من العمالة الهندية في دول الخليج. وقد أشار "راي" إلى أن هذا الرقم قد تحقق رغم الكساد الاقتصادي العالمي حتى أنه قد تخطى تحويلات عام 2007 التي بلغت 27 بليون دولار.

وتعزى الزيادة في أرقام عام 2008 إلى أنه مع انهيار النظام المصرفي العالمي اتجه كثير من الهنود المقيمين في الخارج إلى وضع ثقتهم في النظام المالي الهندي. كما أشار الوزير في حوار آخر إلى أن أكثر من 150 ألف عامل هندي قد عادوا من الإمارات العربية المتحدة خلال عام 2008-2009 نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية. وبحسب تقرير للبنك الدولي، تتصدر الهند دول العالم في حجم تحويلات المغتربين. وفي التقرير الذي يحمل عنوان "الكتاب الإحصائي للهجرة والتحويلات المالية من الخارج لعام 2008" تأتي الصين في المرتبة الثانية بحجم تحويلات مقدارها 25.7 بليون دولار، تليها المكسيك التي حصلت على 25 بليون دولار، ثم الفلبين 17 بليون دولار، وفرنسا 12.5 بليون دولار. يلعب الهنود في المملكة المتحدة دورا بالغ الأهمية، فالأطباء ذوي الأصول الهندية يمثلون العمود الفقري لنظام الرعاية الطبية العامة في البلاد. كما أن المبرمجين الهنود الذي سافروا إلى الولايات المتحدة للعمل في شركات البرمجيات قد صاروا عاملا فاعلا في تطور تلك التقنيات المتقدمة. أما وادي السيلكون الشهير في كاليفورنيا فينتشر فيه الهنود، حتى صار مألوفا أن ترى النساء ترتدين الساري الهندي في شوارع سان خوسيه، حيث المركز الأكبر لشركات التقنيات المتقدمة.

وبالمثل، حين تزايد الطلب على العمالة غير الماهرة ونصف الماهرة في دول الخليج لم تقم الدولة بإعاقة هجرة العمالة الماهرة لتحقيق توازن في حجم التدفق للخارج. ففي حالة العمالة غير الماهرة، كان هناك دوما فائض في الهند ومن ثم لم يكن هناك خوف من خلل ما في سوق العمالة الداخلية، وهو ما شجع الدولة على السماح لهذا النوع من العمالة بالبحث عن فرص توظيف خارج البلاد. وبالنسبة للحرفيين نصف المهرة، فيأتي أغلبهم من ولايات مثل أوتار براديش وبيهار، وعادة ما يكونون من عائلات احترفت أعمال النجارة والدهانات والسمكرة. ورغم أن هذا النوع من العمال كان بوسعه الحصول على عمل في الهند إلا أن فرق الأجور في الخارج مشجع للغاية خاصة في الدول الخليجية الثرية بالنفط في غرب آسيا التي احتاجت لهذه العمالة لإتمام مشروعات البناء والتشييد.

أما المتخصصون من المهندسين والأطباء الذين وجدوا طريقهم إلى الولايات المتحدة الأميركية فقد ذهبوا أيضا بحثا عن أجور ورواتب أعلى، ومستوى معيشي أكثر رفاهية. وتعد اللغة الإنجليزية التي يتقنها هذا النوع من المهاجرين ميزة كبرى يتفوقون بها على غيرهم من القوميات الأخرى في الولايات المتحدة والذين يتحدثون بـ 36 لغة. وقد جاء كثير من مهندسي البرمجيات الهنود الذين توجهوا إلى الولايات المتحدة من جنوب الهند، حيث اللغة الإنجليزية هي لغة المناهج الدراسية مقارنة بأي إقليم آخر، فضلا عن أن جنوب الهند يولي عناية أكبر للرياضيات والعلوم في المراحل التعليمية مقارنة بأي إقليم آخر في البلاد. لكن ما من شك أن المتخصصين المحترفين من الأطباء والمهندسين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة قد جاءوا من كافة أرجاء الهند وسجلوا تميزا مهنيا. وكنتيجة لهذا، فإن متوسط دخل المهاجر الهندي في الولايات المتحدة يتفوق على المتوسط العام للدخول في هذه الدولة. وما يزال الهنود في الخارج يحافظون على روابط وثيقة مع الوطن الأم. فقد أنشؤوا تنظيمات إقليمية خاصة بهم وجلبوا للمجتمعات التي هاجروا إليها معالم ثقافية هندية من أطعمة وأزياء وطقوس وغير ذلك. كما انخرط كثير من الهنود في قطاع الخدمات، على نحو ما يدير الوافدون من ولاية غوجرات سلسلة فنادق الموتيلات في الولايات المتحدة. وتشتهر ولاية غوجرات بتفوق أبنائها في مجال التجارة والأعمال، واستغل الهنود تلك المهارات في أجواء السوق الرأسمالي المفتوح بأميركا الشمالية.

ولعل إحدى المزايا التي قدمها الهنود ذوي التعليم العالي والمهاجرون للدول الغربية أنهم لفتوا انتباه العالم الخارجي إلى حقيقة أن الهنود المتخصصين يتقنون اللغة الإنجليزية، ومن ثم فقد أدى ذلك إلى تشجيع عدد من المؤسسات الصناعية والتجارية على إقامة مراكز لها في المدن الهندية. وقد توسع هذا الأمر بالتدريج ليشمل تخصصات متقدمة للغاية مثل الأدوية والخدمات المتخصصة.

وقد ساهم ذلك في عمليات توظيف هائلة في الداخل الهندي على نحو ما شهدت مدن مثل دلهي ومومباي وبانجالور وتشيني. وقد امتد ذلك إلى المدن الصغيرة حيث وجدت الشركات الأجنبية أشخاصا يجيدون التحدث بالإنجليزية ويتقاضون رواتب أقل. وإضافة إلى ما سبق، هناك اليوم هجرة عكسية يعود من خلالها الهنود المقيمون في الخارج للبحث عن فرص عمل في الهند التي تعتبر واحدة من أسرع اقتصاديات العالم نموا مثلها مثل الصين. وقد نما هذا الاتجاه في العام الماضي مع حالة الكساد التي أصابت الاقتصاد العالمي وانكماش فرص التوظيف في اقتصاديات الدول المتقدمة، في الوقت الذي شهدت فيه الهند استمرارا في ارتفاع الطلب على المديرين المتخصصين والخبراء الماليين.

وما تزال الهند، إلى جانب الصين، واحدة من أسرع الاقتصاديات نموا في العالم، في الوقت الذي تصارع فيه بقية دول العالم للإفلات من الكساد العالمي. وقد أشارت أحدث توقعات المجلس الاستشاري الاقتصادي لرئيس الوزراء مانموهان سينغ إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي سيتراوح بين 6.25% و 7.25 % خلال العام المالي ( أبريل/نيسان 2009 وحتى مارس/آذار 2010). وقد أدى انتشار المهاجرين الهنود حول العالم إلى تحسين العلاقات الإستراتيجية مع بعض الدول، وإن كانت علاقات الهند تقوم في المقام الأول على روابط تقليدية قديمة قدم التاريخ. فعلاقة الهند دوما وثيقة بدول الخليج العربي بسبب العلاقات التجارية والثقافية التاريخية بين الطرفين.

ومما يزيد هذه العلاقة وثوقا أن الدين الإسلامي الذي تعتنقه دول الخليج يعد حلقة وصل أساسية مع سكان الهند المسلمين. ومن ثم فإنه حتى قبل هجرة العمالة الهندية إلى دول الخليج كانت العلاقة بين الطرفين علاقة محورية للغاية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الهند تضم ثاني أكبر تجمع سكاني إسلامي في العالم، بعد إندونيسيا. وفي كل عام يتوق كثير من مسلمي الهند لأداء فريضة الحج في مكة بالمملكة العربية السعودية. وتقدم الحكومة الهندية دعما ماليا خاصا للحجاج المسلمين المتجهين لأداء تلك الفريضة. ولهذه الأسباب تميزت الروابط التي تجمع الهند بالعالم الإسلامي في الخليج بشدة أواصرها. وقد أسهم كثير من دول الخليج باستثمارات كبرى في قطاع البنية الأساسية في الهند. وربما لهذا السبب رحبت دول الخليج بالعمالة الهندية في أعقاب الطفرة النفطية في سبعينيات القرن العشرين حين سعت هذه الدول إلى إرساء بنية أساسية في أراضيها.

وما من شك في أن الحكومة الهندية قد أولت عناية كبيرة لتوثيق علاقاتها بدول الخليج في أعقاب تدفق أعداد كبيرة من العمالة الهندية إليها. ويحرص وزير شؤون الهجرة الهندية فايلار رافي على زيارة دول الخليج مرتين سنويا لتنشيط العلاقات مع تلك الدول وتذليل العقبات المرتبطة بالعمالة الهندية هناك. كما تحسن الحكومة الهندية اختيار سفرائها إلى تلك المنطقة من بين أولئك القادرين فعليا على تأمين علاقات وثيقة ومتينة هناك.

وتعد جمهورية جنوب أفريقيا من المراكز المهمة التي يعتني بها الديبلوماسيون الهنود، ويعود ذلك إلى أن هذه الدولة تتخذ طريقها لتصبح قوة اقتصادية فضلا عن العلاقات الوطيدة بينها وبين الهند التي تمتد لأكثر من قرن، وبصفة خاصة منذ عهد المهاتما غاندي. ويعد تدعيم وتقوية هذه العلاقات أساس محوري لسياسة الهند الخارجية، حيث للجالية الهندية في جنوب أفريقيا أهمية كبيرة في العلاقات بين البلدين، رغم أن هنود جنوب إفريقيا هم من الجيل الرابع والخامس الذين اندمجوا كلية في المجتمع الجنوب أفريقي.

ومن جانب آخر تقوم علاقات الهند المتنامية مع الولايات المتحدة على أسس من المصلحة المشتركة دون أن تكون الجالية الهندية سببا في ذلك. ومع ذلك لا يمكن إنكار التأثير الفعال للجالية الهندية في الولايات المتحدة في دفع العلاقات بين الطرفين إلى مزيد من التقارب. وقد عين الرئيس الحالي باراك أوباما العديد من الشخصيات ذات الأصل الهندي في مناصب مهمة في إدارته. ولعل أرقى تلك المناصب اختيار د. راجيف شاه لمنصب رئيس صندوق الإعانة الأميركية USAID. وقد اندمج الهنود في المجتمع الأميركي بشكل عميق، ويدخلون الحلبة السياسية يوما بعد يوم. ولعل الصعود المدوي للسياسي بوبي جيندال، ذي الأصل الهندي، من الحزب الجمهوري حين تم انتخابه حاكما لولاية لويزيانا هو الحالة الأكثر شهرة اليوم. وبالمثل، هناك العديد من الشخصيات الهندية الأصل في القضاء الكندي. وقد توثقت العلاقات الهندية الأميركية في السنوات الأخيرة، وبصفة خاصة بعد اتفاق الطاقة النووية بين الجانبين.

وفي حالة المملكة المتحدة، فإنه ما من شك أن وجود جالية هندية كبيرة ومؤثرة يفسح المجال لهذه الجالية للعب دور كبير في توثيق العلاقة مع الهند. فالعلاقات الهندية مع المملكة المتحدة تدعمت وتوثقت لأسباب عديدة في مقدمتها روابط التركة الاستعمارية، وحقيقة أن الهند ما تزال جزءا من مجموعة دول الكومنولث. وقد أصبحت الجالية الهندية في المملكة المتحدة جزءا متكاملا من المجتمع البريطاني إلى درجة أن أصبحت وجبة دجاج تيكا المعروفة باسم “Chicken Tikka Masala” ذات الأصل الهندي، طبقا وطنيا في البلاد. لقد أصبح الهنود أعضاء بارزين في المجتمع البريطاني وفي كل من مجلسي اللوردات والعموم. وبالمثل، فإن رجال الصناعة قد حفروا أسمائهم في المجتمع البريطاني، وفي مقدمتهم السير سواراج باول. وتتدعم هذه الروابط من خلال السياحة الهندية إلى المملكة المتحدة، فكثير من الحركة الهندية إلى المملكة المتحدة تتم اليوم ليس بدافع الهجرة، بل رغبة في الترفيه والتسوق والاستمتاع بالريف الإنجليزي والاسكتلاندي.

ولم تتطور العلاقة الإستراتيجية مع المملكة المتحدة كثيرا من خلال الروابط الاقتصادية، وذلك لأن كثيرا من الشركات البريطانية لها وجود تقليدي في الهند. وهناك اليوم هجرة عكسية للاستثمارات تتجه من الهند إلى المملكة المتحدة، ومن أمثلة ذلك قيام شركة السيارات الهندية "تاتا" بشراء شركتي "جاجوار" و" لاند روفر" إضافة إلى شركة "كوروس" للصلب. وقد لا يكون هذا مدفوعا بشكل مباشر من قبل الجالية الهندية في المملكة المتحدة، لكن إتقان الهنود للغة الإنجليزية يجعل من السهل على هذه الشركات التعامل مع كل من الاقتصاد الهندي والبريطاني على حد سواء. وأخذا للدور الاقتصادي للجالية الهندية في الخارج في الاعتبار، تجدر الإشارة إلى الآثار الناتجة عن هذه الهجرة على صناعة السينما. فالسينما الهندية المعروفة باسم "بوليوود" والقائمة على إنتاج أفلام ناطقة بالهندية من مدينة مومباي تلقى ترحيبا وانتشارا ليس فقط في السوق الهندي الداخلي بل في دول الخليج ومصر والمغرب ودول جنوب شرق آسيا.

وتعرض هذه الأفلام اليوم أيضا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا تلبية لحاجة الجالية الهندية المهاجرة في تلك الدول. وكنتيجة لهذا، فإن معظم الأرباح التي تجنيها صناعة السينما الهندية تأتي من توزيعها في مجتمعات المهاجرين في الخارج. وينعكس ذلك اليوم في أن معظم الموضوعات التي تتناولها هذه الأفلام تقوم على عرض حياة الهنود المقيمين في الخارج، كوسيلة لجذب المشاهدين الهنود حول العالم. وقد صار مألوفا أن تقوم الأفلام الهندية بتصوير بعض المشاهد وأحيانا كل المشاهد خارج الهند، وذلك لتقديم معالم تحظى باهتمام وشغف المشاهدين الهنود المقيمين في المهجر. وبهذا الشكل تسهم الجالية الهندية في المهجر بعائدات متزايدة لصناعة السينما الهندية، وهو ما يصب في النهاية في تقدم الاقتصاد الهندي. ويزداد هذا الوضع أهمية إذا عرفنا أن صناعة السينما الهندية تنتج العدد الأكبر من الأفلام في العالم.

وفي الختام يبقى أن نقول أن القوى العاملة الهندية في الخارج والتي تقدر رسميا بـ 25 مليون نسمة، وإن كانت أكبر من ذلك بحسب التقديرات غير الرسمية، يتزايد دورها الذي تلعبه لصالح الوطن الأم وهي تتحول بالتدريج إلى ثروة كبرى من حيث الدور والمكانة والتحويلات المالية السنوية التي تنعش ميزانية الدولة، فضلا عن تأثيرها السياسي المتنامي في البلدان التي تقيم فيها.
_____________
زوشما راماتشاندران، كاتبة وباحثة هندية. ترجم النص من الإنجليزية إلى العربية عاطف معتمد عبد الحميد.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /05-10-2011, 10:04 AM   #6

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الثالث: ثغرات في قصة التنمية بالهند

المحور الثاني
مسيرة التنمية الاقتصادية

ولم يكن للهند أن تصعد لتصبح قوى إقليمية كبيرةوفاعلة ومرشحة لأن تكون إحدى القوى العظمى في العالم لو لم يكن اقتصادها قويا وفيطريقه لأن يكون أقوى خلال المستقبل المنظور. والاقتصاد الهندي هو بالفعل كذلك،فترتيبه ضمن أكبر اقتصاديات العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي الخامس بعدالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين واليابان، ومن حيث معدل النمو السنوييحتل المركز الثاني بعد الصين. فكيف تحقق ذلك؟ وما دلالاته وتأثيراته إقليمياودوليا؟ ذلك هو التساؤل الجوهري الذي حاول هذا المحور الإجابة عنه من خلال مبحثين:

المبحث الثالث: ثغرات في قصة التنمية بالهند

ورغم أن الحكومات الهندية المتعاقبة خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة لم تستجب "بلا تحفظات" لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، واختطت عوضا عن ذلك لنفسها سياسة اقتصادية تأخذ بعين الاعتبار الشرائح الفقيرة في المجتمع، وتحركت بخطوات "محسوبة ومنضبطة" وهي تسير في طريق التحول من اقتصاد اشتراكي إلى رأسمالي، رغم ذلك، لم تسلم المسيرة التنموية من ثغرات، ولم يسلمفقراء الهند مما لحق بهم من تبعات. هذه الثغرات وتلك التبعات يستعرضها الكاتب والباحث الهندي محمد ضياء الحق في مبحثه "ثغرات في قصة التنمية الهندية".

ثغرات في قصة التنمية الهندية

فقراء الهند يشتكون من ذهاب عوائد التنمية إلى الطبقتين الوسطى والغنية (الفرنسية-أشيف)

من سمات ملاحم النصر الكبرى أنها تواري بقدر ما تكشف. لا نقصد أن هذه الملاحم لا تحكي الحقيقة، بل هي تحكيها، لكن دون أن تكشف من الحقيقة سوى النصف، أو الربع. ولأن رواية الملحمة عادة ما تأتي من مصدر "رسمي" فإنها تكون مدعمة بقوة الدولة ونخبة السياسة والمال، ووسائل الإعلام المملوكة لجماعات المصلحة. وقصة نجاح الهند هي واحدة من تلك القصص الكبرى التي اعتمدتها الدولة، ومررتها، وصادقت عليها، ثم باركتها النخبة الهندية.

قليل من الشعور بالرضا
درجات الحرمان
لغز خط الفقر
بين سوء التغذية وقتل الأجنة
ويبقى الأمل

"منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين شهدت الهند نموا في إجمالي الناتج المحلي تراوح بين 5 إلى 6 % ووصل في تسعينيات ذلك القرن إلى 9 %ورغم ذلك فهناك تفاوت في الدخل تزايد سواء بين الأقاليم الهندية فيمابينها أو داخل كل إقليم على حدة"

السؤال الآن هو ماذا جرى للنصف الآخر المنسي من قصةنجاح الهند؟ الواضح أن السلطة القائمة تعمل على دس هذا النصف المعتم تحت البساط، أو إخفائه في حاوية صلبة مدسوسة داخل جدار يزيد سمكه عن خمسة أقدام ويوارى تحت الأرض بنحو ميل، على نحو ما يتم مع المخلفات النووية. وتعتقد السلطة أنها، بذلك، قد تخلصت من النفايات السامة، لكنها لا تدرك أن هناك تسربا إشعاعيا يصعد نحو سطح الأرض ويلوث البيئة بحكم قانون التدفق الطبيعي. يدرك العاملون في الحقل الإعلامي أنه ليس بوسعهم قول الحقيقة كاملة، أو عرضها بكامل أطيافها، بل يقدمون زاوية بعينها من زوايا الرؤية، لا تتجاوز هذه الزاوية عادة 20 درجة من إجمالي ال180 درجة من الحقيقة الكاملة. ويمكننا، على سبيل المثال، إدراك الفروقا ت بين هذه الزوايا من خلال مراجعة الخطاب الإعلامي لصحيفة التايمز اللندنية (ذات توجه يمين الوسط) بخطاب مجلة نيو ستيتسمان (اليسارية). ولعله يكفينا في هذا الاستشهاد بما أسماه نعوم تشومسكي بالحقيقة النمطية.

ومن المعلوم في صناعة الإعلام أن كبار المعلنين (أصحاب شركات بيع السيارات الفارهة، والساعات الثمينة، والرحلات السياحية الفاخرة، والعقارات الجديدة، ومصممو الأزياء) لن يعلنوا عن مثل هذه السلع في صحف تناقش قضايا الجوع في الولايات الهندية مثل أوريسا في الشرق أو تشاتيسجاره في وسط البلاد، أو تناقش الموت جوعا في ولاية جارخند ( والتي يعني اسمها حرفيا "أرض المروج" وتسكنها جماعات قبلية). ولن نجد واحدا من المعلنين الكبار يدفع أموالا لتمويل مثل هذه القضايا التي ستفسد مزاج القارئ فينصرف عن شراء ساعة رولكس ذهبية مطعمة بفصوص من الماس يكفي ثمنها لإطعام أسرة من الأسر في قرية نائية لعدة سنوات متواصلة.

والحقيقة أن قصة الجوع في حد ذاتها لن تفسد مزاج القارئ فتصرفه عن شراء ساعة أو قضاء رحلة على خطوط طيران فارهة، بل السبب ببساطة هو أن المعلن لن ينتظر مكسبا من خلال الإعلان في مثل هذه المطبوعة، لأن جمهور هذه المطبوعة (المهموم بالفقر والجوع) ليس من تلك الشريحة التي يستهدفها المعلنون.والملاحظ أن الإعلام المطبوع والإليكتروني في الهند يتسم بنمو متسارع الخطى. وفي هذا الإعلام ثمة توجه، بطريقة شبه إلزامية وفي صورة عقد غير مكتوب، لترويج شعارات رسمية على شاكلة: "الهند تشرق من جديد"، والهند على "أهبة الاستعداد للانطلاق"، أو"فليطمئن الجميع". وقد تعاطت النخبة في الهند بسعادة بالغة مع هذه الشعارات خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 2004، لدرجة أن قادة التحالف الحاكم آنذاك، والمعروف باسم التحالف الوطني الديموقراطي، قد أطلقوا على انتخابات تلك الفترة اسم "انتخابات الشعور بالسعادة" في "الهند التي تشرق من جديد" وذلك على نحو ما عبرت عنه الملصقات الانتخابية التي تم نشرها في كافة أرجاء المناطق الحضرية. لقد بدا التحالف الوطني الديموقراطي آنذاك معتدا للغاية بالهند التي تشرق من جديد وبالهنود الذين يشعرون بالسعاة.

ويبدو أن من نحت هذه الكلمات في التحالف الوطني الديموقراطي قد شعر بالسعادة لقدرته على صك شعارات باللغة الإنجليزية، تم الترويج لها بين مواطنين معظمهم لا يعرف هذه اللغة أو لديه في أحسن الأحوال إطلاع محدود عليها. وحققت الصحف والمجلات أرباحا كبيرة لتلقيها إعلانات ضخمة تحمل هذه الشعارات، المنافية للمنطق، والتي تم توزيعها في كل أرجاء الهند. ومن المعروف أن الصحافة الهندية تتمتع بنفس الحرية التي تتمتع بها صحافة أية ديمقراطية عريقة.

ولم يجبر أي صحفي هندي على ترديد تلك الشعارات التي روجت لها حملة انتخابات التحالف الوطني الديموقراطي، لا في الأعمدة اليومية أو الأسبوعية ولا في المقالات التحريرية. لكن الصحافة عادة ما تنتهي إلى حالة من الدوران حول الذات، فتفشل في تقدير مزاج الأغلبية الصامتة من الشعب الهندي التي تكافح في صراع مع الحياة في الأحياء القذرة والعشوائية في المدن والقرى. وإذا كان يعنيك زيارة البيوت العشوائية القذرة في المدن والقرى الممتدة على طول الطرق الرئيسية التي تقطع البلاد طولا وعرضا، سيداخلك شعور أن هؤلاء الناس البسطاء غير سعداء وغير راضين، على خلاف ما تشير إليه تلك التوقعات السياسية بمستقبل مشرق. فالكتاب الذين يمتلكون حسا واعيا واستشعارًا بالمستقبل نبهوا بالفعل إلى خطورة "الصمت المشئوم للناخبين".

وبعد ما يزيد عن خمسة عقود ونصف (1947-2004) من ترسيخ الديموقراطية في الهند، مارس خلالها الناخبون قدرتهم على تحديد مصير من يصل إلى الحكم من الأحزاب والقيادات السياسية، جاء الوقت من جديد في انتخابات 2004 ليقول الشعب كلمته. وحال ما بدأت نتائج الاقتراع تصل إلى أولئك الرجال المرموقين الجالسين في "قاعات الحرب" (وهو مصطلح آخر مناف للعقل استعاره مهندسو الحملات الانتخابية في دلهي من القاموس الانتخابي للبيت الأبيض) كانت النتيجة صادمة ومذهلة. فالناس الذين لم يجدوا شيئا يسرهم في الهند التي يعيشون فيها ويتنفسون هواءها، ولم يقتنعوا بأن ثمة شمس للرخاء تشرق في الهند، قرروا قول كلمتهم الحاسمة. وبطبيعة الحال، لقن الناخبون مهندسي الحملات الانتخابية في التحالف الوطني الديموقراطي درسا قاسيا، وصوتوا لحزب المؤتمر.

قليل من الشعور بالرضا

"لعل المزارعين الهنود هم أكثر الفئات السكانية التي لا تشعر بالسعادة. فهم يكافحون من أجل إنتاج الطعام للبلاد، طعام يعتمد عليه أولئك الذين يشعرون بحيرة اتخاذ قرار المفاضلة بين شراء سيارة "رولزرويس" أو "بي إم دبليو""

ليس بوسعك أن تأمر الناس في الهند أن يشعروا بالسعادة بينما هم لا يحصلون عل الحد الأدنى اللازم لبقاء الإنسان على قيد الحياة والمقدر بـ 1600 سعرة حرارية ( حتى ولو من الكربوهيدرات الرخيصة وليس من البروتينات أو المواد المغذية الغنية بالفيتامينات والمعادن) ولا يحصلون سوى على أدوية من زمن الحرب العالمية الأولى، مثل الكينين، والأسبرين، والأيودين. زد على هذا أن ثلث الشعب الهندي يعيش في مساكن لا تظللها أسقف قادرة على حمايتهم من زخات المطر، وليست لديهم ملابس تقيهم برد الشتاء وليس بوسعهم إلحاق أبنائهم بمدارس متوسطة الحال (فالمدارس المزودة بسبورات ومقاعد تعد من أشكال الدعة والرفاهية في الريف الهندي). لن يكون بوسعك إذن أن تكره الناس على الشعور بالرضا خاصة إذا كان كل ما حولهم لا يدفعهم إلى ذلك. لكن رغم كل هذا، تبقى الهند دولة ديموقراطية! لا يشكك أحد في بيانات التنمية الخاصة بالهند، فتقرير التنمية البشرية لجنوب آسيا الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام 2007 يؤكد أنه "منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين شهدت الهند نموا في إجمالي الناتج المحلي تراوح بين 5 إلى 6 % ووصل في تسعينيات ذلك القرن إلى 9 %".

ثم يمضي هذا التقرير فيشير إلى "تناقص معدل الفقر في كل من المناطق الحضرية والريفية منذ عام 1993-1994، غير أن التفاوت في الدخل تزايد سواء بين الأقاليم الهندية فيما بينها أو داخل كل إقليم على حدة بين مختلف الفئات الاجتماعية - الاقتصادية. وبطبيعة الحال، فإن سكان الهند، ممن وقعوا في مصيدة العوز، لن يشعروا بالرضا حتى لو كانت مؤشرات النمو الاقتصادي ذات اتجاه إيجابي. ولعل المزارعين هم أكثر الفئات السكانية التي لا تشعر بالسعادة. فهم يكافحون من أجل إنتاج الطعام للبلاد، طعام يعتمد عليه أولئك الذين يشعرون بحيرة اتخاذ قرار المفاضلة بين شراء سيارة "رولز رويس" أو "بي إم دبليو"، أو المفاضلة بين قضاء العطلة على سواحل الريفيرا الفرنسية أو شواطئ ماليبو في كاليفورنيا.

إن أولئك الفلاحين ممن ينتجون معظم الطعام الذي نعتمد عليه في حياتنا يعانون من عوز بائس لا يجدون معه مغزى من لاستمرار على قيد الحياة، فيقتلون أنفسهم. وفي هذا تشير اللجنة القومية لسجلات الجريمة إلى أنه ما بين عامي 1995 و 2007 انتحر أكثر من 184.000 مزارع هربا من الفاقة والعوز. لم يستطع هؤلاء المزارعون تسديد الديون التي اضطروا إلى اقتراضها من أجل شراء المخصبات والمبيدات والوقود لتسيير ماكينات الحرث ومضخات رفع المياه. ولأنهم عاجزون عن شراء تلك الآلات الزراعية فإنهم يضطرون إلى تأجيرها من أجل حرث وري الأرض. وتضيف مثل هذه الضغوط المالية أعباء جسيمة على كاهل المزارعين تقدر في المتوسط بألفي دولار سنويا لكل مزارع. ويضطر هؤلاء المزارعون إلى الاقتراض من المرابين الكبار، لكنهم لا يستطيعون سداد الديون كاملة. وتبقى الطريقة الوحيدة هي التخلص من الحياة بالانتحار. لم تكن القروض البنكية لتحل المشكلة، فالفوائد الربحية لهذه البنوك، حتى في حدها المتوسط، أكبر من طاقة هؤلاء المزارعين على السداد.

وقد ساهم كل ما سبق في تكوين طبقة اجتماعية جديدة تعرف باسم الفلاحين الأطفال، على نحو ما يشيراليه تقرير لوكالة الأنباء المحلية (IPS) في 10 يونيو/حزيران 2009. ففي المناطق التي تسجل فيها حالات انتحار عالية تتجه الأرامل الشابات إلى تربية الأبناء في ظروف من الحرمان الشديد ويسيطر عليهن شبح مستقبل كالح مفزع. في هذه الأجواء يجد الصبية المراهقون وأطفال ما قبل المراهقة أنفسهم مجبرين على ترك المدرسة والعمل كمزارعين صغار، يلبسون أحذية آبائهم المنتحرين. ولأنهم بدون خبرة زراعية، وليست لديهم القوة العضلية لإنجاز هذه الأعمال الشاقة، فمن المتوقع ألا يختلف مصيرهم عن مصير آباءهم كثيرا. وحسب القول المأثور، فإن اليأس والقنوط ينتقلان بالعدوى من الأب لأبنه، ولذلك عادة ما يكون مصير الابن الذي انتحر أبوه ( أو الأخ الذي انتحر أخوه) هو التخلص من الحياة بنفس الطريقة. وتحيل تقارير وكالة الأنباء المحلية على رأي طبيب نفسي يؤكد أن الأطفال الذين فقدوا طفولتهم مع موت آبائهم عادة ما يحملون مخاوف نفسية لا يتم الشفاء منها في الأمد القريب.

وليس لدى هؤلاء الأطفال وقت للحزن، إذ سرعان ما يخطون خطواتهم الأولى لشغل مكان الأب الراحل، حاملين على عاتقهم مسؤولية إطعام الأمهات والأخوة، وجمع وادخار المال لتجهيز الأخت للزواج (عادة ما ينتحر الفلاحون حين لا يمتلكون مالا لتجهيز بناتهم للزواج). وللوفاء بهذه الالتزامات نادرًا مايتبقى لديهم مال لدفع ديون آبائهم. لأن زواج البنت في الهند قد يستنزف مدخرات عمر بأكمله. ولو كنت مزارعا صغيرا أو متوسط الحال ولديك ثلاث أو أربع بنات فربما أغراك قتل النفس للتخلص من تلك الأعباء الجسيمة. وعادة ما تُقدم البنات (خاصة إذا اقتربن من سن الزواج) على قتل أنفسهن والانتحار بشكل جماعي لحماية الآباء من عبء الديون.

قد تظهر مثل هذه القصص في الصحف على فترات متباعدة، ففي ظل ضغوط متواصلة من قبل التلفاز والإنترنت فإن الصحافة المطبوعة تفضل إهمال هذه الموضوعات ولا تقدم على عرضها إلا حين تصبح من الوضوح والانتشار بدرجة يصعب تجاهلها. ففي وقت ما من عام 2007 ، حين صار الأمن الغذائي في الهند في خطر، اعترف فير سانغفي، الكاتب الصحفي المرموق وصاحب العمود الشهير في صحيفة هندوستان تايمز، بأنه أثناء الاحتفاء المحموم بـ"الهند التي تشرق من جديد" تجاهلت دور النشر الكبرى عن عمد قضايا انتحار الفلاحين، كما تجاهلت الآلام والمحن التي واجهت المجتمعات الزراعية. واليوم، وفي ظل ما تواجهه الهند من احتمال تعرض البلاد لأزمة في المخزون الغذائي من الحبوب، يجب إلقاء الضوء على تلك الأزمات التي تعانيها المجتمعات الزراعية، الذي اعتادت بعض وسائل الإعلام غض الطرف عنها.

درجات الحرمان

"بينما تتقدم الهند لتحتل مكانة القوة العظمى في السنوات المقبلة، تبقى في ذات الوقت وطنا لأكبر عدد من فقراء العالم. وتتباين درجات الحرمان بالنسبة للطعام، أو السكن أو التعليم أو الرعاية الصحية. كما تتفاوت الأرقام تفاوتا كبيرا تبعا للمنهج والمنظور المتبع في البحث"

بينما تتقدم الهند قدما لتحتل مكانة القوة العظمى في السنوات المقبلة، تبقى في ذات الوقت وطنا لأكبر عدد من فقراء العالم. وتتباين درجات الحرمان بالنسبة للطعام، أو السكن أو التعليم أو الرعاية الطبية. كما تتفاوت الأرقام تفاوتا كبيرا تبعا للمنهج والمنظور المتبع في البحث، ومع ذلك فإن أكثر القراءات تفاؤلا تقدم بيانات بالغة في الإحباط. فعلى نحو ما يشير إليه أحد التقارير الحديثة التي أعدها صندوق نافدانيا، وهو منظمة مرموقة تعمل في مجال الأمن الغذائي، فإن "ربع المواطنين في الهند جوعى". وقد استشهد موقع بي بي سي الناطق بالهندية على الإنترنت بهذه المعلومة جاعلا إياها عنوانا رئيسيا له (بتاريخ 31 يوليو/تموز 2009). وتدير هذا الصندوق فاندانا شيفا، وهي ناشطة مرموقة، مشهورة عالميا بمواقفها الجادة والملتزمة. ويستشهد تقرير بي بي سي بحديث لشيفا تؤكد فيه أنه "بينما تحتفي النخبة الحاكمة والطبقات العليا بارتفاع معدل الناتج المحلي فإن النصيب السنوي من الغذاء لـ"الفرد العادي" تناقص بمقدار 34 كجم. وتشير شيفا إلى أنه في عام 1991 كان المتوسط السنوي لنصيب الفرد من الطعام قد بلغ 186 كجم بينما لم يزد في عام 2001 عن 152 كجم. وبحسب شيفا فإن نحو 210 مليون هندي مواطنون جائعون.

وهناك درجات من الجوع، فمعظم أولئك الذين يعانون من الجوع لن يسقطوا موتا في القريب، لكن هناك القلة من هؤلاء سيسقطون موتى خاصة في منطقة القبائل. وقد تظهر بعض حالات الموت جوعا في الصحافة على فترات متباعدة، لكنها لا تصل مطلقا إلى قنوات التلفزة. وقد قدمت الصحيفة الأسبوعية تيهيلكا Tehelka، والصادرة باللغة الإنجليزية، عددا من التقارير ناقش من خلالها بعض المختصين جدوى ومآل التطورات الاقتصادية التي تشهدها الهند.

وتتصاعد الآن أسئلة على شاكلة "من المستفيد من التنمية؟". وعلى نحو ما يشير فيديا بوشان راوات، الناشط في مجال حق المرء في التغذية، فإننا نعلم أن كلمة "الثقافة" كانت المفردة التي تشدق بها الفاشيون، لكن ما لا نعلمه أن "التنمية" هي الكلمة التي يتشدق بها الرجال الأشداء في الحكم في الهند اليوم. ويستشعر راوات شرا مستترا في الطريقة التي تم بها اختراع قصة التنمية في الهند، وفي ذلك يؤكد على أنه "من المسلم به أن الفقراء لا يعنون أحدا، ولا مكان لهم تحت الشمس، ولا تشغل آلامهم أحدا. وإذا أردت أن تعرف قصة التنمية الحقيقية في الهند فعليك بالتوجه إلى الريف، وهناك ستجد أن الأمر كله خدعة كبرى". ويلفت راوات الانتباه إلى أن أطرافا عدة تشارك في هذه الخدعة وفي مقدمتها الولايات المتحدة والبنك الدولي، على نحو ما يشير جون بيركنز في كتابه "اعترافات قرصان اقتصاد"، الذي يصف فيه كيف تتم المبالغة في منجزات التنمية بالدول النامية كي تظهر أكبر من حجمها الحقيقي.

لغز خط الفقر

"من المسلم به أن الفقراء لا يعنون أحدا، ولامكان لهم تحت الشمس، ولا تشغل آلامهم أحدا. وإذا أردت أن تعرف قصة التنمية الحقيقية في الهند فعليك بالتوجه إلى الريف، وهناك ستجد أن الأمر كله خدعة كبرى"

ثمة اليوم خلط في الهند يشوب تحديد "خط الفقر". فالفقر هنا يعرف بطريقة تختلف عن المعايير العالمية التي تجعل الفقير ذلك الشخص الذي يعيش على أقل من دولارين يوميا. ولعقود مضت كان الفقير في الهند هو ذلك المرء الذي يعيش على ما يعادل أقل من 1800 سعرة حرارية من الغذاء في المناطق الريفية ، أو أقل من 1600 سعرة حرارية من الطعام في المناطق الحضرية. ولم يكن مهما في هذا التحديد أن يحصل الفرد على هذه القيم من أطعمة مؤلفة من عناصر كربوهيدراتية، فهذه اعتبارات لا تلقى اهتماما من أحد.

وقد حددت لجنة تخطيط الهند، وهي هيئة معنية بقضايا الفقر، أن 28 % من الهنود يعيشون دون خط الفقر. وهذه هي الفئة التي تعترف بها الدولة رسميا. وبفضل الديمقراطية تقدم الدولة قدرا من المساعدات لهؤلاء الفقراء في صورة طعام أو مأوى. وقد صاغت المسوح الميدانية التي تجريها اللجنة الوزارية لتنمية المناطق الريفية المعنية بخط الفقر معيارا جديدا لتحديد أولئك الذين يعيشون دون خط الفقر في الهند. وتوصلت تلك اللجنة إلى أن السكان الذين يعيشون دون خط الفقر هم أولئك الذين ينفقون على الطعام أقل من 700 روبية شهريا (14.5 دولارا) في المناطق الريفية و1000 روبية (21 دولارا) في المناطق الحضرية. أما لجنة تخطيط الهند فقد حددت معيارا يجعل من يعيش دون خط الفقر هو ذلك الشخص الذي ينفق على الطعام 356 روبية (7.5 دولار ) شهريا في المناطق الريفية و 395 روبية (8 دولارات) في المناطق الحضرية. واستنادا على هذا المعيار الجديد فإن نصف سكان الهند يعيشون دون خط الفقر. بالتأكيد يجب أن تؤخذ مثل هذه المعطيات بعين الاعتبار عند الحديث عن صورة الهند التي تتجه نحو احتلال مكانة قوة كبرى في العقد المقبل. فقصة نمو الهند قد تجاهلت القضايا الأساسية المتعلقة بالطعام والمسكن والمساواة أمام القانون والحياة الكريمة للمرأة والطفل، فضلا عن التمييز ضد المرأة.

بين سوء التغذية وقتل الأجنة

يشير تقرير حديث لمنظمة اليونيسيف إلى أنه من بين 146 مليون طفل دون سن الخامسة ممن يعانون في العالم النامي من سوء التغذية ونقص الوزن هناك 57 مليون منهم في الهند وحدها (بنسبة 39 %). وتؤكد فادانا شيفا أن عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في الهند يفوق عدد كل الأطفال الذين يعانون من هذه المشكلة في إفريقيا جنوب الصحراء. ويشير المسئولون في اليونيسيف إلى أن أحد أسباب ذلك يعود إلى ضعف صحة المرأة وتخلف وضعيتها. فنصف عدد الذين يعانون من سوء التغذية في العالم يتركز في جنوب آسيا، حيث يموت، سنويا، في هذا الإقليم وحده5.6 مليون طفل، وهو رقم يزيد عن نصف إجمالي وفيات سوء التغذية على مستوى العالم. ويعاني نحو 47 % من أطفال الهند دون سن الخامسة من نقص في الوزن قياسا بالمعدل الطبيعي. وعلى نحو ما يشير تقرير للبي بي سي ( بتاريخ 1 مايو/أيار 2006 ) ونقلا عن المدير التنفيذي لليونيسيف فإن "هناك القليل من العوامل التي تعادل التغذية أهمية في تحديد قدرة الطفل على البقاء على قيد الحياة، والتعلم على نحو فعال، والهروب من حياة الفقر" وتكمل المدير التنفيذي لليونيسيف حديثها محذرة من أن "الأرقام لا تخبرنا بالحقيقة كاملة، فخلف كل طفل يعاني من سوء التغذية هناك أطفال أكثر يصارعون مع أزمة تغذية أخرى مختفية عن الأعين".

وتشير شيفا إلى أن أعداد الذين يعانون من الجوع في تزايد بينما تشير التقارير إلى أن معدل النمو الاقتصادي في الهند بلغ 9 % ولعل في هذا علاقة عكسية بين "التنمية" ودرجة توفر الغذاء للمواطن الهندي. صحيح أن الأمور ليست بأحسن حال لدى دول الجوار في باكستان ونيبال وبنجلاديش، لكن الأمر يبدو أكثر صعوبة في الهند نتيجة ضخامة عدد السكان المتضورين جوعا. فالارتفاع المفرط في نفقات التسلح بين الهند وباكستان فاقم من مشكلة الجوع في البلدين نتيجة تبديد جزء مهم من ميزانية الدولة في شراء التقنيات العسكرية الحديثة، وهي أموال كفيلة بحل مشكلة الجوع في البلدين.

ومن زاوية أخرى لم تستفد أكثر نساء الهند من ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، ويمكن الاستدلال على ذلك من انخفاض نسبة الجنوسة في الدولة (نسبة النساء للرجال) خاصة في الأقاليم الشمالية والوسطى من البلاد. وفي حديث له مع صحيفة "ذي هندو The Hindu " يشير ساثاسيفان، قاضي المحكمة العليا في الهند، إلى أنه "في عام 1990 كانت النساء في الهند أقل عددا من الرجال بنحو 25 مليون نسمة، بينما في عام 2001 ارتفع الفارق إلى 35 مليون نسمة، وقد يصل في السنوات المقبلة إلى 50 مليون". وتستشهد صحيفة "ذي هندو" بأربعة من قضاة محكمة مدراس العليا الذين أكدوا على أن " الفتيات يمثلن 75 % ممن يعانون سوء التغذية في الهند، وخلال العقدين الماضيين مات أكثر من ستة ملايين من الأجنة الإناث. كما يموت كل عام أعداد من الإناث اكبر أعداد الذكور بنحو 300.000 نسمة وذلك في الفئة العمرية من 1 إلى 6 سنوات، كما يموت نحو 25 % من الفتيات قبل بلوغ سن الخامسة عشرة".

ويشير رافيندران، أحد قضاة المحكمة العليا، إلى أنه " لدينا الكثير من القوانين وعدد وافر من القضاة من أجل الحيلولة دون التمييز ضد المرأة والطفل، مثل الإجهاض على أساس النوع (تفضيل الذكور على الإناث) وعمالة الأطفال، والاستغلال الجنسي، والعنف المنزلي، وغلاء المهور. لكن لسوء الحظ لا يتم تطبيق هذه القوانين بشكل فعال، ويعود السبب في ذلك إلى أن التمييز ضد المرأة متجذر في ثقافة الطبقة العليا في البلاد والتي تفضل الذكور على الإناث".

"كما أن لدى الديموقراطية بشكل عام القدرة علىتصحيح نفسها، فإن لدى المؤسسات الديموقراطية في الهند، بالمثل، القدرة على تعيينالمشكلات، سواء في المدى المنظور أو البعيد وإيجاد السبل لحلها"

ويتضح التمييز المتعسف ضد المرأة من خلال التناقص المستمر لنسبة الإناث أمام الرجال. ففي 2007 أجريت دراسة على عينة من 6500 من الأسر في خمس مناطق من خمس ولايات من تلك الولايات المعروفة بقتلها الأجنة الإناث قبل ميلادها، وغيرها من الممارسات الإجرامية التي تهدف إلى الإبقاء على نسبة منخفضة للإناث. وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة "وجود 300 أنثى في مقابل 1000 ذكر، وذلك بين عائلات الطبقة الهندوسية العليا في المناطق الحضرية بمنطقة "فاتحجاره صاحب" بولاية البنجاب ". وقد وصفت ماري جون، الباحثة في مركز دراسات تنمية المرأة في نيو دلهي، النتائج الأولية لهذه الدراسة بأنها "كارثية" (على نحو ما يشير تقرير لوكالة رويترز على الإنترنت بتاريخ 13 ديسمبر/كانون الأول 2007).

وفي مقال لها بصحيفة "ذي هندو" (نشر على موقع الصحيفة على الإنترنت في ديسمبر/كانون الأول 2007) تشير "آرتي ضار" إلى أنه " في عام 2005 بلغ عدد الإناث في ولاية البنجاب 527 أنثى لكل ألف من الذكور، بعدما كانت النسبة 754 أنثى لكل ألف من الذكور في العام 2001". وتشير "ضار" إلى أن الفئة العمرية الأحدث (من الميلاد إلى عمر ست سنوات) تبلغ نسبة الجنوسة فيها 842 أنثى لكل ألف من الذكور وذلك في منطقة مورينا بولاية ماديا براديش، بينما تصل هذه النسبة إلى 815 أنثى لكل ألف من الذكور في الفئة العمرية من سن الميلاد إلى عمر 14 سنة". وبالمثل لا تقل الأوضاع سوءا في ولايات مثل راجستان وهيماتشال براديش وهريانا. وإجمالا يتسم معدل الجنوسة العام في الهند بانحراف شديد. ومن ثم فإن مجتمعا يعتبر المرأة عدوا يجب التخلص منه لا يحق له الإدعاء بأنه مجتمع متقدم.

ويبقى الأمل

من بين كل صور الأسى وأشكال الحرمان السابق ذكرها، ثمة سبب يدعو إلى البسمة ألا وهو الديموقراطية. فالديموقراطية في الهند آخذة في الاتساع بثبات، ولو ببطء. وحتى لو كانت ديموقراطية الهند معيبة للغاية ( لدى فريد زكريا، رئيس تحرير النيوزويك، أسباب وجيهة لوصف ديموقراطية الهند بأنها "ديموقراطية النهب والسلب") لكنها في النهاية تتفوق على أفضل نظم الاستبداد. وكما أن لدى الديموقراطية بشكل عام القدرة على تصحيح نفسها، فإن لدى المؤسسات الديموقراطية في الهند، بالمثل، القدرة على تعيين المشكلات، سواء في المدى المنظور أو البعيد وإيجاد السبل لحلها.

ففي الهند منظمات مجتمع مدني نابضة بالحياة، تدرك بشكل تدريجي حقيقة الوضع الذي نعيشه. وكي نتغلب على أحزاننا فلابد أن نتوقف عن الاحتفاء بمعدلات إجمالي الناتج المحلي ونتجه إلى ما هو أكثر فاعلية، مثل تأمين حاجتنا الأساسية من الطعام والماء والمسكن والتعليم والصحة، فضلا عن ضمان حياة كريمة للمرأة والطفل. ولعل الاعتراف بالخطأ هو أول الفضائل التي تضمن لنا قطع الخطوة الأولى نحو العلاج. ومما يدعو للأمل والبسمة أن التقييم الأمين لأوضاعنا قد بدأ بالفعل.
__________________

محمد ضياء الحق، كاتب وباحث هندي. ترجم النص من الإنجليزية إلى العربية عاطف معتمد عبد الحميد.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-10-2011, 04:33 PM   #7

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الأول: السياسة الخارجية الهندية في ظل عالم متغير

المحور الثالث
السياسة الخارجية

ويهدف هذا المحور إلى التعرف على القضاياالإستراتيجية للدولة الهندية التي وضعتها نصب عينيها وهي تخطط وترسم المعالمالإستراتيجية لسياستها الخارجية، كما يهدف إلى معرفة كيف تنظر النخبة الحاكمة فيالهند إلى مصالح الوطن العليا التي تود تحقيقها أو تلك التي تجتهد لاستمراريةالمحافظة عليها عبر آليات العمل الدبلوماسي. ولتحقيق هذه الأهداف تم تقسيم المحورإلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: السياسة الخارجية الهندية في ظل عالم متغير
براهما تشيل



ليس بوسع أحد اليوم إنكار ما يشهده العالم من تغير في موازين القوى الدولية، ويتجلى هذا تحول مراكز القوى من الغرب إلى الشرق، وفي التردي الذي أصاب البناء الدولي الذي أسهمت الولايات المتحدة في إرساءه بعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية، فضلا عن صعود آسيا كأكبر دائن مالي وأهم قاطرة في النظام الاقتصادي العالمي.

استبداد الجغرافيا
في الموقف الأمريكي
مخاطر الجبهة الشرقية
العلاقة مع الصين
نحو انحياز متعدد

صحيح أن العالم اليوم لم يصبح بعد عالما متعدد الأقطاب، إلا أنه مع ذلك لم يعد عالما أحادي القطبية على نحو ما كان خلال الفترة الممتدة من انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى نهاية تسعينيات القرن العشرين، تلك الفترة التي فشلت فيها الولايات المتحدة في صياغة عالم ليبرالي جديد تحت زعامتها. ما نعيشه اليوم ليس سوى عالم في مرحلة الانتقال. قد يبدو للبعض أن عالمنا صار بلا أقطاب، لا مفر من أن تتشابك وتتداخل فيه أدوار عدة لاعبين. ولعل هذا بالضبط ما يجعل انتظار ظهور نظام دولي متعدد الأقطاب مسألة وقت فقط.

"التحديات التي تواجه العالم اليوم فريدة في نوعها، وتشمل قضايا جديدة، وعالمية التأثير، وتتفاوت بين الارتفاع في حرارة المناخ العالمي وتفشي الإرهاب الدولي"

ويرتبط الحراك الحالي في مراكز القوى بواقع جديد يصعد فيه الاقتصاد الآسيوي إلى درجة لم يعرف لها التاريخ نظيرا في السرعة أو المدى. ويمكن إدراك حجم وسرعة ما حققته آسيا من إنجاز من خلال قراءة كتاب جونار مردال عالم الاقتصاد السويدي والحائز على جائزة نوبل والذي يحمل عنوان "الدراما الآسيوية..بحثًا عن فقر الأمم" الصادر عام 1968. يتحسر مردال في كتابه على تهاوي آسيا نتيجة الفقر والضغط السكاني وصعوبة استغلال الموارد(1).لكن صار بإمكاننا اليوم القول, بأن قصة الفقر المتوطن في آسيا قد تحولت إلى قصة ازدهار تعم أرجاء القارة.

آسيا التي تتميز بأنها مهدٌ للحضارات ووطن لاستقرار معظم شعوب العالم، تعود اليوم للازدهار بعد فترة قصيرة من التدهور تسبب فيها الاستعمار الأوربي على مدى قرنين من الزمن. فبحسب دراسة لبنك التنمية الآسيوي كانت حصة آسيا في الاقتصاد العالمي تناهز 60 % عام 1820، وذلك قبيل الثورة الصناعية. غير أن آسيا سقطت في تدهور حاد على مدى الـ 125 سنة التالية. وهاهي اليوم تحقق ما نسبته 40 % من الناتج العالمي، وقد ترتفع تلك الحصة بحسب بعض التقديرات إلى 60 % عام 2050، وذلك حين تتقدم ثلاث دول آسيوية لتتصدر قائمة الدول الأربع الأكبر في الاقتصاد العالمي ( الصين والهند والولايات المتحدة واليابان). ولعل في هذا إشارة إلى قرب استعادة آسيا ريادتها التي تمتعت بها على مدى ألفي سنة سبقت الثورة الصناعية، تلك الثورة التي كانت سببا في أن يتقدم الغرب المسيرة. وعلى نحو ما يسجل المؤرخ البريطاني أنجوس مديسون فإن الصين والهند كانتا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم خلال الفترة من العام الميلادي الأول وحتى عام 1820. وبحسب دراسة كيشور محبوباني والتي تحمل عنوان "نصف الكرة الآسيوي الجديد" يمكن وصف القرنين الماضيين من السيطرة الغربية على تاريخ العالم بأنهما حدث استثنائي خلال ألفي سنة. ويذهب محبوباني إلى أن "زمن سيادة الغرب على العالم قد ولى" وذلك رغم أن الغرب "لا يريد الاعتراف بذلك وليست لديه النية للمشاركة في بناء نظام عالمي بديل. وما هذا في الواقع إلا إرهاصات لكارثة وشيكة".

إن التغيرات التي تشهدها موازين القوى السياسية والاقتصادية تشي بأن عالما مغايرا هو قيد التشكل، عالم يتميز بتوزيع أكبر للقوى، لكنه مع ذلك عالم محفوف بعدم الثقة. فكما يظهر التاريخ فإنه من النادر أن تقع تغيرات بنيوية في مراكز القوى في صمت وهدوء. إذ عادة ما تتفشى تلك التغيرات عبر أرجاء النظام الدولي، حتى ولو كان هذا النوع من الاضطراب قصير الأمد. ومع الثورة التكنولوجية خلال الربع الأخير من القرن الماضي، نجد أنفسنا اليوم في عالم متسارع التغير. هذا التغير لم ينجم عن انتصار عسكري أو فوز في ساحات القتال، بل نتيجة عامل سلمي يتمثل في النمو الاقتصادي السريع.وبديهي أن أي تغير في بناء مراكز القوى الدولية لابد أن ينجم عنه تغير مماثل في مراكز القوى العسكرية، حتى وإن جاء ذلك على عدة مراحل. فبعد 60 عاما من الهيمنة يضطر اليوم مركز القوى الممتد عبر الأطلسي (أوربا الغربية والولايات المتحدة) أن يفسح المجال لنظام عالمي جديد. لن يكون النظام الجديد كسابقه الذي تشكل على أنقاض حرب عالمية، بل سيقوم على أساس سلام عالمي. وإلى أن تتضح معالم هذا النظام الجديد فإن خطوط التصدع التي أصابت النظام القديم عبر العالم ستستمر منذرة بمخاطر جيوسياسية متصاعدة.

استبداد الجغرافيا

"الوزن الجيوسياسي المتنامي للهند، والمعدل المرتفع لنمو الناتج القومي، وفرص الأسواق الاقتصادية الوفيرة، كلها عوامل تؤكد علىتدعيم مكانة الهند على الساحة الدولية"

أي دور يمكن أن تلعبه الهند في ظل المعطيات السابقة؟ إن الوزن الجيوسياسي المتنامي للهند، والمعدل المرتفع لنمو الناتج القومي، وفرص الأسواق الاقتصادية الوفيرة، كلها عوامل تؤكد على تدعيم مكانة الهند على الساحة الدولية. غير أن الهند تواجه رغم ذلك أحد العوامل المؤثرة في محيطها الجغرافي ألا وهو ذلك القوس المسمى بقوس الإضطرابات والذي يمثل أكثر نقاط ضعف الهند من الناحية الجيوسياسية. فالجوار الهندي مضطرب للغاية وبشكل مزمن، لدرجة تجعل الهند تواجه ما يعرف باسم "الاستبداد الجغرافي"، وهو ما يضعها أمام تهديدات خارجية خطيرة، تحدق بها من كل حدب وصوب. يطوق الهند قوس من الدول الفاشلة والاستبدادية التي تسعي بشكل أو بآخر إلى تقويض ما تتمتع به الهند من علمانية وتنوع إثني وتعددية ثقافية. فإلى الغرب تواجه الهند "قوسا من الأزمات يترامى من الأردن إلى باكستان"، إذا استعرنا عنوان إحدى الحلقات النقاشية التي شهدها مؤتمر السياسة الدولية والذي عقد في إيفيان بفرنسا عام 2008.

فعلى هذا المحور يمتد حزام متصل من الاضطراب السياسي يمتد من لبنان إلى باكستان، ويلقي بتداعيات بالغة الخطورة على الأمنين الإقليمي والدولي. فانتشار النموذج الطالباني، وتفشي التهديدات المسلحة في باكستان، الجار اللصيق للهند، ذهبت بأحد مراكز الأبحاث الأمريكية إلى التحذير من "أن الوقت يداهمنا في حلف شمال الأطلسي ونعجز عن مساعدة باكستان في تغيير مسارها الحالي المتجه نحو مزيد من الاضطراب الاقتصادي والسياسي، وهو ما قد ينتهي بفشل محدق ". ومع ذلك لا يريد الخطاب السياسي الدولي أن يعترف بواقع جديد مفاده أن الحدود السياسية بين أفغانستان وباكستان لم يعد لها وجود على أرض الواقع. فخط الحدود المسمى "خط دوراند" كان خطا اصطناعيًا واختراعًا استعماريًا بريطانيًا، ترك شعب البشتون مقسمًا على جانبي الحدود. وليس لهذا الخط وجود اليوم سوى على الخرائط، أما على أرض الواقع فليس له أي اعتبار سياسي أو إثني أو اقتصادي، حتى بعد أن أصبحت المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان قطبًا جاذبًا للجهاديين. والنتيجة هي استعداد "باشتونستان"، ذلك الكيان السياسي الذي سعى شعب البشتون طويلا من أجل تحقيقه، إلى البزوغ من تحت الشمس، ولو على أنقاض الحركات الإسلامية المسلحة النشطة حاليا في الإقليم.

ويبدو من الصعب حقيقةً الحيلولة دون تلاشي خط دوراند. فسيطرة الحكومة الباكستانية شبه منعدمة على نحو نصف مساحة البلاد ( معظم إقليم بالوشستان، وأجزاء كبيرة من إقليم الحدود الشمالية الغربية وكل إقليم القبائل) كما لا تملك كابل أية سيطرة على مساحات واسعة من أفغانستان. ويفقد الجيش الباكستاني القدرة على السيطرة على الأرض لصالح المتمردين في الأقاليم الغربية، ليس لأن الجيش أقل عتادًا من المتمردين، بل لأن ردة الفعل العكسي على المستوى الإثني والقبلي والعمل المسلح أدت,جميعها, إلى تدهور مكانة الجيش في أراضي البشتون والبالوش. وبعد أن فقدت السيطرة على مسرح العمليات، اختارت المؤسسة العسكرية الباكستانية، المخترقة من قبل الجهاديين، وما يتبعها من وكالة الاستخبارات الداخلية،أن تتبنى منهجًا جديدًا يقوم على دعم بالوكالة للجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حركة طالبان. وتدفع باكستان اليوم ثمنًا باهظًا لتبنيها حركة طالبان وارتباطها الوثيق بها. أما "دولة" البشتون ذات التوجه الإسلامي، تلك التي تبدو دولة فقط على أرض الواقع، فسيكون بوسعها إفشال ذلك الارتباط العضوي بين باكستان وأفغانستان، الدولتان اللتان تم خلقهما بشكل مفتعل، وما زالتا تبحثان عن هوية قومية إلى اليوم.

في الموقف الأميركي

"الجوار الهندي مضطرب للغاية وبشكل مزمن،لدرجة تجعل الهند تواجه ما يعرف باسم "الاستبداد الجغرافي"، وهو ما يضعها أمام تهديدات خارجية خطيرة، تحدق بها من كل حدب وصوب"

المجتمع الدولي مطالب بأن يحسم تردده تجاه خط دوراند الحدودي، وعليه أن يتخلص من نهج الحلول السهلة تحت ذريعة السعي إلى إقرار الأمن في باكستان وأفغانستان مع الحفاظ على حدودهما الحالية. فإذا ما أخذنا سياسات الولايات المتحدة على سبيل المثال، تبدو هذه السياسة وكأنها تهرب من مواجهة الواقع. فإدارة الرئيس أوباما تسعى الآن، ولو ظاهريا، إلى اتباع منهج عسكري تجاه أفغانستان في صورة "تدفق" للقوات العسكرية، في مقابل استراتيجية سياسية تجاه باكستان تقوم على إنفاق بلايين الدولارات كمساعدات إضافية، يسميها وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قرشي "تدفق مدني".

ترفض سياسة أوباما النهج العسكري الذي اتبعته إدارة بوش في أفغانستان والقائم على البناء المؤسسي كمحاولة لخلق نوع من "مذبح الأبطال في آسيا الوسطى". بالمقابل كشفت الإدارة الجديدة عن تخصيصها 7.5 بليون دولار كمساعدات مدنية لمواجهة تصاعد المد المتطرف في باكستان وذلك من أجل كسب العقول والقلوب هناك، أما "مذبح الأبطال" فلم يحن موعده بعد. ولسوء الحظ لم تدرك إدارة أوباما أن مشكلة الحدود الأفغانية الباكستانية لا يمكن حلها دون ترويض حقيقي من قبل واشنطن، المسؤولة عن خلق هذا الخلط المرعب. والأكثر سوءا أن الإدارة الأمريكية الجديدة تسعى إلى "إحتواء" الإرهاب إقليميا وليس إلى "هزيمته"، وكأن شبح الإرهاب المقيت قابل للاحتواء في حزام الحدود الأفغانية الباكستانية، والحقيقة هي أن منهج غض الطرف هذا يضع أمن الهند على حافة الخطر.

يجادل البعض قائلا إن الولايات المتحدة بعدما راجعت منهجها وعادت إلى طريقة الإحتواء والردع صار بوسعها الاعتماد على الوسائل الدبلوماسية في تطويق التهديدات الإرهابية الآتية من باكستان وطالبان. وبديهي أن الولايات المتحدة الواقعة بعيدا جدا عن تلك المواقع الملتهبة يمكنها طرح هذا المنهج، لكن الهند التي تشتعل النيران عند أبوابها لا تطيق ذلك بل ستعاني من تبعاته الوخيمة. ولا تخلو سياسة أوباما تجاه الإقليم الباكستاني-الأفغاني من سلوكيات غريبة ومفاجئة، وكأنك تتابع مشاهد من حكايات أليس في بلاد العجائب. خذ على سبيل المثال القرار الأمريكي بإنفاق ثلاثة بلايين دولار في صورة مساعدات عسكرية إضافية لإسلام آباد تحت عنوان "دعم القدرات الباكستانية لمواجهة التمردات". يفوت الولايات المتحدة أن إدارة أوباما قد أعلنت من قبل أن المتمردين يحصلون على دعم بالوكالة من قبل جنرالات باكستان. وخذ أيضا حجة سياسة أوباما القائلة بإن "تدفق" المساعدات العسكرية يمكن أن يستخدم، على النمط العراقي، كاستعراض قوة لعقد صفقات مع الإرهابيين "الطيبيين".

إن ثنائية الدعم المالي والرشوة تغفل حقيقة كون المسلحين الأفغان، المتمتعين بحماية قبلية عبر الحدود، ليسوا في عجلة من أمرهم لقبول تلك الرشوة مقارنة بنظرائهم العراقيين، وبالتالي لا يشعرون بأنهم واقعون تحت ضغوط تجبرهم عل عقد صفقات مع الأمريكيين. كما أن العطايا الأمريكية الجديدة التي كانت توزع بتقتير على المؤسسة العسكرية الباكستانية المفرزة للإرهاب، كانت تغفل حقيقة أن جنرالات باكستان ليس لديهم كثير من المحفزات لعقد تعاون متين وجدي مع الولايات المتحدة في وقت كان أوباما بالكاد يضع معالم استراتيجيته تحت قناع الخروج من أفغانستان. وعلى هذا لم يكن مطلوبا من جنرالات باكستان ووكلائهم في جماعة طالبان سوى القليل من الصبر إلى أن تخرج الولايات المتحدة من أفغانستان حتى يشرعوا بعدها في المطالبة بها لأنفسهم.

"ليس أمام الهند من خيارات سوىالاستعداد لمواجهة أخطار أشد وطأة تستهدف سلامها وأمنها الداخلي ستأتيها من الغرب وبخاصة من باكستان وأفغانستان "

لذلك, فليس أمام الهند من خيارات سوى الاستعداد لمواجهة أخطار أشد وطأة ستأتيها من الغرب وتستهدف سلامها وأمنها الداخلي. لقد اتفق المجتمع الدولي على التركيز على بناء المؤسسات وتسريح الميليشيات النشطة، وإعادة البناء من أجل المساعدة في تحويل أفغانستان إلى دولة مستقرة وعصرية، وهي أهداف حفزت الهند لدفع منحة سخية مقدارها 1.2 بليون دولار لأفغانستان وأخذت على عاتقها بناء مبنى البرلمان الأفغاني الجديد. غير أن هذا الاستثمار الهندي قيد المراهنة الآن في ظل إهمال إدارة اوباما للمسعى الدولي القائم على دعم بناء المؤسسات في أفغانستان واعتماد نهج آخر يستخف ببناء المؤسسات ويقارنها بمنهج بناء الدولة. فبدلا من التركيز على بناء أفغانستان دولة موحدة ومستقرة، حددت استراتيجية أوباما مهمة قصيرة الأمد تقوم على " تعطيل وتجريد وهزيمة القاعدة في أفغانستان وباكستان". وأخذا في الاعتبار أن القاعدة تعاني بالفعل من التمزق والضعف وليست في موقف يسمح لها بأن تتحدى المصالح الأمريكية، فبوسع أوباما أن يعلن في أي وقت أن "مهمته اكتملت بنجاح".

وعلى نحو ما يعترف التقرير الاستخباراتي السنوي للمخاطر التي تهدد الولايات المتحدة، والذي قدم إلى لجنة الشيوخ في 12 فبراير/شباط 2009، فإنه ونتيجة ل" الضغوط التي مارسناها وحلفاؤنا على القيادة المركزية للقاعدة في باكستان فإن القاعدة اليوم تفتقر إلى تلك القدرة والفاعلية التي كانت عليها قبل عام مضى". وقد لا تزيد تطلعات أوباما عن تسهيل مهمة الولايات المتحدة في إنهاء العمليات العسكرية في أفغانستان قبل تاريخ الانتخابات الرئاسية المقبلة. وسيؤدي المنهج السيئ لأوباما تجاه تهديدات القاعدة(13) – التي تختبئ فلولها في كهوف الجبال- إلى المساعدة في خلق مجال للتفاوض حول صفقة سياسية مع حركة طالبان، الأكثر رعبا ونشاطا. ولأن طالبان تمثل تنظيما يتمتع ببناء وأيدولوجيا ترتكز على القيادة والطاعة، فإن هذه الحركة لن تكون وريثة لتنظيم القاعدة فحسب، بل ستقوم وبشكل عملي - على نحو ما حدث حين سيطرت على كابل في 1996 – بإعادة اختراع القاعدة وتحويلها من شبكة مفككة إلى بناء تنظيمي له سلطة مركزية ورسالة عالمية.

مخاطر الجبهة الشرقية

"تتعرض الهند من جهة الشرق لخطر قادممن ميانمار (بورما) وبنجلاديش، فالأولى تتعرض لكارثة إنسانية مع توسيع العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليها. أما الثانية فتواجه خطر تحولها إلى نسخة أخرىمن باكستان مع تصاعد الأصولية الإسلامية"

على الجبهة الشرقية للهند تقع بورما وبنجلاديش، تواجه الأولى كارثة إنسانية مع توسيع العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليها، إضافة إلى وحشية الممارسات التي يرتكبها نظامها العسكري. أما الثانية فتواجه خطر تحولها إلى نسخة أخرى من باكستان مع تصاعد الأصولية الإسلامية. ليست بنجلاديش دولة صغيرة مثل بروني أو بوتان، بل هي سابع أكبر دول العالم سكانًا. ولدى بنجلاديش تاريخ حافل من الاضطراب السياسي بدأ منذ لحظة ميلادها الدموي. وقد شهدت البلاد 22 محاولة إنقلاب عسكري، تمكن بعضها من تحقيق النجاح. فقد نجت رئيسة الوزراء الحالية، الشيخة حسينة، من اغتيال حصد أرواح أسرتها ووالدها الشيخ مجيب الرحمن، مؤسس بنجلاديش وأول رئيس وزراء في تاريخ البلاد. كما نجت حسينة من الموت مرة أخرى حين رمى معارضون 13 قنبلة على موكبها السياسي عام 2004، وكانت النتيجة مقتل أكثر من عشرين شخصًا. وعلى مدى يومين من شهر فبراير 2009، أسفر تمرد في سلاح حرس الحدود البنغالي عن مقتل العشرات من كبار الضباط في مذبحة وقعت في مقر القيادة العسكرية، وتم إلقاء الجثث بشكل مزري في حفر ضحلة وقنوات الصرف الصحي. وتؤكد هذه الحادثة على طبيعة الوضع الدائم الاضطراب في تلك الدولة التي تشهد علاقة متوترة بين الزعماء المدنيين والجيش، وهي علاقة تنزع نحو العبث بالمقدرات السياسية للبلاد.

تنبع أهم التهديدات التي تواجهها بنجلاديش اليوم من الراديكالية الإسلامية، ومن تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية، وتكرار وقوع كوارث طبيعية تزداد حدة وقسوة مع اتجاه المناخ العالمي نحو الاحتباس الحراري. فبالإضافة إلى ملايين البنغال الذين يعيشون بشكل غير قانوني في الهند، هاجر العديد من سكان بنجلاديش من المناطق الريفية وانتقلوا إلى العاصمة دكا التي وجدوا فيها "ملاذًا" من الكوارث الطبيعية، تلك الكوارث التي كان أشدها وطأة الفيضانات والأعاصير وطغيان المياه المالحة من خليج البنغال. وعلى غرار النموذج الباكستاني، قدمت وكالة الاستخبارات العسكرية البنغالية ووكالة استخبارات الأمن القومي في بنجلاديش دعما ورعاية للجماعات الجهادية، واستخدمت هذه الجماعات لتحقيق مصالح سياسية داخل البلاد وخارجها. ويحفل تاريخ وكالة الاستخبارات العسكرية البنغالية بسجل طويل من العمليات التي تمت ضد الأحزاب السياسية والصحافيين المعارضين فضلا عن سجلها في انتهاك حقوق الإنسان، وذلك من خلال ما مارسته تجاه سكان القبائل في منطقة شيتاجونج هيل في جنوب شرق البلاد، إضافة إلى ما شنته من حملات اضطهاد ضد جماعة الأحمدية، وهي طائفة مارقة عن الإسلام.

كما عقدت وكالة الاستخبارات العسكرية البنغالية علاقات وثيقة مع نظيرتها الباكستانية وسمحت لها باستخدام الأراضي البنغالية لتدبير عمليات تنفذ على الأراضي الهندية، إضافة إلى تقديم الدعم لحركات التمرد في شمال شرق الهند. وعلى ضوء ما سبق، تبدو بنجلاديش غير عابئة بالتحديات الأمنية التي تواجهها الهند. فالهند لا تواجه فقط الممارسات الاستخباراتية العابرة للحدود والعمليات الإرهابية الآتية من بنجلاديش، بل تواجه كذلك قضية إنسانية ذات تداعيات خطيرة على الأمد الطويل. ومن المحتمل أن تتعرض الهند ليس فقط لتدفق لاجئين بنغال لأسباب اقتصادية بل قد تشهد أيضا طوفانا من اللاجئين لأسباب مناخية. وقد أشرنا في دراسة سابقة إلى أنه بالنسبة للهند فإن "التوسع العرقي لبنجلاديش والذي يتجاوز الحدود السياسية لا يقدم الدعم لشبكة العلاقات العابرة للحدود فحسب بل يجعل مهمة نيودلهي في إدارة حدودها مهمة باهظة الكلفة.

وقد أوضحت إحصاءات التعداد السكاني الهندي أن المناطق الهندية الواقعة على الحدود مع بنجلاديش قد أصبحت مناطق ذات أغلبية بنغالية. ولعل هذه أول حالة في التاريخ الحديث تمدد فيها دولة تخومها العرقية دون أن توسع حدودها السياسية. وللمقارنة، فإن الصين دفعت سكانا من قومية الهان إلى إقليم منغوليا الداخلية وإقليم تركستان الشرقية (شينغيانغ) والتبت، بعد أن كانت قد وسعت حدودها السياسية على هذه المناطق. وإذا انتقلنا إلى بورما (والتي أسمتها الزمرة الحاكمة "ميانمار") فسنجد أن الأوضاع المضطربة في هذه الدولة قد دفعت بآلاف اللاجئين لأسباب عرقية وسياسية إلى الهند، والتي تمثل اليوم قبلة للحركة الديموقراطية في المنفى. وبغض النظر عن ترتيبات الزمرة الحاكمة في بورما للانتخابات العامة في 2010، ستبقى بورما واحدة من أكثر الدول التي تعاني العزلة ووطأة العقوبات. وتعود جذور التردي الذي تعيشه بورما إلى أحداث عام 1962 حين قام الجنرال ني وين Ne Win بخلع رئيس الوزراء المنتخب يو نو U Nu، والذي عد مهندسًا لسياسة عدم الانحياز. لقد ضرب الجنرال وين ، المفتون بماركس وستالين، حصارًا على البلاد، وحال دون تدفق أية تجارة خارجية أو استثمار أجنبي، فضلا عن تأميم الشركات، وأوقف عمل كافة المشروعات الأجنبية، وعرقل تدفق السياحة، وطرد جالية كبيرة من رجال الأعمال الهنود.

وقد احتاجت بورما لأكثر من ربع قرن حتى يتمكن الجيل الجديد من القادة العسكريين من بدء محاولات لفك العزلة الدولية عن بورما من خلال قدر من الاصلاحات الاقتصادية، وإن لم يحل ذلك دون استمرار بسط سيطرتهم السياسية على البلاد، واستمرار ممارساتهم القمعية، على نحو ما قابل به الجيش التظاهرات الطلابية التي نشبت عام 1988 متسببا في سقوط آلاف القتلى والجرحى. الجدير بالذكر أن فرض العقوبات على بورما لم يبدأ إلا بعد أن رفضت الزمرة الحاكمة للبلاد الاعتراف بنتائج انتخابات عام 1990، والتي فاز فيها حزب أونج سان سو كوي. ولم تشرع الولايات المتحدة في فرض عقوبات اقتصادية إلا خلال العقد الجاري، حين صدر في عام 2003 قانون الديموقراطية والحرية لبورما (والذي شمل فرض حظر على الواردات من بورما) إلى جانب عدد من القرارات التنفيذية العقابية التي اتخذها الرئيس جورج بوش. وهكذا يبدو أن طبيعة النظام في بورما تشجع على فرض موجة جديدة من الحصار الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، وذلك بعد مقتل 31 شخصا على الأقل حين تم قمع التظاهرات الشعبية التي شهدتها البلاد في سبتمبر/أيلول 2007. ونتيجة ذلك يتحمل الشعب البورمي البالغ تعداده 58 مليون نسمة الآثار الكارثية لهذا الحصار، ولعل الصين – الداعمة لكل الأنظمة المنبوذة – تبدو المستفيد الوحيد من هذا الوضع.

وحين نأخذ في الاعتبار إمكانات بورما الكبرى على المستوى الإثني والديني والثقافي، فإن الديمقراطية وحدها القادرة على تحقيق وحدة بورما وتكامل أراضيها، على غرار ما حققته الهند. غير أنه ليس من الممكن غرس بذور الديموقراطية في اقتصاد راكد محاط بحصار غربي يزداد تشددا يوما بعد يوم. ويتجسد الواقع المؤلم في أن العقوبات أوصلت المجتمع البورمي إلى حالة متردية من الفقر والاستياء، في وقت تستمر فيه السلطة العسكرية في إحكام قبضتها. ولعل بورما خير مثال على أن العقوبات تؤذي الضحايا بدلا من أن تساعدهم. وعلى نحو ما لاحظ أحد الباحثين فإن "فرض العقوبات على ميانمار قد يشعر الأمريكيين بأنهم يفعلون خيرًا، لكن الشعور بفعل الخير شيء ونزول الخير نفسه شيء آخر". ولعلنا في حاجة إلى منهج آخر يعتمد عقوبات ذات أهداف أكثر دقة ويفسح المجال للأطراف الخارجية لتسهم في تحقيق تنمية حقيقية في بورما.

تمثل بورما جسرا طبيعيًا بين جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، محتلة بذلك موقعًا بالغ الأهمية للتنمية الاقتصادية في شمال شرق الهند. وهذا الموقع المتميز لبورما يجعل منها حلقة وصل استراتيجية بين الهند والصين وجنوب شرق آسيا. وقد كان هذا سببًا في تشجيع الهند على الاستثمار في قطاع الغاز الطبيعي في بورما وإطلاق مشروع لمد ممر مواصلات متعدد المحاور لربط شمال شرق الهند ببورما. غير أن رفض بنجلاديش توفير ممر عبر أراضيها حال دون تحقيق ذلك المشروع. ومثل هذا النهج ذي الأفق الضيق الذي تتبعه بنجلاديش يعرقل اتفاقية التجارة الحرة المعروفة باسم بيمستيك BIMSTEC (والتي تضم سريلانكا والهند وبوتان ونيبال وبنجلاديش وبورما وتايلاند).

العلاقة مع الصين

تخشى الهند أن يؤدي نهج العقوبات إلى وقوع بورما في حبائل التحالف الاستراتيجي مع الصين، هذه الأخيرة تجد في بورما بوابة ولوج رئيسية لبلوغ خليج البنغال والمحيط الهندي. وإذا ما تمكنت الصين من إتمام التغلغل إلى الموارد الاقتصادية البورمية فلن تترك الفرصة تمر كي تستكمل الممر الإستراتيجي المعروف باسم إراوادي ( والاسم لنهر بورما الرئيسي الذي ينبع من الصين ويصب في خليج البنغال) ذلك الممر الذي يربط بين الموانئ البورمية وإقليم يونان في الصين عبر شبكة من وسائل النقل والاتصال البرية والنهرية والسكك الحديدية وخطوط الطاقة. وتشكل مثل هذه الروابط ضغطا على الجبهة الشرقية للهند. وعلى جبهة أخرى تقوم الصين بمد ممر استراتيجي شمالي - جنوبي على التخوم الغربية للهند يعبر صحراء كاراكورام ويصل إلى ميناء جوادار الباكستاني الذي تكفلت الصين ببناءه، وذلك عند مدخل خليج هرمز. هذا بالإضافة إلى ممر استراتيجي آخر في التبت على مشارف التخوم الشمالية للهند.

وفي بورما تقدم الصين المساعدات لمد طريق بري سريع يمتد على مسافة 1500 كم وينتهي إلى ولاية أروناتشال الهندية، تلك الولاية التي تزعم الصين أحقيتها فيها. ولمثل هذه العلاقات الصينية البورمية تداعيات بالغة الأهمية على الأمن الهندي. فهذه الروابط ستسمح للصين بالتدخل في الشأن الداخلي لشمال شرق الهند وتشكل حالة من الضغط العسكري غير المباشر على أمن الهند. وتجد الصين المهمة أمامها سهلة للتأثير على الهند من البوابة البورمية من خلال الإختراق السلس عبر الأراضي السهلية في بورما بدلا من تكبد المشاق في الهيمالايا على الجبهة الشمالية والشمالية الغربية. ففي أثناء الحرب الصينية الهندية، وخلال الغزو الصيني للهند عام 1962، وجدت القوات المسلحة الهندية نفسها وقد تم تطويقها في منطقة بعينها في إقليم أروناتشال ( والذي كان يعرف آنذاك بالإقليم الشمالي الشرقي) مما أعطى شكوكا مفادها أن بعض الوحدات العسكرية الصينية قد دخلت باطمئنان عبر الأراضي السهلية البورمية وليس عبر تسلق جبال الهيمالايا.

ويمكن إدراك إمكانات الصين في التأثير على أمن الهند من خلال استحضار الاضطرابات القبلية التي وقعت في شمال شرق الهند بدعم من الصين خلال فترة زعامة ماو. في تلك الحقبة قامت الصين بتسليح وتدريب المتمردين، سواء ميليشيات ناجا Naga أو ميزو Mizo، وقد تم ذلك جزئيا باستخدام الأراضي البورمية. وخلال الحرب العالمية الثانية، صنفت قوات الحلفاء والمحور بورما على أنها "بوابة الهند الخلفية". وإضافة إلى ما سبق تجمع الهند وبورما حدود مشتركة ومخترقة يبلغ طولهها 1378 كم, تتم عبرها عمليات للمتمردين الذين يتحركون على جانبي الحدود وينتمون لأصول هندية وبورمية على حد سواء. وتراقب الهند على مشارفها الجنوبية تلك الحرب الأهلية السريلانكية، والتي تعد أطول حرب أهلية عرفتها القارة الآسيوية. وعلى الرغم من الانتصار الكبير للقوات الحكومية في عام 2009 ضد حركة نمور التاميل فإنه ليس من المتوقع أن يحل السلام الأهلي قريبًا. فالحكومة غير قادرة على إرساء السلام أو صياغة حل للتذمر التاميلي المزمن لأسباب ثقافية وسياسية.

ولعل ما حققه الجيش من تفوق في مواجهة قوات التاميل إنما يعود الفضل فيه إلى تدفق أنظمة الأسلحة الصينية، وبصفة خاصة مقاتلات جيان-7 والمدافع الرشاشة المحمولة جوا. وكانت الجائزة التي حصلت عليها الصين فوز مهندسيها بعقد تشييد ميناء هامبنتوتا بكلفة مليار دولار في جنوب شرق سريلانكا. وعلى الجبهة الشمالية للهند، تترامى نيبال التي يحكمها نظام متأثر بالنهج الماوي، فاتحًا الباب لزيادة النفوذ الصيني. على هذا المحور نفسه أصبحت الصين جارا للهند، لا بالجغرافيا وإنما بالبارود، وذلك بعد أن ابتلعت الصين إقليم التبت في 1950-1951. لقد صارت الصين بعد احتلال التبت جارا للهند ونيبال وبوتان، وتمكنت عبر هذا الاحتلال من الحصول على بوابة ولوج إلى كل من باكستان وبورما. وتستمد العلاقة الاستراتيجية بين باكستان والصين أهميتها- والتي يعد ممر كاراكورام علامتها البارزة – من اختفاء التبت كمنطقة عازلة. وقد خلقت هذه العلاقة الاستراتيجية خللاً غير مسبوق على المستوى الدولي، وذلك بعد أن نقلت الصين إلى باكستان تكنولولجيا نووية وصاروخية وما شابهها من تبادلات سرية.

ورغم ضم الصين للتبت، يظل هذا الإقليم محوريا للأمن الهندي. ومما يدل على مركزية القضية التبتية بالنسبة للهند استمرار مزاعم الصين بحقوق في ولاية أروناتشال براديش المرتبطة جغرافيا بإقليم التبت. كما يدل على ذلك أيضا ما تقوم به الصين من مشروعات لنقل المياه من أحواض الأنهار في هضبة التبت، تلك الهضبة التي تنبع منها روافد كافة الأنهار الآسيوية الكبرى باستثناء نهر الجانج. وحين تعمل الصين على إقامة السدود على نهر براهامابوترا ونهر سوتليج، أو التهديد بتحويل مياه نهر براهمابوترا إلى حوض النهر الأصفر المتعطش للمياه، فإنها بهذا تحول المياه سلاحًا في وجه الهند. وإذا أخذنا في الاعتبار الارتباط المباشر بين النظام البيئي البالغ الحساسية في إقليم التبت ودرجة التوازن المناخي في معظم الأجزاء الأخرى من القارة الآسيوية سندرك حجم الاستنزاف الذي تقوم به الصين للموارد المعدنية الرئيسية في إقليم التبت والأنشطة الهندسية الواسعة التي تجريها في الإقليم، وفي مقدمتها استمرار مد خط السكك الحديدي والطرق المعبدة الواصلة إلى سفوح جبل إفرست. وعلى هذا فلن نندهش إذا عرفنا أن الهند تستضيف الحكومة التبتية في المنفى رغم أن نيودلهي تتعامل رسميا مع بكين!

اللافت للانتباه أن صعود الصين كلاعب دولي خلال فترة زمنية لم تتجاوز عمر جيل من الأجيال -وفي ظل حكومة استبدادية- إنما يرمز إلى إعادة ترتيب نوعي لمواقع القوى في آسيا، بل وفي العالم بأسره. فمنذ أن صعدت اليابان إلى مصاف الدول العظمى خلال حكم الإمبراطور ميجي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لا نجد دولة أخرى غير أوربية تحصل على هذه الصفة سوى الصين اليوم. فعلى نحو ما يشير إليه أحدث تقرير لمجلس الاستخبارات الأمريكي، فإن الصين تتقدم بجسارة لتؤثر على الأوضاع الجيوسياسية العالمية، أكثر مما تفعل أية دولة أخرى في العالم. ومن المتوقع أن "تمارس الصين نفوذا أكبر على المستوى العالمي خلال العشرين سنة المقبلة، وبدرجة تفوق ما يمكن أن تحققه أية دولة أخرى". ولعل أحد التحديات التي تواجه سياسة الهند الخارجية في ظل هذه الأوضاع هو أن تتمكن من إدارة العلاقة مع الصين الصاعدة ذات النظام الشمولي الذي لا يخفي طموحاته الدولية. تنبع التحديات التي تمثلها الصين للهند من طبيعة النظام لا الشعب. ورغم كل شيء، علينا أن نتذكر أن الأسلحة لا تقتل البشر إلا حين تصدر الأوامر ممن في أيديهم السلطة بفتح النيران. ولعل الإعجاب الذي يحظى به النظام الصيني من قبل القوميين المتطرفيين يأتي من التأثر بالشعارات الداعية إلى تذويب الفوارق، وتحقيق التجانس، على نحو ما يشير إليه شعار الرئيس الصيني هو جين تاو الذي ينادي بـ "مجتمع متناغم" وهو شعار صمم لكسب تعاطف وانسجام الشعب مع حكومته. من زاوية أخرى، لا تكف الصين عن شن حملة علنية لتشويه سمعة الدلاي لاما نتيجة عدم رضاها عن دعوته المتحمسة لاستقلال التبت.بل ومضت الصين أبعد من ذلك في إحكام قبضتها على التبت من خلال اشتراط حصول مراسم تناسخ اللاما على موافقتها مسبقا، كما جددت قمعها السياسي، وخلقت خللا ديموغرافيا لصالح قومية الهان من خلال دعم حملة "الهجرة نحو الغرب".

وعلى ضوء ما سبق تبدو مناطق الجوار المحيطة بالهند ملتهبة أكثر من أي وقت مضى. وحين نضع في الاعتبار اضطرابات تلك المناطق، لن نندهش إذا ما عرفنا أن التحديات الرئيسية للهند تكمن في موقعها الجغرافي. وفيما وراء إقليمها الحالي، فإن لدى الهند أسهما كثيرة في العالم العربي وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وإقليم المحيط الهندي. ويمثل الإقليم الأخير أهم طريق لعبور الطاقة، وأهم ممر بحري تجاري، فضلا عن كونه بؤرة التحديات في القرن الحادي والعشرين، تلك التحديات التي تتفاوت من الإرهاب والتطرف إلى القرصنة وتأمين طرق المواصلات البحرية. في هذا الإقليم ثمة دول بالغة الأهمية بالنسبة للهند نظرا لموقعها الجنوبي على مقربة من المعابر الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز (بين إيران وعمان) ومضيق ملقا (بين سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا) وباب المندب (بين جيبوتي وإريتريا واليمن) ورأس الرجاء الصالح ( في جنوب إفريقيا) ومضيق موزمبيق (بين موزمبيق ومدغشقر). ولا يزيد اتساع باب المندب مثلا، الذي يربط أوربا وإقليم المحيط الهندي، عن 12 كم, في أضيق قطاعاته. وللهند علاقات وثيقة ومحورية بالدول العربية. وستزداد هذه الروابط عمقا على المستوى الاقتصادي والسياسي في السنوات المقبلة. ولعل اعتماد الهند الكبير على صادرات البترول والغاز من إقليم الخليج العربي ووجود عمالة هندية كبيرة في الدول العربية يجعل العلاقات الهندية العربية على جانب كبير من الأهمية.

نحو انحياز متعدد

"أهم ما يميز دينامية آسيا وازدهارها هوتمتعها بثلاثية الاستقرار والسلام والردع العسكري المتبادل. وتحتاج آسيا إلىالإبقاء على هذه العناصر الثلاثة وتدعيمها من أجل المساعدة في تحقيق نهضة آسيوية مكتملة النضج "

تعد الهند بوجه عام دولة "متأرجحة" في النظام العالمي الجديد. وفي وسط نظام عالمي متقلب على المستوى السياسي والمالي، تملك الهند إمكانات لعب دور بنّاء يساعد في كبح المخاطر الجيوسياسية عبر تعزيز منهج التعاون الدولي. ويحتاج النظام العالمي إلى مناهج جديدة وأساليب مبتكرة ومد جسور لجبر مناطق التصدع والى التأسيس لتعاون دولي كبير يمهد لاتفاق حول القضايا المصيرية الكبرى. ولدى الهند إمكانات يمكن الاستفادة منها في لعب دور القنطرة بين الشرق والغرب. فالهند ليست فقط أكبر ديموقراطية في العالم، بل فوق هذا هي أكثر بلدان العالم تنوعا. فداخل حدود الهند يعيش سدس سكان العالم، وهو ما يجعلها على المستوى اللغوي أكثر تنوعا حتى من القارة الأوربية. ففي الهند تتزاوج التقاليد القديمة مع ثقافات ما بعد الحداثة، ويتجسد هذا في ذلك المشهد الذي تحمل فيه آلة إليكترونية للتصويت الانتخابي على ظهر فيل إلى مركز الاقتراع. لعبت الهند عبر تاريخ طويل دورا رئيسيا ومسهما في العلاقات الدولية. وبتراثها الفلسفي والثقافي، الذي يؤكد على الوسطية والقناعة والإبداع، تنظر الهند إلى العالم لا كساحة لصدام الحضارات، بل كمسرح لمد جسور التعاون في مواجهة التحديات المشتركة. وقد نجحت الحضارة الهندية على مدى قرون في التوفيق والمواءمة، ولعل تلك القدرة على المواءمة هي إحدى أهم نقاط القوة التي تحتاج الهند إلى توظيفها على الساحة الدولية.

غير أن الهند ليست شغوفة بالنهج الأمريكي في تصدير الديموقراطية. فهي تنظر للديمقراطية من زاوية عملية ترى فيها الوسيلة الأكثر فاعلية للتوفيق بين ثقافات تتحدث لغات مختلفة في كنف دولة واحدة. وعلى نحو ما يلاحظ هنرى كيسنجر فإن الهند "ليست تواقة لنشر ثقافتها ولا مؤسساتها، وهو ما يجعلها شريكا غير ملائم (للولايات المتحدة) لنشر الرسالة الأيديولوجية العالمية. ومع هذا ستستمر الهند فخورة بنفسها كنموذج للديموقراطية غير الغربية. ورغم أن مفاهيم الديموقراطية وحقوق الإنسان ودور القانون ترتبط عادة بالغرب، إلا إنه لدى الهند من التقاليد ومن موروث القيم ما هو أسبق في تبجيل تلك المفاهيم. وعلى نحو ما يشير الاقتصادي الشهير أمارتيا سن فإن "النموذج الديموقراطي الحقيقي نجده في الهند في عهد الإمبراطور أشوكا الذي حكم البلاد خلال القرن الثالث ق.م، ونشر فيها نقوشا على ألواح حجرية تحث على السلوك المستقيم وتقر الحكم الرشيد، وتؤكد على مبدأ الحرية للجميع، دون استبعاد للنساء والعبيد، على نحو ما فعله أرسطو.

وبحسب أمارتيا سن فإن "الإدعاء بأن الأفكار الأساسية المؤكدة على الحرية والتسامح جاءت من رحم الحضارة الغربية على مدار الألف سنة الماضية، وبأن هذه المفاهيم تبدو غريبة بدرجة أو بأخرى عن البيئة الآسيوية، إنما هو قول مرفوض جملة وتفصيلا". ثمة قضية أخرى ترتبط بدور الهند في توازن القوى الإقليمية. فخلال الفترة التي شهدت دفئا في العلاقات الأمريكية الهندية، جرت محاولات كثيرة لاستخدام الهند لكبح جماح الصين. لكن لا يجب أن تبنى العلاقات الأمريكة-الهندية على الانتهازية الإستراتيجية، و الصحيح أن تقوم على تحقيق المصالح القومية المشتركة.

وبديهي أن المصالح المشتركة تتجاوز مجرد الاتفاق على القيم الديموقراطية. ومن غير المتوقع أن تسمح الهند بأن يجعل منها أحد رأس حربة في وجه قوة أخرى، خاصة مع سعي الهند في السنوات المقبلة للاندماج في منظومة الاقتصاد الغربي. ذلك الاندماج الذي سيمكن الهند من المفاضلة بين خيارات متعددة، من بينها على سبيل المثال الانتقال من نهج عدم الانحياز الذي أرساه جواهر لال نهرو إلى نهج معاصر يقوم على النفعية المعولمة. وأخذا في الاعتبار التوازنات الدولية وتغير مواقع القوى، يبدو مبدأ عدم الانحياز في صيغته الأصلية غريبا عن عالمنا المعاصر، وإن كان كثير من سكان الهند ما زالوا يؤمنون بإمكانية إتباع طريق مستقل في السياسة الخارجية.
لقد حافظت الهند طويلا على مبدأ الاستقلالية السياسية، ويبدو أنها ستحتفظ بخيار إقامة علاقات شراكة متنوعة مع لاعبين عدة، سعيا منها لتحقيق مصالح متنوعة وفي ظروف متفاوتة. وهذا يعني أن الهند بدلا من أن تبقى "غير منحازة" فإن الأنسب لها أن تصبح "متعددة الانحياز". لكن دون أن يمنعها ذلك من أن تميل نوعا ما نحو واشنطن محتفظة في ذات الوقت بالعنصر الأساسي في عدم انحيازها، متبعة في ذلك نهجا يسمى الاستقلال الذاتي الاستراتيجي. وبعبارة أخرى، فمن المرجح أن تستمر الهند في رسم مسارها واتخاذ قراراتها المصيرية بنفسها. إذ من الأجدى لها أن تصبح ذات انحياز متعدد ساعٍ إلى التعاون مع محاور متنوعة وهادف إلى تحقيق منافع متبادلة مع اللاعبين الكبار، لأن ذلك أفضل للهند لبلوغ أهدافها ودعم مناهجها الساعية إلى التعاون الدولي في هذا العالم المتغير من حولنا. وفي السياسية الآسيوية، فإن المصالح الهندية تتمثل في السعى إلى التنافس الاستراتيجي أمام اللاعبين الرئيسين، لكن دون الانزلاق إلى صراع أو صدام جيوسياسي. ولعل أجواء عدم الثقة المتعمقة في آسيا وتصاعد التطرف القومي إنما ينذران بخلق أوضاع ستضر حتما بمصالح كافة الأطراف. ويبدو التحدي المشترك للجميع هو التقليص من أجواء عدم الثقة المتبادلة وتعظيم فرص فتح طرق وممرات لتعاون مشترك مثمر. ولن يتحقق ذلك من خلال غض الطرف عن القضايا الشائكة التي تواجه آسيا، بل بالسعي لتسويتها بطرق عملية.

"سيتأثر التعاون والأمن فيآسيا بالتوازنات القائمة بين اللاعبين الآسيوين الكبار. وستؤدي الحاجة إلى تأمين مصادر مستقرة من الطاقة إلى دفع هؤلاء لتكوين حلقة وصل بين سياسات الطاقة وسياساتهم الخارجية "

لا يمكن للهند تجاهل الانشغال بالبحث عن حل لقضية التنافس الآسيوي على الطاقة والذي بدأ يلقي بظلال وخيمة على الأوضاع الجيوسياسية. واللافت للانتباه أن التحالفات الجديدة والمفاجئة بين بعض الشركاء في آسيا تتزعمها اليوم القوى الآسيوية الصاعدة وليس الولايات المتحدة والتي كانت تهيمن على سياسات القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وعلى ضوء ما سبق سيتأثر التعاون والأمن في آسيا بدرجة كبيرة بالتوازنات القائمة بين اللاعبين الكبار. وستؤدي الحاجة إلى تأمين مصادر مستقرة من الطاقة إلى دفع هؤلاء الكبار في آسيا إلى تكوين حلقة وصل بين سياسات الطاقة والسياسات الخارجية، وذلك مع إدراك هؤلاء اللاعبين لضرورة دعم استراتيجيات دبلوماسية تهدف إلى ضبط فرص استغلال الطاقة فيما وراء البحار.

ويجب ألا تؤدي المنافسة حول مصادر الطاقة إلى إشعال الخلافات بين الدول الآسيوية. ومن المؤكد أن الجهود الرامية إلى تحقيق أقصى المكاسب الربحية، والى بسط السيطرة على مصادر النفط والغاز وطرق نقلهما، ستزيد حتما من مخاطر التوترات والصراعات البينية. وفي ظل الحاجة إلى مؤسسات آسيوية إقليمية قادرة على تسوية وإدارة النزاعات، سنجد أن الحاجة ماسة لتحقيق تعاون مشترك يساعد على تلطيف أجواء الصراعات الجيوسياسية حول مصادر الطاقة. وتتمثل أهم التحديات التي تواجهها الهند والصين وغيرهما من الاقتصادات الآسيوية في كيفية تدبير احتياجاتها من الطاقة عبر سياسات أكثر فاعلية تضمن نقل واستهلاك الطاقة بشكل آمن، فضلا عن إتباع سياسات استيراد تحقق مصالح تعاونية مشتركة. ولا مفر من تعاون مشترك من أجل ضمان أمن الممرات البحرية لتفادي وقوع صدام استراتيجي آسيوي. فعندما تتداخل مزاعم كل طرف بالسيطرة البحرية، لن يكون الحل في أن يمضي كل طرف إلى التنقيب والاستخراج دون الاتفاق مع الطرف الآخر. أما النزاعات على النطاقات القانونية لاستكشاف مصادر الطاقة في المياه المفتوحة فتحتاج لأن تسوى من خلال قانون تنظيمي متفق عليه.

وفي ظل تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول الآسيوية، يصعب تحقيق مصالح الهند والصين واليابان وغيرها من الدول إذا ما كانت هذه الدول متورطة في ممارسات تمس بالاستقرار الأمني، قد تصل بأي منها إلى لعبة المجموع الصفري، حيث الخسارة الشاملة. ويمكن للدول الآسيوية الثلاث الكبرى (الهند والصين واليابان) أن تعطي نموذجا لبقية الدول الآسيوية من خلال إرساء علاقات سياسية مستقرة تركز على التعاون المتبادل المثمر. وبدون أن تبادر هذه القوى لذلك فربما لن تكون هناك فرصة لمعالجة التحديات التى تواجه القارة الآسيوية على مستوى الأمن والتنمية.

لقد كان أهم ما يميز دينامية آسيا وازدهارها هو تمتعها بثلاثية الاستقرار والسلام والردع العسكري المتبادل. وتحتاج آسيا إلى الإبقاء على هذه العناصر الثلاثة وتدعيمها من أجل المساعدة في تحقيق نهضة آسيوية مكتملة النضج. وفي الختام يمكن القول إن التحديات التي تواجه العالم اليوم فريدة في نوعها، وتشمل قضايا جديدة، وعالمية التأثير، وتتفاوت بين الارتفاع في حرارة المناخ العالمي وتفشي الإرهاب الدولي. وخلال قرون طويلة إمتدت حتى الحرب العالمية الثانية، تطلعت أنظار العالم إلى أوربا كمركز للصراع على توازن القوى، بل إن الحرب الباردة لم تكن حربا بين الشرق والغرب بل كانت تنافسا بين كتلتين أوربيتين. أما الآن فان عجلة التاريخ تدور في اتجاه آخر نجد فيه أنفسنا أمام مهمة بناء توازن بين قوى العالم تكون آسيا مركزه، علينا إذن أن نحضر أنفسنا لانتقال جديد في مراكز القوى تتربص به تحديات عابرة للقوميات.
___________________

براهما تشيللاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بمعهد البحوث السياسية، نيودلهي. ترجم النص من الإنجليزية إلى العربية عاطف معتمد عبد الحميد.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-10-2011, 04:57 PM   #8

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الثاني: العلاقات الهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية

المحور الثالث
السياسة الخارجية

ويهدف هذا المحور إلى التعرف على القضاياالإستراتيجية للدولة الهندية التي وضعتها نصب عينيها وهي تخطط وترسم المعالمالإستراتيجية لسياستها الخارجية، كما يهدف إلى معرفة كيف تنظر النخبة الحاكمة فيالهند إلى مصالح الوطن العليا التي تود تحقيقها أو تلك التي تجتهد لاستمراريةالمحافظة عليها عبر آليات العمل الدبلوماسي. ولتحقيق هذه الأهداف تم تقسيم المحورإلى ثلاثة مباحث:

المبحث الثاني: العلاقات الهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية
خالد رحمن

تقدم هذه الدراسة رؤية لأحد أوجه السياسةالخارجية الهندية بمنظور مختلف عن تلك التي قدمها البروفيسور تشيللاني. فتتناولورقة مدير معهد الدراسات السياسية بإسلام أباد البروفيسور خالد رحمن "العلاقاتالهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية" الأبعاد الإستراتيجية لهذهالعلاقة وتجلياتها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية،كما تلقي الدراسة الضوء على أثر التجاذبات الإقليمية والدولية على أفغانستان،وتحاول استشراف مستقبل هذا البلد بعد الفراغ الذي يمكن أن يحدثه انسحاب القواتالأميركية من هناك.


نمط العلاقات الهندية الإيرانية يؤثر على استقرار الإقليم (الفرنسية-أرشيف)

تحاول إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تبنِّي نهج إقليمي في حل المشكلة الأفغانية، ومن هذا المنطلق فإنها تتعاون مع الهند وباكستان وإيران رغم ما بينها وبين هذه الدول -وبخاصة إيران- من خلافات.

التطور التاريخي للعلاقات الهندية الإيرانية
الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان
بعد الحرب الباردة
بعد أحداث سبتمبر
السيناريوهات المستقبلية

"إضافة إلى الروابط التاريخية والعرقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، تشترك أفغانستان مع باكستان وإيران في حدود مشتركة. وبناء على هذا فمن غير المنطقي التفكير في أية أدوار فاعلة في أفغانستان دون الأخذ في الاعتبار إسهام هذه الدول في التسوية المستقبلية لأفغانستان "

ومن الإشارات الرسمية الأميركية الداعية والكاشفة في الوقت ذاته عن هذا التعاون تلك المقابلة التي أجرتها محطة بي بي سي في 18 فبراير 2010 في العاصمة الأفغانية كابول مع ريتشارد هولبروك، مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أفغانستان وباكستان؛ حيث أقرَّ هولبروك في تلك المقابلة صراحةً أن تحسن الوضع في أفغانستان رهين بالدور الباكستاني معتبرا أن "لباكستان نفوذا في هذه المنطقة كما أن لها حقوقا أمنية مشروعة". ولعل ما ذهب إليه هولبروك ينطبق بالمثل على عدد من الدول في الإقليم وفي مقدمتها إيران؛ فعلى الرغم من أن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة تتسم بالتوتر إلا أن طهران يمكن أن تصبح جزءا من حل المعضلة الأفغانية. وقبل هذه المقابلة بأيام كان روبرت جيتس وزير الدفاع الأميركي قد صرَّح خلال زيارته للهند بأن "ما تقدمه الهند من دعم ومساندة كبرى في أفغانستان جدير بالإشادة والتميز" .

وعلى الرغم أيضا من الصراع الدائر بين الهند وباكستان، واستمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة؛ فإن مثل هذه التصريحات تعكس من زاويةٍ حقيقةَ الضغط الداخلي والخارجي الذي تواجهه الولايات المتحدة للتعجيل بخروجها من أفغانستان. ومن زاوية أخرى فإن هذه التصريحات تعكس الفكرة التي انبثقت من مؤتمر لندن الذي عقد في 28 يناير/كانون الثاني 2010 والذي تم التأكيد فيه على ضرورة تبنِّي نهج إقليمي في حل النزاعات بين دول الجوار. وإضافة إلى الروابط التاريخية والعرقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، تشترك أفغانستان مع باكستان في حدود يبلغ طولها 2430 كم، ومع إيران بحدود يبلغ امتدادها 936 كم. وبناء على هذا فمن غير المنطقي التفكير في أية أدوار فاعلة في أفغانستان دون الأخذ في الاعتبار إسهام هذه الدول في التسوية المستقبلية لأفغانستان. ورغم أن الهند ليس لها تماس مباشر أو حدود مشتركة مع أفغانستان، إلا أنها تعتبر أفغانستان إحدى دول الجوار خاصة في ظل سياسة "الحدود الممتدة" التي تأخذها الهند بعين الاعتبار والتي تضم الدوائر المحيطة بها كمضيق هرمز والخليج العربي غربا ومضيق مالاقا وبحر الصين الجنوبي شرقا، وآسيا الوسطى شمالا والقارة القطبية الجنوبية جنوبا.

وكامتداد لهذه السياسة يُعتقد أن للهند دورا طبيعيا في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي بحثا عن حماية منطقية لمصالحها. وفضلا عن المطالب الهندية بهذا الدور في أفغانستان؛ فإن الولايات المتحدة -آخذة في الاعتبار علاقتها المتوترة مع إيران، وتزايد انتقاد الرأي العام لسياستها في باكستان- تشعر أنه من الضروري السماح للهند، حليفها الاستراتيجي في المنطقة، بأن تضطلع بالدور الأكبر في أفغانستان. وعلى هذا النحو يبدو أن الفترة المقبلة -مع نوايا الولايات المتحدة وحلف الناتو في الانسحاب من أفغانستان- ستشهد سعيا هنديا وإيرانيا وباكستانيا للعب دور أكبر في أفغانستان من أجل استبدال النظام القديم، كما ستشهد الأيام المقبلة سعي المجتمع الدولي لصياغة أدوار محورية لتلك الدول الثلاثة في أفغانستان.

ولعل ما أعربت عنه الهند فجأة في 4 فبراير/ شباط 2010 من استعدادها استئناف الحوار مع باكستان، رغم الآلام التي عانت منها بعد هجمات مومباي، يعبر عن إدراكها أن لباكستان دورا لا يمكن تجاهله في أفغانستان. ويحيط بهذه الخطوة عدة تساؤلات في مقدمتها مدى إمكانية نجاح الحوار الهندي الباكستاني في ظل تباعد مواقف الطرفين في عديد من القضايا الأمنية. ورغم أن الاتفاق والتعاون الأمني بين إيران وباكستان أمر لا مفر منه إلا أن علاقة الطرفين تتسم بالتوتر، ومما يُسهِم في ذلك ما يثار عن تورط بعض مجموعات وافدة من الجانب الباكستاني تنتهج العنف في إقليم بالوشستان الإيراني فضلا عن اقتراب هذه المجموعات من أفغانستان. وعلى خلاف العلاقة بين الهند وإيران؛ فإن العلاقة بين إيران وباكستان -رغم بعض التوتر- نمت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وجمعت بينهما وجهات نظر متناسقة بخصوص الأمن الإقليمي، لاسيما في أفغانستان. وبناء على هذه الخلفية، تحاول الورقة التي بين أيدينا تقديم تحليل للحراك الأمني الإقليمي في ضوء العلاقات الهندية الإيرانية من زاوية تغير الوضع في أفغانستان وتأثيره على كل من باكستان وأفغانستان.

التطور التاريخي للعلاقات الهندية الإيرانية

رغم أن الهند وإيران لا تجمعهما حدود مشتركة، إلا أنهما يقعان في نفس الإقليم ويمتلكان تراث اثنتين من أقدم الحضارات الإنسانية، كما أن علاقاتهما ظلت محورية وذات طبيعة جوهرية في معظم الأحوال؛ فمنذ عصور قديمة تعود إلى زمن طريق الحرير احتفظت الدولتان بعلاقات تجارية وثيقة. وحين كانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية للهند خلال دولة الموغال الإسلامية كان تأثر المعارف الحياتية الهندية بالحضارة الفارسية -وبصفة خاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية- بالغ الوضوح. ونظرا لكون نسبة معتبرة من مسلمي شبه القارة الهندية من الشيعة؛ فإن هذه التأثيرات قد امتدت إلى الأبعاد الدينية. ولكن مع الحكم البريطاني للهند ونهاية دولة الموغال تعرض التراث الإيراني في الهند للتراجع وخاصة على المستويين: الاجتماعي والثقافي، خاصة حين تم إحلال اللغة الإنجليزية محل الفارسية لتصبح اللغة الرسمية للبلاد.

ولم تشهد العلاقات الإيرانية الهندية تطورا ملحوظا في السنوات التي تلت استقلال الهند عن بريطانيا، ولعل السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى وجود الدولتين في معسكرين مختلفين خلال حقبة الحرب الباردة؛ مما دفع كلتيهما لاتخاذ مواقف متضادة في القضايا الدولية. فرغم أن الحكم البريطاني للهند قد انتهى عام 1947، إلا أن تأسيس علاقات دبلوماسية بين الهند وإيران لم يبدأ سوى في عام 1950 .

"رغم أن الهند ليس لها حدود مشتركة مع أفغانستان، إلا أنها تعتبر أفغانستان إحدى دول الجوار خاصة في ظل سياسة "الحدودالممتدة" التي تأخذها الهند بعين الاعتبار والتي تضم الدوائر المحيطة بها كمضيق هرمز والخليج العربي غربا ومضيق مالاقا وبحر الصين الجنوبي شرقا، وآسيا الوسطى شمالا والقارة القطبية الجنوبية جنوبا"

في المقابل كانت إيران أول من اعترف باستقلال باكستان وعقدت معها علاقات دبلوماسية في 1948. ووقعت إيران وباكستان معاهدة صداقة حين قام شاه إيران بزيارة باكستان في 1949.كما اصطفت إيران خلال الحرب الباردة -وحين كانت إيران تحت حكم رضا شاه بهلوي- مع الولايات المتحدة درءا لخطر تسلل الشيوعية إلى أراضيها، كما انضمت إلى "حلف بغداد" الذي انضمت إليه باكستان أيضا ولكن بمبرر مختلف؛ ذلك أن إسلام أباد رأت في الحلف فرصة لدعم عسكري أمام هجوم محتمل من الهند، كما كان العراق وتركيا والمملكة المتحدة أعضاء في ذلك الحلف. بينما على الجانب الآخر عارضت الهند سياسة الأحلاف، واعتبر رئيس وزرائها آنذاك جواهر لال نهرو حلف بغداد نهجا خطيرا يهدد العلاقات الدولية؛ فعمل على تأسيس سياسة مغايرة عُرفت باسم حركة عدم الانحياز. وخلال فترة الحرب الباردة احتفظت إيران وباكستان بعلاقات طيبة نظرا لأن كل منهما كان واقعا في دائرة نفوذ الولايات المتحدة. وفي حقيقة الأمر كانت إيران الشاه أكبر لاعب يرعى المصالح الأمريكية في المنطقة، وبالتالي أصبحت باكستان -الواقعة في نفس المعسكر- حليفا مقرَّبا لإيران.

كما وقفت إيران إلى جانب باكستان خلال الحرب الهندية الباكستانية، وقدمت لها دعما ماديا ودبلوماسيا. في الوقت الذي كانت الهند فيه، وهي اللاعب الرئيسي في حركة عدم الانحياز، تميل تجاه الاتحاد السوفيتي بل ودخلت معه في تحالفات دفاعية . وأدى تطور الأوضاع خلال فترة الحرب الباردة إلى تقارب الهند وأفغانستان معا؛ وذلك لأن أفغانستان كانت واقعة أيضا ضمن مجال النفوذ السوفيتي، وكانت الدولتان (الهند وأفغانستان) تحتفظان بعلاقات محورية متقاربة. وعلى أية حال فإنه في الوقت الذي كانت الهند قادرة فيه على ممارسة تأثير على كابول، كانت العلاقات الأفغانية الهندية إيجابية، ولم تقلق هذه العلاقات باكستان، حتى في أشد اللحظات الحرجة إبان الحروب الهندية الباكستانية في 1965 و 1971، ولم تواجه باكستان أي مصدر من مصادر التوتر والقلق من جبهتها الغربية. ورغم هذا لم يكن هناك نزاع مباشر بين إيران والهند خلال تلك السنوات، بل شهدت العلاقات بين الدولتين نموا مستقرا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.

الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان

غيرت الثورة الإيرانية في عام 1979 من السيناريو القائم على حقيقة أن إيران كانت حليفا لواشنطن؛ فتحولت إلى أكبر متَحَدٍّ لمصالح الولايات المتحدة في الإقليم. وفي خلال الحراك الذي شهدته فترة الحرب الباردة، كان التحدي الذي مثلته إيران للولايات المتحدة فرصة رحبت بها الهند؛ فقد أثنت الهند على الثورة الإيرانية واعتبرتها دليلا على تأكيد الهوية القومية، وعلامة على رفض الانضواء في معية قوة عظمى خارجية ؛ ومن ثَمَّ بدا أن الفرصة أصبحت سانحة لتشكيل تحالف مواجه للولايات المتحدة في الإقليم. فبحسب معايير الحرب الباردة كان ذلك نجاحا للسوفيت الذين وجدوا أن العناصر المناوئة للولايات المتحدة في الإقليم في ازدياد، خاصة في ظل تحالفهم مع الهند، القوة الكبرى في تلك المنطقة. وبينما رفع قادة الثورة الإيرانية شعار "لسنا مع الشرق ولا مع الغرب" وقع على الجانب الآخر سيناريو مختلف في المنطقة خاصة في أفغانستان التي شهدت غزوا سوفيتيا. كان الغزو السوفيتي لأفغانستان قد أدى إلى مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية بطريقة بقيت آثارها حتى بعد مرور ثلاثة عقود من ذلك الحدث، ويبدو أنها ستستمر لوقت طويل آخر في المستقبل. فخلال الاحتلال السوفيتي (1979-1990) لجأ ملايين الأفغان إلى إيران وباكستان. وكما قدمت كلتا الدولتين دعما لشؤون اللاجئين قدمت في نفس الوقت دعما للقوات المقاوِمة لحكومة كابول المدعومة من قبل السوفيت؛ ومن هنا ففي المناطق التي كانت قريبة من الحدود الإيرانية حظيت طهران بتأثير واسع ودعم شعبي.

وبحكم الروابط التاريخية والقبلية والاجتماعية والاقتصادية التي جمعت السكان عبر الحدود الأفغانية والباكستانية، إضافة إلى الرؤية القائلة بأنه من منظور الأمن الإقليمي الباكستاني فإن أفغانستان كانت تقدم العمق الاستراتيجي الأمني المطلوب، فإن موقف باكستان تجاه الأحداث في أفغانستان كان أمرا طبيعيا ومفهوما. فقد كانت إسلام أباد متشوقة لرؤية حكومة صديقة ومتحالفة معها في كابول بعد إتمام الانسحاب السوفيتي، وهو ما كان يعني الحد من النفوذ الهندي وزيادة النفوذ الباكستاني في الإقليم. وكنتيجة لذلك كانت أفغانستان على وجه الخصوص مسرحا لشكل من أشكال الحرب بالوكالة، تلك الحرب التي اشترك فيها عديد من الفرق والطوائف الأفغانية المحلية، لكن في واقع الأمر كانت الحرب بالوكالة مشتعلة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما الأطراف الإقليمية مثل إيران والهند وباكستان فقد انشغل كل منها بتحقيق مصالحه الإستراتيجية.أما على الجانب الهندي فقد كانت الهند مهتمة بمراقبة ما تقدمه باكستان من دعم للقوى التي كانت تقاوم الغزو السوفيتي، كما كانت الهند -بحكم تقاربها مع حكومة كابول المدعومة من السوفيت- قد وجدت الفرصة سانحة، واستغلتها كاملة ، لممارسة نفوذها على كابول والمناطق المجاورة.
بعد الحرب الباردة

تغيرت سيناريوهات الأحداث من جديد في عام 1990، وذلك مع انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، وما تلا ذلك من تفكك الاتحاد السوفيتي؛ فقد شهدت أفغانستان انقسامات جديدة وانشقاقات بين مجموعات المقاومة، كما طفت على السطح فرص جديدة في الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق في آسيا الوسطى والتي زادت من مقدار وحجم التأثير والنفوذ الذي سعت الأطراف الإقليمية لممارسته في أفغانستان. وبينما وقع افتراق في المصالح بين كل من باكستان وإيران حول الأوضاع في أفغانستان، سعت كل من الهند وإيران إلى تحقيق مصالح متشابهة في أفغانستان؛ فقد كانت الهند وإيران تتمتعان بعلاقات جيدة مع "تحالف الشمال" الأفغاني الذي جمع في معظمه الشيعة المناصرين لإيران، والقبائل غير البشتونية من الطاجيك والأوزبك والهزارا وغيرهم، فضلا عن جماعات مدعومة من السوفيت سابقا. كان صعود طالبان -مدعومة من قِبل باكستان والمملكة العربية السعودية- سببا في تعميق الانقسام الإقليمي، خاصة لكل من إيران والهند، ولكن لأسباب متباينة؛ فإيران كانت قلقة بشأن الدعم "السني" العربي لطالبان في أفغانستان، بينما كانت الهند قلقة من تزايد نفوذ باكستان في أفغانستان، واعتبرت ازدياد ذلك النفوذ تطورا سلبيا للأوضاع على حساب مصالحها في الإقليم.

وفي ذات الوقت أدت مجموعة من العوامل إلى نمو متزايد في العلاقات الهندية الإيرانية خلال عقد التسعينيات. فقد أقامت روسيا والهند وإيران معا مجموعة من المشروعات من أجل دعم علاقاتهم التجارية؛ وذلك من خلال مد شبكة من البِنى الأساسية تسهل عمليات انتقال السلع والبضائع إلى آسيا الوسطى وروسيا عبر إيران وأفغانستان. وفي أعقاب ازدياد ضغوط الولايات المتحدة وجدت إيران في الهند فرصة للتحالف، كما تطلعت دلهي في نفس الوقت إلى طهران لتحسين صورتها السلبية في العالم الإسلامي نتيجة علاقاتها العسكرية بإسرائيل ، فضلا عما كانت إيران تمثله للهند من حليف مهم لمواجهة الانعزال الذي تعانيه الهند في الإقليم، إضافة إلى حاجة الهند للتعاون مع إيران لتلبية حاجتها المتزايدة من مصادر الطاقة من النفط والغاز. ومن هنا كان التعاون بين الهند وإيران يأخذ شكلا من أشكال النمو المتسارع خلال تلك الفترة الحرجة من تطور الأوضاع في أفغانستان، وفيها قدمت كلتا الدولتين دعما كاملا لتحالف الشمال الأفغاني.

وقد تركت الأحداث التي مرت خلال عقد التسعينيات آثارها على تقارب الهند وإيران على المستوى الإستراتيجي في مقابل باكستان لدرجة أن إيران التي عُرف عنها دعمها "الخطابي" المتحمس للقضايا الإسلامية مثل البوسنة وفلسطين وغيرها، لم تظهر أية تعاطف أو حماسة أو دعم لحركة تحرير كشمير التي كانت تدعمها في الماضي ، بل واعتبرت إيران -مخالِفة بذلك خطها الذي انتهجته سابقا- أن كشمير جزء لا يتجزأ من الهند، وإن كان الرئيس الإيراني آنذاك هاشمي رفسنجاني حين قام بزيارة لباكستان في سبتمبر 1992 عبَّر عن دعمه لحق مسلمي كشمير في تقرير مصيرهم . ورغم أن الحرب الباردة قد أعطت زخما للعلاقة بين إيران والهند، إلا أنه وبسبب ديناميات علاقات القوة في الإقليم، فإن فرص التعاون الهندي مع الولايات المتحدة إضافة إلى تعاونها مع روسيا، قد بدأت في التزايد بشكل ملحوظ.

على الجانب الآخر، بدأت الهند توثق علاقاتها بإسرائيل خاصة في المجالات العسكرية والشؤون الإستراتيجية. وقد تركت هذه التطورات أثرها على توتر العلاقة بين الهند وإيران على مستوى الرؤى المستقبلية للنظام السياسي العالمي، وبشكل أخص على علاقة كل من دلهي وطهران بالولايات المتحدة وإسرائيل؛ فكل من إيران والهند كانت تقف في ركن مباين للأخرى في هذا الصدد. لكن على أية حال فإنه في الوقت الذي بقيت فيه الهند حريصة على توازن علاقاتها مع كافة الأطراف، فإن هناك عاملا رئيسيا -إضافة إلى عوامل أخرى في مقدمتها تبادل المصالح بين طهران ودلهي- ساعد على نزع فتيل التوتر بين الهند وإيران، ألا وهو التقاء الهند وإيران مع توجه الولايات المتحدة نحو دعم تحالف الشمال الأفغاني بعد أن فشلت في التفاوض مع طالبان لتلبية مطالبها في أفغانستان. وعلى هذا النحو فإن التعاون بين الهند وإيران قد مضى بشكل إيجابي؛ فعُقد حوار أمني حول القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك وذلك خلال زيارة وزير الدفاع الهندي إلى طهران في مارس 2001. وتم التعبير عن المصالح الهندية الإيرانية المشتركة فيما عُرف آنذاك باسم "إعلان طهران" الذي وُقِّع في أبريل 2001؛ وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي إيتار بيهاري فاجبايي لطهران.

وانطلاقا من رؤية الدولتين للأحداث في أفغانستان -خاصة في مواجهة طالبان لتحالف الشمال- دعت الدولتان إلى حكومة تجمع شمل الأطياف الأفغانية، في تعبير عن القلق بشأن تنامي التطرف والإرهاب في أفغانستان. وقد جاء في إعلان طهران 2001 ما يعبر عن موقف الدولتين بوضوح، كهذا النص على سبيل المثال: "تتفق الدولتان على أنه من غير الممكن أن يحقق الخيار العسكري حلا للصراع الأهلي الدائر في أفغانستان، كما أن الجانبين يتفقان على ضرورة تأسيس حكومة وطنية تحقق تطلعات الشعب الأفغاني وهو المطلب الأساسي لضمان تحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان. كما عبَّر الطرفان عن اهتمامهما العميق بانتشار ظاهرة الإرهاب والتجارة غير الشرعية للمخدرات التي تتدفق من المناطق التي يسيطر عليها المتطرفون ".

وبخصوص منهج الدولتين في التعامل مع الوضع الإقليمي نص الإعلان على أنْ: "يتابع الطرفان باهتمام أهمية وجود بيئة آمنة وسلمية تضمن تطورا في العلاقات التجارية، وتدعم نموا اقتصاديا في منطقة الخليج الفارسي والمحيط الهندي. كما يعتبر الطرفان أن الأمن والاستقرار في منطقة آسيا الوسطى بالغ الأهمية لإيران والهند ". كما نتج عن إعلان طهران تطوير آلية مؤسسية نشطة لتحقيق الأهداف المشتركة بين الطرفين. ومن ثَمَّ عُقد عدد من اللقاءات والفعاليات سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى القطاع الخاص، وفي مقدمتها اللقاءات التي جمعت "اللجنة المشتركة" و "الحوار الإستراتيجي" فضلا عن التفاعل بين المجالس الأمنية في البلدين، والمناقشات التي جرت بشأن القضايا الأمنية والطاقة والتعاون القائم على التكامل والإمكانات المتنوعة التي تشمل الموارد والاستثمار والتنقيب عن مصادر الطاقة وتبادل الخبرات الفنية.

بعد أحداث سبتمبر

في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة عام 2001 وما تبعها من تطورات تسارعت وتيرة نمو العلاقات الهندية الإيرانية؛ مما كان له تداعيات كبيرة على المستوى الإقليمي؛ فقد تمكنت الدولتان من الاستفادة من الوضع الذي ظهر في المنطقة بعد إسقاط حكومة طالبان وسيطرة تحالف الشمال على أفغانستان؛ حيث أصبحت الولايات المتحدة في حاجة لدعم من الدول الإقليمية؛ وبالتالي كانت واشنطن تعوِّل كثيرا على تلقي المساعدة من الهند، أما بالنسبة لإيران فكانت كل من واشنطن وطهران تشعر أنه من المناسب تجاوز الخلافات، على الأقل في الوقت الراهن المتعلق بالأزمة، وذلك من أجل تحقيق هدفهما المشترك المتمثل في الإطاحة بالمقاومة التي تتزعمها طالبان في أفغانستان. وفي سياق العلاقات الثنائية بينهما؛ فإن زيارة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للهند وتوقيعه "إعلان نيودلهي" في عام 2003 كانت بالغة الأهمية؛ فالإعلان المكوَّن من 16 بندا والذي تم التوقيع عليه في 25 من يناير/كانون الثاني 2003 جاء تحت عنوان "رؤية لشراكة إستراتيجية من أجل إقليم مستقر وآمن، ومن أجل تعزيز التعاون الإقليمي والدولي".

وقد تضمن ذلك الإعلان مجالات تعاون مختلفة في مقدمتها المواصلات والطاقة والصناعة والعلوم والتقنية والزراعة، لكن أهم ما جاء فيه في هذا الصدد التأكيد على استكشاف فرص التعاون العسكرية خاصة التدريب وتبادل زيارات الفنيين والعسكريين. وفي مجال الإرهاب أكد الإعلان على "ضرورة إدانة الدول التي تقدم دعما أو تحريضا أو مساعدة مباشرة للإرهاب الدولي" . وفي مجال الطاقة النووية عبَّر الإعلان عن اهتمامه بالقيود المفروضة على تصدير مواد وتقنيات ومعدات الطاقة النووية إلى الدول النامية معربا عن حق هذه الدول في البحث العلمي، وفي إنتاج واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية . وقد ناقش الإعلان بعض القضايا المهمة لكل من الهند وإيران وأفغانستان وفي مقدمتها الاتفاق الثلاثي بين هذه الدول على تطوير الطريق الواصل بين ميناء شهبهار الإيراني والذي يربط ميلاك وزارانج وديلارم داخل أفغانستان (؛ ليصل المنطقة الحدودية الإيرانية الأفغانية بقندهار ومنها إلى كابول؛ وذلك من أجل تسهيل عبور التجارة الإقليمية وعبور السلع من إيران إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان، وسيسْهُل بذلك فتح نافذة لأفغانستان الحبيسة على الموانئ الإيرانية المفتوحة على الملاحة البحرية العالمية، وسيقلل ذلك من اعتماد أفغانستان المفرِط على باكستان في الوصول إلى المياه المفتوحة .

وباعتبار الهند وإيران أصحاب الحق في إنشاء المشروع والإشراف عليه فكان من الطبيعي أن تكون لهما أولوية الدفاع عن مصالحهما في أفغانستان. وإضافة إلى الإعلان المشترك في عام 2003 وقَّعت الدولتان أيضا "خريطة طريق للتعاون الإستراتيجي" . وقد احتوت مذكرة التفاهم بين الجانبين على خطة من خمس سنوات تهدف إلى وضع أسس لشراكة إستراتيجية. وقبل ذلك كانت الدولتان قد وقعتا في 19 يناير/كانون الثاني 2003 في طهران اتفاقية للتعاون الدفاعي. وقد أثمرت اتفاقية الدفاع دعما هنديا لإيران في مجال إصلاح السفن الحربية خاصة في ميناء إيران الجديد في شهبهار، وأتاحت كذلك تمركز مهندسين هنود متخصصين في الملاحة الجوية في القواعد العسكرية الإيرانية؛ بغرض تقديم الدعم الفني وخدمات الصيانة والتحديث للمقاتلات الإيرانية من نوع ميج ـ 29، فضلا عن إرسال المهندسين العسكريين الهنود إلى إيران لإصلاح وصيانة دبابات تي ـ 72 ، كما أجرت الدولتان تدريبات بحرية مشتركة في مارس 2003. وأشارت التقارير إلى أن إيران قد طلبت من الهند المساعدة في تطوير قواتها البحرية والجوية وبطاريات غواصاتها البحرية ، وبحسب الصحافة الإيرانية قدمت الهند أيضا تدريبا لمهندسي البحرية الإيرانية في كل من مومباي وفيكشاباتنام . كما سعت إلى إجراء تدريبات على الصواريخ المضادة للسفن التي اشترتها من الهند.

وبناء على ما سبق، فإنه في ظل الاهتمامات المشتركة في الإقليم من ناحية، وتلاقي المصالح في أعقاب تحديد كل طرف لأولوياته من ناحية أخرى، فإن إعلان نيودلهي 2003 ومذكرة التفاهم التي تم توقيعها في تلك السنة قد وضعا أسسا لتعاون طويل الأمد قائم على تعاون الطرفين في كافة المجالات. وبينما أخذت رحلة التعاون تمضي بشكل إيجابي بين البلدين لم تسلم مسارات هذه الرحلة من بعض العثرات أخذا في الاعتبار بعض عناصر التوتر الموروثة بين الطرفين، خاصة في ظل تباين موقف الهند وإيران بشأن العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية، فضلا عن الحملة الأمريكية لتوقيع عقوبات اقتصادية على إيران. لكن كانت هناك نقطة صدام بين الدولتين حينما صوتت الهند في سبتمبر/أيلول 2005 وفبراير 2006 في وكالة الطاقة النووية "ضد إيران"؛ فقد تضررت العلاقات بين البلدين خاصة وأن قرار وكالة الطاقة النووية في فبراير 2006 قد طلب من مجلس حكام الوكالة تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن في حال رفضها تعليق تخصيب اليورانيوم وفتح كافة منشآتها لتفتيش ومراقبة الوكالة. وقد أثر التصويت الهندي ضد إيران على العلاقة بين دلهي وطهران بشكل سلبي؛ فبادرت إيران بإلغاء الاتفاق الخاص بإمداد الهند بالغاز المسال، ولكن استمرت الهند في موقفها المصوت في وكالة الطاقة النووية ضد إيران في عام 2009 (34). وعلى خلفية تنامي الشراكة الإستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة، وسعي الهند لإقناع الولايات المتحدة بتوقيع صفقة ثنائية بشأن الطاقة النووية، شهد برنامج التعاون العسكري الهندي الإيراني فتورا. وفي نفس السياق انسحبت الهند من مشروع أنابيب الغاز الذي كان مخطَّطا له أن يمتد من إيران عبر باكستان إلى الهند.

وخلال تلك السنة حدث تطور مهم بزيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل السعودية للهند وكان الملك عبد الله ضيف شرف في احتفالات الهند باليوم الوطني في 26 من يناير/كانون الثاني، وهي نفس المكانة الرفيعة التي كان قد تقلدها من قبله الرئيس الإيراني محمد خاتمي في عام 2003. وبعد 50 سنة من العلاقات المحدودة بين الرياض ونيودلهي كان هذا الحدث بمثابة تعبير عن توجه الطرفين لبناء علاقات بَيْنية. وبناء على الميراث الكبير من عدم الثقة المتبادلة والشكوك بين إيران والسعودية وجدت إيران في زيارة الملك عبد الله للهند إشارة سلبية ضدها، كما تعززت هذه النظرة بعد زيارة رئيس وزراء الهند مانموهان سينغ إلى الرياض في فبراير/شباط 2010. وهناك أيضا اختلاف جوهري في موقف دلهي وطهران حول أفغانستان، وهو اختلاف يعوق كلاًّ منهما عن لعب دور أكثر وضوحا وتكاملا، وأساس الخلاف يرجع إلى اختلاف وجهتي النظر بشأن دور الولايات المتحدة في أفغانستان؛ فإيران تشعر بالقلق من وجود القوات الأميركية في أفغانستان، بينما تشعر الهند بالقلق إذا غادرت القوات الأميركية أفغانستان. وتُسبب الأوضاع المتوترة في الإقليم قلقا لكل من الهند وإيران نظرا لما أنفقاه معا، أو ما أنفقه كل طرف منهما من استثمارات ضخمة في أفغانستان.

السيناريوهات المستقبلية

"العلاقات الهندية الإيرانية كانت سببا رئيسيا للتغيرات الجيو سياسية التي حدثت في الإقليم عموما، وفي كلٍّ من باكستان وأفغانستان على وجه الخصوص، وقد كان لهذه التغيرات أثر مزدوج (إيجابيا وسلبيا) "

أوضح التحليل السابق أن العلاقات الهندية الإيرانية كانت سببا رئيسيا للتغيرات الجيو سياسية التي حدثت في الإقليم عموما، وفي كلٍّ من باكستان وأفغانستان على وجه الخصوص، وقد كان لهذه التغيرات أثر مزدوج (إيجابيا وسلبيا) في ذات الوقت؛ فالعلاقة بين الطرفين اكتسبت أهمية كبيرة في أعقاب رياح التغيير التي هبَّت وتهب الآن على الإقليم. فبقراءة المشهد الأفغاني لا سيما ما يتعلق بوضع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو؛ فإنه يتبين أن هذه القوات تسعى إلى خروج مشرِّف من أفغانستان، لكن هذا الخروج لن يتحقق إلا بعد تحقيق هدفين رئيسيين:

الأول: تقديم "رمز" ولو شكلي على أن هذه القوات أنجزت شيئا ما في أفغانستان.

والثاني: تأسيس حكومة أفغانية قادرة على الحفاظ على المصالح الأميركية والغربية في الإقليم.

وفي هذا الإطار فإن خريطة الطريق المطروحة بشأن أفغانستان تقوم على تأسيس قوات جيدة التدريب في العاصمة كابول خلال السنوات الثلاثة المقبلة، فضلا عن تحقيق انتقال تدريجي للسلطة وإقرار الأمن في البلاد . ولكي يتحقق الهدف الأول شنت الولايات المتحدة والناتو حملة واسعة على قوات المقاومة في أفغانستان مع الإعلان عن خطة دعم حكومة الوفاق الوطني الأفغاني، وتوفير الفرصة لإعادة دمج أو استيعاب المجموعات الطالبانية المستعدة للتخلي عن القتال . ويعد التعاون الباكستاني في هذا الصدد لا غنى عنه لإنجاز تلك الأهداف. كما أن دور إيران لا يمكن التقليل من أهميته بالمثل، وعلى الرغم من وجود صعوبات في علاقة الولايات المتحدة بإيران، إلا أن هناك إدراكا أميركيا بأن الأزمة الحالية في العلاقات يمكن أن تتحول إلى فرصة إيجابية تُستثمر في الوصول إلى حل لمشكلات الإقليم ككل، أخذا في الاعتبار المصالح المشتركة التي تجمع الولايات المتحدة والدول الغربية والهند في دبلوماسية إدارة الأزمة الأفغانية.

ورغم ما ذُكر من خلافات واضحة إلا أن الأمين العام السابق لحلف الناتو ياب دي هوب قد أكَّد في يناير/كانون الثاني 2009 على أهمية "إشراك إيران" في مواجهة عدم الاستقرار المتنامي في أفغانستان. ومن جانبها تدرك إيران أن بوسعها لعب دور أكبر في أفغانستان رغبة في استغلال هذا الدور لتخفيف الضغوط المفروضة عليها من قِبل القوى الأوربية، خاصة في أعقاب الأزمة المتعلقة ببرنامجها النووي. وعلى هذا فإنه في حالة أية تطورات في هذين الهدفين؛ فإن العلاقة الارتباطية بينهما يمكن أن تزداد وذلك في سيناريو يبدو فيه للخروج من أفغانستان الأولوية الكبرى للولايات المتحدة. وعلى الجانب الآخر يعتقد بعض المراقبين ـ على نحو ما حدث بالفعل في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي ظل الإستراتيجية المعادية لطالبان وخلال الحملة على العراق ضد صدام حسين ـ أن الحوار بشأن أفغانستان يمكن أن يؤدي إلى تقارب وتفاهم في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. أما بالنسبة لباكستان فقد عبرت في غير مرة وبوضوح عن استعداها للتعاون مع قوات التحالف والحكومة الأفغانية بهدف تحقيق الهدف الذي أشرنا إليه سابقا والساعي إلى تسهيل انسحاب مشرف للقوات الأجنبية.

أما الهند فتمضي قدما في تثبيت أقدامها في أفغانستان عن طريق المشروعات التنموية والمساعدات العسكرية والاتفاقيات الأمنية. فإضافة إلى انخراط الهند في المساعدات الفنية والعسكرية للحكومة الأفغانية -كما سبق إيضاح ذلك بشيء من التفصيل- تسهم الهند في بناء الطرق والمستشفيات والمؤسسات التعليمية ومحطات الكهرباء وغيرها من المشروعات العامة التي تقترب اليوم من 1.5 بليون دولار والتي تعتبر بالغة السخاء من الجانب الهندي، الأمر الذي يثير حفيظة باكستان التي تنظر إلى الهند وكأنها تعمل على إزاحتها من الملعب الأفغاني. في نفس الوقت الذي تتخذ الهند من أفغانستان التي مزقتها الحرب ساحة لمنافسة الصين. ونظرا لهذه التخوفات الباكستانية فقد أعرب رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال كاياي خلال اجتماع الناتو مع وزراء الدفاع في دول التحالف في أفغانستان عن استعداد بلاده تقديم التدريب العسكري للجيش والشرطة في أفغانستان، معبِّرا بذلك عن قلق باكستان من الدور الهندي في تكوين وتدريب القوات الأمنية الأفغانية. وحين التقى مع الإعلاميين أكد كاياي على أن التعاون بين باكستان وقوات الجيش الأفغاني سيفيد كلا الطرفين، وسيدعم العلاقات والتعاون وسيمهد لنجاح العملية التي تقوم بها قوات الولايات المتحدة والناتو لمواجهة الإرهاب والتطرف في الإقليم.

كما أعرب شاه محمود قرشي، وزير الخارجية الباكستاني عن نفس الموقف السابق؛ وذلك خلال مشاركته في مؤتمر لندن حول أفغانستان أوائل 2010. وقد كانت هناك تقارير تشير إلى أن باكستان قدمت عرضا للتعاون مع الحكومة الأفغانية غير أن إسلام أباد لم تتلقَّ ردا من كابول -ويبدو التأخير مفهوما إذا ما علمنا أن رئيس أركان الجيش الأفغاني -الجنرال بِاسْم الله- ينحدر من شورا ونزار إحدى فصائل تحالف الشمال . وإضافة إلى تحفظ كابول على العرض الباكستاني، فإن موقف الولايات المتحدة من هذا العرض لم يتحدد بعد، خاصة وأنَّ من مصلحتها زيادة الدور الهندي في الطيف الأوسع للسياسات الإقليمية في جنوب آسيا وليس فقط في أفغانستان. وتحاول الولايات المتحدة إقناع الهند باستعادة الحوار مع باكستان من أجل جمع الدولتين على نفس الأجندة الأمريكية في أفغانستان -على الأقل في الوقت الحاضر-. وفي خضم العلاقات الهندية الباكستانية، والهندية الإيرانية فإن وجهة النظر الأمريكية ترى في حضور الهند بشكل رئيسي في أفغانستان توازنا ضروريا لضمان الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة مستقبلا؛ ومن ثَمَّ فإن السيناريو المستقبلي ليس على قدر كامل من الوضوح.

وقد كان هناك قدر من التقدير في مؤتمر لندن للاقتراح الداعي إلى تقديم مبادرة 6+2 والتي تتضمن دول الجوار الست المحيطة بأفغانستان (إيران، أوزبكستان، تركمنستان، طاجيكستان، الصين، وباكستان) إضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا . وتحتاج مجموعة الاتصال هذه إلى قناعة جادة بضرورة الوصول إلى حل دائم للمشكلة، خاصة وأن غياب التفاهم أو ضعف التواصل بين دول الجوار ربما يؤدي إلى كوارث ستفضي في النهاية إلى تكرار سيناريو الحرب الأهلية الذي شهده عقد التسعينيات. وفي هذا الشأن من المفيد رؤية بعض الأحداث المهمة التي أعقبت مؤتمر لندن؛ حيث بدأ التواصل بين دول الجوار الأفغاني خاصة بين إيران وباكستان. وفي خلال المحادثات الثلاثية التي جمعت وزراء خارجية باكستان وإيران وأفغانستان في يناير 2010 تم الاتفاق على الحاجة لحل القضية العسكرية من خلال منظور إقليمي، في الوقت الذي تم التأكيد فيه على ضرورة أن يتقدم الأفغان بأنفسهم للوصول لحل لهذه المشكلة.

"على نحو ما حدث بالفعل في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي ظل الإستراتيجية المعادية لطالبان وخلال الحملة على العراق ضد صدام حسين ـ أن الحوار بشأن أفغانستان يمكن أن يؤدي إلى تقارب وتفاهم في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران"

وكانت القمة الثلاثية التي جمعت أفغانستان وباكستان وتركيا في إسطنبول، وما تلا ذلك من اجتماع لدول الجوار الست والمانحين الدوليين في نفس المناسبة، بمثابة دليل على الاعتراف بأهمية البعد الإقليمي، والحاجة لجهود إقليمية جماعية من أجل التحرك إلى الأمام. وفي حقيقة الأمر فقد عانت كل دول الإقليم من تداعيات الحرب الأهلية التي شهدتها أفغانستان خلال تسعينيات القرن العشرين، ولا يرغب طرف من هذه الدول في أن يتكرر ذلك السيناريو مرة أخرى. وما تزال هناك مشكلة ترجمة مقترح 6+2؛ وذلك لأن الهند ليست عضوا فيه. كما أن غياب إيران عن مؤتمر لندن لم يُعط أملا في إمكانية تحقيق تقدم قريب في القضية الأفغانية على المستوى الدولي. ومع ذلك فإن الوضع به من الفرص ما يسمح لباكستان وإيران والهند بصياغة سياسة قائمة على التعاون والتكامل بين كافة الأطراف الإقليمية دون أن يكون الهدف تحقيق مصالح القوى الخارجية الوافدة إلى الإقليم. ويمكن أن يمثل التنسيق بين الدول مصدرا للسلام والرخاء .

وعلى أية حال فإنه إذا ما استمر الصراع على تحقيق مصالح القوى الإقليمية والدولية دائرا، مع إهمال الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الاضطراب وعدم الاستقرار في أفغانستان؛ فإنه من المحتمل تفاقم الأزمة الأفغانية في صورة أزمات جديدة تلعب فيها القوى الكبرى أدوارها من وراء الستار دون أن تصل النزاعات بين الدول الإقليمية إلى حل، بل تتفاقم وتصبح أفغانستان مسرحها الرئيسي. ولعل تطوير فهم أعمق ورسم خريطة طريق متفق عليها من قِبل الدول الإقليمية هو الحل الأجدى لأي تسوية مستقبلية والمرفأ الوحيد للوصول إلى سلام دائم واستقرار راسخ في الإقليم.
_______________
مدير معهد الدراسات السياسية بإسلام أباد، باكستان.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-10-2011, 05:16 PM   #9

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الثالث: العلاقات الهندية-الخليجية: رؤية إستراتيجية

المحور الثالث
السياسة الخارجية

ويهدف هذا المحور إلى التعرف على القضاياالإستراتيجية للدولة الهندية التي وضعتها نصب عينيها وهي تخطط وترسم المعالمالإستراتيجية لسياستها الخارجية، كما يهدف إلى معرفة كيف تنظر النخبة الحاكمة فيالهند إلى مصالح الوطن العليا التي تود تحقيقها أو تلك التي تجتهد لاستمراريةالمحافظة عليها عبر آليات العمل الدبلوماسي. ولتحقيق هذه الأهداف تم تقسيم المحورإلى ثلاثة مباحث:

المبحث الثالث: العلاقات الهندية-الخليجية: رؤية إستراتيجية
خالد نايف الهباس

تقدم هذه الدراسة رؤية لأحد أوجه السياسة الخارجية الهندية بمنظور مختلف عن تلك التي قدمها البروفيسور تشيللاني. فتتناول ورقة مدير معهد الدراسات السياسية بإسلام أباد البروفيسور خالد رحمن "العلاقات الهندية الإيرانية..التطور التاريخي والرؤية المستقبلية" الأبعاد الإستراتيجية لهذه العلاقة وتجلياتها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية،كما تلقي الدراسة الضوء على أثر التجاذبات الإقليمية والدولية على أفغانستان،وتحاول استشراف مستقبل هذا البلد بعد الفراغ الذي يمكن أن يحدثه انسحاب القواتالأميركية من هناك.


تعتبر العلاقات الخليجية-الهندية من المواضيع الحيوية وذات الأهمية المتنامية في ظل الدور المتزايد الذي يضطلع به كل من الطرفين على الساحتين الإقليمية والدولية. فالهند تعتبر من القوى العالمية الناشئة التي ينتظر أن يكون لها تأثير على الساحة العالمية في المستقبل القريب، بينما تظل منطقة الخليج ذات أهمية جيوسياسية واقتصادية كبيرة للقوى الدولية، نظرا للممرات المائية المهمة التي تحويها المنطقة من ناحية، وكونها مخزن للطاقة من ناحية أخرى.

أولاً: الوضع السياسي الدولي وأثره على العلاقات الخليجية-الهندية
ثانياً: القضايا ذات الاهتمام المشترك
ثالثا: الآفاق المستقبلية للعلاقات الخليجية-الهندية
رابعا: الخاتمة

ولقد ظلت العلاقات بين الهند ودول الخليج مقتصرة تاريخياً على الجوانب الاقتصادية والثقافية التي أصبحت تعبر عن البعد التقليدي لهذه العلاقات، فارتكزت على التبادل التجاري والاستثمارات، حيث بلغ إجمالي الميزان التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجية والهند 29.8 مليار دولار عام 2005، وساهم وجود عمالة هندية تقارب الخمسة ملايين عامل في دول الخليج في تعزيز هذه العلاقات من خلال تحويلات مالية تقدر سنويا بثمانية عشرة مليارات دولار، بينما لم يحظ البعدان السياسي والإستراتيجي بالأهمية التي يستحقانها.

تناقش هذه الورقة أبعاد العلاقات الخليجية-الهندية، مع التركيز على الجانب السياسي والاستراتيجي لمعرفة فرص التعاون الحالية والمستقبلية، وتحديد القضايا الرئيسية التي من المتوقع أن تشكل حجر الأساس لبناء علاقات متطورة، تستجيب للأهمية المتنامية لكل طرف على الساحة الدولية. حيث يناقش المحور الأول التغيرات الدولية وإسقاطاتها على العلاقات الخليجية-الهندية، ويتم التطرق في المحور الثاني للقضايا ذات الاهتمام المشترك في المجالين السياسي والاستراتيجي، فيما يركز المحور الأخير على استشراف مستقبل العلاقات الخليجية-الهندية، وتحديد الخطوات الضرورية التي يجب اتخاذها من قبل الطرفين للدفع بالعلاقات الثنائية إلى الأمام.

أولاً: الوضع السياسي الدولي وأثره على العلاقات الخليجية-الهندية

إن أي تحليل موضوعي للعلاقات الخليجية الهندية لابد أن يأخذ في الحسبان نقطتين مهمتين:

الأولى تتعلق بطبيعة العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة، أما النقطة الثانية فتدور حول الأهمية الواضحة والمتعاظمة لمنطقة الخليج من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية، سواءً بالنسبة للقوى العالمية الكبرى أو القوى العالمية الناشئة. فبعد الحرب العالمية الثانية كان النظام الدولي ثنائي القطبية ونتج عن ذلك نظام أحلاف انقسم العالم بموجبه إلى معسكرين: شرقي وغربي. فيما ارتأت غالبية الدول النامية عدم الدخول في هذا السباق الدولي المحموم من أجل القوة، وفضلت البقاء على الحياد ولهذا الغرض تم تأسيس قمة عدم الانحياز عام 1961، لكن ذلك كان اسميا بينما كانت هذه الدول منحازة فعلياً لإحدى القوتين الكبريين: الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة الأمريكية. وبسبب هذا التقسيم الدولي أصبحت الهند والدول الخليجية على طرفي نقيض، فساندت الهند المعسكر الشرقي والدول الثورية في المنطقة العربية، بينما كانت دول الخليج تدور في الفلك الغربي. وهذه الوضعية أفرزت نوعا من القطيعة في العلاقات بين الطرفين.
لكن الوضع الدولي تغير بشكل جذري بعد انتهاء الحرب الباردة، مما نتج عنه انهيار نظام الأحلاف والتقسيم الثنائي للعالم، وتغيرت موازين القوى العالمية أيضاً. فكانت النتيجة الحتمية لذلك أن مراكز القوة والنفوذ في النظام الدولي تغيرت بشكل لافت للنظر في العقدين الأخيرين، أصبحت بموجب ذلك الولايات المتحدة القوة الأبرز والمسيطرة على الساحة الدولية، سواءً من الناحية الاقتصادية أو السياسية والعسكرية، فصارت واشنطن مركز الجذب السياسي على مستوى العالم.

لكنه من غير المتوقع أن تستمر الهيمنة الأمريكية لفترات طويلة، لأن ذلك سوف يشكل دافعا للقوى الدولية الأخرى لتنمية مواردها من القوة وحماية مصالحها إزاء السيطرة الأمريكية.
فهناك قوى أخرى تحاول اللحاق بالقوة الأمريكية ولعب دور ملموس على المسرح الدولي، مثل روسيا، الصين، وبعض القوى الأوروبية، بل والهند أيضا. ومع أن الأخيرة لا تزال في عداد القوى العالمية الناشئة إلا أنها في تطور مستمر وملفت للنظر. يتمثل في نمو اقتصادي سريع وإجمال ناتج قومي تجاوز التريليون دولار، ونظام ديمقراطي مستقر، وقوة بشرية هائلة تقارب مليارين ومائتي مليون نسمة، وقدرة متنامية في مجال تقنية المعلوميات والبرمجيات، وسلاح نووي، من خلال هذه المعطيات كلها، أصبحت الهند قوة عالمية ناشئة، تسير بخطى حثيثة لتصبح قوة مؤثرة على المسرح الدولي. كما أن انحسار نظام الأحلاف الذي ساد خلال الحرب الباردة ساعد القوى العالمية على التعايش مع الدول الأخرى وفق منطق المصلحة، بعيداً عن الأدلجة والحروب بالوكالة والأحلاف والضغوط الدولية. من ناحية أخرى يعتقد منظرو العلاقات الدولية أنه كلما أصبحت دولة ما قوة اقتصادية كلما تشعبت مصالحها حول العالم، مما يجعلها تسعى لتطوير بقية مواردها من القوة، لاسيما القوة العسكرية، والدخول في تحالفات أو شراكات إستراتيجية مع الدول الأخرى في كافة المجالات .

وهذا يقودنا للحديث عن النقطة الأخرى التي يرتكز عليها هذا التحليل، وهي الأهمية الجيوستراتيجة والاقتصادية لمنطقة الخليج على مستوى العالم، حيث أنها من المناطق المهمة كشريان حيوي للتجارة الدولية، ناهيك عن أهميتها الاقتصادية كمخزن للنفط والغاز، حيث تحوي نحو 60 % من احتياطيات النفط المثبتة في العالم، ونحو 40% من احتياطيات الغاز. وهذا يجعلها منطقة بالغة الحيوية للقوى العالمية. بالتالي يصبح أمن الطاقة وأمن الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب من القضايا المهمة التي تشكل نقطة ارتكاز في العلاقات الخليجية الهندية، خاصةً أن الهند بدأت تعتمد بشكل أكبر على النفط الخليجي في ظل النمو الاقتصادي المتسارع الذي شهدته خلال السنوات القليلة الماضية. لذلك فإن الهند تضع نصب عينيها تعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية وبناء شراكة إستراتيجية مع هذه الدول لحماية مصالحها المتنامية في المنطقة، لاسيما ما يرتبط منها بمصادر الطاقة.
ثانياً: القضايا ذات الاهتمام المشترك

"الإمدادات النفطية عامل مهم ترتكز عليه العلاقات المتنامية بين الدول الخليجية والهند، بل من المتوقع أن تكون هي الدافع الرئيسي نحو تعزيز هذه العلاقات في المستقبل القريب"

هناك عدد من القضايا الرئيسية التي تشكل أساساً متيناً يمكن للعلاقات الخليجية الهندية أن ترتكز عليه في جانبها السياسي والأمني، مع الأخذ بالاعتبار أن الأهمية الملحة لهذه القضايا لا تعني بالضرورة تطابق الموقفين الخليجي والهندي حيالهما، بل قد يكون لكل طرف منهما وجهة نظر قد لا تتطابق مع الأخرى في بعض الأحيان، بالتالي يظل التنسيق والتعاون بينهما أمر ضروري.

أمن الطاقة والأمن في منطقة الخليج

يمكن القول أن الإمدادات النفطية عامل مهم ترتكز عليه العلاقات المتنامية بين الدول الخليجية والهند، بل من المتوقع أن تكون هي الدافع الرئيسي نحو تعزيز هذه العلاقات في المستقبل القريب. فمنطقة الخليج توفر حالياً 26% من إمدادات النفط العالمية، ومن المتوقع أن تزيد النسبة لتصل إلى 32% في أفق عام 2025. فيما يتزايد اعتماد الهند على النفط المستورد نتيجة النمو القوي والمستمر للاقتصاد الهندي، إذ تعتبر الهند سادس أكبر مستورد للنفط في العالم في الوقت الحاضر، وتوفر منطقة الخليج نحو 70% من احتياجات الهند من النفط المستورد، الغالبية العظمى منها تأتي من دول الخليج العربية. وهذا ما دفع بالحكومة الهندية للسعي نحو بناء شراكة إستراتيجية في مجال الطاقة لضمان إمدادات نفطية مستقرة ودائمة، كتوقيع اتفاقية "شراكة إستراتيجة" في مجال الطاقة مع السعودية خلال زيارة الملك عبدالله للهند في يناير 2006. لكن تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن منطقة الخليج منطقة غير مستقرة وشهدت حرباً كل عشر سنوات في العقود الثلاثة الماضية، مما يجعل أمن الطاقة على صلة وثيقة بالأمن الإقليمي الخليجي، بالتالي يصبح أمن الخليج على ارتباط وثيق بالأمن العالمي، وجزء لا يتجزأ منه، لاسيما بالنسبة للقوى الاقتصادية العالمية ولاستقرار الاقتصاد العالمي بشكل عام.

ومنذ تكوَن النظام الإقليمي الخليجي في السبعينيات من القرن المنصرم على إثر انسحاب المستعمر البريطاني واستقلال بقية دول الخليج العربية، الذي تزامن أيضا مع تزايد أهمية البترول الاقتصادية والإستراتيجية، منذ ذلك الحين ومعادلة الأمن الإقليمي غير واضحة، أو بالأحرى غير مستقرة. حيث لم تثبت السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة جدواها في بلورة نظام أمني إقليمي مستقر؛ ففي عام 1971م حلت الولايات المتحدة محل بريطانيا للإشراف على الوضع الأمني في المنطقة، لكنها آثرت في خضم فشل تجربتها العسكرية في فيتنام الاعتماد على الحلفاء الإقليميين (إيران والسعودية) لدعم الاستقرار في المنطقة.

بيد أن "إستراتيجية الدعامتان" هذه أثبتت فشلها بعد اندلاع الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه وظهور حكومة إسلامية في إيران، ومن ثم اندلاع حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران. كذلك فإن سياسة الاحتواء المزدوج التي انتهجتها الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس بيل كلينتون لم تساهم في خلق نظام أمني مستقر، بل أنها ساهمت في إضعاف العراق، مما سهل مهمة خلفه جورج بوش، بالتعاون مع بريطانيا، في غزو واحتلال العراق عام 2003، وإحداث خلل في توازن القوى بالمنطقة، نتيجة تدمير قوة عربية مركزية في النظام الإقليمي الخليجي. فيما نشأ عن هذه الحالة عدم استقرار وغموض في الرؤيا حول نظام الأمن الإقليمي المنشود، حيث يسود التوتر الدائم وعدم الثقة بين دول الخليج العربي من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، فيما يحاول العراق لملمة جراحه وبناء مؤسساته السياسية وترتيب أوضاعه الأمنية الداخلية والتخلص من التدخل الأمريكي في شئونه الداخلية. وعليه يمكن القول إن التدخل الأجنبي ساهم في الوقت الحاضر في تعميق حالة عدم الاستقرار والتأزم الإقليمي، مما جعل المنطقة تعيش معضلة أمنية، عجزت في ظلها الدول الإقليمية عن خلق نظام أمن إقليمي قادر على البقاء، ويحقق لها الحماية والاستقرار دون التدخل الأجنبي المبني على مصالح ضيقة.

في الواقع هناك وجهتا نظر حول الأمن في منطقة الخليج:

الأولى تعارض أي وجود للقوى الأجنبية، بحجة أن الأمن الإقليمي مسئولية الدول الإقليمية نفسها، وهذا الطرح يتناغم مع التوجهات الإيرانية. أما وجهة النظر الأخرى فتدعم إجراءات بناء الثقة بين الدول الإقليمية، ولا تعارض تدويل الأمن الإقليمي. لأن مظلة الأمن الجماعي الدولية تحمي هذه الدول من الهيمنة الإيرانية، وتمكنها في الوقت نفسه من تقليل اعتمادها المطلق على الحماية الأمريكية، التي بدا واضحاً من خلال غزوها للعراق أنها تسعى لمصالحها الخاصة بغض النظر عن مصالح الدول الإقليمية ودعم الاستقرار بالمنطقة. وقد غدا من الواضح أن وجهة النظر هذه تلاقي استحسان الدول الخليجية، كما ورد على لسان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في حوار الأمن الخليجي الذي عقد في البحرين في ديسمبر/ كانون الأول 2004، حيث أشار إلى أن أمن منطقة الخليج هو مسئولية المجتمع الدولي.

بناء على ذلك يمكن الاستنتاج بأن القوى الآسيوية كالصين والهند من الممكن أن تساهم في أي تعاون دولي لضمان أمن منطقة الخليج. ويمكن أن تتلخص مساهمة الهند في ذلك من خلال التدريبات العسكرية المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاربة الإرهاب، وحماية الممرات المائية في المنطقة...الخ. كذلك فإن مساهمة الهند واردة من خلال عدم دعمها لجهود إيران لبناء قوتها العسكرية وحثها على عدم التدخل في الشأن العراقي. حيث أن الهند وإيران وقعتا اتفاقية تعاون عسكري عام 2003 ، وهذا التعاون الهندي الإيراني يشكل مصدر قلق للدول الخليجية في ظل عدم وضوح النوايا الإيرانية في المنطقة وإصرارها على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي. من ناحية أخرى فإن تحسن العلاقات النسبي و انخفاض حدة التوتر بين الباكستان والهند، وشعور الهند بالتفوق الإستراتيجي على باكستان، خاصةً بعد حصول الدولتين على السلاح النووي عام 1998، من المؤمل أن يساهم هذا كله في تقوية العلاقات الخليجية الهندية، خاصةً في ظل العلاقات التاريخية بين بعض الدول الخليجية وباكستان، والذي يعزى لفترة الحرب الباردة وحالة الإستقطاب الإقليمي والدولي التي سادت العالم آنذاك. في الوقت الحاضر فلا الهند ولا الدول الخليجية تنظران لعلاقاتهما البينية من خلال التأثير الباكستاني، أو من خلال النزعات القومية أو التوجهات الأيديولوجية المؤسسة على اعتبارات دينية أو عرقية لجماعات العمل السياسي لدى كل منهما بل من خلال المصالح المشتركة فقط.

"حالما يصبح لدى الهند القدرة العسكرية اللازمة فإن دول الخليج سوف ترحب بمشاركتها في أمن الخليج لاسيما وأن الهند ليس لديها ماض استعماري ولا تزال تشارك الدول النامية كثيرا من همومها في علاقتها بالسياسة الدولية"

الأمن البحري

يرتبط موضوع أمن الطاقة بالأمن البحري، خاصة في ظل تنامي الترابط العضوي بين المحيط الهندي والخليج العربي من الناحية الاقتصادية والإستراتيجية. فنتيجة لتنامي العلاقات التجارية بين الهند ودول الخليج، ونتيجةً لكون معظم هذا التبادل التجاري يتم من خلال النقل البحري، فإن أمن الممرات المائية يشكل عاملاً مهماً في الحسابات الإستراتيجية لكل من الطرفين، وبذلك يصبح أمن المحيط الهندي وأمن منطقة الخليج مترابطين بشكل كبير. كما تجدر الإشارة إلى أن سياسة الهند باتجاه تعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية، التي أصبحت تعرف بـ"النظر غرباً"، لا ترمي فقط إلى تأمين موارد الطاقة الحيوية والمصالح الأمنية الأخرى، لكنها أيضاً تأخذ في الحسبان اعتبارات إستراتيجية تتمثل في مسألة السباق على النفوذ بين الهند والصين، لاسيما في ظل تنامي قوة الصين الاقتصادية وتوسع نفوذها في منطقة جنوب آسيا، وتحولها إلى قوة مستوردة للنفط.

إذن، وبغرض معادلة نفوذ الصين فيما وراء جنوب آسيا فإن الهند تعتبر منطقة غرب آسيا الساحة الأهم والأنسب لها، وقد عينت مؤخراً ممثلا خاصا لغرب آسيا من أجل تعزيز علاقاتها مع الدول الإقليمية، والعمل على لعب دور مهم في القضايا السياسية التي تهم دول المنطقة بشكل عام. إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن يدور حول إمكانية مساهمة الهند في حماية الممرات المائية ودعم الأمن في منطقة المحيط الهندي والخليج العربي، فهل الهند قادرة على تحمل جزء من مسئولية الحمل الأمني الثقيل في هذا الشأن، وهل توافق الولايات المتحدة على أن تلعب الهند، أو غيرها من القوى الآسيوية، دوراً بارزاً في قضايا الأمن الإقليمي الخليجي الذي تتسيد الولايات المتحدة مشهده منذ السبعينيات؟ وهل يشكل هذا تحدياً لدور أمريكا كشرطي للعالم؟


الحقيقة أن الهند تستطيع التعويل في هذا المجال على علاقاتها المتنامية خاصة في السنوات الأخيرة مع الولايات المتحدة، مما يسمح لها بمشاركة القوات الأمريكية في العمليات العسكرية بالمنطقة. لكن ذلك -ووفقاً لتصورنا في هذه المقالة- يتوقف على توفر ثلاثة عناصر:
  1. طبيعة التعاون العسكري بين الولايات المتحدة والهند.
  2. تطوير الهند لقوتها العسكرية، خاصة القوات البحرية لأداء مهمات خارجية.
  3. شكل التعاون العسكري بين الدول الخليجية والهند.
ففيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية-الهندية فهي في تطور ملحوظ ووصلت إلى مستوى من التفاهم المشترك لم تصل إليه في أي وقت مضى، وطبعا فإن ذلك يعزى وبشكل كبير لانتهاء الحرب الباردة وما لذلك من إسقاطات على العلاقات الدولية بشكل عام، حيث تحررت كثير من القوى الدولية من توجهاتها الإيديولوجية ونظام الأحلاف السائد آنذاك و الذي كان يضع الولايات المتحدة والهند على طرفي نقيض. واشنطن الآن تدرك وتقر بتنامي مكانة الهند الدولية وأهمية التعاون بين البلدين لدعم السلم والأمن الدوليين. وقد أشارت في هذا الصدد وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندليزا رايس، لما يوحي بتغير الموقف الأمريكي حيال الهند وبالدور المحتمل لها في الشأن العالمي، حيث قالت: "الهند سوف تصبح قريباً أكبر دول العالم في تعدادها السكاني، وكذلك من أكبر خمس اقتصاديات في العالم. وطبعا وباعتبارها قوة ناشئة عالمياً فإن الهند دعامة للاستقرار في آسيا التي تتغير بسرعة، كما أنها شريك إستراتيجي للولايات المتحدة في مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين".

وفي يونيو / حزيران 2006، توصلت الحكومتان الأمريكية والهندية إلى اتفاق حول صيغة للتعاون النووي بين البلدين، وتم التوقيع على "مبادرة التعاون النووي السلمي" التي يؤمل منها أن تزيل أحد نقاط الخلاف بين الدولتين بعد أن تفاقم الخلاف في هذا الشأن على إثر تجارب الهند النووية عام 1998 ورفضها المستمر التوقيع على اتفاقية الحد من الانتشار النووي. ووفقاً لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، فإن هذه الاتفاقية يبن الولايات المتحدة الأمريكية والهند سوف تؤدي إلى أن يصبح ثلثا مفاعلات الهند النووية السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة مما يعزز الجهود الدولية الرامية لمنع الانتشار النووي. وهذا سوف يساهم في زيادة التعاون والتفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند ويدفع بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى متقدم.

أما فيما يتعلق بمكانة الهند كقوة عالمية وبقدرتها على تحقيق ذلك والمساهمة في صياغة السياسة العالمية فإن القيادة الهندية مصممة على أن تصبح الهند دولة يشار لها بالبنان في المستقبل القريب. وقد بدأت في وضع خطة إستراتيجية لتحديث قوتها العسكرية كي تصير قادرة على الانتشار الخارجي وأداء مهام عبر البحار. وقد وضع هذا التصور وتمت الموافقة عليه في فترة حكم رئيس وزراء الهند السابق، آتال بيهار فاجباي، في العام 2003. حيث تم إقرار خطة على مدى عشرين عاماً يتم خلالها تطوير القدرات العسكرية الهندية. وترتكز هذه الخطة الإستراتيجية بشكل رئيسي على بناء القوة العسكرية التقليدية، خاصةً القوات البحرية الهندية لتصبح قادرة على أداء مهام خارج نطاقها القاري.

"لا الهند ولا الدول الخليجية تنظر ان لعلاقاتهما البينية من خلال التأثير الباكستاني، أو من خلال النزعات القومية أوالتوجهات الأيديولوجية المؤسسة على اعتبارات دينية أو عرقية لجماعات العمل السياسي لدى كل منهما بل من خلال المصالح المشتركة فقط"

وقد شاركت الغواصات الهندية مؤخراً في الجهود الدولية لمكافحة القرصنة في خليج عدن وبحر العرب، وتأمين الممرات المائية المهمة في تلك المنطقة التي تعتبر حلقة وصل حيوية بين شبه القارة الهندية ومنطقة الخليج والبحر الأبيض المتوسط، وهذا أيضاً مؤشر على تنامي مصالح الهند في المنطقة، ورغبتها في القيام بدور يتجاوز حدودها القارية. أخيراً، يمكن القول إن الدول الخليجية لديها الرغبة في التعاون العسكري مع الهند بما يحقق الحماية لمنطقة الخليج. فكما ذكرنا في مبحث سابق فإن دول الخليج لا تعترض على التعاون مع القوى الدولية في سبيل دعم الإستقرار الإقليمي. بل إن غالبية تلك الدول حاولت في الفترات اللاحقة لغزو أميركا وبريطانيا للعراق أن تدخل في شراكات إستراتيجية مع القوى الدولية الأخرى للتقليل من اعتمادها المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية، كما في مبادرة إسطنبول عام 2004 التي ترمي إلى تعزيز التعاون بين حلف الناتو وبعض الدول الخليجية في مختلف المجالات الأمنية. بالتالي فإنه من المتوقع أنه وحالما يصبح لدى الهند القدرة العسكرية اللازمة فإن ذلك سوف يكون محل ترحيب خليجي لاسيما وأن الهند ليس لديها ماض استعماري ولا تزال تشارك الدول النامية كثيرا من همومها في علاقتها بالسياسة الدولية بشكل عام.

الإرهاب والجريمة:

لقد أضحت قضايا الإرهاب والجريمة من التحديات الشائكة الخطيرة التي تهدد المجتمعات قاطبةً، والتي تقتضي تبني جهود مشتركة لمحاربتها والقضاء عليها. وقد عانت المجتمعات الخليجية والهند على حد سواء من بعض مظاهر العنف السياسي، وكذلك من الجرائم العابرة للحدود مثل تهريب الأسلحة والمخدرات وغسيل الأموال. لذلك فإن كل طرف لديه مصلحة واضحة في توحيد الجهود والتعاون بشكل مؤسسي من خلال تبادل المعلومات الإستخباراتبة عن جماعات العنف وإستراتيجياتها المختلفة، وتجفيف مصادر تمويلها، وتبادل الخبراء بين الطرفين، وتطويق الإيديولوجيات المحرضة على العنف. ويمكن الاستدلال على مدى حرص الهند على مكافحة الإرهاب على سبيل المثال، وهي من الدول التي تعرضت لذلك مراراً وتكراراً، من خلال تصريح رئيس الوزراء الهندي على خلفية لقائه بالعاهل السعودي في يناير/ كانون الثاني 2006 أثناء زيارة الأخير للهند، عندما قال "إن السعودية شريك مهم جداً في محاربة الإرهاب العالمي". كما نوَه نائب الرئيس الهندي حامد أنصاري خلال زيارته للكويت في أبريل/نيسان 2009 بأهمية التعاون بين دول الخليج والهند لمحاربة الإرهاب بقوله "الإرهاب مشكلة عامة، ونحن نتعاون مع الكويت والدول الأخرى في المنطقة بشكل ثنائي وجماعي...وندعم إستراتيجية شاملة لمحاربة الإرهاب".

ورغم أن الإرهاب الذي تعاني منه الهند يصدر، في الغالب، عن الجماعات المعارضة التي تتلقى الدعم من الداخل الباكستاني، إلا أن وكالات التحقيق الهندية أشارت مؤخراً-إن صدقت- إلى أن بعض أعضاء الجماعات المتطرفة يتم دعمهم من قبل الجالية الهندية المقيمة في الخليج، حيث يتم أدلجتهم وتجنيدهم وتدريبهم ومن ثم إعادتهم للهند للقيام بعمليات إرهابية. ورغم أن الهند ودول الخليج حريصة على توحيد جهودها في هذا الشأن إلا أن وجهتي نظر الطرفين قد لا تتطابق عند الحديث حول تعريف الإرهاب، حيث لا تعتبر دول الخليج والدول العربية الأخرى المقاومة المسلحة، كما في فلسطين، نوعاً من أنواع العنف، وذلك على عكس الهند التي لا تميز بين ذلك، بل إنها ترفض بشكل قاطع مثل هذه الأساليب، وهي التي تعاني من نزاع حاد مع باكستان حول كشمير.خاصة أن العلاقات الهندية الإسرائيلية في تحسن مستمر منذ مطلع التسعينات، إذ أصبحت الهند المستورد الأول للسلاح من إسرائيل، بينما أصبحت إسرائيل ثاني أكبر مورد للسلاح للهند على مستوى العالم. لذلك فإن دول الخليج عليها محاولة الضغط على الهند لاستغلال علاقاتها الجيدة مع إسرائيل في سبيل حمل الأخيرة على الاعتراف بالحقوق العربية وفقاً للمبادرة العربية المطروحة.

أما مصدر الخلاف الآخر بين الهند ودول الخليج فيتمثل في خوف الهند من الدعم الذي تتلقاه الجالية المسلمة في الهند، حيث يوجد نحو 170 مليون مسلم هندي، يحظون بدعم مالي وتعليمي لا يستهان به من بعض الدول الخليجية والجمعيات الخيرية الإسلامية، بل إن البعض من طلاب العلم الهنود يدرسون في الجامعات الخليجية، وهذا قد يقودهم لتبني أفكار وإيديولوجيات تتعارض مع مصالح الحكومة الهندية، لاسيما في ظل تنامي المد القومي لدى الهندوس وسيطرتهم على العملية السياسية بشكل أكبر من غيرهم. وهذا قد يكون دافعاً لجماعات العمل السياسي الهندية المسلمة لتعزيز التضامن فيما بينها والعمل من منطلقات ضيقة في بعض الأحيان، وتعزيز النهج المتشدد داخلها. من جهتها فإن على الحكومة الهندية تفعيل خطها السياسي الديمقراطي كي تحقق أكبر قدر ممكن من الإندماج بين العرقيات والمذاهب المختلفة في المجتمع الهندي، والقضاء على أي إحساس بالإقصاء السياسي لدى جماعة أو أخرى، بما يقوي الروابط بين مكونات المجتمع الهندي المختلفة ويعزز الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي الداخلي.

ثالثا: الآفاق المستقبلية للعلاقات الخليجية-الهندية

"وفقاً لهذه الدراسة فسوف يشكل المحورالإستراتيجي (أمن الطاقة، أمن الممرات المائية، مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون العسكري والأمني بين الطرفين) حجر الزاوية بالنسبة للعلاقات المستقبلية بين الهند ودول الخليج "


نتيجة التغيرات البنيوية التي شهدها النظام السياسي العالمي خلال العقدين الماضيين وما ترتب عن ذلك من زوال لسياسة الاستقطاب الدولي التي اقتضتها الحرب الباردة، ونتيجة تزايد طموح الهند الدولي وبروزها كقوة عالمية ناشئة فقد غدت في موقع أفضل للتأثير على مجرى السياسة الدولية في المستقبل القريب. ونتيجة، أيضا، للقرب الجغرافي ووجود مصالح متبادلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإستراتجية بين دول الخليج والهند فإن العلاقات بين الطرفين مرشحة للتنامي، وسوف يشكل المحور الإستراتيجي (أمن الطاقة، أمن الممرات المائية، مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون العسكري والأمني بين الطرفين) وفقاً لتحليلنا هذا حجر الزاوية بالنسبة للعلاقات المستقبلية بينهما، وهذا يحتَم على كل طرف أن يأخذ في الاعتبار مجموعة من الحقائق التي سوف تساهم في تعزيز التعاون بينهما في المستقبل، والتي يمكن من خلالها ترجمة هذا التقارب إلى واقع ملموس وفق خطة إستراتيجة مدروسة. بالتالي فإن على الطرفين القيام بالخطوات التالية:
  • اعتراف دول الخليج بالدور المتنامي للهند على المستوى الدولي وما سيترتب على ذلك من تعاظم مصالحها في منطقة الخليج، لاسيما فيما يتعلق بموارد الطاقة وأهمية ضمان إمدادات آمنة؛وإقرارها بالهند كقوة عالمية ناشئة من الوارد أن تساهم في تعزيز الأمن بمنطقة الخليج وحماية الممرات المائية التي تربط الخليج بالمحيط الهندي، وأن الهند يمكن أن تعوَل في ذلك على تحسن علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
  • الخليج أصبح منطقة بالغة الحيوية للهند ويقتضي الأمن الوطني الهندي ألا تصبح منطقة الخليج مكاناً يمكن من خلاله تهديد الهند ونموها الاقتصادي. وهذا يتطلب أن تتبني الهند إستراتيجية عالمية قادرة على التدخل عند الحاجة وراغبة فيه، مما يحتم عليها أن تطور قواتها العسكرية للقيام بعمليات خارج حدودها القارية.
  • على الهند أن تحاول استغلال تنامي نفوذها الدولي وتحسن علاقاتها مع بعض الدول الإقليمية التي ليست على وفاق تام مع دول الخليج مثل إيران وإسرائيل فتقوم نيودلهي بدور الوسيط وتعمل مع هذه الأطراف للعب دور بناء يدعم الاستقرار الإقليمي.
  • حسم الخلاف الهندي-الباكستاني حول كشمير بطريقة سلمية لأن ذلك من شأنه أن يساهم في تعزيز العلاقات بين دول الخليج والهند، خاصةً أن لباكستان علاقات تقليدية وإستراتيجية مع بعض الدول الخليجية مثل السعودية.
  • الدخول في تفاهمات إطارية في المجال الإستراتيجي (مشابهة للاتفاقية الإطار التي تم التوصل إليها في المجال الاقتصادي عام 2004 كمقدمة لخلق سوق حرة بين الطرفين) ومن ثم إيجاد بنيات ومؤسسات يمكن من خلالها تبادل الآراء وتنسيق وجهات النظر كي يتم تعزيز التعاون الإستراتيجي بين الطرفين في كافة المواضيع التي سبق التطرق إليها، مما سيساهم في حماية مصالح الطرفين ويوثق العلاقات بينهما، ويجعلها تتجاوز في إطارها ومضمونها النهج التقليدي القائم على التجارة والعمالة والروابط الثقافية.
  • أخيراً، فإن دول الخليج والهند تستطيع، من خلال عضويتها في كثير من المنظمات الدولية، التنسيق فيما بينها لدعم قضايا كل طرف والعمل على حماية مصالحها بالطرق الدبلوماسية.
الخاتمة

في ظل عولمة السياسة والاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتضاؤل تأثير المتغيرات الإيديولوجية في العلاقات الدولية، فإن القوى العالمية الناشئة وكذلك الدول النامية تتمتع بمساحة أكبر للحركة سياسياً، مما يجعلها أكثر قدرة وحريةً في السعي لحماية ودعم مصالحها، وهذا ينطبق على الهند ودول الخليج، خاصةً في ظل تنامي دور الهند على المسرح الدولي وبروزها السريع كقوة عالمية ناشئة. العلاقات الخليجية-الهندية الآن في تنام مطرد، وأصبحت متعددة الجوانب، ومبنية على أرضية صلبة من المصالح المتبادلة، تحتم على الطرفين رفع مستوى التعاون بينهما في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية والثقافية كي تصل إلى آفاق أكثر رحابةً. ومع أن العلاقات بين الطرفين حتى وقت قريب ارتكزت على الاعتبارات الاقتصادية ووجود عمالة هندية ضخمة في الدول الخليجية، إلا أنها بدأت تأخذ منحى أكثر عمقاً ووضوحاً يشكل فيه البعدان الإستراتيجي والأمني حجر الزاوية.

هذا يقودنا للقول بأن التعاون بين الطرفين لضمان أمن الطاقة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وكذلك التعاون في المجال العسكري سوف يكون مكملاً للأبعاد الأخرى. وحيث أن البعدين السياسي والإستراتيجي متخلفان في تطورهما عن الأبعاد الأخرى، فإن هناك حاجة ملحة لإيجاد اتفاقيات إطارية وآليات مؤسساتية يمكن من خلالها الرفع من مستوى التعاون بين الطرفين وتحديد الفرص والمخاطر المحتملة والعمل على حلها.
_______________

خالد نايف الهباس،بعض مما ورد في هذه الورقة جزء من دراسة موسعة للباحث عن "العلاقات السعودية-الهندية"، باللغة الانجليزية تمت إجازتها وسوف تنشر في إصدارة كلية الاقتصاد والإدارة بجامعة الملك عبد العزيز، المجلد (25)، العدد الأول، 2011م.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /06-10-2011, 05:56 PM   #10

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي المبحث الرابع: العلاقات الهندية-الإسرائيلية وتداعياتها الإستراتيجية على الشرق الأوسط

المحور الثالث
السياسة الخارجية

ويهدف هذا المحور إلى التعرف على القضاياالإستراتيجية للدولة الهندية التي وضعتها نصب عينيها وهي تخطط وترسم المعالمالإستراتيجية لسياستها الخارجية، كما يهدف إلى معرفة كيف تنظر النخبة الحاكمة فيالهند إلى مصالح الوطن العليا التي تود تحقيقها أو تلك التي تجتهد لاستمراريةالمحافظة عليها عبر آليات العمل الدبلوماسي. ولتحقيق هذه الأهداف تم تقسيم المحورإلى ثلاثة مباحث:

المبحث الرابع: العلاقات الهندية-الإسرائيلية وتداعياتها الإستراتيجية على الشرق الأوسط
محمد فايزفرحات

وقد عمد هذا المبحث إلى تتبع العلاقات الهندية-الإسرائيلية وحاول معرفة كيف تحولت إسرائيل في عين الهند من "قاعدة للغرب الإمبريالي الاستعماري"، كما كانت تنظر إليها إبان عهد "ناصر-نهرو" في الخمسينياتوالستينيات من القرن الماضي، إلى "حليف إستراتيجي"، وحاول الباحث رصد نتائج الجهودالمتواصلة التي بذلت على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية لتمتين العلاقة بين البلدين، كما حاول معرفة دلالات وتداعيات أن تصبح الهند أكبر سوقلصادرات السلاح الإسرائيلية، وأن تصبح إسرائيل ثاني أكبر مورد للسلاح إلى الهند،وسلط الباحث المتخصص في الشؤون الأسيوية محمد فايز فرحات الضوء على المحتوى الأمني-الدفاعي لهذه العلاقة لما يمثله من أهمية، كما اجتهد في تقديم قراءة للتداعيات الإستراتيجية لهذه العلاقة على منطقة الشرق الأوسط.


الهند تتسلم بعض طائراتها من إسرائيل بعد أن زودتهاالأخيرة بأنظمة الإنذار والسيطرة المحمولة جوا "أواكس" (رويترز-أرشيف)

تشهد العلاقات الهندية-الإسرائيلية نموا متسارعا على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية∙ غير أن المحتوى الأمني- الدفاعي يظل هو الأهم بين تلك المستويات، بالنظر إلى تداعياته الإستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط.

مرحلة ما قبل التسعينيات
مرحلة ما بعد التسعينيات: الانفتاح وإعادة قراءة الإرث التاريخي
قضايا التعاون المشترك
مشروع "المحور الهندي-الإسرائيلي-الأميركي"
خاتمة

الملاحظة المهمة بخصوص العلاقات الهندية-الإسرائيلية هو انتقالها وتحولها السريع من مرحلة كان العالم العربي يتعامل فيها مع الهند باعتبارها "صديقا مضمونا"، خاصة فيما يتعلق بمساندة الحقوق العربية في الصراع مع إسرائيل، إلى انطلاق العالم العربي من افتراض أن العلاقات الهندية مع كل من العرب وإسرائيل أقرب إلى المباراة الصفرية، بمعنى أن كسب الهند "لإسرائيل" يعني خسارة العرب والعكس.والواقع أن هذه المعادلة ظلت لعقود طويلة صالحة، نسبيا، وذلك نتيجة سيادة سياسات دولية وإقليمية معينة حكمت السياسة الخارجية الهندية خلال الفترة ما قبل استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني وحتى نهاية عقد الثمانينيات. غير أن تغير هذه السياسات أدى إلى تغيرات جوهرية في طبيعة العلاقات الهندية- الإسرائيلية.

ولازال الكثير من الكتابات العربية يحاول فهم التحول في العلاقات الهندية- الإسرائيلية في سياقات تبتعد بها عن فهم العوامل الموضوعية التي قادت إلى التحول في التوجهات الهندية صوب إسرائيل، من قبيل حصرها، على سبيل المثال، في إطار التآمر "الهندوسي- اليهودي" على العالم الإسلامي، أو غيره من العناوين.ودون نفي التداعيات الإستراتيجية السلبية المتوقعة للعلاقات الهندية الإسرائيلية على المصالح العربية والإسلامية، إلا أن مثل هذه الكتابات العربية تقع في خطأين أساسيين؛ الأول هو اختزال أسباب ودوافع العلاقات الهندية الإسرائيلية في استهداف العالم العربي والإسلامي على أساس "قومي" أو "ديني". والخطأ الثاني هو اختزال أسباب تطور هذه العلاقات في الدوافع الهندية أو الإسرائيلية فقط- رغم أهميتها- دون الالتفات للمسؤولية العربية والإسلامية عن حدوث النقلة المهمة في تلك العلاقات.وتحاول هذه الدراسة عرض فهم موضوعي لأسباب التطور السريع في العلاقات الهندية- الإسرائيلية، وأبعاد ومجالات هذه العلاقات.

مرحلة ما قبل التسعينيات

"اتسمت العلاقات الهندية الإسرائيلية خلال النصف الثاني من القرنالماضي بالمحدودية، سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي،أو الاقتصادي والتجاري، أو العلاقات الثقافية"

اتسمت العلاقات الهندية الإسرائيلية خلال النصف الثاني من القرن الماضي بالمحدودية، سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي، أو الاقتصادي والتجاري، أو العلاقات الثقافية. فعلى الرغم من اعتراف الهند بإسرائيل في سبتمبر/ أيلول عام 1950، وسعي إسرائيل الحثيث خلال تلك الفترة إلى توسيع نطاق علاقاتها الخارجية في محاولة لتكريس الاعتراف الدولي بها كدولة، والالتفاف على التوجهات العدائية العربية تجاهها، إلا أنها لم تنجح في تطوير علاقاتها مع الهند، واقتصر التمثيل السياسي عند مستوى التمثيل القنصلي فقط.واقع الأمر أن عوامل عديدة كانت وراء محدودية تلك العلاقات خلال المرحلة المذكورة، جاءت في جوهرها نتاجا للسياسات الدولية السائدة آنذاك، والمتمثلة أساسا في الحرب الباردة وقضايا التحرر الوطني، وعدم الانحياز.وقد كان لهذه البيئة تأثيرها على العلاقات الهندية-الإسرائيلية من زوايا عدة؛ فمن ناحية، نظر حزب المؤتمر الحاكم في الهند إلى "المشروع الصهيوني" باعتباره امتدادا للاستعمار الغربي. ومن ناحية أخرى، فقد كان لقرار إنشاء إسرائيل دلالة خاصة من وجهة النظر الهندية، فقد نشأت إسرائيل بنفس الطريقة التي نشأت بها الهند، وهي التقسيم على أساس ديني، وهو ما كانت تعارضه الهند في حالة شبه القارة الهندية، حيث كانت تطرح بديل "دولة واحدة وأمتان". كما كان للعلاقات الهندية- الأميركية خلال تلك المرحلة، والتي اتسمت بدرجة من عدم الثقة، انعكاسها على العلاقات الهندية- الإسرائيلية.

وبالإضافة إلى العوامل الدولية، فقد لعب العامل الداخلي المتمثل في وجود أقلية مسلمة كبيرة في الهند، دورا مهما ضبط الانفتاح الهندي على إسرائيل. ورغم تراجع الأهمية النسبية لهذا العامل كمحدد في السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل في الفترة الحالية، إلا أن هذا العامل كان له تأثيره المهم في السنوات الأولى بعد تأسيس الدولة الهندية لأسباب تتعلق،من جهة، بحرص الهند على إثبات جدارة نظرية " الدولة الواحدة والأمتان"، وجدارة نظرية "الديمقراطية العلمانية" كإطار سياسي للدولة الهندية الجديدة، وتتعلق،من جهة أخرى، بقوة العلاقات الهندية- العربية خلال تلك المرحلة.وعلاوة على ما سبق، فقد أدى وجود أقلية يهودية محدودة داخل الهند إلى ضعف تعاطف حركة التحرر الوطني الهندية، قبل الاستقلال، مع المسألة اليهودية. فرغم تفهم القيادات الوطنية الهندية للطموحات اليهودية في إقامة وطن خاص بهم، إلا أن حزب المؤتمر انتقد اعتمادهم على "الإمبريالية" البريطانية لإنجاز هذا الطموح، الأمر الذي أدى إلى نظرة الحزب لدولة إسرائيل باعتبارها مشروعا استعماريا. وقد استمر هذا الموقف من الدولة اليهودية الجديدة إلى ما بعد الاستقلال.ولم تنجح المساعدات العسكرية الإسرائيلية للهند خلال عقود الستينيات، خاصة خلال المواجهات الهندية- الصينية، والحروب الهندية- الباكستانية، في تغيير التوجهات الهندية تجاه إسرائيل، كما لم تؤد معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية سنة 1979 إلى إدخال تغيرات جوهرية عليها.

مرحلة ما بعد التسعينيات
الانفتاح وإعادة قراءة الإرث التاريخي

"ارتبط التحول في اتجاهات السياسة الخارجيةالهندية تجاه إسرائيل بالتحولات المهمة التي طالت النظام الدولي والسياسات الدولية والإقليمية بدءا من أواخر الثمانينيات "

خلافا للفترة الممتدة من الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات، فقد شهدت أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات بداية انفتاح واضح في العلاقات الهندية- الإسرائيلية، عكست تحولا بنيويا في توجهات السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل، وتحولا في الأهمية النسبية للمحددات التي حكمت العلاقات والتوجهات الهندية تجاه إسرائيل خلال المرحلة السابقة.

1- لماذا الانفتاح الهندي على إسرائيل؟

كما كان الحال فيما يتعلق بالمرحلة من الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، فقد ارتبط التحول في اتجاهات السياسة الخارجية الهندية تجاه إسرائيل بالتحولات المهمة التي طالت النظام الدولي والسياسات الدولية والإقليمية بدءا من أواخر الثمانينيات والتي تمثلت بالأساس في انهيار الاتحاد السوفيتي- الحليف الرئيسي للهند خلال فترة الحرب الباردة- وتراجع الأهمية النسبية لأفكار ودور حركة عدم الانحياز، وبدء عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، كل ذلك دفع بالنخبة الحاكمة في الهند آنذاك، وبدافع المصلحة الوطنية الهندية، إلى إعادة التفكير في جدوى الالتزام بمجموع المحددات التي حكمت العلاقات الهندية- الإسرائيلية خلال العقود السابقة.

1- فمن ناحية، دفع انهيار الاتحاد السوفيتي بالنخبة الحاكمة في الهند إلى التخلي عن سياسة عدم الانحياز، وإعادة النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، الأمر الذي استتبعه بالضرورة مراجعة العلاقة مع إسرائيل كجزء من إعادة النظر في العلاقة مع الغرب. ومن ناحية أخرى، فقد أدى التغير الذي حدث في سوق النفط بدءا من أواخر الثمانينيات، خاصة تحول تلك السوق من "سوق منتجين" إلى ما عُرف بـ "سوق المستهلكين"، بما تضمنه ذلك من انحسار في نفوذ الدول العربية المصدرة للنفط، بعدما تراجع عامل النفط كمحدد في علاقات الدول المستوردة للنفط بالدول العربية وبإسرائيل، أدى إلى تحرر الهند نسبيا فيما يخص الانفتاح على العدو التقليدي للعرب آنذاك، والمتمثل في إسرائيل.

2- ثم جاءت عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، والتي دشنها مؤتمر مدريد في أكتوبر/ تشرين الأول 1991، لتمثل نقطة تحول مهمة في توجهات الهند نحو إسرائيل، فقد أدت مشاركة معظم الدول العربية في المؤتمر وانخراطها في تلك العملية- بصرف النظر عن نتائجها الفعلية- إلى رفع الحرج "الأخلاقي" و"القيمي" عن صانع السياسة الخارجية الهندية، وعلى الكثير من الدول التي ترددت في الانفتاح على إسرائيل خلال العقود السابقة على بدء تلك العملية. وقد اكتسبت عملية السلام تلك أهمية أخرى بالنسبة للهند، إذ حرصت على المشاركة فيما عرف بالمفاوضات متعددة الأطراف، خاصة باللجان المعنية بقضايا الأمن الإقليمي وضبط التسلح وذلك بالنظر إلى مصالحها المختلفة في منطقة الشرق الأوسط (النفط، العمالة، الإسلام السياسي.. الخ).وقد حاولت الهند من جانبها رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية تدريجيا، إلا أن إسرائيل أصرت على العلاقات الدبلوماسية الكاملة، كشرط مسبق للمشاركة في هذه المفاوضات، وهو ما اضطر الهند إلى القبول بالشرط الإسرائيلي، حيث تم الإعلان عن انتقال البلدين إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة في 29 يناير/ كانون الثاني 1992 في عهد رئيس الوزراء الهندي "نارسيمها راو" (1991- 1996). ومثلت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون للهند في سبتمبر/ أيلول 2003 نقطة تحول فارقة في علاقات البلدين، والتي أوضحت للعالم أن الهند لم يعد لديها أي تحفظ بشأن علاقاتها مع إسرائيل، بل وانتقالها إلى مستويات ومجالات نوعية بالمقارنة ليس فقط بمرحلة الحرب الباردة، ولكن بالمقارنة بعقد التسعينيات أيضا.

3- ولم يكن لهذه التحولات الموضوعية أن تؤتي أكلها بهذه السرعة لولا تضافر عدة عوامل داخلية مهمة، كان على رأسها انتهاج الهند، بدءا من أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، سياسة التحول إلى القطاع الخاص والإصلاح الاقتصادي، وهو ما أعطى لإسرائيل أهمية خاصة بالنسبة للهند من زاوية محددة؛ فتوفير شروط مشجعة لبرنامج وخطط الإصلاح الاقتصادي كان يتطلب علاقات جيدة مع المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، أي بالضرورة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية. وكما هو الحال في الكثير من الحالات، فقد مثلت إسرائيل مدخلا مهما لتطوير العلاقة مع الولايات المتحدة.

4- وبالإضافة إلى العوامل المتعلقة بتحولات النظام الدولي والداخل الهندي، فقد كانت هناك مجموعة من العوامل المهمة المرتبطة بالسياسات العربية تجاه منطقة جنوبي آسيا، والسياسة الباكستانية تجاه منطقة الشرق الأوسط. ونشير فيما يلي إلى بعض تلك العوامل.

أ- فعلى المستوى العربي شهدت السياسات العربية، خاصة الخليجية، تراجعا ملحوظا في الاهتمام بمشكلة كشمير كمحدد للسياسات العربية تجاه منطقة جنوبي آسيا(3)، الأمر الذي أدى بدوره إلى تحرر الهند نسبيا من المحدد العربي في توجهاتها نحو إسرائيل.وقد جاء تراجع الأهمية النسبية لمشكلة كشمير كمحدد للسياسات العربية تجاه الهند وباكستان نتيجة عوامل عدة، أبرزها تطور القدرات النووية لطرفي الصراع، فقد أدى دخول العامل النووي كمتغير مهم في هذا الصراع إلى مزيد من برجماتية الدول الخليجية والعربية وتخليها عن الإنحياز النسبي لجانب باكستان، بل ودعوتها طرفي الصراع إلى التفاوض المباشر باعتباره المخرج الرئيسي الملائم لتسوية هذا الصراع.كما شهدت أهمية هذه القضية مزيدا من التراجع كمحدد للسياسة العربية تجاه طرفي الصراع تحت تأثير عاملين آخرين.

الأول هو ما فرضته أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 من تداخل بين الحرب ضد الإرهاب وقضية كشمير بسبب وجود العديد من التنظيمات الإسلامية المتشددة في كشمير، وتطور بيئة دولية لم تعد تقبل الخطاب المؤيد لتلك التنظيمات صريحا كان ضمنيا.

أما العامل الثاني فيتمثل في عملية التطبيع الجارية بين طرفي الصراع، والتي انطلقت في عام 2004، والتي لازالت قائمة حتى الآن وتحظى بالالتزام السياسي من جانب الطرفين رغم التوترات التي تحدث من وقت لآخر.

أضف إلى كل ذلك، التحول المهم الذي طال الخطاب الباكستاني بخصوص هذا الصراع، خاصة بعد إعلان الرئيس الباكستاني السابق برفيز مشرف في أكتوبر/ تشرين الأول 2004 استعداده التنازل عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى تسوية مشكلة كشمير من خلال تطبيق استفتاء حر في الإقليم، والحديث في المقابل عن بدائل عملية لتسوية هذا الصراع، وهو الموقف الذي أعاد التأكيد عليه مرة أخرى في عام 2006.ب- ومن المتوقع أن يتزايد تراجع الأهمية النسبية لمشكلة كشمير كمحدد للعلاقات العربية الهندية، وأن يتزايد تراجع الأهمية النسبية للمحدد العربي في السياسة الهندية تجاه إسرائيل في ضوء تزايد احتمالات تطبيع العلاقات الباكستانية-الإسرائيلية.فقد أدى التطور المتسارع في الشراكة الهندية-الإسرائيلية، فضلا عن العوامل الدولية والإقليمية ذاتها التي لعبت دورا مهما في انفتاح الهند على إسرائيل، إلى تزايد احتمالات إقدام باكستان على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ونقل هذه العلاقات من المستوى الفعلي إلى المستوى العلني.

ويستند هذا التحليل إلى عدد من المؤشرات، يأتي في مقدمتها الطابع البرجماتي للسياسة الخارجية الباكستانية الذي تميزت به طوال العقود السابقة وتمييزها بين غياب العلاقات الرسمية من ناحية، ووجود اتصالات فعلية مباشرة بين البلدين من ناحية أخرى، فغياب العلاقات الرسمية لم يحل دون وجود اتصالات مباشرة بين مسؤولين سياسيين وأمنيين من الطرفين. كما لم يحل ذلك الغياب والتزام باكستان بقرارات المكتب الإسلامي للمقاطعة الذي تأسس في يناير/ كانون الثاني 1981 وانضمامها في سبتمبر/ أيلول 1994 إلي إعلان المقاطعة البريدية لإسرائيل، دون قيام بعض أشكال التجارة المباشرة أو غير المباشرة بين الجانبين.كما جرت بعض المعاملات التجارية بين مؤسسات القطاع العام من الطرفين (صفقة شراء قطع غيار الطائرات بين الخطوط الدولية الباكستانية وشركة "صناعة الطائرات الإسرائيلية في عام 1995)، بالإضافة إلى بعض المعاملات التجارية غير المباشرة عبر أطراف ثالثة.

وينطبق الوضع ذاته على المستوى الداخلي، إذ يشهد المجتمع الباكستاني نمو اتجاه يدعو إلى تطبيع العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية. ويتركز هذا الاتجاه بشكل خاص داخل القطاع الخاص ورجال الأعمال. ويستند هؤلاء إلى عدد من المبررات، أهمها وجود علاقات اقتصادية بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، وانطلاق عملية التسوية السلمية. ويعتبر هؤلاء أن نجاح الهند في تطوير شراكتها الإستراتيجية مع إسرائيل يعد أحد مظاهر فشل السياسة الباكستانية بالنظر إلى المكاسب التكنولوجية والعسكرية والسياسية التي تحققها الهند من تلك الشراكة.كما يؤكد هؤلاء على أن تأخير تطبيع تلك العلاقات وقتا أطول من شأنه أن يخرج باكستان من سياق التفاعلات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، وأن يوفر بيئة مساعدة لتطور التحالف الهندي– الإسرائيلي علي حساب المصالح الباكستانية، وأن تطوير العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية من شأنه أن يحول دون تطور هذا التحالف بشكل يستهدف تلك المصالح(6). فضلا عن ذلك، فإن الاتجاه إلي إعادة بناء منطقة الشرق الأوسط والحديث عن خريطة جديدة في المنطقة، والحديث عن شرق أوسط جديد تكون باكستان جزءا منه، أمر قد يغري باكستان بالاندماج في تلك العملية، حيث يصبح الاعتراف بإسرائيل في هذه الحالة أحد مقومات وشروط الدخول في تلك العملية، وربما يكون ذلك تحت ضغط أمريكي.

"أصبحت الهند أكبر سوق لصادرات الأسلحةالإسرائيلية في العالم، إذ بلغت مبيعات السلاح الإسرائيلي للهند في عام 2006 مليارونصف المليار دولار، ويعني ذلك أن السوق الهندية تستحوذ على أكثر من ثلث إجمالي قيمة مبيعات الأسلحة الإسرائيلية"

5- ورغم أهمية الدوافع الهندية، والعوامل العربية والباكستانية وراء الانفتاح الهندي على إسرائيل، فإنه لا يمكن إغفال الدوافع الإسرائيلية أيضا في هذا الإطار. ويمكن الإشارة هنا إلى دافعين رئيسيين وراء السعي الإسرائيلي الحثيث لتشجيع الانفتاح الهندي على إسرائيل، الأول يتعلق بالدافع السياسي المتمثل في السعي الإسرائيلي الحثيث لتوسيع علاقاتها الخارجية بشكل عام، خاصة مع القوى الإقليمية ذات العلاقات التاريخية مع الدول العربية، والتي انتهجت سياسات خارجية مؤيدة للقضية الفلسطينية بشكل خاص، حيث تكتسب الهند هنا موقعا خاصا بالنظر إلى علاقاتها التاريخية المهمة مع العالم العربي، والتي انتهجت سياسة خارجية استندت إلى مبادئ تتعلق بمواجهة الاستعمار ودعم الحقوق الفلسطينية، والتعامل مع إسرائيل باعتبارها "مشروعا استعماريا غربيا"، ومن ثم فقد مثلت الهند نقطة ارتكاز مهمة في تصفية إرث هذه المرحلة. ولعل ما يؤكد أهمية الهند بالنسبة لإسرائيل في هذا المجال، أن السياسة الإسرائيلية تجاه الهند لم تأخذ بعين الإعتبارالمبادرات والتوجهات الهندية تجاه إسرائيل خلال العقود السابقة على بدء الانفتاح السياسي الهندي على إسرائيل في أوائل التسعينيات. إذ رغم التوجهات الهندية المتحفظة ضد الانفتاح على إسرائيل، فقد حرصت هذه الأخيرة على إبقاء الباب مواربا أمام علاقات مستقبلية مع الهند تتجاوز اعتبارات وقيود تلك المرحلة.

ولعل ما يرجح هذا التحليل هو الحرص الإسرائيلي على تقديم الدعم السياسي للهند في صراعاتها الإقليمية، خاصة خلال الحرب الهندية- الصينية في عام 1962، والحرب الهندية- الباكستانية في عام 1965.وتمثل كشمير خلال مرحلة التحفظ الهندي على علاقات منفتحة مع إسرائيل النموذج الأبرز لذلك الحرص الإسرائيلي.ويتعلق الدافع الثاني بأهمية الهند كسوق لصادرات السلاح الإسرائيلي، ليس فقط من الناحية الكمية بل اكتسبت السوق الهندية أهمية نوعية أيضا بالنسبة لإسرائيل.فقد ارتبطت تجربة تصدير السلاح الإسرائيلية بأسواق اتسمت بسيطرة النظم السياسية الديكتاتورية التسلطية، مثل نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، ونظام سوموزا في نيكاراجوا، ونظام بينوشييه في شيلي، ونظام ماركوس في الفلبين، ونظام دوفاليه في هايتي، ونظام موبوتو في زئير، وغيرها من الأنظمة التسلطية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي انعكس سلبا على صورة الصناعات العسكرية الإسرائيلية خلال تلك المرحلة. ومن ثم، فقد مثل فتح السوق الهندية أمام صادرات السلاح الإسرائيلية مدخلا مهما لتغيير هذه الصورة السلبية حول الصناعة العسكرية الإسرائيلية بشكل عام، وحول وجهات صادراتها العسكرية بشكل خاص، وذلك بالنظر إلى اعتبار الهند واحدة من الديمقراطيات الكبيرة والمهمة داخل الدول النامية. ولعل ما يؤكد أهمية الدافع العسكري بشكل عام، أن كل زيارات المسؤولين السياسيين الإسرائيليين للهند، كان يسبقها أو يتبعها اتفاقات أو صفقات مبيعات أسلحة إسرائيلية للهند.

2- إعادة قراءة الإرث التاريخي

على العكس من مرحلة ما قبل التسعينيات، والتي تميزت بالتركيز على عناصر الخلاف والتناقض بين البلدين، فقد ارتبطت مرحلة الانفتاح السياسي بإعادة قراءة تلك العناصر على نحو يبرز التشابه القوي بين البلدين. فمن ناحية، تحدثت النخب السياسية عن أن كلا البلدين يواجه بيئة إقليمية عدائية ضده، ففي الوقت الذي تواجه الهند عدوها التقليدي باكستان، بجانب عدد من التنظيمات الإسلامية المتشددة في جنوبي آسيا بشكل عام، فإن إسرائيل تواجه نظما عربية عدة في الشرق الأوسط وتنظيمات إسلامية متشددة (حماس وحزب الله بالأساس) لازالت ترفض التطبيع، وأن كلا منهما يمثل طرفا في صراع إقليمي اجتماعي طويل، ذي طبيعة دينية.

ثم جاءت أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 لتعمق من هذا الإدراك لدى النخب السياسية في البلدين، وتضفي عليه بعدا جديدا، حيث تم التأكيد، في هذا السياق، على أن هناك تهديدا مشتركا بين البلدين ممثلا في "الإرهاب الإسلامي" في إقليم واحد، وهو إقليم "الشرق الأوسط الكبير". ولم يقتصر الأمر على وحدة نمط التهديد الذي يواجهه البلدان، بل امتد الأمر للحديث عن تداخل مصادر التهديد هذه، فقد نظرت الهند – كغيرها من الدول الغربية- إلى "الفكر الوهابي" السعودي على أنه أحد روافد "الإرهاب الإسلامي"، الذي يمثل بذلك أحد مصادر تهديد الأمن القومي الهندي.كما نظرت إسرائيل إلى الترسانة النووية الباكستانية باعتبارها أحد مصادر تهديد الأمن القومي الإسرائيلي في حالة سيطرة الإسلاميين المتشددين في باكستان على المنشآت النووية هناك، أو في حالة تصدير التكنولوجيات النووية الباكستانية إلى دول ذات علاقات عدائية مع إسرائيل في الشرق الأوسط (إيران أو سوريا) .

كما شمل هذا التداخل أيضا المساحة الكبيرة التي تحتلها قضيتا فلسطين وكشمير في خطاب الحركات والتنظيمات الإسلامية في الشرق الأوسط وجنوبي آسيا، إذ ترتبط دعوات هذه التنظيمات إلى الجهاد وحمل السلاح بالدعوة إلى تحرير هذه الأراضي باعتبارها أراضي إسلامية محتلة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تم الترويج لعناصر تشابه أخرى من قبيل أن كلا البلدين يعد نموذجا للدولة الديمقراطية العلمانية في محيط إقليمي من الدول التسلطية.غير أن التركيز على عناصر التشابه تلك، لا يلغي إدراك كلا البلدين لوجود عناصر اختلاف مهمة بينهما، خاصة فيما يتعلق برؤية كل منهما للنظام الدولي الأمثل لمصالحهما الوطنية، ففي الوقت الذي ترى فيه الهند أن نظاما دوليا متعدد الأقطاب يوفر لها هامش حرية أكبر هو الأفضل لمصالحها الوطنية رغم علاقاتها الإستراتيجية القوية مع الولايات المتحدة، ترى إسرائيل أن استمرار نظام أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة هو الأفضل لمصالحها الوطنية. إلا أن هذا الخلاف لا يؤثر كثيرا على علاقاتهما السياسية والأمنية، ويظل القاسم المشترك فيما بينهما هو أهمية الولايات المتحدة بالنسبة لهما على المستوى المنظور.

قضايا التعاون المشترك

"يستند التعاون بين البلدين في المجال الأمني-الدفاعي إلى تطور إدراك هندي-إسرائيلي بأن ما يوصف "بالإرهاب الإسلامي" يمثل تهديدا مشتركا للبلدين، وأنهما يتحركان في بيئة إقليمية "عدائية" ضدهما"

الملاحظة المهمة فيما يتعلق بمجالات التعاون الأساسية بين الهند وإسرائيل هي مركزية القضايا الأمنية والدفاعية.

1- مكافحة الإرهاب

يشكل التعاون لمكافحة الإرهاب أحد المجالات السياسية والأمنية الأبرز في العلاقات الهندية- الإسرائيلية، ورغم أن التعاون في هذا المجال قد شهد دفعة قوية وزخما جديدا بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، إلا أنه يعود إلى ما قبل ذلك التاريخ، خاصة بعد تشكيل اللجنة المشتركة لمحاربة الإرهاب في عام 2001. ويستند التعاون بين البلدين في هذا المجال إلى تطور إدراك هندي-إسرائيلي بأن ما يوصف "بالإرهاب الإسلامي" يمثل تهديدا مشتركا للبلدين، وأنهما يتحركان في بيئة إقليمية "عدائية" ضدهما، تتضمن، كما سبق القول، الكثير من العناصر والخصائص المشتركة. وقد أدى تطور –أو تطوير- هذا الإدراك المشترك إلى دفع الهند للاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في التعامل مع هذه البيئة العدائية، والاستفادة بشكل خاص من الخبرة الإسرائيلية في إدارة الصراعات المنخفضة الحدة مع التنظيمات الإسلامية المتشددة، وهو نمط الصراع ذاته الذي تواجهه الهند في كشمير، والذي واجهته لفترة طويلة في علاقاتها مع باكستان، قبل أن تشهد علاقات البلدين انفراجة واضحة منذ عام 2004. تبع ذلك الاستفادة الهندية من القدرات العسكرية الدفاعية لإسرائيل في هذا المجال، خاصة أجهزة الرؤية الليلية، وأجهزة مراقبة الحدود، والأسلحة الصغيرة، وسياسة زرع العملاء داخل مناطق "العدو".

2- التعاون في مجال الدفاع

يمثل التعاون في موضوع الدفاع المجال الأبرز في العلاقات الهندية الإسرائيلية، ويشمل هذا التعاون مجالات عدة، أبرزها تجارة السلاح، حيث تعد الهند في هذا الإطار أكبر سوق للسلاح الإسرائيلي. وقد جاء ذلك نتيجة عاملين، الأول هو انهيار الاتحاد السوفيتي، وما ترتب عنه من تراجع في تنافسية السلاح الروسي، من ناحية، وتقادم الترسانة العسكرية الهندية السوفيتية المنشأ.وقد لعبت إسرائيل دورا مهما في هذا المجال من خلال نجاحها في تقديم نفسها ليس فقط كمصدر للأسلحة الحديثة وكمدخل مهم للاطلاع على التكنولوجيات العسكرية الغربية والأميركية بشكل خاص، ولكن أيضا كمتخصص في تحديث السلاح الروسي. كما حازت إسرائيل ميزة إضافية أخرى بالنسبة للهند، مقارنة بمصادر السلاح الأخرى الأوروبية والأميركية، وهي تحررها النسبي من التقيد باعتبارات الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في منطقة جنوبي آسيا، خاصة التوازن الهندي- الباكستاني.

كما لعبت إسرائيل دورا مهما في إقناع الولايات المتحدة بالموافقة على حصول الهند على أسلحة إسرائيلية تتضمن تكنولوجيات عسكرية أمريكية كثيرا ما تحفظت الولايات المتحدة على حصول الهند عليها، ومن أمثلة ذلك نجاحها في إقناع إدارة كلينتون في منتصف عام 2000 بالموافقة على تزويد الهند بأنظمة الإنذار والسيطرة المحمولة جوا "أواكس"، إذ كانت الولايات المتحدة تتخوف، في ذلك الوقت، أن يؤثر مثل هذا التسليح على التوازن الاستراتيجي في جنوب آسيا.وقد قام البلدان بالفعل في عام 2004، بجانب روسيا، بتوقيع اتفاق بقيمة 1.1 بليون دولار مع شركة "التا" الإسرائيلية يقضي بتجهيز الأخيرة ثلاث طائرات من طراز IL-76 (الروسية الصنع) بنظام "أواكس"، حيث تم تسليم الطائرة الأولى في مايو/ أيار 2009.وهكذا، أصبحت الهند أكبر سوق لصادرات الأسلحة الإسرائيلية في العالم، إذ بلغت مبيعات السلاح الإسرائيلي للهند في عام 2006 مليار ونصف المليار دولار، وهي قيمة المبيعات نفسها في السنوات الثلاث التي سبقتها. ويعني ذلك أن السوق الهندية تستحوذ على أكثر من ثلث إجمالي قيمة مبيعات الأسلحة الإسرائيلية التي بلغت 4.2 مليار دولار عام 2006. وشملت المبيعات نماذج مطورة من طائرة "ميغ21"، ودبابات "ت-72" الروسية الأصل، ونظام "باراك" المضاد للصواريخ، ومعدات اتصال وقذائف موجهة بأشعة الليزر، ونظام "فالكون" للإنذار المبكر.

كما يحاول خبراء الأسلحة الإسرائيليون أيضا بيع نظام صواريخ "آرو-2" البالستية للهند، وهو ما سيتطلب الحصول على موافقة الولايات المتحدة بالنظر إلى وجود تقنيات أمريكية- إسرائيلية مشتركة في هذا النظام الصاروخي. وسبق أن تم بيع نظام رادار "باين" Green Pine للهند، وهو واحد من المكونات الأساسية لنظام صواريخ "آرو-2".وقد وصل التعاون الهندي- الإسرائيلي في مجالي الاستخبارات والدفاع مدى واسعا خلال السنوات الأخيرة، عبر عنه إطلاق إسرائيل قمر التجسس "بولاريس" في 21 يناير/ كانون الثاني 2008 على صاروخ هندي من قاعدة "سريهاريكوتا" الفضائية الهندية في المحيط الهندي. ويعد هذا القمر الأكثر تطورا من بين أقمار إسرائيل التجسسية، فهو أول قمر إسرائيلي مزود برادار ذي قدرة فائقة على التقاط الصور في جميع الظروف الجوية. وسيغطي القمر مواقع في إيران، بما يخدم خطط الجيش الإسرائيلي. وتشير بعض المصادر الهندية إلى أن قمرين صناعيين آخرين سيطلقان عن طريق مؤسسة بحوث الفضاء الهندية خلال السنوات القليلة القادمة.

مشروع "المحور الهندي- الإسرائيلي- الأميركي"

"حددت الهند الهدف الرئيسي للمحورالهندي-الإسرائيلي-الأميركي في محاربة الإرهاب الدولي، مؤكدا أن هذا المحور بما يضمه من ثلاث "ديمقراطيات" كبيرة، هو الأكثر فعالية وقدرة على مواجهة الإرهاب (الإسلامي) المتصاعد "

إضافة إلى التعاون الهندي-الإسرائيلي في مجالي الدفاع ومكافحة الإرهاب، سعت الهند إلى توسيع نطاق تحالفها مع إسرائيل ليشمل الولايات المتحدة من خلال طرح مشروع تأسيس محور ثلاثي بين الدول الثلاث.وفي هذا الإطار، طرح مستشار الأمن القومي الهندي في حكومة آتال بيهاري فاجبايي، براجيش ميشرا ، أثناء حضوره العشاء السنوي الثامن والتسعين "للجنة اليهودية الأميركية" (AJC) بالولايات المتحدة الأميركية في الثامن من مايو/ أيار 2003، مشروعا لإنشاء محور ثلاثي يضم الدول الثلاث. وقد حدد ميشرا الهدف الرئيسي للمحور في محاربة الإرهاب الدولي، مؤكدا أن هذا المحور بما يضمه من ثلاث "ديمقراطيات" كبيرة، هو الأكثر فعالية وقدرة على مواجهة الإرهاب (الإسلامي) المتصاعد. وقد ركز ميشرا بشكل خاص على أن المحور المقترح يضمن تجاوز العقبات الخاصة بالحاجة إلى الاتفاق على تعريف محدد للإرهاب، وتجاوز الفرضيات الخاصة بضرورة التمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، وذلك استنادا إلى الأرضية المشتركة بين الدول الثلاث، خاصة وأنها دول ديمقراطية تتبنى قيما تقوم على التسامح والليبرالية والتعددية- على حد تعبيره. غير أنه رغم سعي إسرائيل والهند إلى إقناع الإدارة الأميركية بفكرة هذا المحور إلا أنهما لم تجدا القبول المتوقع من جانب الأخيرة، دون أن يعني ذلك موت هذا المشروع.

أ- لماذا المحور الهندي- الأميركي- الإسرائيلي؟

في الواقع، يمكن تفسير طرح الهند لهذا المشروع ثم تشجيعه من جانب إسرائيل، في ضوء العوامل التالية.

1- المحور كجزء من سياسة التحالفات والمحاور الهندية: لا يمكن فهم طرح الهند لمشروع هذا المحور بمعزل عن أحد التوجهات الجديدة التي ميزت السياسة الخارجية الهندية منذ انتهاء الحرب الباردة والذي يتمثل في العمل على بناء شبكة من التحالفات والمحاور الإستراتيجية الثلاثية والثنائية. وبمعنى آخر، فإن مشروع المحور "الهندي- الأميركي- الإسرائيلي" ليس سوى واحدا من مشروعات التحالفات والمحاور الثلاثية والثنائية التي سعت الهند إلى تطويرها منذ نهاية الحرب الباردة. ومن الأمثلة البارزة في هذا الإطار، المحور "الهندي- الروسي- الإيراني"، والمحور "الهندي- الروسي- الصيني"، والمحور "الهندي- الإسرائيلي- التركي"، بالإضافة إلى المحور "الهندي- الإسرائيلي" والمحور "الهندي- الإيراني". وقد جاءت معظم تلك المشروعات نتاجا لدوافع عديدة، كان أبرزها سياسة الحصار السياسي الهندي لباكستان، واستغلال القدرات العسكرية لهؤلاء الحلفاء لتطوير وتحديث القدرات العسكرية الهندية، وتحويل الهند إلى قوة إقليمية رئيسية.

2- المحور كنتاج طبيعي لحلفاء "طبيعيين": تذهب بعض التحليلات إلى تفسير تطور مشروع هذا المحور باعتباره امتدادا منطقيا "لحلفاء طبيعيين"، وكإفراز طبيعي لعدد من التحولات السابقة على طرح فكرة هذا المشروع. أول تلك التحولات هو التطور المتسارع في العلاقات الهندية- الإسرائيلية، والتي سرعان ما أخذت أبعادا إستراتيجية خلال السنوات الأخيرة خاصة منذ عام 1999. ثاني تلك التحولات يتمثل في تطور التعاون الاستراتيجي بين الهند والولايات المتحدة والذي تطور بشكل متسارع خلال إدارة كلينتون الثانية، ثم إدارة بوش الابن. فعلى الرغم من أن أحداث سبتمبر/ أيلول قد فتحت آفاقا مهمة للتعاون الاستراتيجي بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن التعاون الأميركي- الهندي في هذا المجال كان سابقا على أحداث سبتمبر/ أيلول من خلال تأسيس "لجنة عمل مكافحة الإرهاب".

وجاءت أحداث سبتمبر/ أيلول لتؤكد أهمية هذا التعاون، وتطوير أجندة أمنية واقتصادية مشتركة، شملت ضمان الاستقرار في أفغانستان وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا ومنطقة المحيط الهندي، وضمان استمرار تدفق مصادر النفط والطاقة من الخليج، بالإضافة إلى المصلحة الهندية-الأميركية المشتركة في ضمان إعادة صياغة هيكل الارتباطات الداخلية للنظام السياسي الباكستاني مع الجماعات الإسلامية الباكستانية المتشددة، ودفع النظام الباكستاني إلى تنفيذ تعهداته بهذا الشأن. بمعنى آخر، يمكن النظر إلى طرح مشروع المحور "الهندي- الأميركي- الإسرائيلي" باعتباره خطا منطقيا للربط بين التحالفات الثنائية "الهندي- الإسرائيلي"، والهندي- الأميركي"، و"الإسرائيلي- الأميركي".ثالث تلك التحولات هو تصاعد الدور السياسي للأمريكيين من ذوي الأصول الهندية داخل الولايات المتحدة، إذ ارتفع حجم هذه الشريحة من حوالي 815.5 ألف، وفقا لتعداد السكان الأميركي سنة 1990 إلى نحو 1.7 مليون وفقا لتعداد سنة 2000، إلى حوالي 2.6 مليون نسمة وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي في سنة 2007. وتولي الحكومة الهندية اهتماما كبيرا لهذه الشريحة، بالإضافة إلى الجالية الهندية هناك، حيث تسعى إلى تأهيل الدور السياسي لهذه الشريحة داخل الولايات المتحدة بما يخدم مصالحها الوطنية، لتشكيل "لوبي هندي"، من خلال الاستفادة في هذا المجال من قدرات اللوبي اليهودي،ومن خلال تنمية أواصر التعاون بين الأميركيين الهنود واللوبي اليهودي، وهو التعاون الذي شهد نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.

3- وآخرا، لا يمكن فهم طرح هذا المحور بمعزل عن السياق الزمني الذي طرح فيه، وعن الأهداف والمصالح الهندية والإسرائيلية. وقد جاء في مقدمة الأهداف الهندية عزل باكستان سياسيا، بل ومحاولة إدراجها على قائمة أهداف الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وانتزاع موافقة الولايات المتحدة على توجيه ضربة وقائية ضد باكستان، وهو ما اتضح من خلال ربط ميشرا مشروع المحور بهدف محدد وهو محاربة الإرهاب، والتأكيد على الطابع الديمقراطي للدول الثلاث (مقابل الطابع غير الديمقراطي للنظام الباكستاني).فقد حاولت الهند استغلال البيئة الأمنية الجديدة بعد أحداث سبتمبر/ أيلول لإدراج باكستان على قائمة أولويات تلك الحرب ومحاولة إعادة إنتاج النموذج الأميركي في التعامل مع أحداث سبتمبر/ أيلول بعناصره الأساسية من تجميد دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتطبيق مفهوم موسع لحق الدفاع الشرعي عن النفس، والتوجه الأحادي الانفرادي في الرد علي التهديدات والاعتداءات الأمنية، وممارسة الحق في التدخل لإزالة نظم سياسية قائمة بدعوى إيوائها لتنظيمات إرهابية، والأهم من ذلك تبني المفهوم الأميركي المرن للضربة الوقائية الذي طورته التجربة الأميركية، والذي ركز على التنظيمات الإرهابية وما أطلق عليه "الدول المارقة" ذات النظم غير الديمقراطية، والتي تسعى إلى تطوير أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب.

وقد رأت الهند في باكستان نموذجا مثاليا لتطبيق مفهوم الضربة الوقائية، فقد ذهب وزير الشؤون الخارجية الهندية ياشوانت سن في الأسبوع الأول من أبريل/ نيسان 2003 إلى "أن الهند تتوفر لديها حالة جيدة لتوجيه ضربة وقائية ضد باكستان"، كما أكد أنه "إذا كان غياب الديمقراطية وامتلاك أسلحة دمار شامل، وتصدير الإرهاب هي شروط الضربة الوقائية، فإن باكستان تمثل الحالة الأجدر بالعمل الوقائي".ولم يكن من اليسير تطبيق الهند للمفهوم الأميركي للضربة الوقائية أو للدفاع الشرعي عن النفس ضد باكستان بدون موافقة الولايات المتحدة، وهو ما حاولت الحصول عليه من خلال طرح مشروع هذا المحور، كإطار يضمن تمرير تلك الضربة.وعلى الرغم من عدم نجاح الهند وإسرائيل في تمرير هذا المشروع لدى الولايات المتحدة وإعطائه شهادة ميلاد رسمية صريحة ومعلنة، إلا أن السياسات الأميركية الفعلية تدعم هذا المحور، من خلال الارتقاء بالشراكة الإستراتيجية الأميركية- الهندية والتي شهدت طفرات مهمة خلال العام الأخير تمثلت في التوقيع على اتفاق التعاون النووي السلمي بين البلدين، بالإضافة إلى استمرار الالتزامات الإستراتيجية الأميركية تجاه إسرائيل، ومباركتها للمحور "الهندي- الإسرائيلي".

"نجح "اللوبي الهندي" في خلق حالة من التقارب والتعاون مع اللوبي اليهودي، وكان أهم مظاهر هذا التعاون تأسيس مبادرة الصداقة "الهندية- اليهودية- الأميركية" بين "اللجنة الأميركية اليهودية" و"لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية""

ب- مستقبل مشروع "المحور" الهندي- الإسرائيلي- الأميركي:

على الرغم من أن مشروع هذا المحور لم يلق الاستجابة المتوقعة من الولايات المتحدة ربما لإلحاحه على فكرة استهداف الحرب ضد الإرهاب للعالم الإسلامي بشكل حصري، ولتجسيده نوعا من التآمر "الهندوسي- المسيحي- اليهودي" ضد الإسلام والعالم الإسلامي، بالإضافة إلى فشل الهند في تطبيق إستراتيجية الضربة الوقائية ضد باكستان بسبب العديد من التعقيدات الأمر الذي أفقد مشروع هذا المحور بعض مبرراته من جانب الهند، إلا أن الفتور الأميركي إزاء المشروع لا يعني موته بشكل نهائي. ويعزى ذلك إلى الدعم القوي الذي يلقاه المشروع من جانب النخبة غير الرسمية في الدول الثلاث، خاصة من المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث، واللوبيين اليهودي والهندي داخل الولايات المتحدة.فمن ناحية، تلقى فكرة هذا المحور دعما قويا من جانب بعض المؤسسات البحثية والأكاديمية في الدول الثلاث، خاصة داخل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

ومن الأمثلة البارزة في هذا الإطار، "معهد السياسات الدولية لمواجهة الإرهاب" و"مدرسة هارولد هارتوج للحكومة والسياسة" بجامعة تل أبيب، و"المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي" بالولايات المتحدة. وقد بدأت هذه المؤسسات الثلاث في عام 2003 تنظيم سلسلة من المؤتمرات لمناقشة قضايا التعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث بمبادرة من المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، حيث عقد المؤتمر الأول منها في نيودلهي في فبراير/ شباط 2003، وعقد المؤتمر الثاني في (16-17) فبراير/ شباط 2004 في إسرائيل، وعقد المؤتمر الثالث بالولايات المتحدة خلال عام 2005.\

وقد أسفر المؤتمران الأول والثاني عن اتفاق الوفود المشاركة على صياغة خطة عمل تركز على تشجيع التعاون بين المنظمات غير الحكومية في الدول الثلاث خاصة المؤسسات الأكاديمية من خلال تبادل الخبرات والمعلومات والتكنولوجيات الخاصة بمكافحة الإرهاب، وتشجيع التعاون بين الهيئات العسكرية والأمنية المعنية بمكافحة الإرهاب في الدول الثلاث، وتشجيع التعاون بين تلك المؤسسات في مجال إنتاج وتطوير التقنيات الفنية والتكنولوجية في هذا المجال، بالإضافة إلى وضع إطار للتعاون المشترك في مجال دراسة ومتابعة عمليات دخول وتسرب العناصر "الوهابية" و"الخومينية" إلى المؤسسات العلمية ذات الصلة بإنتاج أسلحة الدمار الشامل.وعلى الرغم من الطابع الأكاديمي لتلك المؤتمرات وورشات العمل، إلا أنها تلعب دورا مهما في تكريس فكرة هذا المحور بالنظر إلى عاملين رئيسين: الأول هو الدور الذي تلعبه هذه المؤتمرات وورشات العمل في خلق قناعة لدى الأوساط العلمية والأكاديمية بأهمية إنشاء هذا "المحور" وتوسيع قاعدة المؤسسات الأكاديمية المؤيدة له. أضف إلى ذلك الدور المهم الذي تقوم به تلك المؤسسات في وضع تصورات تفصيلية لقضايا وأبعاد هذا المحور.

أما العامل الثاني فيتمثل في الطابع شبه السياسي لتلك المؤتمرات. فعلى الرغم من أنها قد تعقد بمبادرات خاصة من المؤسسات الأكاديمية والبحثية، إلا أن هذا لا ينفي أبعادها السياسية لاعتبارين رئيسين:

الأول هو العلاقة القوية بين تلك المؤسسات ومراكز صنع القرار، خاصة أن بعض تلك المؤسسات يرأسها مسؤولون سياسيون سابقون، مثل شابتاي شافيت الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي والذي رأس "معهد السياسات الدولية لمكافحة الإرهاب"، ود. اسحاق بن إسرائيل الرئيس السابق لهيئة "قوات الدفاع الإسرائيلية لبحوث وتطوير الأسلحة" الذي أدار برنامج الدراسات الأمنية بمدرسة هارولد هارتوج.

أما الاعتبار الثاني فيتمثل في المشاركة المكثفة للمسؤولين السياسيين، القائمين والسابقين، بالدول الثلاث في أعمال تلك المؤتمرات.

وتنطلق تلك المؤسسات ليس فقط من افتراض وجود قيم ومصالح مشتركة بين الدول الثلاث، ولكن من وجود تهديدات مشتركة للدول الثلاث تفرض الحوار والتعاون الاستراتيجي فيما بينها. ويُطرح في هذا الإطار، عدد من القضايا الرئيسية كموضوعات للتعاون والحوار الثلاثي، أهمها الإرهاب، وتحديث القدرات العسكرية البحرية، وأمن المحيط الهندي، وباكستان وإيران كدولتين راعيتين للإرهاب، بالإضافة إلى التعاون في مجال تكنولوجيا الفضاء.ومن ناحية أخرى، تلعب جماعتا الضغط اليهودية والهندية داخل الولايات المتحدة دورا متناميا في هذا الإطار. فعلى الرغم من حداثة "اللوبي الهندي" داخل الولايات المتحدة، نسبيا، إلا أنه يعد واحدا من جماعات الضغط المرشحة للنمو بقوة داخل الولايات المتحدة خلال السنوات القادمة بالنظر إلى الوضع المتميز الذي تتمتع به الجالية الهندية والأميركيون الهنود داخل الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالمستوى التعليمي والمادي، واتجاه الهند إلى تفعيل وتنشيط هذه الجالية لخدمة مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية لدى الولايات المتحدة.

وقد نجح "اللوبي الهندي" خلال السنوات الأخيرة في خلق حالة من التقارب والتعاون الشديد مع اللوبي اليهودي، وكان أهم مظاهر هذا التعاون تأسيس مبادرة الصداقة "الهندية- اليهودية-الأميركية" بين "اللجنة الأميركية اليهودية" (AJC) و"لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (الإيباك))، و"لجنة العمل السياسية الأميركية الهندية" (20وهي إحدى جماعات الضغط الخاصة بالهنود الأميركيين التي تم تأسيسها في عام 2002 ويتوقع أن تلعب دورا مؤثرا في الدفاع عن المصالح الهندية داخل الولايات المتحدة في المرحلة القادمة. وقد أطلق أحد أعضاء الكونجرس الأميركي على تلك المبادرة "الزواج العظيم".

خاتمة

لا تخلو خبرة التطور المهم الذي شهدته العلاقات الهندية- الإسرائيلية منذ بداية الثمانينيات من دروس مهمة بالنسبة للعالم العربي، يمكن نشير فيما يلي إلى أهمها:

1- أن الكثير من الكتابات العربية قد أخطأت في تفسير التوجه الهندي نحو إسرائيل، من زاويتين، الأولى عندما افترضت أن العلاقات التاريخية بين الهند والعالم العربي، والسياسة الهندية تجاه إسرائيل خلال تلك المرحلة، هي علاقات ثابتة، أو يجب أن تكون كذلك، بصرف النظر عن أية تحولات إستراتيجية. والثانية عندما اختزلت فهم هذا التوجه كمحصلة وكنتيجة لتعاون وتلاقي التطرف الهندوسي- الصهيوني في مواجهة الإسلام والعالم الإسلامي. والواقع أن كلا الفهمين، يتسم بعدم الموضوعية. وكما اتضح من التحليل السابق، فقد تراجعت الأهمية النسبية للمحدد العربي في السياسة الخارجية الهندية بشكل عام، وتجاه إسرائيل بشكل خاص، نتيجة مجموعة من العوامل الموضوعية، تعلق بعضها بالتحولات الإستراتيجية على مستوى النظام الدولي، وتعلق بعضها الآخر بتحولات داخلية مهمة، على نحو أدى في التحليل الأخير إلى تراجع ثوابت السياسة الهندية تجاه العالم العربي والإسلامي، دون أن ينفي ذلك حرص الهند تبني خطاب عام مؤيد للحقوق الفلسطينية. كما أنه ليس صحيحا أيضا أن تطور العلاقات الهندية- الإسرائيلية على هذا النحو هو ترجمة مباشرة أو الوجه الآخر من مؤامرة "هندوسية- صهيونية" تُحاك ضد العالم الإسلامي. لا يمكن أن ننفي أن العلاقات الهندية- الإسرائيلية قد يكون لها انعكاساتها السلبية على المصالح العربية والإسلامية، إلا أن تطور هذه العلاقات لم يأت بدافع التآمر "الهندوسي- الصهيوني" على العالم العربي أو الإسلامي، بقدر ما جاء نتيجة عوامل موضوعية مهمة.

2- أن أية علاقات أو تحالفات يجب أن تستند إلى مصالح وأسس مادية، وأن الأساس "الخطابي"- إذا جاز التعبير- لا يمكن أن ينهض أساسا لعلاقات قوية. لقد وقع العالم العربي في خطأ –ولا يزال- الاستناد إلى الحقوق العربية الأصيلة في الصراع العربي الإسرائيلي باعتبارها الأساس الذي يجب أن يحكم علاقات القوى الدولية في توجهاتها نحو إسرائيل. فقد بدت قناعة الدول العربية بأنها صاحبة "الحق المطلق" والقضية "العادلة" المطلقة"، وكأنها تكفي لإعفاء الدول العربية من عناء الحفاظ على التحالفات والصداقات القديمة، وهو افتراض خاطئ. ففي الوقت الذي لا يقدم فيه العرب كثير للهند باستثناء سلعة النفط، نجحت إسرائيل في تقديم نفسها باعتبارها لاعبا سياسيا مهما، وكمصدر لسلع وخدمات لا يستطيع العالم العربي تقديمها للهند، بدءا من صيانة وتحديث السلاح وانتهاء كقناة مرور سياسي مهمة إلى الولايات المتحدة والتكنولوجيات العسكرية الأمريكية. صحيح أن جزءا من هذه الخدمات يعود إلى العلاقة الخاصة لإسرائيل بالولايات المتحدة ولكن الجزء الأكبر منها يعود إلى ما تمتلكه إسرائيل من إمكانات علمية وتكنولوجية لا زال يفتقدها العالم العربي، ومن ثم فإن سؤالا مهما يجب طرحه دائما قبل تناول العلاقات الهندية مع الدول العربية ومع إسرائيل، وجنوحها إلى جانب إسرائيل: ما الذي تقدمه الدول العربية للهند؟ وما الذي تقدمه إسرائيل للهند؟

وواقع الأمر أن هذا لا يفسر فقط الانفتاح الهندي على إسرائيل، ولكنه يفسر أيضا انفتاح الكثير من القوى الآسيوية الأخرى عليها، مثل الصين واليابان

3- هذا لا يعني أن العلاقات الهندية بكل من الدول العربية وإسرائيل هي مباراة صفرية بالضرورة، أو أن الدول العربية تفتقد إلى وجود أوراق مهمة يمكن توظيفها مع الهند، إذا لا زالت هناك بعض مجالات التعاون المهمة بين الدول العربية والهند والتي تتراجع فيها كثيرا الأهمية النسبية لإسرائيل. وتحديدا هناك أربعة مجالات هي: سوق العمالة الخليجية الذي يمثل أحد الأسواق الخارجية المهمة للعمالة الهندية، والنفط العربي، والكتلة التصويتية العربية داخل الأمم المتحدة، وأخيرا السوق العربية الضخمة كوجهة للصادرات الهندية. ولكن تعظيم الاستفادة من هذه الأوراق يحتاج إلى رؤية سياسية عربية، وهو ما يصطدم بعقبات عديدة، أهمها أن معظم هذه الأوراق يتركز لدى دول الخليج العربية.
___________________
محمد فايز فرحات، باحث متخصص في الشؤون الآسيوية.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات







  رد مع اقتباس
قديم منذ /22-10-2011, 12:13 PM   #11

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الهند.. دولة الألفية الثالثة


الهند.. دولة الألفية الثالثة

جمعت الهند في تاريخها وحضارتها فسيفساء من الشعوب والأعراق والطوائف الدينية والثقافات، ولولا ما نالها من تقسيم وتقزيم وخلافات دينية وعرقية لكانت أصدق مثال على تعدد الحضارات وتعايشها. وبقي مثال التعدد في الهند الواحدة حيا في مخيلة الساسة الهنود الأوائل، لا سيما أمثال جواهر لال نهرو وأنديرا غاندي، وجسدوها في سياسة بلدهم وفي علاقاتهم الإقليمية والدولية، وأسهموا في تأسيس حركة عدم الانحياز بالتعاون مع الآخر أيا كان، كما تجنبوا الاحتراق بنار الحرب الباردة بين العملاقين السوفياتي والأميركي آنذاك.

وحافظ الساسة الهنود على موقع النصير للقضايا العادلة، فهم ممن ذاقوا ظلم المستعمر وقهره، وهو ما تجلى في نصرتهم للقضية الفلسطينية التي شكلت محورا مهما من محاور العلاقات العربية الهندية، التاريخية والمتشعبة. وهذه الصورة الذهبية التي تنتمي بمرجعيتها الثقافية والحضارية إلى الهند التاريخية وتعلو فوق جراح التقسيم -الأشد ألما في تاريخ أحداثها- لم تكن الوحيدة الحية في الجمهور الهندي، فبصمات المستعمر الإنجليزي والجراحات التي خلفها على الكيان الهندي، وما استتبعها من تقسيم وحروب وتداعيات، أخذت تدفع بالهند نحو زاوية صغيرة من جغرافيا السياسة والحضارة والدين، فأمست أكثر تصديقا للمعنى الهندوسي الديني بكل أبعاده رغم احتلال القوى المعتدلة حيزا مهما في خريطة القوى السياسية الهندية، والتي مازالت وفية للمؤسسين الأوائل. وأصبح المعبد لا يحلو له إلا أن يقبع على جثة المسجد، رغم أن العلمانية هي شعار الدولة وأس بنيانها.

وهند اليوم كيان ناهض، مسلح بقوة بشرية لا يستهان بها، فهي الثانية سكانيا بعد الصين، واقتصادها يشهد سباقا بين النمو والحاجات، وكأنه لا قدر له إلا الاندفاع إلى الأمام، فالعوز والفناء من ورائه، والبقاء في عالم الكبار من أمامه. ولعل نفس المنطق يتحكم بالقوة العسكرية الهندية، فهي تدرك أنها محاطة بجارتين نوويتين روسيا والصين، وأن لديها من الخلافات مع جيرانها (باكستان والصين) ما يكفي لتندفع في سباق محموم لتحافظ على تماسك بنيتها التسليحية وأمنها القومي، فضلا عن طموحاتها للسيطرة على المحيط الهندي تمهيدا لدور سياسي يليق بها، وأقله أن يكون لها مقعد دائم في مجلس الأمن على غرار ما للجارة غير الودود إستراتيجيا الصين.

فطموحات الهند وحاجاتها أعادت هيكلة كيانها وترتيب أولوياتها، فلم تعد العلاقة مع العرب والمنافع التي يقدمونها محورا دبلوماسيا عزيزا، لأن خيرهم فائض والحصول عليه متاح بالمجان، وعليه أصبحت العلاقة بل التحالف مع إسرائيل سيرا وفق معطيات المنطق الدولي الجديد الذي كرس الولايات المتحدة رأسا وإسرائيل ربيبة، فهما بالنسبة لها داعمان حقيقيان ضد الإرهاب، وما أحوجها إليهما لمحاربة ما تصفه بالإرهاب الكشميري، إلى جانب كونهما مصدرين مهمين للتسلح وخاصة في مواجهة الصين. وإن كان السقوط السوفياتي قد ذهب بمعظم إرث الحرب الباردة، فقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لتذهب بالبقية الباقية وتعلن حقبة جديدة ناسخة لما قبلها، واضعة الهند أمام مشهد جديد، وأمام عالم مفتوح يستقبل الأقوياء ويتجاهل الضعفاء.

فالألفية الثالثة استقبلت بحربين مدمرتين ولم تبدأ بالصلوات والتمتمات، ويبدو أن الهند عازمة على استثمار هذه التحولات كي تكون جزءا من هذه الألفية، ولو كان بالتلويح بحقها في أن يكون لها حربها الخاصة، أو سلاحها الذري الخاص، أو علاقاتها الخاصة بعيدا عن كل اعتبارات التاريخ والجغرافيا والإرث الحضاري الذي تحمله. كما أنها لا ترى ضيرا في أن تتصرف كالدول العظمى، لأنها تأمل أن تكون مثلها بالفعل.
المصدر: الجزيرة

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


الهند.. معلومات أساسية
* د. رجاء سليم

الموقع والمساحة

تعتبر جمهورية الهند سابع أكبر دولة من حيث المساحة في العالم، حيث تغطي مساحة شاسعة تبلغ 3.165.596 كم2 مما أدى إلى تسميتها شبه القارة الهندية، وهي تمتد بين خطي عرض 8.4 و37.8 درجة شمالا، وبين خطي طول 68.7 درجة و97.25 درجة شرقا، وتمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 3214 كم ومن الشرق إلى الغرب بطول 2933 كم. وتحدها باكستان من الشمال الغربي والصين وأفغانستان وبوتان ونيبال من الشمال، وميانمار وبنغلاديش وخليج البنغال من الشرق، وسريلانكا من الجنوب الشرقي عبر مضيق بالك، وتشكل جبال الهمالايا التي تعد أعلى جبال العالم) حدودها الشمالية. وتنقسم جمهورية الهند إلى ثلاثة أقاليم رئيسية، هي جبال الهمالايا وسهل جانجتيك Gangetic وشبه الجزيرة الهندية.

السكان

تعد الهند ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين. وطبقا لتقديرات عام 2001 بلغ عدد سكانها 1.029.99.100 نسمة. وبلغ معدل النمو السكاني 1.55%، بينما تبلغ الكثافة السكانية 325 لكل كم2. ويعيش حوالي 28% من سكانها في الحضر، بينما يعيش 72% في الريف، وذلك طبقا لتقديرات عام 1999. وإذا كانت الهند قد نجحت بعد الاستقلال في تخفيض نسبة من يعيشون تحت خط الفقر، إلا أنها مازالت عالية، حيث بلغت عام 1994 حوالي 35% من السكان. ومازالت هناك مناطق تعاني من قلة إمدادات المياه، لاسيما الأحياء الفقيرة في المدن، وفي العديد من القرى.

بلغ معدل الوفيات بين الأطفال طبقا لتقديرات عام 2001 حوالي 63 طفلا في الألف، وعدد من يملكون سيارات في الهند طبقا لتقديرات عام 1997، 7.7 لكل ألف من السكان، وعدد أجهزة الراديو لكل ألف من السكان 120 جهازا، وعدد من يملكون أجهزة تلفزيون 65 لكل ألف من السكان، وعدد من يملكون خطوط تليفون 27 لكل ألف من السكان، طبقا لتقديرات عام 1999.والهند دولة متعددة الأعراق. ويمثل الجنس الهندي 72% من عدد السكان، ويمثل الدرافيديان (Dravidian) م25% من السكان، بينما تمثل الأقليات الأخرى 3%، وتوجد مجموعات من السكان تصنفهم الحكومة على أنهم قبائل (ويطلق عليهم قبائل التلال) حيث يوجد منهم 300 قبيلة. وهذه القبائل منغلقة على نفسها اجتماعيا وتتمتع بحماية الحكومة. وقد قدر عدد سكان هذه القبائل عام 1991 بـ8% من سكان الهند. وكبرى هذه القبائل هي جوند Gond وبيل Bhil إذ يزيد عدد سكان كل منها عن مليون نسمة.

الديانة

يمثل الدين عاملا محوريا في حياة الشعب الهندي. ويدين حوالي 82% من سكان الهند بالهندوسية (وهي ديانة ترجع في أصولها إلى الهند). ويوجد حوالي 12% يدينون بالإسلام خاصة من بين سكان الحضر، و2.3% مسيحيون، و2% سيخ، و4% بوذيون، بالإضافة إلى أقليات تدين بديانات أخرى. وعلى الرغم من تعدد الأديان فإن الهند دولة علمانية كما جاء في مقدمة الدستور.

اللغة

اللغة الهندية هي اللغة الرسمية طبقا لما جاء في الدستور، حيث يتحدث بها حوالي 40% من السكان. ويوجد حوالي 1000 لغة ولهجة مستخدمة في الهند، منها حوالي 24 لغة لا يقل عدد المتحدثين بكل منها عن مليون نسمة، مثل اللغة البنغالية التي يتحدث بها حوالي 8% من السكان، والتلجو، والمارثية، والتامبلية، والأوردية، والكانادية، وماليالم، والسنسكريتية، والسندية، والكشميرية، والبنجابية، والأسامية، والنيبالية، والأورايا، هذا بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية.

الاقتصاد

الهند غنية بمواردها الطبيعية، حيث تتنوع الطبيعة فيها من الصحراء الجرداء إلى الغابات الاستوائية، كما أن بها العديد من الأنهار التي تنبع من الجبال الشمالية حاملة معها الطمي إلى السهول في أسفل. وتعتبر الأرض والمياه من أهم الموارد الطبيعية في الهند، حيث إن 54.3% من أرضها قابل للزراعة، كما أنها غنية بمصادر المياه العذبة. وتغطي الغابات حوالي 21.6% من مساحتها.ويمثل قطاع الزراعة بما فيه الغابات والصيد 27.7% من الناتج المحلي، ويعمل به حوالي 67% من القوى العاملة (تقديرات 1995). وأهم المحصولات الزراعية هي قصب السكر، والأرز، والقمح، والقطن، والجوت، والخضراوات، والتوابل. ويسهم قطاع الصناعة بـ 26.3% من الناتج الإجمالي المحلي، ويعمل به حوالي 13% من القوى العاملة. والهند غنية بالثروة المعدنية حيث يوجد بها الفحم والحديد الخام والبوكسيت والنحاس والبترول والغاز الطبيعي والرصاص والذهب والفضة والزنك. وأهم المصنوعات هي الغزل والنسيج والحديد والصلب والآلات ومعدات النقل والأسمدة وتكرير البترول والكيماويات وأجهزة الكمبيوتر. ويساهم قطاع الخدمات بحوالي 46% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل به حوالي 20% من القوى العاملة. وطبقا لتقديرات عام 1999 بلغ متوسط دخل الفرد 450 دولارا. والوحدة النقدية هي الروبية الهندية.

وأهم صادرات الهند هي: الأحجار الكريمة والحلي والآلات الهندسية والمنسوجات القطنية والمنتجات البحرية والجلود والشاي والفواكه والخضراوات والأدوات الكهربائية.

وأهم وارداتها: البترول ومنتجاته، الكيماويات غير العضوية، الحديد والصلب، الأسمدة، والبلاستيك. وأهم الدول التي تتبادل معها التجارة هي الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية، وبريطانيا، وبلجيكا، وروسيا.

التقسيم المحلي

الهند مقسمة إلى 28 ولاية وسبع مناطق اتحادية بما فيها مدينة دلهي. والعاصمة هي نيودلهي. وكبرى المدن هي بومباي ودلهي ومدراس وحيدر آباد.

التعليم

التعليم في الهند إجباري حتى سن 14 سنة، حيث إن مدة التعليم الإجباري ثماني سنوات. وطبقا لتقديرات عام 1996 بلغت تكلفة التعليم 3.2% كنسبة من الناتج الإجمالي القومي. وطبقا لتقديرات 1997 بلغ عدد التلاميذ 47 تلميذا لكل معلم. وعام 2001 بلغت نسبة المتعلمين في الهند حوالي 73%. وتدير الولايات نظام التعليم بها مع بعض المساعدة والإشراف من الحكومة المركزية. وسنوات التعليم تبلغ عشر سنوات للابتدائي والثانوي، وسنتين للتعليم الثانوي العالي، وثلاث سنوات للتعليم الجامعي. وبجانب التعليم الحكومي يوجد تعليم خاص في جميع مستويات التعليم من الابتدائي حتى الجامعي. وعام 1996 بلغ عدد المقيدين بسنوات التعليم قبل الجامعي حوالي 170 مليون تلميذ، في حين بلغ عدد المقيدين في التعليم العالي حوالي ستة ملايين طالب.

ومن الجدير بالذكر أن جامعات مثل كلكتا ومدراس وبومباي قد تم تأسيسها عام 1857، وإن كانت هناك بعض الكليات قد وجدت قبل هذا التاريخ. وقد بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الهند عام 2001 حوالي 5.5 ملايين ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى حوالي 25 مليونا عام 2005، ويظل هذا العدد قليلا إذا ما نسب إلى العدد الإجمالي لسكان الهند. وإن كان من بين مبررات ذلك ارتفاع معدلات الفقر في الهند، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية، ويكفي أن نعرف أن عدد أجهزة الحاسبات لكل ألف شخص بلغت 0.32 طبقا لتقديرات عام 2002.

الاشتراك في المنظمات الدولية

تلعب الهند دورا نشطا على المستوى الدولي والإقليمي حيث إنها عضو في الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة الـ77، ومجموعة الـ15، والمنتدى الإقليمي الآسيوي (ARF)، والسارك، والكومنولث البريطاني.
ـــــــــــــــ
* مدير إدارة الطلاب الوافدين، وزارة التعليم العالي، جمهورية مصر العربية.
المصدر: الجزيرة

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


تاريخ أهم الطوائف العرقية والدينية في الهند
* عاطف سعداوي قاسم

تتوزع الهند ما بين طوائف دينية وعرقية، ولكل منها تاريخ ثري، وأصالة عميقة الجذور.

- الطوائف العرقية في الهند
- الطوائف الدينية في الهند

أهم الطوائف العرقية في الهند

ينتمي سكان الهند إلى عدد من المجموعات العرقية وأكبر مجموعتين عرقيتين هما:

1-الدرافيديون (Dravidian) وهم أقدم الشعوب التي سكنت شبه القارة الهندية، والذين من المحتمل أن يكونوا من شعوب البحر المتوسط من ذوي البشرة السمراء، وجاؤوا إلى الهند من شمالها الغربي، وأسسوا حضارة مدنية في وادي نهر السند، ازدهرت حوالي عام 2500 قبل الميلاد، ويعتبر الدرافيديون ثاني أكبر عرقيات الهند من حيث العدد، حيث يصل عددهم إلى 257.5 مليون بما يمثل 25% من سكان الهند ويسكن معظمهم في جنوبي الهند.

2-الهنود الآريون (Indo-Aryan)توجد ثغرة واسعة بين عصر الدرافيديون، والعصر الذي وصلت فيه القبائل الهندية - الآرية إلى الهند عن طريق البنجاب عام 1500 ق.م، وجاءت هذه القبائل على الأرجح من المناطق الجنوبية من روسيا الحالية، وسكنت الهند، وكانت مميزة عن الشعوب التي كانت تسكن الهند أصلا بلون بشرتها الفاتح، وتنظيمها الاجتماعي وتقدمها من حيث استعمالها الأدوات الصناعية والزراعية، وتمكنت هذه الشعوب القادمة على مر القرون من الاستئثار ببعض أجزاء الهند الشمالية، ثم أخذوا ينتشرون جنوبا وأقاموا حضارة برهمية تشكلت فيها الأصول الأساسية للمذهب الهندوسي، ويسكن معظمهم حاليا في شمال الهند ويشكلون أكبر عرقيات الهند حيث يبلغ عددهم 741.6 مليون نسمة بما يمثل 72% من مجموع الشعب الهندي.
هذا بالإضافة إلى بعض العرقيات الأخرى صغيرة الحجم والتي لا تمثل مجتمعة أكثر من 3% من سكان الهند وأهمها هم المنغوليون (Mongoloid).

أهم الطوائف الدينية في الهند

1-الهندوس Hindus الهندوسية هي أقدم ديانات الهند وأكبرها من حيث عدد معتنقيها، ويمكن تقسيم الهندوس إلى ثلاث جماعات، من يعبدون الإلهة شيفا Shiva، ومن يعبدون الإله فيشنا Vishnu في تجسداته المختلفة، وأولئك الذين يعبدون الإله شاكتي، وللهندوسية عدة فرق أو جماعات لكل منها شكل عبادة خاص. في القرن التاسع عشر ظهرت عدة حركات إصلاحية هندوسية، نتيجة لاتصال الهند بالمسلمين أولا ثم بعد ذلك بالغرب، وأهم تلك الحركات الإصلاحية حركة "دام موهان روي" (1772-1833)م. وتقوم الحياة الاجتماعية للهندوس على فكرة الطبقات، وهو نظام قديم في الهند يسمى "فارنا" وبناء عليه يقسم المجتمع إلى الطبقة البيضاء وهي طبقة "البرهميين" وتضم القساوسة والعلماء، والطبقة الحمراء "الكاشتري" وهم الحكام والجنود والإداريون، الطبقة الصفراء "الفيزية" وهم الفلاحون والمزارعون والتجار، وأضيفت طبقة رابعة في ما بعد وهي الطبقة السوداء "السودرا" وهم العمال المهرة كالخزافين والنساجين وصانعي السلال والخدم، كما ظهرت طبقة خامسة أدنى من "السودريين" وهم من يقومون بالخدمات الحقيرة ويعاملهم "البرهميون" بقسوة ويتجنبون حتى لمسهم، ويعرف هؤلاء بالمنبوذين أو "الشودرا"، ورغم إلغاء هذه الطبقة قانونيا عام 1950 وإطلاق اسم أطفال الله عليهم فإنهم يحبذون تسمية أنفسهم بالمنبوذين. وللهندوسية أثر كبير في كل مظاهر الحياة الهندية، وينتشر الهندوس في جميع الولايات الهندية حيث يصل عددهم إلى 837.4 مليون نسمة بما يمثل 81.3% من مجموع الشعب الهندي، ويسيطر الهندوس على جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية منذ استقلال الهند عن بريطانيا في 15 أغسطس/ آب 1947.

البوذيون Buddhist

البوذية هي ثاني أقدم ديانات الهند بعد الهندوسية وهي حركة دينية هندية إصلاحية ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد، ومع ظهور أول إمبراطورية هندية خالصة "موريا" في عام 324 ق.م، أصبحت البوذية هي ديانة الهند الأساسية، تختلط في مظاهرها بالهندوسية، وبدأ البوذيون الذين يقوم مذهبهم على عدم الاعتراف بالآلهة، يعترفون بها ويتقربون إليها، لذلك لم تكن مظاهر البوذية خالصة للبوذية، بل كانت خليطا منها ومن الهندوسية، ومن هنا أخذت البوذية تتلاشى شيئا فشيئا، ويندمج اتباعها في تقاليد وطقوس الهندوسية وآلهتها حتى ظهرت البوذية بمظهر الهندوسية. الأمر الذي مهد السبيل لانحسار موجة البوذية من الهند ورجوع الهندوسية إلى مكانتها القديمة، بعد أن كانت البوذية الديانة الأولى في الهند خلال ألف سنة من ظهورها، ويصل عدد معتنقي المذهب البوذي في الهند حاليا حوالي 10.3 ملايين بما يمثل 1% من مجموع الشعب الهندي، ويعيش معظمهم في أعداد صغيرة بحبال الهيمالايا.

الجينيون Jain

الجينية هي إحدى الديانات المنتشرة في الهند، وإن كان أتباعها حتى الآن قليلين مثل البوذية، وقد قامت الجينية كما قامت البوذية في وقت ثارت فيه الطبقة المحاربة على البراهمة لاستحواذهم على جميع الامتيازات، وكان "مهاويرا" من هذه الطبقة المحاربة، فأسس هذه الديانة التي تختلف عن البرهمية الهندوسية، لا سيما في القول بتقسيم الناس إلى طبقات وفي عدم الاعتراف بآلهة الهندوسية الثلاثة، وعدم الاعتراف بمسألة تناسخ الأرواح، وأهم شيء في الجينية هو الدعوة إلى تجرد الإنسان من شرور الحياة وشهواتها حتى تدخل النفس حالة من الجمود والخمود لا تشعر فيها بأي شيء مما حولها. ورغم قلة عدد أتباع هذا المذهب في الهند حاليا، حيث يمثلون أقل من 1% من مجموع السكان إلا أن معظمهم من أغنى الأغنياء وأنجح الناس في التجارة والمداولات المالية، حتى إنهم يعتبرون اليوم من الطبقة العليا اجتماعيا واقتصاديا وأسهموا إسهاما لا يستهان به في تراث الهند الثقافي والعقلي.

المسلمون Muslim

ظل المسلمون يطرقون أبواب الهند إلى القرن الحادي عشر الميلادى، حيث استقر بعض مسلمي أفغانستان وإيران وآسيا الوسطى في الهند، إلى أن جاء عصر الحجاج بن يوسف الثقفي، وبدأت حملة قوية منظمة تتجه إلى الهند لفتحها فوجه الحجاج حملة قوية جعل على رأسها ابن أخيه الشاب محمد بن القاسم الثقفي وذلك سنة 711م واستطاع ضم معظم أجزاء الهند. إلا أن الفتوحات الإسلامية توقفت بعد ذلك تماما، حتى طرق بابها القائد الإسلامي التركي محمود الغزنوي الذي بدأ غزواته للهند في سنة 1001م، وظل يواصل غزواته بنجاح وأسس حكما إسلاميا قويا إلى أن توفي عام 1030م. وبعد وفاته تابع خلفاؤه من الملوك الغزنويين حكمهم لأرض الهند وتوسعهم في ضم أراض جديدة منها إلى حكمهم، فجاء بعده ولده مسعود فتابع سياسة والده في الفتح والتوسع، وبعد مقتل مسعود في عام 1040م جاء بعده ابنه "مودود" وسار سيرة أبيه وجده في التوسع بأرض الهند. ثم توالى الملوك الغزنويون على عرش الهند، إلا أن تناحرهم في ما بينهم أضعفهم وجعل البلاد التي فتحوها تتمرد عليهم، حتى سقطت عاصمتهم "غزنة" عام 1152م في عهد آخر ملوكها "بهرام شاه".

وبدأ بعد ذلك حكم الدولة الغورية للهند، بعد أن استولى شهاب الدين الغوري على لاهور في عام 1186، وبعد مقتل شهاب الدين في عام 1206 شغل الغوريون بالخلافات والحروب بينهم بشأن الملك، الأمر الذي أتاح "لقطب الدين أيبك" أن ينشأ دولة مملوكية مستقلة في الهند ليتولاها المماليك من أسرته. وبعد وفاة قطب الدين توالى المسلمون على حكم الهند دولة بعد دولة، فحكمتها دولة السلاطين الخلجية، ثم الدولة الطغلقية والدولة التمورية. وفي عام 1525م غزا المغول الهند بقيادة "بابر" وأسسوا إمبراطورية المغول العظيمة وبدأ حكم دولة إسلامية جديدة هي دولة المغول (1526-1707م). وبعد ذلك ضعف حكم المسلمين للهند إلى أن انتهى تماما على أيدي الإنجليز في عام 1857، أي أن الحكم الإسلامي للهند استمر لمدة ثمانية قرون ونصف. كانت الشريعة الإسلامية هي الأساس العام لحكم البلاد. ويبلغ عدد المسلمين في الهند حاليا حوالي 123.5 مليون نسمة، يمثلون 12% من سكان الهند، وينقسمون ما بين شيعة وسنة، وينتشر المسلمون في جميع أنحاء الهند لا سيما في مدن الشمال التي يمثل المسلمون ما يقرب من ثلثي سكانها. بالإضافة إلى جامو وكشمير وجزيرة لاكشاد دويب التي يمثل المسلمون نحو ثلثي سكانها، في حين يعيش ما يقرب من ربع مسلمي الهند في ولاية "أوتار براديش".

السيخ Sikh

إحدى الديانات الهندية، يطلق معتنقوها على أنفسهم اسم السيخ، وتعني كلمة السيخ التابع، فهم يتبعون تعاليم 10 معلمين روحيين ويحتوي كتاب السيخ المقدس المعروف باسم "غودو حرانت حاهب" على تعاليم هؤلاء العشرة، وبدأ أول معلم سيخي ويدعى "ناناك" بوعظ حوالي 500 فرد، وقد عارض كلا من الهندوسية والإسلام واعتنقت السيخية الاعتقاد الهندوسي في التناسخ. وبعد وفاة ناناك كون السيخ قوة عسكرية للدفاع عن أنفسهم، ففي عام 1699م قاد "جونبدس ينج"، المعلم العاشر، مجموعة من الجنود السيخ في عدة معارك من أجل تحقيق الاستقلال الديني، وحارب السيخ لإقامة مملكة مستقلة حتى عام 1849م عندما غزتهم بريطانيا. وبعد استقلال الهند عام 1946 طالب السيخ بولاية خاصة بهم في الهند. وفي عام 1966 أقامت الحكومة الهندية ولاية البنجاب التي يحكمها السيخ جزئيا، حيث تقع المدينة المقدسة للسيخ "أمرتسار" في هذه الولاية. وفي عام 1980 اتجهت بعض جماعات السيخ إلى القيام بأعمال عنف وتصاعدت حوادث الاقتتال الطائفي بين الهندوس والسيخ في مقاطعة البنجاب. مع ارتفاع أصوات السيخ في الإصرار على مواصلة النضال المسلح من أجل تحقيق حلمهم الكبير في تأسيس دولة السيخ المستقلة "خالستان"، الأمر الذي دعا الحكومة الهندية إلى إرسال قواتها إلى البنجاب في عام 1984. وتبلغ نسبة السيخ 1.9% يعيشون في المناطق الريفية في إقليم البنجاب.

المسيحيون Christian

بدأت المسيحية تنتشر في الهند مع البعثات التجارية الغربية، وبعد دخول الإنجليز واهتمامهم بنشرها، وهي في الجنوب أكثر منها في الشمال، وهذا لا ينفي وجود بعض أتباع للمسيحية قبل دخول الإسلام، ويقدر عددهم بـ23.6 مليون نسمة بما يمثل 2.3% من مجموع السكان، ويعيشون في المناطق الحضرية ويتركزون في ولاية كيرالا، وتاميل نادوا وجياو، ويشكل المسيحيون أغلبية في ثلاث ولايات صغيرة في الشمال وهي "ناجلاند"، "ميزورام"، و"ميغالايا".
ـــــــــــــــ
* باحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
المصدر: الجزيرة

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


أهم الأحداث في تاريخ الهند الحديث والمعاصر

* نيللي كمال محمد : تعرضت الهند لأحداث جسام كان أبرزها الاستعمار البريطاني وما تلاه من نضال من أجل الاستقلال، في حين كان أعظمها أثراً انفصال باكستان عنها.

فترة ما قبل الاحتلال البريطاني للهند

1498نجاح المكتشف البرتغالي فاسكو دي غاما في الإبحار والوصول لأول مرة إلى الهند.

1774تعيين أول حاكم بريطاني للهند، وارين هاستينغس الذي عينته بريطانيا ليكون مسؤلاً أمامها.

فترة الاحتلال البريطاني للهند

1875سيطرت الحكومة البريطانية على الهند ووضعتها تحت الاحتلال المباشر، وقضت على شركة الهند الشرقية البريطانية، مما أدى إلى اتساع حدود الهند بحيث اشتملت على ما يعرف الآن بباكستان وبنغلاديش وميانمار وسريلانكا.

1876وضعت الهند تحت التاج البريطاني، وأصبحت الملكة فيكتوريا إمبراطورة على الهند.

1885نشأة المؤتمر الهندي الوطني كمنتدى لدعم المقاومة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.

1914-1918شارك حوالي 75 ألف جندي هندي في الحرب العالمية الأولى لدعم جهود بريطانيا في مناطق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

1916شكل محمد علي جناح "مؤتمر الرابطة الإسلامية"

1917إعلان سياسة جديدة للهند تتضمن تدعيم استقلالية المؤسسات داخل الهند، وزيادة مسؤوليات حكومة الهند كجزء من الإمبراطورية البريطانية.

1919أصدرت الحكومة الهندية قانوناً يقر بتوسيع حجم السيطرة الهندية على بعض القطاعات التنفيذية، وزيادة نسبة تمثيل الهنود في المجلس التشريعي المركزي.

1919القوات البريطانية تفتح النار على الهنود، وتقتل حوالي 400 شخص أثناء تجمع للاحتفال السلمي بأحد المهرجانات الهندوسية.

1920حول المهاتما غاندي المؤتمر القومي من حزب للقادة يتم اختيارهم سنوياً إلى حركة شعبية يسمح لجميع الهنود بالانضمام إليها.

1920-1922الزعيم الوطني غاندي يطلق حركة عصيان مدني ضد الاحتلال البريطاني.

1930تزعم غاندي حركة للعصيان المدني، لمعارضة الضرائب التي تفرضها الحكومة البريطانية على المواطنين في الهند.

1931أصبحت نيودلهي عاصمة الهند، ومقراً للحكومة الهندية.

1935البرلمان البريطاني يوافق على قانون الحكومة الهندية الذي يتضمن استقلال الأجهزة التشريعية في الهند، وحماية الأقليات المسلمة، وتحويل الهند إلى النظام الفدرالي.

1942-1943المؤتمر الوطني الهندي بزعامة المهاتما غاندي يطلق حركة تحرير الهند.

مرحلة الاستقلال

1947انتهاء الاحتلال البريطاني وتقسيم شبه الجزيرة الهندية، لتسيطر الأغلبية الهندوسية على الهند وتسيطر الأغلبية المسلمة على باكستان.

1948
- اغتيال الزعيم الهندي المهاتما غاندي على يد متطرف هندوسي، ويخلفه جواهر لال نهرو.
- أصبح الشيخ عبد الله أول رئيس وزراء على كشمير بمقتضى اتفاق عقده مع جواهر لال نهرو.
- الحرب الأولى بين الهند وباكستان بسبب النزاع حول إقليم كشمير.

1950إعلان بدء العمل بالدستور الهندي الذي يقر نظام الاتحاد الفدرالي ويقسم الهند إلى ولايات، كما أقر النظام البرلماني، بالإضافة إلى احتوائه على قائمة بالحقوق الأساسية مثل حرية الصحافة والتنظيم.

1951-1952فوز حزب المؤتمر الوطني الهندي بزعامة جواهر لال نهرو في أول انتخابات عامة في الهند بعد الاستقلال.

1956
- استردت الهند الأقاليم التي كانت تحت السيطرة الفرنسية.
- قامت لجنة "إعادة تنظيم الولايات" بإعادة ترسيم الحدود الداخلية للهند على أساس الاختلافات اللغوية.

1962نزاع على الحدود بين الهند والصين أدى إلى اشتعال حرب انتهت بخسارة الهند.

1964وفاة جواهر لال نهرو ليخلفه لال بهادر شاستري.

1965الحرب الهندية الباكستانية الثانية بسبب النزاع حول إقليم كشمير، وتوسط الاتحاد السوفياتي السابق لوقف إطلاق النار.

1966أصبحت أنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند لتكون بذلك ثالث رئيس للوزراء، واستمرت في الحكم مدة 15 عاماً.

1971
- الحرب الهندية الباكستانية الثالثة حول بنغلاديش التي كانت تعرف بباكستان الشرقية.
- وقعت الهند معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفياتي السابق مدتها 20 عاماً.
- أجرت الهند أول تفجير نووي.

1974أعلنت الهند بعد تجربتها النووية الأولى توقفها عن إجراء تجارب أخرى. وأدت التجارب النووية إلى إشعال سباق التسلح بين الهند وباكستان.

1975إعلان أنديرا غاندي حالة الطوارئ في البلاد بعد التلاعب بنتائج الانتخابات.

1975-1977الحكم بالسجن على ما يقرب من ألف معارض سياسي.

1977خسر حزب المؤتمر الوطني الهندي بزعامة أنديرا غاندي الانتخابات.

1980فوز حزب المؤتمر الوطني الهندي في الانتخابات، وعودة أنديرا غاندي إلى السلطة.

1983وضعت الحكومة الهندية برنامجا متكاملا لتصنيع الصواريخ البالستية والموجهة، ليتم إدخالها الخدمة الفعلية في مناطق التوتر على الحدود الهندية الباكستانية.

1984
- يقتل الجيش الهندي حوالي ألف من السيخ، ويدمر مجموعة من المقدسات الدينية السيخية.
- ثورة جماعات من السيخ في المعبد الذهبي (من أهم مقدسات السيخ) للضغط من أجل الحكم الذاتي.
- اغتيال أنديرا غاندي على يد مجموعة من السيخ من أفراد الأمن المسؤولين عن حراستها.
- تولي راجيف غاندي رئاسة الوزراء.

1987استردت الهند آخر إقليم محتل، وهو إقليم غووا Goa الذي كان تحت السيطرة البرتغالية، ثم أصبح ولاية في الاتحاد الفدرالي للهند.
1987أرسلت الهند قواتها لسريلانكا محاولة إخماد ثورة متمردي التاميل. ظل الصراع مستمراً، رغم توقيع اتفاقية لوقف العنف، مما أدى إلى استمرار تورط القوات الهندية في تلك الحرب.

1990انسحاب القوات الهندية من سريلانكا.

1991
- اغتيال راجيف غاندي، إثر انفجار نفذه أحد متطرفي سريلانكا أثناء قيامه بإحدى الحملات الانتخابية. خلفه ناراسيما راو الذي حكم الهند في الفترة من 1991 إلى 1996.
- بدأ رئيس الوزراء ناراسيما راو برنامج الإصلاح الاقتصادي.

1996يواجه حزب المؤتمر الوطني الهندي هزيمة كبيرة بفقده الأغلبية في الانتخابات واستقالة راو كرئيس للوزراء، بعد ظهور حزب BJP بهاراتيا جاناتا الهندوسي كأكبر حزب منفرد، ويصبح فاجبايي رئيساً للوزراء.

1998
- فوز حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي بزعامة فاجبايي وتشيكله حكومة ائتلافية. وتعهد فاجبايي في برنامجه الانتخابي بتحويل الهند إلى قوة نووية بمجرد وصوله إلى السلطة.
- الهند تجري خمس تجارب نووية مما أدى إلى موجة عالية من الإدانات الدولية.

1999
- توقيع إعلان لاهور بين الهند وباكستان بعد محادثات استغرقت عدة شهور، عبر الإعلان عن التزام الدولتين بالعمل على تحسين العلاقة بينهما.
- تصاعد التوتر في آلتي مما أدى؟؟ إلى حرب قصيرة مع القوات الباكستانية.
- يجتاح إعصار مدمر ولاية أوريسّا، مما أدى إلى وفاة 10 آلاف شخص.

2000
- يسجل تعداد السكان في الهند المليار نسمة.
- اشتباكات بين القوات الهندية والقوات الباكستانية في إقليم كشمير.

2001
- يضرب زلزال مدمر ولاية كوجرات، ويؤدي إلى وفاة 30 ألف شخص.
- اشتباك على الحدود المشتركة للهند وبنغلاديش يؤدي إلى مقتل 16 هنديا وثلاثة بنغاليين.
- الولايات المتحدة الأميركية ترفع العقوبات التي فرضتها على كل من الهند وباكستان بعد إجرائهما تجارب نووية سنة 1998. واعتبر هذا التغير الأميركي مقابل دعم الهند وباكستان للحرب الأميركية ضد ما يسمى بالإرهاب.
- الهند تطلق النار على القوات العسكرية الباكستانية على طول خط الهدنة في كشمير.
- انعقدت قمة آغره بين الهند وباكستان بحضور كل من رئيس وزراء الهند أتال بيهاري فاجبايي والرئيس الباكستاني برويز مشرف، إلا أنها فشلت في تحقيق أي نجاح أو تطور بسبب تباين وجهات النظر بشأن كشمير وانعدام الثقة بين البلدين.
- جماعة كشميرية مسلحة تهاجم مبنى البرلمان الهندي بالقنابل، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والمصابين من رجال الشرطة والمدنيين.
- الهند تفرض عقوبات على باكستان باعتبارها المسؤولة عن الهجوم الانتحاري على البرلمان الهندي في نيودلهي، والتصرف بشأن الجماعتين الكشميريتين اللتين تحملهما الهند مسؤولية العملية. ردت باكستان بعقوبات مماثلة، ومنعت نشاط الجماعتين.

2002
- تصاعد التوتر بين الهند وباكستان بسبب الخلاف حول كشمير. قامت عناصر من المعارضة الكشميرية بتنفيذ انفجار بحافلة هندية وثكنة عسكرية تابعتين للجيش الهندي، مما أدى إلى سقوط 35 قتيلاً.
- نجحت الهند في إجراء تجربة اختبرت فيها الصاروخ البالستي آغني على الساحل الشرقي للهند.
- تعرض لإطلاق نار قطار يقل هندوسا قادماً من بيلغريماج إلى أيوديا. وقتل الجانب الهندوسي حوالي 800 مسلم في الشهرين التاليين لحادث القطار.
- اتهمت الهند الفصائل الكشميرية المعارضة بقتل أكثر من 30 هنديا في معسكر للجيش الهندي بكشمير.
- اغتيال أحد زعماء المعارضة الكشميرية عبد الغني لون، بطلق ناري، أثناء أحد الاجتماعات بسرينغار.
- الهند تتهم باكستان بتصعيد التوتر بين البلدين بعد إجرائها ثلاث تجارب نووية لصواريخ متوسطة المدى لها القدرة على حمل رؤوس نووية.
- الهند تتهم باكستان بارتكاب "إرهاب عبر الحدود"، وترفض عقد أي مباحثات مع باكستان أو أي تراجع عسكري قبل أن تتوقف باكستان عن ذلك.
- رفض رئيس وزراء الهند فاجبايي لقاء الرئيس الباكستاني برويز مشرف، على هامش مؤتمر الأمن الإقليمي بالعاصمة التجارية لكزاخستان ألماآتا.
- الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، تحثان مواطنيهما على ترك الهند وباكستان، وتبذلان جهوداً دبلوماسية في محاولات لتفادي الحرب بين الهند وباكستان.
ـــــــــــــــ
* باحثة بمركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
- أهم المصادر:
1- السياسة الدولية، عدد 146، (القاهرة)، 2001، ص ص 48-77.
2- السياسة الدولية، عدد 149، (القاهرة)، 2002، ص ص 148- 153.
3- Encarta Encyclopedia, Microsoft Corporation, 2001
المصدر: الجزيرة

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


خريطة القوى السياسية في الهند

* أحمد عبد الحافظ : الهند هي اتحاد بين عدد من الولايات، وتوصف بأنها أكبر ديمقراطية في العالم من حيث عدد الناخبين، وتعتمد مبدأ الفصل بين السلطات، وتتعدد فيها الأحزاب وتتوزع توجهاتها باتجاهات شتى.

- السلطة التنفيذية
- السلطة التشريعية
- الحكومات المحلية
- الأحزاب السياسية

السلطة التنفيذية

رئيس الدولة

رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية في الهند، ويماثل دوره دور الملك في النظام الملكي البريطاني. لكن الخبرة الهندية تشير إلى نجاح بعض الرؤساء في الحصول على بعض السلطات وممارستهم أحياناً نفوذاً مهماً في القرارات الحكومية. وينتخب الرئيس لفترة رئاسية -يمكن تجديدها- مدتها خمس سنوات من خلال مجمع انتخابي يضم الأعضاء المنتخبين من المجالس التشريعية القومية والمحلية. وينتخب نائب الرئيس بنفس الطريقة ويتولى مهام الرئيس في حال عجزه عن القيام بها.

مجلس الوزراء

يتولى رئيس الوزراء رئاسة مجلس الوزراء. ويختار المجلس -المسؤول أمام البرلمان- بواسطة رئيس الدولة بناء على توصية رئيس الوزراء، ويترأس كل عضو فى المجلس قسما إداريا في الحكومة المركزية، فنظام الحكومة الهندية يماثل نظيره البريطاني. وهناك تقسيم دستوري للمسؤوليات بين الحكومة القومية وحكومات الولايات ولهذا فإن الحكومة القومية لها سلطات موسعة في مجالات مثل السياسة الخارجية، في حين أن الولايات مسؤولة عن نظم الرعاية الصحية والتنمية الزراعية، وبعض المجالات تشكل مسؤولية مشتركة مثل التعليم.

السلطة التشريعية

تتمثل السلطة التشريعية في مجلسين: المجلس الأدنى هو "لوك سابها" أو مجلس الشعب، والمجلس الأعلى هو "راجيا سابها" أو مجلس الولايات.

مجلس الشعب "لوك سابها"

يضم لوك سابها 545 عضواً يتم انتخابهم بالاقتراع العام المباشر، فيما عدا عضوين يعينهما رئيس الدولة لتمثيل مجتمع الهنود الإنجليز. يتناسب عدد المقاعد المخصصة لكل ولاية واتحاد إقليمي مع عدد السكان. مدة دورة المجلس خمس سنوات، لكن الرئيس يمكنه حل المجلس بناء على توصية رئيس الوزراء، أو نتيجة سحب الثقة من الحكومة.يشغل مانوهار جوشي منصب رئيس لوك سابها وهو من حزب شيف سينا. أما زعيم الأغلبية فهو أتال بيهاري فاجبايي في حين تقود سونيا غاندي المعارضة في المجلس.

ويبين الجدول التالي نصيب الأحزاب الهندية من مقاعد لوك سابها بعد انتخابات 1999:

الحزب... عدد المقاعد... زعيم الحزب
بهاراتيا جاناتا ... ..181 ... أتال بيهاري فاجبايي
المؤتمر القومي الهندي.... 112.. سونيا غاندي
الحزب الشيوعي الماركسي... 33.. سومنات شاتيرجي
تلجو ديسام... 29 ... ك. يرانايدو
حزب ساماجوادي...27 ...مولايام سينغ ياداف
شيف سينا...15... أنانت ج. جيت
باهوجان ساماج... 14 ...كوماري ماياواتي
درافيدا مونيترا كازاجام...12...موراسولي ماران
جاناتا دال (ساماتا)...12... جورج فرنانديز
أنا درافيدا مونيترا كازاجام...11...بي. أتش. بانديان
بيجو جاناتا دال...10... أرجون شاران سيتي
مؤتمر ترينامول كل الهند...9...كوماري ماماتا بانيرجي
حزب المؤتمر القومي...8...شاراد باوار
راشتريا جاناتا دال...7...د. راغوفانش براساد سينغ

مستقلون...

6 ... جاناتا دال المتحد
6...دافندرا براساد ياداف- لوك دال القومي الهندي
5... د. سوشيل كومار إندورا
المؤتمر القومي لجامو وكشمير...5...علي محمد ناك
بتالي ماكال كاتشي...5... بي. إلانجوفان
لوك جان شاكتي...4...رام فيلاس باسوان
مارومالارشي درافيدا مونيترا كازاجام... 4 ...فايكو
الحزب الشيوعي الهندي...3...-
الحزب الاشتراكي الثوري...3...سانات كومار ماندال
جبهة تقدم كل الهند...2...أمار روي براادهان
مؤتمر أخيل بهاراتيا لوك تانريك...2...شاندرا فيجاي سينغ
جاناتا دال (علماني)...2...هاريبهاو شانكار موهال
الرابطة المسلمة للجنة ولاية كيرالا.....2...جي. أم. باناتوالا
راشتريا لوك دال...2...أجيت سينغ
شيروماني أكالي دال...2...تارلوشان سينغ تور
مجلس اتحاد مسلمي كل الهند...1...سلطان صلاح الدين أويسي
بهاريبا باهرجان ماهاسانغا...1...براكاش أمبيدكار
الحزب الشيوعي (التحرير الماركسي اللينيني)...1...د. جاياناتا رونجبي
مؤتمر هيماشال فيكاس...1...د. دهاني رام شانديل
جهارخاند موكتي مورشا...1...شيبوسورن
مؤتمر كيرالا...1...ك. فرانسيس جورج
مؤتمر كيرالا أم...1...بي سي توماس
مؤتمر ولاية مانيبور...1...شاوبا سينغ
حزب فلاحي وعمال الهند...1...رامشيت تاكور
شيروماني أكالي دال...1...سيمراجيت سينغ مان
جبهة سيكيم الديمقراطية...1..بهيم براساد داهال
ساماجوادي جاناتا (راشتريا)...1-
إجمالي عدد المقاعد...545

مجلس الولايات "راجيا سابها"

ينتخب أعضاء "راجيا سابها" بواسطة أعضاء المجالس التشريعية بالولايات فيما عدا اثني عشر عضواً يعينهم الرئيس ممن يملكون معرفة خاصة أو خبرة عملية في الأدب والفنون والعلوم والخدمات الاجتماعية. يختار الأعضاء المنتخبون بنظام التمثيل النسبي لدورة مدتها ست سنوات. يتم انتخاب ثلث أعضاء "راجيا سابها" كل عامين. أغلبية الثلثين مطلوبة لبعض التعديلات الدستورية، وبعضها يتطلب أيضا تصديق نصف الولايات. يشغل كريشان كانت منصب رئيس راجيا سابها.

الحكومات المحلية

تتكون الهند من اتحاد 28 ولاية وسبعة أقاليم اتحادية. يتم تشكيل حكومات الولايات بعد تشكيل الحكومة المركزية، وكل ولاية من الولايات لها تشريع يحكم شؤون الولاية، أما إقليما دلهي وبونديشيري الاتحاديان فلهما تشريعاتهما الخاصة. هذه الوحدات الثلاثون يترأس كلا منها حاكم يعينه رئيس الهند لمدة خمس سنوات. تشبه اختصاصات هؤلاء الحكام اختصاصات رئيس الدولة، وأهم مهام الحاكم دعوة رئيس الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات التشريعية للولاية إلى تشكيل حكومة الولاية.

الأحزاب السياسية

اتضح من الجدول السابق إلى أي مدى تتعدد الأحزاب في الهند، وسوف يتم التركيز على أهم ثلاثة أحزاب في الوقت الراهن بالإضافة إلى أحد الأحزاب الصغيرة.

حزب بهاراتيا جاناتا

أصبح بهاراتيا جاناتا يحقق صعوداً ثابتاً منذ انتخابات 1986 ونجح في نشر أجنحته عبر الهند، وباستثناء الإقليم الشمالي الغربي ظهر كحزب تصعب هزيمته. لكن جذور الحزب تعود إلى ما قبل ذلك، ففي عام 1977 تشكل حزب يسمى جاناتا (الشعب) وكان تحالفا لأحزاب المعارضة التي سعت لهزيمة حزب المؤتمر وإلغاء حالة الطوارئ التي أعلنتها رئيسة وزراء الهند آنذاك أنديرا غاندي عام 1975. بعد الفوز في انتخابات 1977 وإلغاء قوانين الطوارئ، تفكك التحالف عام 1979.
انبثق عن جاناتا حزبان هما: جاناتا دال (حزب الشعب) وهو حزب علماني اشتراكي يتوجه للطبقات الفقيرة والمسلمين. وحزب بهاراتيا جاناتا الذي يؤكد على القومية الهندية ويدعم الأهداف الاقتصادية الاشتراكية. جاء تميز بهاراتيا جاناتا في انتخابات عام 1996 عندما ظهر ليكون أكبر حزب من حيث عدد المقاعد في البرلمان، وتمت دعوة زعيمه أتال بيهاري فاجبايي لتشكيل الحكومة. ورغم ذلك لم ينجح الحزب في حشد الدعم وقدم فاجبايي استقالته، وتمت الدعوة لانتخابات جديدة في عام 1998. خاض الحزب انتخابات 1998 بإستراتيجية جديدة، مشكلاً تحالفات مع عدد من الأحزاب الإقليمية، وفاز التحالف بـ 266 مقعدا، لكن سرعان ما نشب الخلاف بين أعضاء التحالف حول بعض المناصب الوزارية. في عام 1999 خاض بهاراتيا جاناتا الانتخابات كشريك أساسي في التحالف الوطني الديمقراطي الذي ضم معه 13 حزبا هي: شيفسينا، درافيدا مونيترا كازاجام، لوك دال القومي الهندي، ماروما لارشي درافيدا مونيترا كازاجام، مؤتمر أروونانشال، حزب جانترانتريك باهوجان ساماج، حزب ساماتا، بيجو جاناتا دال، تلاجو ديسام، لوك شاكتي، أكالي دال، بتالي ماكال كاتشي، مؤتمر لوكترانتيك.

المؤتمر القومي الهندي

هو أقدم حزب سياسي في الهند حيث تأسس عام 1885، وقاد كفاح الهند نحو الاستقلال. ضمت عضويته شخصيات بارزة مثل غاندي ونهرو. وقدم الحزب -باستثناءات قليلة- رؤساء الوزراء للدولة حتى منتصف التسعينيات من القرن العشرين، ويركز الحزب على النهج العلماني للدولة والطابع الديمقراطي، ومنذ عام 1948 رفع شعار الاشتراكية، وإن كان الحزب قد انتهج منذ أوائل التسعينيات سياسة الإصلاح الاقتصادي. أدت حالة الطوارئ التي أعلنتها أنديرا غاندي عام 1975 إلى مولد العديد من الأجنحة المعارضة للمؤتمر. وفي عام 1984 اغتيلت غاندي، واستغل راجيف غاندي موجة التعاطف الواضحة واكتسح الانتخابات التي أجريت في العام نفسه. وقاد اغتياله هو الآخر إلى عودة المؤتمر للسلطة في عام 1991، وكان ناراسيما راو رئيساً للوزراء. لكن شعبية الحزب تدهورت مع تورط قادته -بما فيهم راو نفسه- في شراء الأصوات أثناء اقتراع للثقة واتهامات أخرى بالفساد.

الحزب الشيوعي (الماركسي) الهندي

يحظى الحزب الشيوعي (الماركسي) الهندي بالدعم من العمال في الريف والحضر. وكان الحزب قد تأسس عام 1964 عقب انقسام في الحزب الشيوعي الهندي، واستطاع أن يؤسس قواعد تصويتية قوية في كيرالا، والبنغال الغربي، وتريبورا، وآندرا براديش، وآسام. مع مرور الزمن خفف الحزب من نبرة أيديولوجيته الماركسية وخاض الانتخابات متحالفاً مع أحزاب يسارية أخرى. في البنغال الغربي أصبحت حكومة الجبهة اليسارية بقيادة الحزب الشيوعي الماركسي في السلطة منذ عام 1977، وفي كيرالا تدخل الجبهة السلطة وتخرج. ويشترك الحزب مع حزب المؤتمر في النظر إلى بهاراتيا جاناتا باعتباره حزباً طائفيا.

الحزب الشيوعي الهندي

تأسس الحزب في 26 ديسمبر/ كانون الأول 1925 وبدأ العمل قانونياً منذ يوليو/ تموز 1942 عندما رفع الحظر عن الحزب. ويعتمد الحزب على منظمات جماهيرية لأنشطته، ويلقى دعما في البنغال الغربي وكيرالا وتريبورا. يختلف الحزب عن الحزب الشيوعي الماركسي في أولويات سياسته حيث يفضل الالتزام بأيديولوجيته، وهو ما يظهر في موقفه المعارض لبهاراتيا جاناتا رغم التغير في علاقاته بالأحزاب الأخرى.
ـــــــــــــــ
* معيد بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
المصدر: الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /22-10-2011, 05:17 PM   #12

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تطور الاقتصاد الهندي


تطور الاقتصاد الهندي

* عبد الرحمن عبد العال: في تصريح له دلالته لمهندس عملية الإصلاح الاقتصادي مانموهان سينغ وزير المالية الأسبق في حكومة ناراسيما راو (1991-1996)، يقول فيه "لو أنك في عام 1960 سألت أي شخص في العالم عن الدولة التي يتوقع أن تكون على قمة رابطة دول العالم الثالث في عام 1996 أو 1997، فإن الهند كانت ستوضع في مقدمة هذه التوقعات". وتسعى هذه الدراسة لمناقشة قضية التطور الاقتصادي في الهند، من خلال النقاط التالية:

- فلسفة التنمية الاقتصادية في الهند
- تطور أداء الاقتصاد الهندي
- آفاق النمو في الاقتصاد الهندي

فلسفة التنمية الاقتصادية في الهند

استندت هذه الفلسفة التي صاغها نهرو عشية حصول الهند على استقلالها إلى ركيزتين متكاملتين، وهما: التخطيط، وتكامل جهود القطاعين العام والخاص في التنمية.

ومن المعلوم أن هذا النمط التنموي الموجه كان يحظى في حينه بتوافق عام داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الهندية، استنادا إلى أن الدولة وحدها في ذلك الوقت هي التي كانت تمتلك القدرة على تعبئة الموارد الضرورية لإرساء الأساس اللازم لعملية التحديث والتصنيع. ويرى كثير من الخبراء الهنود والأوروبيين أن هذا النمط التنموي الموجه ظل يعمل بكفاءة طيلة فترة حكم نهرو، حيث نجح في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، فضلا عن تحقيق قدر كبير من الحرية للاقتصاد الهندي في مواجهة التبعية الخارجية. ويذهب البعض إلى أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما كانت تتمتع به النخبة الهندية في ذلك الوقت من رؤية للتحديث، مما ساعدها على التوظيف الأمثل لموارد الدولة المتاحة واستثمارها في القطاع العام الصناعي. ومع هذا تظل نقطة الضعف الأساسية في هذا النمط التنموي في أنه لم يكن مصمما على افتراض ضرورة التصدير للأسواق الخارجية، استنادا إلى اتساع السوق الداخلي الهندي والوفاء باحتياجاته من السلع والخدمات. وبالتالي فإن بؤرة تركيزه انصبت على تحقيق طفرة إنتاجية كمية وليست نوعية عالية للصناعة الهندية، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية. ومما لا شك فيه أن ذلك حمل في طياته بذور أزمة هذا النمط التنموي.

”التحولات الاقتصادية العالمية فرضت على الهند إعادة النظر في نموذجها التنموي المتبع منذ الاستقلال والذي لم يكن قائماً على ضرورة التصدير الخارجي”

أزمة النموذج التنموي الهندي

في عام 1991 واجه الاقتصاد الهندي أزمة غير مسبوقة. ويرى كثيرون أن بوادر أزمة هذا النموذج التنموي ترجع إلى منتصف الستينيات، مع جمود الدولة الهندية وعجزها عن الاستجابة السريعة للتطورات الاقتصادية الدولية، وبخاصة ذات الصلة منها بتغير طبيعة الرأسمال الأجنبي والشركات متعددة الجنسيات، وهو الأمر الذي قاد بدوره إلى ثورة غير متوقعة في التجارة العالمية، حيث تضاعفت نسبة الإنتاج العالمي المخصص للتصدير خلال الفترة 1965-1990. بل والأهم من ذلك أن بلدان العالم الثالث تمكنت من مضاعفة نسبة صادراتها الصناعية في التجارة العالمية من 5% عام 1970 إلى 10% عام 1983.

ومع أن هذه التحولات الاقتصادية العالمية كانت تفرض على الهند إعادة النظر في نموذجها التنموي المتبع منذ الاستقلال، فإن الهند اتجهت بدلا من ذلك إلى تشديد إجراءات القبضة الحكومية على نواحي الاقتصاد المختلفة، بكل ما استتبع ذلك من عمليات تأميم وتوسيع للقطاع العام ليشمل إنتاج السلع الأساسية وغير الأساسية. وفي هذا الخصوص أشارت بعض الدراسات إلى أنه في الوقت الذي نجحت فيه دول جنوب شرق آسيا في تطوير تدخلها في النشاط الاقتصادي ليكون تدخلا إستراتيجيا لتعظيم مكاسبها من مزايا عملية تدويل الإنتاج والتدفقات الرأسمالية الدولية, فإن الهند فوتت على نفسها فرصة الاستفادة من تلك المزايا من خلال تدخلها التفصيلي في الاقتصاد والمعوق للمنافسة. ورغم بعض المحاولات التي بذلت خلال عقد الثمانينيات وبخاصة من قبل راجيف غاندي لاستدراك هذا الوضع للاقتصاد الهندي، فإنها جاءت متذبذبة ولم تؤت ثمارها إلى حد كبير بسبب معارضة جماعات المصالح الداخلية لها، خاصة أنها لم تمس قطاعي البنوك والتأمين. وعلى هذا، قاد التزمت الأيديولوجي وضعف الإرادة السياسية من قبل القيادات الهندية منذ منتصف الستينيات إلى أزمة الاقتصاد الهندي في عام 1991، وإلى ضرورة البحث عن أساس فلسفي جديد للتنمية الاقتصادية في الهند.

إعادة بناء النموذج التنموي الهندي.. الاقتصاد الحر:

من المعلوم أن عملية إعادة البناء هذه لم تكن بالأمر الهين لرئيس الوزراء ناراسيما راو ووزير ماليته مانموهان سينغ، وذلك في ضوء المخاوف التي سادت لدى قطاعات عديدة من المجتمع الهندي من العمال والمزارعين والصناعيين والبيرقراطيين، ناهيك عن التوظيف السياسي لهذه القضية من قبل الأحزاب السياسية. ومن هذا المنطلق شهدت الساحة السياسية الهندية جدلا كبيرا حول حدود دور الدولة في المجتمع، وإن كان هناك اتفاق عام على أن المقصود بذلك هو ترشيد هذا الدور وليس إلغاءه. وقد كان التدرج والحذر هما سمة التحول, وليس أدل على ذلك من أن قطاع التأمين لم يتم تحريره أمام المستثمرين الأجانب إلا في أوائل عام 2000، كما لم يتم التحرير الكامل لسعر صرف الروبية الهندية إلا عام 1993. هذا وتعتبر عملية إعادة هيكلة دور القطاع العام في الاقتصاد الهندي من بين أهم التغييرات التي أحدثتها عملية التحول إلى الاقتصاد الحر, إذ كان ناراسيما راو ومانموهان سينغ واضحين منذ البداية في التأكيد على أن الحكومة لم تعد مقتنعة بدور القطاع العام كقاطرة للاقتصاد، بعدما أثبت فشله الذريع في تحقيق أهداف التصنيع والنمو وتخفيف حدة الفقر، ناهيك عن نقص عائده مقارنة بما ينفق عليه من استثمارات.

ومن نافلة القول التأكيد على ما أضحى يكتسبه برنامج الإصلاح الاقتصادي في الهند من قوة دفع ذاتية خاصة به جعلته لا يتأثر بسقوط حكومة ناراسيما راو في انتخابات عام 1996، حيث أعلنت كافة الأحزاب السياسية التزامها بالاستمرار فيه باعتباره السياسة الرسمية للدولة التي لا رجعة فيها. وليس أدل على ذلك من أنه في عهد حكومة الجبهة المتحدة سواء برئاسة ديف جودا أو أندركومار غوجرال تم إعطاء المزيد من الحرية والحوافز للاستثمار الأجنبي، من قبيل إعطاء حق التملك الكامل للأجانب في مشروعات (الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة) أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات و51% في الصناعات الدوائية، فضلا عن كثير من القطاعات الأخرى التي أصبحت الموافقة عليها بصفة آلية مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج. وكذلك الشأن بالنسبة لفاجبايي الذي أكد بعد تشكيله للائتلاف الحكومي في أعقاب انتخابات 1998 و1999 تعهده بتدشين المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي, بإصلاح قوانين القطاع المالي والنظام الضريبي وغيرها من القوانين الحاكمة للأنشطة الاقتصادية حتى تتماشى مع عصر العولمة.

وبالفعل فقد جاءت الدفعة الأهم للخصخصة منذ منتصف التسعينيات في عهد هذه الحكومة، حيث قررت في الأسبوع الأخير من أكتوبر/ تشرين الأول 1999 إلغاء جميع المعوقات البيرقراطية أمام رأس المال الأجنبي، بما يضمن منح الموافقة على الاستثمارات الأجنبية بصورة آلية. وفي عام 2000 قامت الحكومة بفتح قطاعات الطاقة والفحم والاتصالات والخدمات البريدية والنقل -باستثناء السكك الحديدية- أمام الاستثمار المحلي والأجنبي. كما أعلنت في مايو/ أيار من ذلك العام الخصخصة الجزئية لشركة الطيران الهندية، وفيها سمح للأجانب بتملك 26% من إجمالي نسبة الـ 60% التي تم طرحها للشركات الخاصة.

تطور أداء الاقتصاد الهندي

في الواقع لم تكن عملية التنمية الاقتصادية التي تبنتها الهند في مرحلة ما بعد الاستقلال سوى استمرار للجهود التنموية التي شهدتها خلال النصف الأول من القرن العشرين، وذلك لأسباب داخلية وخارجية تتمحور أساسا حول ظروف الحرب العالمية الثانية، وهي الظروف التي هيأت للهند قدرات اقتصادية معقولة يمكن أن تستند إليها في تحقيق تنمية اقتصادية مستقبلية. وبدورها فقد استغلت القيادة الهندية هذه القدرات وأضافت عليها، ومن خلال إنجازها لتسع خطط خمسية تنموية منذ 1951 وحتى اليوم يمكن تقييم أداء الاقتصاد الهندي وفق المؤشرات التالية:

”حقق الاقتصاد الهندي احتياطاً غذائياً في الزراعة، وطفرة إنتاجية في الصناعة، مع قطاع خدمات واعد لسوق واعدة”

أولا- من حيث أداء قطاعات الاقتصاد الرئيسية:

1- الزراعة : كان من بين أهم إنجازات الدولة الهندية في هذا القطاع أنها تجاوزت حد الاكتفاء الذاتي من الغذاء وأوجدت مخزونا احتياطيا من الحبوب وصل عام 1979 إلى 20 مليون طن، وارتفع عام 1995 ليصل إلى 30 مليون طن، وهو الأمر الذي كان من نتائجه زيادة قدرة الدولة على التعامل مع الجفاف مثلما حدث عامي 1979 و1987، ولم تعد هناك مجاعات كتلك التي حدثت في البنغال عام 1943 وأدت إلى وفاة ثلاثة ملايين هندي. على أنه يجب مراعاة أن هذا الاكتفاء الذاتي لا يعني تحقيق الإشباع المطلق لكل فرد، لأن ذلك يستلزم من الهند مضاعفة إنتاجها من الغذاء حتى يمكنها توفير مستوى معيشي مناسب لفقرائها. يذكر أن هذا الاكتفاء الذاتي أتى بفضل النتائج الإيجابية للثورة الخضراء خلال عقدي الخمسينيات والستينيات في مجالي استصلاح الأراضي وزيادة الإنتاجية الزراعية، إذ زادت مساحة الأراضي المزروعة من 118.7 مليون هكتار عام 50/1951 إلى 140.2 مليونا عام 1970، ثم إلى 142.2 مليونا عام 89/1990. كما زاد إنتاج الهند من الحبوب الغذائية من 50.8 مليون طن عام 50/1951 إلى 179.1 مليونا عام 93/1994.

2- الصناعة : تمكن هذا القطاع بفضل الحماية الكبيرة له من قبل الدولة في إطار سياسة الإحلال محل الواردات، من تحقيق طفرات إنتاجية كمية عالية، وإن كانت ذات جودة منخفضة وقدرة تنافسية محدودة في الأسواق الخارجية. ولكن مع التحول إلى الاقتصاد الحر برزت بعض الصناعات ذات التقنية العالية جدا وأهمها صناعة البرمجيات التي قدرت قيمة صادراتها عام 99/2000 بنحو 3.9 مليار دولار بعد أن كانت لا تتجاوز 100 مليون دولار في أوائل التسعينيات. وتخطط الهند لكي تصل بقيمة صادرات هذه الصناعة إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2008. وكذلك الشأن بالنسبة للصادرات من أجزاء السيارات والتي وصلت قيمتها عام 98/1999 إلى 3 مليارات دولار، علما بأن ذلك جاء في ظل منافسة شرسة من شركات من تايوان والصين وتركيا وماليزيا.

3- الخدمات : قام هذا القطاع بدور مهم في تعبئة المدخرات والاستثمارات القومية اللازمة لتمويل خطط التنمية خلال العقود الخمسة الماضية. ويمتلك هذا القطاع طاقات كبيرة بفضل التوسع الذي شهده منذ أواخر الستينيات في أعقاب إجراءات التأميم للبنوك ولشركات التأمين، إذ زاد على سبيل المثال عدد الفروع التابعة للبنوك المؤممة من 8 آلاف فرع عام 1969 إلى 62 ألفا عام 1995. وكما سبقت الإشارة في موضع سابق فقد قامت الدولة مؤخرا عام 2000 بتحرير خدمات التأمين والبريد والاتصالات والنقل الجوي أمام المستثمرين الهنود والأجانب، ولهذا فإنه يعتبر من أكثر القطاعات الاقتصادية الواعدة في الهند، خاصة أن الطاقة الاستيعابية للسوق الهندية لا تزال كبيرة. كما أشارت بعض الدراسات الصادرة عام 1999 إلى أن السوق المحتملة للتجارة الإلكترونية من الممكن أن تصل بنهاية عام 2001 إلى 11.9 مليار دولار.

ثانيا- من حيث نسبة مساهمات قطاعات الاقتصاد الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي:

تراجعت في هذا الخصوص نسبة مساهمة الزراعة لصالح قطاعي الخدمات والصناعة، يتضح أن التغير في نسب مساهمات قطاعات الاقتصاد الرئيسية قد تم خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، إذ تراجعت نسبة مساهمة الزراعة بنحو 13% خلال عامي 1970-1990 (أي من 45 إلى 32%)، في حين زادت نسبة مساهمة قطاع الخدمات بنحو 12% خلال نفس الفترة (من 33 إلى 45%)، وبالمثل بالنسبة لقطاع الصناعة الذي زادت نسبة مساهمته خلال نفس الفترة بنحو 5% (من 22 إلى 27%). وبخلاف ذلك فإنه لم يحدث سوى تغير طفيف على نسب مساهمات هذه القطاعات خلال عقود الخمسينيات والستينيات والتسعينيات تتراوح ما بين 2-3% سواء بالزيادة أو بالنقصان داخل كل قطاع.

ويمكن تفسير ذلك بالتغير الذي طرأ على دور الدولة في هذه القطاعات، حيث كان قطاع الزراعة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات هو بؤرة اهتمام الدولة الهندية، من خلال ما عرف بالثورة الخضراء التي أدت إلى زيادة المساحة المزروعة في الفترة بين عامي 1951-1970 من 118.7 مليون هكتار إلى 140.3 مليونا. وعلى النقيض من ذلك خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات حيث جاء التوسع الأهم من قبل الدولة في قطاعي الصناعة والخدمات، وبخاصة بعد إجراءات التأميم للبنوك وقطاع التأمين وغيرها من القطاعات الأخرى في أواخر الستينيات. وقد كان من الملاحظ أن المساحة المزروعة لم تزد خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات عن مليوني هكتار فقط، فبلغت عام 1990 نحو 142.3 مليون هكتار. هذا بالإضافة إلى ما تتميز به الزراعة الهندية من حيث السمة المحافظة للفلاح الهندي وتفتت الملكية وصعوبة الزراعة العلمية، والأهم من ذلك ارتباط إنتاجيتها إلى حد كبير بالظروف المناخية.

أما في عقد التسعينيات فقد كان لسياسات الإصلاح الاقتصادي آثار مزدوجة على نسب مساهمة هذه القطاعات. ففي الوقت الذي تسبب فيه عدم ضخ الدولة لاستثمارات جديدة في القطاع العام الصناعي إلى انخفاض نسبة مساهمة قطاع الصناعة لأول مرة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2% (من 27% عام 1990 إلى 25% عام 1999)، فإن بطء عملية الخصخصة في قطاع الخدمات حال دون حدوث طفرة في نسبة مساهمة هذا القطاع، حيث لم يطرأ عليه سوى زيادة طفيفة بلغت 2% فقط (من 45% عام 1990 إلى 47% عام 1999).

ثالثاً- من حيث معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي وقطاعات الاقتصاد الرئيسية:

كانت الهند مشهورة بما يطلق عليه معدل النمو الهندوسي وهو 3%، إلا أنها تجاوزت هذا المعدل المتدني منذ أوائل الثمانينيات. فقد شهد عقد الثمانينيات في مرحلة ما قبل الإصلاح الاقتصادي زيادة ملحوظة في معدلات النمو لكافة قطاعات الاقتصاد الرئيسية، وهو الأمر الذي انعكس على معدلات النمو لدخل الفرد الذي كان ينمو بمعدلات متدنية لا تتجاوز 1.5%. ومع هذا يرى كثيرون أن هذه الزيادة في معدلات النمو خلال الثمانينيات لم تتحقق بفضل كفاءة أكبر من قبل القطاعات الرئيسية للاقتصاد في توليد الموارد، بقدر ما كانت نتاجا للإنفاق الحكومي والقروض الخارجية في صورة مدخلات واستثمارات في هذه القطاعات. وعلى النقيض من ذلك فإن الزيادة الملحوظة في معدلات النمو خلال التسعينيات كانت بفضل النتائج الإيجابية للإصلاح الاقتصادي على الهياكل الإنتاجية لقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.

”لا تزال الهند مستمرة في كونها أكبر تركز للفقراء على مستوى العالم”

رابعاً- من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي: من الملاحظ في هذا الخصوص أنه رغم التحسن الذي طرأ على دخل الفرد في الهند، حيث زاد من 52 دولارا عام 1951 إلى 197 دولارا عام 1979 ثم إلى 340 دولارا عام 1989، وأخيرا إلى 450 دولارا عام 2000، فإنه لا يزال دون مثيله في الدول النامية. ويتصل بدخل الفرد قضية معدلات خط الفقر، حيث لا تزال الهند مستمرة في كونها أكبر تركز للفقراء على مستوى العالم، إذ تبلغ معدلات خط الفقر بها وفقا لتقديرات عام 1994 نحو 35% من إجمالي عدد السكان. ويمكن إرجاع هذا الانخفاض في متوسط دخل الفرد في الهند ومعدلات الفقر المرتفعة بها إلى جمود هيكل العمالة في قطاعات الاقتصاد الهندي. فعلى الرغم من تراجع نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 50% أوائل الخمسينيات إلى 28% أواخر التسعينيات فإنه لا يزال يعمل بها نحو ثلثي عدد السكان، في حين أنه لم يطرأ سوى تغير طفيف على هيكل العمالة في قطاعي الخدمات والصناعة، حيث لا يستوعب قطاع الخدمات سوى 20.5% من قوة العمل في الوقت الذي يسهم فيه بنحو 47% من إجمالي الناتج المحلي. وعلى هذا وكما أشار الرئيس الهندي في فبراير/ شباط 2001 فإن الهند بحاجة إلى معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، إذا ما أرادت مضاعفة دخل الفرد بها وتقليص معدلات الفقر إلى النصف.

خامساً- من حيث القدرة التنافسية للاقتصاد الهندي:

1- من حيث القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية : نجد أن هذه القدرة لا تزال ضعيفة رغم ما شهدته من تطور منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، إذ كانت هذه الاستثمارات في عقد الثمانينيات تتراوح بين 200-400 مليون دولار سنوياً، بل ولم تتعد عام 1991 نحو 68 مليون دولار. ولكن منذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي شهدت الهند تطورا ملحوظا في هذا الميدان حيث وصلت الاستثمارات فيها عام 1996 إلى 2.6 مليار دولار، زادت عام 97/1998 إلى 3.56 مليارات دولار، وإن كانت قد تراجعت مرة أخرى عامي 99/2000، و2000/2001 إلى ملياري دولار فقط. هذا وتهدف الهند إلى الوصول بهذه الاستثمارات إلى 10 مليارات دولار سنوياً.

2- من حيث القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية : لا تزال أيضا هذه القدرة محدودة بسبب السياسة الحمائية للصناعة الهندية في مرحلة ما قبل الإصلاح الاقتصادي. ويتضح هذا الضعف الهندي التصديري عند مقارنته بدول آسيوية أخرى مثل الصين. ففي الوقت الذي لم يتجاوز نصيب الهند من الصادرات العالمية 0.67% عام 2001، بلغت الصادرات الصينية 3.4% من إجمالي الصادرات العالمية، وإن كان هذا لا ينفي التحسن الذي طرأ على القدرة الهندية في هذا المجال مقارنة بالعقود السابقة حيث لم تتعد هذه النسبة 0.6% عام 1994. هذا وقد زادت قيمة الصادرات الهندية من 8.3 مليارات دولار عام 1980 إلى 18.5 مليارا عام 90/1991 ثم إلى 43.1 مليارا عام 2000. ومما ساعد على هذه الزيادة في عقد التسعينيات تحرير سعر الروبية الهندية بدرجة كاملة عام 1993، حيث انخفضت قيمتها أمام الدولار من 20.08 روبية عام 1991 إلى 44.94 عام 2000. ومع هذا ينبغي الأخذ في الاعتبار أن الهند لا تزال تحقق عجزا تجاريا في ميزان مدفوعاتها بسبب زيادة وارداتها عن صادراتها حيث بلغت هذه الواردات عام 2000 نحو 60.8 مليار دولار.

3- من حيث المركز المالي : تمكنت الهند في هذا الخصوص من تحقيق قدر كبير من الاستقرار المالي لها، حيث زادت احتياطاتها من النقد الأجنبي إلى 30 مليار دولار أواخر التسعينيات بعد أن كانت لا تتجاوز مليارا واحدا أوائل التسعينيات. كما تمكنت بدرجة كبيرة من ضبط الارتفاع الكبير في ديونها الخارجية، فوصلت خلال الفترة 1991- 1999 من 71 مليار دولار إلى 98 مليارا، وذلك مقارنة بعقد الثمانينيات الذي زادت فيه هذه الديون من 20 مليار دولار عام 1981 إلى 71 مليارا عام 1991. بل والأهم من ذلك انخفاض خدمة هذا الدين الخارجي إلى 20.6% من إجمالي حصيلة الصادرات عام 1998، بدلا من 28.4% عام 1993.

آفاق النمو في الاقتصاد الهندي

”لتحقيق معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، تحتاج الهند إلى تحسين معدلات التنمية البشرية وتسريع الخصخصة والاستقرار السياسي”

رغم ما أضحت تتمتع به الهند حالياً من استقرار مالي واقتصادي إلى حد كبير مقارنة بأوائل التسعينيات، ناهيك عن اندماجها الناجح في الاقتصاد العالمي في بعض الصناعات الأكثر تقدماً مثل صناعة البرمجيات، فإن تحقيق الهند لطموحاتها بشأن الوصول بنسبة صادراتها إلى 1% من إجمالي الصادرات العالمية بحلول عام 2007، واستقطاب 10 مليارات دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق معدل نمو سنوي بنسبة 9% خلال السنوات العشر القادمة، تحوطه شكوك عميقة ما لم تتم المعالجة الفعالة لكثير من التحديات، وأهمها:

1- ضعف مستوى التنمية البشرية : ومن الملاحظ في هذا الخصوص أن هذا الضعف لا يتصل فقط بمستويات الصحة أو التعليم، إذ لا تزال معدلات الأمية تصل إلى 48% من إجمالي عدد السكان، كما أن البنك الدولي يقدر تكلفة سوء التغذية في الهند بنحو 10 مليارات دولار سنويا في صورة ضعف في الإنتاجية والمرض والوفاة. ناهيك عن انتشار الإيدز مؤخرا فيها حيث وصل عدد الحالات المصابة إلى خمسة ملايين حالة، مما يجعل الهند في المركز الثاني بعد جنوب أفريقيا من حيث الإصابة بهذا المرض. بل ومما لا يقل عن ذلك أهمية ما يتعلق بانخفاض مستوى وإنتاجية العامل الهندي، نتيجة خلو خطط التنمية الهندية من إستراتيجية للتنبؤ باحتياجات سوق العمل.

2- بطء عملية الخصخصة: وفي هذا يبدو أن القيادة الهندية لم تستفد من أخطائها التاريخية بشأن التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية بالمعدلات المطلوبة. وتبدو أهمية الإسراع بمعدلات الخصخصة في ضوء الضعف البنيوي الذي تتسم به قطاعات الاقتصاد الرئيسية في الاقتصاد الهندي.

3- تدهور مستويات الاستقرار السياسي الإقليمي: ويضاف إليه في حدود معينة الاستقرار الداخلي، إذ إن التصعيد العسكري مع باكستان من شأنه أن يهدد ليس فقط معدلات النمو، وإنما البنية الاقتصادية الهندية بأكملها في حال استخدام الأسلحة النووية أو غيرها من الأسلحة ذات التكنولوجيا المتقدمة. كما أن انتشار العنف الطائفي من شأنه التأثير السلبي وبقوة على الاقتصاد الهندي ومناخ الاستثمار فيه.
ـــــــــــــــ
* باحث بالمجالس القومية المتخصصة، جمهورية مصر العربية.
المصدر:الجزيرة

¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤.¤


القوة العسكرية الهندية

* السيد صدقى عابدين :من المعروف أن القوة العسكرية تعمل في منظومة واحدة من أجل تحقيق الأهداف القومية العليا، وهي في حالة الهند التفوق على باكستان في ظل استمرار الصراع التاريخي بينهما، والقدرة على مواجهة الصين، وزيادة دورها في المحيط الهندي من خلال تطوير القوة البحرية. وبالطبع فإن ذلك يتطلب برامج تسليحية متطورة بما يتضمنه ذلك من الاهتمام بالصناعات العسكرية.

وعلى هذا الأساس فإن هذه المقالة سوف تتناول:

- العقيدة العسكرية الهندية وطموحاتها.
- السلاح النووي الهندي.

العقيدة العسكرية الهندية وطموحاتها

العقيدة العسكرية للدولة تتحدد بناء على الإمكانات المادية والتكنولوجية والبشرية للدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى تقويمها وتقديرها لقدرات وإمكانات الدول المتنافسة معها. كما أن العوامل السياسية والأيديولوجية والجغرافية تلعب دورا مهما في تحديد العقيدة العسكرية للدولة، وهكذا فإن العقيدة العسكرية ليست شيئا جامدا ولكنها قد تتغير تبعا لتغير محدداتها. والهند منذ استقلالها تولي اهتماما كبيرا بزيادة قوتها العسكرية، لاسيما أنها استخدمتها بعد الاستقلال مباشرة ضد باكستان، ثم كانت حربها مع الصين عام 1962، وتبعتها الحرب الهندية الباكستانية الثانية عام 1965، ثم الثالثة عام 1971.وقد أدت هذه المواجهات بين الهند وكل من باكستان والصين إلى اعتبارهما المصدرين الأساسيين للتهديد، ومن ثم فإنها في سعيها لمواجهة هذا التهديد اتجهت لتدعيم علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، ومن جانبها فإن باكستان التي ترى في الهند التهديد الرئيسي دعمت علاقاتها مع الصين، وفي مرحلة لاحقة ومع التطورات التي حدثت على الساحة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عملت الهند على تدعيم روابطها العسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية. وقد عملت الهند دائما على الاحتفاظ بقوات مناسبة على الجبهتين الباكستانية والصينية، بعدما كانت لا تولي الجبهة الصينية الاهتمام الكافي قبل حرب 1962. ومن ثم فإنها حتى أواخر السبعينيات كانت تتبع سياسة الدفاع الكافى ، ومع بداية الثمانينيات بدأت تتحول إلى سياسة الردع المحدود.

وقد استمرت الهند في اتباع سياسة الردع، وقد بررت امتلاكها للأسلحة النووية بردع الآخرين عن استخدام هذه الأسلحة ضدها، وفي حال إقدامهم على استخدامها ضدها أي في حالة انهيار الردع فإنها تؤكد على قدرتها على الرد على الضربة الأولى. وبالطبع فإن ذلك يتطلب عددا كافيا من الأسلحة النووية ونظاما قويا للقيادة والسيطرة ونظاما فعالا للرقابة والإنذار المبكر وتخطيطا وتدريبا شاملا يتفق مع الإستراتيجية المعلنة والقدرة على توظيف القوات والأسلحة النووية.

وبالطبع فإن فعالية القدرات العسكرية التقليدية لا تقل أهمية عن فعالية القدرات النووية. وتقوم العقيدة النووية الهندية على أساس التأكيد على القدرة على التحول السريع من الانتشار وقت السلم إلى التوظيف الكامل للقوات فى أقصر وقت ممكن، والقدرة على الرد بفعالية حتى في حالة التأثر الشديد بالهجمات المعادية. ويتطلب هذا تعدد وسائل إطلاق الأسلحة النووية من الطائرات والصواريخ والقوات البحرية. وتدرك الهند أن القوة العسكرية عامل مهم يساعدها في مسعاها للعب دور إقليمي ودولي فاعل عبر فرض السيطرة في جنوب آسيا والمحيط الهندي، لدرجة أن البعض تحدث عن مبدأ مونرو الهندي بالنسبة لجنوبي آسيا، ويستدلون على ذلك بمعارضة الهند الشديدة للوجود الأجنبي أو التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لدول جنوبي آسيا أو في الخلافات في ما بينها. والهند ترى أنها لا تشكل تهديدا لجيرانها، وأنها لا تريد ذلك حيث إنها تعتبر أن أمن جيرانها هو جزء من أمنها.

التفوق على باكستان

التوتر هو السمة الغالبة على العلاقات بين الهند وباكستان، وكما سبق القول فقد دخلت الدولتان فى ثلاث حروب منذ الاستقلال، ناهيك عن الاشتباكات التى تحدث بينهما من حين إلى آخر منذ عودة التوتر إلى كشمير مع نهاية الحرب الباردة. ومن أحدث الاشتباكات تلك التى تتم بشكل شبه يومي منذ حادث الاعتداء على البرلمان الهندي في ديسمبر/ كانون الأول 2001، والذى اتهمت فيه الهند باكستان بدعمها لمنفذي الهجوم. كما أن الهند تتهم باكستان بدعم ما تسميه بالإرهاب في كشمير وتسهيل تسلل عناصر عبر خط السيطرة في كشمير لتنفيذ عمليات في الأراضي الهندية. وهكذا فإن قضية كشمير أهم قضية تثير الخلاف والنزاع بين الجانبين، حيث ترى الهند أن كشمير جزء لا يتجزأ من الأراضي الهندية، في حين ترى باكستان أنه يجب أن يعطى الشعب الكشميرى حق تقرير المصير.

وقد حرصت الهند دوما على تحقيق التفوق العسكري على باكستان سواء على المستويات التقليدية أو غير التقليدية، ومن جانبها فإن باكستان حريصة على ألا تتسع الفجوة بينهما كثيرا، ومن ثم فإن الجانبين يوجد بينهما سباق للتسلح. وفي سعيها لتحقيق التفوق العسكري على باكستان فإن الهند حريصة على امتلاك نظم تسليحية أكثر تطورا مما هو موجود لدى باكستان. ومن ذلك على سبيل المثال قرارها عام 1981 بشراء طائرات بريطانية من طراز Jaguar وطائرات سوفياتية من طراز ميج 23 ودبابات سوفياتية طراز T-72 بعد أن حصلت باكستان على طائرات F-16 الأميركية وصواريخ M.901 المضادة للدبابات. وهكذا فإن كلا من الطرفين يسعى لتوثيق روابطه بالأطراف الدولية الرئيسية المصنعة والموردة للسلاح من أجل الحصول على الأسلحة وتكنولوجيا تسليحها. والواقع أن الهند تحقق تفوقا كبيرا على باكستان في مجال الأسلحة التقليدية، وكانت تريد تأكيد هذا التفوق في مجال الأسلحة غير التقليدية بامتلاك الأسلحة النووية، ولكن باكستان ردت بسرعة على هذه المحاولة بامتلاك نفس النوع من الأسلحة.

القدرة على مواجهة الصين

القدرة على مواجهة الصين ركن أساسى في العقيدة العسكرية الهندية، لا سيما بعد هزيمة الهند من الصين عام 1962 تم قيام الصين بالتفجير النووى الأول عام 1964، واستمرار المطالب الإقليمية الصينية فى بعض الأراضي التي تسيطر عليها الهند، وتمركز جزء كبير من القوات الصينية بالقرب من الحدود مع الهند. ناهيك عن أن الهند تنظر بقلق إلى تنامي القوة العسكرية والاقتصادية الصينية وتسعى لمجاراتها، تماما كما تفعل باكستان بالنسبة للهند، وهذا ما يتضح في مجالات التسليح المختلفة. وفي هذا الإطار نركز على مجال الصواريخ الباليستية، ففي حين يمكن للصواريخ الصينية أن تطال كل الأراضي الهندية حيث تمتلك صواريخ يصل مداها إلى أكثر من أربعة آلاف كم كما هو الحال بالنسبة للصاروخ DF-4 والذي يصل مداه إلى 4.750كم، فإن الهند تحاول جاهدة تطوير صواريخها لتطال جزءا كبيرا من الأراضي الصينية، أملا في إمكانية الوصول إلى كل الأراضي الصينية، وهو نفس الهدف الذي تسعى إليه باكستان ولكن في مواجهة الهند. ومن ثم فإن الهند تطور منذ عام 1994 صاروخا من المتوقع أن يتراوح مداه بين 8-12 ألف كم يطلق عليه ساريا Sarya أو أغني-4 وإن كانت بعض المصادر تشير إلى أن مداه سوف يكون 5.500 كم فقط وهذا هو الطراز الرابع من صواريخ أغنى التي بدأت بـ أغني-1 الذي يترواح مداه بين 725 كم إلى 1500 كم وأغني -2 الذي يصل مداه إلى 2000 كم وأغني -3 الذي يصل مداه إلى 3000 كم. وبالنسبة لباكستان فإن لديها صواريخ شاهين وجوري حيث يصل مدى الصاروخ شاهين -1 إلى حوالى 750 كم والصاروخ شاهين -2 يصل مداه إلى 2500 كم، أما الصاروخ جوري فإن الطراز الأول منه يصل مداه إلى حوالي 1300 كم، في حين يصل مدى جوري -2 إلى 2.300 كم، والصاروخ جوري -3 يصل مداه إلى حوالي 3000 كم. والأمر نفسه ينطبق على السلاح النووي كما سيتضح في القسم الثاني من هذه المقالة.

محاولة السيطرة على المحيط الهندي

تلعب البحرية دورا مهما في الإستراتيجية الهندية، بحكم موقع الهند ورغبتها في لعب دور إقليمي ودولي أكثر فعالية، ومن مقومات لعب هذا الدور بسط السيطرة على المحيط الهندي. وتضم القوات البحرية الهندية أسطولين أولهما الأسطول الشرقي، والذي يتركز في خليج البنغال، وثانيهما الأسطول الغربى، والذي يتركز في بحر العرب. وتمتلك الهند حوالى 19 غواصة، و25 قطعة سطح رئيسية، و6 مدمرات، و18 فرقاطة، و20 قطعة كاسحة ألغام، و10 قطع برمائية، و49 قطعة دورية وساحلية، و28 قطعة مختلفة للدعم والإسناد البحرى.

والسؤال المهم هو هل تكفي هذه القوة لفرض السيطرة الهندية على المحيط الهندي؟ الواقع أن هناك صعوبات قد تحول دون ذلك، وتتمثل في: هل ستسمح الولايات المتحدة بذلك؟ باعتبارها القوة العسكرية الأولى في العالم، والتحديات التي تفرضها قوى مثل الصين وباكستان، ومستوى تطور القوة البحرية الهندية. بادئ ذي بدء سنجد أن البحرية الهندية تواجه تحديات تقنية عده، حيث إن معظم القطع البحرية الهندية قديمة وبحاجة إلى تحديث وإحلال، كما أن جهود بناء السفن محليا مازالت دون المستوى المطلوب لتحقيق الأهداف المرجوة. ومن حيث التحديات التي تفرضها القوى الإقليمية نجد أن القوتين البحريتين الصينية والباكستانية هما اللذان يمثلان التحدي الرئيس فالقوة البحرية الباكستانية وإن كانت ليست فى نفس قوة البحرية الهندية إلا أنها استطاعت تحقيق خطوات مهمة في سبيل تطوير قوتها البحرية. كما أن البحرية الصينية في نمو مطرد مما يجعل من السيطرة الهندية على المحيط الهندي مشكوكا فيها. ومن ثم فإن الهند تخشى من زيادة التعاون بين الصين ودول مثل بنغلاديش وسريلانكا وباكستان، وما تمنحه من تسهيلات للبحرية الصينية. ولأهمية موانئ سريلانكا بالنسبة للبحرية الصينية عند توجهها إلى باكستان وبنغلاديش فإن الهند قد حصلت من سريلانكا على حق الاعتراض على استخدام موانيها من جانب قوى أخرى. ومما يوضح إدراك الهنود لتطور القوة البحرية الصينية أن المخططين الهنود يبررون تطوير قوتهم البحرية بتحديث الصين لقوتها البحرية.

وبخصوص الولايات المتحدة، فإن الهند حريصة على التنسيق معها، ويبدو أن الولايات المتحدة سوف تسمح للهند بأن تقوم بدور أكبر في المحيط الهندى، في ظل التقارب في العلاقات بينهما، وحتى تكون أحد القوى الموازنة للقوة الصينية في آسيا، ولكنها لن تسمح بتوسع هذا الدور إلى الدرجة التي تهدد المصالح الأميركية. ومن ثم فإن الهند تعمل جاهدة على تحديث قواتها البحرية، ففي عام 1989 أعلنت أنها تخطط من أجل بناء غواصات نووية، وقبل ذلك بعام كانت قد دربت طواقم هندية على غواصة نووية سوفياتية، وفي عام 1993 أعلنت عن نيتها بناء حاملة طائرات، وقد أشارت العديد من التقارير إلى احتمال شراء من خمس إلى سبع غواصات نووية من روسيا الاتحادية، وفي عام 1998 تمكنت الهند من بناء مدمرة ضخمة، تحمل صواريخ سطح سطح (SSM) يصل مداها إلى 100كم وصواريخ أرض جو ومدافع (100م م) ونظام إنذار مبكر تم تطويره محليا، كما أنها وقعت عقدا مع روسيا من أجل شراء حاملة طائرات. وعلى الرغم من كل ذلك فإن بعض خبراء الدفاع الهنود يقولون إن البحرية الهندية مازالت دون المستوى المطلوب لتلبية الاحتياجات الوطنية.

السلاح النووي الهندي

كيف استطاعت الهند امتلاك السلاح النووي؟

بعد الاستقلال بعام واحد تم إصدار قانون الطاقة الذرية، وفي العام التالى 1949 تم إنشاء لجنة الطاقة الذرية، وفي عام 1950 تم إنشاء وحدة البحث عن الخامات النادرة التي تستخدم في البرامج النووية مثل اليورانيوم والثوريوم، وبعد أربع سنوات تم إنشاء هيئة الطاقة الذرية. في عام 1955 تم إنشاء أول مفاعل بحثي بقدره واحد ميغاوات، والذي بدأ العمل في العام التالي بمساعدة من إنجلترا وفرنسا. وفى العام نفسه بدأ التعاون مع كندا، حيث تم إنشاء مفاعل قوته 40 ميغاوات يعمل باليورانيوم الطبيعي. في عام 1957 تم إنشاء مصنع لإنتاج اليورانيوم المنضب من خامات محلية. وفي عام 1964 استكملت الهند دورة الوقود النووي على المستوى البحثي والتجريبي. ومنذ ذلك التاريخ وطوال عشر سنوات قامت بعمليات إجراء فصل البلوتونيوم. وفي عام 1974 كان التفجير النووي الهندي الأول، والذي وصفته بأنه من أجل الأغراض السلمية. وبعد التفجير استمرت الهند في تطوير قدرتها النووية، حيث بدأت في تشغيل مفاعل قدرته مائة ميغاوات عام 1985، مما جعل الهند أكثر قدرة على إجراء التفجيرات وامتلاك السلاح النووي، وهو ما حدث بالفعل فى مايو/ أيار 1998 عندما أجرت خمسة تفجيرات نووية، ثلاثة فى الحادى عشر واثنين في الثالث عشر. وكانت الهند قد أعلنت قبل إجراء التفجيرات بحوالي خمسة أشهر عن صفقة مع روسيا تحصل بموجبها على مفاعلين بقوة ألف ميغاوات لتوليد الطاقة الكهربائية. وهكذا فإن الهند قد استفادت من التعاون مع العديد من الدول مثل كندا وبريطانيا والاتحاد السوفياتى وخليفته روسيا وحتى الولايات المتحدة التي زودت الهند ببعض المعدات المهمة للبرنامج النووي في عام 1964.

وهكذا فإن الهند قد وفرت قاعدة بشرية وعلمية وتكنولوجية، ومراكز أبحاث علمية ومعاهد ومعامل متخصصة، ومفاعلات نووية، وهي العناصر التي تمثل البنية الأساسية في أي برنامج نووي، كما أنها قد عملت جاهدة على تدبير الخامات النووية اللازمة، ووفرت التمويل اللازم للبرنامج النووي مما مكنها في النهاية من امتلاك الأسلحة النووية. ويرجع استمرار البرنامج النووي الهندي وامتلاك السلاح النووي إلى الإرادة السياسية القوية، التي أصرت على تحقيق أهدافها، رغم الضغوط الخارجية والمصاعب الاقتصادية، إلى جانب التأييد الشعبى الجارف للبرنامج النووي. ويرجع ذلك إلى اعتبار السلاح النووي وسيلة ردع تجاه الخصوم القائمين أو المحتملين الحائزين للسلاح النووي أو المحتمل حيازتهم له.

والسؤال المهم هنا هو لماذا كان امتلاك السلاح النووي من جانب الهند في التوقيت الذي تم فيه؟ واقع الأمر أن العوامل السياسية قد لعبت دورا في ذلك، والمتمثلة في وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى السلطة، والذي كان يرفع في برنامجه الانتخابي شعار امتلاك الأسلحة النووية. وإن كان ذلك لا يعني أن الحزب هو وحده صاحب خيار امتلاك السلاح النووي، حيث إن التقدم الذي وصل إليه البرنامج النووي يثبت أنه كان من الممكن امتلاك السلاح النووي وأن الاختلاف كان حول التوقيت والظروف المناسبة لذلك. ويجب ألا تنسى أن الهند قد رفضت الانضمام إلى اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية في ظل عدم تحقيق تقدم فى نزع السلاح النووى من جانب الدول الخمس النووية واستمرار التمييز ضد الدول غير النووية. فضلا عن اعتبارات المكانة الإقليمية والدولية التي تطمح الهند إلى تحقيقها. وقد بررت الهند امتلاك السلاح النووي بأنه وسيلة للدفاع عن الأمن القومي للهند من خلال توفير الرادع المناسب. وأكدت أنها لن تستخدم الأسلحة النووية أو تهدد باستخدامها ضد أي دولة، وإنما هى لردع الآخرين عن استخدام السلاح النووي ضدها. وأعربت عن استعدادها للدخول في اتفاق مع أي دولة تتعهد فيه الهند بألا تكون البادئة باستخدام الأسلحة النووية، مؤكدة أنها لن تدخل في سباق تسلح نووى كما كان الوضع بين القطبين أثناء الحرب الباردة. وينقلنا ذلك إلى مناقشة احتمالات استمرار.

سباق التسلح النووي بين الهند وباكستان
إلى أي مدى سيستمر سباق التسلح النووي بين الهند وباكستان.

يجب أن نشير أولا إلى أن باكستان قد أعلنت عام 1965 أنها لن تدخر وسعا لامتلاك السلاح النووي إذا ما امتلكته جارتها الهند، ومن ثم فإن باكستان قد استمرت في تطوير برنامجها النووي الذي بدأ بتشكيل لجنة الطاقة الذرية في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. وعندما قامت الهند بتفجيرها النووي الأول عام 1974 زادت باكستان إصرارا على المضي قدما في تطوير برنامجها النووي وعدم الارتكان إلى التأكيدات الهندية بأن التفجير كان للأغراض السلمية، مؤكدة أنها لن تقبل الهيمنة الهندية وأنها لن تذعن لأى تهديد نووى هندي. ومن ثم فإن باكستان تمكنت من تطوير برنامجها النووي على الرغم من الضغوط الخارجية بحيث أصبحت منذ أواخر الثمانينيات قادرة على امتلاك السلاح النووي، وهذا ما أشار إليه رئيس الأركان الباكستاني عام 1993. وما يؤكد ذلك أن باكستان لم تتأخر في الرد على التفجيرات الهندية حيث ردت بعد أسبوعين بخمسة تفجيرات في 28 مايو/ أيار وتجربة سادسه بعد يومين من التجارب الخمس الأولى. ولو أن هناك نقصا في البرنامج النووي الباكستاني لما تمكنت من الرد بهذه السرعة. وقد أكدت باكستان أن تجاربها النووية كانت مرتبطة بالظروف الجديدة في جنوبي آسيا بعد التفجيرات الهندية، حيث باتت باكستان في وضع شديد الحرج، ومثلها مثل الهند أعلنت أنها لا ترغب في الدخول في سباق تسلح نووى، وأنها سوف تنتهج إستراتيجية الحد الأدنى من الرادع النووى، ولكن أيا من الدولتين لم تحدد طبيعة ولا حجم هذا الرادع.

والواقع أن ذلك يجعل احتمال الاستمرار في سباق التسلح النووي قائما على الرغم من إعلان الدولتين عدم رغبتهما في الدخول في مثل هذا السباق. ويجب ألا ننسى أن الدولتين لم تغلقا باب التجارب النووية، كما أنه يوجد بينهما سباق مؤكد في ما يتعلق بوسائل إيصال السلاح النووي كما اتضح في مجال الصواريخ الباليستية، ولا يقف الأمر عند ذلك وإنما يشمل الطائرات والغواصات القادرة على إطلاق الأسلحة النووية. ويجب ألا ننسى أنه فى ظل استمرار التوتر بين البلدين فإن احتمالات الحرب بينهما تظل عالية، كما أن احتمالات الانزلاق إلى المواجهة النووية قائمة إذا لم يكن بشكل مخطط فقد يكون بطريق الخطأ أو سوء التقدير أو حتى المصادفة. ومن ثم فإن تسوية الخلافات القائمة بين البلدين من شأنها تقليل التوتر بينهما وتوفير جزء من النفقات الدفاعية الضخمة، بحيث توجه إلى البرامج التنموية التي تحتاج إليها كل من الدولتين.

الصين والسلاح النووي الهندي

قبل الحرب الهندية الصينية وما تبعها من إجراء الصين أول تفجير نووي كانت الهند ترى أن القنبلة النووية لن تساعدها في حل أي من مشاكلها على الرغم من أن قادتها كانوا يعلنون عن قدرة الهند على تصنيعها. وفي ما بعد أثير نقاش في البرلمان حول الموضوع، وكان هناك إقرار لأول مرة بحاجة الهند إلى تصنيع السلاح النووي. وإن استمرت السياسة الرسمية تعلن عن رفضها ذلك، إلى جانب رفضها لتوفير مظلة نووية من القوى الأجنبية، ثم كان رفضها الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وكما أشرنا من قبل إلى تطور البرنامج النووي الهندي، والذي كان يأخذ في الحسبان القوة النووية الصينية في ذاتها والتخوف من تعاونها مع باكستان، ومن ثم فإن الهند كانت قلقة جدا من التقارير التي أشارت عام 1983 إلى أن الصين قد نقلت إلى باكستان التصميم الكامل للقنبلة النووية واليورانيوم الكافي للقيام بالتفجير. وهكذا فإن العلاقات النووية بين الصين والهند وباكستان متداخلة. ويجب ألا ننسى أن بعض المسؤولين الهنود يعلنون حتى بعد تحسن العلاقات مع الصين في السنوات الأخيرة أنها مازالت تمثل التهديد الرئيسي للهند، وأن مواجهة هذا التهديد تتطلب حيازة الأسلحة النووية. ولا تقتصر هذه الرؤية على المسؤولين وإنما هى رائجة بين الرأى العام الهندي. وإذا كانت الصين عاملا رئيسيا في امتلاك الهند للسلاح النووي إلا أنها ليست العامل الوحيد، حيث توجد عوامل أخرى منها تحقيق التفوق على باكستان، وعدم تحقيق تقدم في مجال نزع الأسلحة النووية، والتغيرات في البيئة الدولية واعتبارا للهيبة والمكانة الدولية التي تسعى الهند لتحقيقها.

المواقف الدولية من السلاح النووي الهندي

أثار امتلاك الهند وبعدها بأيام قليلة باكستان السلاح النووي ردود فعل واسعة على الساحة الدولية. حيث أصدر مجلس الأمن بيانا رئاسيا بعد التجارب النووية الهندية بيوم واحد فى 14 مايو/ أيار 1998 استنكر فيه بشدة التجارب النووية الهندية، وحث الهند على عدم إجراء المزيد من التجارب، معتبرا أن هذه التجارب تتعارض مع الجهود الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية، وحث البيان الهند على الانضمام لاتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية واتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية دون تأخير ومن دون أي شروط. وفى الرابع من يونيو/ حزيران 1998 أصدر وزراء خارجية الدول الخمس الأعضاء فى الأمم المتحدة بيانا مشتركا بعد اجتماعهم في جنيف، أدانوا فيه التجارب التي أجرتها كل من الهند وباكستان، والتى من شأنها تهديد السلام والاستقرار في المنطقة، وحثوا الطرفين على بذل الجهود من أجل الحيلولة دون سباق التسلح النووى والصاروخي جنوبى آسيا، وحثوا الطرفين على حل خلافاتهم بالطرق السلمية، والتوقف عن إنتاج المواد الانشطارية التي تستخدم في تصنيع الأسلحة النووية. بعد يومين من البيان الوزارى السابق أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1172 كرر فيه ما ورد في البيان الوزاري، وطالب كلا من الهند وباكستان بالامتناع عن تصدير تكنولوجيا تصنيع الأسلحة أو التكنولوجيا التي تساعد على ذلك.

ومن جانبها فإن الولايات المتحدة قد اعتبرت أن ما حدث في جنوبي آسيا يمثل تحديا مباشرا للنظام العالمي الجديد الذي تقوده منفردة منذ انتهاء الحرب الباردة. وقامت بفرض عقوبات اقتصادية على الهند وباكستان، وإن كان قد تم تخفيفها في ما بعد. وقد كررت الولايات المتحدة المطالب التي وردت في قرار مجلس الأمن، وإن كانت الولايات المتحدة تتعامل مع الأسلحة النووية في جنوبي آسيا كواقع، وليس أدل على ذلك من قول وزير الدفاع الأميركى دونالد رمسفيلد في 9 يونيو/ حزيران 2001 من أن الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية المهتمة بالقضية النووية عليها أن تشجع الهند وباكستان على تعلم كيفية التعايش مع الأسلحة النووية دون استخدامها.
ــــــــــــــــ
* باحث بمركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
المصدر: الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-10-2011, 08:43 PM   #13

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العلاقات العربية الهندية.. من التقارب إلى الحياد


العلاقات العربية الهندية.. من التقارب إلى الحياد

* د. محمد نعمان جلال : تطورت العلاقات الهندية العربية عبر سنوات طويلة منذ فجر التاريخ، وقد قامت تلك العلاقات على التبادل الثقافي، والهجرات وحركة السكان، فضلا عن التبادل التجاري. وتشير العديد من المؤلفات والمراجع التاريخية إلى اتصالات واسعة قامت بين منطقة الخليج العربي واليمن ومصر من ناحية، والهند من ناحية أخرى. واستمرت تلك الصلات في العصر الإسلامي، وفي ظل الاستعمار البريطاني الذي كانت طرق مواصلاته للهند من أبرز القضايا التي أصبحت قاسما مشتركا لحركات التحرر الوطني في الهند والعالم العربي. ونتناول في هذه الدراسة الموضوعات التالية:

- خلفية العلاقات والسمات المشتركة
- الهند والعرب وعدم الانحياز
- الموقف الهندي من القضايا العربية
- التحولات في الموقف الهندي: الأسباب والمظاهر
- الواقع الراهن للعلاقات العربية الهندية
- كيفية تعزيز العلاقات العربية الهندية

الخلفية والسمات المشتركة

تتميز العلاقات العربية الهندية بعدد من السمات يمكن تلخيصها في ثلاث على النحو التالي:

الأولى: اقتراب المسافة الحضارية بين المنطقتين، بحيث أصبح كل منها يمثل عمقا حضاريا للآخر. فتأثر العرب منذ قديم الزمان بالحضارة الهندية حيث تاجروا معها، ومن خلال التجارة جاءت الثقافة. وبالمثل فقد تأثرت الهند بالحضارة الإسلامية التي أقامت دولا عدة، وأثناء ذلك أقامت آثارا أصبحت خالدة وأشهرها تاج محل وقطب منار، كما أنشأت المدارس والجامعات وأشهرها جامعة عليكرة. وأصبحت الثقافة الهندية مختلطة اختلاطا وثيقا بالثقافة العربية الإسلامية، في تجلياتها الأوردوية، التي كانت لغة البلاط والمفكرين والأدباء والمثقفين، زهاء أكثر من أربعة قرون.

الثانية: أن عدم التجاور الجغرافي المباشر بين العرب والهند جعل العلاقات بين الطرفين خالية من المشاكل الجغرافية ومنازعات الحدود وحساسياتها.

الثالثة: أن العصر الحديث، أي القرن التاسع عشر والقرن العشرين، شهد وحدة نضالية عربية هندية، إذ سيطر على الطرفين الاستعمار الأوروبي، وبخاصة الاستعمار البريطاني. وترتب على ذلك أن المشاعر الوطنية تشابهت بين المنطقتين، ولذلك عبر الأدباء والشعراء، وهم طليعة الحركة الوطنية -في تلك الفترة– عن المساندة المتبادلة.

الهند والعرب وعدم الانحياز

عندما تحرك نهرو في النصف الأول من القرن العشرين لتجميع الدول الآسيوية، في إطار من التنسيق النضالي، صدرت تعبيرات عن تلك المؤتمرات الآسيوية، تؤيد نضال الشعوب العربية، وتطلعها نحو الاستقلال. وكانت هي أكثر الاتصالات تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما تلاقت الحركة الوطنية المصرية العربية بزعامة جمال عبد الناصر مع نظيرتها الهندية بزعامة نهرو، في إطار التجمع الأفروآسيوي في باندونغ في أبريل/ نيسان 1955، وأدى التعاون والتفاهم الفكري بين الطرفين لبلورة سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وهي السياسة التي عبرت عن رغبة الدول حديثة الاستقلال في الحفاظ على استقلالها وحريتها، وحرصها على العمل من أجل السلام الدولي، ورفض سياسة الأحلاف والتكتلات، التي كانت تهدد العالم بكارثة نووية في أواخر الخمسينيات والستينيات، أي في ذروة الحرب الباردة آنذاك. ولا شك أن حركة عدم الانحياز أوجدت رابطة قوية في العلاقات الهندية العربية.

ونشير فقط إلى ثلاثة أمور تتصل بعلاقة الهند بالعالم العربي في هذا السياق وهي:

أولها: أن عدم الانحياز الهندي خدم القضايا العربية في التحرر من الاستعمار، كما أنه أفاد الهند في العديد من القضايا. ورغم الخلافات على الساحة العربية في الخمسينيات والستينيات، فإن ذلك لم يمس تطور علاقة العرب بالهند ومواقفهم تجاهها، بعكس الأمر بالنسبة لعلاقة العرب مع باكستان التي أصبحت موضع نقد من القوى العربية الثورية، لانضمامها لسياسة الأحلاف العسكرية.





ثانيها: موقف العرب من قضية كشمير، وفي هذا الإطار يمكن التفرقة بين ثلاثة أنواع من المواقف:
  1. موقف عربي أكثر تعاطفا مع وجهة النظر الباكستانية، وكان ذلك هو موقف السعودية وإلى حد ما اليمن ودول الخليج والأردن، وهو يدعو إلى تنفيذ قرار الأمم المتحدة بخصوص كشمير، وهذا معناه بصوره ضمنية المطالبة بإجراء استفتاء.
  2. موقف عربي أكثر حيادا، وتمثل في موقف دول مثل مصر وسوريا والعراق تمشيا مع دعوة تلك الدول لاحترام سيادة الدول الأخرى ومع مواقف عدم الانحياز والفكر العلماني الرافض لمفهوم الربط بين الدولة والدين.
  3. موقف عربي متوازن كما تجلى في حالتين:
- الحالة الأولى: ردا على تدمير بعض المساجد مثل مسجد بابري عام 1992 في أيودا ومسجد شرار شريف عام 1995 في كشمير. وقد شجبت بعض الدول العربية ومنها مصر والسعودية هذا التصرف وطالبت الهند بحماية المقدسات والمساجد والآثار الإسلامية ودعت لتسوية المشاكل بين الهند وباكستان سلميا.


- الحالة الثانية: قرارات منظمة المؤتمر الإسلامى وهذه قرارات جمعت المتناقضات، فطالبت بتسوية المشاكل بين الهند وباكستان سلميا بما في ذلك مشكلة كشمير وفقا لقرارات الأمم المتحدة واتفاقية سملا، فقرارات الأمم المتحدة تنص على الاستفتاء أي التدويل، أما سملا فترى حل المشاكل ثنائيا.

ثالثها: أخذت الهند موقفا يشبه الحياد في الصراع العربي العربي، إثر توقيع مصر على اتفاقية كامب ديفد ومعاهدة السلام، وهو حياد يقترب من الموقف العربي المعارض لمصر، ولذلك فترت العلاقات بين البلدين، وكانت دوافع الهند لذلك تنبع من الحرص على علاقاتها المتنامية مع الدول العربية البترولية، سواء في مجال الحصول على البترول أو الاستثمارات أو العمالة أو التجارة، فضلا عن تأثير الاتحاد السوفياتي في مرحلة كانت ماتزال الحرب الباردة قائمة.ولا شك أن من جمع هذه العوامل والسمات تشكلت سياسات ومواقف كل من الطرفين، العربي والهندي، تجاه الطرف الآخر، فأصبح التأييد متبادلا، وأضحت المصالح والمنافع متبادلة أيضا.

الموقف الهندي من القضايا العربية

سيتم التركيز على أبرز القضايا وأهمها قضية فلسطين. فحين طلبت بريطانيا إدراج قضية فلسطين على جدول أعمال الأمم المتحدة في 2 أبريل/ نيسان 1947، وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تشكيل لجنة خاصة من 11 دولة من بينها الهند، لدراسة الموقف واستقصاء جميع جوانب المشكلة في فلسطين، أكد الوفد الهندي في اللجنة برئاسة السيد عاصف على موقف بلاده، في أن اليهود لم يتعرضوا لأي إضطهاد في الهند عبر تاريخها، وأن مشكلة فلسطين يجب حلها بين العرب واليهود بطريقة ودية، وأن الدين ليس أساسا لبناء دولة. وهذا البيان الهندي واضح الدلالة في تحليله، فمن ناحية أن المندوب الهندي اختير ليكون مسلما هنديا، ومن ناحية ثانية ليؤكد على أن الصراع في فلسطين ليس صراعا دينيا، وينبغي حله بين العرب واليهود وديا، ومن ناحية ثالثة أن الدين لا يمكن أن يكون أساسا متينا لقيام دولة.

والتساؤل هو: هل كان الوفد الهندي يعبر عن مشكلة فلسطين، أم عن مشكلة الهند؟

الواقع يمكن أن نقول إنه كان يعبر عن المشكلتين معا، ويقدم رسالة فلسفية وسياسية عميقة المغزى في الرد على الفلسفة الاستعمارية في الهند وفلسطين في نفس الوقت. ولكن السياسة الدولية المستندة إلى القوة لم تستمع للحكمة الهندية، وأعدت اللجنة الخاصة تقريرا تضمن توصية بأحد اختيارين، الأول: تقسيم فلسطين إلى دولتين مع اتحاد اقتصادي بينهما، وعرف هذا الاختيار بأنه يعبر عن رأي الأغلبية. والثاني: إقامة دولة فدرالية في فلسطين، وعرف هذا الخيار بأنه يعبر عن رأي الأقلية والتي ضمت الهند وإيران ويوغسلافيا. في حين أن خيار الأغلبية ضم الدول الأوروبية وأميركا اللاتينية أعضاء اللجنة المكونة من 11 دولة آنذاك.

وفي مرحلة لاحقة ترأست الوفد الهندي السيدة فيجايا لاكشمي بانديت، وأكدت موقف الهند من قضية فلسطين في اللجنة الخاصة Ad hocCommittee، في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 1947، حيث أوضحت "أن السلام في فلسطين والشرق الأوسط يمثل أهمية حيوية للهند، نتيجة الجوار الجيوسياسي، وأن المشكلة الأساسية هي إنهاء الانتداب، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأن فلسطين هو بلد ذو أغلبية عربية، وإن هذا يجب ألا يتغير ضد مصلحة العرب، وأنه عندما تصبح فلسطين دولة مستقلة، يمكن أن يحصل اليهود على استقلال ذاتي كبير في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية. وأن الهند نفسها عانت من الوعود المتضاربة للقوة الاستعمارية التي كانت تحكمها، ومن هنا فلا يمكنها إلا أن تتعاطف مع الموقف العربي.

مرة أخرى نقول إن تحليل هذا الموقف يظهر عدة حقائق واضحة تمام الوضوح في الموقف الهندي، أولاها أن هذا الموقف يعكس التجربة التاريخية الهندية مع الاستعمار، وثانيها أنه يعبر عن حقائق واضحة على أرض فلسطين ذات الأغلبية العربية، وثالثها أنه يقدم حلا مثاليا، وهو الاستقلال الذاتي لليهود في مناطق أغلبيتهم، مع الحفاظ على وحدة الدولة. ومرة أخرى لم تستمع اللجنة أو بالأحرى لم تأخذ اللجنة بمنطق الحكمة الهندية، ولا شك أن تحليل هذا الموقف الهندي في بداية نشأة الدولة الهندية يزودنا بمفاتيح هامة، ليس فقط لفهم مشكلة فلسطين، بل لفهم مشكلة الهند وعلاقاتها مع باكستان، وعلاقاتها مع العالم العربي، ويهمنا الإشارة هنا لعدة نقاط ذات مغزى:
  • الأولى: أن موقف الهند من قضية فلسطين كما برز منذ البداية وتطور عبر ما يقرب من نصف قرن، أي حتى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 1992، استند لرفض مفهوم الدين كأساس للدولة، كما استند لفلسفة الهند وتجربتها، وللتعبير عن مصالحها مع العالم العربي بنظرة ثاقبة وعقلانية.
  • الثانية: أن ما عبرت عنه الهند من مقولات في تلك المداولات بالأمم المتحدة، كانت تمثل الحكمة البليغة للحضارة الهندية، وتعبر عن فلسفة حزب المؤتمر الهندي وسياسته، وهي سياسة استهدفت التآلف بين مختلف الأديان في الهند، وشكلت نظرة الهند للدول الأخرى من هذا المنطلق.
التحولات في الموقف الهندي


لقد شهد عقد التسعينيات تحولا هاما في المواقف الهندية من القضايا العربية، وبخاصة قضية فلسطين وقضية جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. ولا شك أن التعاون الكبير الذي تطور بين الهند وإسرائيل منذ إقامة الدبلوماسية رسميا بينهما عام 1992، كان هو الدافع الرئيسي وراء هذا التحول الذي تنفي الهند حدوثه، ولكنه حقيقة ملموسة يدركها كل من يتابع التطورات في الشرق الأوسط ومواقف الهند منها. ونسوق مثالين للدلالة على هذا التغير وهما مثالان يرتبطان بمواقف الهند من التصويت على القرارات الخاصة بفلسطين في الأمم المتحدة:

الأول يتمثل في تأييد إلغاء قرار اعتبار الصهيونية صورة من صور العنصرية، وهو القرار الذي أيدته الهند عام 1975 عند صدوره، في حين أيدت إلغاءه عام 1992، تمشيا مع تيار السياسة الدولية ورمالها المتحركة. والمثال الثاني هو تصويت الهند عام 2000، بالاعتراض على الفقرة السادسة من قرار جعل الشرق الأوسط منطقة منزوعة السلاح النووي، وخالية من أسلحة الدمار الشامل. والفقرة السادسة تطالب إسرائيل بالانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي بصفتها الدولة الوحيدة في المنطقة غير المنضمة للاتفاقية، وإن هذا في إطار تأكيد مفهوم العالمية للمعاهدة المذكورة. وكانت الهند قبل عام 2000 تصوت بالامتناع على تلك الفقرة لاعتبارات خاصة بتسلحها النووي. هذا ناهيك عن خفوت صوت الاعتراض الهندي، أو النقد الهندي لسياسات إسرائيل القمعية في الأراضي الفلسطينية، وهي سياسات بلغت أوجها في حصار ياسر عرفات في رام الله وتدمير القرى والمدن والقيام بمذابح في جنين ونابلس وطولكرم وغيرها.

والآن يمكننا أن نتساءل عن أسباب هذا التحول أو التغير في الموقف الهندي، وقبل أن نحلل هذه الدوافع لا بد أن نشير إلى حقيقة يتجاهلها البعض، أو يتصور عكسها، وهي أن البعض يتصور أن الهند كانت حليفا للدول العربية، وأن هذا التحالف تغير الآن، وهذا غير صحيح، فالحقيقة أن الهند -كغيرها من الدول- تبحث عن مصالحها ولم يكن لديها أي مصلحة في التحالف مع أي دولة عربية، وإنما كان هناك تضامن نضالي وتنسيق وتعاون في الأمم المتحدة، وتأييد متبادل للترشيحات في المناصب الدولية المختلفة ونحو ذلك.

ويمكن إرجاع التغير في الموقف الهندي إلى اعتبارات خمسة رئيسية تتمثل في ما يلي:
  1. إقامة علاقات مفيدة وهامة مع إسرائيل، ويكفي الإشارة إلى حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي يزيد عن مليار دولار عام 2000، وكان 202 مليون دولار عام 1992، أي عندما لم تكن هناك علاقات دبلوماسية رسمية. ومقارنة ذلك بحجم التبادل التجاري الهندي مع دولة ذات علاقات قديمة مع الهند، مثل مصر نجده لا يزيد عن 400 مليون دولار عام 2000، ومع سوريا زاد قليلا عن مائة مليون دولار، ومع المغرب وصل إلى 360 مليون دولار نتيجة استيراد الهند فوسفات من المغرب، ومع ليبيا حوالي 30 مليون دولار، ومع الجزائر حوالي 40 مليون دولار. أما العلاقات التجارية الهامة، فهي مع دول الخليج، والتي تصل أعلاها مع المملكة العربية السعودية حوالي ثلاثة مليارات دولار، ويلي ذلك الإمارات حيث تزيد عن ملياري دولار، ثم الكويت. باختصار أصبح حجم التبادل التجاري الهندي مع إسرائيل يتزايد بصورة كبيرة، ويمكن في غضون سنوات قلائل أن يزيد عن حجم التبادل مع جميع الدول العربية، إذا استثنينا البترول والغاز.
  2. التعامل الهندي مع إسرائيل دخل قطاعات هامة في التكنولوجيا المتقدمة والمجالات العسكرية ومجال الفضاء والذرة، حتى إن بعض التقارير الصحفية أشارت إلى أن تجربتين من التجارب النووية الخمس التي أجرتها الهند عام 1998 كانت لحساب إسرائيل.
  3. تأثير العلاقات الأميركية الهندية المتزايدة، ليس فقط في المجال الاقتصادي أو السياسي بل في المجال العسكري، ومعروف دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في هذا الصدد.
  4. إن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين الهند والدول العربية أصبحت ثابتة، ولا يتوقع أن تتعرض لأي مساس نتيجة تطور وتحسن العلاقات الهندية الإسرائيلية، وهذا ليس غريبا، فالعالم كله يطور علاقته بإسرائيل، ومع ذلك لا تتعرض علاقاته مع الدول العربية لأي أذى، فلماذا تكون الهند استثناء من هذه الممارسات.
  5. إن ثقل المسلمين في الهند، وهم الذين كانوا عامل ضغط في التأثير على مواقف السياسة الهندية في عهد نهرو وحزب المؤتمر الهندي، نقول عن ثقلهم في السياسة يواجه الضعف، وهم أنفسهم يتعرضون لضغوط في ظل سياسة حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتشدد، كما أظهرت أحداث كوجرات في النصف الأول من عام 2002.
الواقع الراهن للعلاقات العربية الهندية

لا شك أن إلقاء نظرة على الواقع الراهن للعلاقات الهندية العربية، يمكن أن يقدم لنا مؤشرا حول مستقبل تلك العلاقات. فالنظرة الواقعية لهذه العلاقات تؤكد لنا ما يلي:
  • أن الهند بينما كانت سياستها في الشرق الأوسط على مدى أكثر من أربعين عاماً مؤيدة تماماً للقضايا العربية، وبخاصة قضية فلسطين، اتجهت إلى إقامة علاقات متوازنة بين العرب وإسرائيل. وهذا التوازن الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من السياسة الدولية ككل، يحقق مصالح تلك الدول، فضلا عن مصالح إسرائيل لأنه أخرجها من عزلتها من ناحية، وجعلها تطمئن إلى عدم انتقاد أو إدانة سياسة القمع التي تمارسها بعنف ووحشية غير مسبوقة، ضد الفلسطينيين من ناحية أخرى، أي أنه توازن يحمل في طياته ضعف التأييد للقضية الفلسطينية وللموقف العربي تجاهها.
  • إن الهند تعد شريكا تجاريا هاما للعالم العربي، فبعض الإحصاءات تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي بلغ حجم تجارتها مع الهند 12 مليار دولار عام 2000، وهو ما يمثل 15% من حجم تجارة الهند الخارجية كلها.
  • تمثل العمالة الهندية في منطقة الخليج العربي عنصرا هاما داعما للعلاقات بين الطرفين، حيث يوجد حوالي أربعة ملايين عامل هندي في المنطقة العربية، منهم 2.5 مليون في دول مجلس التعاون الخليجى، هذا وفقا للإحصاءات الهندية في الكتاب السنوي لوزارة الخارجية، أما تقديرات الدول الخليجية فإن عدد العمالة الوافدة تصل إلى عشرة ملايين نسمة من 38 مليون نسمة إجمالي السكان، أي حوالي 36% من سكان دول مجلس التعاون، منهم 70% من الهند، مما يعني أن العمالة الهندية في دول مجلس التعاون لا تقل عن ستة ملايين عامل. ويزيد من أهمية العمالة الآسيوية التي معظمها عمالة هندية، أنها تتركز في القطاع الخاص والمجالات الاقتصادية، هذا بالإضافة لوجود استثمارات عربية في الهند، واستثمارات هندية في بعض الدول العربية، مما يعزز الروابط بين الطرفين. أما العمالة الهندية في الدول العربية الأخرى فهي محدودة ولا تزيد عن مائة ألف في المشرق العربي وشمال أفريقيا، والجالية الهندية ذات الوزن في الدول العربية غير الخليجية فهي في اليمن، والتي بدورها في طريقها للانضمام لمجلس التعاون الخليجي.
كيفية تعزيز العلاقات العربية الهندية


إنه من المنطقي في نهاية هذه الدراسة أن يطرح التساؤل التالي نفسه: هل يمكن إصلاح ما يصفه البعض بالخلل في العلاقات العربية الهندية في المستقبل؟

لا شك أن الإجابة على هذا السؤال هي نعم متحفظة وبشروط، ويرجع التحفظ إلى أن العلاقات الهندية الإسرائيلية وصلت نقطة اللاعودة في نموها وتنوع مجالاتها، وخاصة في المجالات الأمنية والعسكرية والتكنولوجيا العالية وصناعة السلاح، فإسرائيل هي المورد الثاني للسلاح للهند منذ عام 1998، والعرب ليس لديهم بديل يقدمونه في هذا الصدد، بل ربما العكس، إنه يمكن أن يكون العالم العربي سوقا للسلاح الهندي، ومن ثم يكون سوقا غير مباشر للسلاح الإسرائيلي، وهنا مكمن الخطر. والتعامل مع ذلك يكون بوجود خطة إستراتيجية عربية حقيقية لصناعة السلاح بما يحقق بعض المتطلبات الأساسية على الأقل. أما الشروط فهي وجود موقف عربي موحد يربط المواقف السياسية بالمصالح الاقتصادية، سواء بالنسبة للهند أو غيرها من الدول. وهذا الشرط رغم صعوبة تحقيقه في العالم العربي في الظروف الراهنة، نتيجة حالة التجزئة واختلاف الأولويات في كل بلد عربي، نقول إن هذا الشرط هو المعمول به في السياسة الدولية بين جميع أطراف المجتمع الدولي التي تحدد سياساتها وفقا لمصالحها.

ويبقى في الختام أن نشير إلى أهمية تكثيف الاتصالات بين الطرفين العربي والهندي في مجالات هامة:

أولها: المجال الثقافي، بما يحافظ على صورة كل منهما لدى الآخر، وطابعه القومي الصحيح، ويحول دون امتداد التشويه للصورة العربية إلى الهند نتيجة نشاط القوى المعادية للعرب، وخاصة في ظل موجة مناهضة الإرهاب ولصق ذلك بالإسلام.

ثانيها: مجال الاستثمار، فإن وجود أموال عربية تبحث عن مجالات للاستثمار ووجود تكنولوجيا هندية يمكن أن تحقق نوعا من ترابط المصالح، بحيث يتم تطوير التعاون والمشروعات المشتركة في مجالات التكنولوجيا العالية، وأن تكون هذه المشروعات لدى كل من الطرفين، وليس فقط لدى طرف واحد، حتى تكون المنفعة متبادلة.

ثالثها: مجال العمل الإسلامي، فرغم أن الهند ليست دولة عضوا في منظمة المؤتمر الإسلامي إلا أن بها أكبر عدد من المسلمين في العالم، بعد أندونيسيا، وهذا يمثل رصيدا للعمل المشترك، إذا أحسن التعامل معه، ومن الضروري التأكيد في العلاقات العربية الهندية على احترام المسلمين وتراثهم ودورهم في حركة تحرر الهند، والحفاظ على الطابع العلماني الديمقراطي في الهند كدولة متعددة الأديان والأعراق، وهذا يقتضي تأكيد خطر الأصولية الهندوسية المتصاعد، والتي تشوه دور المسلمين، وتعمل على تدمير المساجد وتتشابه في ذلك مع سياسة إسرائيل ومواقفها، خاصة في ظل حساسية الهند تجاه باكستان واستمرار مشكلة كشمير بلا حل.

رابعها: في مجال العمل السياسي العربي المشترك، فمن الضروري أن تتحاور الدول العربية مع الهند، حول المخاطر التي تنتج عن علاقاتها مع إسرائيل، ليس بهدف وقف تلك العلاقات، وإنما كي تكون الهند مدركة للمصالح العربية، وعلى بينة من أن أي مساس بهذه المصالح سيكون له أثر سلبي على العلاقات العربية الهندية.

خامسها: في مجال العمل السياسي الدولي، لا شك أن التأييد العربي للمواقف الهندية لا بد أن يتوازن مع التأييد الهندي للقضايا العربية، فالهند تتطلع لعضوية دائمة في مجلس الأمن، وفي عدد من المحافل الدولية، والدول العربية تمثل كتلة كبيرة من الدول، ولها أيضا اتصالاتها الدولية، وهذا لا بد أن يؤخذ في الحسبان بالنسبة للهند.

سادسها: في مجال العلاقات الثنائية بين الهند وكل دولة عربية فإنه من الملاحظ أن الزيارات الهندية رفيعة المستوى أكثر في عددها لمعظم الدول العربية من نظيراتها من الدول العربية للهند، وهذا في ذاته عامل غير إيجابي، ومن ثم لا بد من تكثيف الزيارات من الجانب العربي للهند، على المستوى الأرفع هذا من ناحية، وكذلك على مستوى الفنيين والخبراء، ذلك لأنه أيضا من الملفت للنظر أن الوفود الفنية الهندية تجوب الكثير من الدول العربية، لإقامة معارض تجارية وصناعية، والترويج لسلعها، وللسياحة في الهند، وعلى الجانب العربي لا يوجد عمل مماثل.

سابعها: لابد أن ندرك أن المكانة الدولية للهند قد تغيرت، فقد أصبحت دولة مصدرة لرأس المال –رغم محدوديته- ولكن استثماراتها في مصر تزيد عن الـ300 مليون دولار، كما أن لها استثمارات في عدد من الدول العربية الأخرى. كما تهتم الهند بتقديم مساعدات فنية للدول العربية الفقيرة، والعلاقة هنا عكسية فيما يتعلق بالتعاون الفني بين الهند وإسرائيل، لأن الأخيرة هي التي لديها استثمارات في الهند ومشروعات تكنولوجية مشتركة. وهذه حقائق السياسة الدولية التي تدعونا إلى تعزيز البحث العلمي في بلادنا، للاعتماد ولو بقدر محدود على الذات، وأن يكون لدينا ما نقدمه للآخرين، ومن بينهم الهند، ولو في مجالات محدودة.

وثامنها: أنه مهما كان حجم علاقاتنا الاقتصادية والتجارية مع الهند فإن الأخيرة أصبحت تنتمي للنادي الذري ولمجموعة الدول البارزة في التنمية الاقتصادية، وعلاقاتها التجارية تتجه في معظمها للدول المتقدمة، تكفي الإشارة إلى أن إحصاءات التجارة الخارجية للهند عام 2000 أظهرت ما يلي: 60% من حجم التبادل التجاري للهند مع دول منظمة التعاون الاقتصادي (منها 26% مع دول الاتحاد الأوروبي 22% من الولايات المتحدة). أما علاقاتها مع أوروبا الشرقية فقد وصلت 2,7%، ومع روسيا الاتحادية 2,1%. أما مع جميع الدول النامية، بما في ذلك الصين والدول العربية وأفريقيا وأميركا اللاتينية فإن نسبتها 24,6%، وتظهر الإحصاءات بالنسبة للدول العربية تناقضا واضحا، فبينما تشير المصادر العربية إلى أنها تصل إلى 17% منها 15% لمجلس التعاون الخليجي فقط، تشير الإحصاءات الهندية إلى أنها لا تزيد عن 10% من حجم تجارة الهند الخارجية. وأيا كان الأمر فإن هذه النسبة لا يستهان بها، خاصة أنها تتضمن سلعا حيوية هامة في مقدمتها النفط والغاز من الجانب العربي، وتعد المنطقة العربية سوقا مهما للسلع الهندية مما يجعل المصلحة متبادلة، ومن ثم ضرورة أخذها في الحسبان من قبل صانع القرار السياسي لدى الطرفين.

هذه فقط أفكار لتطوير وتحسين العلاقات العربية الهندية على أساس سليم هو المصلحة المشتركة والمنفعة المتبادلة.
ـــــــــــــــ
* نائب مدير معهد الدراسات الدولية، جامعة البحرين.
المصدر: الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.

التعديل الأخير تم بواسطة الجشعمي ; 23-10-2011 الساعة 08:46 PM
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-10-2011, 09:05 PM   #14

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العلاقات الهندية الإسرائيلية ومخاطرها


العلاقات الهندية الإسرائيلية ومخاطرها
* بقلم/ لواء طلعت مسلم
مجالات التعاون بين البلدين
العلاقات الأمنية
العلاقات النووية بين الجانبين
مخاطر هذه العلاقة على العالم العربي والإسلامي

اتسمت العلاقة بين الهند وإسرائيل على مدى نحو أربعة عقود بالتوتر والتحفظ بينما اختلف الأمر في التسعينيات، وقد ساعد على ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وضعف الدول العربية والإسلامية. وبدأ قيام علاقات شبه طبيعية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وتشجيع الولايات المتحدة الهند على إقامة علاقات قوية بما فيها العلاقات الإستراتيجية مع إسرائيل. بالإضافة إلى تصاعد موجات العنف داخل الهند من جماعات شبه إسلامية -وخاصة في النزاع على كشمير- تدعمها حكومة باكستان، وتصور الهند بأن لدى إسرائيل خبرة في معالجة قضايا العنف الإثني، ووصول قوى متعصبة إثنيا ومضادة للإسلام للحكم في الهند (حزب بهارتيا جاناتا عام 1998)، كذلك انقلاب الولايات المتحدة على الجماعات الإسلامية التي شجعتها ضد الاتحاد السوفياتي عن طريق باكستان، وتحول الحكم في باكستان إلى حكم عسكري دكتاتوري. كل هذا نتج عنه إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين الهندي والإسرائيلي عام 1992، وجاء وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى الحكم عام 1998 ليشكل بداية جديدة للتعاون بين نيودلهي وتل أبيب، وسرعان ما تطورت هذه العلاقات تشجعها التطورات السابقة بحيث وصلت إلى علاقات تعاون إستراتيجي في بعض المجالات وخاصة الدفاع.

مجالات التعاون بين البلدين

”تغير نمط تصويت الهند على القضايا العربية فلم تعد تتبنى مشروعات قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية كما أصبحت تمتنع عن إدانة التصرفات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين”

تنوعت العلاقات بين الهند وإسرائيل فاشتملت على علاقات ثقافية، وعلاقات اقتصادية في مجالات الزراعة ونقل التكنولوجيا، واستخدام إسرائيل كمنصة لتوسيع التجارة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما شكلت السوق الهندية الكبيرة حلقة اتصال مع الشرق الأقصى ومبيعات السلاح. وأقام البلدان نحو 200 مشروع مشترك في مجالات الهندسة وإدارة المياه الجوفية ومحاربة التصحر والتكنولوجيا الرفيعة وغيرها. وقد ارتفعت الاستثمارات الإسرائيلية في الهند من 36 مليون دولار عام 1992 إلى مليار دولار عام 1999، واتفق البلدان على معاملة كل منها للأخرى معاملة الدولة الأولى بالرعاية. وارتفع معدل التبادل التجاري بينهما من 202 مليون دولار عام 1992 إلى أكثر من مليار دولار، كما اتسعت مجالاته وتنوعت.

وعلى المستوى الدبلوماسي تعاونت الهند مع إسرائيل في بعض القضايا التي تعرضت فيها إسرائيل للإدانة الدولية خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الصهيونية والعنصرية، وذلك في مقابل تأييد إسرائيل للهند في مواجهة باكستان. وتأمل إسرائيل أن يشكل الأميركيون من أصل هندي في الإدارة الأميركية (118 في مجلس النواب) عنصرا مساندا للوبي اليهودي هناك. وقد تغير نمط التصويت الهندي في القضايا العربية حيث لم تعد الهند تتبنى مشروعات قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، كما أصبحت تمتنع عن إدانة التصرفات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين.

العلاقات الأمنية

تتقدم العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل باطراد حيث أصبحت إسرائيل ثاني مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا، وقد زودت إسرائيل الهند بالكثير من الأسلحة والمعدات العسكرية في حين تقدم الهند فرصة لنشر الغواصات الإسرائيلية التي تمثل في العقيدة القتالية الإسرائيلية قوة ضربة ثانية بحرية بعيدة عن أسلحة جيرانها، ويمثل المحيط الهندي بنية تحتية إدارية تسهل الانتشار غير متوفرة في البحر المتوسط ولا في البحر الأحمر. ولا شك في أن ذلك يتطلب تعاونا إسرائيليا مع الأسطول الهندي، ويمثل التعاون الهندي مع الأسطول الإسرائيلي عملا مهما لإمكان تهديد إسرائيل لإيران التي طورت صواريخ يمكنها إصابة كافة المدن الإسرائيلية الكبرى، كما يساعد على تهديد دول الخليج وتطويق الوطن العربي من الجنوب. وفي هذا المجال قامت الغواصات الإسرائيلية عام 2000 باختبار وتجربة صاروخ "كروز" قادر على حمل رأس نووية في مياه المحيط الهندي أمام شاطئ سريلانكا. وتكررت التقارير عن مثل هذه التجارب بعد ذلك. وهناك تقارير عن رغبة مشتركة بين الجانبين في التعاون بمجال تطوير نظام مضاد للصواريخ على أساس النظام "أرو" باعتبار أن كليهما يتعرض لاحتمال التهديد باستخدام الصواريخ ضده. ويرى بعض الكتاب الإسرائيليين أن تحالفا بين الهند وإسرائيل تؤيده الولايات المتحدة سيخلق قوة استقرار في المنطقة بالتعاون مع قوى لها عقلية مشابهة مثل تركيا، وأنه يمكن أن يساهم في مواجهة قوى التطرف الراديكالي المعادي لمصالح الولايات المتحدة في غرب ووسط آسيا. ومن المحتمل أن يكون أحد أهداف هذا التعاون إنشاء توازن وثقل مضاد لقوة الصين المتنامية والتي تتحدى الهيمنة الأميركية.

واشتملت العلاقات العسكرية بين إسرائيل والهند على عدة جوانب أهمها الإمداد بالسلاح، ومنها تزويد إسرائيل بمقاتلات ميغ/27 الهندية بعناصر إلكترونيات الطيران، وتحسين قدرات الطائرات 125 طائرة ميج/21 وطائرات سوخوي/30 وطائرات "جاغوار" ومروحيات مي/35 ومي/8، كما باعت إسرائيل للهند عددا غير معروف من طائرات بدون طيار، وقنابل موجهة بالليزر، وأحدث نظم إدارة النيران للدبابات "ت/72 "، و30 صاروخا مضادا للسفن من طراز "باراك"، وتحسين قدرات 180 مدفعا عيار 155 ملم وبيع دانات مدفعية عيار 155 ملم، ورادارات ونظم مساحية، وأجهزة رصد ومراقبة الحدود بما فيها مستشعرات شديدة الحساسية للمساعدة على تشغيل خط السيطرة على الحدود الهندية الباكستانية، وبنادق قناصة، وأجهزة رؤية ليلية، وأجهزة تقدير المسافات وتحسين إمكانيات المعدات السوفياتية المدرعة والطائرات. وتشتمل قيمة العقود ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار من المعدات العسكرية.

كذلك يتردد أن إسرائيل زودت الهند برادار "غرين باين" المستخدم في نظام "أرو" بموافقة الولايات المتحدة، وتكنولوجيات الإجراءات الإلكترونية المضادة. وهناك تقارير بأن الهند تتفاوض لشراء نظام الإنذار المتقدم المحمول جوا من طراز "فالكون"، كما اشتملت المحادثات الهندية الإسرائيلية الأميركية على بيع الهند نظام "أرو" للدفاع ضد الصواريخ. وفي مجال الوحدات البحرية اشتملت مبيعات السلاح الإسرائيلي للهند على لنشين سريعين من طراز "دفورا" مسلحين بنظم مساحة حديثة ونظام مدافع معقد، وصواريخ مضادة للسفن سبقت الإشارة إليها.

”تتقدم العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل باطراد فقد أصبحت إسرائيل ثاني مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا، في حين تقدم الهند فرصة لنشر الغواصات الإسرائيلية في المحيط الهندي”

وفي مجال المشروعات المشتركة سبق أن أذاع مسؤول أميركي من البنتاغون في ديسمبر/ كانون الأول 2002 أن الهند وإسرائيل تخططان لإنتاج مشترك لمروحية خفيفة متقدمة. وقد تعاونت شركة "هندوستان إيرونوتكس ليمتد" مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتسويق مشترك للمروحية الخفيفة المتقدمة من صنع الشركة الهندية المذكورة. وقد أعلن مسؤولون من شركة هندوستان المذكورة في فبراير/ شباط 2003 عن اتفاق تكامل إلكترونيات الطيران من إنتاج شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في المروحية الخفيفة المتقدمة، وفي تسويق هذه المروحية عالميا. كما اتفقت الهند وإسرائيل على إنتاج مشترك للنشات السريعة من طراز "دفورا". وفي مجال التدريب يقوم خبراء إسرائيل في مكافحة الإرهاب بتدريب نظرائهم الهنود في كشف التسلل على امتداد الحدود، وتتبع حركة المتطرفين في الدولة، واكتشاف المفرقعات وتأمين القنابل واستخدام الأجهزة والتكتيكات الأخرى. ومن المنتظر أن تقوم إسرائيل بتدريب أربع كتائب أي ما يعادل نحو ثلاثة آلاف جندي هندي على ضربات ضد أعمال العصابات بالإضافة إلى تدريبهم في الصحراء والجبال والأدغال وتحرير المخطوفين.

العلاقات النووية بين الجانبين

تنفي كل من الهند وإسرائيل أي تعاون فيما بينهما في المجال النووي. ويرى كتاب إسرائيليون أن كلا من الهند وإسرائيل أبدتا قلقا بخصوص البرنامج النووي الباكستاني في الثمانينيات، وهناك ميل إلى الاعتقاد بأن مخابرات الطرفين كانت على اتصال وثيق بينهما منذ ذلك الوقت، وأن كلتا الدولتين باعتبار أنهما لم توقعا معاهدة حظر الانتشار النووي يمكن أن تدعم كل منهما موقف الأخرى عند صياغة ردودهم الدبلوماسية لهذه المعاهدة. ومن الملاحظ أن إسرائيل لم تتفاعل مع تجارب الهند النووية في مايو/ أيار عام 1998، وتهتم تل أبيب بعدم انتشار التكنولوجيا النووية إلى الشرق الأوسط.

وفي الوقت الحالي يبدو تعاون الاستخبارات الهندية والإسرائيلية غير المعلن بشأن القضية النووية مفيدا لكلا الطرفين، لكن هناك شكوك كثيرة لدى كثير من المسلمين والعرب في أن إسرائيل ساعدت الهند في إنتاج الأسلحة النووية وتجربتها. ومن الجدير بالذكر أن الهند أجرت أول انفجار نووي إبان الحرب الباردة وقبل إقامة علاقة عسكرية معقولة بين الطرفين، وبالتالي فإن نيودلهي لم تكن بحاجة إلى مساعدة إسرائيلية في إجراء اختبارات نووية، وإن كان من المؤكد أن تستفيد من خبرة إسرائيل في مجالات ضبط الأسلحة الحاملة للقنابل النووية وتطوير وسائل حملها وترتيبات تجربة السلاح النووي وما إلى ذلك. وقد أشار الوزير الهندي إل كي أدفاني في مايو/ أيار 2000 إلى أنه يساند التعاون الممتد بين إسرائيل والهند في كل المجالات بما فيها المجال النووي.

مخاطر هذه العلاقة على العالم العربي والإسلامي

”أي علاقة تعاون بين إسرائيل ودولة أخرى تمثل خطرا على العالم العربي والإسلامي لأنها تمنح إسرائيل فرصة لمزيد من التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، كما تعطيها فرصة للخروج من عزلتها”

تعتبر أية علاقة تعاون بين إسرائيل ودولة أخرى خطرا على العالم العربي والإسلامي إذ يمثل ذلك فرصة لإسرائيل لمزيد من التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، كما يشكل فرصة لخروج إسرائيل من عزلتها في المنطقة حيث تحيط بها دول وشعوب عربية تدرك مخاطرها.وهكذا فإن تطور العلاقة بين الهند وإسرائيل يمثل خطرا على الدول والشعوب العربية والإسلامية، لكن هذه المخاطر تختلف باختلاف أنواعها. وإذا كان من الضروري تحديد الأولويات، فإن المخاطر الناجمة عن العلاقات الإستراتيجية الأمنية والتي تتمثل أساسا في استخدام إسرائيل لمياه المحيط الهندي بالتعاون مع الأسطول الهندي تشكل الخطر الأكبر حيث يشكل الوجود البحري الإسرائيلي تهديدا مباشرا لجنوب شرق الوطن العربي وخاصة دول الخليج العربي والعراق، وللدول الإسلامية بجنوب غرب آسيا وخاصة إيران وباكستان حيث هنا يصبح التهديد للوجود ذاته.

أما مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للهند فإنها تزيد من قدرات إسرائيل على تطوير صناعتها العسكرية على نحو يزيد من قدرتها على تهديد الوطن العربي والإسلامي، كما أنها تساعد إسرائيل على مواجهة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن انتفاضة الأقصى وبالتالي القدرة على الاستمرار في تهديد الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة. ورغم أن التعاون الهندي الإسرائيلي في المجال النووي ليست له أهمية كبيرة نتيجة لإجراء الهند أول تفجير نووي قبل تعاونها مع إسرائيل، فإن هذا التعاون في حد ذاته يجعل من الهند قوة نووية مهددة للوطن العربي والعالم الإسلامي بالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يمكن إغفال أهمية التعاون الهندي الإسرائيلي في باقي المجالات إذ أنه يوفر فرصة لإفلات إسرائيل من الإدانة الدولية في المحافل المختلفة، كما أنه يفتح السوق الهندية الكبيرة أمام المنتجات الإسرائيلية مما يمكنها من الصمود في مواجهة المقاطعة العربية.
ــــــــــــــــــــــــــ
خبير مصري في الشؤون العسكرية والإستراتيجية
المصدر: الجزيرة

¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤


مستقبل التحالف الهندي الإسرائيلي

* مدحت أيوب : منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي وتحديدا بعد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/ تشرين الأول 1991، أخذت العلاقات الهندية الإسرائيلية تتطور بشكل سريع في المجالات المختلفة، مما أثار تساؤلات كثيرة حول تأثير ذلك على الأمن العربي وعلى العلاقات الهندية العربية. ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى تناول نشأة العلاقات الهندية الإسرائيلية وتطورها ومجالاتها، وآثارها السلبية على الأمن العربي والعلاقات الهندية العربية.

- نشأة وتطور العلاقات الهندية الإسرائيلية
- التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي
- أثر التعاون الهندي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية

نشأة وتطور العلاقات الهندية الإسرائيلية

بعد انطلاق عملية التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل بمؤتمر مدريد في أكتوبر/ تشرين الأول 1991 أعلن رئيس وزراء الهند ناراسيما راو (حزب المؤتمر) يوم 29 يناير/ كانون الثاني 1992 إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الهند وإسرائيل، وتبادلت الدولتان السفراء. غير أن هذا التاريخ كان نقطة تحول في هذه العلاقات ولم يكن بداية نشأتها، إذ ترجع هذه النشأة إلى اعتراف الهند واقعيا بإسرائيل (1) يوم 17 سبتمبر/ أيلول 1950 بموافقتها على تأسيس مكتب تجاري لها في بومباي -حيث توجد أقلية يهودية- ليشرف على هجرة يهود الهند والعراق وأفغانستان إلى إسرائيل، وهذا المكتب هو الذي تحول إلى قنصلية إسرائيلية في يونيو/ حزيران 1953 في أعقاب زيارة المدير العام للخارجية الإسرائيلية والتر إيتان إلى الهند عام 1952 لمناقشة الخطوات المطلوبة لإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.

وتمثلت أهم المحطات في تاريخ البلدين منذ الستينيات على النحو التالي:

في عام 1962 وعندما اشتعلت الحرب بين الهند والصين طلب نهرو من رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون مساعدات عسكرية تمثلت في نوعيات محددة من الأسلحة الإنجليزية الصنع التي كان يستخدمها الجيش الهندي، مثل الهاون 81 مم و120 مم ومدافع الميدان 25 رطلا وذخائرها، وقد استجابت إسرائيل بسرعة للمطالب الهندية، ودعم هذا الموقف الهندوسي الداعي إلى تطوير العلاقات مع إسرائيل.

في عام 1963 قام عضوا حزب المؤتمر الهندي تي أس باهيتمان وشاكر رغو ناثان بتعليمات من نهرو بزيارة إسرائيل لدعم التعاون العسكري بين البلدين، ورداً على هذه الزيارة قام رئيس الأركان الإسرائيلي ديفد شالفيت بزيارة الهند، حيث قام بتوقيع اتفاقية عسكرية للتعاون الاستخباراتي والتدريبات المشتركة وتلبية احتياجات الهند العسكرية (في هذه الفترة كان هناك تعاون عسكري بين الهند ومصر في مجال تطوير مقاتلة التدريب النفاثة ومجالات دفاعية أخرى).

في عام 1965 وبمناسبة حرب الهند مع باكستان قدمت إسرائيل للهند كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات العسكرية خاصة في مجال الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف المدفعية وأجهزة الاتصالات. وفي 1967 أرسلت الهند لإسرائيل كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال التي تحتاجها إسرائيل خاصة بالنسبة لدبابات إم إكس 13، وفي أعقاب هذه الحرب أرسلت الهند وفدا عسكريا إلى إسرائيل للوقوف على الخبرة الإسرائيلية في القتال على أكثر من جبهة وكذا تخطيط وتنفيذ العمليات البرية الشاملة.

تكثفت الزيارات بين المسؤولين العسكريين للبلدين في السنوات الثلاث الأخيرة من الستينيات، وكان أبرزها زيارة قائد سلاح الطيران الهندي لنظيره الإسرائيلي في مايو/ أيار 1970، وكان لهذه الزيارة ثمارها في الحرب التي شنتها الهند على باكستان في 1971 وأسفرت عن إنشاء دولة بنغلاديش، وفي هذه الحرب قدمت إسرائيل كميات ضخمة من ذخائر المدفعية والدبابات والصواريخ المضادة للدبابات.

بعد حرب 1973 تعددت زيارات الوفود الهندية لإسرائيل للحصول على خبرات الحرب الإلكترونية، وعقب غزو لبنان 1982 حرصت الهند على الحصول على الخبرة الإسرائيلية في مجال توجيه الضربات الجوية باستخدام طائرة الاستطلاع والإنذار المبكر الإسرائيلية E2C، وانعكس هذا في طلب الهند من إسرائيل تزويدها في التسعينيات بنظام فالكون للإنذار المبكر.

عقب فوز راجيف غاندي في انتخابات 1984 أخذت النزعة البراغماتية تطغى على سياسات حزب المؤتمر، فتكثفت العلاقات مع إسرائيل من خلال الاتصالات المباشرة. وقد ساعد على ذلك اتجاه الحرب الباردة إلى نهايتها ودخول الدول العربية في مفاوضات مع إسرائيل, ونشأت حاجة الهند إلى إسرائيل كي تدعم العلاقات الهندية مع الولايات المتحدة.

يوم 12 مارس/ آذار 1992 قام وكيل الخارجية الهندية جي إن ديكشت بزيارة لتل أبيب في أعقاب أحداث العنف في بومباي التي راح ضحيتها أكثر من 350 شخصا، كما قام وزير الدفاع الهندي الأسبق شارا دايا وار بزيارة لإسرائيل لمشاهدة معرض للتكنولوجيا الزراعية الدولية المقام هناك وشاركت فيه نحو 500 شركة هندية.

وبين زيارة بيريز للهند في أبريل/ نيسان 1993 التي وضعت أسس العلاقات بين البلدين في المجالات المختلفة وزيارته لها يوم 7 يناير/ كانون الثاني 2002 -لاسيما في ضوء توتر الموقف بين الهند وباكستان عقب حادث الهجوم على البرلمان الهندي يوم 13 ديسمبر 2001- سعت إسرائيل لتنسيق مواقفها مع الهند خاصة ضد باكستان وإيران بذريعة مقاومة الإرهاب.

وبين هاتين الزيارتين يمكن رصد المحطات الآتية في تطور علاقات البلدين:

قفز ميزان التبادل التجاري بين البلدين من 202 مليون دولار عام 1992 إلى 1085.8 مليون دولار عام 2000، وكان بيريز أثناء زيارته الأولى في 1993 قد أبرم اتفاقيتين ومذكرتي تفاهم في مجالات الثقافة والسياحة والنقل الجوي والعلوم والزراعة والتكنولوجيا والاستثمارات الخارجية والتعاون الاقتصادي، كما قام وزير الزراعة الإسرائيلي أثناء زيارته للهند عام 1993 بتوقيع مذكرة تفاهم لنقل التكنولوجيا الزراعية من إسرائيل إلى الهند, وتخصيص 2000 هكتار للأبحاث الزراعية بجانب 50 ألف هكتار أخرى يجري العمل فيها بولاية مهارشترا الهندية من قبل خبراء إسرائيليين.

زار رئيس اتحاد الصناعات الهندي جمشيد إيراني إسرائيل في سبتمبر/ أيلول 1993، كما زار الهند في نفس العام وفد اقتصادي إسرائيلي مكون من عشرة أعضاء يمثلون اتحاد الصناعات الإسرائيلي برئاسة المدير التنفيذي لمجموعة دلتا جليل الصناعية إحدى كبريات شركات النسيج الإسرائيلية. سعيا للاستفادة من المزايا التي حصلت عليها إسرائيل في الأسواق الأوروبية والأميركية بدخول المنتجات القادمة من إسرائيل بدون رسوم جمركية –شرط أن يكون 35% منها قيمة مضافة في إسرائيل- قام اثنان من رجال الأعمال الهنود المقيمين في أوروبا بإقامة مشروعين في إسرائيل: أحدهما للمنسوجات في منطقة بئر سبع بتكلفة 15 مليون دولار ويستورد احتياجاته من الغزل من الهند بقيمة 10 ملايين دولار سنوياً، والآخر خاص بحامض الكبريتيك بتكلفة 120 مليون دولار.

في عام 1994 تم توقيع اتفاق للتعاون الزراعي والعلوم والتكنولوجيا والبحث والتدريب، ومنحت الهند وإسرائيل كلاً منهما الأخرى ميزة الدولة الأولى بالرعاية، كما تم توقيع اتفاق لمنع الازدواج الضريبي وآخر في مجال الاتصالات، وأثناء زيارة الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان للهند عام 1996 تم توقيع أربعة اتفاقات للتعاون الصناعي والزراعي والفنون والطاقة، وارتفع حجم التجارة بين البلدين حتى بلغ 994.4 مليون دولار عام 1999.

عقب زيارة وزير الداخلية الهندي أدفاني لإسرائيل في يونيو/ حزيران 2000 قام وزير الخارجية الهندي بزيارة تل أبيب يوم الثلاثين من الشهر نفسه، حيث اتفق مع نظيره الإسرائيلي على تأسيس لجنة وزارية مشتركة لمكافحة الإرهاب، كما اتفق الجانبان على الاجتماع كل ستة أشهر لإجراء مناقشات إستراتيجية مشتركة. في أغسطس/ آب 2000 قام شمعون بيريز بزيارة الهند للحصول على دعمها في المباحثات التي كانت جارية مع الفلسطينيين تحت إشراف الرئيس الأميركي بيل كلينتون في كامب ديفد، كما قام المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية أموس بارون بزيارة نيودلهي في سبتمبر/ أيلول 2000 تحضيرا لإبرام صفقة عسكرية كبيرة من المعدات الإسرائيلية.

هدفت الهند من وراء تعاونها مع إسرائيل إلى تطوير علاقاتها الشاملة مع الولايات المتحدة، من ذلك مثلا أن رئيس الوزراء الهندي فاجبايي في زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2000 في إطار قمة الألفية للأمم المتحدة، حرص على الحصول على دعم اللوبي اليهودي الأميركي في مباحثاته مع الإدارة الأميركية في مجال الحصول على احتياجات الهند الدفاعية أو التكنولوجية أو الاقتصادية, زاعماً أن الهند تقف في وجه ما أسماه بالإرهاب الإسلامي في جنوب آسيا، ومن ثم فهي في حاجة إلى الدعم والمساندة الأميركية في هذه المواجهة. أيضا استطاعت إسرائيل أن توظف عنصر المهاجرين الروس إليها لتنفذ إلى الدول التي اعتمدت في منظماتها العسكرية على التسليح السوفياتي كالهند للدخول في عمليات تطوير هذه الأسلحة وتزويدها بما يلزم من معدات، وقد كان سقوط الاتحاد السوفياتي متزامناً مع نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية. وسعت إسرائيل من وراء تطوير علاقاتها مع الهند إلى الاستفادة من ميزة السوق الهندية الواسعة خاصة في المجالين العسكري والتكنولوجي، وإلى تحويل الهند من صديق إستراتيجي للعرب إلى صديق إستراتيجي لإسرائيل، وتنشيط جبهة باكستان الهندية لوقف أي احتمال لتطوير القدرات النووية الباكستانية كعنصر تهديد لإسرائيل.

التعاون العسكري الهندي الإسرائيلي

تعددت مجالات التعاون بين البلدين، رغم حرص الهند الدائم على التصريح بأن علاقاتها مع إسرائيل هي كعلاقة أي دولة معها في العالم، وأن ما يذكر عن التعاون في تقارير كثيرة عن تعاون إستراتيجي بين البلدين خاصة في المجال النووي لا يزيد على كونه تقارير إعلامية. ومن أبرز مجالات العلاقات بين الهند وإسرائيل المجالان العسكري والأمني.

المجال العسكري

في يوم 16 أبريل/ نيسان 1997 ضبطت السلطات السريلانكية أربع حاويات تحمل 18 طناً من مواد كيماوية تستخدم في صناعة غاز الأعصاب، وكانت هذه الحاويات قادمة من بومباي إلى إسرائيل, فقد شمل التعاون العسكري بين البلدين مبيعات معدات عسكرية وأسلحة وتدريب وتطوير، وقد بدأت عمليات بيع الأسلحة والمعدات العسكرية كما ذكرنا في عام 1962 أثناء الحرب الهندية الصينية، وتطورت عام 1965 أثناء الحرب الهندية الباكستانية، ثم في الحرب الهندية الباكستانية في 1971، ثم أخذت هذه العلاقات تتنامى كوسيلة للحصول على التكنولوجيا الغربية والأميركية من البوابة الإسرائيلية. وقد عرض الوفد الأمني المرافق بيريز أثناء زيارته للهند عام 1993 بيع نظام رصد وتحكم في النيران للدبابة الهندية أرغون، وتحديث الأسلحة والمعدات السوفياتية (دبابات ت 55 و62 و72 ومقاتلات ميغ 21) وإمداد الهند بذخائر المدفعية 155 مم وصواريخ مضادة للدبابات ونظم رادارية. وفي منتصف عام 1998 قررت الهند شراء 16 طائرة بدون طيار من إسرائيل من نوعيات هنتر وسكاوت بالإضافة إلى محطة تحكم خاصة بإدارتها. وعندما تفجرت أزمة كارغيل في كشمير يوم 26 مايو/ أيار 1999 وافقت إسرائيل على مطالب الهند من الأسلحة والمعدات والذخائر الإسرائيلية التي كانت الهند قد تقدمت بطلب شرائها قبل نشوب هذه الأزمة خاصة القنابل الجوية الموجهة بالليزر.

وعندما فرضت واشنطن عقوبات على كل من الهند وباكستان بسبب التفجيرات النووية عام 1998، تمكن اللوبي اليهودي من تمرير عملية بيع نظام إلكتروني إسرائيلي متقدم إلى الهند من إنتاج مصانع الطائرات الإسرائيلية IAI، وتغاضت واشنطن عن هذه الصفقة بعد أن كانت تعترض عليها.

وفي 29 مايو/ أيار 2000 نشرت مجلة ديفنس نيوز الأميركية أن الهند تسعى لشراء أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ من إسرائيل، وأن سلاح البحرية الهندي يتفاوض على شراء أنظمة مضادة للصواريخ من مؤسسة الصناعة الحربية الإسرائيلية روفائيل، كما أن وزارة الدفاع الهندية مهتمة بشراء سبعة أنظمة من طراز باراك المضادة للصواريخ بتكلفة 25 مليون دولار لكل منها على أن يتم تسليمها في غضون عامين. وفي يوليو/ تموز 2001 وقع البلدان على عقد بقيمة مليار دولار تزود إسرائيل بمقتضاه الهند بنظام رادار متطور وطائرات بدون طيار وتجدد لها عددا من طائرات سلاح الجو الهندي, ثم أعقب ذلك في يناير/ كانون الثاني 2002 وأثناء زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز إلى نيودلهي الإعلان عن صفقة قيمتها 250 مليون دولار لبيع طائرات رادار إسرائيلية من طراز فالكون.

وقد أقنعت إسرائيل الولايات المتحدة بأن تعاونها العسكري مع الهند يحقق للولايات المتحدة ثلاثة أهداف:

استكمال تطويق إيران من الجنوب الشرقي تمهيداً لإخضاعها للسيطرة الأميركية أو ضربها إذا اقتضى الأمر.
احتواء الصين القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة في القرن الحالي.
قمع الحركات الأصولية الراديكالية في المنطقة.

ولم يقتصر مجال العلاقات العسكرية بين الهند وإسرائيل على الأسلحة والمعدات العسكرية التقليدية فحسب، ولكنه امتد إلى المجال النووي. ويرجع تاريخ التعاون النووي بين البلدين إلى عام 1962 عندما وقعا اتفاقاً للتعاون النووي بينهما يتم بمقتضاه تبادل الخبرات والمعرفة النووية وتنظيم الزيارات بين العلماء في البلدين، وقد قامت الهند بتزويد إسرائيل بمادة الثوريوم واليورانيوم التي توجد باحتياطيات كبيرة في الهند مقابل تزويد إسرائيل الهند بالتكنولوجيا النووية الجديدة والخبرات النووية. ومن أهم مجالات التعاون النووي بين البلدين: التعاون في مجال تصغير الأسلحة النووية، بما يعني إنتاج قنابل ورؤوس وقذائف نووية ذات أعيرة أقل، والتعاون في مجال التجارب النووية وفي مجال الصواريخ. ويرجع التعاون في مجال التدريب العسكري إلى منتصف الثمانينيات حين تلقت فرقة قوات خاصة هندية تدريبات في إسرائيل على التعامل مع مختطفي الطائرات، ففي عام 1991 تلقى حوالي 100 ضابط من المخابرات الهندية دورة تدريبية في إسرائيل على مقاومة الإرهاب، وفي نفس هذا العام قام الموساد الإسرائيلي بتدريب مجموعة أخرى من رجال المخابرات والحدود الهندية. وفي يناير/ كانون الثاني 1997 وصلت إلى الهند عقب زيارة الرئيس الإسرائيلي لها عام 1996 بعثة من 30 عنصرا من المخابرات الإسرائيلية لتدريب نظرائهم الهنود.

وفي المجال التكنولوجي العسكري قام وفد عسكري هندي في يونيو/ حزيران 1996 بزيارة إسرائيل، وأبدى رغبته في الحصول على تكنولوجيا تطوير الصواريخ البالستية متوسطة المدى في مجال توجيهها، كما بحث إمكانية شراء 31 طائرة روبوتية من إنتاج إسرائيل. وقد نشرت صحيفة هندوستان تايمز (8/4/1997) تقريراً ذكرت فيه أن إسرائيل عرضت على الهند تزويدها بتكنولوجيا جديدة في مجال الصواريخ البالستية وأنظمة الإنذار المبكر وتطوير قواتها الجوية. وفي أثناء زيارة رئيس الأركان الهندي لإسرائيل في مارس/ آذار 1993 تم الاتفاق على أن تساعد إسرائيل الهند في تطوير طائرة بدون طيار من إنتاج الهند، وتحويل "شاسيهات" الدبابات الهندية إلى مدافع ذاتية الحركة، وتسهيلات لصنع عربة قتال مدرعة، والمشاركة في تطوير المقاتلة الهندية الخفيفة LCA. وبعد تولي حزب بهارتيا جاناتا السلطة في نيودلهي تدعمت علاقات الهند بإسرائيل في مجال التكنولوجيا العسكرية، وشملت مجالات التعاون الحصول على التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الكمبيوتر والسوفت وير ورقائق الأمونيوم والمواد المركبة ومكونات صواريخ الدفع وأقمار التجسس. وفي أواخر عام 1999 نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرا عن تعاون الهند وإسرائيل في تطوير طائرة تجسس هندية، كما أن التقارير الإعلامية كانت قد ذكرت عام 1998 أن إسرائيل طلبت من الهند استخدام إحدى قواعدها القريبة من الحدود مع باكستان من أجل توجيه ضربة ضد المجمع النووي الباكستاني.

المجال الأمني

حظي التعاون المخابراتي بأهمية خاصة في علاقات الهند وإسرائيل، وقد اتضح هذا من الزيارات المتبادلة بين رؤساء المخابرات الإسرائيلية ونظرائهم من المخابرات الهندية، وامتد هذا التعاون الأمني في تأكيد إسرائيل على لسان وزير خارجيتها بيريز أثناء زياراته للهند يوم 7 يناير/ كانون الثاني 2002 على تشابك المصالح الأمنية بين البلدين، وتداخل المعادلات الأمنية بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وبعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 قام مستشار الأمن القومي الإسرائيلي عوزي ديان بزيارة الهند ليبحث مع نظيره الهندي ووزير الداخلية الهندي أدفاني والخارجية سينغ تبعات الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة، وليفتح آفاقاً أمام ما تعتبره الهند وإسرائيل مزيدا من التعاون المشترك بينهما. وفي أواخر يناير/ كانون الثاني 2002 حصل وزير المواصلات الهندي أثناء زيارته لإسرائيل على دعم إسرائيلي للهند في موقفها من الإرهاب الباكستاني على حد وصفهما. وقد استفادت إسرائيل من الأحداث الطائفية التي شهدتها الهند وجعلتها تشعر أنها ليست في منأى عن خطر الإرهاب، وأنه يوجد بينهما أرضية مشتركة للتعاون حيث يتعرضان لنفس الخطر. وكان شمعون بيريز أثناء زيارته للهند في أبريل/ نيسان 1993 قد أعرب للهند عن استعداد إسرائيل لمساعدتها في قمع الإرهاب والأصولية الإسلامية، كما تبنى وجهة نظر الهند بشأن كشمير باعتبارها جزءا من الأراضي الهندية، كما نصح الهند بتغيير التركيبة السكانية في كشمير ضد صالح المسلمين.

وفي مجال التعاون الأمني تمد إسرائيل الهند بمعلومات عن باكستان ونشطاء الحركات الكشميرية، وهي المعلومات التي تجمعها من أقمار التجسس الإسرائيلية، وما تحصل عليه من الولايات المتحدة في إطار اتفاق التعاون القائم بين إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك في مقابل وجود مخابراتي إسرائيلي في الأراضي الهندية. كما أشارت بعض التقارير إلى وجود مشروع تساعد فيه إسرائيل الهند في إقامة حائط عازل بين الهند وباكستان في كشمير يشمل موانع هندسية وأجهزة إنذار ورادارات وكاميرات مراقبة على طول 600 كلم.

أثر التعاون الهندي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية

استمرت الهند على موقفها المبدئي الداعم للقضايا العربية، ففي كلمته أمام البرلمان في ديسمبر/ كانون الأول 2000 قال وزير الخارجية الهندي "إنني أنتهز هذه الفرصة لأؤكد من جديد التزامنا بقيام دولة فلسطينية ذات حدود معترف بها دولياً باعتبارها حقا شرعيا للشعب الفلسطيني يلبي طموحاته وتطلعاته، ونؤكد أيضا تأييدنا لجميع قرارات مجلس الأمن وخاصة القرارين رقمي 242 و338". إلا أنه ساوى بين الطرفين المعتدي (الإسرائيلي) والمقاوم (الفلسطيني) حين قال "ونطالب جميع الأطراف بالتوقف عن الأعمال الاستفزازية واستخدام القوة والتحريض على استخدام العنف". وهذا المؤشر يعني بداية تحول الموقف الهندي في النظر إلى أعمال المقاومة الفلسطينية, وقد يتجه مع استمرار نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية إلى تبني وجهة النظر الإسرائيلية الأميركية في اعتبار أن أعمال المقاومة الفلسطينية هي أنشطة إرهابية، وإن كانت الهند مازالت تصوت لصالح القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة, وأمام لجنة حقوق الإنسان في جنيف يوم 18 أبريل/ نيسان 2001 والتي أقرت قضية انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك فلسطين، وقرار حول حقوق الإنسان في هضبة الجولان السورية المحتلة، وقرار حول المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة، وموقف حقوق الإنسان بالنسبة للمعتقلين اللبنانيين في إسرائيل، فقد صوتت الهند في صالح هذه القرارات بما يؤكد التزامها بتأييد الموقف العربي.

وفي الجلسة رقم 55 للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي عقدت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 صوتت الهند في اللجنة الثانية الخاصة بالقضايا الاقتصادية والمالية لصالح القرار الخاص بالسيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة. وفي اللجنة الثالثة الخاصة بالقضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية وأيضا المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني صوتت الهند لصالح القرار. وفي اللجنة الرابعة الخاصة بالشؤون السياسية وإزالة الاستعمار صوتت الهند لصالح قرار مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وأيضا لصالح قرار يدعو الدول الأعضاء إلى تقديم المنح والبعثات الدراسية للاجئين الفلسطينيين، وكذا لعمليات هيئة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين، والملكيات الخاصة باللاجئين وعوائدهم المالية، وجامعة القدس للاجئين. كما صوتت لصالح عمل اللجنة الخاصة بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية ضد الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني والعرب الآخرين في الأراضي المحتلة، وإمكانية تطبيق اتفاقية جنيف التي تم إقرارها يوم 12 أغسطس/ آب 1949 فيما يتعلق بحماية الأفراد المدنيين وقت الحروب على الأراضي الفلسطينية بما في ذلك القدس والأراضي العربية المحتلة، بالإضافة إلى تصويتها ضد الممارسات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وضد المستوطنات الإسرائيلية. وفي الجلسة الطارئة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2000 والتي تناولت الأعمال الإسرائيلية غير الشرعية شرقي القدس المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه جاء تصويت الهند لصالح القرارات العربية.

غير أنه مع نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية وقناعة الهند بأن إسرائيل هي بوابتها إلى السوق والإدارة الأميركيتين، وأن الدول العربية لن تكون جادة في ردود أفعال تؤثر على المصالح الهندية في المنطقة وأهمها حصولها على النفط العربي وتجارتها مع العالم العربي وتحويلات العاملين الهنود في البلدان العربية، كان هذا النمو في العلاقات الهندية الإسرائيلية -خاصة في بعديها العسكري والأمني- من شأنه تقوية الجانب الإسرائيلي، والمزيد من اختلال الميزان العسكري والإستراتيجي لصالح إسرائيل. كما أن هذا التعاون بين البلدين وما يؤدي إليه من تنشيط جبهة الصراع الهندية الباكستانية يؤدي إلى تحييد القوة الباكستانية في الصراع العربي الإسرائيلي، ويجر ذلك أيضا إلى تحييد القوة الإيرانية إذا ما انشغلت بالخطر القادم من الهند، مع ما تغذيه إسرائيل من محاربة الاتجاهات الراديكالية الإسلامية التي تمثل إيران واحدة منها.
ـــــــــــــــ
* رئيس القطاع الاقتصادي بالاتحاد التعاوني الاستهلاكي المركزي، جمهورية مصر العربية
- أهم المصادر:
1- أحمد محمد طاهر، "العلاقات الهندية الإسرائيلية وتداعيات 11 سبتمبر"، السياسة الدولية، القاهرة، أبريل/ نيسان 2002, ص 124.
2- حسام سويلم، "العلاقات الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2000، ص 242.
3- حسام سويلم، "الشراكة الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل"، دار نهر النيل، القاهرة، 2001، ص 12.
4- هشام بدوي، "تطور العلاقات الهندية الإسرائيلية"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 1993, ص 207.
5- سعيد عكاشة، "العلاقات العربية الهندية.. الآمال والطموحات"، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2001، ص 66.
6- حوار مع وزير خارجية الهند ووزير دفاعها، السياسة الدولية، القاهرة، أكتوبر/ تشرين الأول 2001، ص 82.
7- وزير خارجية الهند في البرلمان، صوت الشرق، القاهرة، يوليو/ تموز 2001.
8- دعم الهند للقضايا العربية والفلسطينية في المحافل الدولية، صوت الشرق، القاهرة يوليو/ تموز 2001.
المصدر: الجزيرة
¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤:¤

تحولات العلاقات الهندية الاسرائيلية

أحمد طاهر : مع مطلع عام 2008، شهد التعاون التقنى والدفاعى بين الهند وإسرائيل طفرة مهمة بإطلاق صاروخ هندى من قاعدة سريهاريكوتا الفضائية فى المحيط الهندى، حاملا قمر التجسس الإسرائيلى "بولاريس" الذى يعد الأكثر تطورا بين أقمارها التجسسية ولم تكن هذه الخطوة نقلة مفاجئة أو وليدة اللحظة، وإنما استندت إلى أرضية قوية من التعاون وتاريخ ممتد من العلاقات، مما يجعل تتويج التعاون والعمل المشترك بين الجانبين بتلك الخطوة أقرب إلى إظهار القمة فقط من جبل الجليد، وهو ما يثير التساؤل حول كيفية نجاح إسرائيل فى الوصول بمستوى التعاون إلى هذا المدى ورغم أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لم تنشأ إلا مع بداية تسعينيات القرن المنصرم، فهل ما وصلت إليه مستويات التعاون اليوم هو نتاج سبعة عشر عاما فقط، أم أنه نتاج تعاون طويل ظل فى جزء كبير منه خلف الكواليس؟

تحولات السياسة الهندية نحو إسرائيل:

يعود تاريخ العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل نفسها، وتحديدا إلى عشرينيات القرن الماضى عندما أيد الزعماء الوطنيون الهنود الموقف الفلسطينى من قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين فقد حكمت السياسة الهندية إزاء إسرائيل عقدة الاستعمار البريطانى الذى هيمن على الهند لأكثر من أربعمائة عام، فقد تغذى الوعى الهندى بمعاداة الاستعمار البريطانى وجميع سياساته وممارساته، ولذا فقد اعتبرت الهند أن ما يحدث فى فلسطين محاولة من الاستعمار البريطانى لتقسيم الأرض وتشتيت شعبها وعلى هذا، تعاملت الهند مع القضية الفلسطينية فى إطار حركات التحرر الوطنى ضد الاستعمار الغربى، لذلك كانت الهند من بين 13 دولة عارضت قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الذى أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، بل اقترحت الهند فى العام نفسه إقامة فلسطين فيدرالية تمنح حكما ذاتيا للسكان اليهود واستند هذا الموقف الهندى إلى اعتبارين، الأول: التجربة المأساوية التى عاشتها الهند فى تقسيم شعبها إلى دولتين، وهو مبدأ يحظى برضا الرأى العام الهندى الثانى: حاجة الهند إلى الأصوات العربية ومواقفها السياسية فى نزاعها مع باكستان من ناحية، وأهمية أصوات المسلمين الهنود فى الانتخابات (200 ألف مسلم) من ناحية أخرى لكن بعد قيام دولة إسرائيل، شهدت العلاقات بين الجانبين تطورات وتحولات مهمة، جاءت على مرحلتين:

أ ـ مرحلة التقارب الخفى:

ظل الموقف الهندى ثابتا على النهج السابق حتى عام 1948، الذى شهد تغيرات على مستويين: الأول: الوضع السياسى والجيوبوليتيكى فى منطقة الشرق الأوسط، حيث جاء إعلان قيام الدولة الإسرائيلية ليغير من طبيعة المنطقة ويصبح وجودها أمرا واقعا الثانى: التطورات الداخلية فى الهند، إذ كان لاغتيال غاندى عام 1950 أثر كبير فى تحول الموقف الهندى بسبب الضغوط الداخلية والخارجية التى تعرضت لها الحكومة الهندية، مما دفعها إلى منح إسرائيل اعترافا واقعيا قانونيا فى سبتمبر 1950 تلاه خلال شهور قيام إسرائيل بفتح مكتب تجارى لها فى بومباى، تحول تدريجيا إلى بعثة قنصلية فى يونيو 1953، وذلك عقب زيارة قام بها مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية وولتر إيتان إلى الهند عام 1952 إلى جانب ذلك، بحث الجانبان إمكانية قيام علاقات دبلوماسية بينهما، إلا أن التطور فى هذا الاتجاه توقف بسبب بعض المعوقات السياسية الإقليمية والدولية، ومن أبرزها: مشاركة الهند فى حركة عدم الانحياز، وممارسة الكتلة العربية داخل الحركة مزيدا من الضغوط التى حالت دون رفع مستوى العلاقات بين البلدين، رغم المساعى الإسرائيلية المتكررة المطالبة بذلك ـ العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 وإدانة الهند له ـ حالة الانقسام الدولى بين المعسكرين الغربى والشرقى والعلاقات الجيدة بين الهند والمعسكر الشرقى، فى حين تنتمى إسرائيل إلى المعسكر الغربى أدت تلك العوامل إلى منع قيام تفاهم علنى بين الهند وإسرائيل، إلا أن هذا لم يمنع وجود تعاون سرى بين البلدين منذ بداية ستينيات القرن الماضى، خاصة فى المجالات الأمنية والدفاعية وقد اتضح ذلك جليا فى العديد من الزيارات السرية المتبادلة بين البلدين، والدعم الذى قدمته إسرائيل إلى الهند فى حربها مع الصين عام 1962، ثم مع باكستان عامى 1965 و1971 وفى المقابل دعمت الهند إسرائيل فى حرب عام 1967 بإرسالها كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال، لاسيما بالنسبة للدبابات (مزكس ـ 13) واتسع مجال التعاون بين البلدين عقب حرب 1973، حيث تعددت زيارات الوفود العسكرية المتبادلة بينها، خاصة الجانب الهندى للحصول على الخبرة الإسرائيلية فى مجال الحرب الإلكترونية، ومقاومة الصواريخ المضادة للدبابات وتوسع التعاون الأمنى كذلك عقب حرب لبنان 1982، حيث حرصت الهند على الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية فى مجال تشغيل طائرات الاستطلاع والإنذار المبكر وكذلك الاستفادة فى مجال تنظيم وإدارة مناطق الحزام الأمنى فى جنوب لبنان لمحاولة تطبيقها فى منطقة الحدود بكشمير، ومكافحة عمليات التسلل عبر الحدود وتأمينها وشهدت الفترة التى أعقبت فوز راجيف غاندى ـ حزب المؤتمر ـ فى انتخابات 1984 مزيدا من التقارب الهندى ـ الإسرائيلى، شجع عليه حدوث ثلاثة تطورات مهمة، هى:

قيام علاقات رسمية بين بعض الدول العربية وإسرائيل
ـ تنامى قوة إسرائيل لدى الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة
ـ بروز قوة التنظيمات الدينية المتشددة فى الدول العربية والإسلامية واتساع نشاطها ليشمل ـ كشمير ـ الهندية وباكستان وأفغانستان، بما يعنيه ذلك من أثر على الأمن القومى الهندى

ب ـ التحول إلى العلن: حدث التحول الجذرى فى السياسة الهندية فى علاقاتها مع إسرائيل مع بداية تسعينيات القرن العشرين بما شهدته من تغيرات وتحولات دولية وإقليمية وداخلية دفعت الجانبين إلى الخروج من مرحلة السرية والحرص على إخفاء التعاون، لتبدأ مرحلة العلنية فى علاقاتهما ومن أهم تلك التغيرات والتحولات ما يلى:

1 ـ على المستوى العالمى، أدى سقوط الاتحاد السوفيتى، الحليف الاستراتيجى للهند، منذ استقلالها وما واكبه من تحلل لكتلة عدم الانحياز، وسيادة الولايات المتحدة، كقطب واحد على رأس النظام العالمى، إلى أن تعيد إعادة تقييم سياستها الخارجية، ومن بينها علاقاتها مع إسرائيل، نظرا لما تتمتع به إسرائيل واللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة من نفوذ فى دوائر صنع القرار الأمريكى فضلا عن ذلك، هناك التحولات التى شهدها أيضا قطاع الطاقة العالمى، بانتقال السيطرة على السوق النفطية إلى المشترين بدلا من المنتجين، وهو ما أضعف تأثير الضغط السياسى الذى دأبت البلدان العربية المنتجة للنفط على ممارسته تجاه الهند.

2 ـ على المستوى الإقليمى، أدى تدشين عملية السلام العربية ـ الإسرائيلية إلى التقليل من شأن الاعتراضات العربية ضد أية أطراف ثالثة تقيم علاقات مع إسرائيل فقد تحول مؤتمر مدريد للسلام المنعقد فى أكتوبر 1991 إلى فرصة أمام الدول التى ظلت مترددة فى إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل، أو الإعلان عنها.

3 ـ على المستوى الداخلى، نجم عن خسارة حزب المؤتمر انتخابات عام 1989 تزايد دور حزب الشعب الهندى ـ بهاراتيا جاناتا ـ فى النظام السياسى الهندى، الأمر الذى ساعد على إزالة التردد الذى ساد المواقف المتخذة حيال إسرائيل، وذلك فى ضوء توجهات هذا الحزب القومية الهندوسية، والذى رأى أن إسرائيل لم تعد تشكل عبئا دبلوماسيا، إن أمست حليفا للهند، فى مواجهة باكستان والتيارات الإسلامية المتطرفة، وهو ما بزر فى دعوة الحزب، خلال مؤتمره الذى عقد فى أكتوبر 1991، إلى إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل فى ضوء ما سبق، أعلن رئيس الوزراء الهندى فى 29 يناير 1992 إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين لتبدأ مرحلة جديدة من علاقاتهما، انتقلت فيها من السرية فى معظم تحركاتها إلى العلنية فى مختلف المجالات وكانت بدايتها تصويت الهند فى العام نفسه لصالح القرار الذى حركته الولايات المتحدة من أجل التراجع عن اعتبار الصهيونية شكلا من العنصرية، لتتبعها خطوات أكثر تقاربا فى مختلف أطر التعاون العسكرى والأمنى والاقتصادى والتقنى أهداف ودوافع الطرفين: ثمة تداخل كبير فى الدوافع والأهداف بين الطرفين، دفع كلا منهما إلى اتخاذ خطوات إيجابية للتقارب مع الطرف الآخر وتبرز تلك الدوافع والأهداف على النحو التالى:

أ ـ الجانب الهندى:

1 ـ رغبة الهند فى تطوير وتحديث قدراتها العسكرية ببعديها التقليدى وفوق التقليدى، بما يدعم نفوذها ودورها.
2 ـ الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية لمواجهة ما سمته الإرهاب فى ضوء ما تشهده الهند خلال السنوات الأخيرة من تفجيرات وأعمال إرهابية.
3 ـ تنظر الهند إلى إسرائيل على أنها البوابة إلى الولايات المتحدة.
4 ـ ترى الهند أن تدعيم علاقاتها مع إسرائيل يعد إضافة مهمة إلى رصيدها الاستراتيجى فى مواجهتها مع باكستان فى شأن قضية كشمير من ناحية، وتدعيما للتوازن بينها وبين الصين من ناحية أخرى.

ب ـ الجانب الإسرائيلى:

1 ـ سعى إسرائيل إلى كسب مؤيدين جدد لمواقفها من قضية الصراع العربى ـ الإسرائيلى أو "على الأقل" تحييد مواقف الأطراف المساندة للقضايا العربية.

2 ـ اختراق السوق الهندية، البالغ قوامها أكثر من مليار نسمة، والتى أصبحت مفتوحة بالفعل أمام المنتجات الإسرائيلية.

3 ـ سعى إسرائيل إلى تطوير برنامجها النووى دون اللجوء إلى إجراء التجارب بواسطة تفجيرات فعلية، نظرا لضيق رقعتها الجغرافية، وهو ما توفره الهند لها لإجراء تجاربها، سواء فى المحيط الهندى أو فى صحراء راجستان ووفقا لبعض المصادر، فإن تجربتين من التجارب الخمس التى أجرتها الهند فى 1998 كانتا لحساب إسرائيل.

4 ـ الرغبة فى تطويق إيران ومراقبة تطوراتها العسكرية والنووية، حيث يمكن لإسرائيل ـ فى ضوء القرب الهندى من الحدود الإيرانية من جانب، والتقارب الهندى ـ الإيرانى من جانب آخر ـ الاطلاع عن كثب على ما حققته طهران من تقدم فى هذه المجالات.

5 ـ حاجة إسرائيل إلى تصدير خبراتها التكنولوجية وجذب تمويلات خارجية لأبحاثها، بهدف إضافة المزيد من التطوير إلى قدراتها المتنوعة إضافة إلى تلك الدوافع والأهداف الخاصة بكل طرف، هناك عامل مهم تشترك فيه الدولتان، هو العامل الأمريكى، إذ تتوافق مساعى الدولتين إلى التقارب والتنسيق بينهما مع المصلحة الأمريكية والحسابات الاستراتيجية لواشنطن إقليميا فى غرب آسيا، أو عالميا فى ظل الصعود الصينى المخيف لواشنطن وتتجسد أبرز ملامح هذا البعد الأمريكى الذى يعمل لصالح واشنطن فى:

1 ـ حصار روسيا وإضعافها بصورة تمنعها من استعادة دورها كقوة عظمى فى المستقبل المنظور على الأقل، أو عزلها عن مجالها الحيوى، وذلك من خلال وجود قوة موالية لواشنطن على الحدود الروسية.

2 ـ التضييق على الصين، باعتبارها القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة خلال العقود القليلة المقبلة، هذا فضلا عن سعيها إلى ضرب التحالف الناشئ بين بكين وموسكو المناوئ لانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم.

3 ـ استكمال تطويق إيران من الجنوب الشرقى تمهيدا لإخضاعها للمطالب الأمريكية أو توجيه ضربة عسكرية إذا اقتضى الأمر وتصفية برنامجها النووى.

4 ـ منع تسرب التكنولوجيا والمواد والخبرات النووية، وكذلك تكنولوجيا الصواريخ وغيرها من الأسلحة التقليدية أو فوق التقليدية المتطورة، وتسربها إلى الدول التى تعتبرها الولايات المتحدة دولا مارقة أو ـ حسب التعبير الشائع "محور الشر"، كذلك منع تسربها إلى الدول العربية حتى وإن كانت معتدلة، حرصا على احتفاظ إسرائيل بتفوقها النوعى مجالات التعاون الهندى ـ الإسرائيلى: يمكن تناول مجالات التعاون بين البلدين من خلال محاور ثلاثة:

أ ـ التعاون العسكرى والأمنى: يمكن القول، بشكل عام، إن مواقف المؤسسة العسكرية الهندية حيال إسرائيل أقل عداء من المواقف الحكومية الرسمية ففور إقامة العلاقات الدبلوماسية، بدأت زيارات متبادلة لكبار العسكريين وفى عام 1997، أوفدت الهند أول ملحق عسكرى لها فى إسرائيل لتبدأ بذلك حقبة جديدة فى العلاقات الثنائية لكن، لم يرتق هذا التنسيق العسكرى بين الجانبين إلى مستوى التحالف العسكرى، إذ لم يكن أى من الطرفين يريد التدخل فى الصراع الإقليمى الذى يخوضه الآخر فإسرائيل لم ترد الوقوف خصما لباكستان، كما أظهرت حرصا كبيرا على سلامة علاقاتها مع الصين وعلى النحو نفسه، للهند هى الأخرى مصالح سياسية واقتصادية فى العالم العربى، وسجل حافل بالمواقف الداعمة للفلسطينيين أضف إلى ذلك أن مواقف الهند حيال إيران المجاورة لباكستان تختلف عن تلك التى تتخذها إسرائيل إزاءها بيد أن ثمة مجالات للتنسيق والتعاون العسكرى تشتمل على: مشتريات الأسلحة، خطط مشتركة لإنتاج المعدات الحربية، التعاون فى مكافحة الإرهاب، التعاون فى مجال النشاطات الفضائية، وذلك على النحو التالى:

1 ـ نقل الأسلحة والتكنولوجيا: فقد جاء المسعى الهندى لامتلاك أحدث التقنيات الحربية متوافقا مع حاجة إسرائيل لتوسيع سوق منتجاتها العسكرية، حيث شهدت السنوات الماضية إبرام الجانبين للعديد من الصفقات العسكرية، سواء لتطوير القدرات العسكرية الموجودة، أو لشراء قدرات عسكرية جديدة ففى عام 1996، اشترت الهند من إسرائيل منظومة متطورة لمناورات القتال الجوى، جرى نصبها فى قاعدة جامناجار الجوية وفى أواخر العام نفسه، فازت مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية بعقد قيمته 10 ملايين دولار لبناء زورقين من زوارق البحرية من طراز دفورا كذلك، أبرمت وزارة الدفاع الهندية عام 2001 عقدا مع مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير المركبات الجوية الهندية بقيمة 72 مليون دولار للطائرة الواحدة كذلك، أبرمت الهند عام 2003 مع مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية عقدا بقيمة 130 مليون دولار وفى مجال السلاح البحرى، قررت الهند فى يناير 2003 تزويد عشر من سفنها الحربية بمنظومة باراك الإسرائيلية المضادة للصواريخ ثم جاء إطلاق صاروخ هندى من قاعدة سريهاريكوتا الفضائية فى المحيط الهندى حاملا قمر التجسس الإسرائيلى ـ بولاريس ـ ليلقى بمزيد من الضوء على تنامى علاقات البلدين وفى هذا الإطار يشهد حجم مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند نموا متواصلا، إذ بلغ فى الفترة من عام 2003 إلى 2006 ما قيمته مليار ونصف مليار دولار سنويا، وهو ما يعنى أن السوق الهندية تستحوذ على أكثر من ثلث إجمالى قيمة مبيعات الأسلحة الإسرائيلية التى بلغت 42 مليار دولار عام 2006 وتشمل المبيعات الإسرائيلية إلى الهند نماذج مطورة من طائرة "ميج 21" ودبابات " ت ـ 72" ونظام باراك المضاد للصواريخ، ومعدات اتصال وقذائف موجهة بأشعة الليزر، ونظام فالكون للإنذار المبكر.

2 ـ الإنتاج المشترك: تصب برامج الإنتاج المشترك فى صالح الشركات الإسرائيلية والهندية على حد سواء، الأولى من حيث قدراتها فى مجال الأبحاث والتصاميم، والثانية من حيث إمكاناتها التصنيعية ومن أبرز ما تم فى هذا الخصوص اتفاق بين مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية وشركة هندوستان لصناعة الطائرات فى سبتمبر 2002، يتم بمقتضاه إنتاج مشترك لمروحيات خفيفة متطورة، يتيح لها تصميمها الأساسى تنفيذ عمليات هجومية واستخبارية، إضافة للعمليات المضادة للدبابات والغواصات كما تم التوصل إلى عقد اتفاقيات مماثلة تدخل فى نطاق نقل التكنولوجيا لإنتاج قطع المدفعية إلى جانب ذلك، أبرمت مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية مع شركة نيلكو الهندية فى فبراير 2003 اتفاقا لتطوير وتصنيع وتسويق سلسلة من المنتجات الإلكترونية لصالح قوات الدفاع الهندية ومن أبرز ما تم فى هذا الإطار الاتفاقية الموقعة عام 2007 لتطوير وصناعة أنظمة صاروخية من طراز باراك متوسطة المدى.

3 ـ التعاون النووى: يرجع تاريخ التعاون النووى بين البلدين إلى عام 1962، عندما وقعا اتفاقا للتعاون النووى، يتم بمقتضاه تبادل الخبرات والمعرفة النووية وتنظيم الزيارات بين العلماء فى البلدينويذكر أن الهند قامت بتزويد إسرائيل بمادة اليورانيوم مقابل تزويد إسرائيل لها بالتكنولوجيا النووية الجديدة والخبرات النووية ومن أهم مجالات التعاون النووى بينهما: التعاون فى مجال تصنيع الأسلحة النووية، والتجارب النووية.

4 ـ مكافحة الإرهاب: مع بدء إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كشف وزير الدفاع الهندى فى فبراير 1992 عن أن هناك تعاونا قائما بالفعل بين إسرائيل والهند فى ميدان مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أهم ما تضمنه بنود هذا التعاون، التى تدار بعيدا عن الأنظار، حيث شمل تبادل المعلومات، حول الجماعات الإرهابية وتمويلاتها، أساليب التجنيد والتدريب التى تتبعها وقد تجسد ذلك جليا فيما أعلنه وزير الخارجية الهندية، جاسوانت سينج، فى أول زيارة لوزير خارجية هندى لإسرائيل عام 1998، حيث تم الاتفاق على: إنشاء لجنة وزارية مشتركة تجمع وزيرى خارجيتى البلدين، وتلتقى تباعا فى عاصمتى البلدين مرتين فى السنة لبحث وتوسيع أوجه التعاون بينهما، وإنشاء مجموعة عمل مشتركة تجمع كبار مسئولى الأمن والمخابرات فى البلدين وشهد التعاون فى هذا المجال مزيدا من التقارب عقب أحداث الحادى عشر من سبتمبر.

5 ـ المشاريع الفضائية: شهد التعاون فى مجال الفضاء تقاربا سريعا بين البلدين ففى نوفمبر 2002، توصلت وكالتا الفضاء فى الهند وإسرائيل إلى اتفاق للتعاون فيما بينهما وعلى الرغم من أن البرامج الفضائية ذات طابع مدنى من حيث المسمى، إلا أنها تؤدى مهام عسكرية ومخابراتية وليس أدل على ذلك من إطلاق صاروخ هندى فى 21 يناير 2008 من قاعدة ـ سريهاريكوتا ـ الفضائية فى المحيط الهندى، يحمل قمر التجسس الإسرائيلى ـ بولاريس ـ الذى يعد الأكثر تطورا بين أقمارها التجسسية.

ب ـ التعاون الاقتصادى والتجارى: لم تقتصر العلاقات بين الطرفين على المجالات العسكرية والأمنية فحسب، بل شهدت المجالات الاقتصادية بينهما تطورا كبيرا خاصة بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية كاملة بينهما، إذ بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية إلى الهند عام 2006 مليارا و270 مليون دولار أمريكى، وقيمة الواردات منها مليارا و433 مليون دولار، ليتضاعف بذلك حجم التبادل التجارى بين البلدين بوتيرة متسارعة أكثر من عشرة أضعاف مما كان عليه مع إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1992 فضلا عن ذلك، تنوعت علاقاتهما فى مجالات أخرى، فقد أقام البلدان نحو 200 مشروع مشترك فى مجالات الهندسة، وإدارة المياه الجوفية، ومحاربة التصحر، والتكنولوجيا الرفيعة جـ مناطق اهتمام مشترك: يجمع الدولتين بعض القضايا محل الاهتمام المشترك، حيث تعكس مواقفهما تجاه تلك القضايا مدى التباين أو التوافق فى مصالحهما ومن أبرز تلك القضايا:

1 ـ الوضع الاستراتيجى فى منطقة المحيط الهندى: تعد الهند أحد اللاعبين الدوليين الرئيسيين فى هذه المنطقة التى أصبحت فى السنوات الأخيرة موضع اهتمام بالغ من جانب إسرائيل، إذ تعتبرها تل أبيب ساحة مهمة يفضى إليها مضيق باب المندب الذى تمر عبره الصادرات الإسرائيلية المتجهة إلى جنوب آسيا وشرقها وقد شرعت إسرائيل منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين فى تعزيز قدرتها على نشر منظومات بحرية وجوية عسكرية ذات مدى بعيد يزيد على 1500 كم كما حرصت على بناء قوة بحرية تصلح للعمل فى المحيطات، ومن بينها المحيط الهندى، حيث وضعت إسرائيل طرادات (سفن الحراسة الصغيرة) من طراز سار ـ 5 القادرة على المكوث فى البحر لفترات طويلة من الزمن، وهو ما دفع البعض إلى الحديث عن تعاون هندى ـ إسرائيلى بحرى، خاصة فى ظل عدم معارضة نيودلهى لتنامى الوجود الإسرائيلى فى المحيط.

2 ـ آسيا الوسطى: ترتبط الهند بصلات استراتيجية وثقافية قديمة العهد مع آسيا الوسطى الغنية بمصادر الطاقة، والتى لم تفتح أبوابها أمام العالم الخارجى إلا مؤخرا، حيث تتسابق مع منافستيها، الصين وباكستان، للفوز بمواقف نفوذ فيها، وإسرائيل ليست أقل اهتماما بهذه المنطقة، حيث يحدوها الرغبة فى استمرار تدفق النفط والغاز من هذه المنطقة بدون عوائق، وذلك بضمان أسعار منخفضة لمصادر الطاقة خلاصة ما سبق أن العلاقات الهندية ـ الإسرائيلية قد تخطت حدود الوفاق الآنى المؤقت، ودخلت علاقاتهما فى مرحلة جديدة تتناسب متطلباتها واستحقاقاتها مع حسابات ومصالح جديدة ومتجددة خاصة بكل طرف وعلى هذا، وفى ضوء ما يشهده الحاضر وما ينتظر فى المستقبل من تقارب بين الطرفين، فإن الأمر يستوجب سرعة الانتباه من العالم العربى، باعتبار أن كل خطوة إضافية على طريق التقارب الهندى ـ الإسرائيلى تعنى خصما من رصيد العلاقات العربية ـ الهندية ذات التاريخ الممتد، وهو ما يشكل بدوره تهديدا للأمن العربى، سواء القومى أو القطرى، يتطلب سرعة التحرك للحفاظ على رصيد العلاقات العربية الطويل، ليس مع الهند فقط، لكن مع مختلف القوى الدولية المساندة للحقوق العربية.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /23-10-2011, 09:17 PM   #15

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي علاقات الهند الإقليمية والدولية


علاقات الهند الإقليمية والدولية

* جابر سعيد عوض: تحتل الهند مكانة جيوسياسية وإستراتيجية هامة في منطقة جنوب آسيا، فهي تمتلك رقعة جغرافية مترامية الأطراف تبلغ مساحتها نحو 3.3 ملايين كم2 شاغلة بذلك الترتيب السابع على المستوى العالمي، وهي ثاني أكبر تعداد للسكان على سطح المعمورة، مما يعطي علاقاتها الإقليمية والدولية أهمية خاصة.

أولاً: علاقات الهند الإقليمية

1- العلاقات الهندية الصينية
2- العلاقات الهندية الروسية
3- العلاقات الهندية الإيرانية

ثانياً: علاقات الهند الدولية
1- العلاقات الهندية الأميركية
2- العلاقات الهندية الأوروبية

أولاً: العلاقات الإقليمية

”تعد الهند عملاقا إقليمياً من الناحيتين الجغرافية والسكانية وتقع في بيئة غير مستقرة أمنيا ”

تشترك الهند بنحو 7000 كم من الحدود المشتركة مع العديد من البلدان المجاورة من إجمالي حدودها التي تبلغ نحو 16000 كم، يتمثل الجزء الأكبر منها في السواحل المطلة على المحيط الهندي الذي يمثل بدوره ساحة جيوإستراتيجية جديدة كمحور للتجارة العالمية. بيد أنه رغم أن الهند تعد عملاقا إقليميا من الناحيتين الجغرافية والسكانية، ويشهد اقتصادها منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين معدل نمو مرتفعا نسبيا، وطفرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، فضلا عن نجاحها في تطوير قدراتها النووية التي تعد بمثابة صك تأمين من وجهة نظرها ضد إمكانية حدوث ظروف غير مواتية في المستقبل، فإنها تقع في بيئة أمنية غير مستقرة. فالهند تواجه تهديدات أمنية محتملة من جميع الجوانب نظرا لوقوعها بين قوى نووية هي الصين وروسيا وأخيرا باكستان، لا سيما الصين التي لا تستطيع الهند تجاهل قدراتها النووية، في الوقت الذي لديها فيه مشاكل حدودية معها، فضلا عن نزاعها التاريخي مع باكستان حول إقليم كشمير. أكثر من ذلك، علاوة على المشاكل المرتبطة بأفغانستان، تقبع إلى الشمال من الهند تركيبة جيوسياسية جديدة متمثلة في بلدان آسيا الوسطى التي تعد من أكثر مناطق عدم الاستقرار بانعكاساتها السلبية المحتملة على الهند، خاصة في ما يتعلق بمشاكل الإرهاب والتطرف الديني والمخدرات وتجارة السلاح، الأمر الذي لم تعد معه منطقة جنوب آسيا منطقة منعزلة، خاصة في ظل التطورات الأخيرة في أفغانستان ومنطقتي آسيا الوسطى والخليج العربي المجاورتين التي تخشى معها الهند من تزايد النفوذ الأجنبي بما يشكل خطرا عليها.

1-العلاقات الهندية-الصينية:

لعل أهم ما يميز العلاقات الهندية-الصينية المعاصرة هو تأرجحها، إذ شهدت تغيرا من التفاؤل المفرط إلى الشك وعدم الثقة ثم إلى الوفاق، لتتراجع عنه مؤخرا بعض الشيء، الأمر الذي يمكن معه التمييز بين محطات أربع رئيسية.

”علاقة الهند مع الصين متأرجحة، عكرتها المشاكل الحدودية التي أطلقت حرباً باردة بينهما”

يمثل الاعتراف الهندي بالصين المحطة الرئيسية الأولى في العلاقات بين البلدين, فعندما برزت جمهورية الصين الشعبية إلى الوجود أواخر عام 1949 نظرت إليها الهند نظرة تفاؤل وتعاون أخوي، وكانت أول دولة تسارع إلى الاعتراف بها وتقيم معها علاقات على مختلف الأصعدة. فقد كان رئيس الوزراء الهندي آنذاك جواهر لال نهرو يأمل في أن البلدين بخبرتهما ومعاناتهما الطويلة على أيدي القوى الاستعمارية ومشاكلهما المشتركة مع الفقر والتخلف سوف يقفان معا لإعطاء القارة الآسيوية مكانها اللائق على الساحة العالمية، خاصة أن البلدين وحدهما يشكلان معا نحو ثلث سكان المعمورة. وهو ما يفسر الضغوط التي مارستها الهند لكي تحصل جمهورية الصين الشعبية على مقعد دائم في مجلس الأمن بدلا من الصين الوطنية (فرموزا)، وعدم مساندة الهند للموقف الأميركي في مواجهة الصين بصدد الحرب الكورية.

وتتمثل المحطة الثانية في التدهور الكبير الذي شهدته العلاقات بين البلدين بدءا من عام 1959 بسبب المشاكل الحدودية وقضية التبت، التي تعد من أخطر المشاكل التي عكرت -ولا تزال- صفو العلاقات بين الهند والصين، وتسببت في اندلاع الحرب بينهما عام 1962، والتي تحول معها التفاؤل الهندي إلى كابوس بسبب الهزيمة المنكرة التي لحقت بالهند على يد الصينيين. فرغم أن الحرب الهندية-الصينية عام 1962 كانت حربا خاطفة ومحدودة من الناحية العسكرية لم تنجح الصين التي بدأت بشن الحرب، في حسم النزاع الحدودي بينها وبين الهند لصالحها، فإن هذه الحرب تركت بصمات عميقة الأثر على العلاقات بين البلدين. فقد مثلت صفعة قوية لهيبة الهند ومست في الصميم كرامتها وكبرياءها ومكانتها الدولية والإقليمية. فضلا عن ذلك، فقد ولدت سباقا للتسلح وحربا باردة بين البلدين الجارين، إذ لجأت خلالها الصين ليس فقط إلى تطوير علاقاتها مع باكستان، بل وإمدادها بالصواريخ وتكنولوجيا الأسلحة النووية، ولجأت الهند إلى تطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي السابق.

أما المحطة الثالثة في العلاقات بين البلدين فتتمثل في الوفاق الذي عرفته في أعقاب الغزو السوفياتي لأفغانستان وامتد خلال الفترة بين عامي 1979 و1998، والتي شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات على مستوى عال، وجرت خلالها مفاوضات بشأن الحدود وقضايا التجارة. بلغ هذا الوفاق ذروته عام 1991 عندما قامت الهند بتطبيع علاقاتها مع الصين أثناء زيارة رئيس الوزراء الصيني لي بنغ، والتي تعد أول زيارة من نوعها يقوم بها مسؤول صيني رفيع المستوى للهند منذ أكثر من ثلاثة عقود.

جاءت المحطة الرابعة والأخيرة في العلاقات الهندية -الصينية مع التفجيرات النووية الهندية عام 1998، والتي تعد بمثابة نقطة تراجع بارزة في العلاقات الثنائية بين الهند والصين. بيد أنه رغم الانتقادات الصينية للهند، فإن موقف الصين إزاء التفجيرات النووية الهندية لم يكن عدائيا.

يمثل كل من العامل الأميركي والباكستاني متغيرا جوهريا له تأثيره على العلاقات الهندية-الصينية. ينطلق أثر العامل الأول من نظرة كل من الهند والصين إلى علاقة الآخر بالولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كانت العلاقات الصينية-الأميركية غير مستقرة بصفة عامة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، على سبيل المثال، بسبب الخلافات حول عدد من القضايا مثل حقوق الإنسان، والدعم الأميركي لتايوان، وضرب السفارة الصينية في بلغراد، وحادثة طائرة التجسس الأميركية قرب جزيرة هاينان الصينية، كانت العلاقات الهندية-الأميركية على الجانب الآخر تشهد تحسنا واضحا في كثير من المجالات باستثناء العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الهند عشية التفجيرات النووية الهندية عام 1998، والتي أملتها القوانين الأميركية الداخلية. أما العامل الباكستاني فيبرز تأثيره السلبي على العلاقات الهندية-الصينية في الدعم الذي تحصل عليه باكستان من الصين، خاصة في مجال التكنولوجيا النووية.

تتمثل أهم جوانب الاهتمام المشترك بين الهند والصين في الوقت الحاضر في ما يلي:

وضع حد لنظام القطبية الأحادية والهيمنة الأميركية، باعتبار أنه ليس في صالح أي منهما.
القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب لما يمثله من خطر على كل منهما، وهو ما دفع البلدين إلى إقامة جماعة عمل ثنائية مشتركة لمكافحة ظاهرة الإرهاب الدولي، والاتفاق على تبادل المعلومات والاستخبارات حول كيفية التعامل معها.

أما أهم أبرز جوانب الخلاف بين البلدين، فتتمثل في:

النظرة الهندية إلى الصين باعتبارها مصدر تهديد تقليديا ونوويا لأمنها. كما أن فشل البلدين في حل النزاع الحدودي بينهما يبقي حالة الإحباط وعدم الثقة لدى الهنود، لا سيما وأن الصين قد حلت معظم مشاكلها الحدودية مع جيرانها الآخرين.
كما تمثل العلاقات العسكرية الصينية-الباكستانية مشكلة للعلاقات الهندية-الصينية، إذ يعتقد القادة الهنود أن الصين تستخدم باكستان لاحتواء الهند والحيلولة دون صعودها كمنافس محتمل لها.
معارضة الصين للرغبة الهندية في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن. فالصين تخشى من استخدام وضع الهند كعضو دائم في مجلس الأمن من قبل القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، في تشكيل حلقة احتواء في مواجهتها خاصة إذا ما نجحت اليابان هي الأخرى في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن.

أما في ما يتعلق بمستقبل العلاقات الهندية-الصينية، فإنه يمكن القول انطلاقا من كون أن جوانب الاتفاق والاهتمام المشترك تفوق جوانب الاختلاف باعتبار أن الصراع بين البلدين لا يرتكز في حقيقة الأمر على تهديدات حقيقية متبادلة بين الجانبين بقدر ما يمثل صراعا على النفوذ الإقليمي. فضلا عن أن رغبة كل منهما بأن تكون لها علاقات سلمية مع جيرانها لحاجتها إلى تركيز الانتباه على الأمور الداخلية، وفي مقدمتها موضوع التنمية. فالصين يمكنها أن تكسب الكثير من تقاربها مع الهند، لا سيما الاستفادة من خبرة الهند في مجال أنظمة المعلومات التي قطعت فيها الهند شوطا كبيرا. الأهم من ذلك، أن التقارب الصيني-الهندي يمكنه أن يبعد الهند عن الولايات المتحدة، الأمر الذي يمكن أن يساعد الصين على أن تصبح ندا للولايات المتحدة في غضون ربع القرن القادم، كما يمكنه أن يبعد الصين عن مساندة باكستان في مواجهة الهند بصدد قضية كشمير.

2- العلاقات الهندية-الروسية:

”إن روسيا الاتحادية تنظر إلى الهند باعتبارها مكسبا إستراتيجيا شديد الأهمية”

اتجهت الهند صوب الاتحاد السوفياتي السابق ما إن تأكد لقادتها أن ما كانوا يأملون فيه من كسب صداقة الصين قد بات بعيد المنال، خاصة بعد الهزيمة المرة التي لحقت ببلادهم على أيدي الصينيين في حرب عام 1962 التي فاجأتهم بها الصين في محاولة لإثبات أنها الدولة القائد على المستوى الإقليمي من ناحية، وإحراج الحليف السوفياتي السابق الذي لاحت في الأفق بوادر التقارب بينه وبين الهند من ناحية أخرى. وهو ما تواكب مع تنامي الخلاف الصيني-السوفياتي وتزايد حدته خلال عقد الستينيات. أثمر هذا التقارب الهندي-السوفياتي عن توقيع معاهدة للسلام والصداقة والتعاون بين البلدين عام 1971، والتي تعد بمثابة المحطة الأولى في تاريخ العلاقات الهندية-السوفياتية.

تمثل معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين الهند وجمهورية روسيا الاتحادية عام 1994 محطة مهمة أخرى على صعيد العلاقات بين البلدين. فروسيا هي التي تزود الهند بالخبرة الفنية اللازمة للمفاعلات النووية. تشغل العلاقات العسكرية حيزا كبيرا من العلاقات بين البلدين، ولا يقتصر الأمر على مجرد إبرام صفقات أسلحة ومعدات قتالية، لكنها تمتد لتشمل التزام روسيا بصيانة الأسلحة السوفياتية الصنع التي تملكها الهند وتزويدها بقطع الغيار اللازمة للإصلاح. وتجيئ زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند عام 2000 لتمثل محطة بارزة جديدة على صعيد العلاقات بين الهند وروسيا، خاصة أنه قد تم خلال هذه الزيارة توقيع 17 اتفاقية لتطوير العلاقات بين البلدين على مختلف الأصعدة.

أما المحطة الرابعة، فتتمثل في ما شهدته العلاقات الهندية الروسية مؤخرا من نقلة نوعية كبيرة، وذلك عندما وقع الجانبان في يناير/ كانون الثاني 2001 ما عرف بـ"صفقة القرن"، والتي أعطت فيها روسيا للهند ليس فقط حق إنتاج 140 مقاتلة متطورة من طراز سوخوي، بل أيضا حق نقل تكنولوجيا هذا الطراز من المقاتلات.وتتمثل أهم نقاط الاتفاق بين البلدين في معارضة كل من الهند وروسيا الاتحادية للنظام الدولي القائم على القطبية الأحادية وهيمنة الولايات المتحدة على مجريات الأمور على الساحة الدولية وتفضيل البلدين لقيام نظام دولي متعدد الأقطاب، وكذلك المخاوف المشتركة من الإرهاب الدولي والتطرف الديني.

ويبدو أن مستقبل العلاقات الهندية-الروسية في ازدهار، فرغم المخاوف الروسية من التقارب الهندي-الأميركي المتزايد، فإن روسيا الاتحادية تنظر إلى الهند باعتبارها مكسبا إستراتيجيا شديد الأهمية في ظل سعي موسكو إلى إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية والدولية. كما أن الهند لاتزال تعتمد على روسيا في الحصول على المعدات وقطع الغيار العسكرية، خاصة وأن نحو 70% من المعدات العسكرية الهندية مصدرها الاتحاد السوفياتي السابق. بالإضافة إلى أنه من غير المحتمل من وجهة نظر الهند أن يكون هناك شبه علاقة تحالف بين روسيا والصين كما كان الأمر خلال البدايات الأولى للحرب الباردة. وعليه يمكن الزعم بأنه على العكس من العلاقات بين الهند وكل من الولايات المتحدة والصين، فإنه من غير المحتمل أن تتعقد العلاقات الهندية-الروسية بسبب العامل الباكستاني. فمن الواضح أن روسيا تؤيد الموقف الهندي في التسوية الثنائية لقضية كشمير على أسس اتفاقية شملا، كما أنها وقفت إلى جانب الهند خلال أحداث كارجيل التي وقعت بين الهند وباكستان عام 1999.

3- العلاقات الهندية-الإيرانية:

”تمثل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناراسيما راو لإيران أواخر عام 1993 محطة جديدة في العلاقات بين البلدين”

اتسمت العلاقات الهندية-الإيرانية خلال فترة حكم الشاه بالتوتر نظرا لوقوف إيران إلى جانب باكستان في صراعها مع الهند حول إقليم كشمير. غير أن نظام حكم الشاه في إيران لم يكن ليمثل بالنسبة للهند تهديدا حقيقيا نظرا لعدم رغبته في لعب دور زعامي على مستوى العالم الإسلامي يمكنه أن يؤثر على التوازنات السياسية الهندية الداخلية. ومع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران اتخذت العلاقات بين البلدين طابعا أيديولوجياً استمر نحو عقد من الزمان حتى رحيل الإمام الخميني عام 1979. فلقد تخوفت الهند خلال هذه الفترة من مخاطر الأصولية الإسلامية على التوازنات السياسية الداخلية في البلاد. إلا أن الهند مع ذلك لم تعلن عن معاداتها لنظام الإمام الخميني، وعملت جاهدة على الإبقاء على شعرة معاوية معه. فضلاً عن أنها رأت في الثورة الإسلامية بإيران عاملا إيجابيا في صالح الهند، وذلك انطلاقا من احتمال تراجع التعاون الإيراني-الباكستاني نظراً لافتقاد إيران المقدرة السياسية والاقتصادية على مساعدة باكستان كما كان الأمر خلال فترة حكم الشاه.

جاءت وفاة الإمام الخميني من ناحية، وانهيار الاتحاد السوفياتي وظهور جمهوريات آسيا الوسطى على خريطة المنطقة من ناحية أخرى، لتعزز العلاقات الهندية-الإيرانية في مجال التوازنات الإقليمية الإستراتيجية والأمنية، لا سيما وأن الهند قد فقدت عمقها الإستراتيجي بفقد الحليف السوفياتي الذي تفكك. ساعد على ذلك ما اتسمت به سياسة الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني (في مرحلة ما بعد الإمام الخميني) بالواقعية وتغليب اعتبارات المصالح الوطنية على الشعارات الدينية. أضف إلى ذلك أن إيران وجدت في تعاونها مع الهند ما يمكنها من كسر طوق الحصار المفروض عليها، خاصة من قبل الغرب والولايات المتحدة بسبب ما اتهمت به من تشدد سياسي على المستوى الدولي، وعدم ارتياحها للتقارب الأميركي-الباكستاني الذي تنظر إليه إيران باعتبار أنه يستهدفها في المقام الأول. الأهم من كل ذلك، أن إيران رأت في الهند شريكا محتملا لتطوير برنامجها النووي. تمثل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناراسيما راو لإيران أواخر عام 1993 محطة جديدة في العلاقات بين البلدين، إذ تعد أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء هندي إلى إيران منذ قيام الثورة الإسلامية فيها عام 1979. أعقبها زيارة قام بها الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني إلى الهند عام 1995.

ويمكن تفسير هذا التقارب الهندي-الإيراني الجديد في ضوء مجموعة من الأسباب لعل أبرزها:

التداعيات المترتبة على تفكك الاتحاد السوفياتي ومحاولة الهند البحث عن شركاء جدد في المنطقة بعد خسارتها للحليف السوفياتي.

التداعيات المترتبة على حرب الخليج الثانية من تدفق للقوات الأجنبية، خاصة القوات الأميركية، وما لاح في الأفق من شيوع حالة من عدم الاستقرار ليس فقط في أسعار النفط، بل وأيضاً عملية تدفقه إلى الهند التي تستورد نحو نصف احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج العربي.

رأت الهند أنه يمكنها دعم علاقاتها بجمهوريات آسيا الوسطى الوليدة بمساعدة إيران، خاصة وأنها كانت تخشى من تصاعد دور باكستاني مؤثر في منطقة آسيا الوسطى يمكنه أن يترك آثارا سلبية على الهند.كذلك فقد أدى وصول قلب الدين حكمتيار -الذي تعاديه إيران باعتباره سنيا متشددا في مواجهة الشيعة الأفغان- إلى سدة الحكم بأفغانستان في منتصف التسعينيات إلى زيادة التقارب الهندي-الإيراني انطلاقاً من المخاوف الهندية-الإيرانية المشتركة من إمكانية سيطرة باكستان على مجريات الأحداث في أفغانستان بما يشكل خطرا على كل منهما، الأمر الذي استدعى توسيع نطاق التعاون وتبادل المعلومات في المجال الأمني بين الهند وإيران.ويمكن تحديد أبرز نقاط الالتقاء بين الهند وإيران في الرفض الكامل لأي تواجد عسكري أجنبي في منطقة الخليج، ولأي ترتيبات أمنية لا تلعب فيها إيران دورا فاعلا ومؤثرا. ويرجع ذلك إلى أن الهند تنظر إلى الترتيبات الأمنية القائمة حاليا في الخليج على أنها تصب في صالح باكستان بسبب علاقات التعاون الوطيدة التي تربطها بالدول العربية الخليجية. وما كان من إيران إلا أن ردت على ذلك بالإعلان عن دعمها الكامل لوحدة الأراضي الهندية مؤكدة على أن مشكلة كشمير مشكلة هندية داخلية، وهو ما اتضح خلال اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في العاصمة الباكستانية كراتشي عام 1994.

ويمكن القول إن هناك عاملين متضادين: الأول يدفع باتجاه مزيد من دعم العلاقات بين الهند وإيران، ويتمحور حول اعتقاد القادة الهنود أن التعاون مع إيران يمكن أن يبعدها عن باكستان، وهو ما يصب في مصلحة الهند. أما العامل الآخر، فيتمثل في خشية الهند من أن ينظر إلى هذا التقارب الهندي-الإيراني على أنه موجه نحو الغرب، وهو ما قد يضر بالهند. أما فيما يتعلق بمستقبل علاقات الهند بإيران، فإنه من المرجح أن تستمر في اتجاه التقارب خاصة في ضوء حاجة الهند المتزايدة إلى الطاقة، وهو ما يفسر مساندتها للموقف الإيراني بصدد الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج. كما أن إيران تعد ثاني أكبر دولة منتجة للبترول في منظمة أوبك باحتياطي يبلغ نحو 9% من الاحتياطي العالمي، وثاني أكبر دولة من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي. أضف إلى ذلك محاولة الهند دعم علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع منظمة التعاون الاقتصادي التي تضم إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان وأذربيجان إلى جانب جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، والتي تريد الهند من خلال إيران وضع نهاية للاحتكار الباكستاني للتعاون مع هذه المنظمة بوصفها الممثل الوحيد لبلدان جنوب آسيا.

ثانياً: العلاقات الدولية

”التفجيرات النووية التي أجرتها الهند عام 1998 غيرت من مكانتها الإستراتيجية، وأصبحت عنصر استقرار للمنطقة”

تمثل الهند أهمية متزايدة على الساحة الدولية لاسيما في ظل تزايد قوتها النسبية بالقياس بمنافسيها التقليديين: روسيا والصين. ويرجع ذلك بالأساس إلى نجاحها في تطوير قدراتها النووية، فضلا عن تاريخها الدبلوماسي الحافل. كذلك تنبع أهمية الهند من كونها تشكل قوة إقليمية في منطقة جنوب آسيا التي تعد من المناطق شديدة الخطورة على المستوى العالمي، الأمر الذي يعطيها دوراً بارزاً على المسرح الأمني في المنطقة، لاسيما وأن التفجيرات النووية التي أجرتها عام 1998 قد غيرت من مكانتها الإستراتيجية على الأقل على المستوى الإقليمي. وجعلت القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة تنظر إليها باعتبارها عنصر استقرار في المنطقة. ومن الصعوبة بمكان تجاهلها في المستقبل مثلما كان الأمر في الماضي، ولعل اعتراف الولايات المتحدة بها كقوة محتملة، لاسيما لما زارها الرئيس الأميركي كلينتون عام 2000.

وتعد الهند إحدى الدول المرشحة للعب دور إقليمي أكثر فاعلية وأهمية على الساحة الدولية في السنوات القادمة لعديد من الأسباب منها:

أنها تشهد نمواً اقتصاديا قويا. فالاقتصاد الهندي من بين أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم منذ مطلع التسعينيات، ومع بدء برنامج الإصلاح الهيكلي.

تنامي صناعة تكنولوجيا المعلومات، خاصة مع تزايد القدرات التنافسية لكثير من الشركات الهندية في هذا المجال.

اتباعها لسياسة براغماتية تسعى إلى الإفادة واستغلال كافة الأوراق المتاحة في علاقاتها الإقليمية والدولية. فلقد بات واضحاً مع تغير الظروف الدولية أنها تخلت تماما عن الاعتقاد بأن العلاقات الدولية يمكن أن تحكمها الأخلاقيات والمثل أكثر مما تحكمها الواقعية، وهو ما بدأت به حياتها كدولة مستقلة تحت زعامة نهرو.

1- العلاقات الهندية-الأميركية:

”أحداث 11 سبتمبر 2001 قلبت العلاقات الهندية-الأميركية رأسا على عقب”

اتسمت العلاقات الهندية-الأميركية في فترة الحرب الباردة بالتباعد، ولم ير أي من الطرفين مصلحة حيوية في أن تكون هناك علاقات وطيدة بينهما. فرغم أن الحرب الباردة مكنت الهند من أن تحصل على مساعدات من القوتين العظميين، فإن الحكومة الهندية برئاسة نهرو عارضت الحرب الباردة لما تتضمنه من وجهة نظرها من سباق للتسلح يمكنه أن يهدد العالم بأسره بحرب نووية. ومن هنا كانت معارضة الهند لسياسة الأحلاف الأميركية، لاسيما بعد انضمام باكستان لكل من الحلف المركزي وحلف جنوب شرق آسيا. كما كان انتقادها للسياسة الأميركية في الهند-الصينية، خاصة في فيتنام، الأمر الذي جعلها تنظر إلى الولايات المتحدة كمصدر تهديد رئيسي. ولم تفلح زيارة أنديرا غاندي للولايات المتحدة عام 1971 في تغيير الموقف الأميركي المؤيد لباكستان، وإن كانت الولايات المتحدة قد حاولت إزالة المخاوف الهندية من شحنات الأسلحة الأميركية لباكستان، وأكدت نيتها في مراقبة استخدام باكستان للأسلحة الأميركية لضمان عدم استخدامها في مواجهة الهند.

ومع عودة أنديرا غاندي رئيسة للوزراء في الهند مع مطلع الثمانينيات أدركت الهند أنه من الصعب عليها وقف مبيعات الأسلحة الأميركية لباكستان، فقامت بزيارة ناجحة إلى الولايات المتحدة عام 1982 أعقبها سلسلة من الزيارات المتبادلة بين الطرفين على مستوى عال. تواكب ذلك مع التغير في رؤية الولايات المتحدة لسياستها تجاه الهند وإدراكها للدور الذي يمكن أن تلعبه الهند في موازنة النفوذ السوفياتي في منطقة جنوب آسيا، الأمر الذي قررت معه الولايات المتحدة توسيع نطاق نقل التكنولوجيا إلى الهند مما ساعد على تطوير العلاقات بين البلدين، وإن لم تنجح الولايات المتحدة في جر الهند للدخول معها في إجراءات أمن جماعي ضد الاتحاد السوفياتي. استمر هذا التحسن في العلاقات بين البلدين في ظل رئاسة راجيف غاندي للحكومة الهندية، وقيامه بزيارتين إلى الولايات المتحدة عامي 1985 و1987، الأمر الذي قوبل من قبل الولايات المتحدة بتقدير للدور الهندي كعامل استقرار في منطقة جنوب آسيا.

وبحلول التسعينيات أدت عدة عوامل إلى إحداث نقلة نوعية في العلاقات الهندية-الأميركية. أدى الانسحاب السوفياتي من أفغانستان إلى جعل الولايات المتحدة تعيد حساباتها فيما يتعلق بالعلاقة مع باكستان، وأدت مخاوفها المتزايدة من البرنامج النووي الباكستاني إلى التقارب مع الهند التي باتت تشهد تحولات اقتصادية ملموسة. يفسر ذلك الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي نارسيما راو إلى الولايات المتحدة عام 1994، والتي ترتب عليها توقيع ست مذكرات تفاهم بين البلدين. كما بدت منطقة جنوب آسيا من وجهة النظر الأميركية على حافة حرب تقليدية قد تتحول إلى حرب نووية بين الهند وباكستان في صراعهما حول إقليم كشمير، وكان على الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في عالم اليوم أن تستأنف دورها القيادي.

وتركز الولايات المتحدة بالأساس في سياستها الحالية تجاه الهند على حظر انتشار الأسلحة النووية. ومع ذلك، فلا تزال الهند مستمرة في مقاومة الضغوط الأميركية عليها لتوقيع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وقد تسببت التفجيرات النووية الهندية عام 1998 في إقامة حاجز إزاء علاقات عادية بين الهند والولايات المتحدة، لا سيما وأن بعض المسؤولين الأميركيين قد أخذوا ادعاءات حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند على أن بلادهم سوف تلحق بالآخرين في تحدي الهيمنة الأميركية على محمل الجد. وتمثل زيارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون إلى الهند عام 2000 محطة رئيسية مهمة في تطور العلاقات بين البلدين، إذ أكدت هذه الزيارة رغبة الإدارة الأميركية في توسيع وتعميق نطاق العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الهند، وأن بلادهم سوف تضع وراء ظهرها قضية الدبلوماسية النووية. هناك أيضاً مجموعة من التطورات الإستراتيجية الجديدة المعقدة جعلت الولايات المتحدة تنظر إلى الهند كشريك إستراتيجي، وتأتي على رأسها:

بروز الصين كعامل تهديد عسكري رئيسي للولايات المتحدة في منطقة آسيا الباسيفيك.
تنامي الشراكة الإستراتيجية بين الصين وروسيا.
تنامي الأصولية الإسلامية في أفغانستان وآسيا الوسطى.

وعلى الجانب الآخر هناك مجموعة من العوامل والأسباب وراء بحث الهند عن الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، لعل من أبرزها:

توجه روسيا الحليف التقليدي للهند صوب الصين.
التطورات السياسية والأمنية والإستراتيجية على المستويين الإقليمي والعالمي والتي جعلت الهند تنظر إلى الصين بتفوقها التقليدي والنووي على الهند كمصدر تهديد إستراتيجي.
امتلاك باكستان لأسلحة نووية بمساعدة الصين.
وجاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 لتقلب العلاقات الهندية-الأميركية رأساً على عقب.

إذ جاءت باكستان على رأس اهتمامات الولايات المتحدة في المنطقة مما أدى إلى تعليق العلاقات الهندية -الأميركية نظراً لاهتمام الولايات المتحدة بالاستقرار في باكستان. بيد أن الهند لم تأل جهداً في استغلال هذه الأحداث لتقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة، فهي لم تكتف بإدانة هذه الأحداث، بل عرضت تعاونا عسكريا غير مسبوق ودعما فوريا للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب.

ولم يكن غريباً أن يشهد سبتمبر/ أيلول نفسه تبادلا للزيارات بين البلدين على مستوى عال، كان للهند هدفان من وراء ذلك:

أولهما، جعل العناصر المسلحة الكشميرية هدفاً للحملة الأميركية ضد الإرهاب.
ثانيهما، منع تنامي العلاقات الأميركية-الباكستانية على نحو ما كان عليه الحال إبان التواجد السوفياتي في أفغانستان خلال الثمانينيات.

من الواضح أن العامل الصيني يلعب دوراً مؤثراً في العلاقات الهندية-الأميركية، بما يعنيه ذلك من أن العلاقات الأميركية-الصينية تلقي بظلالها على العلاقات بين الهند والولايات المتحدة. فمع توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين -كما هو الحال بسبب قضايا التجارة والأمن- تبدو العلاقات مع الهند أكثر جاذبية بالنسبة لأميركا.

وتتمثل أبرز نقاط الخلاف بين الهند والولايات المتحدة فيما يلي:

البرنامج النووي الهندي.
قضايا حقوق الإنسان، خاصة عمالة الأطفال.
طمس وتزوير العلامات التجارية.
طبيعة الإصلاحات الاقتصادية في الهند التي تتسم بنمو غير متوازن من وجهة النظر الأميركية.

أما أهم نقاط الاتفاق بين البلدين، فتتمثل فيما يلي:

الاعتبارات الجيوسياسية والجيوإستراتيجية في كل من الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى كمناطق تمتلك معظم احتياطيات العالم من البترول.
التعاون العسكري في منطقة المحيط الهادي للحفاظ على الوضع القائم في آسيا الباسيفيك.
مواجهة الأصولية الإسلامية وانتشار الحركات الدينية والإثنية باعتبارها مصدر قلاقل تهدد أمن واستقرار المنطقة.

في ضوء الحرب ضد الإرهاب، يمكن القول إن مستقبل العلاقات الهندية-الأميركية سوف يكون متكاملا أكثر منه متصارعا. فالعلاقة القوية مع الولايات المتحدة أضحت عنصرا رئيسياً في سياسة الأمن الهندية، ويعد أمن المحيط الهندي من أبرز مجالات التعاون بين البلدين. ولعل ما يؤكد ذلك ترحيب الهند بفكرة الدرع الصاروخي الأميركي الذي أعلنته إدارة الرئيس جورج بوش الابن. الجدير بالذكر أن الهند تعد واحدة من ثلاث دول فقط ترحب بالفكرة الأميركية التي تلقى معارضة من كل من الصين وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية وبعض حلفاء الولايات المتحدة الغربيين، الأمر الذي يعكس حالة التحسن التي تشهدها العلاقات الهندية-الأميركية خلال السنوات الخمس الأخيرة. فضلاً عن العلاقات الاقتصادية المتنامية بينهما، فإن الاهتمام المشترك بصدد الإرهاب أضاف رابطة قوية جديدة إلى العلاقات الهندية-الأميركية، ويمكن لهذه العلاقات أن تزداد قوة إذا ما قبلت الهند بشرعية الاهتمامات الأميركية بالاستقرار في باكستان، وإذا ما تخلت الهند عن النظر إلى العلاقات الأميركية مع كل من الهند وباكستان على أنها معادلة صفرية.

2- العلاقات الهندية-الأوروبية:

”العلاقات الهندية-الأوروبية اقتصادية في المقام الأول، ومن المرجح أن تشهد مزيداً من الازدهار في ظل تنامي العولمة”

يمثل تدعيم الأطر المؤسسية للعلاقات بين الهند وبلدان الاتحاد الأوروبي محطة بارزة في تاريخ هذه العلاقات. فقد شهد عام 1973 توقيع أول اتفاقية تعاون بين الطرفين، والتي حل محلها اتفاقية للتعاون الاقتصادي عام 1981، ليعقبها مؤخراً اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتنموي تم توقيعها عام 1994. وتعد هذه الاتفاقية الأخيرة بمثابة شراكة اقتصادية إستراتيجية هندية-أوروبية. يمثل انعقاد مؤتمرات القمة الهندية-الأوروبية على أسس دورية محطة جديدة ونقلة نوعية بهدف تطوير وتعميق العلاقات بين الطرفين، فهناك العديد من الاجتماعات واللقاءات التي تعقد بين اللجان المشتركة ومختلف جماعات العمل في العديد من المجالات مثل صناعات النسيج والصلب وتكنولوجيا المعلومات، وكذا في مجال تقوية التعاون بين الطرفين لمواجهة الإرهاب الدولي. انعقد مؤتمرا قمة هندية-أوروبية حتى الآن، الأول في العاصمة البرتغالية لشبونة في يونيو/ حزيران 2000، وعقد الثاني في العاصمة الهندية نيودلهي في نوفمبر/ تشرين الثاني. ومن المنتظر أن يعقد مؤتمر القمة الثالث في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الحالي (2002).

وجاءت مؤتمرات القمة الهندية-الأوروبية بعد نحو عقد من الزمان شهد تحسناً مستمرا في العلاقات بين الهند والاتحاد الأوروبي، لاسيما بعد تبني الهند لبرنامج الإصلاح الاقتصادي في مطلع التسعينيات، والذي يلقى ترحيباً كبيراً من الجانب الأوروبي الذي اعترف بالأهمية السياسية والاقتصادية للهند. وهو الاعتراف الذي ارتقي بالهند لتصبح ضمن مجموعة محدودة من الدول التي تقيم علاقة شراكة على مستوى رؤساء الدول والحكومات مع الاتحاد الأوروبي جنبا إلى جنب مع كل من الولايات المتحدة وروسيا وكندا واليابان والصين. أدت مؤتمرات القمة إلى تدعيم الشراكة الهندية-الأوروبية وتزايد كثافة المبادلات التجارية بين الطرفين ليصبح الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للهند (بإجمالي 27 و20 مليار دولار، أي نحو 28% من إجمالي تجارة الهند الخارجية)، ومصدراً مهماً من مصادر الاستثمارات الأجنبية فيها (والتي تقدر بنحو 10 مليارات دولار أميركي)، ومساهماً رئيسياً في مساعدات التنمية التي تتلقاها الهند. وتأتي المملكة المتحدة على قمة الشركاء التجاريين لنيودلهي في الاتحاد الأوروبي، تليها ألمانيا، فبلجيكا، ثم إيطاليا.

يعطي الطرفان لمجال تكنولوجيا المعلومات الأولوية في مجال تعميق وتطوير العلاقات بينهما. وإن لم تخل العلاقات بين الطرفين من بعض نقاط الخلاف مثل اعتراض الهند على سياسة الإغراق الأوروبية. أما فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الهندية-الأوروبية، فإنه من المرجح أن تشهد مزيدا من الازدهار في ظل تنامي تيار العولمة، خاصة وأنها علاقات اقتصادية في المقام الأول، وإن كانت لا تخلو من أبعاد سياسية تحظى باهتمام متزايد من الطرفين مثل التأكيد على الدور المحوري للأمم المتحدة في مجال الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، والعمل من أجل بلورة نظام دولي متعدد الأقطاب.
ـــــــــــــــ
* نائب مدير مركز الدراسات الآسيوية، وأستاذ العلوم السياسية كلية الاقتصاد، جامعة القاهرة
المصدر:الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بحوث ودراسات عن اليهودية والنصرانية الجشعمي قسم حوار الأديان 0 11-09-2011 03:10 PM
وقعة الجمل، والحقيقة المرة على لسان المحقق ابو السعود شيعي سني قسم الحوار الإسلامي 1 15-08-2010 12:29 PM
حمّل ملفات مواضيع ( فهرسة الواحة الاسلامية بهجر ) ـــــ على شكل ملفات وورد Word مرآة التواريخ قسم الحوار الإسلامي 7 09-10-2008 01:37 AM
عوامل اسعاد الطفل سوار العسل الصحة النفسية 2 23-08-2008 01:48 PM
( مكتبة الفقه )’ رسآئل عملية ’ بحوث ودراسات ..... JO0ORYA قسم الفقه والعقائد 0 18-04-2008 05:19 PM


الساعة الآن 11:03 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education