العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الأدبـــيـــة > قسم الأدب والشعر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /08-11-2011, 10:50 PM   #1

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي متابعات ثقافية و أدبية

«أرجوك اعتنِ بأمّي» لكيونغ سوك شين ...
ضائعة في كوريا الجنوبية

هيثم حسين: تحفل الحياة المعاصرة، لا سيّما في المدن الكبرى، بالكثير من الصخب والضغوط، ذلك أنّ السعي المحموم في سبيل تنفيذ الأعمال والبرامج والمشاريع المخطّطة يستوجب تفرّغاً إجباريّاً لها. في غمرة هذا الصخب والضغط والانشغال، يجد المرء نفسه يبتعد رويداً رويداً عن ذاته وعمّن حوله، ليتمحور الاهتمام حول ما يجب تنفيذه، وما ينتظر التحضير له، فيفقد من حيث يدري ولا يدري تواصله مع أقرب مقرّبيه، ليقع لاحقاً فريسة للوحشة والعزلة والغربة، لا تسعفه شبكة العلاقات التي ينسجها من حوله في تخليصه من حالته، لأنّ تلك الشبكة تكون محدّدة التأثير، ومحدودة النطاق، ومحكومة بمعايير استهلاكيّة، ولا يكتشف المرء حجم خسارته وفداحة مصابه إلاّ حين يقع له حادث يكون بمثابة تنبيه وإنذار له، ليعيده إلى حالته الإنسانيّة المنكفئة جرّاء تهميشها وإهمالها وتناسيها. عن التفتّت الاجتماعيّ والتفكّك الحاصل في المجتمعات الاستهلاكيّة، عن اغتراب المرء واستلابه، عن الفتور الذي يصِم العلاقات الحميمة، تقدّم الروائيّة الكوريّة الجنوبيّة كيونغ سوك شين روايتها «أرجوك اعتنِ بأمّي» (ترجمة أفنان محمّد سعدالدين، الدار العربيّة للعلوم ناشرون، بيروت، 2011).

الرواية عن فقدان أمّ في محطّة سول لقطار الأنفاق، بعد أن سبقها زوجها مخلّفاً إيّاها خارج القطار. في ذاك اليوم، ذكرى ميلاد الزوجين، انقلبت حياة أفراد العائلة رأساً على عقب، وبدأت مسيرة البحث عن الأمّ المفقودة التي ضحّت بنفسها جسداً وروحاً لإسعاد الآخرين. الأمّ التي كانت شبه مغيّبة في حياتهم، ولا تكاد تحتلّ أدنى اهتمام من قبلهم، تبدأ بتصدّر واجهة اهتماماتهم وأولويّاتهم، إذ كانوا يعتبرونها من المسلّمات الموجودة في حياتهم، والتي لا تحتاج منهم إلى أيّ شيء، تلبّي لهم متطلّباتهم، تفتديهم، تضحّي من أجلهم، توقف لهم حياتها، من دون أن تطالبهم بشيء، بل على العكس، تحرص على عدم إشغالهم بأحوالها، تتكتّم على أوجاعها وأحزانها، تؤثر التألّم بصمت حرصاً على وقت أولادها وسلامتهم. الأمّ التي تتخلّف عن زوجها في المحطّة، تتوه في الزحام، تغدو الشغل الشاغل لأبنائها، بعد أن كانت منسيّة من جانبهم، يحاول أبناؤها البحث عنها بشتّى السبل. ينشرون إعلاناً في الصحف، يقومون بلصق الإعلانات في مختلف الأماكن، يبحثون في المشافي وعلى قوارع الطرقات. يتخبّطون في بحثهم عنها.

تقسّم كيونغ سوك شين روايتها إلى أربعة أقسام: «لا أحد يدري، إنّني آسفة يا هايونغ تشول، ها قد عدت إلى البيت، مسبحة من خشب الورد»، تروي كيونغ روايتها على ألسنة رواة، تعتمد صيغة المخاطب، معتمدة ياء الفاعل حين توجيه الحديث من جانب الراوي إلى نفسه، والقارئ، تكون الراوية الرئيسة تشاي هون، وهي الابنة الثانية بين خمسة أبناء للمفقودة «بارك سو نيو»، تحتكر معظم مساحة السرد، تعمل في الكتابة، تؤلّف الروايات، تحضر الكثير من المؤتمرات، تظلّ دائمة التنقّل والانشغال، تسرد تشاي هون بطريقة مناجَاة، توجّه خطابها لنفسها بصيغة المتكلّم المخاطب في الوقت نفسه، تسترجع الكثير من التفاصيل الصغيرة التي كانت تزيّن علاقتها مع والدتها.

تتذكّر كيف أنّها كانت تقرأ رسائل إخوتها إلى أمّها، وتكتب رسائلها إليهم، تؤنّب نفسها على إهمالها المريع لأمّها، واقتصارها في زياراتها على أوقات محدودة، إذ لم تكن تراعي مشاعرها الأموميّة، ولا يخطر لها التفكير في شوقها المتنامي إليها. الراوي الآخر يكون الابن الأكبر هايونغ تشول الذي حظي باهتمام مبالغ من أمّه، إذ كانت تأمل أن يكون نائباً عامّاً، لكنّه لم يفلح في تحقيق حلمها، وتوجّه إلى إدارة مشاريع خاصّة، وعلى رغم نجاحه في حياته، إلاّ أنّه يظلّ متألّماً لأنّه لم يحقّق لوالدته حلمها الذي كان حلمه في فترة معيّنة من حياته. ثمّ يكون الراوي الثالث زوج المفقودة، يسرد تفاصيل علاقته الزوجيّة، يبالغ في التأثّر وهو يستذكر تضحيات زوجته في سبيل عائلته، بينما هو كان مشغولاً بنفسه وملذّاته. كما تحضر الابنة الأخرى التي تعمل صيدلانيّة، ولها ثلاثة أبناء، تكتب رسالة لأختها تشاي هون، تعبّر لها عن مكنوناتها تجاه أمّها، وعمّا لم تجد وقتاً لتبوح به لأمّها، تصف عظمة الأمومة، وأنّها لا تستطيع أن تبلغ تضحيات أمّها مهما فعلت في سبيل أبنائها.

يسترجع الجميع الساعة التي فقدوا فيها أمّهم، كانت تشاي هون تنتقل في الصين بينما كان هايونغ تشول يأخذ حمّاماً ساخناً، ليلوم زوجته في ما بعد أنّها تسبّبت بعدم ذهابه إلى المحطّة لاستقبال والديه اللذين كان يفترض بهما أن يقصدا منزل أخيه. أمّا الزوج فيلوم نفسه على سرعته الدائمة وتسرّعه مع زوجته التي كانت تلومه دائماً على سرعته أثناء المشي معها، حيث كانت تخجل نتيجة تأخّرها عنه، وكانت المفارقة بين السرعة والبطء، ليشكّلا العامل الحاسم في فقدانها الأليم.

بعد أن اختفت الأمّ أصبحت حاضرة في حياتهم، وكأنّهم يستطيعون مدّ أيديهم إليها ولمسها. باتوا يتعرّفون إليها من جديد، يستذكرون خصالها وتصرّفاتها وتضحياتها، تعيد إليهم التوازن بغيابها كما كانت تفعل بحضورها، تفيدهم بكلّ أطوارها، يتحوّل فقدانها إلى نقطة تلاقٍ وتباحث دائمة، ترغمهم بغيابها على الالتفات إلى أنفسهم وإليها. يكون الفقدُ مرآة، يكشف لهم عريهم وعظمة أمّهم، يكتشفون أنّها كانت تتبرّع بمعظم المبلغ الذي كانوا يرسلونه إليها لدار الأيتام، وكانت تتكفّل بتعليم يتيم سمّته كيون على اسم أخي زوجها، الذي اتّهمت بالتسبّب بموته، وبأنّها السبب في عدم إكماله دراسته. الرجاء في العنوان موجّه إلى الله، عسى أن يعتني بالأمّ الغائبة الفقيدة، تتوسّل إلى الله بعد أن تفقد الأمل إثر المحاولات المتكرّرة الفاشلة. حيث تكون تشاي هون في زيارة إلى روما، تبحث في الفاتيكان عن هديّة لأمّها، تعيش مرارة الفقد المتعاظم في روحها. تخجل من الترفيه عن نفسها في ظلّ غياب أمّها، كما أنّها تبالغ في ردّ فعلها حين تكتشف أنّ أخاها يمارس حياته الطبيعيّة ويلعب الغولف، كأنّ أمّهم ليست مفقودة، أو كأنّهم عادوا إلى تناسيها وإهمالها مرّة أخرى.

تقدّم الكاتبة وهي من أشهر الروائيّين الكوريّين، لقطاتٍ ومشاهدَ من تاريخ كوريا الجنوبيّة، تروي جوانب من الحرب التي دارت بين الكوريتين، والتي تسبّبت بكوارث فظيعة، كما تصوّر مشاهد من الطقوس والشعائر، التي لا يزال الكثير من السكّان الأصليّين يعتقدون بها ويمارسونها، ويحرصون غاية الحرص على تأديتها حفاظاً منهم على مكتسباتهم وسلالاتهم. وذلك كلّه بالموازاة مع تصويرها للتبدّل الذي يجتاح النفوس في المجتمعات الاستهلاكيّة، حيث يطاول التغيّر البنية النفسيّة والاجتماعيّة للإنسان، فيخلخل ميزان القيم، لتتراجع القيم الإنسانيّة، وتتقدّم الأنانيّة وتكاد تسود.

تؤكّد عبر سردها أنّه لا يوقف تصاعد ذلك التغيّر السلبيّ سوى حدث جسيم يعيد التوازن، وينبّه المرء إلى ضرورة التكاتف الأسريّ، وإيلاء الاهتمام الواجب للأسرة. وعلى رغم ما قد يتبدّى من جانب وعظيّ، إلاّ أنّ سوك شين، تمكّنت من تغليف النبرة الوعظيّة بنبرة التأنيب وجلد الذات، ما أوحى بأنّها تقدّم فصولاً من التقريع الذاتيّ ردّاً على الاستهانة بالقيم الاجتماعيّة، التي من شأنها المحافظة على السلامة الفرديّة والجماعيّة.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /08-11-2011, 10:55 PM   #2

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي «العاشق المسافر وقصص أخرى» لأليس مونرو ... فتنة ريفية

«العاشق المسافر وقصص أخرى» لأليس مونرو ... فتنة ريفية

صبحي موسى: في عالم الكندية أليس مونرو الكثير مما يدعونا إلى بهجة المتعة بالقراءة، فهي حالة فريدة لا يمكننا الشعور تجاهها سوى بالدهشة، كما لو أننا خدعنا في هيئة شخص ريفي عجوز ثم ما لبثنا أن رحنا ننصت لحديثه العذب ساعات طويلة. هكذا تفاجئنا مونرو في عوالمها القصصية التي اختار من بينها الناقد والمترجم المصري أحمد الشيمي خمس قصص ليضعها في كتاب بعنوان «العاشق المسافر وقصص أخرى»؛ صدر عن سلسلة «آفاق عالمية» - الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، كما لو أنها اختصرت المسافة التي يحتلها القلم والأنامل والأنفاس والعيون ليصبح الورق هو الانعكاس المباشر للمخيلة، تلك التي تتحرك بنعومة شديدة كما لو أننا لا نقرأ عملاً مكتوباً بمقدار ما نعيش مع مؤلفته عالماً من الذكريات والأحلام.

يمكن القول إن المفاتيح لعوالم مونرو المولودة في مدينة ونغهام الكندية عام 1931 ليست كثيرة، فهي الريف والوحدة والذكريات التي لا يمكن وصفها بالسعيدة أو التعيسة، لكنها الحياة بكل بساطتها وهمومها وتفرعاتها المدهشة، ليصبح التجلي الأهم لديها هو كيفية تقديم هذه الموضوعات، وهو ما لا يمكن رصده عبر كلمات أو شروط واضحة، ولكن يمكن اختصاره في أنها موهبة جعلت الكثير من نقادها يضعونها في مصاف تشيخوف وتولستوي، وجعلت البعض يصفها بأنها ربة المنزل الكاتبة، أو الريفية الساذجة، وعلى رغم اعتراضها على الوصفين الأخيرين عام 2009 حين فازت بجائزة المان بوكر الدولية عن مجمل أعمالها، إلا أنها لا تنفصل عنهما، ولا يقللان من حضورها الموازي لحضور أنطوان تشيخوف في عالم القصة القصيرة. اقتصرت مختارات الشيمي على: جزيرة كورتيز، قبل التغيير، نهر منستيونغ، العاشق المسافر، الأوز البري. الكتاب في 220 صفحة من القطع المتوسط. نجد أنفسنا أمام ما يمكن تسميته بالـ «نوفيلا» كما في قصة «العاشق المسافر»، وهي قصة تذكرنا بماركيز في «الحب في زمن الكوليرا» ولعلها أكثر واقعية وإدهاشاً وفتنة، إذ إننا نجد أنفسنا أمام فتاة أمينة مكتبة تقع في حب شخص لا تعرفه إلا عبر المراسلة، إذ إنه مجند على الجبهة ولديه يقين بأنه لن يعود، ولم يجد في ذهنه غير أمينة المكتبة شبه الخالية من الرواد كي يراسلها ليطمئن على الوطن، وعبر المراسلات تنشأ قصة الحب وتنتهي الحرب، لتتوقع الفتاة أنها أول من سيفكر في زيارته، لكنه لم يفعل، وعلى النقيض رأت صورة زواجه في جريدة، والمدهش أنه عاد وكتب تفسيراً لهذا الزواج، وهو أنه ذهب على الجبهة وهو مرتبط بخطيبة. لا تتوقف مونرو عند هذا الحد، لكنها ترصد ما يزيد على عشرين عاماً أخرى، تتزوج خلالها الفتاة من صاحب المكتبة والمصنع الذي عمل به الشاب، وربما مات تحت إحدى آلاته، وتتقدم في العمر بعد وفاة زوجها وتتغير ملامح كل من كانت تعرفهم، لكنها لا تنسى حبيبها الذي لم تر صورته ولم تعرف ملامحه، وظلت أنفاسه تتردد في المكتبة طوال عملها بها، بينما أصداء سيرته تتابع إليها من خلال الشخوص المشتركين بحكم المصادفة، حتى أننا لا نعرف إن كان هذا الحبيب قد مات بالفعل أم أنه تشابه عليها من خلال الأسماء.

في عالم مونرو لا تتردد أنفاس القرية، ولكن أنفاس المدن الريفية، تلك التي ارتبطت بتقاليد القرية وعاداتها وتسعى سراً للتحرر منها، ولا تتردد أنفاس النسوية وإفراطها في التفاصيل، ولكن تغلب الرؤية الشعرية، والانتقالات السريعة في القص بنعومة لا تجعلنا نتوقف أمام القراءة إلا لنعرف ما الذي حدث، وما الذي أتى بهذه الأحداث، ولا تسعى إلا أن تخرج عن تقاليدها هي ككاتبة ذات نشأة ريفية. ففي قصة «الأوز البري» ترصد في نعومة مدهشة حركة يد قس على جسد فتاة ريفية في عربة قطار، وكيف تواطأ كل منهما تحت ستار إدعاء النوم ليقتنص لذة اكتشاف المجهول، من دون أن تتورط في كلمة أو إيحاء يكسر شاعرية القصة، وفي «نهر منستيونغ» تكتب عن شاعرة إقليمية عاشت وتوفيت في مدينة ريفية، وماتت من دون أن يسمع بها خارج نطاق إقليميتها، على رغم أنها تركت سفراً شعرياً بعنوان «تقدمات» رصدت فيه تاريخ المكان ومفرداته وأساطيره، لكن نهايتها كمشوشة عقل لا يحتفي بها أحد، ولا تختلط بأحد، جعلنا نرى نوعاً من الهواجس التي يعتقدها الكثير من الكتاب عن أنفسهم، وهي نظرية عادة يتسم بها الكثير من الكتاب غير المقيمين في المركز، أو غير المؤمنين بأنهم لم تتم قراءتهم على مستوى واسع.

رغم النعومة التي تتسم بها قصص مونرو إلا أنها لا تخلو من انتقادات لكل من المؤسسات الدينية التي أصبحت ستاراً لكل ما هو سيئ، انتقادات لعادات بليدة في مجتمعات الريف ذي النظرة والأداء المزدوج، وللرجال الذين لا يبدو حضورهم أكثر من كونهم عنصراً مكملاً لطبيعة الحياة، انتقادات لطبيعة المرأة الراغبة في أمور لا تريد الإفصاح عنها، وتتمنى حدوثها من دون تدخل منها. انتقادات قاسية للمجتمع ككل، واستمتاع واضح بإيقاع مدن الريف الهادئة، وأفكاره البسيطة شبه الواضحة، ومحبة للأماكن التي أقامت وعملت فيها (كانت تمتلك مكتبة في فترة من حياتها). محبة للوحدة التي تصل إلى حد العزلة، وفتنة بالشعر من دون بلاغة أو مجاز. فتنة بتكنيكات القصة القصيرة، وعدم رغبة في التحول إلى الرواية، انجزت من خلالها الكاتبة أكثر من عشر مجموعات قصصية أعطتها جوائز مهمة وهي واحدة من المدرجين منذ سنوات طويلة في وسائل الاعلام على قائمة مرشحي نوبل للآداب.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /09-11-2011, 10:45 AM   #3

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي «كتّاب أشباح» أبدعوا ثلث المؤلفات الفرنسية


«كتّاب أشباح» أبدعوا ثلث المؤلفات الفرنسية
فضيحه تطال حتى موليير وألكسندر دوما

باريس: أنيسة مخالدي: موليير خدع قراءه واستعان بكاتب آخر ليؤلف نيابة عنه بعض كتبه، ألكسندر دوما استخدم الأسلوب نفسه. المؤلفون الجدد ليسوا أكثر نزاهة. 80 في المائة من مشاهير السياسيين الفرنسيين لم يكتبوا مؤلفاتهم بأنفسهم، وغالبية الفنانين يفعلون الشيء نفسه. المال يكفي لإسكات الكاتب «النغر» أو الكاتب الحقيقي، كي يسكت على الغش والتزييف، فضيحة تكتّم عليها كل المتواطئين المنتفعين وأدخلت لدور النشر كنوزا. اليوم يكشف الغطاء، وتظهر الحقيقة فاضحة.

نحو ثلث الكتب المنشورة في فرنسا لا تحمل توقيع مؤلفيها الحقيقيين. هذه الأرقام المذهلة كشف عنها تحقيق صحافي لصاحبته أرمال بروسك بعنوان «لي نغر: الكتابة في الخفاء». التحقيق سلط الضوء على مهنة منتشرة بكثرة في كواليس الوسط الأدبي لكنها مجهولة بين أوساط العامة. تلك التي يمتهنها كُتاب موهوبون يكتبون باسم شخصيات مشهورة مقابل أجر مالي دون أن ينالوا حظّهم من الشهرة والتقدير. هؤلاء الذين يُلقبون بين أوساط الناشرين الفرنسيين بـ«النغر» والذي يعني حرفيا «الزنوج» ومجازا «العبيد»، وأحيانا يطلق عليهم اسم «هلب رايترز» أي أعوان الكتّاب، لكن التسمية الأكثر شيوعا تبقى حسب التعبير الأنجلوساكسوني «غوست رايترز» أي أشباح الكتاب.

* كورناي كاتب شبح لموليير

* بحوث في غاية الجدية كشفت بأن ظاهرة الكتاب الأشباح قديمة قدم الأدب الفرنسي، فموليير قد لا يكون المؤلف الحقيقي لـ18 من المسرحيات المنسوبة إليه، من بينها «مدرسة الأزواج»، «النساء العالمات» و«مبغض البشر» بل إن الكاتب هو بيير كورناي الذي كان آنذاك من المقرّبين لموليير. وهي النتيجة التي وصل إليها البروفسور «دومينيك لابي» وفريق عمله من معهد العلوم السياسية بمدينة غرونوبل بفضل استعمالهم لبرنامج إلكتروني ذكي قارن بين أسلوب الكاتبين في بناء الجمل ونسبة تكرار بعض المفردات. وهو ما أكّده فريق عمل آخر بجامعة سان بترسبورغ الروسية. الأحداث التاريخية تنقل أيضا قصّة أوغست ماركي الذي كان يكتب باسم الكاتب الفرنسي المعروف «ألكسندر دوما» مقابل أجر مالي وصل آنذاك لـ145 ألف فرنك فرنسي، على أن مشكلة الأديب الفرنسي لم تكن نقص الموهبة الأدبية بقدر ما كانت تتعلق بضيق المهلة التي كان يحدّدها له الناشرون مما كان يجبره على الاستعانة بمؤلفين آخرين. روايات كثيرة تقول إن «أوغست ماركي» ساهم بقدر كبير في كتابة روائع دوما: «الفرنسان الثلاثة»، «الكونت دومنتي كريستو» و«الملكة مارغو»، وروايات أخرى تقول إنه كتب بعضها بالكامل كرواية «الفيكونت دو براجيلون». على أن القصة لم تكن لتعرف لولا القضّية التي رفعها «أوغست ماركي» على ألكسندر دوما لتقاعسه عن دفع مستحقاته المالية في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 1858.

* موهوبون لكن مجهولون

* الظاهرة أصبحت معروفة أكثر فأكثر، بعد سلسلة فضائح طالت شخصيات اعتقد طويلا أنها تكتب مؤلفاتها بنفسها إلى أن ثبت العكس. برنار بيفو، الناقد الأدبي المعروف كان أول من كسر جدار الصمت حين كشف في برنامجه الأدبي المعروف «أبوستروف» سنة 1987 بأن رجل الأعمال والكاتب «بول لو سوليتزغ» صاحب الإنتاج الغزير لا يكتب مؤلفاته بنفسه بل يستعين بمؤلف آخر يعمل معه في السر ويدعى «لو دوران»، ومنذ أشهر قليلة كشف ناقد أدبي من جريدة «لوفيغارو» يدعى جيروم دوبوي أن الإعلامي المعروف باتريك بوافر دارفور، المقدم السابق لنشرة أخبار القناة الأولى ليس المؤلف الحقيقي للسّيرة الذاتية التي خصّصها لإرنست هيمنغواي، بل إنه استعان بكاتب شبح قام بدوره بالنقل عن كاتب أميركي. لكن الخوض في هذا الموضوع يعتبر محظورا عند الناشرين، وقّلة قليلة منهم تقبل الاعتراف بشيوع هذه الظاهرة التي غالبا ما تبقى سرا بين الثلاثي: الناشر والشخصية العامة والكاتب الشبح. ولا عجب إذا علمنا أن أرباح دور النشر الفرنسية بلغت حسب إحصائيات النقابة الوطنية للنشر 2.8 مليار يورو سنة 2010 وهو ما يمثل 452 مليون كتاب. لكن الأهم من ذلك أن الحيل القديمة للناشرين لم تعد تنطلي على القّراء، حيث يبدو صعبًا اليوم التصديق بأن بطلة لتلفزيون الواقع لا تتعدى العشرين أو لاعبا لكرة القدم لم يكمل تعليمه الثانوي يملكان الموهبة الأدبية الكافية لتأليف سيرة ذاتية من 200 صفحة بأسلوب سلس يحوز إعجاب ملايين القراء. كما يبدو غريبا التسليم بأن المسؤول السياسي الذي يستعد لخوض حملة انتخابية ورجل الأعمال الذي يدير عشرات الشركات، يملكان الوقت والهدوء اللازمين للتفرغ للكتابة ومتاعب التصحيح والتنقيح. مثل هذه المّهمة تترك للكتّاب الأشباح الذين غالبا ما يبدأون كُكتاب ثم يتعثّرون في مشوارهم المهني، فيتحولّون لكتّاب أشباح يعيرون أقلامهم للمشاهير لكسب قوتهم. من هؤلاء ليونال دوروا الذي كان كاتبا شبحا لأكثر من 25 شخصية من بينها إمبراطورة إيران السابقة فرح ديبا، والمغنية سيلفي فارتان، ونانا موسكوري: «يس كل الكتاب الأشباح يتساوون، فمنهم الصّادق مع نفسه ومع القراء، يكتب السير الذاتية باسم آخرين وهو مقتنع بأن الكتابة هي الموهبة التي مُنحت له ليضعها في خدمة من يريد نقل تجربته للآخرين، ومنهم المُفتقد لآداب المهنة، ذلك الذي يكتب مؤلفات وقصصا من وحي خياله وينسبها لشخصيات عامة مقابل أجر مالي مع علمه أنها قادرة ومعتادة على الكتابة، الفرق بين الاثنين هي قضية ضمير مهني».

* السّاسة ونجوم التلفزيون أهم الزبائن

* اللجوء لمثل هؤلاء الكتاب ينتشر في بعض الأوساط أكثر من غيرها. ففي الوسط السياسي مثلا يعتقد أن نحو 80 في المائة من الكتب أُلفت بأقلام بديلة. وهي غالبا ما تكون مؤلفات مطلوبة تثير اهتمام الإعلام بشدة باعتبارها ذات قيمة تاريخية. فالجزء الأول من السيرة الذاتية للرئيس السابق جاك شيراك (كل خطوة يجب أن تصبح هدفا/ دار نشر لونيل) بيع منها أكثر من 300 ألف نسخة. إيريك دو مولان كاتب شبح لشخصيات سياسية معروفة كوزير الخارجية السابق هيرفي دو شاريت يقول إنه بحكم خبرته أصبح يميز بين نوعين من الكتاب الأشباح: «فمنهم من يكتفي بتحرير فقرات الكتاب انطلاقا من اقتراحات وأفكار الشخصية السياسية وبإشراف منها، ونوع ثان يقوم بالمهمة بالكامل بما فيها تقديم الأفكار السياسية». شيوع الظاهرة أصبح مدعاة سخرية حيث يروي السياسي والكاتب بول ماري كوتو لأحد الصحافيين أنه تفاجأ مرة وهو يهنئ الرئيس ساركوزي بكتابه، حين أجابه هذا الأخير: «وهل تمكنت من قراءته بالكامل؟ أنا شخصيا لم أصل إلى النهاية». مما يعني أن الرئيس ساركوزي لم يتمكن حتى من قراءة الكتاب الذي وقع باسمه. لكن الشخصيات السياسية عكس الشخصيات العامة الأخرى لا تترك لدور النشر مهّمة اختيار الكاتب، بل تتولى هذه المّهمة بنفسها وتتعامل دائما مع نفس الأشخاص خشية منافسة المعارضين. لكن يبقى المشاهير من نجوم الغناء وتلفزيون الواقع والرياضيين والممثلين هم أهم زبائن الكتّاب الأشباح الذين يكتبون تقريبا كل السّير الذاتية التي تصدر بأسمائهم (99 في المائة). وهي مؤلفات غالبا ما تحقق أعلى الإيرادات في الأسواق. يعترف جون فرانسوا كرفيان المعروف في هذا الوسط أنه تردد طويلا قبل الموافقة على التعاون مع لوانا بطلة برنامج تلفزيوني بعنوان «لوف ستوري»، لكنه اقتنع في النهاية بأن العمل سيلاقي إقبالا كبيرا حين لمس شعبية النجمة الشقراء في شوارع مدينة سان تروبي. وهو ما حدث فعلا حيث بيع من سيرتها الذاتية أكثر من 150 ألف نسخة.

* رد اعتبار وعائد مادي وحقوق مؤلف

* تسليط الضوء على هذه المهنة الخفية كانت له أثاره الإيجابية على وضعية الكتاب الأشباح. فبعضهم تمكن من الفوز بقدر من الاعتبار بعد أن وضعت أسماؤهم إلى جانب اسم الشخصية العامة بصفتهم «متعاونين». لكن الأمر يبقى متوقفا على المشاهير الذين يقبلون بذلك أم لا. وهو حال جاك شيراك الذي لم يجد حرجًا في الإعلان عن الاسم الحقيقي لكاتب مذكراته (جان لوك باري)، بل غالبا ما يشكره في لقاءاته الصحافية على صبره وعمله المتقن. أما نجم كرة القدم زين الدين زيدان فيقال إنه ألحّ على الناشر كي يضع اسم كاتبه (دان فرانك) على غلاف سيرته الذاتية «قصة الفوز»، لأنه حسب تعبيره «المؤلف الحقيقي». والأهم من هذا هو أن العقود التي تربط هؤلاء الكتّاب بدور النشر أصبحت أكثر وضوحا وإنصافا. فقد يتقاضى مؤلف مبتدئ ما بين 5 آلاف إلى 15 ألف يورو، بينما يحصل زميله المتمرس على مبلغ يصل إلى 30 ألف يورو بالإضافة إلى نسبة في الأرباح ونسبة على حقوق المؤلف تصّل إلى 15 في المائة على كل نسخة.

* السعادة على الرغم من صعوبة العمل

* عدة مواصفات تبقى مطلوبة في الكاتب الشبح، أهمها المهارة الأدبية والأسلوب السلس الجميل الذي يجذب القارئ، لكن كاترين سيغوري مؤلفة السيرة الذاتية لعارضة الأزياء كلوديا شيفر تضيف عليها مواصفات أخرى: «مطلوب منا أن نفهم الشخصية التي نكتب باسمها في ظرف أسابيع أحيانا في أقل من 15 ساعة. أن نوافق أسلوب كتابتنا مع طريقة كلامها وتعبيرها، أن نكون مرآة لها، أمر ليس بالهين بما أنه يجعل منا كتابا ومحللين نفسيين في آن واحد». أما الكاتب دان فرانك الذي ألّف 62 كتابا لصالح شخصيات عامة بينهم زين الدين زيدان، ونجوم الغناء فريدريك فرانسوا وليندا دو سوزا فهو يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول: «طالما تمارس هذه المهنة فعليك أن تضع كبرياءك جانبا وأن تتحلى بكثير من الحكمة وضبط النفس حتى وإن وقعت في أصعب الوضعيات. وهو ما حدث معي ذات مرة حين وجدت نفسي في أحد اللقاءات الصحافية أمام شخصية عامة كنت قد أنجزت كتابها بالكامل من الصفحة الأولى إلى الأخيرة. وكدتُ أفقد أعصابي حين سمعته يقول للصحّافيين بكل برود إنه سهر وتعب وبذل جهدًا كبيرا لإنجاز هذا العمل...». أما جون فرانسوا كرفيان الذي كتب أيضا السيرة الذاتية للمذيع المشهور ميشال دروكر والمغني هيرفي فيلار فيقول: «المهم أني مقتنع بمهارتي الأدبية، إنتاجي يلاقي إقبالا عند القرّاء ودور النشر راضية عن عملي والمشاهير يطلبونني شخصيا. لا أحتاج لاسمي على غلاف الكتاب فهذا يكفيني لأني متواضع».

ظاهرة «الكتاب الأشباح» تطرح مشكلة أخلاقية تخترق الوسط الأدبي، ليس فقط في فرنسا بل في كثير من الدول الغربية. فهذا الوسط الذي يظهر دائما بثوبه المشرف الزاخر بالعطاء قادر أيضا على الغّش والانتحال وتزييف الحقائق والضحك على ذقون القرّاء، الكّل بمباركة وتشجيع من دور النشر التي تجعل الربح المادي فوق كل اعتبار وهذه حقيقة قد يجهلها الكثيرون.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /09-11-2011, 10:49 AM   #4

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي أسبوع أمين الريحاني في نيويورك


أمين الريحاني

أسبوع أمين الريحاني في نيويورك
تتضمن زيارة منزله والمواقع التي تردد عليها

لا تزال أميركا تحتفي هذا العام بالكاتب والأديب اللبناني، أمين الريحاني، الذي عاش في الولايات المتحدة، وكتب أشهر مؤلفاته بالإنجليزية. وضمن احتفالات سنة أمين الريحاني العالمية نظمت مدينة نيويورك «أسبوع أمين الريحاني»، الذي افتتحته مكتبة نيويورك الوطنية، بمنتدى خاص شارك فيه سفير لبنان لدى الولايات المتحدة، أنطوان شديد، والكاتب رامي خوري من الجامعة الأميركية في بيروت، والباحث أكرم خاطر من جامعة نورث كارولاينا، والكاتبان الأميركيان ريموند بان وتود فاين، وذلك بحضور حشد من الباحثين الأميركيين واللبنانيين والعرب.

في اليوم الثاني، ألقى المستشرق الأميركي روجر آلان، من جامعة بنسلفانيا، محاضرة حول الريحاني والنهضة العربية وإشكاليات المهجر، ثم انعقد في اليوم الثالث مؤتمر جامعة نيويورك حول «أمين الريحاني وكتاب خالد»، الذي استهل بجلسة الافتتاح التي تكلمت فيها آني بكليان، المديرة المساعدة للدراسات الشرق أوسطية في الجامعة، حول «أمين الريحاني ومدينة نيويورك»، وريتا عوض، من المنظمة العربية للثقافة (ألكسو)، حول «الريحاني والعالم العربي اليوم». وتتالت ثلاث جلسات: الجلسة الأولى شارك فيها الكاتب الأميركي كريستوفر ستون، مجيبا عن السؤال: «لماذا نحتفل اليوم بأمين الريحاني؟» وائل حسن، من جامعة إلينوي، بموضوع «صورة المثقف العربي الأميركي: أمين الريحاني وإدوار سعيد»، ناثان فانك، من جامعة واترلو في كندا، بموضوع «جسر بين عالمين: أمين الريحاني ورحلة الثقافة التعددية».

الجلسة الثانية تكلم فيها كل من: ريتا عوض حول «أمين الريحاني في مقتربات مقارَنة»، أمين ألبرت الريحاني، من جامعة سيدة اللويزة في لبنان، حول «كتاب خالد بين الحداثة وما بعد الحداثة»، روجر سادرات، من جامعة نيويورك، حول «النار والوهج أو الاغتراب الرمزي في كتاب خالد».

الجلسة الثالثة شارك فيها: روجر آلان حول «أبعاد فكرية متعددة عند الريحاني»، نجمة حجار، من جامعة سيدني في أستراليا، حول: «موقف الريحاني من المرأة بين الروائية والواقعية»، هاني بواردي، من جامعة ميشيغان، حول «قراءة الريحاني على ضوء التاريخ الأميركي العربي الحديث»، والكاتب تود فاين، مدير مشروع خالد، حول «مئوية خالد ومدينة نيويورك».

وكان اختتام أسبوع الريحاني في اليوم الرابع والأخير بتنظيم جولة لافتة ومؤثرة لزيارة المنازل والمواقع التي سكنها الريحاني أو تردد عليها. وهي تبدأ بمنزل عائلة فارس الريحاني، والد أمين، في شارع واشنطن في مانهاتن السفلى، وتنتهي بآخر شقة سكنها أمين في شارع 57، مانهاتن العليا، نيويورك، مرورا بالأندية الأدبية التي كان عضوا فيها والفنادق التي أقيمت فيها احتفالات تكريمية له أو خَطَب فيها بمناسبات مختلفة.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /10-11-2011, 08:53 AM   #5

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي متحف الشيوعية في براغ.. شاهد علي تغير التاريخ!


متحف الشيوعية في براغ.. شاهد علي تغير التاريخ!

صلاح سليمان: اذا أردت البحث عن شئ غريب وغير مألوف في العاصمة التشيكية براغ ـ فعليك بزيارة المتحف الشيوعي الذي يقع في قلب المدينة القديمة بالقرب من ساحة "فاتسلاف" الشهيرة، حيث كانت العاصمة التشيكية هي إحدي أهم عواصم دول الستار الحديدي الذي يدور في فلك الإتحاد السوفيتي السابق في أوج الحقبة الشيوعية السابقة، لكن لم يستمر الحال هكذا ـ فقد طالت الثورة الشعبية في عام 1989 تشيكوسلوفاكيا وإنفك عقدها هي الأخري إسوة بباقي الدول الشيوعية السابقة.. وعلي الفور راحت تتخلص من ذلك الإرث الشيوعي الثقيل وأصبحت تبدو لزائريها الأن دولة غير الدولة ـ فدخلت المجموعة الأوروبية عام 2004 وأصبحت عضواً في حلف الناتو عام 1999 وتغيرت شوارعها وأصبح بها الكثير من المتاجر والمطاعم والبنوك التي ترمز الي الرأسمالية وراحت علي إثر ذلك معالم الشيوعية تختفي رويداً رويدا، حتي أن زيارة المتحف الشيوعي تبقي من الأهمية بمكان، لأنها تذّكر بحقبة تاريخية هامة في التاريخ الدولي الحديث إستمرت من عام 1948 حتي سقوط الشيوعية في عام 1989.


ماكدونالدز علي ابواب المتحف

نصعد درجات سلم المتحف متجهين صوب باب الدخول ـ وما أن ندلف الي الداخل حتي تستقبلنا تماثيل أساطين وأعلام الشيوعية مثل لينين وستالين وغيرهم وتبدو هنا المفارقة المثيرة ـ أننا في نفس اللحظة التي تصافح فيها أعيننا تلك التماثيل المخيفة نجد أن خلفنا علي الجهة المقابلة من الشارع يقع أحد رموز الرأسمالية وهو مطعم "ما كدونالدز " الشهير الذي يمكن رؤيته من ذلك الموقع بسهولة، علي الفور يعيش الإنسان لحظات بين صورتين متناقضتين ونظامين مختلفين سقط أحدهما وبقي الآخرمستمراً، غير أن هذه التماثيل المسكينة تبقي عبرة للنظام الذي سقط والذي كانت يوماً ما شامخة في الميادين والأبنية الحكومية الهامة قبل أن تسقط وتختفي حتي ظهرت من جديد رهينة في هذا المتحف المثير والذي لا تتوقف فيه الإثارة علي الجيل الجديد الذي لم يواكب العصر الشيوعي بل إن نفس الإثارة تبقي عند الجيل القديم الذي كان شاهداً يوماً ما علي تلك الحقبة.

رغم أن قلب العاصمة براغ به الكثير من المباني الأثرية والأماكن السياحية الهامة، إلا أن المتحف الشيوعي يبقي لديه بريق خاص فهو المكان الوحيد الشاهد علي زوال حقبة لم تعد موجودة ـ إختفت بكل معالمها وصناعتها لذلك فإن رؤية أيٍ من تلك التماثيل أو الأدوات القديمة يجعلك تقف علي تاريخ الشيوعية في تلك المنطقة بكل تفاصيلها.

بعد شراء بطاقات الدخول مرتفة الثمن وبعد المرور من البهو الذي تنتصب فيه التماثيل نبدأ في دخول الحجرات الأخري حيث أنها متداخلة وأن كل واحدة منها تحكي جزء من التاريخ الشيوعي في تشيكيا الحالية أوتشيكوسلوفاكيا السابقة ـ في الحجرة الأولي نري منتجات الصناعة التشيكية الشيوعية مثل الدرجات والدرجات البخارية وعدد من الأدوات الزراعية وصور عديدة من صور الدعاية أو "البروباجندا " الشيوعية في ذلك لعصر والتي كانت تشتهر بها تلك الدول في ذلك الوقت، وهي تظهر الي أي مدي كانت الصناعات الشيوعية في تلك الآونة متخلفة عن نظيرتها الغربية بكثير.

حجرة أخري نري فيها المنتجات الغذائية مثل المعلبات التي كانت تباع في تلك الآوقات و كذلك المشروبات المشابهة لمشروب الكوكاكولا الذي لم يكن مسموحاً به في أثناء الحكم الشيوعي وقبل أن نهم الي حجرة أخري نلقي نظرة علي مكينة "الكاشير" القديمة، التي كنا نراها في بعض متاجرنا العربية.


البوليس السري في المتحف

في المتحف أيضاً قسم لآدوات البوليس السري الذي كان له دور كبير في العصر الشيوعي، إضافة الي عينة من ملابس الشرطة وشرائط وأفلام تسجيلة تعرض بعض حقائق الشيوعية ـ علي سبيل المثال أًعدم في تشيكوسلوفاكيا في عام 1989 وحده 178 مسجون وتشير سجلات السجون الي أنه كان هناك 257000 مسجون سياسي و 200000 ألف جاسوس كما أنه كان قد تم إقالة وطرد 500 ألف موظف من الحزب الشيوعي في حركة التطهير التي أعقبت ربيع براغ عام 1968.

إن فكرة تأسيس المتحف ترجع الي رجل الأعمال الأمريكي "جلين سبيكر" الذي درس العلوم السياسية وتخصص في السياسة الخارجية الروسية قبل أن يذهب الي براغ قبل 10 سنوات ليقيم هناك ويؤسس هذا المتحف ـ لقد إستغرق تجهيزه عدة أعوام ظل فيها سبيكر يجمع المقتنيات التي كان يشتريها في الغالب مقابل المال، حتي أصبح المتحف حقيقة واقعة.

المتحف بصفة عامة يمكن تقسيمه إلي ثلاث حقب يحكيها عبر ردهاته ومقتنياته وهي حقبة الحلم بالتخلص من الشيوعية وحقبة الحقيقة ثم حقبة العمل التي تلي سقوط الأيديولوجية وهذا يجعل المتحف ليس فقط متحف لعرض بعض المقتنيات بل معرض تثقيفي وتعليمي للحقبة الشيوعية ـ حيث أنك تستطيع أن تلتحق بإحدي الغرف التي تعرض أفلام التاريخ الشيوعي حيث نشاهد إعلان قيام جمهورية تشيكوسلوفاكيا كإتحاد بين التشيك وسلوفاكيا عام 1918.ثم يعرج بك تاريخ تلك الدولة الي الوقت الذي تزايد فيه تهديد الحكومة النازية آنذاك في المانيا لإجبار تشيكوسلوفاكيا عام 1938 على التنازل لألمانيا عن منطقة السوديت المتنازع عليها.ثم نستطيع أن نري تلك الحقبة التي غزت فيها القوات الألمانية تشيكوسلوفاكيا قبل الحرب العالمية الثانية وإعلان قيام حكومة وصاية التشيك ومورافيا بعد انفصال سلوفاكيا بتحريض أيضاً من المانيا، ثم ننتقل إلي تحرير تشيكوسلوفاكيا من النازي عام 1945 علي يد القوات الروسية ومن ثم إعادة تشكيل جمهورية تشيكوسلوفاكيا مرة أخري وقبل أن يعاود التاريخ كتابة سطوره بنفس الطريقة عن هذه البلاد ولكن بشكل مختلف حيث انفصلت مرة أخري سلوفاكيا عام 1992 ولكن بطريقة سلمية حيث أطاحت الثورة الشعبية بالحكومة التشيكية وأُعلن قيام جمهورية التشيك عام 1993 واختيرفاتسلاف هافل أول رئيس لها وأصبحت جمهورية التشيك عام 1999 عضواً بحلف (الناتو) وعام 2004 بالاتحاد الاوروبي.

ربيع براغ

لايمكن الانتهاء من زيارة المتحف حتي نري فيلماً قصيراً عن ربيع براغ عام 1968 أشهر حدث مر علي البلاد إبان فترة الحكم الشيوعي ـ فهو يذّكر جيداً بالتجربة التشيكية الشهيرة نحو الديمقراطية والتي إمتدت من 5 يناير عام 1968 عندما بدأ ألكسندر دوبتشيك بعد تسلمه السلطة كأمين عام للحزب الشيوعي إصلاحاته الديمقراطية التي لم تستمر طويلاً حيث سحقت الدبابات الروسية تجربته التي لازال التشيك يفتخرون بها ويعتبرونها حدثاً ثقافيا ً وفكريا، بل ايقونة من ايقونات جيل الستينيات والسبعينيات التحرّري في أوروبا، من المعروف أن ذلك الحدث قد تحول الي حدث إبداعي علي نطاق أوروبا كلها.

قد تبدو المفارقة الكبري هنا قبل أن تهم بمغادرة براغ عائداً عندما يهمس في أذنك مترجم الرحلة وهو يقول لك إن آخر الإحصائيات التي صدرت هنا تقول أن واحد من كل اثنين لازال لديه اليقين بأن الحقبة الشيوعية هي الأفضل.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /10-11-2011, 08:57 AM   #6

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي عندما التقى غروشو بإليوت


عندما التقى غروشو بإليوت

يوسف يلدا – سيدني: وجد غروشو ماركس ، الممثل الكوميدي الشهير، في أحد الأيام من عام 1961، في صندوق بريده رسالة كانت قد وصلته من لندن، بعثها إليه الشاعر تي. إس. إليوت، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1948. وعندما فتحها قرأ فيها ملاحظة في غاية البساطة. هل بإمكانك أن ترسل لي صورة فوتوغرافية لك مع إهداء؟ لم يكن لغروشو إلاّ أن يستجيب للطلب.

لكن، بعد أيام قليلة، إستلم الممثل رسالة أخرى من إليوت، يكتب فيها، الصورة جيدة، أشكرك، لكن، هل بمقدورك أن تبعث لي بصورة فوتوغرافية لغروشو ماركس، بشاربه وسيجاره؟ وإستجاب الممثل للطلب، في هذه المرة، أيضاً. وبعدها بقليل، إستلم غروشو رسالة جديدة من إليوت، مفعمة بكلمات الشكر للهدية، موضحاً فيها أنه سيعلق الصورة الى جانب صور دبليو. بي. ييتس، وبول فاليري المعلقة على جدار النبلاء في منزله. وبقليل من الحماس الممزوج بالمزح، طلب غروشو من إليوت صورته الشخصية. وكان أن بعث الأخير صورته الى الممثل الكوميدي مع تعليق لطيف: "أنا أيضاً أحب السيجار، ولكن لا أملك صورة غوتوغرافية لي وأنا أدخن".

وهكذا ترسّخت واحدة من أبرز علاقات الصداقة بين أبرز شخصيتين معروفتين إبّان القرن العشرين. يمثل أحد أطرافها الشاعر الأمريكي صاحب القصيدة الشهيرة "الأرض اليباب"، بينما يقف على الطرف الآخر، الفنان الكوميدي الأشهر خلال القرن الماضي.

وكان لي سيغل، كاتب سيرة غروشو، التي ستصدر قريباً، قد نشر مؤخراً مقالة في مجلة "ذي إيكونومست"، وتناول فيها تأريخ هذه العلاقة، داعياً المسؤولين عن إرث إليوت الأدبي، نشر أعماله الأدبية كاملة، على أن يتم دراستها ومراجعتها بتأنٍ ودقة. وخلال العام الحالي كان قد تم نشر الجزء الأول من أعمال إليوت، والتي تضمنت نتاجاته حتى عام 1923، في كامبردج.

حتى الآن يصعب معرفة التفسير، وبصورة دقيقة، سر الخيط الذي كان يربط بينهما؟ لربما قد يكون مرد ذلك، إعجاب كل منهما بشكسبير، أو إنبهار إليوت بعالم الممثلين. وهناك، في أرشيف سيغل، لم يبق سوى القليل من الرسائل التي بعثها غروشو الى إليوت، والتي يتطرق إليها الممثل مازحاً، بعض الجوانب من حياة الشاعر. على سبيل المثال، حياته الجنسية، أو جانب من شخصيته كمفكر إنكليزي. يقول غروشو: "هل صحيح أن إسمك الأول توم أطلق عليك، نسبة الى توم غيبسون (بطل مصارعة)؟".

وكان غروشو قد زار إليوت في شقته بلندن، فعلاً، وذلك في العام 1964، وأشار الى تلك الزيارة في رسالة بعثها الى شقيقه غرومو. ومن خلال إسلوبه الشيطاني، أنهى غروشو رسالته معترفاً، بأن الشاعر الطاعن في السن، كان إنساساً لطيفاً، و"مضيف رائع". "وقد قدم النبيذ بنفسه، بطريقة فريدة من نوعها، ولا أعتقد أن هناك نادل متمرس يستطيع أن يفعل ذلك مثله".

وجدير ذكره أن يوليوس هنري ماركس، المعروف فنياً بإسم غروشو ماركس ولد في 2 إكتوبر من عام 1890 بنيويورك، وتوفي في لوس أنجلوس في 19 آب من عام 1977. إشتهر كممثل كوميدي وكاتب، وبدأ حياته الفنية عضواً في فرقة "الأخوة ماركس".

أما توماس ستيرنز إليوت، المعروف بإسم تي. إس. إليوت، فقد ولد في 26 سبتمبر من عام 1888، في ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية، وتوفي في 4 يناير من عام 1965 بلندن. عُرف كشاعر ومؤلف مسرحي وناقد أدبي من الطراز الأول، حيث يعد أحد أبرز الشعراء في القرن العشرين.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /10-11-2011, 09:19 AM   #7

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي رحلة نصف قرن مع الكلمات في «تجربة حياتي»


رحلة نصف قرن مع الكلمات في «تجربة حياتي»
برنار بيفو.. فقد عائلته بسبب القراءة

باريس: بوعلام رمضاني: لا يمكن لأحد يملك جهاز تلفزيون ادعاء عدم معرفة برنار بيفو حتى وإن كان لا يحب الكتابة والقراءة لأنه يستحيل جهل أو تجاهل زيدان الأدب الذي برهن أن التلفزيون ليس ضد الثقافة والأدب بوجه خاص كما يعتقد الكثير. «صندوق العجب» كما لا يزال البعض يطلق عليه من عامة الناس كان وراء شهرة رجل عجيب بكل المعايير الممكنة، وكتابه البديع «كلمات حياتي» الذي عرف طريقه إلى حقائب الملايين من الفرنسيين هذا الصيف بحكم شهرة صاحبه عند كل الشرائح الاجتماعية كرس وعمق حجم أعجوبة مهنية وأدبية مرادفة للظاهرة. برنار بيفو البالغ من العمر 76 عاما دخل تاريخ الشهرة للمرة الثانية بكلمات حياته الصحافية والأدبية والشخصية التي رواها بأسلوب غير مسبوق سمح لدار نشر «ألبا ميشال» بتحقيق خبطة استثنائية مكنتها هذه المرة من منافسة دور غاليمار والساي وفلاماريون العريقة والشهيرة أيضا.

انطلق بيفو – الخرافة الحية والأيقونة الصحافية والأدبية غير العادية عالميا وأوروبيا - لتبرير مقاربته الفكرية المؤسسة لمنهجية ساحرة من القاموس كمرجعية أدبية أولى وأخيرة تركته يقع في أسر الكلمات قبل الغرق في بحر ومحيطات الرواية التي قرأها وفككها وأفنى حياته كاملة محاورا وناقدا أشهر صناعها في العالم على مدار نصف قرن توزع بين تجربته في الصحافة الأدبية المكتوبة والتلفزيونية وفي أكاديمية غونكور التي دخلها حديثا.

قاموس لاروس الفرنسي الشهير هو الذي غرس حب الكلمات في قلب وعقل أحد أقدر الصحافيين الأدبيين في أوروبا وربما في العالم هو نفسه الشكل الذي اختاره لتمجيد مرجعيته الأدبية الأولى التي رافقت طفولته وشبابه وما زالت ترافقه تحت وطأة شغفه الأسطوري بالكلمات التي أحبها لاحقا أكثر عندما قرأ قصص لافونتان. في افتتاحية «كلمة ترحاب» كتب بيفو يقول إن كتابه يتناول بتسلسل أبجدي في شكل قاموس «كل الكلمات التي عشت بها ومن أجلها على الصعيدين المهني والشخصي، ومن بينها كلمات أسماء برامجه الأدبية والثقافية «أبوستروف» – فواصل عليا – و«حساء وثقافة» و«بين قوسين» و«أنا مزدوج أو هوية مزدوجة» - وإملاء المسابقات الوطنية التي نشطها تلفزيونيا أيضا باعتباره المرجعية الأولى في مجال الإملاء والنحو والقواعد والصرف. كلمات قراءة ومكتبة وكاتب ونقاش وجسد وبريد وترحال وقاموس وجمارك وقلق وشباب وذاكرة وكلمات أخرى كثيرة رافقت حياته الصحافية والأدبية ومكنته من قراءة ونقد ومحاورة أشهر الروائيين الفرنسيين والأوروبيين والأجانب والعرب المقيمين في باريس ناهيك عن كلمات أخرى شكلت هواجسه ونوازعه وأحلامه وسعادته وأحزانه ومغامراته وذكرياته الحميمة، الأمر الذي شكل تجربة إنسانية استثنائية لا يمكن لأبجدية القاموس الفرنسي استيعابها كلها لكنها كفيلة بنشر عطرها وألوانها وإيقاعاتها وأصواتها على حد تعبيره.

بيفو الذي قضى حياته يصطاد الكلمات الجديدة ويتفحص القديمة ويبحث عن أصولها وتطورها وسحرها مبتهجا كطفل ظفر بقطعة حلوى صباح العيد، ما زال يستيقظ وينام على الكلمات لأنه ضرب موعدا جديدا معها من خلال عموده الأسبوعي الذي تنشره صحيفة «لورجونال دوديمانش» ويتناول فيه رواية جديدة فضلا عن استمراره في القراءة بوجه عام باعتباره عضوا جديدا في أكاديمية غونكور. واستثنى بيفو في كتابه تجربته الثانية في مجال التنشيط التلفزيوني والمتمثلة في برنامجي «أبوستروف» و«حساء ثقافة» بسبب تناولهما في كتابه «مهنة القراءة» الذي صدر في شكل حوار مع المفكر الكبير بيار نورا عام 2001، وصدر له أيضا كتاب «إملاء برنار بيفو» عام 2002 و«مائة كلمة يجب أن تنقذ» و«قاموس حب النبيذ» عام 2006 و«مائة عبارة يجب أن تنقذ» العام الماضي. وحتى تتضح العلاقة الموضوعية بين قصة بيفو الصحافية مع الثقافة والأدب والرواية والكتاب بوجه خاص وبين كتابته قاموس كلمات حياته، من الضروري التوقف عند أهم الكلمات التي تسمح للقارئ بالاطلاع على تجربة ثرية وغنية بمعلومات تمتزج من خلالها أصالة وخصوصية مضمونها الأدبي والإنساني وإبداع وقصص وطرائف الروائيين والكتاب الذين تشرف بيفو باستضافتهم في برنامج «أبوستروف» الذي دام 15 عاما - من 1975 إلى 1990 – وشاهده نحو 3 ملايين متفرج وتحول إلى موعد ثابت عند المؤمنين والملحدين والأغنياء والفقراء والنخب وكل فئات الشعب البسيط والرجال والنساء والشبان والعجائز. ففي كلمة نقاش مثلا تحدث بيفو عن الناشرين الإيطاليين الذين تناقشوا معه مبدين تأسفهم لعدم وجود برنامج تلفزيوني أدبي مثل برنامجه في بلاد يسيطر فيها برلسكوني على المشهد التلفزيوني، وعن دهشته لأمر الإيطاليين الذين يصرخون في برامجهم الثقافية وغير الثقافية خلافا للإنجليز الذين يناقشون السياسة والأدب بروح باردة ومتحفظة تفتقد للشعلة الإيطالية الحارقة والمثيرة للأعصاب والمرادفة للتهريج. عن الكتاب الأميركيين الذين حلوا ضيوفا عليه قال بيفو تحت كلمة «نقاش» إنهم أعجبوا بتمكينهم من التحدث عن كتبهم دون انقطاع بسبب الإشهار أو تدخل وزير أو عارضة أزياء أو لاعب غولف استضيفوا معهم في برامج أميركية، كما عبروا عن دهشتهم لتأثير برنامجه على مبيعات الكتب ومساهمته في شهرتهم الباريسية بعد ظهورهم في برنامجه، وتحولهم إلى نجوم في مقاهي ومطاعم العاصمة الفرنسية. فلاديمير نابوكوف كان الشخصية الروائية الشهيرة والمشاغبة التي تناولها بيفو تحت كلمة «جسد» من منطلق تجربته العلمية والنفسية التي أثبتت أن الإنسان يشفى مؤقتا من مرضه لحظة قيامه بممارسة يحبها، الأمر الذي دفعه بالسماح لنابوكوف بتناول الويسكي مباشرة على الشاشة حتى يتحمل جسده ألم مرض البروستات وفعل بيفو ذلك مجسدا احترامه للمشاهدين بتصويره صب الكحول في كأس نابوكوف على أساس أنه شاي: «هل تريد المزيد من الشاي السيد نابوكوف؟»، بيفو نفسه عاش التجربة حينما استضاف الروائية الكبيرة الراحلة مارغريت دوراس صاحبة رائعة «العشيق»، وشفي بيفو من زكامه الحاد أثناء مناقشته الروائية التي أيقظته في الساعة الثانية صباحا لكي تقرأ عليه مقطعا من إحدى رواياتها، الأمر الذي قبله على مضض بحكم الاحترام الذي يكنه لها. تحت كلمة «قراءة» التي أفرد لها العدد الأكبر من الصفحات - باعتبارها الكلمة التي دارت حولها تجربته الصحافية والأدبية - لعب بيفو دور المنظر للقراءة في علاقتها بوضعيات معينة، وعن الأزواج الذين يفضلون قراءة روايات الحب في السرير ولا سيما النساء المغرمات، وبيفو الذي أهمل عائلته بسبب القراءة يفضل الجلوس على كرسي أو على أريكة مريحة لأنه يقرأ بجدية وعين نقدية فاحصة تفرض عليه تسجيل الملاحظات التي تساعده على طرح الأسئلة الوجيهة والمحرجة لضيوفه الكثر. صاحب أشهر برنامج تلفزيوني أدبي ليس صحافيا وكاتبا مبدعا فقط بل يملك أيضا موهبة أخرى تتمثل في روح الفكاهة والدعابة التي طبعت كتابه من البداية، ولم يقف عند كلمة شكلت محطة متميزة في حياته المهنية إلا وعلق على حكاية أو موقف بسخرية، الأمر الذي أعطى لكتابه نكهة متعة نادرة تعايشت بامتياز مع جدية المعلومات التي شكلت ثقافة أدبية وصحافية جديرة بالتعريف والتقديم على أوسع نطاق ممكن باعتبارها مرجعية يعود إليها كل شغوف أصيل بعالم الكلمة.

ومن الأمثلة الكاشفة عن توظيفه للحقيقة السالفة الذكر استعانته بالروائي الهايتي الأصل داني لافيريار الذي قال لبيفو عند استضتافته: «مهنة الكتابة مثل الخياطة تحتاج إلى مؤخرة قوية وصلبة وخاصة إذا تعلق الأمر برواية» وعلق بيفو على كلام لافيريار مضيفا «الأمر نفسه ينطبق على القارئ المهني مثلي وشخصيا كان لي حظ التمتع بمؤخرة جيدة». في سياق التحدث عن علاقة كلمة قراءة بالثقافة الأدبية وروح الكاتب الساخرة، كتب بيفو أن بروست وتولستوي هما الروائيان اللذان خدما كثيرا السلك الطبي لأن حجم مؤلفهما «البحث في الزمن الضائع» و«الحرب والسلام» يخدم المرضى الذين يمكثون طويلا في المستشفى، فمفتش الضمان الاجتماعي ليس في حاجة إلى تدقيق في صحة تصريحاتهم لأن وجود الروايتين على طاولاتهم أو أسرتهم يثبت فعلا أنهم دخلوا المستشفى لفترة طويلة. القراءة في السجون كانت محطة شيقة أخرى تناولها الكاتب، وحكى أن جان جاك بروشييه الذي ترأس تحرير المجلة الأدبية مدة 35 عاما ودخل السجن بسبب تضامنه مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية تمكن من قراءة كل الكتب التي أرسلها له الناشرون ومنها كتب سارتر التي تلقاها من دار «غاليمار»، كما أن السجن مكن أيضا المعارض السياسي البولوني لنظام الجنرال جاروزلسكي من قراءة كتاب ميشال فوكو عن عالم الحبس «راقب وعاقب» ورواية «اسم الوردة» لأوبرتو أيكو الشهير، الأمر الذي أجبره على تحسين مستواه في اللغة الإيطالية.

والسجون والمعسكرات مكنت أيضا كتابا مثل ودوستوفسكي وفيرلين وأوسكار وايلد وجان جينيه وسولجنتسين وآخرين من قراءة روايات كثيرة انعكست على إبداعهم لاحقا. وأنهى بيفو رحلته الممتعة مع كلمتي القراءة والكتابة بشكل رائع بتذكيره بالسؤال الأول الذي طرحه أندري مالرو على ابنته فلورنس - 12 عاما - التي لم يرها طيلة الحرب ألا وهو: «أي كتاب أنت بصدد قراءته الآن»؟ دون تعليق.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /18-11-2011, 01:12 PM   #8

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي رحلة الى القاع المظلم للمدينة الهندية


رحلة الى القاع المظلم للمدينة الهندية

هيفاء بيطار: «كلما سرقتُ منه أدركتُ كم سرق مني». استوقفتني هذه العبارة في رواية» النمر الأبيض» لآرافيند أديغا (بوكر الإنكليزية، 2008 دار ثقافة ومؤسسة محمد بن راشد). عبارة تبدو شديدة البساطة كأنها عفوية، ويمكن أن تكون متداولة في أحاديث الناس، لكنها تحمل دلالات عميقة جداً في علاقة السيد بالعبد، الرئيس بالمرؤوس، المالك بالمملوك، المسؤول وصاحب المنصب بالعمال... أغوص في تأمل هذه العبارة «كلما سرقتُ منه أدركتُ كم سرق مني».

مَن هؤلاء الأسياد الذين يحتلون المناصب الرفيعة والحساسة في الهند؟
مَن هم هؤلاء الأثرياء أصحاب الشركات التجارية الضخمة، والوزراء، والمدراء؟!

إنهم عصابة من اللصوص ينهبون الشعب نهباً خفياً أنيقاً مهذباً، ويساعدهم في هذا النهب شريحة واسعة من الشعب، هي الظلام.

الظلام تعبير دارج في الهند يمثل قاع المدينة، يمثل الفقراء، ذلك الفقر المهين والمُدقع، حيث يعيش الناس كالحيوانات في العراء، ينامون تحت الجسور وعلى الأرصفة، يغتسلون في النهر الذي يبولون فيه ويتغوطون أيضاً، ولا يعرفون إن كان الحظ سيسعفهم ويأكلون في اليوم التالي... وحين يمرضون لا يجدون مستشفى ولا طبيباً لأن المستشفيات بائسة، والأطباء بالكاد يعملون في المستشفيات الحكومية، فمعظمهم يدفع رشوة (ثلث راتبه) لمدير المستشفى كي يسمح له بالعمل في مستشفيات خاصة... في هذا الظلام نتعرف إلى بالرام، الذي ولد في قاع الفقر ورأى والده يعمل حمالاً، يجرّ عربات عليها أسياد، إنه حمّال كالحمار، ولكن هذا الأب الحمّال المسحوق، لديه حلم واحد، أن يتعلم أحد أبنائه، يقول : «طول حياتي وأنا أعمل كالحمار، كل ما أريده أن يعيش أحد أبنائي كإنسان».

ببراعة آسرة يصف لنا الكاتب حياة الظلام، الملايين من الفقراء، كيف يعيشون كعبيد لأسياد يتحكمون بحياتهم، يقول: «لقد بقوا عبيداً لأنهم لا يستطيعون إدراك الجمال في هذا العالم».

العبودية إذاً ليست في مجرد الفقر، بل هي في الروح، في النفسية التي تقبل بقدرها، العَبد هو الذي يُقنع نفسه أن هذا هو قدره في الحياة، وأن لا مجال لرد القدر، ويستعمل الكاتب عبارة رائعة في وصف هؤلاء العبيد أو الخدم، إذ يقول إن كل واحد منهم هو إنسان نصف مخبوز، يقول: «افتحْ جماجمنا وتفحّصْها تحت ضوء مُركّز ستجد متحفاً غريباً من الأفكار، جُملاً من الرياضيات والتاريخ يمكن تذكرها من الكتب المدرسية، كل تلك الأفكار نصف المتشكلة، نصف المهضومة، ونصف المصححة تختلط مع نصف أفكار مطبوخة في رأسك، وهو الأمر الذي تتصرف وفقه وتعيش».
بالرام ولد في الظلام، لم تُسمّه أمه لأنها كانت مريضة وتنزف، ولم يُسمّه أبوه لأنه كان مسحوقاً يعمل كحمار، في المدرسة البائسة اضطر أستاذه أن يُسمّيه كي يكون له اسم، ظل اسمه الولد حتى دخل المدرسة...

أيُّ مكان هذا الذي ينسى فيه الناس أن يُسمّوا أبناءهم؟

إنه الظلام. أن تكون خادماً وعبداً هو أن تذعن لرغبة سيدك، أن تسمح أن تُسحق إنسانيتك وترضى أن تكون عبداً، يقول الكاتب في وصف علاقته بسيده: «لماذا كان لدي شعور أنه يتحتم عليّ أن أكون قريباً من قدميه وأجعلهما تشعران بالراحة من خلال غسلهما بالماء الساخن وتدليكهما لساعات؟ لأنني تربيت على الرغبة أن أكون خادماً». بالرام الذي عمل سائقاً لدى أسرة فاحشة الثراء، كان يتنصت على أحاديثهم، وعرف كيف يدفعون أموالاً طائلة للساسة كي يتهربوا من دفع الضرائب، تلك الضرائب التي تحصلها الدولة من الموظفين الفقراء ومن الناس الذين يعيشون في الظلام.

صراع وجود

يرى مستوى الحياة المترف الذي يعيش فيه هؤلاء، وكيف يعاملون الناس الفقراء كما لو أنهم حيوانات، فإذا أساء أحد هؤلاء الفقراء إلى سيده، فإن السيد ينتقم منه بأن يقتل أسرة الخادم كلها، ومن دون أن يُعاقب. ذات مساء، كان بالرام يقود السيارة وسيده وزوجته الأميركية ثملان يضحكان، ورغبت الزوجة في أن تقود السيارة، فنصحها زوجها ألاّ تفعل لأنها ثملة، لكنها أصرت، فتنحى بالرام عن القيادة، وسلم المقود للزوجة الثملة التي أخذت تقود بسرعة وهي تضحك في شوارع دلهي، ودهست إنساناً لم تتبين تماماً هل هو رجل أم امرأة، لكن زوجها أمرها أن تسرع ثم تسلم بالرام قيادة السيارة. وخلال يومين وُضعت أمام بالرام ورقة رسمية تتضمن اعترافه بأنه هو من دهس الطفلة (تبين أن الزوجة الثملة دهست طفلة)، وبأنه كان وحده في السيارة حين دهس الطفلة، وعليه فإن المحكمة ستسجنه... وهكذا يكون الخادم المطيع لأسياده. كم من السائقين والخدم والعبيد يقضون سنوات في السجن بدل أسيادهم اللصوص والمتنفذين في الخارج. هذا هو وضع فقراء الهند، إنهم عبيد تماماً لأسياد فاحشي الثراء... المؤلم أن أسرة بالرام وافقت أن يُسجن ابنها بدل سيده مقابل حفنة من المال، أو لتتفادى بطش السيد في حال رفض بالرام.

المفارقة المؤلمة والظريفة في الوقت ذاته في الرواية، أن راديو عموم الهند، وهي الإذاعة الحكومية الرسمية، لا ينفك يطلق شعارات وخطباً حماسية عن دور الفقراء في الانتخابات، وأن الانتخابات سوف تنصفهم وتؤمن لهم عيشاً كريماً، وتجعجع بالقول بأن أي فتى في أي قرية هندية يمكنه أن يكبر ويصبح رئيس وزراء الهند. لكن كما يقول الكاتب: إحدى الحقائق في الهند أنك تستطيع تقريباً أخذ كل شيء تسمعه من رئيس الوزراء بشأن البلد وتقلبه بالعكس تماماً، عند ذلك ستعرف حقيقة ذلك الشيء.

بالرام يقتل سيده ويسرق حقيبته المنتفخة بالمال، المال الذي كان سيدفعه رشوة كي لا يدفع الضريبة... يحرر نفسه من الظلام، ويقفز إلى النور، لأنه يدرك معنى الإنسانية، لأنه يقول:

«أن يدرك المرء ولو ليوم، ولو لساعة، ولو لدقيقة، ماذا يعني ألا يكون خادماً، فذلك أمر يستحق كل مجازفة».

لم يكن من مجال أمام بالرام سوى ارتكاب جريمة ليكون إنساناً، لقد ظل هؤلاء المتنفذون يعاملونه كحيوان، كعبد، مسخوا إنسانيته، ووضعوه في قن كقن الدجاج، الذي يصفه بطريقة مذهلة حين يصور جثث مئات الدجاجات محصورة في قن. لم يعد هناك من حوار أو تسوية أو طريقة لحل هذا الوضع المخزي اللاإنساني بين قاع مروّع بالذل والفقر والقهر، وبين طبقة مستبدة فاحشة الثراء، لم يعد من وسيلة اتصال بين العالمين سوى الجريمة. يقتل بالرام سيده ويسرق المال الذي هو ماله ومال الفقراء، لأنه كما قال: «كلما سرقتُ منه أدركتُ كم سرق مني».













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /18-11-2011, 01:17 PM   #9

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي عالم الآشوريين يصخب بحكايات غرائبية


عالم الآشوريين يصخب بحكايات غرائبية

سلمان زين الدين: فضاءان اثنان يتوزّعان السرد في رواية «سهدوثا» للكاتبة العراقية الآشورية ليلى قصراني (الغاوون). الأوّل واقعي، دنيوي، يشغل خمسة أسداس النص. والثاني متخيَّل، غرائبي، أُخروي، يشغل السدس المتبقي. وعلى هذا التفاوت في المساحة بين الفضاءين الروائيين، وعلى اختلاف الشخصيات التي تدور في كل منهما، ثمة تقاطع بينهما يتمثّل في انجذاب الناس في كلا الفضاءين الى نوازعهم الجسدية وشهواتهم الدنيوية، وفي ارتكاب الأخطاء حتى وإن كانوا يتدثرون بثياب الكهنة والرهبان. وكأن الكاتبة أرادت القول إن طبع الأجساد البشرية أقوى من التطبّع بالروحانيات الأخروية. وعلى الرغم من أن الفضاء الأخروي لا يتعدّى سدس الرواية، فإن قصراني أطلقت اسم هذا الفضاء «سهدوثا» على روايتها.

وهنا، قد يبدو العنوان مضلّلاً ولا يشكّل المفتاح المناسب للنص، فـ «سهدوثا» اسم لجبل مقدّس، مفارق للعالم الأرضي الواقعي. لعلّه مكان روحي، أُخروي، متخيَّل، يعيش فيه كهنة ورهبان ومهتمّون بعالم الروح، ويمارسون اختباراتهم الروحية وغير الروحية، وقد يرتكبون المعاصي ويلبّون نداء الأجساد التي ما تفتأ تشدّ بهم الى عالمها، بينما الأسداس الخمسة الأخرى من الرواية تتناول عالم الناس العاديين، وتعكس بيئة شعبية في معتقداتها وطقوسها وأنماط عيشها، وتتوزّع أماكن هذا الفضاء بين العراق والولايات المتحدة، أي أنه فضاء أرضي، واقعي مغرق في واقعيته.

في «سهدوثا» تتناول ليلى قصراني حياة أسرة آشورية عراقية، عبر ثلاثة أجيال، تصطنع راوية تسند اليها مهمة الروي، هي احدى أفراد الأسرة من الجيل الثالث، فتقوم بسرد ذكريات ووقائع من حياة الأسرة وكل فرد فيها بنسب متفاوتة، وهي تفعل ذلك من موقع الشاهد المراقب في القسم الأول من الرواية، تروي الأحداث وحركة الشخصيات المختلفة وعلاقاتها في ما بينها، ومن موقع المشارك في الأحداث، المنخرط فيها في القسم الثاني، فتروي جوانب من شخصيتها وعلاقاتها بسائر أفراد الأسرة.

وفي الموقعين، نحن إزاء بيئة ريفية، شعبية، بدائية، يتحكّم العقل الغيبي بنمط العيش فيها، وتطبع المعتقدات الشعبية حركات شخصياتها وتصرفاتهم. هي بيئة تسمّي السنوات بالأحداث التي حصلت فيها، تعالج الديدان بشرب البترول والسعال بتدليك القدمين، تطرد الجراد بالصلاة، تحذّر من العمل يوم الأحد والاستحمام يوم الثلثاء، وتحكي الأحلام للمياه الجارية...

تتناول الرواية جوانب معيّنة من حياة/ حكاية كل شخصية من دون مراعاة التسلسل الزمني، فتتناثر هذه الجوانب في الصفحات المختلفة.

وفي عملية تجميع ملامح كل شخصية ومواصفاتها، يمكن رسم «البورتريهات» التالية:

- في الجيل الأول، يبرز الجد شخصية متحرّرة نسبيّاً من الأفكار المهيمنة في زمانه، يكره القساوسة ولا يزور الكنيسة، ينبّه الى خطر الانكليز ويشكّ بالهدف من مجيئهم الى القرية، وتأتي الأيام لتثبت صحة شكّه. وتبرز الجدّة محوراً للسرد في القسم الأول من الرواية، هي شغوفة بالحكايات، رافضة المدينة ونمط العيش فيها، تتلصّص على حفيدتها الراوية وأختها، تُبدي وعياً بالهوية الإثنية فتدعو أحفادها الى الاهتمام باللغة الآشورية وتصرّ على ممارسة شعائر دينية موروثة.

- في الجيل الثاني، يطالعنا الأب بشخصيته المسالمة، فهو يعمل مساعد مضمّد، ويناديه الناس بـ «دكتور» احتراماً له، لا يتورّع عن ممارسة الأعمال المنزلية فيسقي الحديقة وينظّف قفص الدجاج ويعتني بالدجاجات، ولا يطالب بحصّته من ميراث أبيه الذي استأثر به أخوه الطمّاع موشي. وتطالعنا الأم بشـخصيتها القوية، فهي» الرجل» الوحيد الذي يخشاه أولاد الجيران، وهي الوديعة الطيّبة التي تقدّم التنازلات ولا تشجّع أولادها على التخاصم. وثمة العم الطمّاع موشي الذي يصطنع كل الوسائل ليستأثر بأرض أبيه ويحرم إخوته منها.

- في الجيل الثالث الذي تنتمي اليه الراوية، نحن إزاء مجموعة من الإخوة والأخوات، لكل منهم/ منهن حكايته الخاصة وعطبه الجسدي أو النفسي، فإبراهيم المسافر الى اميركا هرباً من جور النظام السابق والحرب يعاني حنيناً مرَضيّاً الى العراق، وعدنان يعاني من العرج، وسامي يعيش تجربة روحية وصراعاً بين عالمين مختلفين، وفاروق مصاب بالصرع، ويعقوب مشاغب منذ الصغر لا يتورّع عن السرقة ولا يكفّ عن مطاردة النساء ومواقعة اللذة، حتى اذا ما سافر تهريباً الى أميركا وأمعن في علاقاته الغرامية، ينتهي به المطاف في مرآب مختنقاً على صدر احداهن، وتمارا تعاني مشكلات زوجية تبلغ الذروة حين تكتشف أن مولودها الوحيد مصاب بالعمى بعد فوات الأوان، والراوية تعاني مشكلة نفسية ناجمة عن كبر أذنيها، وقصر قامتها، ونحافة جسمها، وصغر وجهها.

أسرة متناثرة

وهكذا، نكون إزاء وقائع متناثرة من حياة أسرة آشورية عراقية تعرّض أفرادها مباشرةً أو مداورةً لجور النظام السابق من جهة، وحرب عبثية من جهة ثانية، ما انعكس خللاً وأعطاباً على الأجساد والنفسيات والمصائر. على أنه لا يمكن الكلام على حكاية رئيسية واحدة تندرج فيها الوقائع، ولا على حكايات فرعية مكتملة، فخيوط السرد المتعلقة بالشخصيات المختلفة متفاوتة الطول والقصر، ولعل أطولها ما يتعلّق بيعقوب وتمارا وسامي. من هنا، فإن القسم الأخير من الرواية يتوزّع السرد فيه على وحدات سردية متعاقبة بالتناوب بين يعقوب في أ ميركا وتمارا وسامي في العراق حتى يصل الخيط المتعلق بكل من هذه الشخصيات الثلاث الى نهاية معيّنة ينقطع عندها.

اذا كان السرد في القسم الأول من الرواية يتّخذ مساراً أفقياً، تراكمياً، تجميعياً، تتناثر فيه الوقائع والأحداث وتُستدعى بشكل مجاني، ولا تندرج في حكاية يمكن متابعتها في خط بياني معيّن، فان المسار في القسم الثاني منها يتّخذ منحى تصاعدياً تدريجياً مع تلمّس خيطي السرد المتعلقين بيعقوب في أميركا وبسامي وتمارا في العراق. وهما خيطان يُفضيان الى النتيجة نفسها.

إنّ سفر يعقوب الى أميركا هرباً من الواقع العراقي الضاغط ببعديه الداخلي والخارجي، وانتهاءه مختنقاً في مرآب على صدر فتاة أثيوبية، هو اشارة روائية واضحة الى فشل الرهان على الهجرة الى الخارج. وفي المقابل، يأتي سفر سامي الى «سهدوثا»، الجبل المقدّس والمكان الروحي المتخيّل، حيث يشهد هناك على الازدواجية بين المظهر والمخبر، وبين الحياة العلنية والسرية للكهّان، ثم عودته الى الأرض مصدوماً بما شهد وشاهد، اشارةً روائية أخرى الى فشل الانقطاع عن الواقع الأرضي. هي النتيجة نفسها يقود اليها تلمّس خيطي السرد المتعلّقين بيعقوب وسامي. ولعل اصرار الراوية في نهاية الرواية على قرع باب عمّتها، هو إصرار على أن باب الأمل سيفتح عاجلاً أو آجلاً.

«سهدوثا» هي حكاية آشورية / عراقية، ورسالة الى كل الذين أخنى عليهم النظام السابق والحرب أن ابقوا في أرضكم فلا تهاجروا منها، وابقوا في واقعكم فلا تنقطعوا عنه، فـ «سهدوثا» الحقيقية هي على الأرض وليست في السماء.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /20-11-2011, 12:16 PM   #10

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي غرفة صغيرة مربعة سجن للأم وطفلها


إيما دونوهيو

غرفة صغيرة مربعة سجن للأم وطفلها

نازك سابا يارد: اختيرت رواية «غرفة» لإيما دونوهيو، عن حق، أحسن كتاب لعام 2010، فضلاً عن أنها حازت جائزة الكتّاب الإرلنديين وكانت على اللائحة الطويلة لجائزة «مان بوكر» البريطانية.

إنها رواية فريدة من نوعها، تدور أحداث نصفها الأول في غرفة صغيرة مربعة، سُجن فيها أم وطفلها، جاك، في الخامسة من عمره. تُسرد الأحداث كلها من وجهة نظره، بمنطق الطفولة وسذاجتها وبراءتها. لا نوافذ للغرفة ولا يضيئها سوى كوّة صغيرة في سقفها وضوء التلفاز، صلتهما الوحيدة بالعالم الخارجي.

في الرواية خمسة فصول: هدايا، العودة عن الكذب، يموت، وتدور هذه في الغرفة المغلقة، ثم فصلا «فيما بعد»، «يعيش»، اللذان يدوران في العالم الخارجي.

في فصل «هدايا» نرى المرأة وطفلها الفقيرين جداً، تتحمّل الأم آلام ضرسها التي لا تطاق، وبين الفينة والفينة يأتيهما ليلاً «نيك الهرم»، حاملاً بعض المأكولات التي تكون قد طلبتها الأم. فتخبئ ابنها في الخزانة. ينام «نيك» مع المرأة، وبعد أن يغادر تعيد الأم ابنها إلى سريرها. تسلية جاك وأمه في غرفتهما «السجن» أغانٍ وقصص تسردها الأم، وما يبتكران من ألعاب تمتزج فيها شخصيات أفلام التلفاز بواقعهما. بمناسبة عيد ميلاده الخامس يحمل «نيك» إلى الولد سيارة بجهاز تحكّم عن بعد. يحاول الولد أن يسيّرها من خلال شق في الخزانة التي كان نائماً فيها، فيفلت الجهاز وتطير السيارة على رأس نيك الذي يستيقظ مذعوراً، ويشتم الأم قبل أن يغادر الغرفة.

كشف السرّ

لا يعرف القارئ سرّ وجود الأم وابنها في هذه الغرفة - السجن إلا في الفصل الثاني. يرى جاك كدمات على رقبة أمه فيحزر أنها من نيك، وحين طلبت الأم فيتامينات للولد رفض نيك طلبها معتبراً أنه لا ينقصهما شيء. وحين ظن جاك أن والدته ونيك نائمان خرج من الخزانة فرآه نيك وصرخت به الأم أن لا يقترب من نيك، ورجت نيك أن لا يمسّ الولد. وليعاقب نيك الأم قطع عنهما التيار، فقضيا ثلاثة أيام من غير تدفئة ولا ماء أو طعام ساخنين ولا نور ولا تلفاز.

حينئذ تقرّر الأم «العودة عن الكذب» وأن تطلع جاك على حقيقة أمرها إذ أصبح الآن في الخامسة ويستطيع أن يفهم. تنبئه أن لها أباً وأماً وأخاً «مثل الأب والأم والأخ في التلفاز» يسأل الطفل الذي لم يكن قد شاهد منذ ولادته غير أمه. فتحاول أن تفهمه أنهم أناس حقيقيون يعيشون في الخارج، لا يعرفون أين هي إذ كان نيك قد خطفها حين كانت في التاسعة عشرة، عصب عينيها وسقاها منوماً، وحين وعت وجدت نفسها في هذه الغرفة التي كان قد بناها خصيصاً، مبطناً جدرانها بمادة تعزل الأصوات، ولم يترك فيها سوى الكوة الزجاجية في السقف والتي يستحيل فتحها. لم يعطها هاتفاً، وقد حاولت مرة أن تقتله حين جاء لزيارتها، ولكنها أخفقت وهدّدها بأن يمنع عنها الأكل ويتركها تموت جوعاً. لم يصدق الولد أن ما ترويه أمه عن العالم الخارجي، وأن لهذا العالم وجوداً حقيقياً، إلا عندما استطاع أن يتسلق طاولة وضع فوقها كرسياً، فرأى من كوّة السقف طائرة في السماء وأدرك أنها ليست في التلفاز، وإنما في الخارج، في العالم الحقيقي الذي تصفه له أمه. فكاد يجنّ من الفرح وعدم التصديق.

في الفصل الثالث، «يموت»، يستيقظ جاك فيجد المأكولات التي كان قد أتى بها نيك في الليل، والغرفة دافئة، وكذلك الماء الذي استحمّ به مع أمه. أخذت المرأة تفكّر في طريقة للهرب من نيك وغرفته. أما الولد فخاف من مواجهة عالم لا يعرفه. وحاولت أمه أن تقنعه، أن تغريه بكل ما يمكنه رؤيته وعمله في «الخارج». في خطتها للهرب عرضت على الولد أن يتمارض، أجبرت نفسها على التقيؤ لتدعي أن جاك هو الذي تقيّأ، وحين جاء نيك طلبت منه أن يحمل الولد إلى المستشفى ليفحصه طبيب، ثم يهرب الولد وفي جيبه رسالة كتبتها الأم تنبئ الطبيب، أو الممرضة، بوضعها. إلا أن نيك رفض على رغم ادعاء الأم خطورة وضع ابنها. بعد ذلك أقنعت جاك بأن يتظاهر بأنه ميت، لفّته في السجادة وأوصته بأن لا يتحرك وبأن يكتم أنفاسه.

وحين يضطر نيك إلى التوقف عند ضوء إشارة أن يقفز من الشاحنة التي سينــقله فيها. قبل الولد على رغم خوفه. تدرّب على كيفية فكّ نفسه من الســجادة، دسّ رسالة أمه في عبّه، وما لبث أن جاء نيك وصدّق أن الولد ميت فحمله ليدفنه في أرض بعيدة. وهنا يظهر الولد ذكاء وبراعة نادريــن. بدأ يحـــلحل رباط السجادة، فتصف الكاتبة بدقة متناهية كل محاولاته فك نفـــسه من السجادة (ص 112 - 143)، وأخذ يعدّ المرات التي اضطرّ فيها نيك إلى التوقف، وفي المرة الثالثة قفز من الشاحنة وأخذ يركض في الشارع كالمجنون.

لاحظ نيك أن الولد قفز من الشاحنة وهرب فلحق به، إلا أن رجلاً ماراً في الطريق لاحظ الولد الهارب وخلفه رجل يريد القبض عليه، فارتاب في الأمر واتصل حالاً بالشرطة. ولكن نيك استطاع أن يخطف الرسالة من عب الولد ويهرب بها قبل أن تصل الشرطة. حين سئل الولد من هو، وأين يسكن، عجز عن الكلام مع أناس لم يرهم في حياته. في النهاية تمكن من أن يقول إن الشاحنة توقفت به ثلاث مرات ثم انعطفت مرة واحدة. كان هذا كافياً لتستدلّ الشرطة على الطريق التي كان قد سلكها نيك، وكان الرجل الغريب قد تمكن من أخذ رقم الشاحنة، فاستطاعوا الوصول إلى الأم وتحريرها.

بعد ذلك تدور أحداث القسمين الرابع والخامس من الكتاب في «الخارج». تنقلهما الشرطة إلى المستشفى لإجراء فحوص طبية، تضع على فمهما كمامتين تقيانهما من الجراثيم إذ لم يكونا قد تعرضا للعالم منذ ثماني سنوات، ويُحقن الولد بكل الحقن الضرورية. وبطريقة رائعة تصف الكاتبة دهشة الولد أمام كل ما يراه إذ ينظر إلى الناس والأشياء من منظار ما كان يشاهد في الغرفة على التلفاز.

وفي سرد مفصل يعبّر جاك عن إرباكه وتشوّشه إزاء كل ما يرى ويسمع في هذا العالم الغريب. وتقودنا الكاتبة في عالم طفل يشاهد العالم الخارجي للمرة الأولى في حياته: مثلاً، يقول إن نوافذ غرفته في المســـتشفى «كوة السقف» ولكنها مركبة في شكل مختلف؛ ولا يعرف كيف ينزل أو يصعد على السلم، فيجلس عليه ويهبطه على عجيزته درجة درجة؛ كذلك يرفض أن يلبس حذاء لأنه يؤلم رجله التي كانت معتادة على سيره حافياً. ويجد الإعلام في قصة الأم والولد نبأ مثيراً، فتتهافت عليهما وسائله المختلفة، فيما تحاول الأم أن تحمي ابنها من هذا كله.

الأم المنسحبة

وفي مواجهة صعوبات حياتها الجديدة ومشاكلها، تحاول الأم الانتحار، فتأخذ الجدة الولد إلى بيتها. وهذه هي المرة الأولى التي يفارق فيها جاك أمه، فتواجه الجدة صعوبات جديدة إذ يرفض كل ما تقترح عليه جدته: يرفض أن ينام في غرفة وحده، أو في سرير وحده، لا يفهم الكثير من المصطلحات التي تستخدمها جدته، توقظه في الليل كوابيس مرعبة.

يسأل باستمرار هل ماتت أمه. وبمنطق الطفل يستغرب من الوقت الذي يدفع الناس إلى ركض وعمل مستمرين فيما لم يكن الوقت هكذا بالنسبة إليه وإلى أمه حين كانا في «الغرفة». وحين جاءته الشرطة بأغراضه من تلك «الغرفة» كاد يجنّ من الفرح وغطى نفسه بالسجادة القديمة التي كان ينام فيها ورفض أن يسمح لجدته بتنظيفها. وحين تخرج الأم من المستشفى وتُمنح مع ابنها شقة مستقلة ترينا الكاتبة في شكل رائع مشكلات تأقلم الأم نصف المريضة، والولد نصف المتأقلم مع العالم. فالولد، مثلاً، متمسك بعالمه الماضي الذي لم يعرف غيره، بسجادته، يلفّ نفسه فيها وينام في الخزانة، فيما ترفض الأم كل ما يذكّرها بهذا السجن. ويصرّ الولد على زيارة عالمه الماضي، وفي النهاية ترضخ له الأم. فيودع الولد الغرفة وما فيها جزءاً جزءاً وقبل أن يغادرها يعلّق قائلاً: «إنه مثل فوّهة بركان، حفرة حيث حدث شيء». ثم يخرجان من الباب (ص 321).
هذه الزيارة الأخيرة تلخّص ثنائية «الغرفة»: إنها بالنسبة للولد عالمه الذي ولد ونشأ وتعلّم ولعب فيه، أما بالنسبة للأم فهي سجنها خلال ثماني سنوات.

مع أن نصف الرواية يدور في عالم الغرفة المــغلق وبين شخـــصين اثنين فقط، فقد عرفت الكاتبة كيف تشــوّق القارئ منذ أولها حتى آخرها. مثلاً، في أولها نتساءل عن علاقة «نيك» بالأم والولد، لماذا يختبئ الولد في الخزانة حين يأتي نيك ليلاً؟ لماذا كان الولد وأمه سجيني الغرفة؟ ولا تجيبنا الكاتبة عن تساؤلاتنا إلا لأياً.

الطفل السارد

إلا أن براعة الكاتبة القصصية تتجلى أوضح ما تتجلى في قدرتها على سرد رواية طويلة من وجهة نظر طفل في الخامسة، فتعكس براءته وسذاجته ومنطقه، وبلغة الطفل، بأسلوبه وبأغلاطه اللغوية.

يرى جاك صور منازل في الكتب القليلة التي عنده فيقول: «إن البيوت مثل غرف كثيرة ملتصق بعضها بالبعض الآخر» (ص 41)، لأن عالمه بكامله مقتصر على الغرفة التي يعيش فيها ولا يغادرها، ولذلك لا تكون المنازل بالنسبة إليه سوى سلسلة من الغرف. ويظن أن الأشجار والغابات والصحارى والشوارع والسيارات... إلخ، موجودة فقط في التلفاز، وليس سوى النمل والعنكبوت والفأر موجودة فعلاً بالنسبة له لأنه رآها في الغرفة (ص 54).

تحاول الأم أن توضح له أن لكل ما يراه في التلفاز وجوداً حقيقياً في الخارج، وليس ما في التلفاز إلا صوراً له، إلا أن الولد يجد صعوبة في فهم ذلك (ص 60). ويتساءل كيف يمكن أن يكون ما في التلفاز صوراً لأشياء حقيقية: فالماء حقيقة فقط في المجلى والمغطس، أما الأنهر والبحيرات ففي التلفاز فقط. وإذ يصعب على الولد أن يتخيّل أن لكل الصور وجوداً حقيقياً في الخارج، وبما أنه هو وأمه في الداخل (داخل الغرفة) يتساءل: هل وجودهما، إذاً، وجود حقيقي؟ وفيما بعد، حين تفسّر له الجدة أن ماء البحر مالح مثل الدموع، وتدعوه إلى الخوض فيه، يرفض ما دام ماء البحر دموعاً (ص 292).

تقدّم لنا هــذه الرواية صورة رائعة عن علاقة حميمة بين طفل وأمه، عن معنى أن تكون امرأة أماً، معنى أن يكون عالم طفل مقتصراً على غرفة مساحتها 11 متراً مربعاً، أن يحكم طفل بمنطقه البريء على عالم البالغين وبعض مظاهر مجتمعنا الاســتهلاكي ااسخيف. إنها رواية غنية سيكولوجياً، اجتماعياً وسياسياً، تظهر كيف يمكن أن يتعايش الرعب والسعادة جنباً إلى جنب.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /24-11-2011, 11:14 AM   #11

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي «الإرهابيّ» لديفيد معلوف ... قبل جريمة لن تحدث

«الإرهابيّ» لديفيد معلوف ... قبل جريمة لن تحدث
هيثم حسين

يقارب الروائيّ الأستراليّ ديفيد معلوف (1934) في روايته «الإرهابيّ»، (دار التكوين، 2011، ترجمة سعدي يوسف) صوراً من حالاتٍ مريرة قد يمرّ بها المرء. يتماهى مع بعض مقولات التحليل النفسيّ، يروي فصولاً متخيّلة من سيرة رجل يدّعي أنّه إرهابيّ قاتل، ويجاهد ليثبت أنّه كذلك، غير أنّ جرائمه تظلّ قيد الخيال، ويبقى هو إرهابيّ الخيال، يقتل بالتخيّل، يتخيّل الجرائم التي سيرتكبها، ثمّ المطاردات والملاحقات التي سيتعرّض لها، أو التصفيات التي يمكن أن يقع ضحيّتها. يقتل ويُقتَل بالخيال والتخيّل.

يقدّم معلوف جوانب من حياة رجل في نهاية العقد الثالث من عمره، يعيش حياة كئيبة موحشة في جوّ المدينة الذي تتشابه فيه الوجوه وتمّحي الخصوصيّات، إذ يتقولب المرء، ويترقّم، ويعيش حياة قاتمة كأنّه يعيش في الخفاء، حيث الكلّ مشغول بنفسه وعمله، يعيش وحيداً منعزلاً رغماً عنه، لتكون حياة المدن شبيهة بالحياة في الخفاء، يتسرّب الضجيج الخارجيّ والزحام المزمن إلى الروح، فيفرضان نوعاً من القيد والارتهان والتبعيّة.

يتقدّم الرجل الإرهابيّ بهويّته المجهولة، يبرّر أسباب إخفائه هويّتَه، يسرد تفاصيل عن حياته، هو الذي يفترض به أنّه ينتمي إلى شريحة المثقّفين، يعمل في جوّ من الريبة والتخطيط للجرائم، تُوْكل إليه مهمّة التخطيط لقتل أحد الروائيّين البارزين، فينغمس في حياة ضحيّته المفترضة، يقتحم عوالم رواياته، يتماهى مع شخصيّاته الروائيّة، يستمتع برفقتها، يحاول تفتيتها وقتلها تمهيداً منه لقتل مبدعها، ثمّ يكون انشغاله المستمرّ طيلة الرواية على إتمام عمليّته التي لن ينفّذها حقيقة.

يعتمد البطل في سرده الروائيّ على الصور، يتحدّث عنها بالتفصيل، تشكّل تلك الصور الملتقطة بؤراً للعبه، هو الذي لا يتوانى عن تأكيد أنّه ساعٍ إلى تصفية ضحيّته المفترضة. يحتلّ حديث الصور حيّزاً كبيراً في لعب الإرهابيّ، ينتقل من الصور إلى تلك اللحظات التي أثبتتها أو المفارقات والمواقف التي احتفظت بها، يفترض ما سبقها وما تبعها من مجريات ووقائع، يحلّل التصرّفات والحركات، يتغلغل إلى ما وراء الصور، يفكّك شيفراتها، يحمّلها أحياناً ما لا تحتمله من تأويلات. يختار الثغرات التي سينفذُ من خلالها لمحاصرة ضحيّته، ليتمكّن من تنفيذ جريمته، وذلك كلّه ضمن نطاق لعبه الطفوليّ الذي يرمي عبره إلى تأكيد ذاته بإلغاء ذوات أبٍ تلبّسه ولا يرضى مزايلته بسهولة ويسرٍ. يتحدّث الإرهابيّ البريء عن علاقاته مع مَن حوله في مقرّ عمله، كارلا، أنتونيللا، وغيرهما، يصرّح بأسماء مرافقيه، لكنّه يحتفظ بتكتّمه على هويّته الحقيقيّة، كأنّما تكون الحقيقة مجازه المرصود، أو مثاله المستعصي. يسرد بعضاً ممّا يدور في عتمة البناية التي تنغلق على مكائد ودسائس ومخطّطات الجرائم الإرهابيّة المفترضة، يصف الأجواء الكابوسيّة التي تخيّم عليهم وهم يلوذون بأسباب غير مقنعة للقتل، حيث قتلة مأجورون يفترض بهم قتل مَن يُراد منهم قتله، من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن أسباب للقتل. يوحي أنّه بصدد ارتكاب جرائمه ولا يرفّ له جفن، لكنّه في الحقيقة يعيش وهم الجريمة ومأساة تخيّلها، حتّى وإن حرص على إبداء عكس هذه الصورة، يظلّ متأرجحاً بين الجانب الأدبيّ فيه، وذاك الجانب الخفيّ الذي يدفعه إلى تأكيد ذاته، والتلذّذ بقتل الروائيّ الذي يشكّل عقبة أمام تقدّمه.

يجد الإرهابيّ نفسه أمام فيض من الذكريات تنهمر عليه، يتذكّر نفسه حين قرأ روايات ضحيّته تباعاً، يستغرق في بحر تداعياته، يبوح لنفسه بحقائق ظنّ أنّه نسيها لشدّة محاولته تناسيها، يكتشف أنّه يعيش حقيقته حين يضع الأقنعة التي تريحه من المواجهات. الذاكرة من محفّزات العيش لديه، تمنحه فسحة من اللعب والسياحة والاطمئنان، في حين يكون الخيال وسيلة من وسائل تعذيبه وإراحته معاً، يحار في ما يريد، يبقي نفسه في دوّامة الخيال جائلاً بين الجريمة والتندّم. يحاول تفسير حقيقة الجريمة التي يقرّ بأنّها وضع لا يسهُل تعريفه، لكنّه يؤكّد لنفسه حقيقته لأنّه كان يوهم نفسه بأنّه كان يحيا حقيقيّتها. وبينما هو يرمّز الأمكنة، ويقسّم الأزمنة إلى قبل وأثناء وبعد، وكلّها في سياق التخيّل المتوقّع تطبيقه، فإنّه يبوح بتفاصيل دقيقة عمّا ينوي القيام به، ما فعله ويفعله في درب جريمته، وبغية أن يمنح الجريمة الهيئة والتفصيل، وأن يجعلها حتميّة في حياة الضحيّة، إن لم تكن في حياته، فإنّه يقضي ساعات طوالاً يتملّى كلّ ما قاله وفعله، عبر الصور الفوتوغرافيّة، وقُصاصات الصحف، ومقالات البحث، وكلّ الدفق الغنيّ لمخيّلته، ليكتشف في ذلك النسيج الكثيف من الخبرة والحدث، الخيطَ المؤدّي إلى ساحة سانت أوغسطين وفوّهة المسدّس. ذلك أنّه يحتفظ بعلاقته الحميمة بعدّته وذكرياته معاً، لتكون من أدواته المساعدة في تنفيذ مخطّطه. لكنّه يدخل قارئه في حيرة متجدّدة حين يقرّب له نيّته المبيّتة، حيث تنجز الجريمة حقيقتها في نقطة تتلو بوقت طويل لحظة حدوثها، ليكون الموقع الحقيقيّ لحدوثها أذهان ملايين القرّاء، والشكل الحقيقيّ ليس اللحم والدم والطلقات، وإنّما الكلمات: «اغتيال، قتل وحشيّ، جريمة نكراء، عنف أهوج، فوضى».

ويصرّح بنوع من الهذيان، بأنّ ما يرتكبه هو جرائم لغة، «أيّ ضحيّة هو أكثر مناسبة من أديبنا العظيم؟ وأيّ مثار للسخرية أكثر، وأيّ تلاعب قاتل حسب طريقته أكثر، من إخضاعه إلى أكثر التعابير تفجّراً وابتذالاً، هذا الدخول في قلب تلك الحقيقة (اللاحقيقة)، أي حرب الكلمات».

مَلعَبة طفل؛ هو العنوان الفرعيّ الذي يثبته الكاتب، يعبّر عن لعبين في آن، لعب الروائيّ بشخصيّاته، ومحاولة لعب الشخصيّات بالقرّاء، وذلك عبر الإيهام بأجواء إرهابيّة مفترضة، في حين أنّ الإرهابيّ المزعوم لا يتعدّى قاتلاً أدبيّاً يسعى لتأكيد ذاته عبر قتل أبيه الرمزيّ، الذي يشكّل له عقبة تحول دون تبلور كيانه الأدبيّ المنشود وكينونته المفترضة، لذلك يكون القارئ أمام لعب ثلاثيّ من قبَل الروائيّ الذي لا يتراجع عن إيهامه ولعبه الروائيّين، يستدرج قارئه إلى تخمين أنّ الجريمة واقعة لا محالة في الفصل اللاحق، وهكذا تتوالى الفصول، وتتسلسل الأحداث، من دون أن يكون هناك إرهاب حقيقيّ، بل يظلّ الإرهاب في طور التخطيط والترتيب، يعيش البطل أجواء جرائمه، يستمتع بتخيّل ضحّيته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو ينازع للهرب من رصاصته دون جدوى، أو توسّله إليه ليطلق عليه رصاصة الرحمة.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /26-11-2011, 11:42 AM   #12

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي مائة وردة لموريس نادو أحد رموز الثقافة الفرنسية المعاصرة


موريس نادو

مائة وردة لموريس نادو أحد رموز الثقافة الفرنسية المعاصرة
اكتشف الكثير من المواهب لكنه خسر الأموال

أي متعة أن يقرأ المرء نصوصا كتبها مؤلف ومبدع وهو في سن المائة أو يقترب منها أو يتجاوزها؟!.. في الشرق العربي كاد ميخائيل نعيمة يصل إلى المائة، وتوفيق الحكيم مات في سن التاسعة والثمانين، وكانت قراءتنا لنصوصهما الأخيرة فرصة للمقارنة مع سابقاتها أو الحديث عن ثبات أو نكوص. وفي فرنسا، تحتفل الأوساط الأدبية ببلوغ موريس نادو سن المائة، وتعتبر قراءة نصوصه الأخيرة أو تأملاته وخواطره وقراءاته (التي يواظب عليها في مجلة «لاكانزين ليترير») إذ للصحة إكراهاتها وشروطها، ممتعة لاكتشاف درجات التغيير أو التجاوز أو التراجع التي يمكن لكاتب ما أن يمارسها أو أن يستشفها القارئ والمتابع.

لقد غادرنا قبل سنوات، وقبيل أن يصل إلى سنة المائة، الأنثروبولوجي الفرنسي الكبير كلود ليفي ستروس، الذي استمر في العطاء وإبداء آرائه ونصائحه حتى الرمق الأخير. ولعل المخرج البرتغالي مانويل أوليفيرا الذي ولد في 11 ديسمبر (كانون الأول) 1908، والذي لا يزال، رغم مرور السنين، يعمل من دون تعب وينتج فيلما كل سنة، ويمنحنا مثالا فريدا عن الرجل الذي يرفض، رغم بلوغه سن الـ103، فكرة التقاعد والانصراف لكتابة اليوميات، كما فعل الكثيرون.
موريس نادو عملاق آخر اجتاز، بنجاح، عتبة المائة السنة، وهو واحد من أهم صانعي الثقافة في فرنسا. عمل صحافيا وناشرا وناقدا ومدير مجلات، آخرها هي «لاكانزين ليترير» (التي ظهرت في الأكشاك في شهر مارس/ آذار 1966، ويتواصل إلى اليوم وبانتظام صدورها نصف الشهري، ووصل رقم أعدادها إلى 1047)، والتي تصدر عن دار نشر تحمل الاسم نفسه، ويواصل العمل فيها مع كوكبة من المساعدين لا يلبثون أن ينطفئوا، مع مرور الزمن. ولعل من بينهم آن ساروت أخت الروائية الكبيرة ناتالي ساروت، التي رحلت عن سن 78.

ولد موريس نادو في 21 مايو (أيار) 1911، وابتدأ مدرسا قبل أن ينسحب من التعليم وينطلق في مغامرة النشر والكتابة واكتشاف المواهب. وفعلا اكتشف الكثير منها، نذكر من بينها جورج بيريك، أنجليو رينالدي، هيكتور بيانكيوتي وميشيل ويلبيك وغيرهم. لكن الاكتشاف والنشر للكتاب المغمورين له ثمن، فهو عاش حياته، ولا يزال، مفلسا على الدوام، لأن الكثير من دور النشر، التي تريد الربح السريع، لم تتقبل فكرته عن الأدب الجيد ولا الخسارات المالية.. إذ منطقها هو نشر الأعمال التجارية أو الأدب الجماهيري أو الشعبي. ونشر موريس نادو لكتاب مغمورين، وعانى الأمرين من أجل تسويقهم. وحين شبوا عن الطوق استهوتهم دور النشر الفرنسية الكبرى كـ«غاليمار» و«سوي» و«فلاماريون» وغيرها، وتخلوا عنه.

ويتحدث عن تعرفه على ميشيل ويلبيك وقراره بنشر أحد أعماله التي دفعته إلى الأضواء، وجعلت منه ما هو عليه من كونه الممثل الأقوى للموضة الكتابية الجديدة «كنت خائفا، من الناحية المالية، في ألا أتحمل العواقب. لم تكن لديّ، أبدا، أموال كثيرة، وما زلت حتى اليوم أخسر منها. فترددت، وترددت. جاءت زوجته وقالت لي: (ألا تخجل من عدم نشره، إنه من الروائع؟)، بعد ثلاثة أشهر قررت نشر كتابه. كان ويلبيك يقول لي: (أنا سأصبح إما بيريك (جورج) Georges Perec، أو ربما طوماس مان). قلت في نفسي: إنه شخص يمتلك طموحا. الأمر جيد، وسيساعده طموحه على الشهرة».

أسهم نادو في التعريف بكثير من الكتاب الأجانب في فرنسا ومن بينهم المفكر الألماني الكبير والتر بنيامين، لكنه يعترف بأن نشر أعمال هذا العملاق، وأيضا آخرين كآرنو شميدت وغومبروفيتش ولورنس داريل، الذي نشره بإيعاز شخصي من هنري ميلر، سبب له كوارث مالية لصعوبة تسويق هذا النوع من الكتب. يطرح الناشر الكبير وبصراحة كبيرة مسار حياته العملي، فيعترف بأنه رفض نشر العديد من الكتاب ومن بينهم أوكتافيو باز، وكتاب من أميركا اللاتينية من بينهم خوليو كورتزار، ويعزو الأمر لعدم إتقانه اللغة الإسبانية، وفي الاعتراف شيء من مرارة، فهؤلاء عرفوا انتشارا وشعبية كبيرة في فرنسا.

كصحافي كان يكتب عن كتاب مكرسين، من قبيل هنري ميشو وجورج بتاي وموريس بلانشو، لكن من أجل غرض نبيل «الكتابة عنهم تمنحني رغبة في اكتشاف آخرين، والتحدث عن كتاب شباب ونشر أعمالهم» لم تكن حياة نادو هادئة فقد تنقل كثيرا، من وقع لآخر، من دار «كوريا» إلى دار «جوليارد» إلى دار «دونوويل»، وفي سنة 1978 أطلق داره الخاصة «ليتر نوفيل - موريس نادو»، وهي التي تقوم بتوزيع المجلة نصف الشهرية «لاكانزين ليترير».

ورغم السنين يواصل موريس نادو، مهنته، القراءة والاكتشاف والنشر.. «أواصل عملي كناشر، لكني أواصل خسارة الأموال مع ما أنشره، وحين أنظر إلى حصيلة سنة 2009 المالية أتساءل من أين يمكنني أن أجد المال لمواصلة العمل». هذا الكائن الذي لا يتعب يعترف بأنه لا يقرأ أربعا وعشرين ساعة في الأربع والعشرين ساعة، لكن القراءة تحتل أكبر قدر من وقته. هو سعيد لكونه استثناء، على الرغم من أن البعض يقول له «لست الوحيد في هذه السن، هناك فلان وعلان»، وعلى الرغم، أيضا، من أن أحدهم قال له «كيف عشت طول هذا الوقت؟.. ألا تخجل؟».













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /26-11-2011, 12:02 PM   #13

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العرب على وشك أن يدخلوا التاريخ


غلاف الكتاب

العرب على وشك أن يدخلوا التاريخ
المفكر الفرنسي فيري يكتب عن الفلسفة كعزاء في عالم لا عزاء فيه

بالنسبة للعالم الإسلامي فإن الدين هو العزاء عن كل المصائب والمشكلات. وهو الذي يبث الثقة والطمأنينة في النفوس ويحميها من الخوف الأكبر: قصدت الخوف من الموت. فالموت ليس فناء مطلقا كما يعتقد الملاحدة، وإنما هو مجرد عبور نحو الدار الآخرة: دار الأبدية والخلود. وبالنسبة للعالم الأوروبي كانت المسيحية تلعب نفس الدور حتى انتصار الحداثة وتراجع هيبة الدين إلى حد كبير. وعندئذ أصبحت الفلسفة هي التي تقدم العزاء والرجاء للإنسان، وإن كانت بقيت أقلية من المسيحيين لا تزال متعلقة بالدين، وعلى رأسهم البابا. هذا ما نفهمه من أطروحات الكتاب الذي نستعرضه الآن. ومؤلفه هو الفيلسوف الفرنسي المعروف لوك فيري. وكان سابقا وزيرا للتربية والتعليم في عهد جاك شيراك. وقد اشتهرت مؤلفاته وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، نذكر من بينها كتابه عن الفلسفة السياسية، وعن فكر ثورة مايو (أيار) 1968، وعن هيدغر والمحدثين، وعن ظهور الجماليات الحديثة، وعن تجاوز نيتشه، إلخ. وفي هذا الكتاب الجديد يعترف لوك فيري بأن الفلسفة حلت محل الدين في الغرب في الآونة الأخيرة.

فلم يعد الناس، أو قل أغلبيتهم يبحثون عن الطمأنينة وتهدئة مخاوفهم وقلقهم في جهة المسيحية، وإنما في جهة الفلسفة القديمة أو الحديثة. وهذا تطور مذهل لم يحصل في أي منطقة أخرى من العالم حتى الآن. فالفلسفة العلمانية هي التي تسيطر على الغرب حاليا وليس الدين المسيحي.

والفرنسي إذا ما أراد أن يبحث عن معنى الوجود، ومن أين جئنا وإلى أين المصير؟

لم يعد يبحث عنه في الإنجيل أو في كتابات آباء الكنيسة الكبار وإنما لدى أفلاطون وأرسطو وكانط، ونيتشه، إلخ. وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف تاريخ هذا التطور على مدار القرون، ويفتتحه بالتساؤل الأساسي التالي: ما هي الفلسفة؟
وما هي عقائدها التي تقود الإنسان إلى الخلاص خارج إطار الدين المسيحي؟

من المعلوم أن الإنسان في أوروبا كان يهدئ قلقه أمام الموت عن طريق اللجوء إلى الكاهن المسيحي الذي يقدم له المسحة المقدسة الأخيرة قبيل لحظة الموت مباشرة، فيباركه ويهدئ من روعه. وكان هذا الجواب يدخل الأمان إلى قلب المسيحي فلا يعود يخشى من الاندثار أو الفناء الكامل بعد الموت. ولكن بعد أن ظهرت العلوم الحديثة في الغرب وبعد أن تطور المجتمع كثيرا من الناحية العقلانية لم يعد هذا الجواب يكفي. وعندئذ تدخلت الفلسفة أو قل حلت محل الدين المسيحي لكي تقدم الجواب على قلق الإنسان وتساؤلاته الميتافيزيقية أمام لحظة الموت.

ولكن هذا لا يعني أن الجواب الديني انتهى مفعوله. فالواقع أن الكثيرين لا يزالون يؤمنون به وإن كان عددهم قد تناقص كثيرا بالقياس إلى المجتمعات الأخرى، كالمجتمعات الإسلامية مثلا. ثم يردف المؤلف قائلا: «في الواقع أن الدين المسيحي انتصر على الفلسفة قبل أن تنتصر الفلسفة أخيرا عليه. فعندما ظهرت المسيحية قبل ألفي سنة (2000) كانت الفلسفة اليونانية هي السائدة، أي فلسفة أرسطو وأفلاطون وأتباعهما. ولذلك قامت المسيحية برد فعل عنيف على هذه الفلسفة واتهمتها بالوثنية ودعت الناس إلى التخلي عنها وعدم قراءتها. بل وحرقت كتبها في أماكن كثيرة باعتبار أنها كتب ضالة مضلة تبعد عن الله».

وهكذا ماتت الفلسفة في الغرب لمدة عدة قرون، أي من القرن الرابع أو الخامس الميلادي إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر. وهي ما يدعى عادة بالقرون الوسطى المظلمة. ولم يكتشف المسيحيون الأوروبيون الفلسفة إلا على يد العرب في إسبانيا. عندئذ راحوا يترجمون كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم لكي يطلعوا على أفكار أفلاطون وأرسطو من خلالهم. وابتدأت النهضة الأوروبية بعدئذ كما هو معلوم. وبالتالي فقد كان للعرب المسلمين شرف نقل الفكر الفلسفي والعلمي إلى أوروبا الجاهلة المتعصبة آنذاك. هذا شيء كثيرا ما ينساه الناس هنا أو يتناسونه لأن الأمور انقلبت رأسا على عقب في هذه الأيام ولأن عالم الإسلام هو الذي أصبح بحاجة إلى التنوير الفلسفي العقلاني وليس العالم الأوروبي.

وبالتالي فسبحان مغير الأحوال! فمن كان حضاريا سابقا أصبح متخلفا الآن، ومن كان متخلفا أصبح حضاريا متفوقا بشكل ساحق. فهل يستيقظ العرب؟
هل يستيقظ المسلمون من غفوتهم؟ ومتى؟

هذا هو السؤال المطروح على المستوى العالمي كله. وقد زادت الانتفاضات العربية الراهنة هذا السؤال اشتعالا. وهي ترهص بأن العرب على وشك أن يدخلوا التاريخ بعد انهيار الأنظمة الشمولية للحزب الواحد والفكر المؤدلج الضيق. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن كيفية انتصار الفلسفة العقلانية والإنسانية في أوروبا على الأصولية المسيحية.

وقد ابتدأ هذا الانتصار في عصر ديكارت الذي دعا المسيحيين إلى استخدام العقل من أجل اكتشاف قوانين الطبيعة والسيطرة على الكون. كما دعاهم إلى التخلي عن عقلية الخرافات الأسطورية والمعجزات الخرافية التي تلغي العقل. ثم جاء بعده فلاسفة آخرون مشوا في هذا الاتجاه وكان أكبرهم كانط. وهو مؤسس الفلسفة النقدية الحديثة في الغرب كله. بل وقد استطاع أن يتنبأ بمستقبل البشرية وبالأمم المتحدة تقريبا عندما دعا إلى تأسيس حكومة عالمية لحل المشكلات الناشبة عن طريق التفاوض العقلاني وليس عن طريق قعقعة السلاح. وراح يحلم بالسلام الأبدي بين الأمم والشعوب بعد أن تتحضر الشعوب كافة بالطبع وليس قبل ذلك. وهو هدف لا يزال بعيد المنال للأسف الشديد حتى بعد مائتي سنة من موت كانط!

ويعترف المؤلف بأن كانط شكل ثورة في الأخلاق الحديثة عن طريق كتابه «نقد العقل العملي». فقد بلور المبادئ الأخلاقية الكبرى التي ينبغي أن تتحكم بالسلوك البشري لكي تنتظم الحياة في المجتمع ولكي يصبح جميع الناس مهذبين، حضاريين، ملتزمين بالنزعة الإنسانية وخدمة المصلحة العامة وليس فقط المصلحة الفردية. والآن نلاحظ أن المبادئ الأخلاقية التي بلورها كانط لا تزال تسود بلدان الغرب المتحضرة من ألمانيا إلى هولندا إلى سويسرا إلى بلجيكا إلى فرنسا إلى إنجلترا، إلخ.

فالجميع يلتزمون بأداء الواجب، وعدم الاعتداء على حريات بعضهم البعض. وكل واحد ينجز عمله بإتقان داخل المجتمع أو من خلال الموقع الذي حدده له المجتمع. وهذا الأمر ينطبق على كل المهن والحرف كبيرها وصغيرها. فمن رئيس الوزراء إلى أستاذ الجامعة إلى الطبيب والمهندس إلى النجار والحداد والزبال والتاجر، إلخ، نجدهم كلهم يؤدون واجبهم على أفضل وجه من أجل خير المجتمع والمصلحة العامة ككل.وهذا هو سر تقدمهم وتأخرنا. يضاف إلى ذلك انتشار قيم الصدق، والدقة في المواعيد، والأمانة، والنزاهة الشخصية داخل المجتمعات الأوروبية المتطورة، وتراجع الغش والكذب والاحتيال.

ولذلك تقدمت بلدان أوروبا وتحضرت على عكس بلدان الشرق التي ظلت غارقة في التخلف والجهل والتواكل والكسل وإخلاف المواعيد واحتقار قيمة الزمن والجهد والعمل وسوى ذلك. وأخيرا يمكن القول إن هذا الكتاب يقدم صورة بانورامية عامة عن تطور الفكر في الغرب منذ أكثر من ألفين وخمسمائة سنة وحتى اليوم.

فهو يتحدث في الفصول الأولى عن الفلسفة اليونانية وكيف هيمنت على الغرب قبل ظهور المسيحية. ثم يتحدث بعدئذ عن انتصار المسيحية على الفلسفة اليونانية طيلة عشرة قرون. وبعدئذ يتحدث المؤلف عن عودة الفلسفة إلى الساحة الأوروبية من جديد في عصر النهضة، حيث حصل رد فعل عنيف ضد الأصولية المسيحية.

ثم استمرت الفلسفة في الصعود طيلة العصور التالية من القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين وبدايات الواحد والعشرين. ويتوقف المؤلف مطولا عند بدايات الفلسفة العقلانية ذات الطابع الإنساني وكيف انتصرت على الأصولية المسيحية. ومن أهم الفصول هنا نذكر فصلا بعنوان: تأسيس الفلسفة الإنسانية في عصر التنوير على يد جان جاك روسو وكانط. وعلى هذا النحو انتصرت فلسفة الحداثة ذات النزعة الإنسانية.

ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى فلسفة ما بعد الحداثة، والتي كانت نقدا للأولى. وقد انتصرت في رأيه على يد نيتشه وهيدغر قبل أن تنتصر على يد أتباعهما المعاصرين من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وجان فرانسوا ليوتار، وسواهم. وهي فلسفة طغت وزادت عن حدها حتى انقلبت إلى ضدها.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: «لقد آن الأوان لكي نتجاوز فلسفة ما بعد الحداثة لأنها أدت إلى العدمية ونسبية القيم، بل وتدمير القيم العقلانية. فقد راحت تساوي بين كل شيء وكل شيء ولم يعد هناك من شيء أفضل من شيء في نظرها».

وضد هذا التطرف العدمي الذي أصاب فلسفة ما بعد الحداثة ينهض لوك فيري ويدعو إلى تأسيس فلسفة عقلانية وإنسانية جديدة تأخذ البعد الروحي أو التساؤلات الميتافيزيقية للإنسان بعين الاعتبار. فالإنسان ليس فقط ماديات واستهلاكات، وإنما هو أيضا روحانيات وتساؤلات نبيلة تتجاوز الماديات. الإنسان ليس حيوانا فقط!

فهل ستعيد الحضارة الغربية النظر في تطرفها الإلحادي ونزعاتها الأنانية التي لا تشبع من الماديات؟
هل ستعترف بقيم أخرى تتجاوز الماديات؟
هل ستصحح مسار الحداثة الذي انقلب إلى عكسه؟
هل ستتراجع عن خياناتها لمبادئ التنوير والنزعة الإنسانية العميقة التي أسسها جان جاك روسو وإيمانويل كانط وبقية الكبار؟
هل ستعترف بالحق والعدل في فلسطين أم ستستمر في مناصرة العدوان والاستيطان التوسعي الذي دمر كل آفاق السلام والتعايش المشترك بين العرب واليهود في المنطقة؟

إن دخول فلسطين إلى اليونيسكو كعضو كامل العضوية لدليل على أن الضمير الحضاري لم يمت كليا بعد في الغرب. فقد صوتت لصالحه دول هامة كفرنسا وإسبانيا والنمسا وبلجيكا، إلخ. كما أنه دليل على استحالة طمس قضية قائمة في جوهرها على الحق والعدل. فالحقيقة تنتقم لنفسها بشكل أو بآخر، طال الزمن أم قصر.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /26-11-2011, 01:11 PM   #14

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الروائي الأميركي فيليب روث : الشيخوخة المذلة



الروائي الأميركي فيليب روث : الشيخوخة المذلة

منذ بضع سنوات والروائي الأميركي فيليب روث يدور حول موضوع الشيخوخة فيصوّرها كتهشيمٍ لا يطاق. والسبب إدراكه أن الموت يحوم حوله بعدما بلغ الثامنة والسبعين. لكن روث لا يخاف الموت بقدر ما يخاف الشيخوخة لكونها المرحلة التي يضيق فيها الأفق ويتربّع القلق على ما تبقّى من زمنٍ، قلق التواري ولكن خصوصاً القلق من فقدان القدرة على الكتابة التي تشكّل المعنى الوحيد لحياته.

من هذا المنطلق تجدر قراءة روايته الأخيرة التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً لدى دار «غاليمار» تحت عنوان «الإذلال» وتبدو لنا، أكثر من جميع رواياته السابقة، مستمدّة من تجربته الشخصية، كي لا نقول من سيرته الذاتية، وتظهر في شكل نصٍ مسرحي تراجيدي ذي ثلاثة فصول.

في الفصل الأول، نتعرّف إلى بطل روايته، الممثل المسرحي اللامع سيمون أكسلر الذي، بعدما أدّى أهم أدوار المسرح الكلاسيكي وجسّد شخصيات شكسبير بمهارةٍ جلبت له شهرةً كبيرة، نجده في العقد السادس من العمر وقد فقد سحره وموهبته وثقته بنفسه ولم يعد قادراً على الصعود إلى خشبة المسرح، فيدخل في مرحلة اكتئابٍ عميقة تقوده إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث سيمضي وقته في الاستماع إلى انتحاريين وفي التفكير بالمسرحيات التي لا تحصى التي ينتحر فيها البطل، من فيدر إلى أوتيللو، بموازاة إنجازه رسومٍ طفولية تحت أنظار الطبيب.

في الفصل الثاني من الرواية، نشاهد أكسلر معزولاً في ريف نيويورك، بعدما غادرته زوجته، قبل أي يلتقي صدفةً بابنة صديقين قديمين له، بيغين ستابلفورد، تعاني من خيبة أمل عاطفية، فتنطلق علاقة إيروسية قوية بينهما يتحوّل أكسلر خلالها جذرياً وينبثق أملٌ كبير داخله بقصة حبٍّ تدوم وبصعود جديد إلى خشبة المسرح وحتى بأبوّة لم يختبرها من قبل. لكن في الفصل الأخير، ترحل بيغين بدورها ومعها أوهام حبّهما فيسقط الستار على «إذلالٍ» أخير يقود أكسلر إلى تأدية دوره الأكبر والنهائي...

لدى صدور هذه الرواية في أميركا عام 2009، استقبلتها الصحافة الأنغلوسكسونية بكثير من التحفّظ فانتقد بعض النقّاد بعض المقاطع السطحية فيها، وبالتالي قيمة مضمونها، بينما انتقد نقّاد آخرون حبكتها نظراً إلى سهولة التكّهن بتتابع أحداثها، والإباحية غير المبرّرة في بعض مشاهدها. لكن هذه الانتقادات، على صحّتها النسبية، لا تقلّل من أهمية هذه الرواية إن على مستوى عمق المعالجة التي يخصّصها روث فيها لمواضيع جوهرية كثيرة، كهشاشة الموهبة الفنية وواقع الشيخوخة المخيف وخدعة الحياة الكبرى: الحب، أو على مستوى تشكيل هذا النص مرآةً لهواجس صاحبه الذي لطالما استمد مادة رواياته من معيشه.

الممثل بطلاً

طبعاً روث هو روائي وليس ممثّل مسرحي كبطل روايته، لكن هل من فارق يُذكَر بين الكتابة والتمثيل، أو بالأحرى بين عدم إمكانية الكتابة وعدم إمكانية التمثيل؟ في حوارٍ قديم معه، قال: «في رواياتي، ألعب، بالمعنى المسرحي للكلمة، بواسطة شخصياتٍ مسخَّرة لذلك. الروائي يُمثّل، يدّعي أنه آخر. آخرون. يتنكّر مثل ممثّل لا يكون نفسه إلا داخل الشخصية التي يؤدّيها». ومؤخّراً قال: «الوسيلة الوحيدة لتجاوز روايةٍ أو قصة حب هي في الانخراط داخل رواية أو قصة حب جديدة. لكن مع الأسف، لم يعد هذان الدواءان في متناولي. فأنا مصابٌ حالياً بما حاولتُ في السابق تحاشيه عبر إسقاطه على شخصيات رواياتي. فلنسمّي ذلك اكتئاباً أو انحسار القدرات الإبداعية».

ومن خلال هذه الرواية الشخصية جداً إذاً، يقارب الروائي سؤالاً جوهرياً يخصّنا جميعاً هو: كيف نعيش حين لا نعود نصدّق في لعبة الأدوار التي تفرضها الحياة علينا؟ فكي نلعب جيداً دوراً ما علينا أن ننسى بأننا نلعبه. أما بطل روايته أكسلر فيصل به الحال إلى حد «لا يعود فيه قادراً على إقناع نفسه بأنه مجنون، بعدما لم يعد قادراً على إقناع نفسه والآخرين بأنه ماسبيرو أو ماكبث. والدور الوحيد الذي يبدو بمتناوله هو دور شخصٍ يلعب دوراً». بعبارةٍ أخرى، يغوص روث بنا، من خلال بطله، داخل انفصامات الأنا مبيّناً البُعد المسرحي في هويتنا المتنقّلة دائماً من دورٍ إلى آخر، وكاشفاً في سبيله وهم تعلّقنا بالآخرين والعتمة التعيسة التي تتربّص بعواطفنا وأهوائنا وحتمية عزلتنا الراديكالية والرهيبة في مطاف العمر.

وأبعد من حالة عدم التوازن المُزْمِن التي تميّز جميع شخصيات رواياته السابقة وتضعها على حافة السقوط، يتقدّم روث هذه المرّة في اتجاه الانتحار ويقفز إلى داخله فيتغنّى بأصالة هذا السلوك حين يتكلّل بالنجاح، ويُحلّل آلياته، متوقفاً عند العقبات الكثيرة التي يجب تجاوزها أو تبديدها لبلوغ هذا المسعى. وفي هذا السياق، يقول: «إذا كان صعباً إلى هذا الحد قتل شخصٍ نملك جميع الأعذار لقتله، فلنتخيّل صعوبة النجاح في قتل ذاتنا».

تبقى كوميديا الجنس الحاضرة في جميع رواياته السابقة ونجدها في روايته الأخيرة كمجرّد قناعٍ يخفي لفترةٍ من الزمن مأساة قدرنا. وفعلاً، من فعل تمرّد على الزمن، كما في رواية «بورتوي» (1969) أو في رواية «أستاذ الرغبة» (1977)، يبدو بحث روث عن المتعة الجنسية، في خريف عمره، كحركةٍ حيوية بقدر ما هي يائسة، جسدية بقدر ما هي روحية وميتافيزيقية، ضمن صراعٍ محسومة نتيجته سلفاً بين نزعة الحياة ونزعة الموت.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /28-11-2011, 11:46 AM   #15

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 3

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي ليلة خرج الكتاب المسجونون ... من عتمة الذاكرة


ليلة خرج الكتاب المسجونون ... من عتمة الذاكرة

غالية قباني: «ليلة الكاتب المسجون» عنوان الاحتفالية التي نظمتها «انكليش بن» المعنية بالكتاب المضطهدين في العالم، استعادت فيها ثلاثين عاماً من بدء هذا اليوم الخاص بسجناء الرأي من الكتاب، سواء كانوا صحافيين، شعراء، روائيين، أو فنانين سجلوا مواقفهم كتابة من خلال مذكرات أو سير ذاتية. لثلاثين عاماً من الدفاع عن هؤلاء الموزعين في أصقاع الأرض من دول غير ديموقراطية، الذين تعرضوا للاضطهاد والملاحقة وتقييد حرياتهم، فقط بسبب وقوفهم في وجه التسلط والفساد ودفاعهم عن حرية الرأي والتعبير.

لم تكن الاحتفالية خطابية من خلال إلقاء كلمات مملة، بل أحيتها فرقة مسرحية معنية بحقوق الإنسان أطلقت على نفسها اسم آكترز فور هيومان رايتس والإخراج لكريستينا بيكون، وتم إعداد النصوص بالتعاون ما بين الكاتبة المسرحية سونيا ليندن ومسؤولة الحملات في المنظمة (انكليش بن) كات لوكاس. والفكرة أن تؤخذ مقتطفات من نصوص لكتاب مضطهدين دافعت عنهم المنظمة خلال العقود الماضية، وأن تقدم في قراءة ممسرحة. ومنح العرض عنوان «مرحباً سيد ميللر، مرحباً سيد بنتر» في إشارة إلى كاتبين مسرحيين عملاقين هما الأميركي آرثر ميللر، والبريطاني هارولد بنتر، تراسلا أثناء حياتيهما مع واحد أو اكثر من هؤلاء الكتاب المضطهدين ووضعا تواقيعهما على مناشدات تطالب بالإفراج عنهم. من هؤلاء، الكاتب التركي علي طايغون (1943-2009) الذي اعتقل في الثمانينات بعد عودته من دراسة المسرح في الولايات المتحدة، بتهمة انضمامه إلى جمعية محظورة (جمعية السلام التركية). وعلى رغم أن القضاء غيّر الحكم لمصلحته، إلا أن الحكم العسكري في تركيا آنذاك لم يوافق على إطلاق سراحه. وبعد أن تبنت قضيته منظمات دولية خرج إلى الحرية عام 1993. وقد توفي قبل سنتين بسرطان الرئة.

ركزت المقاطع التي قرئت في الأمسية على الجوانب الإنسانية في نصوص ومراسلات هؤلاء الكتاب، مثل المعاناة من الأمراض وافتقاد الدواء، التعب النفسي واشتهاء الحرية وإطلاق السراح. تقول أليشيا بارتنوي وهي شاعرة ومترجمة وناشطة في مجال حقوق الإنسان من الأرجنتين في إحدى رسائلها التي سربتها من السجن: «لا أذكر وجه ابنتي الصغيرة التي لم أرها منذ شهرين». أليشيا اعتقلت في عام 1977 بعد وصول الحكم العسكري إلى سدة الحكم في بلادها، وكانت بين ثلاثين ألف شخص اختفوا بعد أن خطفوا من بيوتهم وأماكن أعمالهم وجامعاتهم، ثم وضعوا في معسكرات اعتقال تعرضوا فيها لأشكال من التعذيب الشديد. اليوم وبعد عشرين سنة في الاعتقال، تعيش أليشيا في الولايات المتحدة وتعمل أستاذة جامعية.

ومن خلال استعراض السير الذاتية التي عرضت ضوئياً على الشاشة الكبيرة في خلفية للقراءة المسرحية، تبين أن التهم الموجهة للكتاب المجرّمين لم تكن دوماً بسبب انهم ضد الحكومات والأنظمة مباشرة، بل منها من كان ضد قوى فساد ترتبط بمصالح مع تلك الأنظمة من غسيل أموال وتهريب مخدرات. الصحافية ليديا كاشو من المكسيك مثلاً، فضحت شبكة دعارة تستخدم الأطفال والفتيات الشابات المهاجرات في المكسيك، وقد اعتقلت في العام 2006 بعد إصدارها كتاباً موثقاً يفضح رموزاً من عالم السياسة والاقتصاد والرياضة، ثم أبعدت عن البلاد إلى الولايات المتحدة.

في الأمسية أيضاً كان هناك تركيز على معاناة ما بعد الإفراج عن الكتاب المعتقلين، كأن نقرأ عن المشكلات المالية مثل توفير أتعاب المحامين، أو صحية وعصبية مثل القلق وقلة النوم وتشوش الذاكرة، اضافة إلى استمرار الاضطهاد حتى بعد الإفراج عن المعتقلين، والذي يتجسد على شكل منع للسفر أو التعبير في وسائل الإعلام.

حضور العرب في الاحتفالية تمثل في الشاعر المغربي عبداللطيف اللعبي الذي سجن وعذب في الفترة من 1972 الى1980، وبعد الإفراج عنه تعرض لمضايقات دفعته للخروج إلى المنفى في فرنسا حيث يعيش منذ العام 1985. أما الكاتبة العربية الأخرى فهي البحرينية آيات القرمزي التي حكم عليها بالسجن سنة عام 2011 لقراءتها قصيدة تنتقد رأس الدولة، وقد افرج عنها بشروط لاحقاً.

كل من تحدثنا عنهم أو من لم نفعل لضيق الوقت باتوا الآن خارج الاعتقال، باستثناء الكاتب الصيني ليو تشيابو المعتقل منذ العام 2008 على خلفية إصداره وثيقة تطالب بإصلاحات سياسية، وبعد سنة على اعتقاله، حكم عليه بالسجن إحدى عشرة سنة. وقد حصل ليو تشيابو على جائزة نوبل للسلام في العام 2010 تقديراً لنضاله الطويل والسلمي دفاعاً عن حقوق الإنسان في الصين. ولأنه الوحيد من الكتاب الذي تبنتهم انكليش بن لا يزال سجين رأي، وقد وزعت على الحضور بطاقات بريدية لكتابة رسالة قصيرة ترسل إلى الكاتب عبر المنظمة لاحقاً. ووجدت نفسي أكتب له: «أعرف ماذا يعني أن تكون في السجن الآن. وقد صدف أن الحكومة التي سجنتك بسبب موقفك المناهض لقمع الحريات، تقف الآن مع النظام السوري في قمعه لشعبه. أتمنى لك الحرية باسم هذا الشعب».













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مسابقة ثقافية في جامعة الملك سعود حول «بدع» عاشوراء تلميذ مرآة التواريخ قسم الحوار الإسلامي 1 10-12-2010 10:37 AM
الكلباني يفضح الستالينيين السلفيين والتكفيريين ،، بعد انقلابهم عليه .. متابعات إسماعيلي قسم الحوار الإسلامي 4 03-07-2010 01:02 PM
الكيان الصهيوني ومخططه لضرب أو تعطيل برنامج إيران النووي.. متابعات جمال آل محمد القسم السياسي 1 03-04-2009 11:42 AM
متابعات التحقيق في اغتيال الحريري مجنن النواصب القسم السياسي 0 16-09-2008 04:42 PM
مسابقة ثقافية للشيعة فقط ...النتائج يوم القيامة rtyan قسم الحوار الإسلامي 35 21-08-2008 10:26 AM


الساعة الآن 06:40 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.