أثر النظام السياسي على عملية صنع القرار في إيران
( 1997-2005) الباحث : عادل نبهان النجار
المقدمة : يعد عالمنا الإسلامي من المناطق التى تعد محط أنظار الجميع فى العالم ككل ، وتعتبر القضايا الشائكة فى عالمنا هى القضايا الرئيسية فى العالم مثل الصراع العربى الاسرائيلى ، والبرنامج النووى الايرانى ، والسودان الشقيق ، وكذلك الجماعات الاسلامية والتى ظهر بسببها مفهوم الارهاب ، واشكالية الاسلام والتطرف ، وبكل هذة القضايا كان عالمنا هو الهدف الأساسى لأى اجتماع دولى أو اهتمام الدول الكبرى ، ولما كانت تلك القضايا كثيرة ، كان لنا أن نأخذ احداها ونرى وجهها الحقيق وقضيتنا هى الجمهورية الاسلامية الايرانية ، فايران أصبحت بسبب برنامجها النووى من الدول التى تعتبر كدول الشر من وجهة لنظر الأمريكية ، وكذلك من أهم الدول التى تحتل مكانة على الساحة العالمية والاقليمية كما أن قضيتها أضحت مثالاَ يحتذى به فى القضايا التى تدرس على أكثر من مائدة اجتماعات ، لذلك كان علينا التعرف على تلك الدولة .
فإيران أو ( الجمهورية الاسلامية الايرانية ) كما أصبحت منذ قيام الثورة الاسلامية - فى عام 1979 - هى دولة اسلامية أسيوية ، كانت ومازالت حضارة عريقة فارسية واسلامية ، ولكن كان لقيام الثورة الاسلامية بها تغيير كبير سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى وما يهمنا هنا هو الداخل الايرانى ، كما أن مايحدث الآن من قضية البرنامج النووى لايران كان سببا فى ضرورة معرفة الداخل الايرانى والنظام السياسى الايرانى وكيفية صنع القرار الايرانى لذلك يدور البحث حول تلك القضية وهى عملية صنع القرار الايرانى وما هى البيئة التى تؤثر على تلك العملية وما هو دور تكوين النظام السياسى على تلك العملية .
المشكلة البحثية : دور البحث حول عملية صنع القرار والبيئة المحيطة بها ودور القوى والمؤسسات السياسية فى النظام السياسى الايرانى فى التأثير على تلك العملية فى الفترة من 1997 الى 2005 ، وبذلك تكون المشكلة البحثية هى : ما هو أثر النظام السياسى الايرانى على عملية صنع القرار ؟ ( 1997 – 2005 ) .
الأسئلة البحثية :
· السؤال الرئيسى : ما هو أثر النظام السياسى الايرانى على عملية صنع القرار ؟
· الأسئلة الفرعية :
سوف تقوم الدراس بمحاولة الاجابة على الأسئلة التالية :
1- ما هو أثر فكر الامام الخمينى على تكوين النظام السياسى الايرانى ؟
2- ما هو أثر العلاقة بين المرشد والرئيس على عملية صنع القرار فى ايران ؟
3- ما هو أثر الدستور الايرانى على شكل النظام السياسى ؟
4- ما هو أثر البيئة الداخلية والخارجية على عملية صنع القرار الايرانى ؟
5- ما هو دور فكر الرئيس خاتمى فى عملية صنع القرار ؟
المفاهيم : فى إطار هذا البحث لابد من التعرف على العديد من المفاهيم التى تساعدنا على فهم المشكلة البحثية وكذلك فهم محتوى البحث وهى :
1. النظام السياسى[1] : هو الهيكل الذى ينظم العلاقات بين الحاكمين والمحكومين ، ويتشكل من مجموع المؤسسات التى تنظم المجتمع المدنى وتلك التى تنظم السلطة ، وتختلف الأنظمة السياسية بحسب مصدر السلطة ، فاذا كانت وراثية كان ملكياَ أما اذا كانت مبنية على الثروة المادية كان النظام أوليجاركيا ، واذا كانت سلطة مبنية على القوة كان ديكتاتوريا ، أما اذا استندت الى الشعب فان النظام يصبح ديموقراطيا . كذلك يختلف النظام بحسب طريقة تنظيم السلطات ، فاذا كانت متجمعة فى مركز واحد كنا أمام نظام الحزب الواحد أو المليكة المطلقة ، فاذا كانت منفصلة كنا بصدد الأنظمة البرلمانية أو الرئاسية حسب أفضلية السلطة التنفيذية والتشريعية على حساب الأخرى . أيضا تختلف شكل الأنظمة بحسب اختلاف بنية الدولة من حيث هى فيدرالية أو موحدة أو كونفدرالية .
2. الدستور[2] : هو الميثاق الأساسى الذى يحدد فى بلد معين ، طبيعة السلطة ودورها ، وكذلك مجموع الحقوق والواجبات الأساسية للمواطنين وهو( يضبط نمط ممارسة السيادة أو تخويلها ، أى شكل الحكم والحكومة واختصاصات سلطات الدولة وعمل وظائفها والحقوق الأساسية للأفراد وأخيرا مشاركة المواطنين فى ممارسة السلطة بواسطة حق الانتخاب) .
3. الثورة[3] : هى التغير المفاجئ فى النظام الاجتماعى والسياسى والمؤسى القائم ، وقد تكون عنيفة ( منظمة أو غير منظمة ) وتكون نتيجة الثورة عادة خلق نظام جديد .
4. الأيديولوجيا[4] : كانت تعنى بادئ ذى بدء ، حسب أصلها " علم الأفكار " لكن هذا التعبير يستعمل اليوم على الأخص فى منظور علم اجتماع سياسى ، وهو يدل على مجموعة متجانسة الى حد ما ، من الأفكار والمعتقدات التى تحرك هذة الجماعة أو تلك أو التى تضفى الشرعية على أنماط عملها فى المجتمع .
5. القرار[5] : هوخاتمة لتقابل مجموعة لاحصر لها من المتغيرات وانه حركة دافعة نحو القضاء على حالة من حالات التوتر لتصفية مصادر ذلك التوتر بصورة بأخرى .
6. صنع القرار[6] : هو مجموعة القواعد والأساليب التى يستعملها المشاركون فى هيكل القرار لتفضيل بديل معين أو لتقويم الاختيارات المتاحة ، والتوفيق بين اختلافات الرأى بين مجموعة اتخاذ القرار .
منهج الدراسة : المنهج هو المسلك أو الطريقة التى تساعدنا على تفهم الظواهر السياسية محل البحث بشكل أعمق وأدق وفى هذا البحث فان المنهج المستخدم هو منهج دراسة الحالة ويكون ذلك من خلال التعرف على جوانب الظاهرة موضع الدراسة مين حيث دراسة المؤسسات والقوى السياسية للنظام الايرانى بالاضافة الى دراسة حالة السلطة التنفيذية والسطلة التشريعية فى فترة البحث ، أيضا تم استخدام منهج صنع القرار من خلال معرفة المدخلات التى تؤثر على صنع القرار الايرانى من معرفة البيئة التى تحيط بتلك العملية والأيديولوجية التى أسست هذا النظام ، وأيضا معرفة تأثير كل ذلك من خلال المخرجات من قرارات صدرت عن ذلك النظام .
الأدبيات السابقة :
1. فؤاد ابراهيم ، الفقيه والدولة : تطور الفقه السياسى الشيعى ، بيروت :دار الكنوز الأدبية ، 1998 . وقد اهتم الباحث فى هذا الكتبا بدراسة النظام الايرانى باعتباره نموذجا على أرض الواقع للفكر الشيعى لأول مرة فى العصر الحديث ، هذا الفقه الذى يمتلك العديد من المقومات التى تفصله عن الفكر السنى ، وأيضا تحدث عن طبيعة العلاقة بين الفقيه والسلطات السياسية من ناحية ، وعن علاقة الفقيه بالجماهير من ناحية أخرى .
2. روح الله الخمينى : الحكومة الاسلامية ، ترجمة وتقديم /حسن حنفى . وفى هذا الكتاب الذى كتبه الامام الخمينى تحدث عن شكل الحكومة الاسلامية وامكانية اصلاح النظام من الداخل ، وعن دور الفقهاء فى تلك الحكومة ، وعن المراحل الثلاثة لعملية اقامة الحكومة الاسلامية وأن مسؤلية الاصلاح تقع على عاتق الفقهاء .
3. باكينام الشرقاوى ، " الحركة الاسلامية فى ايران " ، علاء أبو زيد ( محرر ) ، الحركات الاسلامية فى أسيا ، مركز الدراسات الأسيوية – كلية الاقتصاد – جامعة القاهرة . وفيه تحدث الباحثة عن الصراعات الداخلية فى ايران بين القوى السياسية وتنازع التيارات المختلفة من حيث أفكار كل منها ، وتحدثت أيضا عن موقف الرئيس خاتمى من كل ذلك ودوره أيضا فى تلك العملية .
4. نيفين مسعد ، صنع القرار فى ايران والعلاقات العربية الايرانية ، مركز دراسات الوحدة العربية . وقد تحدث الكاتبة عن النظام السياسى فى ايران وعن تفاعلات النخبة الحاكمة فى النظام ، وكذلك الصراعات داخلها بين المحافظة أو الاصلاح وعن دور المرأة فى الثورة الايرانية وما بعدها ، وعن السياسات البرلمانية ، كذلك تحدثت عن عملية صنع القرار فى ايران وعن البية المحيطة بتلك العملية.
5. أمل حمادة ، " الخبرة الايرانية فى الانتقال من الثورة الى الدولة " ، رسالة دكتوراه ، كلية الاقتصاد ، جامعة القاهرة . وفيها تحدثت الباحثة عن تطور مفهوم ولاية الفقيه على المستوى الفكرى وذلك من خلال مرحلة الخومينى ومقارنته بمرحلة المرشد الحالى ( خامنئى ) ، حيث ان نظرة الخومينى بعد الثورة الايرانية لمفهوم ولاية الفقيه تختلف لرؤية المرشد الحالى ، وفيها تحدثت الباحثة أيضا عن دور الفقهاء فى تحديد هذا المفهوم وعن نظرية الحكم فى الفقه الشيعى ، كما تحدثت عن هيكل القيادة السياسية فى ايران وعن علاقة التفاعلات بين المرشد والسلطة التنفيذية .
6. خالد عبد الكريم حمادة ، " صنع القرار الفلسطينى وأثره على الأداء الاقتصادى " ، جامعة اليرموك . وفي هذة الرسالة تحدث الباحث عن عملية صنع القرار ، ومفهوم صنع القرار ، كذلك عن منهج صنع القرار ونظرياته السبعة التى تعتبر مداخل لتحليل عملية صنع القرار ، وأيضا تحدث عن مراحل عملية صنع القرار السياسى .
7. على نوريان ، عشر نقاط قانونية على لائحة توسيع سلطات رئيس الجمهورية ، مختارات ايرانية ، يناير 2003 . وفى هذا المقال تحدث الكاتب عن مبدا الفصل بين السلطات وعن تاريخ هذا المبدأ وعن هذا المبدأ فى دستور ايران ، كما تحدث عن السلطة القضائية وقوتها القانونية فى مقابل السلطة التنفيذية وكذلك التشريعية ، وعن كيفية تدخل رئيس الجمهورية فى السلطة القضائية والتشريعية ، وعن طريقة تدخله فى المؤسسات الحكومية .
8. " ولاية الفقيه " و " ولاية الجمهور " ، كراسات استراتيجية 2000 ، ص 31-34 . وفيها تحدث الباحث عن مفهوم ولاية الفقيه كما تم وضع من قبل الخمينى وعن تطبيقه فى فترة خاتمى خاصة بعد محاكمة عبد الله نورى نائب الرئيس ، وعن شروط ولاية الفقيه من وجهة نظر الخمينى وأيضا الامام منتظرى ، وعن دور الاصلا حيين فى النظام الايرانى وعن دور مجلس الخبراء فى التنافس الداخلى فى ايران .
9. قراءة فى أفكار الخمينى ، عبد الوهاب فراتى – نور الدين شريعتمدارى ، مختارات ايرانية ، يوليو 2003 ، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام . وفيها تحدث الكاتبان عن مفهوم الحكومة واسلاميتها وعن أسباب تشكيل الحكومة الاسلامية من وجهة نظر الخومينى ، كذلك الحديث عن فكرة الحرية السياسية والعدالة فى أفكار الخمينى .
10. باكينام الشرقاوى ، " الظاهرة الثورية والثورة الايرانية " ، رسالة ماجستير ، كلية الاقتصاد ، جامعة القاهرة ، 1993 . وفيها تحدثت الباحثة عن هيكل القيادة السياسية فى ايران من خلال التعرف على دور الفقهاء داخل النظام السياسى الايرانى ، كذلك الحديث عن الوظيفة التشريعية ودور مجلس الشورى ، وعن دور أفكار الخمينى فى النظام السياسى ، كما تحدثت عن الدستور الايرانى قبل وبعد التعديل .
تقسيم الدراسة :
الفصل الأول : الاطار النظرى .
1- النظام السياسى .
2- صنع القرار السياسى .
الفصل الثانى : عملية صنع القرار الايرانى .
المبحث الأول :بيئة صنع القرار .
المبحث الثانى : الاطار الأيديولوجى والدستورى لعملية صنع القرار .
الفصل الثالث : القوى والمؤسسات السياسية ودورها فى صنع القرار .
المبحث الأول : القوى والمؤسسات السياسية .
المبحث الثانى : دور القوى والمؤسسات السياسية فى عملية صنع القرار .
مقدمة :-
يعتبر عالمنا الاسلامى بؤرة اهتمام دول العالم باسره من الشرق للغرب،وما يحدث فيه يؤثر على مجريات الامور فى هذا العالم الذى اصبح قرية صغيرة بفضل العولمة وتلاشى الحدود بين الدول، وقد مر على عالمنا الاسلامى العديد من الانظمة ما بين مستبد وعادل وجاءت العديد من الثورات به لتعبر عن اتجاهات مختلفة من الافكار لتثور ضد حكام ظالمين فاسدين او ضد مستعمر نهب ثروات البلاد وتفشى فيها كالوباء وتعتبر الثورة الاسلامية الايرانية مثالا لهذه الثورات.
جاءت الثورة الايرانية فى عام 1979 لتثور ضد حكم الشاه الفاسد، واضفت تلك الثورة طابعا اسلاميا ثوريا للدولة الايرانية الفارسية وقد اعطاها ذك الطابع خصوصية ملحوظة تؤثر على عملية صنع القرار الايرانى و، وهذه الخصوصية انما هى نابعة من خصوصية النظام الايرانى نفسه بتركيبته التى جاءت بها الثورة، هذا النظام الثيروقراطى الذى كون حكومة اسلامية (بعد ثورة على الحاكم) قد اقام نموذجا مؤسسيا فريدا يعكس فكرا ايديولجيا واسلاميا قائما على اساس مبدا ولاية الفقيه الذى وضعه الامام الخمينى والذى قاد تلك الورة وهو المنظر لها واحتل فكره محورا اساسيا بها .
ان نظام صنع القرار الايرانى يعبر عن وجود هيكل غير مركزى للقوة السياسية فليس هنالك هيمنة واضحة على عملية صنع القرار حيث ان انقسام هيكل القوة بين المرشد والرئيس كان عالا كبيرا لفتح المجال امام القوى والمؤسسات المختلفة لتبرز وتعطى دورا سواء كان ايجابيا او سلبيا فى تلك العملية ، وذلك كان له اثرا كبيرا على ان تأخذ السياسة الايرانية شكلا شبه ثابت ومستمر.
لذا كان علينا دراسة عملية صنع القرار الايرانى ومعرفة أهم القوى والمؤسسات السياسية فى النظام السياسى الايرانى وكيفية تاثيرها على تلك العملية ، وهذا ما سنتعرض له من خلال المبحث الأول الذى يتناول الاطار النظرى للنظام السياسى وعملية صنع القرار ، ثم يتناول الفصل الثانى عملية صنع القرار الإيرانى والبيئة المحيطة بتلك العملية ، كما يتناول الاطار الأيديولوجى والدستورى ، وأخيراَ الفصل الثالث وفيه نتناول أهم القوى والمؤسسات السياسية الموجودة على الساحة الايرانية ثم نعرض لكيفية تدخل تلك القوى فى التأثير على عملية صنع القرار السياسى .
الفصل الأول : الاطار النظرى
لمَا كان موضوعنا هو تأثير النظام السياسى فى ايران على عملية صنع القرار ، كان لابد أولا من التعرف على هذين المفهومين نظريا ، لكى نكون على دراية بمعنيهما .
أولا : تعريف النظام السياسى : كعادة العلوم السياسية بصفة خاصة والعلوم الاجتماعية بصفة عامة ، فانه ليس هناك تعريف واحد أو ثابت لأى مفهوم اجتماعى وبالتالى فان للنظام السياسى العديد من المفاهيم ويرجع ذلك لاختلاف وجهة نظر الباحثين فى النظم السياسية واختلاتف المفاهيم التى يستخدمونها لدراسة النظام السياسى وفى هذا الصدد يمكن التمييز بين مدرستين أساسيتين اختلفا فى تحديد مفهوم واطار ومنهج دراسة النظام السياسى وهما :
1- المدرسة الدستورية : وتمثل الاتجاه الذى كان سائدا طوال الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية وتعرف النظام السياسى بأنه مرادف لكل من مفهوم نظام الحكم والدولة [7]أى أن النظام السياسى هو نظام الحكم - كما يرد فى القانون الدستورى - أو هو مجموعة القواعد المكتوبة أو المطبقة التى تحكم الجماعة فى فترة تاريخية محددة . وأيضا يعرف بعض أنصار هذا الاتجاه النظام السياسى على أنه مجموعة القواعد والقوانين التى تنظم السلطات العامة فى الدولة وتحدد اختصاصاتها ووظائفها والعلاقة بينهما ، ويعرفه البعض الآخر – من أنصار هذا الاتجاه بأنه مجموعة من القواعد والأجهزة المتناسقة المترابطة فيما بينها والتى تبين نظام الحكم ووسائل ممارسة السلطة وأهدافها وطبيعتها ومركز النفوذ وضماناته قبلها ، كما نحدد عناصر القوى المختلفة التى تسيطر عى الجماعة وكيفية تفاعلها بعضها . ومن تعريفات هذة المدرسة نجد أنها اقتصرت على الاطار القانونى الذى يدور حول الجانب الوصفى أو التنظيمى فقط للسلطة .
2- المدرسة السلوكية : وتعبر هذة المدرسة عن التطور فى علم السياسة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، ذلك التطور الذى ظهرت بوادره باظهور اتجاه جديد ينتقد النظرة القانونية الدستورية للنظام السياسى ، ويرى ضرورة تجاوز الشكل القانونى عند تحليل النظام السياسى الى محاولة فهم وتحليل القوى التى تستر خلف هذا التعبير القانونى . كان هذا هو رأى القانون الدستورى المعاصر [8]الذى ينظر الى النظام السياسى على أنه حقيقة مركبة يتطلب فهمها وتحليلها دراسة بعض جوانب متعددة منها دراسة العقيدة السياسية لنظام والاطار الاقتصادى والاجتماعى لأجهزة الحكم ، الى جانب دراسة الممارسة الفعلية لنشاط الحكومة والسلطات السياسية عامة وحركة الفرد ازاء السلطة وأهدافها . ولكن على الرغم من هذة الرؤية المختلفة للنظام السياسى الا أن هذة المدرسة ظلت عاجزة عن تقديم صورة حقيقية كاملة للنظام السياسى ، حيث أنها ظلت تدرس عناصر النظام دراسة قانونية شكلية دون أن تقدم فهم حركى لظاهرة السلطة فى المجتمع المعاصر . وظل ذلك الوضع حتى ظهرت المدرسة السلوكية التى تهتم بدراسة الجوانب المختلفة للسلوك الانسانى بهدف الوصول الى تعميمات تدعمها الأدلة التجريبية القابلة للثبات .
ولعل أهم فكرة أضافها علماء السياسة فى تحليلهم للنظام السياسى هى تلك الفكرة القائلة بأن النظام السياسى هو مفهوم لايقصد به مجرد مجموعة المنظمات والمؤسسات السياسة فى المجتمع فحسب ، وإنما هو مجموعة التفاعلات السياسية والأنماط المتداخلة والمتشابكة والمتعلقة بالظاهرة السياسية . يضاف الى ذلك أن الحياة السياسية يجب أن ينظر اليها كنظام أو على أنها مجموعة من النظم المتداخلة والمفاعلة ، ومن هنا برزت الفكرة القائلة بأن التحليل السياسى ما هو الا شكل من أشكال تحليل النظم ، فالنظام السياسى يوجد فى البيئة العامة للمجتمع ، والمجتمع ذاته يتكون من عدد من النظم الأخرى الى جانب النظام السياسى ومنها النظام الاقتصادى والثقافى وغيره ، وهذة النظم جميعها تتأثر بالنظام السياسى،وعلى ذلك فان النظام السياسى ينظر اليه على أنه نظام مفتوح ، لكافة المؤثرات الخارجية فى بيئته .
وحول التعريف المعاصر للنظام السياسى تعددت التعريفات أيضا ، من ذلك تعريف د. ابراهيم درويش للنظام السياسى [9]بأنه مجموعة من الأنماط المتداخلة والمتشابكة والمتعلقة بعمليات صنع القرارات والتى تترجم أهداف وخلافات ومنازاعات المجتمع الناتجة من خلال الجسم العقائدى الذى أضفى صفة الشرعية على القوى السياسية فحولها الى سلطات مقبولة من الجماعة السياسية التى تمثلت فى المؤسسات السياسية. ويرى البعض أن النظام السياسى يعد من أهم النظم الفرعية التى يتمكن منها النظام الاجتماعى ويتكون من مجموعة من المنظمات والعمليات التى ننفاعل مع بعضها البعض ومع المحيط الاجتماعى الذى توجد فى نطاقه من أجلالتوصل الى تحديد السياسة العامة .
وأيضا من التعريفات المعاصرة ، تعريف ( دايفيد ايستون ) أن النظام السياسى هو تلك العناصر المرتبطة بالحكم وتنظيماته وبالجماعات السياسية والسلوك السياسى وكذلك بعض العناصر الاجتماعية والمتعلقة بهذا النشاط يمكن اعتبارها جزءا منه كذلك المتعلقة بالنظام الطبقى وبالتكتلات والجماعات المحلية ، وكل الذى ينتج من تداخل كل أولئك فى العملية السياسية يمكن اعتباره ضمن النظام السياسى [10]، وأيضا عرفه ايستون على أنه مجموعة من التفاعلات والأدوار المجردة عن السلوك الاجتماعى والتى من خلالها توزع القيم سلطويا داخل المجتمع السياسى ، وبالتالى فان النظام السياسى هو عبارة عن تلك التفاعلات التى من خلالها يتم تعيين القيم أو السلطات التى ترسم وتحدد سلوك المجتمع .
أما ( جبريل ألموند ) فيعرف النظام السياسى بأنه نظام التفاعلات الموجودة فى كافة المجتمعات المستقلة والذى يضطلع بوظائف التكامل والتوفيق عن طريق استخدام أو التهديد باستخدام الاكراه المادى المشورع على نحو أو آخر . وبهذا المعنى نرى أن ألموند يركز اهتمامه على أن النظام السياسى هو ذلك الذى يشمل كل العمليات ( المدخلات والمخرجات ) التى تؤثر على استخدام الاكراه المادى ولا يقتصر فقط على الهيئات الحكومية الرسمية .
ومما سبق نجد أن تعريفات المفهوم فى أعقاب الحرب العالمية الثانية تركز على ما هو أكثر من مجرد الاطار الدستورى القانونى الرسمى ، وقد كان لظهور ذلك الاتجاه المعاصر أثره فى تغيير النظرة الى عناصر ومكونات هذا المفهوم ، فاذا كانت المدرسة الدستورية تحدد اطار وعناصر النظام السياسى فى حدود السلطات الرسمية الثلاثة : السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، فان هذا الاطار لم يعد مقبولا اذ اتسعت حدوده وعناصره باضافة العديد من التفاعلات السياسية التى تتم خارج اطار هذة السلطات الرسمية الثلاث وان اختلفت آراء علماء السياسة المعاصرين أنفسهم بخصوص تفصيلات هذة الاضافة وما يجب دراسته وتحليله عن دراسة النظام السياسى ، ومن أبرز النماذج الخاصة بدراسة النظم السياسية : نموذج ايستون .
نموذج ايستون : ( تحليل النظم ) :-
يقوم تحليل ايستون للنظام السياسى على أربعة مفاهيم أساسية اعتبرها من قبيل المسلمات العامة لهذا الاطار وهى : النظام والبيئة والاستجابة والتغذية العكسية . ويشير مفهوم النظام لدى ايستون الى مجموعة من التفاعلات السياسية التى تتميز عن كل التفاعلات الاجتماعية فى كونها موجهة اساسا نحو التخصيص السلطوى للقيم ، فهى تفاعلات ترتبط بتوزيع الأشياء ذات القيمة بين الأفراد والجماعات فى المجتمع ، أما البيئة فهى ذلك الجزء من البيئة الاجتماعية والمادية الذى يقع خارج حدود النظام السياسى حتى لو كانت داخل المجتمع نفسه بمعنى أن البيئة هنا هى البيئة الداخلية والخارجية للنظام .
ويوضح ايستون مفهوم الاستجابة بالاشارة الى خصائص النظم الاجتماعية والسياسية وأيضا الميكانيكية والعضوية فيرى أنها جميعا تشترك فى القدرة على التعامل مع معظم الاختلالات بمعنى آخر خاصية التنظيم الذاتى بمعنى أن النظم السياسية قادرة من خلال تصرفاتها الاستجابية الخاصة على الحفاظ على البقاء فى عالم سريع التغيير . أما التغذية العكسية فهى تأثير المخرجات على بيئة النظام السياسى من حيث اشباعها لمطالب قائمة أو خلقها لمطالب جديدة بمعنى آخر يرى ايستون أن التغذية العكسية تشير الى الآليات التى تسمح بنقل المعلومات ذات الطبيعة الايجابية أو السلبية الى النظام مما يسمح له بخلق رد الفعل الملائم للحفاظ على بقائه ، وفكرة ايستون تقوم على حدوث التغذية الاسترجاعية بصورة آلية وتلقائية لايتدخل فيها النظام السياسى نفسه بينما الواقع يشير الى أن النظم السياسية تقيم مؤسسات للكشف عن عناصر هذة التغذية وتجميعها وأقلمتها لتلائم بناءات النظام السياسى نفسه ، وبالتالى فإن ايستون قد عرف النظام السياسى وفقا لهذا المنظور.
ثانيا : عملية صنع القرار :
1. تعريفات صنع القرار السياسى[11] :لقد تم تناول مصطلح صنع القرار فى دراسات منهجية وعلمية فى شتى العلوم ، حيث أنه يلامس معظم العلوم الانسانية والاجتماعية وحتى العلمية ، وفى أواخر القرن الماضى شهد مصطلح صنع القرار فى اطار العلاقات الدولية تطوراً ملحوظاً ، فقد تم تناوله من خلال تعريفات متعددة . فيعرفه إميل شنودة : " أن كلمة قرار كلمة لاتينية معناها القطع أو الفصل بمعنى تغليب أحد الجانبين على الآخر ، فاتخاذ القرار نوع من السلوك يتم اختياره بطريقة معينة تقطع أو توقف عملية التفكير ، وينهى النظر فى الاحتمالات الأخرى " [12].
ويذكر مجدى حبيب فى تعريفه صنع القرار : " إنه وإن كان الاختيار بين البدائل يبدو نهاية المطافى فى صنع القرار ، الا أن مفهوم القرار ليس مقتصرا على الاختيار النهائى بل إنه يرجع إلى الأنشطة التى تؤدى الى هذا الاختيار " [13].
أما على بيومى فيعرفه : "بأنه الاختيار بين عدد من الممكنات لا على أساس نظرى ولكن على أساس عملى رتبط بالظروف القائمة . ونادرا مايجد السياسى نفسه أمام وضع لا مجال له من الاختيار ، إذ أحيانا لا تتوافر بدائل " [14].
أما دروفى جيمس وروبرت بالستغراف فيعرفانه : بأنه الدراسة المتخصصصة والشاملة لمختلف العناصر التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار عند تحليل سياسة معينة بشكل عام أو فى لحظة معينة ، أى أن النظرية تعمل على تحديد عدد كبير من المتغيرات المتعلقة بالمواقف ثم تسعى الى تحديد العلاقة بشكل مفيد بين هذة المتغيرات ولكنها لاتضع – بالضرورة- فرضيات تتطلب من صانع القرار أن يعمل على أساسها .
أما أستاذ العلاقات الدولية إسماعيل صبرى مقلد فيعرفه : " بأنه التوصل إلى صيغة عمل معقولة من بين عدة بدائل متنافسة ، وكل القرارات تستهدف تحقيقأهداف بعينها ، أو تفادى حدوث نتائج غير مرغوب فيها " [15].
أما محمد السيد سليم فيعرفه : " بأنه مجموعة القواعد والأساليب التى يستعملها المشاركون فى هيكل القرار لتفضيل بديل معين أو لتقويم الاختيارات المتاحة ، والتوفيق بين اختلافات الرأى فى مجموعة اتخاذ القرار"[16] .
2. منهج صنع القرار :شهدت دراسة نظرية صنع القرار نشاطا متزايدا منذ الحرب العالمية الثانية ، على اعتبار القرار عنصر رئيسى فى العملية السياسية ، ويحظى منهج صنع القرار باهتمام العديد من الباحثين لما له من قدرة على توصيف وتفسير سياسات الدول على غرار مصطلحات القوة وتوازن القوى السياسية الجغرافية ، ولهذا يعتبرالحد الفاصل بين الدراسات التقليدية والحديثة . ويعود استخدام مصطلح صنع القرار السياسى إلى مودلسكى فى دراسته الموسومة " السياسة الخارجية " والتى حاول فيها تفسير القرارا السياسى فى ضوء تأثير نوعية من المتغيرات الأساسية القوة المصلحة ، ولتأثره بمدرسة " مارجنثو " قام مودلسكى بتحليل عناصر قوة صانع القرار من ناحية ، وكيفية استخدام هذة العناصر لانجاز أهداف معينة من الناية الثانية . ثم جاء سنايدر كرد فعل على سلبيات دراسة مودلسكى بدراسته " اتخاذ القرار كمنهج لدراسة السياسة الدولية " ويقوم منهجه على وصف وتفسير السياسة الخارجية فى ضوء المتغيرات النفسية والسياسية والاجتماعية والتنظيمية ، ولإنجاز هذة الغاية حدد الهيكل الذى يتخذ القرار ، ووصف وحلل كيفية قيام هذا الهيكل باتخاذ قراراته .[17]
3. نظريات منهج صنع القرار :كما ذكرنا أن العلماء والمهتمين تناولوا عملية صنع القرار من مداخل ومناهج مختلفة ، ونلاحظ أن بعضهم يقدم لنا سبعة نماذج لتوضيح وفهم كيفية صنع القرار السياسى وسمات عملية صنعه التى تتسم بالصراع والخصومه وتكوين الائتلاف والتوفيق والتراخى والحلول الوسط وهذة النماذج السبعة هى :
( النموذج المؤسسى ونموذج الجماعة ونموذج النخبة ونموذج الرشد والنموذج التدريجى ونموذج المباراة ونموذج النظم ) . وبمزج هذة النماذج السابقة وغيرها يمكن استعراض ثلاثة مداخل أساسية لتحليل عملية صنع القرار السياسى عموماَ وهى :
أ- المدخل العقلانى . ورواده " سنايدر وروبرنسون " ، ويحدد سنايدر إطار عملية صنع القرار بين ثلاثة متغيرات أساسية هى : الفاعل السياسى ، والوضع أو الموقف ، والغايات ، ويرى بالتالى أن تفسير سلوك الدولة يكمن فى طريقة تصرف صانعى القرار ازاء الموقف.
ب- المدخل النظمى . ورواده " مايكل بريتشر " الذى يحلل صنع القرار فى السياسة الخارجية تحليلاَ نظمياَ من منطلق أن السياسة الخارجية يتم صياغتها بواسطة نوعين من العوامل هما: الاول عوامل خارجية ، والثانية عوامل داخلية ، وإن هذة العوامل مترابطة إلى حد التأثير ، والذى يتم فيما بينهما من خلال التغذية الاسترجاعية ، ووفقا لذلك فان القرار السياسى لا ينتهى باعلانه ولكن يأتى نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة فى شكل دائرى مستمر .
ت- المدخل البيوقراطى .ومن رواده " هالبرين " الذى يركز على مركزية هؤلاء الأفراد الذين يصنعون القرار وهم أعضاء داخل فى الجهاز البيروقراطى .
ولكن هذة المداخل لاتعتبر ملائمة للتحليل فى دول العالم النامى نظرا لسيطرة الرئيس ونخبة محدودة على عملية صنع القرار وعلى هذا يمكن اعادة بلورة تلك الاتجاهات النظرية فى تحليل صنع القرار السياسى فى اتجاهين رئيسيين هما :
الأول : الاتجاه المؤسسى : وينصرف الى دور المؤسسات فى عملية صنع القرار ، ومدى تأثير كل دائرة من دوائر هذة المؤسسات على كل مرحلة من مراحل صنع القرار حتى اتخاذه واعلانه.
الثانى : الاتجاه الشخصانى : ويركز على محورية دور الشخص الحاكم وهو رئيس الدولة ، حيث يلعب القائد دوراَ رئيسياَ وحاسماَ فى عملية صنع القرار داخلياَ وخارجياَ ، ويستلزم ذلك التركيز على توجهاته وادراكه .
4. مراحل صنع القرار : تمر عملية صنع القرار بعدة مراحل تمثل اطاراَ عاماَ ، ونسقا تدور وفق قواعده ، بحيث تبدأ من نشاة الحافز على اتخاذ القرار وصولا الى عملية الاختيار ذاتها ، وهى العملية الرئيسية فى صنع القرار ، وصولا الى تنفيذ ذلك الاختيار ، ويمكن تحديد مراحل تلك العملية على النحو التالى :
أ- وجود الحافز .
ب- ادراك صانع القرار الحافز .
ت- مرحلة تجميع المعلومات عن الحافز .
ث- مرحلة تفسير المعلومات .
ج- مرحلة البحث عن البدائل واتخاذ القرار .
ح- مرحلة تنفيذ القرار .
خ- مرحلة تقييم القرار .
الفصل الثانى : عملية صنع القرار الايرانى