العودة   شبكة الحق الثقافية > الأقسام الإخبارية و الأحداث العالمية > القسم السياسي

القسم السياسي واحة تضم المواضيع والأخبار و المقالات السياسية وتحليلها و طرح الحوارات السياسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /30-11-2011, 04:08 PM   #16

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي جدلية الاستيعاب والاستبعاد في العلاقات التركية الأوروبية


جدلية الاستيعاب والاستبعاد في العلاقات التركية الأوروبية

"منافع الاستمرار في محاولة تركيانيل عضوية الاتحاد الأوروبي أكبر من التوقف عنها، وقرار المضي في الشوط حتى نهايتهصحيح من المنظور الإستراتيجي الذي يأخذ في حسابه جملة المتغيرات المحلية (التركية) والإقليمية، والعالمية"

تتحكم جدلية "الاستيعاب/الاستبعاد" في توجيه مسارات العلاقات التركية الأوروبية وفي فهمها أيضاً. وللوهلة الأولى قد يبدو أن مفتاح العلاقات التركية الأوروبية في يدأوروبا، وأن تركيا تركض للإمساك بنسخة منه عبر انضمامها للاتحاد الأوروبي، ولكن هذاالانطباع غير صحيح، بل الصحيح هو أن في أنقرة كما في بروكسل قوة للمساومة على العضوية، وإن كانت غير متوازنة بطبيعة الحال لصالح الطرف الأوروبي. وإن العوامل الحضارية والتاريخية ستكون أكثر حسماً من العوامل الاقتصادية في تحديد موقف المجموعة الأوروبية من عضوية تركيا. وإن كان زعماء أوربا الذين نراهم اليوم مقتنعين بمركزية الحضارة الغربية وغير مستعدين لرؤية دولة مسلمة عضواً في ناديهم الأوروبي، فإن المزاج التركي لا يقل اعتزازاً بهويته وعمقه الحضاري عن الأوروبيين.

جدل الانضمام المتبادل

من الجانب التركي، هناك رغبة قوية في استيعاب المكتسبات العلمية والتكنولوجية للحضارة الغربية، والاندماج داخل المنظومة الأوروبية "بحلوها" في أغلب الأحيان، و"مرها" في بعض الأحيان، بالمعنيين السياسي والاقتصادي على الأقل، وهو الهدف المعلن لسياسيي العدالة والتنمية منذ وصولهم إلى الحكم في نوفمبر/تشرين الثاني 2002.

كما أن هناك رغبة علمانية/أتاتوركية أقدم وأقوى تسعى إلى الذوبان في أوروبا والاندماج في حضارتها، بكل المعاني التي يحملها مفهوم الاندماج من النواحي السياسية والاقتصادية، ونمط الحياة الاجتماعية، ورؤية العالم، وكيفية إدراك الذات، وأصول الانتماء الحضاري على النمط الغربي.وهناك فريق ثالث من الأتراك يرفض الاندماج الحضاري -بكل معانيه- في الغرب، ويناهض عملية التغريب، ويتبنى مشروعاً للاستقلال الحضاري، ويرى أن مستقبل تركيا يكمن في توجهها ناحية الشرق بدل الغرب.أما على الجانب الأوروبي -على ما فيه من اختلافات بين دوله بشأن الموقف من تركيا- فالنزعة الإقصائية/الاستبعادية كانت ولا تزال هي الأقوى، وهي الأكثر فعالية في ترتيب علاقات أعضاء النادي الأوروبي مع تركيا. فهناك أصوات لأحزاب ولحكومات أوروبية تنادي بالانفتاح على تركيا، وترى أن إيجابيات استيعابها في النادي الأوروبي أكثر من سلبياتها، ولكنها أصوات خافتة، وغير حاسمة ـ حتى اليوم ـ في ترجيح كفة سياسة الاستيعاب والقبول على كفة الإقصاء والرفض.

وثمة أسباب متعددة يتذرع بها الفريق الرافض لأن تكون تركيا عضواً بالنادي الأوروبي، منها ما هو تاريخي يرجع إلى زمن القوة العثمانية وبلوغها أبواب فيينا، ومنها ما هو ديمغرافي يثير المخاوف من الثقل السكاني التركي (حوالي 75 مليون نسمة، وتأتي في المرتبة الثانية بعد ألمانيا الفيدرالية التي يبلغ عدد سكانها حوالي 80 مليون نسمة، ثم تأتي بعد تركيا كل من فرنسا 60 مليون نسمة، وبريطانيا 58 مليون نسمة تقريباً). ومن أسباب الرفض ما هو ديني/ثقافي يرتبط بهوية حضارية إسلامية، يرى الرافضون أنها لا تنسجم مع الهوية "المسيحية" التي تجمع أعضاء النادي الأوروبي. وإلى جانب ذلك ، هناك موقف ثالث يقدم حلاً وسطاً مفاده ألا تمنح تركيا عضوية كاملة وإنما يتم منحها " شراكة متميزة" مع الاتحاد الأوروبي، وتتزعم ألمانيا هذا الاتجاه، بدعاوى مختلفة ترتكز أساسًا على عدم تجانس تركيا دينياً وثقافياً من باقي دول الاتحاد.

من العوامل الكثيرة التي تغذي جدلية "الاستيعاب/الاستبعاد" في العلاقات التركية الأوربية، الدور الإقليمي متعدد الأبعاد الذي يمكن أن تقوم به تركيا في منطقة الشرق العربي خاصة، وفي العالم الإسلامي عامة.فهذا الدور يغري بعض القوى الأوربية باستيعاب تركيا في الاتحاد، أملاً في أن تسهم في تذليل صعوبات التواصل الاقتصادي والتجاري مع العالم الإسلامي والشرق العربي الأقرب نفسياً وحضارياً لتركيا، والأبعد عن أوروبا بفعل رواسب إرثها الاستعماري المرير.بينما ترى قوى أوروبية أخرى أنها ليست بحاجة إلى القبول بتركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي كي تقوم –تركيا- بهذا الدور، لسببين رئيسيين:

الأول: أن تركيا لن تنجح في أداء دورها كوسيط حضاري بين أوروبا والعالم الإسلامي إلا في إطار عودتها إلى هويتها المشرقية وهذا الاحتمال يتناقض مع مبدأ عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

والثاني: هو أن حصول تركيا على عضوية الاتحاد يكسبها قوة كبيرة من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وهي لن تتردد في توظيف هذه القوة لتحقيق مصالحها في المشرق العربي والعالم الإسلامي عامة، وفي هذه الحالة لن تكسب أوروبا شيئاً من انضمامها، بل ربما تخسر بعض المزايا التي تتمتع بها حالياً لصالح النفوذ التركي المتصاعد.

وهكذا تجد أوروبا نفسها بين جدلية الفرص والتهديدات التي تنجم عن استيعاب تركيا أو استبعادها بالنظر إلى دورها الإقليمي في المشرق العربي خاصة، وفي العالم الإسلامي عامة.

"عضوية الاتحاد الأوروبي ليست هدفاً بحد ذاته بالنسبة لتركيا وقد تكون بالفعل -كما يرى البعض- مجرد وهم وخيال، ولكن من المؤكد أنها مفيدة في توليد قوة دفع نحو الخروج من أوضاع تتناقض مع الحريات العامة،ولا تنسجم مع قواعد الحكم الديمقراطي الرشيد"

ليس بيد أوروبا وحدها

وللوهلة الأولى قد يبدو أن مفتاح العلاقات التركية الأوروبية في يد أوروبا، وأن تركيا تركض للإمساك بنسخة منه عبر انضمامها للاتحاد الأوروبي، ولكن هذا الانطباع غير صحيح، بل الصحيح هو أن في أنقرة كما في بروكسل قوة للمساومة على العضوية، وإن كانت غير متوازنة بطبيعة الحال لصالح الطرف الأوروبي.

إن قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ينطوي على احتمالات أكثرها إيجابي بالنسبة لتركيا، ذلك لأن أوروبا ذاتها ستجني مصالح متنوعة إذا أصبحت تركيا عضوا كاملاً في ناديها من منظور متعدد الأبعاد يجمع بين الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية والأمنية. ومع ذلك لا توجد حتى الآن مؤشرات مشجعة من الجانب الأوروبي صاحب القرار النهائي في قبول العضوية أو رفضها، وآخرها قرار البرلمان الأوروبي في 13 مارس/آذار 2009 الذي عبر عن "حالة قلق" لتأخر أنقرة في تنفيذ التزاماتها، وخاصة تراجعها عن تعديل الدستور، في حين أن الموقف الأوروبي كان سلبياً عندما جرت محاولة تعديله وتوسيع حرية المرأة في ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية، وخاصة في الجامعات.

ولكن هل يعني تردد المواقف الأوروبية في استيعاب تركيا أن تكف الأخيرة عن المحاولة؟
وهل يعني ذلك أن محاولاتها تسير في الاتجاه الخطأ وتجرى فقط وراء الوهم والسراب؟.

في تقديرنا إن منافع الاستمرار في المحاولة أكبر بكثير من التوقف عنها، وأن قرار المضي في الشوط حتى نهايته صحيح من المنظور الإستراتيجي الذي يأخذ في حسابه جملة المتغيرات المحلية (التركية) والإقليمية، والعالمية، وإن العضوية ليست هدفاً بحد ذاته وقد تكون بالفعل -كما يرى البعض- مجرد وهم وخيال، ولكن من المؤكد أنها مفيدة في توليد قوة دفع نحو الخروج من أوضاع تتناقض مع الحريات العامة، ولا تنسجم مع قواعد الحكم الديمقراطي الرشيد، وتنتقص-ليس فقط- من حقوق الإنسان وإنما تنتقص من "إنسانية الإسلام" الذي يدين به الشعب التركي.ولا يغيب عنا في أي لحظة أن العوامل الحضارية والتاريخية ستكون أكثر حسماً من العوامل الاقتصادية في تحديد موقف المجموعة الأوروبية من عضوية تركيا. وأن زعماء أوروبا الذين نراهم اليوم مقتنعين بمركزية الحضارة الغربية غير مستعدين لرؤية دولة مسلمة عضواً في ناديهم الأوروبي.

ولكن المزاج التركي لا يقل اعتزازاً بهويته وعمقه الحضاري من ‘حساس الأوروبيين، وهو ما عبر عنه أردوغان في دافوس نهاية فبراير/شباط 2009 باعتراضه الواضح الذي لا لبس فيه على رواية الرئيس الإسرائيلي للجريمة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، وشهد عليها العالم كله، وبدا في اعتراضه هذا كما لو أنه يسد قناة رئيسية يمكن أن تسهم في بلوغ تركيا إلى عضوية النادي الأوروبي، ولكنه لم يتردد في إعلان موقف تركيا بشجاعة وجرأة تليقان به وببلده.

ولا حجة لمن يلوم تركيا على تكثيف جهدها الساعي نحو الاتحاد الأوروبي أكثر منه نحو العالم الإسلامي، أولا لأن تركيا هي أصلا تحمل بعدا أوروبيا من الناحية الجغرافية والتاريخية، وثانيا لأن دول العالم الإسلامي لم تبذل مجهوداً يذكر لجذب تركيا إليه، وكان قربه أو بعده من تركيا محصلة لإرادة الطرف التركي أساسًا. وأفضل للعالم الإسلامي أن تكون إحدى دوله الكبيرة عضواً في أحد مراكز صنع القرار الدولي(الاتحاد الأوروبي) من أن لا يكون له صوت في أي من تلك المراكز على الإطلاق، وستظل جدلية الاندماج والاستبعاد هي المتحكمة في مسار العلاقات الأوروبية التركية، وفي مصير عضوية تركيا إلى النادي الأوروبي، إلى أن تتغلب نزعة الاستيعاب على نزعة الاستبعاد لدى الأوروبيين في النظر إلى الآخر الحضاري.
_______________
خبير الشئون التركية، رئيس قسم الرأي العام في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


هل هو خطوة للأمام؟
السعي التركي نحو عضوية الاتحاد الأوروبي

إعداد/ أ. مسعود أوزكان
ترجمة/ د. برهان كوروغلو

شروط العضوية
الديمقراطية وحكم القانون
حقوق الإنسان وموضوع الأقليات
حقوق الأقليات
السياسة الخارجية والقضايا الدولية
التقييم العام للتقرير
التوصيات

إن التقرير الجديد بشأن مدى تقدّم تركيا في سعيها نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لعام 2007 يعد امتداداً لنفس تركيبة التَّقارير في السنوات السابقة إلى حد بعيد. فيقيّم التقرير بشكل موجز العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ويحللّ وضع تركيا السياسي والاقتصادي بناءً على المعايير الموضوعة من أجل تحقيق العضوية في الاتحاد الأوروبي.

شروط العضوية

"أصبحت هناك فاعلية أكثر في إجراءاتالاتحاد الأوروبي البيروقراطية لدراسة أوضاع الدول المرشحة للعضوية"

تلعب هذه التقارير دورًا مهمًا في تهيئة الدول المرشحة للدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي، وذلك عن طريق تزويدهم بالخطوط العريضة للإصلاحات الضرورية، من أجل تحقيق شروط العضوية. وفي كل سنة تقوم اللجنة الأوروبية بتقييم أداء كل دولة مرشحة، وإذا كانت الدولة المرشحة تسعى وتهتم للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي فإن هذا التقرير يصبح أكثر مكانة في الأجندة السياسية والاقتصادية لتلك الدولة. ومع تطبيق شروط الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، أصبحت هناك فاعلية أكثر في إجراءات الاتحاد الأوروبي البيروقراطية لدراسة أوضاع الدول المرشحة للعضوية، ولكن مع تعليق بعض بنود مفاوضات العضوية في ديسمبر/كانون الأول 2006 بسبب الخلافات المتعلقة بقضية "قبرص" بدأ الحماس التركي للانضمام المحتمل للاتحاد الأوروبي يتضاءل في العام 2007، وبالتالي تضاءلت الفاعلية السياسية الأوروبية في تركيا، وفيما يتعلق بهذا فإن التعّثر الذي واجه قضية العضوية الكاملة قد قلل من أهمية التقرير الذي يبين مدى التقدم نحو الاتحاد الأوروبي في الرأي العام التركي. وبالمقارنة مع السنوات الماضية فإن النقاشات التي دارت هذه المرة حول هذا التقرير لم تحدث كثيراً من التوتر سواء قبل صدوره أو بعده، بينما كانت تعد مثل هذه التقارير فيما مضى مصدرا لإثارة الجدل والنقاش.

يمكن القول إنه كان متوقعًا أن يساند هذا التقرير أجندة الإصلاح لحكومة حزب العدالة والتنمية، وبما أن معظم فروع الاتحاد الأوروبي تؤيّد إكمال عضوية تركيا -ومن بينها هذه اللجنة- فإنه يجب النظر إلى الموقف الإيجابي الذي أبدته على أنه وضع طبيعي، وبشكل عام يمكن اعتبار تقرير هذا العام إيجابيًّا بالمقارنة مع التقارير السابقة. وبالرغم من التطورات السياسية (السلبية) في تركيا عام 2007، والتي أضعفت أجندة الإصلاح نحو الانضمام للاتحاد الأوروبي، فإن اللَّجنة ما زالت مصمِّمة على ألا تعطي الفرصة للفئة التي لا تؤيد الوجود التركي داخل الاتحاد الأوروبي، وبالإضافة إلى هذا العامل فإن كلا الطرفين (تركيا والاتحاد الأوروبي) يبدو أنهما راضيان عن التَّسارع البطيء لإصلاحات عام 2007 حتى لو كان ذلك يعود إلى أسباب مختلفة.

إن الاتحاد الأوروبي يريد تأخير قرار عضوية تركيا قدر الإمكان، وبالمقابل فإن الحكومة التركية تتعامل مع مواضيع شديدة الحساسية في السياسات الداخلية هذا العام، علاوة على ذلك فإنه من الصعوبة متابعة أجندة الإصلاح مع تزايد الرأي المضاد للاتحاد الأوروبي في الرأي العام التركي، والذي زاد مع إضافة البنود الثمانية من مفاوضات الانضمام في 11 ديسمبر/كانون الأول 2006. وسيحللّ هذا الموجز التقرير من حيث المعيار السياسي، ويركِّز على تقييمه للإجراءت الإصلاحية والسياسية في مواضيع الانتخابات والنظام القضائي وتقليص سلطة الجيش من خلال نظام أكثر ديمقراطية، وسيتم تفحّص هذه المواضيع تحت العناوين الديمقراطية، حكم القانون، ومواضيع حقوق الإنسان والأقليات، ومدى إنسجام السياسة االخارجية مع المواضيع الدولية. يحتوي التقرير على مدحٍ للسياسة التركية، وكذلك على انتقاداتٍ عديدة خاصة في مجال حقوق الإنسان، وسيطرة الجيش بطريقة غير مباشرة على الحكم الديمقراطي، أو الإشراف عليه بشكل غير مباشر من خلال المحاكم.

الديمقراطية وحكم القانون

"تعرض التقرير لمحاولات بعض كبار الجنرالات في القوات المسلحة للحد من بعض الأبحاث الأكاديمية وتدخلها في محاولة منع بعض الخطابات الموجهة للجماهير "

ناقش التقرير الإصلاحات الدستورية، والاستفتاء الذي حدث في 21/10/2007 (حول انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب، عوضًا عن البرلمان) بشكل موجز، وفيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية العامة، فالتقرير يشير إلى استنتاج لجنة الـ "OSCE" والتي تقول إن الانتخابات كانت ذات طابع تعدديّ، وشفافة، وأديرت بشكل جيد وفعالّ، وقد وُصِف البرلمان المنتخب حديثًا على أنه أكثر تمثيلا للشّعب من البرلمان الذي سبقه، وكذلك كان موضوع السقف الانتخابي من ضمن موضوعات التقرير، مع قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الحد الأدنى للتمثيل هو 10%، وتضمن هذه النسبة عدم التعدي على حقٍّ أحدٍ في انتخابات حرة نزيهة.

ويتناول التقرير التطورات المتعلقة بانتخاب الرئيس الجديد، ويناقش كذلك العلاقات المتوترة بين الرئيس السابق "أحمد سيزر" والحكومة الحالية والتي أدت إلى مشاكل في تطبيق الإصلاحات السياسية، ويحللّ التقرير وبشكل مختصر تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات العامة وأجندتها التي تتكيف مع الإصلاح الأوروبي، ويتم وصف إجراءات الانتخابات، وتشكيل الحكومة، ومستويات المشاركة بطريقة إيجابية، ويفيد التقرير بأنه من خلال الانتخابات البرلمانيّة الحرة والعادلة التي أجريت في تركيا فقد تم تخطي الأزمات السياسية والدستورية التي حدثت بعد الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان.

وتحت عنوان "المراقبة المدنية على مؤسسة الجيش" فقد ذكر التقرير مواطن ضعفٍ عديدة، كممارسة التأثير السياسي من قبل الجيش، وذلك عن طريق إصدار تصريحات علنيَّة في مواضيع عديدة مثل: قضية قبرص، وموقف الجيش من العلمانية، والمسألة الكردية. وقد اعتبر التقرير مذكرة قيادة الجيش في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2007 التي جاءت على ذكر ضعف الممارسة العلمانيّة في تركيا، تدخلا سافرًا من الجيش في قضية انتخاب رئيس الجمهورية. ويتعرض التقرير إلى المحاولات من قبل كبار الجنرالات في القوات المسلحة للحد من بعض الأبحاث الأكاديمية، وتدخلها في محاولة منع بعض الخطابات الموجهة للجماهير، وبروتوكول "أماسيا"، وقانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة التركية والذي يضمن حدودا عسكرية واسعة في القدرة على المناورات، وكذلك العيوب في الإشراف البرلماني على الميزانية العسكرية والتي أعتبرت مشاكل يجب التعامل معها.

بالرغم من أن التقرير قد ذكر أن القوات المسلحة تميل للتعليق على مواضيع خارجة عن سيطرتها فقد تضمنت أجندة الاتحاد الأوروبي للإصلاح في 2007 وصفا للنتيجة الإيجابية التي تمخضت عن الأزمة الدستورية في ربيع 2007 وهو إعادة التأكيد على أهمية العملية الديمقراطية في تركيا. وتحت عنوان "النظام القضائي" يتعرض التقرير في الأغلب لوصف التطورات السلبية، بعد الإشارة للتقدم في مدونة القانون الجنائي التركي وتطبيقه، وجعل النظام القضائي نظاما عصريا من خلال استخدام التكنولوجيا. ويقترب التقرير من موضوع قرارات المحكمة الدستورية العليا في انتخاب الرئيس في أبريل/نيسان، وصرف النائب العام من قبل المجلس الأعلى للقضاة والمدعيين العامّين كما في "قضية شمدينلي" والتي أدت إلى ردود أفعال سياسية قوية ووجود ادّعاءات تشكك في نزاهة المحكمة. وهذا التوتر الذي حصل بين الحكومة والنظام القضائي وصف على أنه عائق أمام فعالية النظام في تركيا.

حقوق الإنسان وموضوع الأقليات

"يذكر التقرير أن الحرية الصحفية مقيدة عنطريق مذكرة داخلية من الفريق العام في الجيش تطرح فكرة منع الصحفيين الأكثر إحراجاً من دخول وحضور الاستقبالات واللقاءات الصحفية التي يقيمها الجيش"

إن حقوق الإنسان وموضوع الأقليات تثير الاهتمام في هذه التقارير بشكل دائم، وتقوم اللجنة بتحليل ظروف الأقليات المسلمة وغير المسلمة بشكل مفصل، وهناك نوع من التوتر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا فيما يتعلق بهذه المواضيع حيث أن الطرفين لا يتفقان على تعريف "الأقليات". فتركيا لا تقبل وجود مصطلح "أقليات مسلمة" في داخل حدودها وتحاول التعامل مع الموضوع (حقوق الأقليات المسلمة وغير المسلمة) داخل إطار حقوق الإنسان وأما الطرف الأوروبي فيصرّ على وجود الأقليات المسلمة وثقافتهم وحقوقهم الدينية.

وتحت عنوان "حقوق الإنسان" يذكر تقرير هذا العام أن هناك عدداً من الأحكام من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنتظر التنفيذ، وأما بالنسبة لموضوع حقوق ملكية اليونانيين في الجزء التركي من شمال جزيرة قبرص يذكر مثالاً على ذلك "إكسيدنس أريستيس"، وكذلك بالنسبة لموضوع التعذيب فإنه بالرغم من التأثير الإيجابي لسياسة الحكومة في هذا الموضوع من عدم التغاضي عن مثل هذه الممارسات، إلا أنه ما زال هناك حالات من التعذيب والمعاملة السيئة خاصة خلال الاعتقال وفي مراكز الإحتجاز والسجون الخارجية، وأما المادة 301 من القانون الجنائي التركي في هذا العام فقد تم مناقشتها بشكل قوي وهناك توقعات أن يشار إليها في تقرير الاتحاد الأوروبي السنوي. وقد تحققت هذه التوقعات حيث ذكر التقرير عدد الأشخاص الذين تتم محاكمتهم تحت شروط معينه في القانون الجنائي التركي وذلك في حالات التعبير عن أراء طبيعية، وأن هذه المحاكمات قد ازدادت منذ عام 2005، وقد حثّ تقرير الحكومة على تعديل هذه المادة حسب معايير الاتحاد الأوروبي. ذكر التقرير أن لدى اللجنة اهتمامات في موضوع مدى التأثير المتوقع لقانون الإرهاب على حرية التعبير، وأفرد التقرير فقرة تتحدث عن مقتل "هرانت دنيك" والتحقيق القضائي المستمر، وتناقش فكرة أن هذه الدعاوي القضائية والتهديدات ضد الصحفيين والرقابة أدت إلى حصول المراقبة الذاتية داخل الدولة، كذلك ذكر التقرير إغلاق الجريدة الأسبوعية "نقطة" من قبل مالكها وذلك بعد أن نشرت عدة مقالات تتحدث عن الجيش، وبالإضافة لـ"نقطة" فإن التقرير يقترب من موضوع التفويض للمرة الأولى ويناقش فكرة أن الحرية الصحفية مقيدة عن طريق مذكرة داخلية من الفريق العام في الجيش تطرح فكرة منع الصحفيين الأكثر إحراجاً لهم من دخول وحضور الاستقبالات واللقاءات الصحفية التي يقيمها الجيش.

حقوق الأقليات

"ذكر التقرير أن تركيا لم تقم بأي تقدم نحو ضمان التنوع الثقافي وتحفيز الاحترام وحماية الأقليات بناء على المعايير الأوروبية"

تحدث عنها التقرير وذكر أن حرية العبادة مضمونة بشكل عام لكنه أشار إلى عدة مناطق شهدت مظاهر عنف مصدرها الهوية الدينية، وتضمن التقرير ذكر للبروتستانت الثلاثة الذين تم قتلهم في "مالاطيا". واعتداءات ضد رجال دين في مناطق المجموعات غير المسلمة وتم نقاش مسألة استخدام اللغة المحرضة على الكره ضد الأقليات غير المسلمة، والذي ترك دون عقاب، كذلك ناقش التقرير مشكلة الأقليات غير المسلمة من حيث تسجيل أماكن العبادة الخاصة بهم بشكل موجز. بالنسبة للعلويين ومشكلة بيوت "الجمع" (cemevi) فإن التقرير يذكر القرار الذي اتخذ بالإجماع من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بوجود الحصص الإلزامية للدين بالمدارس وبشكل مشابه للتقرير السابق، فإن وضع المعهد اليوناني الأرثوذكسي في جزيرة "هايبلي أدا" ذكر أيضاً. وناقش التقرير فكرة القيود الموضوعة على رجال الدين والتي ما زالت موجودة، سواء كان اللقب الكنسي "الإكليركي" للبطريرك كان عالمياً أم لا ، فكان قرار محكمة النقض أن المعهد هو معهد ديني فقط دون أي صفة اعتبارية قانونية.

تحت عنوان "حماية حقوق الأقليات، والحقوق الثقافية" ذكر التقرير أن تركيا لم تقم بأي تقدم نحو ضمان التنوع الثقافي وتحفيز الاحترام وحماية الأقليات بناء على المعايير الأوروبية، وبينما يقترب التقرير من فكرة التطورات المتعلقة باستخدام اللغات الأخرى في الإذاعة والحياة السياسية وليس اللغة التركية فحسب، ذكر التقرير أن تركيا لم تحرز أي تحسن في هذا المجال من الحقوق الثقافية. وكذلك فإن تزايد الأنشطة الإرهابية لحزب العمال الكردستاني وغيرها من المنظمات الإرهابية أدى إلى تدهور الوضع في المنطقة الجنوبية الشرقية في البلاد.

انسجام السياسة الخارجية مع القضايا الدولية

إن الانتقادات تحت هذا العنوان تتضمن المواضيع المرتبطة بقبرص واليونان، وقد ذكر التقرير أن تركيا لم تقم بأي تحسن من حيث التطبيق الكامل للبروتوكول الإضافي والذي يعتمد على قرار المجلس في ديسمبر/كانون الأول 2006 والذي محتواه أنه لن يتم البدء بمناقشة أي من البنود الثمانية من مفاوضات الانضمام والتي تتعلق بقيود تركيا المتعلقة بجمهورية قبرص وأنه لن يتم إغلاق أي بند "ملف" حتى تصل اللجنة إلى القناعة بأن تركيا قد أتمت التزاماتها، ثم أشار التقرير الى استخدام تركيا لحق الفيتو ومعارضتها لانضمام قبرص لمنظمة الناتو وكذلك اعتراض تركيا على اتفاقيات قبرص ولبنان حول التنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الوحيدة، واتفاقية قبرص للدفاع المشترك مع فرنسا. تمت مناقشة العلاقات بين اليونان وتركيا من وجهة نظر يونانية في التقرير، كذلك ذكر التقرير الموقف التركي من قضية "كاسوس بيللي" فيما يتعلق بمشكلة حدود المياه الاقليمية بين تركيا واليونان ومن رؤية أكثر إيجابية فقد ذكر التقرير أن تركيا قد ألزمت نفسها بـ45 بيانا من البيانات الـ46 للسياسة الأمنية والخارجية المعروفة ودعمت المحاولات للحلول السلمية للمشكلات المتعلقة بالعراق وإيران، وأفغانستان، ولبنان، والسودان، وكذلك العملية السلمية في الشرق الأوسط. يذكر التقرير أيضاً وبشكل إيجابي مشاركات تركيا الإيجابية في مختلف مهام حفظ السلام مع الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي وذلك بمناطق مختلفة من العالم واعتبرها التقرير مساعدة مهمة لتركيا في سياستها الخارجية.

التقييم العام للتقرير

"أعطى التقرير اهتماما متزايدا للأقليات الدينية ومكانة البطريرك والطائفة العلوية والحصص الدينية الإجبارية لكنه لم يتطرق لموضوع الحجاب "

من الأهمية بمكان التنويه بأن تقرير 2007 قد تمت كتابته بشكل إيجابي بالرغم من وجود بعض المظاهر السلبية والمعايير المزدوجة العرضية، إن أسلوب التقرير والمناقشات التي فيه كانت ضمن حدود التوقعات العامة وأما اللغة العامة للجنة نحو تركيا فكانت جيدة.

وبالرغم من التطورات السياسية السلبية في 2007 فقد رحّب التقرير بإصرار تركيا على سعيها بالاتجاه نحو العملية الديمقراطية، وتم مدح التحول الكبير في الانتخابات وكذلك طبيعة التمثيل الأكبر في البرلمان الجديد، وضمّ التقرير انتقادات ضد النظام القضائي لكونه غير نزيه في اتخاذ قراراته، وعدم نزاهة القضاء هي من أهم النقاط في التقرير فيما يتعلق بأهمية الديمقراطية، وبالرغم من وجود بعض الحالات فإن انخفاض التعذيب والمعاملة السيئة يمكن اعتبارها من النقاط والتطورات الإيجابية. يجب التنويه بأن التقرير يحتوي على بعض المعايير المزدوجة فيما يتعلق بموضوع قبرص، فيذكر التقرير أن تركيا لم تقم بأي تطور في موضوع تطبيق البروتوكول الإضافي لكنه لا يذكر أي شيء عن الخطوات التي يجب القيام بها من الجانب الأوروبي لإنهاء عزلة منطقة قبرص التركية، وأما الصفحات المخصصة للسياسة الخارجية فقد تناولت بشكل كبير موضوع علاقة تركيا مع اليونان وقبرص. ويذكر التقرير مراجع للبروتوكول الإضافي وتعليق مناقشة البنود الثمانية التي تتعلق بمسألة العضوية بسبب الضغوط المتوترة من قبل اليونان وقبرص وذلك بعد ظهور مسودة التقرير، وأما التوترات بين قبرص وتركيا فيما يتعلق بالتنقيب في البحر المتوسط تمت مناقشتها بناء على ما تمت مناقشته فيما يتعلق بقبرص اليونانية وتم انتقاد تركيا في مناقشة هذا الموضوع. لقد أعطى التقرير اهتماما متزايدا لمشاكل الأقليات الدينية كما هو الحال في تقارير السنوات السابقة، ومكانة البطريرك والطائفة العلوية والحصص الدينية الإجبارية، لكنه لم يذكر أي شيء عن موضوع الحجاب والمشاكل المرتبطة به.

التوصيات

حتى تستطيع تحقيق هدف الدخول كعضو في الاتحاد الأوروبي فإن هناك بعض المجالات التي يجب على تركيا تركيز جهودها عليها ومن ضمنها المواضيع المحلية، علاقات تركيا والاتحاد الأوروبي، والسياسات الدولية:

1. محليا: يجب على الحكومة الاستمرار في أجندة الإصلاح التي أعلن عنها بعد تعليق البدء في عملية مناقشة البنود الثمانية المتعلقة بالعضوية في بداية 2007 وتجهيز بنود جديدة للمفاوضات.

2. بالنظر للموقف الإيجابي للجنة فإنه على الحكومة إلقاء الضوء على الجوانب الإيجابية من التقرير وخاصة النقاط المتعلقة بأهمية العملية الديمقراطية.

3. مع التفويض الجديد –أي ما بعد انتخابات الثاني والعشرين من يوليو/تموز 2007– فإنه يتوجب على حزب العدالة والتنمية الإسراع في عملية الإصلاح لتقوية المؤسسات الديمقراطية.

4. على الحكومة القيام بعدة تغييرات لتقوية أعمدة الديمقراطية في الدولة وذلك كرد فعل على انتقادات اللجنة فيما يتعلق بالقانون الجنائي وخاصة المادة 301 ونزاهة واستقلالية القضاء وتدخل الجيش في الحياة المدنية.

5. وضمن إطار علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي فإن الإصلاحات المحلية باتجاه الديمقراطية ستعطي القوة للذين يؤيدون انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وسيساعد تركيا على اجتياز بعض المشاكل الناجمة عن المسألة القبرصية.

6. يجب زيادة الاتصالات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومع دول الاتحاد الأوروبي عامة من أجل المحافظة على سرعة عملية الإصلاح.

7. إن على الحكومة التركية تحجيم العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي المعارضة لعضوية تركيا، على سبيل المثال العلاقات التركية الفرنسية، فبالرغم من أن حكومة ساركوزي مستمرة في معارضتها لعضوية تركيا فإن استخدام تركيا للمقاييس الاقتصادية والدبلوماسية في علاقات ثنائية قد خففت من حدة موقف ساركوزي، الذي وافق على إزالة شرط الرجوع إلى الشعب كما في الدستور الفرنسي من أجل عضوية تركيا.

8. لقد بقيت قبرص حجر العثرة الرئيسي في أجندة تركيا للاتحاد الأوروبي، وتستخدم كل من قبرص واليونان كل الفرص للحصول على تنازلات من تركيا في هذا الإطار، وعلى تركيا زيادة تواصلها مع أعضاء آخرين من الاتحاد الأوروبي وتفسر موقفها الشرعي، وكذلك يجب أن تحشد جهود المنظمات غير الحكومية في تركيا وشمال قبرص للاستفادة من قضيتها.

9. فيما يتعلق بالسياسات الدولية فإن المشاكل السياسية مع الولايات المتحدة تؤكد أهمية أجندة الاتحاد الأوروبي في تأثيرها على العلاقات الدولية لتركيا مبادراتها السياسية والتي تقع ضمن القانون العام لمواقف الاتحاد الأوروبي، ويجب استمرار هذه المواقف.


10 .مبادرات تركيا في الشرق الأوسط والمناطق الأخرى تساهم في رسم صورة إيجابية لتركيا على المستوى الدولي ويزيد من أهمية السياسات الدولية للاتحاد الأوروبي، فعلى تركيا الاستمرار في تطوير روابط أقوى مع الدول المجاورة وأن تصبح أكثر فاعلية في السياسات الدولية من خلال الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، وفي هذا الخصوص يجب على تركيا الاستمرار في السعي وراء عضوية مجلس الأمن في الأمم المتحدة وزيادة وجودها في أجزاء مختلفة من العالم عبر وكالاتها مثل وكالة التعاون والتطوير الدولية والتركية "التيكا".


إن تقرير الاتحاد الأوروبي لعام 2007 يحث الاتحاد الأوروبي على استمرار المفاوضات مع تركيا، وهذا تطور إيجابي حيث سيكون هناك بندان جاهزان للمفاوضات من أجل الافتتاح الذي سيكون الأسابيع المقبلة، ويمكن تفسير بعض الجمل في التقرير على أنها رغبة من الاتحاد الأوروبي في تأخير عضوية تركيا قدر المستطاع، ويمكن لتركيا تسريع هذه العملية بالاستمرار في عملية الإصلاحات، وتحصل الحكومة على قوتها من أجندة ما قبل الإصلاح، وبعض اقتراحات الاتحاد الأوروبي وخاصة التي تتعلق بالتطور الديمقراطي لتركيا والتي تعتبر حاسمة من أجل الاستقرار والرفاه في الدولة، حتى لو لم يتم الاعتراف بعضوية تركيا داخل الاتحاد الأوروبي، ويجب أن تحتوي الجهود الرامية لإيجاد دستور جديد وتقوية الاتجاه الديمقراطي في الدولة على هذه النقاط. أما الانتقادات المتعلقة بالسياسة الخارجية هي في الأغلب ناجمة عن مطالب عديد من الدول الأعضاء، وعلى تركيا الاستمرار في جهودها لزيادة حضورها السياسي في العالم، وعليها أيضاً التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حتى تدافع عن موقفها في مواضيع السياسة الخارجية.
_______________
نشر هذا التقرير في 4 فبراير/شباط 2008
باحث في مركز الجزيرة للدراسات
المصدر: الجزيرة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


تقرير التقدم الصادر عن الإتحاد الأوروبي و العلاقات بين تركيا و الإتحاد
التقرير التقييمي لأداء تركيا في مجال الإصلاحات لعام 2011 و وثيقة الإستراتيجية

أعلنت مفوضية الإتحاد الأوروبي تقريرها التقييمي لأداء تركيا في مجال الإصلاحات لعام 2011 و وثيقة الإستراتيجية التي عكست فيها أرائها المستقبلية . وكما هو عليه الحال تقليديا في كل عام ، فإن التقرير الأخير أيضا يتضمن إشارة إلى التطورات الإيجابية و السلبية بشأن أداء تركيا فضلا عن التأكيد على ما يتعين القيام به خلال العام المقبل أو الأعوام المقبلة. و تظهر الحقائق الواردة في التقرير و التقييمات المتعلقة بالتقرير أن العلاقات بين تركيا و الإتحاد الأوروبي تواجه أزمة خطيرة . فمسيرة مفاوضات العضوية التامة تكاد قد توقفت . و تضم وثيقة الإستراتيجية مقترحات جديدة لإزالة هذه المشاكل و لإعادة تفعيل مسيرة المفاوضات بين تركيا و الإتحاد . ومن بين هذه المقترحات : إزالة عقبة التأشيرات المطبقة على تركيا ، و إعادة النظر في الإتحاد الجمركي و تدعيمه ، و تطوير الحوار السياسي في مجالي السياسة الخارجية و الطاقة ، ومواصلة مسيرة الإصلاحات في تركيا حتى في حال عدم فتح فصول جديدة للمفاوضات بين تركيا و الإتحاد . وردود الفعل التي صدرت عن تركيا إزاء تقرير التقدم كانت عموما ردود ناقدة . وجاء في التصريحات الصادرة عن وزير شؤون الإتحاد الأوروبي أغمن باغش و وزارة الخارجية أن تقرير التقدم لا يعكس الحقائق تماما و أنه يتضمن إجحافا بحق تركيا . و نود ن نقدم لكم تقييما حول هذا الموضوع للبروفيسور رمضان غوزن الأستاذ في قسم العلاقات الدولية بجامعة عزت بايسال .

في الأعوام الأخيرة لجأت تركيا و السياسة الخارجية التركية إلى الإهتمام بقضايا الشرق الأوسط ، وعلى نحو يوحي بأنه جرى تناسي بعد العلاقات مع الإتحاد الأوروبي . وهناك سببان كامنان وراء ذلك الأول هو كون التطورات الحرجة في الشرق الأوسط تهم تركيا عن كثب ، و الثاني هو التعثر الحاصل في مسيرة المفاوضات بين تركيا و الإتحاد الأوروبي.

إن تقرير التقدم الذي أعلن من قبل الإتحاد الأوروبي في ظل هذه الظروف ، ذكرنا بأبعاد تركيا من ناحية الإتحاد الأوروبي و الغرب . فعضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي التي كانت تكاد تشكل الأجندة اليومية الرئيسية لتركيا خلال الفترة بين عامي 2002 و 2005 ، صارت خلال الأعوام الأخيرة تبدو وكأنها دفعت إلى خارج الأجندة . وبطبيعة الحال لا نستطيع القول أن تقرير التقدم الصادر في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2011 سيكون له مفعول في إحياء و تفعيل هذه المسيرة كما كان يحصل في الماضي . بيد انه على ضوء التقرير و وثيقة الإستراتيجية و تصريحات مسؤولي الإتحاد الأوروبي ، يمكن القول أن بصيصا من الأمل قد بدأ يلوح بالنسبة للمستقبل .

وقبل كل شيء فإن التقرير أكد على أهمية الإصلاحات التي حققتها تركيا في مجال الدمقرطة خلال عام 2011 . و أثنى التقرير على الإصلاحات التي جرت في مجال العلاقات بين الجناحين المدني و العسكري و النظام القضائي ، والمسيرة القضائية المعنية بتنظيم "أرغنكون" و بمحاولات الإنقلابات العسكرية ، و حزمة الإصلاح الدستوري التي تم إعتمادها في نتيجة الإستفتاء الذي جرى في الثاني عشر من سبتمبر/أيلول 2010، وتأسيس وزارة معنية بشؤون الإتحاد الأوروبي ، و الدور الوفاقي الذي ينهض به رئيس الجمهورية عبدالله جول ، والسياسة الخارجية التركية المتعلقة بالربيع العربي . وبالمقابل فإن التقرير يتضمن بعض الإنتقادات ولا سيما في مجال حرية التعبير و الصحافة و فترات الإعتقال الطويلة خلال المسيرات القضائية و بعض الإجراءات التي مازالت مستمرة في القطاع العسكري .

وعند إجراء مقارنة بين إيجابيات و سلبيات التقرير ، أرى أن جوانبه الإيجابية أكثر من جوانبه السلبية و كما كان عليه الحال في جميع التقارير التي صدرت خلال الأعوام الأخيرة. ورأيي هذا لم يتبلور إستنادا إلى مضمون تقرير التقدم و وثيقة الإستراتيجية فحسب ، بل و إستنادا أيضا إلى أقوال عضو مفوضية الإتحاد الأوروبي المسؤول عن التوسع ستيفان فولة و الرئيسة النظيرة للجنة البرلمانية المشتركة بين تركيا و الإتحاد الأوروبي هيلين فلاوتر، ومسؤولي الإتحاد الأخرين .
وأود هنا الإشارة إلى النقد الذاتي الذي وجهته فلاوتر حول سبب الأزمة أو التعثر في العلاقات بين تركيا و الإتحاد الأوروبي . فقد أفادت فلاوتر أن فرنسا و المانيا و الشطر القبرصي الرومي تعرقل مسيرة المفاوضات مهما فعلت تركيا في سبيل تحقيق الإصلاحات، وإعترفت بأن هذا الوضع يلحق الضرر بمصالح الإتحاد الأوروبي . من ناحية أخرى شدد رئيس البرلمان الأوروبي جيرزي بوزيك على كون تركيا دولة تتمتع بأهمية حيوية بالنسبة للإتحاد الأوروبي مشيرا إلى أن عدم إحراز التقدم في المفاوضات هو أمر مؤسف جدا.

إن النقد الذاتي الصادر عن مسؤولي الإتحاد الأوروبي يعطينا الإشارات الدالة على ما ينبغي للطرفين القيام به في الفترة المقبلة. وبينما قدم التقرير و وثيقة الإستراتيجية توصيات إلى تركيا بشأن المهام التي يتعين عليها القيام بها ، فإن تصريحات مسؤولي الإتحاد الأوروبي عكست مشاكل و مسؤوليات الإتحاد .

ينبغي على دول الإتحاد الأوروبي عدم التراجع عن القرار الذي إتخذته عامي 2004 و 2005 بشأن عضوية تركيا التامة. و يتعين إستبعاد فكرة منح تركيا "الشراكة المميزة" التي طرحت من قبل جناح المحافظين ولا سيما في المانيا و فرنسا . و بطبيعة الحال هناك شخصيات سياسية و دول داخل الإتحاد الأوروبي تنظر إيجابيا إلى العلاقات مع تركيا . بيد أننا نلاحظ أن أصوات و تأثيرات هذه الشخصيات و الدول داخل الإتحاد تضائلت خلال الأعوام الأخيرة . فنرى اليوم غياب أولئك الذي لوحوا بأعلام تركيا و الإتحاد الأوروبي في التصويت الذي كان قد جرى في البرلمان الأوروبي عام 2005 بشأن نركيا . كما نرى عدم صدور رد فعل من داخل الإتحاد إزاء الأراء السلبية الصادرة عن ساركوزي و ميركل حيال تركيا . ونرى أنه جرى مؤخرا التغاضي عن المزاعم التي أطلقها ساركوزي ضد تركيا .

إن تقدم العلاقات بين تركيا و الإتحاد الأوروبي و إستمرار مسيرة المفاوضات ، مرهون بالمحاسبة التي يجريها الإتحاد الأوروبي في داخله ، بقدر ما هو مرهون بأداء تركيا. و ينبغي على الواثقين بتمتع تركيا بأهمية حيوية بالنسبة للإتحاد الأوروبي الإفصاح عن هذا بصوت عالي داخل مؤسسات و دول الإتحاد . و يمكن لهؤلاء إظهار صدقهم في ارائهم بهذا الصدد ، ليس للصحفيين الأتراك فحسب ، بل للرأي العام الأوروبي برمته أيضا. إن هذا الكفاح الذي سيخوضه الذين لهم أراء في صالح تركيا ، سوف لن يكون فقط عبارة عن موقف داعم لعضوية تركيا ، وإنما سيكون في ذات الوقت بمثابة دفاع عن كيان و تكامل الإتحاد الأوروبي . و ذلك لأن هناك حقيقة معروفة لدى معظم الناس إن لم نقل كلهم ، وهي أنه سوف لن يكون للإتحاد الأوروبي تأثير في السياسة العالمية بغياب تركيا . و بطبيعة الحال لا يمكن في الوقت ذاته التفكير بتركيا المستبعدة عن الإتحاد الأوروبي .
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

إعادة ضبط العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي
خافيير سولانا

مدريد ـ قبل خمسة أشهر فقط، كان أسامة بن لادن على قيد الحياة، وكان حسني مبارك لا يزال يفرض سيطرته الراسخة على مصر، وكان زين العابدين بن علي يحكم تونس بقبضة من حديد. واليوم، تجتاح الثورات الشعبية والتغيير السياسي مختلف أنحاء المنطقة. ولقد شهدنا قمعاً وحشياً للاحتجاجات في سوريا واليمن، وعبور القوات السعودية إلى البحرين، ومعركة لا تنتهي في ليبيا. وإذا تحدثنا عن أوروبا، فإن "الربيع العربي" لابد وأن يدفعها إلى إعادة التركيز على قضية كانت إلى حد كبير ضحية للتجاهل طيلة الأشهر الأخيرة: الفوائد المترتبة على عضوية تركيا الكاملة في الاتحاد الأوروبي. ففي ضوء الفرص الهائلة التي تتيحها الظروف الراهنة، لابد وأن تكون المزايا المترتبة على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أصبحت بالغة الوضوح بالنسبة لأوروبا. والآن بعد انتخاب رجب طيب أردوغان لفترة أخرى رئيساً لوزراء تركيا، ومع تولي بولندا ـ الدولة التي تدرك تمام الإدراك أهمية أوروبا الاستراتيجية في العالم ـ لرئاسة الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية هذا الشهر، فإن الوقت بات مناسباً بالنسبة للاتحاد الأوروبي وتركيا لإعادة ضبط المفاوضات بينهما بشأن عضوية تركيا.

إن الخير الذي قد تجلبه تركيا لأوروبا كان واضحاً حتى قبل "الربيع العربي". والواقع أن أوروبا تتسم بالتنوع الثقافي بحكم التعريف، لذا فإن التنوع هو مصير الاتحاد الأوروبي. وإذا كان لأوروبا أن تتحول إلى لاعبي عالمي فاعل، بدلاً من متحف، فإنها تحتاج إلى منظور جديد كما تحتاج إلى طاقة جديدة يمنحها إياها شعب تركيا. لقد أصبحت أوروبا اليوم أكبر حجماً وأكثر اختلافاً مقارنة بأوروبا في عام 1999، عندما دعيت تركيا إلى البدء في عملية الانضمام. كما تشهد تركيا أيضاً أزمة اقتصادية عميقة، وهي الأزمة التي اندلعت بالتزامن تقريباً مع الوقت الذي شهد أخيراً الموافقة على معاهدة لشبونة ـ التي كان الهدف منها استيعاب توسعة الاتحاد الأوروبي. ولو كانت الموافقة على المعاهدة تمت في عام 2005 كما كان مرتقبا، لكانت الآن أكملت عامها السادس، ولكانت الضغوط التي فرضتها الأزمة على الإدارة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي ـ المرئية بشكل واضح في المشاكل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة ـ أقل حِدة.

ولكن الاتحاد الأوروبي يواجه المشاكل دوماً، وينجح في حلها، ثم يمضي إلى الأمام. فاليوم ليس لدينا وزارة خزانة، ولكننا على وشك أن نحظى بشيء مشابه. وعلى نحو مماثل، يتمتع البنك المركزي الأوروبي اليوم بصلاحيات لم يكن لأحد أن يتخيلها في عام 1997، على سبيل المثال. وتشكل الهجرة أحد التحديات الكبرى التي يتعين على أوروبا أن تواجهها، فهي المشكلة التي سوف تتضخم حتماً مع الوقت. ففي غضون الفترة بين وقتنا الحاضر وعام 2050، سوف تتقلص قوة العمل في أوروبا بما يقرب من سبعين مليون شخص. والحفاظ على اقتصادنا يتطلب الهجرة وفتح أبواب الاتحاد الأوروبي ـ والتصدي بجرأة للحركات الشعوبية التي ترفض "الغرباء" في أوروبا. لقد شهدت تركيا اليوم تغيرات كبرى منذ عام 1999، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، وهذا يرجع في جزء كبير منه إلى عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ففي غياب عامل الجذب المتمثل في الاتحاد الأوروبي ـ وقوته الناعمة ـ ما كانت مثل هذه التغيرات لتحدث. فعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت تركيا الآن بين أعضاء مجموعة العشرين ـ وتلعب دوراً فعّالاً هناك. وعلى الصعيد السياسي، برزت تركيا باعتباره زعيمة إقليمية، وهو الدور الذي تأخذه على محمل الجد تماما.

واليوم، بعد الانتخابات البرلمانية التي انتهت للتو، والدستور الجديد الذي ينتظر الموافقة، تقترب تركيا من لحظة تاريخية. كنت عضواً في اللجنة الدستورية الأسبانية التي كتبت الدستور الأسباني في عامي 1975 و1976، في أعقاب وفاة فرانكو، لذا فإنني أعي تماماً ماذا يعني الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية ـ وأدرك مدى أهمية صياغة الدستور بإجماع كافة أطياف الشعب وشرائحه وفئاته.

بدأت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا باتفاقية شراكة تم التوقيع عليها في عام 1963. والآن بدأت مفاوضات الانضمام، والآن بات من الواجب فتح 35 "فصلا" ـ تغطي كل شيء من الزراعة إلى الطاقة، والمنافسة، والبيئة، وتشغيل العمالة، والسياسات الاجتماعية، وغير ذلك. ولقد فتحنا بالفعل 19 فصلا ـ أقل مما كنا نود. ولكن المشكلة الحقيقية هي أننا لم نتم سوى فصل واحد من هذه الفصول، والأسوأ من ذلك أن سرعة المفاوضات تباطأت إلى حد كبير. بل إن شيئاً لم يحدث على الإطلاق في عام 2010. وإنني لأرجو أن يحدث تقدم ملموس في عام 2011 على مسار المفاوضات. إن كلاً من تركيا والاتحاد الأوروبي يحتاجان إلى بعضهما البعض. فالاتحاد الأوروبي اليوم يمثل 75% من الاستثمار الأجنبي في تركيا، وما يقرب من نصف صادراتها وسياحتها الداخلية. وعلى نحو مماثل يعتمد أمن الطاقة في أوروبا على التعاون مع تركيا التي يعبر على أراضيها النفط والغاز الطبيعي القادم إلى أوروبا من آسيا الوسطى والشرق الأوسط. كما يحتاج كل منا إلى الأخر على المستوى السياسي أيضا. إن الجوار التركي هو جوارنا؛ والمشاكل التي تواجهها مشاكلنا أيضا. ولا شك أن الفوائد الأمنية والمزايا الاستراتيجية التي سوف تعود على الاتحاد الأوروبي بحصول تركيا على العضوية الكاملة كثيرة، بداية بالعلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلنطي، الذي التحقت تركيا بعضويته منذ فترة طويلة.

وعلى نحو مماثل، سوف تصبح مشاركة الاتحاد الأوروبي في حل مشاكل اليوم في منطقة البحر الأبيض المتوسط أسهل كثيرا إذا تمت بالتنسيق مع تركيا. وفي البوسنة والهرسك يشكل التعاون بين الاتحاد الأوروبي وتركيا أهمية جوهرية في التوصل إلى حل دائم.

في عام 1999، لم تكن تركيا راغبة في الترشح للالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، وذلك لأن قادتها تصوروا أن الشروط سوف تكون بالغة الصعوبة. ولقد كنت حاضراً في تلك الفترة؛ فتحدثت مع رئيس الوزراء بولنت أجاويد في منتصف الليل، ثم تحدثت مع الرئيس سليمان ديميريل،. ثم بعد يومين كان أجاويد في هلسنكي لكي يعلن رسمياً عن رغبة تركيا في الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي. وآنذاك قلنا: "سوف تصبح تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي". ولقد أيدت التوقيع على تلك الوثيقة؛ وسوف أفعل نفس الشيء اليوم.

في هذه الأوقات العصيبة التي لا يمكن التكهن بأحداثها ولكنها رغم ذلك عامرة بالأمل، يحتاج العالم إلى العمل المشترك بين تركيا والاتحاد الأوروبي. وهذا لا يعني تدبير اللقاءات والاجتماعات من حين إلى آخر لاتخاذ القرار فيما يتصل بكيفية التعامل مع مشكلة ما، بل يعني شيئاً أشد عمقاً وتحديدا. إنه يعني قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي. هذا هو حلمي، وسوف أستمر في الكفاح حتى يتحول إلى حقيقة واقعة.


خافيير سولانا الممثل السامي للاتحاد الأوروبي لشئون السياسة الخارجية والأمن سابقا، والأمين العام الأسبق لمنظمة حلف شمال الأطلسي، وكبير زملاء السياسة الخارجية بمعهد بروكينجز، ورئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والعلوم الجيوسياسية.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

تركيا بين الصد الأوروبي والضغط الأميركي
صالح السنوسي

تبدل الزمن وتغيرت الأحوال ولم تعد تركيا بالنسبة للولايات المتحدة والغرب حليفا إستراتيجيا ومثاليا لا يمكن الاستغناء عنه، لم تعد تركيا كما كانت في السابق العضو الآسيوي الأوروبي الأهم في حلف شمال الأطلسي وصاحب العلم الشهير والوحيد الذي يحمل هلالا ونجمة بين أعلام الحلفاء الأخرى الملونة والمزركشة التي يحمل بعضها صلبانا.

"الغرب الذي لا يعترف بالمكافآت المجزية جعل من تطلع تركيا إلى نيل جائزة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حلما يزداد استحالة كلما أصر الأتراك وصمموا على تحقيقه، حتى أصيب صانع القرار التركي بالدوار والعصبية وعدم السيطرة على رد الفعل"

ولعله هو العلم الوحيد أيضا الذي كثيرا ما أخفق في مواجهة بعض تلك الأعلام في معارك تاريخية دامية أكثر مما أخفق إلى جانبها في معارك مشتركة. لقد حدثت متغيرات عالمية وأخرى داخلية تركية، لم يعد بالإمكان تجاهلها ولا القفز فوقها مهما حسنت نوايا الأتراك ومهما امتد بساط التسامح من جانب الغربكان انهيار الاتحاد السوفياتي إيذانا ببدء تراجع الدور التركي في إستراتيجية الولايات المتحدة والغرب، بعدما لعبت سياسة التحالف والتطويق التي انتهجتها الولايات المتحدة الأميركية ضد الاتحاد السوفياتي دورا هاما في إعطاء تركيا مكانة خاصة لم يحظ بها أي عضو آخر في إستراتيجية الحلف.

وقد كانت تركيا هي الحليف الوحيد الملاصق للاتحاد السوفياتي، ولعل أحد ثمار ذلك الموقع ما جنته الولايات المتحدة في البند الذي لم يعلن رسميا في حينها ضمن الاتفاق الشهير بين الرئيس كينيدى ونكيتا خروتشيف إبان أزمة الصواريخ الروسية، إذ تم الربط في ذلك البند بين تفكيك الصواريخ السوفياتية في كوبا وبين عدم نصب صواريخ أميركية في الأراضي التركية.بعد انتهاء الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو أصبح حلف شمال الأطلسي أكبر منظمة عسكرية عابرة للقارات, يتسابق الكثيرون في الانضمام أليها وخصوصا الأعضاء السابقون في حلف وارسو.وقد أخذ بعض جيران تركيا الأكثر قربا إلى حدود روسيا الاتحادية يضعون أراضيهم تحت تصرف الولايات المتحدة والحلف في مقابل زهيد إذا ما قورن بما تطالب به تركيا الغرب وما تطمح إليه، بل كان البعض من جيرانها يدفعون مقابلا سخيا إلى جانب تكاليف انتشار القوات الأميركية فوق أراضيهم دون أن يطلبوا شيئا سوى أمن حكوماتهم واستمرارها.لقد توسع الحلف وتعولم متجاوزا المفهوم الجيو إستراتيجي التقليدي لموقع تركيا وتعددت مهامه حتى أصبح الكثير منها يتصادم مع المصالح التركية الحيوية.

وأدرك الأتراك هذا التبدل منذ بدايته فحاولوا البحث عن بديل يؤمن لتركيا وضعا أفضل في عالم تغيرت فيه قواعد اللعب وتسارعت فيه المتغيرات، فوجدوا في عضوية الاتحاد الأوروبي حلا يحقق الكثير من الطموحات كما يعتبر مكافأة مجزية لنهاية خدمة أدتها تركيا لأكثر من نصف قرن باعتبارها عضوا مهما في حلف شمال الأطلسي وفي منطقة من أكثر مناطق الإستراتيجية الغربية حيوية وأهمية.غير أن الغرب الذي لا يعترف بالمكافآت المجزية جعل من تطلع تركيا إلى نيل هذه الجائزة حلما يزداد استحالة كلما أصر الأتراك وصمموا على تحقيقه، فبدأت حلقة مفرغة من الشروط المتوالدة بعضها من بعض، أصابت صناع القرار التركي بالدوار والعصبية وعدم السيطرة على رد الفعل.

"رفض الأتراك الدخول في المشروع الأميركي في العراق لأن غزو العراق قد يؤدي إلى تفتيته ويفتح الباب أمام ظهور دولة كردية ستدفع تركيا نصف ثمنها من أراضيها وسيادتها"

ولعل تلك هي النتيجة التي أرادها الأوروبيون لكي ينطبق على تركيا مثلنا الشعبي القائل "يموت الملسوع وما جاه الخرتيت"، أي يموت الملدوغ من السم قبل أن يصل أليه الترياق.الاتحاد الأوروبي أيضا جرى له ما جرى للحلف فقد تمدد وتوسع في فترة زمنية قصيرة ولم يعد ناديا لأغنياء أوروبا الغربية فقط، بل دخلت إليه دول أوروبية فقيرة اكتسحت عمالتها -رغم التقنين والقوانين- أسواق العمل والفرص في الدول الغنية, وأصبح الكثير من أبناء هذه البلدان يعربون عن قلقهم وعدم ارتياحهم لهذا التدفق البشرى وهذا الزحام.ولذا فإن الاستعجال التركي لم يقابله أي تحمس من جانب الأوروبيين الذين بدؤوا يجدون صعوبة في التسامح مع أبناء حضارتهم من الأوربيين الشرقيين الذين يشبهونهم حتى في لون بشرتهم وشعرهم وعيونهم، فما بالك بالأتراك الذين هم في المخيال الشعبي الثقافي والتاريخي الأوروبي شرقيون مسلمون فقراء أجلاف وأيديهم ثقيلة الوقع على النساء.كان للغزو الأميركي للعراق أثر هام على العلاقة الأميركية التركية من ناحية وعلى لعبة الصد الأوروبي تجاه تركيا من ناحية أخرى وذلك من خلال تكشف حقيقتين.

الأولى هي أن النفوذ الأميركي مهما بلغت قوته لا يستطيع أن يضمن متى شاء مكانا لتركيا في الاتحاد الأوروبي, حيث فشلت ضغوط الإدارة الأميركية من أجل تخفيف الشروط والتسريع بانضمام تركيا إلى الاتحاد، وذلك في إطار الإغراء الذي حاول الرئيس الأميركي أن يقدمه للأتراك من أجل أن يضعوا بلادهم تحت تصرف قوات الغزو إبان الإعداد لغزو العراق.

الثانية أنه اتضح أن ما بين المصالح الأميركية والمصالح التركية من تناقض أكبر بكثير مما بينهما من اتساق، إذ رفض الأتراك المشاركة في هذا المشروع، لأنهم رأوا فيه نذيرا بتهديد الأمن التركي لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الأولى، لأن غزو العراق قد يؤدى إلى تفتيته ويفتح الباب أمام ظهور دولة كردية ستدفع تركيا نصف ثمنها من أراضيها وسيادتها.

"الضغط والتلويح بإمكانية إيقاظ كل خلايا السقم في جسم الدولة التركية يعد في نظر الولايات المتحدة وسيلة ناجحة لجعل الأتراك يدركون هشاشة ما تحت أقدامهم ويقلعون عن عادتهم الجديدة في الوقوف جهارا نهارا في وجه الرغبات والنزوات الأميركية"

منذ أن وضع أول جنود المارينز قدمه على الأراضي العراقية بدأت شقة الخلاف بين المصالح التركية والأميركية تزداد تباعدا كل يوم إلى أن وصلت إلى مرحلة إعداد قرارات واستصدارها من الكونغرس حول قضايا تعتبرها تركيا من صميم سيادتها وتدخلا في شؤونها الداخلية, بينما ترى فيها الولايات المتحدة جزءا من مسؤوليتها الأخلاقية العالمية.لا شك في أن لعبة الشد المفتعلة بين الكونغرس والرئاسة الأميركية حول قضية الأرمن، إلى جانب تصاعد العمليات العسكرية لحزب العمال الكردستانى تدخل جميعها في سياق الضغط على تركيا وتذكيرها بأنها -رغم قوة جيشها- دولة هشة على صعيد التركيبة السكانية، وأنها ليست في مأمن من مخططات التجزئة والتفتيت في المنطقة التي حولها ما لم تبد انصياعها التام لمتطلبات الإستراتيجية الأميركية في المرحلة القادمة التي يبدو أهمها هو ما يجري إعداده ضد إيران.فبالرغم من أن تركيا قد لا تفضل رؤية إيران دولة نووية, فإنها قد تتخذ الموقف نفسه من غزو العراق ولا ترى من مصلحتها القومية المشاركة في الحرب التي تقرع طبولها في الغرب وفي المنطقة.ولذا فإن الضغط والتلويح بإمكانية إيقاظ كل خلايا السقم في جسم الدولة التركية يعد في نظر الولايات المتحدة وسيلة ناجحة لجعل الأتراك يدركون هشاشة ما تحت أقدامهم ويقلعون عن عادتهم الجديدة في الوقوف جهارا نهارا في وجه الرغبات والنزوات الأميركية.

المصدر:الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /01-12-2011, 03:35 PM   #17

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تركيا والاتحاد الأوروبي ـ الكبرياء التركية أهم من العضوية؟

تركيا والاتحاد الأوروبي ـ الكبرياء التركية أهم من العضوية؟

تركيا: قنطرة سياسية بين الشرق والغرب؟

مازالت مسألة انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي مثار جدل واسع بين الأوروبيين. فالبرلمان الأوروبي رفع سقف شروطه والأتراك لن يتنازلوا عن كبرياءهم من أجل أوروبا، الأمر الذي يجعل من المشروع الأوروبي حلما صعب التحقيق.

لا شك أن الشروط الجديدة التي وضعها البرلمان الأوروبي على انضمام تركيا ـ وان كانت غير ملزمة لحكومات الدول الأعضاء ـ احدثت خدشا ظاهرا في كبرياء الشعب التركي، هذا الشعب الذي مازال يعيش في ظلال الماضي القريب عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تحكم شرقا وغربا حتى وصلت إلى أبواب فيينا. ومن يدرك مدى تشبث الأتراك بقوميتهم وكبرياءهم، يمكن أن يتفهم الرفض التركي القاطع لأي شكل من أشكال الانضمام المنقوص الى الاتحاد الأوروبي كفكرة "الشراكة المميزة" التي تدعمها الأحزاب المسيحية المحافظة في ألمانيا والنمسا.

تركيا ودورها في استقرار اوروبا

لطالما كانت عملية توسيع الاتحاد الأوروبي واحدة من أهم نجاحاته بحيث جلبت الاستقرار والديمقراطية الى بقاع تلك القارة. فمن خلال التوسع شرقا وضم بولندا ودول البلطيق وهنغاريا، تمكن الاتحاد من توسيع دائرة الأمن الجغرافي والجيوسياسي للدول المؤسسة للاتحاد في أوروبا الغربية. وعلى الرغم من عدم وجود تباين في مواقف الأحزاب الأوروبية الكبرى بشأن أهمية التوسع شرقا من الناحية الاستراتيجية، الا أن الأمر يختلف مع تركيا، أكبر وأهم بلد يتقدم بطلب العضوية فيه حتى الآن.


مسجد وكنيسة وكنيس في مبني بجانب بعضها البعض في تركيا العلمانية

لقد أثبتت هجمات11 سبتمبر/ أيلول في نيويورك وواشنطن اضافة الى عمليات مدريد ولندن أن إشراك بلد مسلم كبير في "النادي الأوروبي" لم يعد مجرد مسألة مساعدة بلد مهم استراتيجيا على مواجهة تحديات الحداثة والدمقرطة فحسب، بل هو يمثل أيضا اختبارا فيما اذا كان الغرب عموما راغب في تشجيع إسلام ديمقراطي وعصري قادر على استيعاب التوجهات المتطرفة في إطار القانون. لذلك يرى الكثير من المراقبين ان فشل عملية انضمام أكبر بلد إسلامي علماني إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يحدث نوعا من التباعد الثقافي ويجعل الهوة ما بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية الغربية أكبر مما هي عليه الآن. كما أن من شأن ذلك أن يجعل الاتراك يتجهون الى إقامة تحالفات أخرى مع روسيا أو إيران مثلا. من المؤكد أن تركيا ليست بلدا ديمقراطيا بالمفاهيم الغربية، والعرب مثلا لا ينظرون اليها على انها مثالا يحتذى به في الشرق الاوسط، غير ان كثيراً من العرب سينظرون الى رفض عضوية تركيا كنفاق او حتى عنصرية من جانب الغرب.

مخاوف قد تكون مبررة

سألت صحيفة "فاينانشال تايمز دويتشلاند" أحد سكان برلين يوما عن رأيه في انضمام تركيا الى الاتحاد فأجاب قائلا: "انا ضد دخول تركيا الاتحاد الأوروبي، فطريقة حياة الاتراك وديانتهم لا تتناسبان مع حياة الأوروبيين." قد يبدو هذا صحيحا، ولكن من قال أن طريقة حياة القبارصة واليونانيين والبرتغاليين تشبه نظيرتها في برلين ولندن وباريس مثلا. كما أنه ليس من المطلوب أن يغير أي عضو من أعضاء الاتحاد الأوروبي ديانته أو أسلوب حياته ليصبح عضوا في الاتحاد، بل عليه أن يلتزم ببعض القيم الإنسانية التي يمكن أن يجدها المرء في أي دين وفي أية ثقافة.

لكن من الواضح أن تركيا مشكلة خاصة، فالأمر لا يتعلق بدولة لا يتعدى عدد سكانها بضعة ملايين، وانما الحديث هنا عن واحدة من أكبر الدول "الأعضاء" في الاتحاد. وبحلول عام 2015 سيتجاوز عدد سكانها سكان ألمانيا، أكبر الدول الأعضاء من حيث عدد السكان، ما سيكون له تبعات تثير القلق على وزنها في عملية التصويت وفي تمثيلها في الاتحاد. وهناك مسألة أخرى وهي أن الاتحاد الأوروبي ينفق غالبية أمواله على الزراعة وتقديم المساعدات الى المناطق الفقيرة في الدول الأعضاء وتركيا تحتاج الى الاثنين بصورة كبيرة، الأمر الذي سيثقل الميزانية الأوروبية التي تعاني أصلا من مشاكل تمويلية خطيرة وتحتاج الى إصلاحات جدية مع أو بدون تركيا.

معطيات غير مبشرة

تتجه انظار متابعي الملف التركي يوم الاثنين القادم الى بروكسل حيث ستبدأ محادثات الانضمام التي يتوقع لها أن تستمر فترة طويلة من الزمن. قراءة متأنية ومتروية للمعطيات الحالية توحي بأن فرص نجاح المفاوضات محدودة وخصوصا بعد فشل التصويت على دستور الاتحاد في فرنسا وهولندا واحتمالية خسارة تركيا لحليف قوي في الاتحاد وهو الحكومة الألمانية المتمثلة في تحالف الاشتراكيين الديمقراطيين بزعامة شرودر والخضر بزعامة فيشر. يذكر أن تركيا تقدمت أول مرة بطلب العضوية في المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1959 وفي عام 1963 وقع الطرفان اتفاقية ارتباط تقبل ضمناً ترشّح تركيا. وفي عام 1995 أصبحت تركيا طرفاً في الاتحاد الجمركي. وفي عام 1999 قبل الاتحاد الأوروبي طلب تركيا للترشح لعضويته.

ناصر شروف / دويتشه فيله

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


تركيا بين خيار الهوية الإسلامية والذوبان الأوروبي
هل تدخل تركيا في المنظومة الأوروبية أو بعبارة أدق هل يسمح لها بالدخول؟

هذا السؤال لم يزل يحير القادة الأتراك منذ عقد الستينيات، ولم تفلح كل المحاولات وكل الجهود في ضمان دخول سريع لتلك المنظومة الأوروبية التي يتزايد تأثيرها وترتفع أهميتها يوما بعد يوم. أوروبا لم تعد تلك المنظومة المتقاتلة والمتناحرة بل هي كيان ضخم لا يضاهيه في القوة إلا أميركا وقد يفوق الأخيرة على النطاق الاقتصادي، ولا عجب إذن أن تطمح تركيا لأن تدخل هذا النادي النخبوي على أمل أن تحقق فيه منافع ومكاسب وأهدافا أخرى.لكن المشكلة التي تعترض عملية الدخول صعبة ومعقدة ومركبة في آن معا لكن يمكن اختصارها بمعادلة بسيطة تتمثل في ما يسمى عقدة التجاهل وسياسة التستر.فتركيا تتجاهل أنها دولة مسلمة وتحاول إقناع أوروبا أنها علمانية وأوروبية مثلها مثل غيرها، وأوروبا تتستر على هذا التجاهل وتسايره وتحاول أن تؤكد هي الأخرى أنها علمانية ومنفتحة وليبرالية.

"يمكن تفهم بعض الشروط الأوروبية المفروضة على تركيا مثل قضايا حقوق الإنسان، لكن ما لا يمكن فهمه أن تصبح عملية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي مشروطة بالتخلي عن معتقدات في صميم دين الفرد"

وهذا على ما يبدو صميم المشكلة، فلا أوروبا حسمت قرارها ولا تركيا اختارت هويتها، وكان الناتج التضارب في الأقوال والتستر وراء أقنعة زائفة.السادس من أكتوبر/ تشرين الأول القادم سيكون حاسما لتركيا، لأن المفوضية الأوروبية ستقرر ما إذا كانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد وفت بالشروط أم لا، إن وفت بالشروط فسيحال الأمر عندها إلى زعماء الاتحاد في اجتماعهم القادم في ديسمبر/ كانون الأول لإعطاء الإذن بفتح مفاوضات الانضمام للنادي الأوروبي.لكن قرار البدء بالمفاوضات لا يعني أبدا القبول الحتمي لتركيا، بل قد يستغرق الأمر سنوات إن لم يكن عقدين من الزمن، ولذا لم يكن غريبا أن يشتد التراشق بين الطرفين ويتابعا سياستي التجاهل والتستر.

حدثان وقعا مؤخرا يسترعيان الانتباه هما مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية وتصريح المفوض الأوروبي الهولندي فريتز بولكشتاين، الحدثان يؤكدان صراحة أن سياسة التجاهل التركية والتستر الأوروبية لن يكتب لهما الاستمرار لأن تركيا وإن اختارت التجاهل طواعية فإنها تبقى محكومة في النهاية بمنطق الواقع وقوة التاريخ.وأوروبا لن تستطيع هي الأخرى المضي قدما في سياسة التستر لأن المواجهة مع الحقائق ستجبرها على التخلي عن تلك السياسة وإعلان ما تضمره علانية، وهذا أمر منطقي لأن السياسة غير الواقعية والصريحة تصبح طلاء سرعان ما يتفتت أمام وهج الشمس وحرارتها الحارقة.

لا أحد ينكر أن تركيا دولة مسلمة ولا أحد يتجاهل أن حزب العدالة والتنمية حزب إسلامي يؤمن بالإسلام ويرى وإن بطرق ملتوية أن الشعب مؤمن ومسلم، وبالتالي لا ضير من إدخال تعديلات قانونية على يد حكومة تدعي على استحياء أنها إسلامية وبقوة أنها ديمقراطية تجسد قناعات الشعب وتستجيب لعقيدته وإيمانه.ويدرك الجميع أن الشعب فرضت عليه في العقود الكثيرة المنصرمة علمانية لا تحبذها الأكثرية منه وإنما تتعايش معها بواقع قوة العسكر ومنطق الأمر الواقع، لذلك يعرف حزب العدالة والتنمية تماما أن أي سياسات يتبناها يجب أن تستجيب على الأقل لتطلعات وطموحات هذا الشعب، وكذلك أن تراعي في الوقت نفسه حساسيات العسكر، وإلا فإن قادته في أحسن الأحوال سيجبرون بالقوة على الخروج من السلطة وفي أسوئها سيكون مصيرهم لا يختلف عن مصير رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس.هذه الموازنة أتقنها حتى الآن حزب العدالة إتقانا تاما، وهذه إيجابية تسجل له، إذ استطاع أن يقلص دور العسكر تحت شعار الديمقراطية ويحسن شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتمكن من إدخال إصلاحات كثيرة كان من الصعب تخيلها في الماضي مثل إعطاء حقوق محدودة للأكراد وإصلاحات في مجالات حقوق الإنسان.

لكن المشكلة لم تعد الآن تكمن في العسكر أكثر مما تكمن في أوروبا حين بدأت أوروبا وبتزايد سياسة الضغط غير المنطقي على تركيا لحملها على التخلي عن قضايا تعتبر في صميمها من صلب الهوية التركية.قد يمكن تفهم بعض الشروط الأوروبية المفروضة مثل قضايا حقوق الإنسان لكونها قيما عالمية يتوافق عليها البشر من منطلقات إنسانية ومثل قضايا تجارية تتطلب الانصياع لمواصفات معينة حرصا على الصحة العامة أو المنافسة العادلة، لكن ما لا يمكن فهمه أن تصبح عملية الدخول إلى تركيا مشروطة بالتخلي عن معتقدات ذاتية في صميم الفرد وجوهر اعتقاده.

فعندما قررت حكومة حزب العدالة والتنمية تعديل قانون الأحوال الشخصية لتجعل جريمة الزنا جرما يعاقب عليه القانون، لم يعترض العسكر وإنما أوروبا. إذ أعلنت أوروبا بوضوح وعلى لسان المفوضية الأوروبية وغيرها من الساسة البارزين أن إقرار هذا القانون يضر بتركيا ويؤخر عملية انضمامها إلى النادي الأوروبي.هذا التجريم هو برأي صانعي قرار النادي الأوروبي أمر عفا عليه الزمن ولا ينسجم مع قيم ومثل أوروبا الحديثة، فأوروبا الحديثة لا ترى في المعاشرة الجنسية ضيرا ولا ترى أن المجتمع التركي يجب أن يعارضها لأن معارضته تثبت أنه بعيد عن قيم أوروبا ومثلها.

لقد اختارت أوروبا أن تطرح الدين -كما ترى- جانبا، وعلى تركيا فعل الشيء نفسه لكي تستحق ما هو أقل من الدخول في أوروبا أي مجرد الخطو باتجاه البوابة الأوروبية.الغريب أن الاعتراض الأوروبي لم يأت من أشخاص معروفين بعدائهم لدخول تركيا للاتحاد إنما من قيادات داعمة لتركيا وتحبذ دخولها مثل بريطانيا، فوزير الخارجية البريطاني المعروف بتفهمه للإسلام، الذي ينتخب في دائرة انتخابية فيها نسبة كبيرة جدا من الناخبين المسلمين، أعلن أن هذا القانون سيضع صعوبات أمام آمال تركيا لدخول الاتحاد.كذلك أعلن مفوض توسيع الاتحاد الأوروبي فرهاغين الموكل إليه وضع تقرير عن مدى تقدم تركيا أن القانون قد يفهم في أوروبا على أنه إعطاء أولوية للتيارات الإسلامية.

"تركيا المسلمة التي تطبق قوانين إسلامية تعيد إلى الذاكرة ماضيا مريرا لا يمكن الترحيب بها في المنظومة الأوروبية على الإطلاق"

لماذا يا ترى جن جنون أوروبا؟ ليس لهذا تفسير إلا سياسة التستر، فأوروبا التي تؤمن بالتعددية والحرية المطلقة للناخبين لا يمكنها أن ترى وسطها كيانا تختار أكثريته إسلاما يعتبر في حقيقته منافسا للتفوق الأوروبي.وليس بمستطاعها أن تنكر ذلك علانية فكان اللجوء إلى التستر والتخفي تحت شعارات القيم الأوروبية واعتبار أن هذا القانون يلغي الحرية الفردية ويدخل الدين في إطار الحياة العامة وهو ما لا تقبله أوروبا.لكن ما هو معروف لدى الجميع أن القوانين ليست إلا انعكاسا لرغبات المواطنين وقيمهم، ولا يشك أحد بأن أكثرية الشعب التركي تدين بالإسلام وترغب بتطبيق ما تؤمن به، لذلك فإن الإصرار على إجهاض مشروع تعديل القانون على عكس ما تدعيه أوروبا هو نفسه إلغاء للحرية الفردية والقيم التي يدين بها المجتمع.

كما أن هذا الإصرار لا يفهم إلا على أنه استعلاء ورفض للقيم الإسلامية ودفعها إلى الانسحاب من الحياة العامة وإحلال قيم أوروبا ومثلها مكانها، وكان الأحرى أن تطالب أوروبا باستفتاء على القانون، كما تفعل في بلدانها، لترى ما إذا كان الشعب التركي يؤيده أم لا، لكنها لم تفعل واختارت بدلا من ذلك سياسة التستر والتخفي.أما تركيا فتابعت هي الأخرى سياسة التجاهل ووجدت في الاعتراض قضية يمكن تفهمها والتعامل معها من واقع عقلاني يسمح في النهاية بالتراجع عن بند التجريم في هذا القانون.وقد أعلن مسؤول تركي في معرض تعليقه على سحب المشروع "المشروع كان سقطة آنية غاب فيها العقل ونأمل الآن أننا تجاوزناها". أما رئيس الوزراء رجب أردوغان فاعتبر أن القانون هو لحماية الزوجات من أزواجهم غير الأوفياء ولم يتجرأ على التصريح بجوهر القانون وبأنه استجابة لتطلعات الناس، إنما اختار توصيفه على أنه يضمن للنساء حقوقا أكثر.

وهنا تبرز المشكلة الحقيقية لسياسة التجاهل التركية التي لا تعير الحقائق الدامغة أي اهتمام وتحيل كل عقبة إلى تأويلات وتخريجات آنية.فعندما صرح المفوض الأوروبي للسوق الأوروبية الموحدة، فريتز بولكشتاين بأن قبول تركيا في المنظومة الأوروبية معناه التفريط بدماء وأرواح الذين دافعوا عن فيينا عام 1683 أمام الزحف التركي الإسلامي، لم تحرك تركيا ساكنا ولم يسارع قادة أوروبا البارزون لإثبات عكس ذلك.بولكشتاين كان يعبر عن وجهة نظر يؤمن بها كثيرون ليسوا فقط شعوب أوروبا وإنما قادة أوروبيون وعلى رأسهم واضع دستور الاتحاد جيسكار ديستان الذي أكد صراحة أن النادي الأوروبي هو ناد مسيحي وبالتالي لا يمكن لدولة إسلامية أن تدخله.

والأخطر أن ديستان نفسه واضع الدستور عمل على وضع بند فيه يجعل من دخول تركيا أمرا فائق الصعوبة، فهذا البند "الأكثرية المزدوجة" كما تقول وزيرة الخارجية الإسبانية السابقة آنا بلاثيو لم يكن بريئا على الإطلاق، إنما كان مصمما لعرقلة دخول تركيا، وذلك بربط دخولها باستفتاء شعبي في دول الاتحاد.يقول ديستان مبررا هذا البند الجديد "الأكثرية المزدوجة" إنه في حال وجود مشروع ضخم كهذا لا بد أن يؤخذ رأي المواطنين فيه.بعبارة أخرى إن مشروعا ينص على قبول تركيا أمر لا يمكن قبوله على الإطلاق، لأن تركيا في نهاية المطاف دولة إسلامية، فإن قبل الزعماء لأسباب تكتيكية ومصلحيه آنية بتركيا فلا بد من عرقلة ذلك بربط القرار بمواطني أوروبا.وبالطبع لم تزل أوروبا هي أوروبا المؤمنة بالقيم المسيحية المخففة عما كانت عليه، ولم يزل الشعب كله يرى أن ما يمارسه من عادات وطقوس هي الأنسب ليس فقط له بل لكل البشر.ولذا فإن بلدا مثل تركيا المسلمة التي تطبق قوانين إسلامية تعيد إلى الذاكرة ماضيا مريرا لا يمكن الترحيب بها في المنظومة الأوروبية على الإطلاق.

ما يخشاه صناع القرار في أوروبا هو امتداد الإسلام البشري في أوروبا، لذا قال بولكشتاين صراحة إن دخول تركيا معناه "أسلمة أوروبا"، فتركيا بتعداد سكانها الضخم الذي يعتبر الثاني بعد ألمانيا تشكل خطرا كبيرا على الهوية الأوروبية، لأن هذا الشعب سينتشر مثل الجراد في أوروبا وبالتالي سيحقق سلما ما عجز عنه أجداده العظام في أوج عزتهم وجبروتهم حربا.كما لم يجد المفوض التجاري الأوروبي النمساوي فرانز فيشلر ضيرا في القول إن تركيا شرقية أكثر منها أوروبية ونحن بحاجة إلى خطة "ب" للتعامل مع تركيا. لكن أوروبا سارعت إلى القول بأن ما يقوله هؤلاء لا يعبر إلا عن رأيهم ولا يعكس على الإطلاق رؤيتها وإنما الذي تريده من تركيا هو الانصياع لشروط الاتحاد التي لا علاقة لها بهذا كله!! إنها سياسة التستر بعينها.

"المسؤولون الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة فاختاروا التجاهل"

رغم كل هذه المعطيات الواضحة تابعت الحكومة التركية سياسة التجاهل فاعتبرت ما قيل ينتمي للماضي ولا صلة له بالحاضر، فقد أعلن السكرتير الأول في بروكسل عاصمة الاتحاد رادا على هؤلاء "آسف العالم كله تغير" بمعنى أن هؤلاء لا يزالون يعيشون في الماضي ولا يفهمون الحاضر!! ولكن الحقيقة المرة أن المسؤولين الأتراك يعرفون تماما أن ما تطلبه أوروبا منهم غال وصعب وليس بالوسع طرحه على الشعب للمناقشة، فاختاروا التجاهل واعتبار أن ما قدموه من تنازلات وإصلاحات كفيل بأن يجبر أوروبا على وقف سياسة التستر والتخفي وراء أقنعة وأسباب واهية.قد يكون هذا صحيحا لأن المضي بالتنازلات قد يجبر أوروبا في نهاية المطاف على الوصول إلى الطريق المسدود الذي ليس أمامه إلا طرح سياستها والقبول بتركيا.

لكن المشكلة تكمن في أنه حتى على فرض أن القرار الذي سيصدر في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول سيكون مؤيدا (وهذا وارد جدا)، وعلى فرض أن الزعماء الأوروبيين وافقوا في ديسمبر/ كانون الأول على فتح المفاوضات مع تركيا (وهذا صعب للغاية) فإن تركيا لن يكون بوسعها الانضمام حقيقة إلا عام 2025.هذه المدة الزمنية طويلة جدا ومرهونة بتطورات قد تقلب الأمور كلها رأسا على عقب إضافة إلى أنه آنذاك لن تفيد تركيا من الاتحاد كثيرا، لأن عصر المعونات الاقتصادية يكون قد ولى بموجب عولمة الاقتصاد وشروط منظمة التجارة العالمية. لكن مقابل هذا كله ستجد تركيا نفسها ترمي شيئا فشيئا تاريخها وهويتها.كما أن من سلبيات هذه السياسة سلب الشعب تطبيق ما يؤمن به ما يخلق على المدى البعيد مجتمعا منقسما على نفسه وشعبا لا تجمعه ضوابط حول هويته.تركيا بسياسة التجاهل هذه قد تصل إلى ما يسمى لحظة الحسم مع أوروبا لكنها ستجد آنذاك أنها تنازلت عن الكثير وحققت القطيعة مع الإسلام مقابل حلم الدخول في ناد أوروبي يصر قادته على أنه ناد مسيحي!!
___________________
أحمد محمود عجاج / كاتب لبناني
المصدر:الجزيرة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


أوروبا والإسلاميون الأتراك.. من يرفض الآخر؟

ـ تفاعلات الحدث على الصعيد الأوروبي
ـ محددات الموقف الأوربي الراهن
ـ آفاق تجربة غير مسبوقة

لم يكن فوز حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي في الانتخابات التركية الأخيرة مفاجئا للمراقبين، ذلك أن جميع المؤشرات كانت تدل على أن الحزب الذي يقوده رجب طيب أردوغان يمتلك كل الفرص للتقدم على منافسيه، غير أن ما لم يكن يتوقعه المراقبون -وربما لم يكن ينتظره حتى زعماء الحزب ومناضلوه- هو أن يفوز بأغلبية مطلقة مريحة من النواب وأن يقصي من البرلمان أبرز الخصوم التقليديين للتيار الإسلامي سواء داخل التحالف الحاكم أو في حزب الطريق القويم. لذلك ترددت أصداء هذا الاختراق الانتخابي، التاريخي بكل المقاييس، واجتذب قدرا كبيرا من الاهتمام على أكثر من مستوى، وكما يحصل في كل مرة يحقق فيها الإسلاميون تقدما فإن هذا الحدث استدعى نقاشا يتجاوز حدود سياقه السياسي الخاص، لا سيما في الغرب حيث أثار جدلا مفتوحا حول الإسلام وعلاقته بالديمقراطية والعالم الإسلامي وصلاته بالغرب ... إلى غيرها من الموضوعات المعهود طرقها في مثل هذه المناسبات، وأحيا الحدث، بصورة خاصة، نقاشا قديما متجددا حول مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وفى كل الأحوال لم يعد الأمر -في ما يخص الموقف الأوروبي- أن كان مناسبة أخرى لإعادة إنتاج الخطاب التقليدي الذي يتأرجح بين تأثير المبادئ المعلنة والمصالح المتغيرة والتصورات الثقافية المترسبة.إن فهم ردود الفعل الأوروبية على فوز الإسلاميين الأتراك لا يكتمل إلا باستعراض المحددات الأساسية المؤثرة في تشكيل الموقف الأوروبي، والتي يعد استحضارها ضروريا أيضا قبل أي تأمل حول مستقبل العلاقات بين الطرفين.

تفاعلات الحدث على الصعيد الأوربي

موقف المؤسسات الرسمية: بادرت اللجنة الأوروبية إلى الإعلان عن "الاستعداد للتعاون" مع أنقرة، مؤكدة في الوقت نفسه تمسكها بضرورة مواصلة الإصلاحات التي أدخلت في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.ومن جهته صرح خافيير سولانا، ممثل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بأن من الخطأ اتخاذ قرارات أو الإدلاء بتصريحات على أساس الطبيعة الإسلامية لحزب ما، واعتبر أن الحكومة التركية المقبلة ينبغى تقييمها على أساس ما ستفعله، لكن الاتحاد الأوروبي يجب أن يمنحها الثقة من حيث المبدأ.

موقف البلدان الرئيسية:

· في فرنسا صرح الناطق باسم وزارة الخارجية فرانسوا ريفاسو بأن نتائج الانتخابات التركية تعبر عن رغبة في إحداث "تغيير سياسي هام"، في حين اعتبر رئيس الحكومة أن تقييم التجربة ينبغى أن يتم على أساس نتائج أداء الحكومة المقبلة.
· أما رئيس الوزراء البريطاني تونى بليرالسلبق فقد أعلن أنه سيكون مسرورا بالتعامل مع الحكومة الجديدة، معبرا عن ارتياحه للتصريحات المشجعة التي أطلقها حزب العدالة والتنمية بعد فوزه.
· وفى بلجيكا دعا وزير الخارجية لويس ميشيل السيد أردوغان إلى تجسيد مواقفه الأوروبية ومواصلة إنجاز الإصلاحات الدستورية وصولا إلى تحقيق الشروط المطلوبة لدخول الاتحاد.
· من جهتها أعلنت الحكومة الألمانية أنها "لاحظت بارتياح المؤشرات الإيجابية الأولية" وأنها تأمل في وجود "حكومة مستقرة" بأنقرة.
· أخيرا، تمنت وزيرة خارجية إسبانيا أن تكون الحكومة التركية المقبلة "إسلامية معتدلة حقيقة"، واعتبرت أنه لا يوجد "أي مانع" من انضمام بلد إسلامي معتدل مثل تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

”يلاحظ أن الخطاب المستخدم من جانب الأوروبيين بشأن الموقف من فوز العدالة والتنمية عمد في الأغلب إلى التقليل من أهمية الصفة الإسلامية للحزب الفائز”

تصريحات جيسكار ديستان: في أجواء فوز الإسلاميين الأتراك عبر فاليرى جيسكار ديستان رئيس الجمعية التأسيسية حول مستقبل أوروبا، في تصريحات نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية (بتاريخ 8/11)، عن آراء لا تعتبر خارجة عن النغمة السائدة فحسب، بل إنها أيضا تبدو مخالفة تماما للموقف الأوروبي المعلن بشأن مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد، حيث اعتبر أن تركيا لا تنتمي إلى الكيان الأوروبي، بل ذهب إلى حد القول إن انضمامها سيعنى نهاية المشروع الأوروبي، مذكرا بأن أكثر المتحمسين لدمج تركيا هم "خصوم الوحدة الأوروبية"، وذلك في إشارة ضمنية إلى بريطانيا.

دلالات ردود الفعل الأوروبية: يمكن ملاحظة أن الموقف الأوروبي اتسم بطابع الترحيب المتحفظ وهو ما يمكن استخلاصه من مختلف التصريحات الصادرة عن المؤسسات الاتحادية والحكومات الأوروبية، ويلاحظ أن الخطاب المستخدم عمد في الأغلب إلى التقليل من أهمية الصفة الإسلامية للحزب الفائز، ويتم ذلك إما عبر نفي الدلالات المثيرة التي يميل الإعلام الغربي عادة إلى ربطها بالصفة المذكورة وإما من خلال التأكيد على أن الاتحاد يعتمد في اتخاذ مواقفه على جملة من المعايير والاعتبارات الموضوعية وأنه لا يبني مواقفه من هذا الطرف أو ذاك على أساس المرجعيات الدينية والثقافية.

واضح أن هذا المسلك يحقق وظيفتين مهمتين للحكومات والمؤسسات الاتحادية الأوروبية:

الأولى: تتمثل في الالتزام بحدود ما هو مقبول في الخطاب السياسي، وهو مطلب يتأكد بصورة استثنائية في الظروف الراهنة المتسمة بتصاعد نبرة الحديث عن صراع الحضارات وعن العداء الغربي للإسلام، خصوصا أنه لا تزال في الأذهان الآثار السلبية لزلات اللسان (؟) التي تضمنتها تصريحات أكثر من مسؤول غربي على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

الثانية: توجيه رسائل تطمين في اتجاهات مختلفة مما يسمح بتهدئة العواطف واكتساب الوقت لصياغة موقف مدروس ومنسجم إزاء الشركاء الجدد، بعيدا عن أجواء الصدمة الناتجة عن المفاجأة الانتخابية التي جاءت في ظروف تتسم بالتعقيد على أكثر من صعيد.

غير أن ردود الفعل الأوروبية، وفى انتظار بلورة مثل هذا الموقف، تضمنت نوعا من التحذير المبطن الموجه نحو الإسلاميين. ويتجلى هذا التحذير في كون معظم التصريحات تواتر فيها الإلحاح على أن الاتحاد معني بتقييم الأفعال أكثر من اهتمامه بتتبع الأقوال. وفحوى هذا الخطاب أنه لن يكتفي من حزب العدالة والتنمية بإعلان نواياه الحسنة تجاه أوروبا بل سيكون مطلوبا منه أن يبرهن على استعداده للتأقلم مع النموذج الأوروبي. ولهذا التنبيه صلة أيضا بالتلميح المتكرر إلى ضرورة استحضار الطبيعة العلمانية للاتحاد.هذا التردد الذي يطبع الموقف الأوروبي الراهن يعود إلى تعدد وتعقيد وعدم تجانس مجموع المؤثرات التي تسهم، بشكل أو بآخر، في تحديد هذا الموقف.

محددات الموقف الأوربي الراهن

المؤثرات الثقافية والأيديولوجية: إن رواسب الإرث التاريخي للنظرة الغربية للعالم الإسلامي لا تزال قوية ويتعين الأخذ في الاعتبار أن صعود الإسلاميين في تركيا لا يمكن إلا أن يعيد إلى الذاكرة الأوربية، المسكونة بأوهام الخطر الإسلامي، عهودا تاريخية ممتدة من الحضور القوي للإسلام ممثلا بالإمبراطورية العثمانية. وإذا كانت كلمة "تركي" لا يزال لها، إلى الآن، وقع قوي في اللغة اليومية وفي المخيلة الجماعية لمعظم شعوب غرب المتوسط، فلا غرابة أن يمثل تقدم الإسلاميين في تركيا مناسبة لاستحضار كل الصور السلبية التي تراكمت على امتداد قرون من التزاحم الثقافي والصراع السياسي والمواجهة العسكرية، خاصة أن قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية تستهويها أجواء المواجهة مع كل ما يمثل الثقافة الإسلامية، وهي لا تعدم من صناع الرأي وأصحاب النفوذ في أقطارها من يرون مصلحة في إحياء الضغائن التاريخية ونفض الغبار عن الصور النمطية، مما يسد كل مسالك الحوار ويلغي كل إمكانات التفاهم.

”لقد أثارت تصريحات جيسكار ديستان جدلا في الأوساط الأوروبية وهي تكشف بوضوح نمط التفكير السائد في بعض الأوساط الأوروبية، وبالتأمل في سياقها نجد أنها جاءت في أعقاب زيارة للفاتيكان علم إثرها أن البابا أكد على ضرورة تضمين الدستور الأوروبي قيد الإعداد إشارة إلى الهوية المسيحية للكيان الأوروبي”

لقد أثارت تصريحات جيسكار ديستان جدلا في الأوساط الأوربية، ورغم أن كثيرين اعتبروها في غير محلها فإنها تكشف بوضوح عن نمط التفكير السائد في بعض أوساط الطبقة السياسية الأوروبية، وبالتأمل في سياق هذه التصريحات نجد أنها جاءت في أعقاب زيارة للفاتيكان علم إثرها أن البابا أكد على ضرورة تضمين الدستور الأوروبي قيد الإعداد إشارة إلى الهوية المسيحية للكيان الأوربي. والواقع أن الفاتيكان ليس الجهة الوحيدة التي تضغط في هذا الاتجاه فقد أصبح معروفا أن الحزب الشعبي الأوروبي يتحرك لتحقيق الغرض نفسه، وقد بات في حكم المؤكد أن الدستور الأوروبي المنتظر سيتضمن ما يفيد أهمية الهوية المسيحية كعامل انسجام بين الدول المكونة للاتحاد.

وفى مقابلة مع صحيفة "البايس" الإسبانية (نشرت في عددها ليوم 8 نوفمبر/ تشرين الثاني) لم ينف رئيس اللجنة الأوروبية رومانو برودى -وهو من المنادين بضرورة تفعيل الحوار مع تركيا- وجود توجه من هذا القبيل، واكتفى بالتأكيد على أن مثل هذه الإشارة لا علاقة لها بإمكانية دخول دول غير مسيحية في الاتحاد وأنها لا تتناقض إطلاقا مع التعددية الدينية. وقد حرص بعض المسؤولين الأوروبيين على المبادرة إلى إطلاق تطمينات من هذا النوع مثل ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الإسبانية آنا بلاثيو التي صرحت غداة ظهور نتائج الانتخابات التركية بأن الاتحاد الأوروبي ليس "ناديا مسيحيا".

إذا أخذنا في الاعتبار وجود تحفظ مبدئي تجاه الإسلاميين عموما وإقامة تعارض مطلق بين الشريعة الإسلامية وقيم حقوق الإنسان، وهو التعارض الذي أكدت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبل عدة أشهر بمناسبة البت في الطعن المقدم ضد قرار حل حزب إسلامي تركي، فإن هذه التطمينات تبقى دون معنى ما دام هذا التعارض مفترضا وما دام كل إعلان للارتباط بالقيم الإسلامية يعتبر خروجا على المبادئ العلمانية التي تعلن البلدان الأوروبية التمسك بها. والحقيقة أن هذا الموقف أبعد ما يكون عن الإنصاف، ذلك أنه ليس صحيحا إطلاقا أن كل البلدان الأوروبية تحترم المعايير العلمانية التي تبدو حريصة على إلزام الآخرين بها. ولعل ذلك ما دفع سميح فانر، الباحث بمركز الدراسات والبحوث الدولية (باريس)، إلى التساؤل، عشية الانتخابات التركية، عما إذا كان هناك استثناء تركي، وعلى هامش حديثه عن خصائص التجربة الديمقراطية في تركيا وموقف حزب العدالة والتنمية مضى معددا بعض مظاهر حضور الدين في الحياة العامة بعدد من كبريات الدول الغربية بدء من الولايات المتحدة وانتهاء بفرنسا (البايس، السبت 2/11). وقد فات الكاتب أن يذكر واحدا من أهم هذه المظاهر وهو أن دستور أحد البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يذهب إلى حد تقرير أي من نصوص "الكتاب المقدس" يجب اعتماده.

الاعتبارات الإستراتيجية: من الواضح أن للولايات المتحدة الأميركية مصلحة معتبرة في الاحتفاظ بتركيا كحليف إستراتيجي بغض النظر عن الخيارات الأيديولوجية لمن تؤول إليه السلطة. ورغم أنه أحيانا يظهر اختلاف في وجهات النظر بخصوص قضايا محددة إلا أنه يبدو أن تركيا ستبقى لوقت طويل حلقة رئيسية في الإستراتيجية الأميركية بالمنطقة، سواء في ما يتصل بضمان السيطرة على الأوضاع في منطقة الخليج أو في ما يتعلق بالحفاظ على توازنات القوة في عموم منطقة الشرق الأوسط. لذلك لم تتردد الولايات المتحدة منذ وقت مبكر في ممارسة الضغط، بصورة مباشرة أو عبر رديفها الأوروبي -المملكة المتحدة- من أجل دمج تركيا أوروبيا والتعامل معها بما يضمن استقرار أوضاعها الداخلية وثبات مواقفها الموالية للغرب.

في الوقت نفسه تعتبر تركيا لاعبا أساسيا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وإلى حد ما يمكن القول إنه على إرادتها يتوقف تفعيل "التسويات الدائمة" التي من شأنها، متى وضعت موضع التطبيق، أن تسمح للاتحاد الأوروبي بالاستخدام المباشر للوسائل الموجودة بحوزة الحلف. ودون موقف إيجابي من طرف تركيا يبدو من المستحيل تنفيذ السياسة الأوربية للأمن والدفاع.هذا الواقع يمنح ورقة ضغط مهمة لأي طرف يصل إلى السلطة في تركيا، لا سيما مع ظهور ملامح لوعي غربي بضرورة التخلي عن الرؤية الإستراتيجية التقليدية القائمة على الاعتماد على المؤسسة العسكرية كضامن لولاء تركيا للغرب، والاستعاضة عن ذلك بالدخول في حوار مباشر مع الأطراف السياسية المؤثرة في الرأي العام.

”بات في حكم المؤكد أن الدستور الأوروبي المنتظر سيتضمن ما يفيد أهمية الهوية المسيحية كعامل انسجام بين الدول المكونة للاتحاد وهو ما يسعى له الفاتيكان والحزب الشعبي الأوروبي”

تجاذب المصالح والأيديولوجيا: رغم المؤثرات الأيديولوجية والثقافية التي سبقت الإشارة إليها فإن هناك أطرافا أوروبية ربما ترى، لاعتبارات مختلفة، أن مصالحها تقتضي الاحتفاظ بعلاقة طيبة أو غير عدائية، على الأقل، مع من تؤول إليه السلطة في أنقرة. أضف إلى ذلك أن طرفا من المثقفين والناشطين الأوروبيين لديهم دوافعهم الأيديولوجية الخاصة التي تجعلهم أقل حماسا لخطابات التعبئة ضد الآخر.لعل من المفارقة أن تكون اليونان من بين الدول الأوروبية الأكثر حرصا على تجنب الاصطدام بالقوى الصاعدة في تركيا، ربما بسبب أن لليونان مصلحتها المباشرة في الوصول إلى تسوية سياسية للمسألة القبرصية، وربما ساعد على دفعها قدما في موقفها الودي تصريحات أردوغان التي أشار فيها إلى تجربة بلجيكا كنموذج يمكن الاستفادة منه للوصول إلى حل مقبول للنزاع بشأن قضية قبرص، وهو التصور نفسه الذي تنطلق منه خطة الأمم المتحدة حول هذا الملف. وتقوم الرؤية السياسية لليونان على اعتبار أن الحوار مع تركيا وإدماجها في الاتحاد الأوروبي سيحد من توتر مواقفها ويقلص نفوذ المؤسسة العسكرية المعروفة بتصلب مواقفها تجاه اليونان.

هناك العديد من القوى اليسارية والليبرالية المنفتحة التي رغم خلفياتها الأيديولوجية التي تجعلها لا تكن تعاطفا كبيرا مع حزب لا تخفى جذوره الإسلامية فإنها قد لا تتحمس للخطاب العدائي السائد باعتبار أن الفوبيا الإسلامية الراهنة تعكس في الواقع تأثير الاتجاهات المحافظة التي حققت، خلال السنوات الأخيرة، تقدما سياسيا ملحوظا في معظم بلدان أوروبا الغربية.

آفاق تجربة غير مسبوقة

لقد حاولنا رصد الموقف الأوربي من فوز الإسلاميين في الانتخابات التركية الأخيرة، مع التنبيه إلى جملة من المحددات التي اعتبرناها مؤثرة في صياغته. لكن الواقع أن الموقف الراهن يبدو إلى رد الفعل أقرب منه إلى موقف ثابت ومدروس.

ولعل تبلور مثل هذا الموقف بشكل كامل ومنسجم يتطلب مرور بعض الوقت وهو، فى الأغلب، سيتوقف على جملة من المعطيات منها ما يتعلق بتغيرات النظرة الأوروبية ومنها ما يتصل بأداء الطرف الآخر. ومن هذه المعطيات:

· مدى قدرة النخب السياسية والفكرية والإعلامية فى الغرب على صياغة خطاب متوازن وبعيد عن التعصب والاستفزاز وأن تسهم في خلق قبول عام في الشارع الأوروبي لإمكانية حصول عملية تحول ديمقراطي جاد وأصيل داخل المجتمعات الإسلامية والإمساك عن ترويج وتعميم الأحكام المسبقة والاتهامات المجانية الجاهزة التي تنطلق من تقرير استحالة تحديث أي بلد إسلامي وتطوير أوضاعه السياسية دون انسلاخه عن هويته الإسلامية.

· استعداد أوروبا لتجاوز سياستها الراهنة في العالم الإسلامي والمتمثلة فى تكريس التخلف السياسي من خلال الإصرار على دعم أنظمة مستبدة كل رصيدها من الشرعية أنها ترفع شعارات العلمانية وتتمسح بالقيم الليبرالية.

· حسم التجاذب الأيديولوجي بين تحيز الأغلبية -التى تبنى موقفها من الأتراك عموما والإسلاميين خاصة انطلاقا من اعتبارات دينية وثقافية متعصبة أصبحت من الوضوح بحيث لم يعد الكثيرون يكلفون أنفسهم عناء التورية عنها- وبين الأصوات المنادية بضرورة التفهم والإنصاف. وتتصل بهذا الأمر مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ينتظر أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بهذا الشأن يضع حدا للتردد والغموض.

· مدى قدرة الإسلاميين الأتراك على التعامل بكفاءة مع تعقيدات الحالة الداخلية بما يسمح بتطبيع وضعهم السياسي وتجنب حصول هزات اجتماعية وسياسية تخدم الحريصين على إجهاض التجربة عبر إشاعة أجواء من شأنها أن تخلق حالة عامة من عدم الثقة بالمستقبل.

· مدى قدرتهم على إثبات كفاءتهم في تسيير وتجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية ودفع عجلة الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال الصيف الماضي.

· يعمل لصالح الإسلاميين الأتراك موقفهم الإيجابي إزاء المؤسسات النقدية الدولية ورؤيتهم الاقتصادية المنفتحة على الخيارات الرأسمالية، ففي الحد الأدنى يوفر عليهم مثل هذا الموقف عداء أطراف نافذة عديدة.

· من التحديات البارزة التي تواجه الإسلاميين التوصل إلى صيغ مناسبة للتعامل مع عدد من الملفات الحساسة التي تتطلب القدرة على الاحتفاظ بمستوى من التوازن الحرج بين منطلقاتهم الفكرية وتطلعات ناخبيهم، من جهة، وبين ضغوط الواقع ومتطلبات المناورة السياسية من جهة أخرى. يتعلق الأمر بملفات مثل تطورات الأوضاع في العراق والعلاقة مع إيران، وقبل ذلك الموضوع الأكثر حساسية وحرجا وهو الموقف من القضية الفلسطينية خاصة ما يتصل بتسيير ملف العلاقات المتميزة مع إسرائيل وهي العلاقات التي تكاد تكتسي صفة تحالف إستراتيجي يزعج بلدانا كثيرة في المنطقة.

· قدرة الإسلاميين على الموازنة بين ضرورات مراعاة الخط التقليدي للسياسة الخارجية التركية ومتطلبات تقديم تصورات جديدة تسمح بتجاوز تعقيدات قضايا تعتبر عادة في غاية الحساسية مثل قضية النزاع حول قبرص ومثل المسألة الكردية.

بالتأكيد ستضطر أوروبا إلى التسليم بالواقع والقبول بالتعامل مع الإسلاميين الأتراك على النحو الذي يقتضيه تحقيق مصالحها، ومن المرجح أن تراعي مبادئها فلا تأسى على انحسار نفوذ العسكر وتراجع وزن الطبقة السياسية التقليدية التي أضحت رمزا للفساد، غير أنه من المستبعد أن تتخلى النخب المتحكمة في توجيه الرأي العام الأوروبي عن رؤيتها الثقافية الضيقة وتتحرر من هوس "الخطر المحمدي" الذي يشل قدرتها على التعامل المتوازن مع أي مظهر من مظاهر التعبير عن الهوية الإسلامية.يعتبر البعض أن نتائج الانتخابات التركية مثلت صفعة قوية لطبقة سياسية نخرها الفساد وقعد بها العجز عن تجسيد آمال الناخبين، وصرخة احتجاج في وجه سدنة نظام متخلف عن عصره ومنبت عن خيارات شعبه، ومن ثم فهي رسالة واضحة ضد النظام العلماني المفروض بتهميش المجتمع والمسنود بقوة الجيش والمروج له بدعاية بعض الغرب ... وكل ذلك صحيح إلى حد بعيد.

لكن المؤكد هو أن الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من تجربة الانتخابات التركيةالأخيرة هو إمكان وجود أحزاب إسلامية تمتلك القدرة والاستعداد لخوض غمار المعترك السياسي بكفاءة ودون تشنج، أحزاب مستعدة لإعطاء البرهان على صدق نيتها في احترام قواعد اللعبة السياسية والالتزام بالعمل داخل إطار الشرعية، دون أن تتنازل عن حقها في توظيف تلك القواعد والأطر إلى أقصى حد وبمنتهى النجاعة بما يخدم برنامجها السياسي ويحقق تطلعات أتباعها والمتعاطفين معها.لكل ذلك فإن الوضع الذى أفرزته انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثانى يمثل، وبغض النظر عن الموقف الأوروبي، فرصة ذهبية لإثبات إمكانية إصلاح البلدان الإسلامية عبر المصالحة بين القيم الإسلامية والآليات الديمقراطية وتحديث الممارسة السياسية أولى الخطوات في هذا الاتجاه.

المعطيات:

· مدى قدرة النخب السياسية والفكرية والإعلامية فى الغرب على صياغة خطاب متوازن وبعيد عن التعصب والاستفزاز وأن تسهم فى خلق قبول عام في الشارع الأوروبي لإمكانية حصول عملية تحول ديمقراطي جاد وأصيل داخل المجتمعات الإسلامية والإمساك عن ترويج وتعميم الأحكام المسبقة والاتهامات المجانية الجاهزة التي تنطلق من تقرير استحالة تحديث أي بلد إسلامي وتطوير أوضاعه السياسية دون انسلاخه عن هويته الإسلامية.

· استعداد أوروبا لتجاوز سياستها الراهنة في العالم الإسلامي والمتمثلة فى تكريس التخلف السياسي من خلال الإصرار على دعم أنظمة مستبدة كل رصيدها من الشرعية أنها ترفع شعارات العلمانية وتتمسح بالقيم الليبرالية.

· حسم التجاذب الإيديولوجي بين تحيز الأغلبية التى تبني موقفها من الأتراك عموما والإسلاميين خاصة انطلاقا من اعتبارات دينية وثقافية متعصبة أصبحت من الوضوح بحيث لم يعد الكثيرون يكلفون أنفسهم عناء التورية عنها والأصوات المنادية بضرورة التفهم والإنصاف. وتتصل بهذا الأمر مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ينتظر أن يتخذ الاتحاد الأوروبي قرارا بهذا الشأن يضع حدا للتردد والغموض.

· مدى قدرة الإسلاميين الأتراك على التعامل بكفاءة مع تعقيدات الحالة الداخلية بما يسمح بتطبيع وضعهم السياسي وتجنب حصول هزات اجتماعية وسياسية تخدم الحريصين على إجهاض التجربة عبر إشاعة أجواء من شأنها أن تخلق حالة عامة من عدم الثقة بالمستقبل.

· مدى قدرتهم على إثبات كفاءتهم فى تسيير وتجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية ودفع عجلة الإصلاحات التى تم إطلاقها خلال الصيف الماضي.

· يعمل لصالح الإسلاميين الأتراك موقفهم الإيجابي إزاء المؤسسات النقدية الدولية ورؤيتهم الاقتصادية المنفتحة على الخيارات الرأسمالية، ففي الحد الأدنى يوفر عليهم مثل هذا الموقف عداء أطراف نافذة عديدة.

· من التحديات البارزة التي تواجه الإسلاميين التوصل إلى صيغ مناسبة للتعامل مع عدد من الملفات الحساسة التي تتطلب القدرة على الاحتفاظ بمستوى من التوازن الحرج بين منطلقاتهم الفكرية وتطلعات ناخبيهم، من جهة، وضغوط الواقع ومتطلبات المناورة السياسية من جهة أخرى. يتعلق الأمر بملفات مثل تطورات الأوضاع في العراق والعلاقة مع إيران، وقبل ذلك الموضوع الأكثر حساسية وحرجا وهو الموقف من القضية الفلسطينية خاصة ما يتصل بتسيير ملف العلاقات المتميزة مع إسرائيل وهي العلاقات التي تكاد تكتسي صفة تحالف إستراتيجي يزعج بلدانا كثيرة فى المنطقة.

· قدرة الإسلاميين على الموازنة بين ضرورات مراعاة الخط التقليدي للسياسة الخارجية التركية ومتطلبات تقديم تصورات جديدة تسمح بتجاوز تعقيدات قضايا تعتبر عادة في غاية الحساسية مثل قضية النزاع حول قبرص ومثل المسألة الكردية الداخلية وثبات مواقفها الموالية للغرب. فى الوقت نفسه تعتبر تركيا لاعبا أساسيا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال.

بالتأكيد ستضطر أوروبا إلى التسليم بالواقع والقبول بالتعامل مع الإسلاميين الأتراك على النحو الذي يقتضيه تحقيق مصالحها، ومن المرجح أن تراعي مبادئها فلا تأسى على انحسار نفوذ العسكر وتراجع وزن الطبقة السياسية التقليدية التي أضحت رمزا للفساد، غير أنه من المستبعد أن تتخلى النخب المتحكمة في توجيه الرأي العام الأوروبي عن رؤيتها الثقافية الضيقة وتتحرر من هوس "الخطر المحمدي" الذي يشل قدرتها على التعامل المتوازن مع أي مظهر من مظاهر التعبير عن الهوية الإسلامية.يعتبر البعض أن نتائج الانتخابات التركية مثلت صفعة قوية لطبقة سياسية نخرها الفساد وقعد بها العجز عن تجسيد آمال الناخبين، وصرخة احتجاج في وجه سدنة نظام متخلف عن عصره ومنبت عن خيارات شعبه، ومن ثم فهي رسالة واضحة ضد النظام العلماني المفروض بتهميش المجتمع والمسنود بقوة الجيش والمروج له بدعاية بعض الغرب ... وكل ذلك صحيح إلى حد بعيد.

لكن المؤكد هو أن الدرس الأهم الذى يمكن استخلاصه من تجربة الانتخابات التركية الأخيرة هو إمكان وجود أحزاب إسلامية تمتلك القدرة والاستعداد لخوض غمار المعترك السياسي بكفاءة ودون تشنج، أحزاب مستعدة لإعطاء البرهان على صدق نيتها فى احترام قواعد اللعبة السياسية والالتزام بالعمل داخل إطار الشرعية، دون أن تتنازل عن حقها في توظيف تلك القواعد والأطر إلى أقصى حد وبمنتهى النجاعة بما يخدم برنامجها السياسي ويحقق تطلعات أتباعها والمتعاطفين معها.لكل ذلك فإن الوضع الذي أفرزته انتخابات 3 نوفمبر/ تشرين الثانى يمثل، وبغض النظر عن الموقف الأوروبي، فرصة ذهبية لإثبات إمكانية إصلاح البلدان الإسلامية عبر المصالحة بين القيم الإسلامية والآليات الديمقراطية وتحديث الممارسة السياسية أولى الخطوات في هذا الاتجاه.
_______________
بقلم: محمد فال ولد المجتبى/ كاتب وباحث موريتاني مقيم في إسبانيا
المصدر: الجزيرة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


حلف شمال الأطلسي وتركيا الجديدة

اسطنبول ـ مع بداية الحرب الباردة، انضمت تركيا إلى منظمة حلف شمال الأطلسي بهدف التمتع بحماية الولايات المتحدة في حالة تعرضها لهجوم سوفييتي. في ذلك الوقت، كانت تركيا على خط المواجهة بوضوح؛ ولكن قادتها اليوم يسعون بكل إصرار إلى انتهاج سياسة خارجية وأمنية مستقلة، والآن أصبحت ثقتهم المتزايدة بمثابة اختبار لتماسك الحلف. وفي الوقت نفسه يظل التعاون بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي متوقفا، بسبب الخلاف مع تركيا حول قبرص المقسمة. فضلاً عن ذلك، وفي تباين صارخ مع رأي غالبية أعضاء حلف شمال الأطلسي، فإن تركيا لا ترى أن إيران وسوريا ينبغي أن ينظر إليهما باعتبارهما تهديدا. وفي أوج الأزمة الليبية، وفي حين كان مسؤولو حلف شمال الأطلسي عاكفين على إعداد الخطط للتدخل، كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يعارض العمل العسكري بصراحة. ونتيجة لهذا، يزعم بعض المراقبين الآن أن تركيا تدير ظهرها للغرب. ولكن إذا تحرينا الدقة فمن الأجدر بنا أن نقول إن تركيا تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها. والواقع أن تركيا قد تتسبب في إحداث حالة من التوتر داخل حلف شمال الأطلسي، ولكن موقفها يمثل توازناً ذكياً بين ولائها للحلف وإخلاصها لمصالحها الوطنية.

إن التغيرات الجيوسياسية، مثل نهاية الحرب الباردة، والموجة الديمقراطية التي اجتاحت الشرق الأوسط مؤخراً، فضلاً عن رغبة تركيا في عدم الدخول في أية مشاكل مع جيرانها، كانت سبباً في خلق أهداف جديدة لاستراتيجيات السياسة الخارجية التركية. والواقع أن قادة تركيا ينتقصون من أهمية القضايا الأمنية المرتبطة "بالقوة الصارمة"، لصالح تعزيز قوة البلاد الناعمة، وانتهاز الفرص الاقتصادية في الوقت نفسه. ومن بين العواقب الرئيسية للانتقاص من أهمية الجانب الأمني في السياسة الخارجية على هذا النحو كان اختلال توازن القوى بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية في البلاد. وهناك نتيجة أخرى لا تقل أهمية وتتمثل في العلاقة المتغيرة بين تركيا والغرب. في السنوات الماضية، كانت الشراكة الدفاعية تشكل ركيزة أساسية للعلاقات التركية مع الغرب. ولكن هذه العلاقة كانت غير متكافئة، حيث كانت تركيا تعتمد إلى حد كبير على الغرب بوصفها مستهلكاً للأمن الذي يوفره لها. وكانت خيارات السياسة الخارجية التركية مقيدة بضرورة انحيازها لمن يزودها بهذا الأمن. ولكن في الوقت الحالي، كانت تصورات التهديد المتراجعة سبباً في التحول الجوهري الذي طرأ على هذا المفهوم، والحد من احتياج تركيا للعمل في انسجام مع الغرب. فضلاً عن ذلك فإن تراجع انشغال تركيا بسلامة أراضيها كان سبباً في تضاؤل نفوذ الغرب عليها بشكل ملحوظ. كما أعطت العلاقة الأمنية المتراخية تركيا مجالاً أكبر في السياسة الخارجية.

ورغم كل هذا فمن الخطأ أن نزعم أن تركيا تتباعد عن حلف شمال الأطلسي. ذلك أن تركيا لا تزال عضواً فاعلاً ومؤثرا، وهي ترجو الاستفادة بأكبر قدر ممكن فمن عضويتها. وتركيا ملتزمة بحلف شمال الأطلسي، وميزانيتها العسكرية تفي بمعايير الإنفاق الدفاعي التي أقرها حلف شمال الأطلنطي والتي تبلغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي ترسل قواتها أيضاً إلى عمليات حلف شمال الأطلسي، ولا سيما عملية إيساف في أفغانستان. بل إن الدور الذي تلعبه تركيا في التحالف أصبح أكثر نشاطاً من الغالبية الساحقة من الدول الأعضاء الأخرى. إن تركيا تدفع الحلف إلى التكيف مع التحديات الأمنية الجديدة، ولكنها رغم ذلك تظل صامدة في التزامها بسياسات حلف شمال الأطلسي فيما يتصل بتقاسم الخبرات النووية. وتُعَد تركيا أحد الدول الأعضاء الست في حلف شمال الأطلسي التي تستضيف أسلحة نووية تكتيكية تابعة للولايات المتحدة لأكثر من أربعين عاما. والواقع أن جاهزية الأسلحة النووية الموجودة على أراضيها ـ التي قد تحتاج على أسابيع أو شهور وليس ساعات ـ لا تزود الحلف بقيمة استراتيجية تُذكَر. ولكن تركيا تزعم دوماً أن مصداقية حلف شمال الأطلسي فيما يتصل بقدرة الردع النووي تشكل أهمية بالغة بالنسبة للقدرة الدفاعية الجمعية للحلف.

لقد أصبح موقف تركيا اليوم يتعارض مع مواقف البلدان الثلاث في غرب أوروبا ـ بلجيكا، وألمانيا، وهولندا ـ التي تدعو اليوم إلى سحب الأسلحة النووية التابعة للولايات المتحدة من أراضيها. وتصر تركيا على أن مثل هذه القرارات لا يجوز اتخاذها من جانب واحد، وأن إجماع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي أمر ضروري لتغيير هذه العناصر الحاسمة في تحديد قدرة الردع النووي التي يتمتع بها الحلف. كما تشارك تركيا بنشاط في استعراض قوة الردع لدى حلف شمال الأطلسي حاليا، والذي يهدف إلى إيجاد التوازن بين القدرات النووية والتقليدية التي يمتلكها الحلف، وتسعى أيضاً إلى توضيح الدور الذي يلعبه الدفاع الصاروخي في هذا السياق. ويزعم المسؤولون في تركيا أنهم لن يعارضوا أي برنامج من شأنه أن يعزز من أمن حلف شمال الأطلسي. ولكنهم يخشون من نشر أنظمة دفاع صاروخية تستهدف جيران تركيا فحسب. ونتيجة لهذا، كان قادة تركيا حريصين على تحديد ثلاثة شروط لقبول مثل هذا البرنامج. الأول أن يأخذ النظام في الاعتبار المخاطر الأمنية الحالية، استناداً إلى القدرات الصاروخية القائمة للبلدان غير الأعضاء في الحلف. والثاني أن يغطي البرنامج أراضي تركيا بالكامل. أخيرا، وبسبب عدم رغبة تركيا في التحول إلى دولة مواجهة في الشرق الأوسط، كما كانت أثناء الحرب الباردة، فإنها تعترض بشدة على اعتبار إيران وسوريا تهديداً مباشرا.

واليوم تنظر تركيا إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي باعتبارها مجرد جانب واحد فقط من سياستها الأمنية الواسعة. وتسعى حكومتها إلى الاضطلاع بدور أقوى في الشئون العالمية، وبالتالي فإن سياساتها لا تتوافق دوماً مع السياسات التي تنتهجها غالبية البلدان الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. ولكن في نهاية المطاف يتعين علينا أن ندرك أن قادة تركيا لا يعتزمون تقويض تماسك حلف شمال الأطلسي وفعاليته. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، فهم يسعون إلى تأكيد مكانة تركيا في الحلف بحيث يعكس الحلف أهدافها الخاصة بشكل أوثق.

سنان أولجن رئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية، الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له، وأستاذ زائر لدى مؤسسة كارنيجي في أوروبا.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت/عالم أوروبا، 2011.

ترجمة: أمين علي Translated by: Amin Ali

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

مستقبل علاقات تركيا الأوروأطلسية!
طلعت مسلم

دوافع مراجعة دور تركيا الأوروأطلسي
دوافع بقاء تركيا في المنظومة الأوروأطلسية
مستقبل علاقات تركيا بأوروبا والأطلسي

تصاعدت بعض الأصوات الغربية تطالب بإعادة النظر في بقاء تركيا كجزء من البناء الدفاعي الغربي، وهي تدفع بأسباب لتحقيق ذلك بدءا بالحديث عن مدى علمانية الدولة في تركيا، ومبادئ حلف شمال الأطلسي، إلى الليبرالية السياسية، وأخيرا إلى سياسة تركيا مع ما تسميه نظم الشرق الأوسط المضادة للغرب. وإذا كانت هذه الأصوات تجد ما تراه مبررا لفصل تركيا عن البناء الدفاعي الغربي، فإن كثيرا من القوى الغربية ترى ضرورة الإبقاء عليها في الحلف لأسباب أخرى، بينما قد يرى البعض العمل على تحقيق أهداف الغرب بوسائل أخرى غير إبعاد تركيا عن الحلف، أي بالعمل على أن يجري التغيير داخل تركيا سواء بتغيير النظام أو بتغيير السياسة.

من جهة أخرى فإن تركيا تتبع منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، سياسة تختلف بلا شك عن سياسات من سبقوا الحزب إلى الحكم، ربما يمكن تلخيصها في سياسة "صفر أعداء". ولم تبد القيادة التركية نية ما عن التخلي عن دورها في حلف شمال الأطلسي، أو عن المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لذا فقد يكون من المناسب بحث مدى تأثير سياسة حزب العدالة والتنمية على علاقات تركيا بالحلف وبالاتحاد الأوروبي ببحث الدوافع لمراجعة دور تركيا في الحلف، والعوامل الدافعة إلى بقائها فيه، واحتمالات المستقبل بالنسبة لهذه العلاقات على ضوء احتمالات التغيرات في كلا الجانبين.

"تأتي علمانية الدولة على رأس الأسباب التي يدفعها المطالبون بمراجعة دور تركيا الأوروبي والأطلسي, فرغم اعترافهم بعلمانية الدولة فإنهم يشككون في نوايا الحكومة المدنية "

دوافع مراجعة دور تركيا الأوروأطلسي

تأتي علمانية الدولة على رأس الأسباب التي يدفعها المطالبون بمراجعة دور تركيا الأوروبي والأطلسي رغم اعترافهم بأن القيادة العسكرية التركية ما زالت ملتزمة بالعلمانية والتوجه الغربي والمبادئ المحددة لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ولكنهم يشككون في نوايا الحكومة المدنية إذ يعتبرونها تنتهج سياسات غير ليبرالية أحيانا بالهجوم على الإعلام المستقل، بينما تصطف مع المتعصبين ونظم الشرق الأوسط المضادة للغرب.يلي ذلك مباشرة إلغاء تركيا لمشاركة إسرائيل في مناورات الحلف التي تجري في تركيا منذ فترة طويلة، وأن أنقرة في نفس يوم إلغاء الاشتراك دعت إلى القيام بمناورات عسكرية مشتركة مع سوريا التي تصنفها الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب، وبعدما أنشأت تركيا وسوريا "مجلسا أعلى للتعاون الإستراتيجي".

كما يأتي بعد ما سبق اقتراب تركيا من إيران التي تتهمها بعض الدوائر الأطلسية بأنها تزعزع الاستقرار في أفغانستان والعراق وتمد عناصر التمرد في البلدين بالمتفجرات التي تقتل جنود الحلف والولايات المتحدة، فضلا عن تهديدها بالقضاء على إسرائيل التي تبتعد عنها تركيا. بل إن تركيا وقعت مع إيران عدة اتفاقيات أمنية عبر سنوات وحتى شهور قليلة ماضية، كما أعلنت أنها ستعارض فرض عقوبات على طهران، وأنها تعتقد بضرورة تخفيف القلق الدولي حول برنامجها النووي، كما كانت ضمن أوائل من هنؤوا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بإعادة انتخابه التي يعتبرونها مزورة.تركيا متهمَة أطلسيًّا بأن الحريات الفردية وسيادة القانون بها قد تنحت جانبا، وأن الحكومة الإسلامية في جهودها لإسكات الانتقادات تسعى إلى إفلاس وسائل الإعلام التركية العلمانية عبر غرامات زائدة عن القوانين، وأنها تستهدف خصومها السياسيين باعتقالهم بتهم غير مؤكدة بمحاولة إطاحة الحكومة.

ويرى بعض الأطلسيين أن أنقرة لا تلتزم بمبادئ الحلف التي بها تؤكد الدول الأعضاء على "أن يرغبوا في العيش بسلام مع كل الشعوب وكل الحكومات،.. والتصميم على الحفاظ على الحرية والتراث المشترك وحضارات شعوبهم التي تأسست على مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية، وسيادة القانون، والعمل على تعزيز الاستقرار والرخاء في منطقة الأطلسي".يشكك البعض في التزام تركيا -مع تغيرات سياستها- بمهام الأطلسي السياسية الصعبة، حيث يشككون في موقف تركيا المحتمل إزاء الضغط الروسي غربا على لاتفيا أو ليتوانيا استرشادا بموقفها من احتلال روسيا لجورجيا. كما يشككون في قيام أنقرة بمهام التدريب في دول البلطيق، حيث يتحدث رئيس الوزراء التركي عن حجم تجارتها مع روسيا، وأن أنقرة ستتصرف وفقا لمطالب مصالحها.


"يشكك البعض في موقف تركيا المحتمل إزاء الضغط الروسي غربا على لاتفيا أو ليتوانيا, كما يشككون في قيام أنقرة بمهام التدريب في دول البلطيق، حيث يتحدث رئيس الوزراء التركي أنها ستتصرف وفقا لمصالحها"


كانت لجنة الولايات المتحدة الدولية لحرية الأديان قد حثت الرئيس أوباما على أن يثير موضوع الحريات الدينية أثناء زيارته لتركيا عام 2009، حيث توصلت إلى أن فهم تركيا للعلمانية "أدى إلى انتهاك الحريات الدينية لكثير من مواطني البلاد بما في ذلك أعضاء الغالبية، وجاليات الأقلية الدينية بصفة خاصة".وأدت زيارة خالد مشعل لتركيا عام 2006 إلى تغير في العلاقات التركية الإسرائيلية حيث دخلت العلاقات مرحلة البرود، ولكن التوترات زادت كثيرا مع هجوم إسرائيل على غزة 2008/2009 حيث اعتبرتها تركيا جريمة ضد الإنسانية، وأثر ذلك على سلوكها في منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009.ويقول الاتحاد الأوروبي إن على تركيا أن تقوم بإصلاحات جوهرية وخاصة في مجال حقوق الإنسان قبل بدء محادثات الانضمام إليه.

دوافع بقاء تركيا في المنظومة الأوروأطلسية

تعتبر تركيا الطرف الشرقي الرئيسي لحلف شمال الأطلسي حيث تسيطر على المضائق الواصلة بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، كما أن لها حدودها المشتركة مع كل من سوريا والعراق وإيران، وتتمركز قيادة للحلف في أزمير، كما حافظت الولايات المتحدة على قوات جوية في قادة إنغرليك الجوية الموجودة قريبا من مدينة أدنه على البحر المتوسط.من أهم العوامل التي تهم أوروبا والأطلسي تعاون تركيا في مجال ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، فقد أكد تقرير وزارة الخارجية الأميركية عام 2009 بعنوان "تقرير البلاد عن الإرهاب" أن التعاون في مجال الإرهاب عنصر حيوي في شراكة الولايات المتحدة الإستراتيجية مع تركيا، كما قرظ التقرير المساهمات التركية في تحقيق الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان، وألقى ضوءا قويا على أهمية قاعدة إنغرليك الجوية في أدنه التي يستخدمها حلف الأطلسي والولايات المتحدة للعمليات في المنطقة.

كذلك فقد أشار التقرير إلى معلومات عن "حزب العمال الكردستاني" ومجموعات الإرهاب الأخرى التي تتقاسم الولايات المتحدة وتركيا معلومات الاستخبارات عنها، كما أشار إلى الهجوم على ديار بكر في سبتمبر/أيلول 2006 وعلى غدنغورن في يوليو/تموز 2008، ثم انتقل إلى التحقيقات التركية في شبكة أرجنيكون وينتهي إلى أن تفاصيل القضية كانت شديدة الغموض، وأن حالة أرجنيكون هي منظمة إرهابية ظلت مجال جدل حتى نهاية العام.كانت مجموعة من الحزب الديمقراطي الأميركي قد قابلت مسؤولين أتراكا في أنقرة يوم 30 مايو/أيار 2009 وأكدت أنه "يمكن لتركيا أن تعتمد دائما على الولايات المتحدة، بينما يمكن للولايات المتحدة دائما أن تعتمد على صداقاتها الحميمة مع تركيا".


"من أهم العوامل التي تهم أوروبا والأطلسي تعاون تركيا في مجال ما يسمى الحرب على الإرهاب, كما تؤكد أميركا أن التعاون في مجال الإرهاب عنصر حيوي في شراكة الولايات المتحدة الإستراتيجية مع تركيا"


وفي مؤتمر العلاقات التركية الأميركية رقم 28 يوم 31 مايو/أيار 2009 شكر وزير الدفاع التركي الولايات المتحدة لدعمها في إجراءات مكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني، كما أشار رئيس الأركان التركي إلى تصور العلاقات التركية الأميركية "علاقاتنا شاملة جدا ولا يمكن أن تقتصر على مجال واحد"، كما أشار وزير الخارجية التركي إليها "أظن أن أهم الآفاق هو فكرة أن تركيا والولايات المتحدة يمكن أن يبنيا نموذجا للشراكة حيث لدى إحداهما أغلبية مسيحية وأخرى أغلبية مسلمة، دولة غربية وأخرى تقع في قارتين.. يمكننا أن نخلق مجتمعا دوليا حديثا يتميز بالاحترام والأمن والرخاء.. إن هذا مهم للغاية، نموذج للشراكة ليس موضوع مفاضلة بل هو ضروري". وقد أكد الرئيس الأميركي نفس المعنى تقريبا في زيارته لتركيا في أبريل/نيسان 2009.

تشارك تركيا في قوات حلف الأطلسي بأفغانستان وهي ذو أهمية خاصة للحلف، كما استقبلت تركيا رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية حيث أكدت أنقرة التزامها بدعم القوات في أفغانستان وباكستان وتأمين نقل القوات والمعدات من ميناء إسكندرون أثناء انسحاب القوات الأميركية من العراق، كما استضافت في يناير/كانون الثاني 2010 قمة دول جوار أفغانستان حضره الرئيس الأفغاني والرئيس الباكستاني من أجل محاولة التوصل إلى اتفاق حول معالجة الأوضاع في أفغانستان.

تعتبر إسرائيل موردا رئيسيا للأسلحة لتركيا، كما أن التعاون العسكري والإستراتيجي والدبلوماسي بينهما مسجل كأولوية عالية لدى كلتا الحكومتين وتعبران عن اهتمامهما بالقلاقل في الشرق الأوسط، وقد أجرى كلا أسطولي البلدين مناورات مشتركة، كما أن اتساع المجال الجوي التركي ساعد القوات الجوية الإسرائيلية إزاء ضيق مجالها الجوي لأغراض التدريب، خاصة في المنطقة حول قاعدة قونية الجوية وسط الأناضول. وعموما تعتبر العلاقات التركية الإسرائيلية مكونا هاما في إستراتيجية إسرائيل الدفاعية.رغم توتر العلاقات التركية الإسرائيلية فإن كلا الطرفين حريصان على الحفاظ على علاقاتهما، وقد زار وزير الدفاع الإسرائيلي تركيا وقابل وزير دفاعها. كما أن كلتا الدولتين أكدت على استمرار تزويد تركيا بطائرات إسرائيلية الصنع بدون طيار.

مستقبل علاقات تركيا بأوروبا والأطلسي

يعتبر استبعاد تركيا من البناء الدفاعي الغربي أمرا بعيد الاحتمال وفقا لما سبق ذكره من أهمية الدور التركي في هذا البناء، بينما يعتبر انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هو أيضا احتمالا ضعيفا، حيث لا يمكن لحلف الأطلسي تعويض دور تركيا فيه عالميا وإقليميا، بينما يظل الاتحاد الأوروبي ذا طابع مسيحي بدرجة كبيرة، ولا ينتظر تغييرا كبيرا في هذا الوضع في المستقبل القريب والمنظور.


"يعتبر استبعاد تركيا من البناء الدفاعي الغربي أمرا بعيد الاحتمال حيث لا يمكن تعويض دور تركيا في الحلف, بينما يعتبر انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي هو أيضا احتمالا ضعيفا، حيث يظل الاتحاد ذا طابع مسيحي"


وتعتبر العلاقات التركية الإسرائيلية عاملا رئيسيا في مدى التعاون التركي الأطلسي، وسيعمل الحلف والاتحاد الأوروبي على الالتفاف حول التوترات في علاقات تركيا مع إسرائيل سواء عبر الضغوط على القيادة التركية أو عبر تشجيع الحركات والأحزاب المعارضة لحزب العدالة والتنمية، وعبر تشجيع القيادات العسكرية التركية على مناهضة القرارات التي يتخذها الحزب، وربما عبر إطلاق حرية عمل حزب العمال الكردستاني التركي من خلال أراضي كردستان العراق. كما ينتظر أن تزداد الضغوط الغربية على تركيا كلما زاد تعاونها مع سوريا وإيران، وأن يستخدم توريد الأسلحة الإسرائيلية والأميركية كوسيلة للضغوط. ويعتبر عام 2014 نقطة فاصلة حيث ينتظر أن يتسلّم حلف الأطلسي الجيل الجديد من الطائرات المقاتلة الضاربة المشتركة، حيث يعتبر القرار هاما في علاقات تركيا مع الحلف وربما مع أوروبا.أما في حال توجيه عمل عسكري ضد إيران من الحلف أو دولة كبرى فيه، فإن علاقات تركيا بالحلف ستتعرض لاختبار شديد قد ينتهي بتعليق عضويتها فيه.


المصدر: الجزيرة













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /10-12-2011, 11:10 PM   #18

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العلاقات التركية الإسرائيلية.. المواقف والمصالح


العلاقات التركية الإسرائيلية.. المواقف والمصالح
محجوب الزويري

في جزئيات العلاقة
خسارة تركيا بعد إيران

حين تسيطر ضوضاء الحدث، كثيرا ما تختلط عناصر الصورة ويبدو صعبا الحصول على فهم عميق للأحداث والمواقف. هذه هي طبيعة الأشياء في كل مجتمع وعبر كل الأزمنة، لكن الحالة تبدو أكثر تعقيدا في حالة المجتمعات المحبطة بل ربما المهزومة. هذه المجتمعات تبحث عن منقذ, عن إمام مهدي بشكل سياسي. تلك هي حالة المواقف المتعلقة بفلسطين وقضيتها منذ أن تأسس الكيان الإسرائيلي. لقد ركز الكيان المحتل منذ تأسيسه على عقيدة مفادها أنه لا يمكن رهن بقاء قوة إسرائيل على القوة العسكرية الذاتية أو على الدعم الأجنبي الذي يأتي من قارات بعيدة، بل من الضروري أن يكوّن الأصدقاء من أهل المنطقة كذلك. الشراكة والصداقة مع دول شرق أوسطية بالنسبة لإسرائيل حاجة سياسية وعسكرية واقتصادية وسكانية. ففي ظل محيط عربي رافض لإسرائيل -قديما كانت الحكومات والشعوب والآن الشعوب- فإنها تستشعر الحاجة إلى سند لا يشعرها بالغربة السياسية في الجغرافيا. تلك كانت الخلفية التي جعلت إسرائيل صديقا للنظام الملكي في إيران الذي لم يتردد في الاعتراف بإسرائيل بعد أقل من عامين على تأسيسها، وذاتها الخلفية التي جعلت تركيا أتاتورك تعترف وتقيم علاقات مع إسرائيل وصلت حد الشراكة الإستراتيجية.

في جزئيات العلاقة

"قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 وما تبعها من تأسيس الجمهورية الإسلامية أصاب إسرائيل في مقتل على المدى البعيد، لا سيما وأن النظام السياسي الجديد أعلن وبوضح عدم شرعية الدولة العبرية واحتلالها لفلسطين"

إن رغبة الدولة العبرية في تقوية علاقاتها مع بلدين شرق أوسطيين وغير عربيين قابلته رؤية من قبل الدولتين، هذه الرؤية مرتبطة ببناء الدولة الحديثة في كل من تركيا وإيران، وبوابة بناء تلك الدول الحديثة هي علاقة مع الغرب، وجسر العلاقة مع الغرب بالنسبة إلى تعريف النخبة السياسية فيهما هو إسرائيل، هكذا كانت المعادلة، إسرائيل لم تقم أهمية في ذلك الوقت للنظام العربي باعتبار أنها ترى نفسها جزءا من مثلث غير عربي يجمعها مع إيران وتركيا. ولأن السياسة جوهرها التغيير، فإن التغيّر الذي عصف بإيران وأنهى الملكية فيها كان في الحقيقة ضربة حقيقية لدائرة التحالفات التي كانت إسرائيل تصر على المحافظة عليها. من هنا فإن الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 وما تبعها من تأسيس الجمهورية الإسلامية أصاب إسرائيل في مقتل على المدى البعيد، لا سيما وأن النظام السياسي الجديد أعلن وبوضح عدم شرعية الدولة العبرية واحتلالها لفلسطين، كما أعلن موقفا أكثر صدمة للإسرائيليين وهو أنه ينظر إلى إسرائيل كسرطان ويجب العمل على اجتثاثه من المنطقة. هذا الموقف الإيراني المعلن تبعه إعلان دعم لأولئك الذين عانوا من الدولة العبرية واحتلالها عبر دعم حركة التحرير الفلسطينية سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية. فقْد إسرائيل حليفا إقليميا مثل إيران جعلها تقرأ العلاقة مع تركيا بشكل مختلف، كيف لا وتركيا هي وريثة الدولة العثمانية السنية التي سيطرت على فلسطين وما حولها لأكثر من أربعة قرون، لذلك فالتركيز على العلاقة مع تركيا فيها منافع أخرى ربما تفوق العلاقة التي كانت قائمة مع إيران ذات الهوية الإسلامية الشيعية التي مع تأسيس الدولة الصفوية في العام 1507 أعلنت المذهب الشيعي الاثنى عشري مذهبا رسميا للدولة.

إن العلاقة مع تركيا كانت تحمل في عقود الستينيات والسبعينيات ورقة ضغط على الدول العربية التي تستشعر أن إسرائيل تمدد علاقاتها رغم النظرة العربية على أنها دولة محتلة. كما أن إسرائيل استخدمت تلك العلاقة لترسل رسائل سياسية بأنها حازت في علاقاتها مع تركيا شرعية دولة كانت مركزا لدولة الخلافة الإسلامية.واذا كانت الشرعية والتاريخ مهمين لإسرائيل، فإن عوامل الاقتصاد والسياسة والأمن مهمة أيضا. فالتعاون العسكري بين البلدين الذي يظهر في التدريبات المشتركة وكذلك مشتريات الأسلحة والتحديث والصيانة، بلغ في العام 2008 أكثر من 1.07 مليار دولار. أما بالنسبة للتعاون الاقتصادي فيشار إلى أن الصادرات التركية إلى إسرائيل بلغت في العام 2008 حوالي 1.53 مليار دولار. من جهة أخرى هناك حوالي 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية، كما أن هناك أكثر من 580 شركة تركية داخل أراضي 1948. العلاقة التركية الإسرائيلية تطورت في ظل دعم دولي غربي تتزعمه الولايات المتحدة، فالعلاقة بين أنقرة والدولة العبرية كانت وستبقى جزءا من المصالح والأولويات الأميركية، فواشنطن على يقين أن الحلفاء الموجودين في منطقة الشرق الأوسط حاجة ضرورية، وكلما زاد عدد هولاء الحلفاء ضمنت الولايات المتحدة تحقيق أجندتها في المنطقة. في هذا السياق كان دور قاعدة أنجرليك في تركيا التي استخدمتها أميركا لتعزيز الحصار على العراق ومنع الطيران، كما أن واشنطن وكذلك حليفتها إسرائيل لم تجدا بدا من الاعتراف بدور تركيا في قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، ناهيك عن الدور التركي في أفغانستان ضمن حلف الناتو.

"الصادرات التركية إلى إسرائيل بلغت في العام 2008 حوالي 1.53 مليار دولار, ويوجد حوالي 250 شركة إسرائيلية تعمل في الأراضي التركية، كما أن هناك أكثر من 580 شركة تركية داخل أراضي 1948"

لقد تطورت العلاقة بين البلدين في سياق سياسي مصلحي فيه قدر كبير من تجنب القضايا الخلافية، وربما ساعد على ذلك أن تركيا كانت في سياستها الخارجية تركز على موضوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأمام الرفض المتكرر من دول أوروبية مثل فرنسا بدأت في تركيا مراجعة تتعلق بأدائها في السياسة الخارجية، هذه المراجعة تتشابه في نتائجها بما قامت به الصين حين ركزت على مفردة الجغرافيا السياسية والعمل النشط ضمن تلك الحدود لتثبيت دور إقليمي وآخر عالمي لها. هذا المثل أيضا غير بعيد عن البرازيل بمنطقة أميركا اللاتينية.إن تقديم تركيا نفسها كوسيط في عملية التسوية السياسية في منطقة الشرق الأوسط عزز من أهمية دورها، الأمر الذي دفع الغرب إلى أخذها بجدية أكبر، هذا الدور -في ما يبدو- نُظر إليه على أنه دور في اتجاه واحد، بعبارة أخرى دور يطبق ما تريده ما تسمى بالشرعية الدولية، لكن تركيا لعبت الدور بطريقة مختلفة. فالوساطة التركية حاولت أن تترجم مقولة الوسيط النزيه إلى لغة الواقع السياسي، وهو الأمر الذي لا يبدو أنه أعجب إسرائيل والولايات المتحدة، ذلك أن تركيا أرادت أن يكون في دورها قدر من التوازن الذي لم تعتد عليه منطقة دائمة الانفجار مثل منطقة الشرق الأوسط. إن الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، والحرب على غزة في العام 2008، واستمرار فرض الحصار على غزة، وعدم الرضا التركي عن التلكؤ الإسرائيلي بالنسبة للوساطة التركية بينها وبين سوريا، كلها عوامل سرًعت في الأزمة بين الطرفين، لكن ما خفي ربما كان أعظم، فتركيا تبدو مطّلعة على نوع من التحريض تقوم به إسرائيل ضد تركيا، هذا التحريض موجه للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك موجه لدول إقليمية بهدف تخويفها مما تقوم به تركيا، لا سيما بعد الدور التركي بمشاركة البرازيل في إقناع إيران بالتوقيع على صفقة تبادل اليورانيوم.

التحريض الذي تقوم به إسرائيل -وفق القراءة التركية- يقوم على الربط بين مجمل هذه المواقف وبين طبيعة حزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية. في هذا السياق أيضا يجدر التذكير بعنصر آخر أثار قلق تركيا وهو المرتبط بعلاقة إسرائيل بحزب العمال الكردستاني الذي يوصف من قبل تركيا بأنه منظمة إرهابية. الإصرار التركي على استخدام خطاب متشدد نحو إسرائيل يتجاوز مسألة دغدغة المشاعر إلى مرحلة تبدو أكثر أهمية وهي ترسيخ مفهوم أن المحاسبة من قبل ما يسمى بالنظام الدولي يجب أن تكون للجميع، ومن ذلك الجميع إسرائيل، وهي مسألة تحتاج إلى جهد كبير حتى تصبح مقبولة وحتى يتم تطبيقها. تركيا كذلك تستخدم الأدوات التي يستخدمها نفس اللاعبون الآخرون من حديث عن العدالة والشرعية والدولية وتحقيق السلم والأمن العالميين، ولسان حالها يقول هذه أدوات استعمالها مباح للجميع.

خسارة تركيا بعد إيران

"عداء إيران لإسرائيل هو أحد عوامل تعزيز شرعية النظام السياسي في إيران، لكنه في الحالة التركية يبدو خلافا سياسيا عميقا قد يصل إلى درجة الجفاء والقطيعة لكنه لن يؤثر في شرعية النظام السياسي ومستقبله في تركيا"

كما خسرت إسرائيل إيران قبل حوالي ثلاثة عقود وتحول الصديق الصدوق إلى عدو لدود، توشك أن تخسر تركيا خسارة في ظني لا يمكن أن تحتملها إسرائيل، وقبل ذلك لا تحتملها حليفتها الولايات المتحدة. الفرق بين العلاقة بين إسرائيل وكل من تركيا وإيران هو أنه في الحالة الإيرانية أن العداء لإسرائيل هو أحد عوامل تعزيز شرعية النظام السياسي في إيران، لكنه في الحالة التركية يبدو خلافا سياسيا عميقا قد يصل إلى درجة الجفاء والقطيعة لكنه بالنسبة إلى تركيا لن يؤثر في شرعية النظام السياسي ومستقبله. إن الدور التركي في الشرق الأوسط يشبه موقف حالة السياسي الذي يختار إصلاح النظام السياسي من داخله، وهو موقف ربما لم يجد حتى الآن الدعم، وهو مختلف تماما عن ما يواجهه الموقف الإيراني الذي ينظر إليه بصفته موقفا يريد الإصلاح من خارج ما يسمى بالمجتمع الدولي. الشيء الوحيد الذي يبدو ملفتا للانتباه أن الموقفين كليْهما لا يعجبان عالم اليوم لأن إسرائيل مركز تلك المواقف.

تركيا تبدو واثقة من أن ما أنجزته لا يمثل برنامجا سياسيا لحزب بل لدولة، وأن من يحاول أن يقرأ ما جرى ويجري ويجعله مرتبطا بتيار سياسي بعينه إنما يستخف بتركيا التي تقدم نفسها كنموذج للقوى الناهضة التي تتصرف فيها الدول تصرف البالغين لا تصرف المراهقين.

المصدر: الجزيرة

العلاقات التركية الاسرائيلية

العلاقات التركية الاسرائيلية تعتبر من اغرب النماذج التحالفية فى منطقة الشرق الاوسط بل والعالم ... فمثلا فى الوقت الذى نشرت فيه الصحف التركية المقربة للحزب الحاكم فى تركيا انباء عن عدم استبعاد الخيار العسكرى فى مواجهة الغطرسة الاسرائيلية التى قتلت نشطاء قافلة ( اسطول الحرية) بدماء باردة ومساندة ضمنية امريكية بدعوى تورط عناصر من القاعدة والجهاد فيها .... نجد ان وزير الدفاع التركى ( وجدى جونول ) يكشف عن ان مشروع الطائرة الاسرائيلية (هيرون ) لن يتأثر وتركيا تتسلمها من تل ابيب !! الطائرة الاسرائيلية (هيرون) التى تعمل بدون طيار ... كان الطرفان قد عقدا صفقتها مطلع عام 2010 لشراء 10 طائرات منها مقابل 180 دولار ... ما هذا التناقض ؟ وما حقيقة العلاقات التى تربط انقرة بتل ابيب ؟ ... وعندما تحاول ان تجد اجابة لمثل هذه الاسئلة تتوالى المفاجأت ... وكان اكثرها غرابة هو الاحداث الدرامية الدامية التى شهدها أسطول الحرية فى عرض البحر امام شواطىء غزة ... كشف بعض جوانب صدام تركيا بالتهور الاسرائيلى ... وهو صدام يقع فى ظل علاقات استراتيجية عميقة تربط تركيا باسرائيل لاتتأثر كثيرا بتنافس الادوار وتقاطع المصالح المباشرة والخلافات السطحية , والتفاصيل الصغيرة للسباقات التى تجرى بين البلدين ....

القراءة المتأنية لتاريخ العلاقات التركية الاسرائيلية تضعنا امام حقيقة مهمة ... وهى ان هذه العلاقات تتأثر الى حد كبير بدور كل طرف فى خدمة المصالح الغربية عموما والامريكية على وجه الخصوص ... كما تتأثر بسعى كل منهما لتحقيق مصالحه الوطنية ... وقد تتلاقى تلك المصالح فتصبح علاقة انقرة بتل أبيب استراتيجية ... وقد تتباعد فتصبح العلاقة طبيعية ... وقد تتعارض المصالح فتتوتر العلاقات بين البلدين ... وحتى عندما يحدث التصادم بينهما فان ذلك لايؤثر فى جذور تلك العلاقة العميقة .. الجدير بالذكر ان التاريخ يقول ان تركيا هى اول دولة اسلامية تعترف باسرائيل ... حيث سارعت حكومة ( عصمت اينونو ) عام 1949 بهذا الاعتراف ... وتم تبادل السفراء فى عام 1951 ... بل الاهم والادهى من ذلك ان رئيسى الحكومة فى البلدين : (ديفيد بن جوريون ) و ( عدنان مندريس ) وقعا عام 1958 اتفاقا ضد التأثير السوفيتى والراديكالية فى الشرق الاوسط ... ورفضت فتح اجوائها للطائرات الحربية الاسرائيلية فى حرب 1973 , ولكن سرعان ما عادت الى التحالف مع تل أبيب مع انقلاب 1980 واعادت سفيرها الى الدولة العبرية فى ظل حكومة ( اوزال ) 1986 ... ورغم وجود علاقات طيبة بين تل أبيب وأنقرة فأن هذا لم يمنع رئيس الوزراء التركى (بولند اجاويد ) من استنكار سياسة التطهير العرقى التى مارسها ( ارييل شارون ) تجاه الفلسطينيين اثناء الانتفاضة الثانية ... ونظرا لان العلاقات التركية الاسرائيلية مرت خلال عاما الماضية بمراحل كثيرة ومتنوعة حيث تطورت العلاقات العسكرية بين البلدين بشكل كبير لدرجة ان تركيا سمحت لاسرائيل عام 1990 بانشاء محطات للتجسس الآمنى على الدول المجاورة لها وبخاصة العراق وسوريا وايران !!! ...

وفى اثناء أزمة الخليج عام 1991 سمحت تركيا للطائرات الاسرائيلية باستخدام مطاراتها العسكرية لأغراض التجسس على العراق ... وخلال تلك الفترة قامت اسرائيل بتحديث مختلف اسلحة الجيش التركى واجرت المناورات الجوية والبحرية المشتركة , بالاضافة الى التنسيق الآمنى والاستراتيجى فيما بينهما ... وتبادل الزيارات العسكرية على مختلف المستويات وفى مختلف الافرع العسكرية ... وتوجت تلك المرحلة بتوقيع تركيا واسرائيل على اتفاقية للتعاون العسكرى فى 24\2\1996 . وبالتوازى مع هده السياسات نشأت علاقات قوية بين انقرة وتل أبيب بالاتفاق العسكرى النوعى بينهما عام 1996 .. وهو الاتفاق الذى حقق للطرفين العديد من المكاسب ... فتركيا استفادت منه فى تحجيم النشاطات الاسلامية داخلها خصوصا بعد تسلم (نجم الدين أربيكان ) - صاحب التوجه الاسلامى - رئاسة الوزراء , ورأت المؤسسات العلمانية التركية - خاصة الجيش - فى ذلك تهديدا للتوجهات العلمانية للدولة ... وخطرا يهدد علاقات تركيا باسرائيل والغرب ... وحاولت أنقرة مواجهة هذا الخطر بتحالفها مع اسرائيل .

كما استعانت أنقرة بهذا التحالف فى مواجهة حزب العمال الكردستانى ... واستعانت تركيا بتحالفها مع اسرائيل فى ممارسة الضغوط على جيرانها خاصة اليونان وروسيا وسوريا , عن طريق تطوير جيشها بانفاق 150 مليار دولار على 25 عاما فى امداد الجيش التركى باحدث الاسلحة الامريكية ... ونتيجة لصعوبة حصول تركيا عليها مباشرة من امريكا نظرا لمعارضة جماعات الضغط اليونانية واليهودية والارمينية .. وبفضل علاقة تركيا المريبة بتل أبيب استعادت أنقرة مكانتها فى السياسة الامريكية فى المنطقة .. باعتبارها خط الدفاع الاول امام الخطر الشيوعى ...

ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وزوال الخطر الشيوعى , شعرت النخبة العسكرية التركية بأن اهمية دور بلادهم قد تتراجع فى واشنطن .. لذلك سعت أنقرة الى دعم علاقاتها باسرائيل بدرجة اكبر على امل الانضمام للاتحاد الاوربى وزيادة دورها الاقليمى .. وعلى الجانب الاخر حققت تل أبيب مكاسب كثيرة من تحالفها مع أنقرة حيث باعت اسرائيل لتركيا كما هائلا من مختلف الاسلحة مابين عامى 1996 و 1998 ... فمثلا تم توريد انواع مختلفة من الصواريخ الاسرائيلية الصنع للجيش التركى بما قيمته 400 مليون دولار منها صواريخ (بوبا ) " جو - ارض " , وصواريخ ( بايثون - 4) "جو - جو" , وقنابل تال ... وغيرها , ودبابات ( ميركفاه ) .. وتم الاتفاق بين الجانبين على صفقة لتطوير سلاح المدرعات التركى بما قيمته 5 مليارات دولار .. وادت هذه الصفقات الى انعاش الاقتصاد الاسرائيلى ... لقد تغيرت تركيا الان ... ولم تعد كما كانت خلال الحرب الباردة حيث اختفى التهديد السوفيتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتى , واختفى صدام من المشهد السياسى , وتراجع تهديد حزب العمال الكردستانى بعد تحوله الى العمل السياسى ... وتراجعت بعض الشىء الآمال التركية فى الانضمام للاتحاد الاوربى , فاتجهت الى الشرق العربى والاسلامى .. كما تغيرت تركيا من الداخل بوصول حزب العدالة والتنمية -صاحب التوجهات الدينية الاسلامية - الى الحكم ...ونجحت حكومته فى تحقيق تسويات لقضايا الارمن وقبرص والأكراد ...كما تمكنت من ايجاد بدائل اوسع للانطلاق فى علاقاتها مع اوربا وامريكا . وحل العديد من القضايا فى هذا المجال بعيدا عن اسرائيل والتحالف معها ... وذلك بعد ان تأكد الاتراك انه ليس بمقدور تل أبيب اجبار او حتى اقناع الاتحاد الاوربى بقبول عضوية تركيا فى الاتحاد ... وعرف الاتراك ان اوربا تريد منهم ان يكونوا على علاقة طيبة مع حليفتها اسرائيل !!

لكن ليس من الضرورى ان يكون ذلك ابدا على حساب علاقة انقرة ببقية دول العالم ... ايضا اقتنع الاتراك بان اسرائيل ليست صادقة فيما يخص تزويدهم بالتكنولوجيا المتقدمة فى المجالين المدنى والعسكرى ... ووجدوا الحل فى الحصول على هذه التكنولوجيا - التى كثيرا ما حرص الغرب على ان تكون اسرائيل هى مصدرها الوحيد فى الشرق الاوسط - من الصين وروسيا وغيرهما ... الاهم من ذلك ان لغة المال اقنعت تركيا بالمزيد من التحول !! وساعد على تعمق هذا التحول سياسة حزب العدالة الحاكم فى تركيا صاحب الابعاد الايديولوجية الاسلامية الممزوجة بروح القومية التركية التى يسميها البعض (العثمانية الجديدة ) ... وبدأت مرحلة المطبات الصعبة والصدامات بين العثمانية الجديدة والتهور الاسرائيلى فى ظل حرص الطرفين على استمرار العلاقات العسكرية بينهما بشكل او بأخر ... وكان من اشهر هذه الصدامات الملاسنة الحادة التى حدثت فى منتدى (دافوس) 2009 عندما قال رجب طيب اردوغان - رئيس الوزراء التركى - لشيمون بيريز امام كل كاميرات الاعلام : " انتم يجب ان تحاكموا بتهمة القتل " وترك القاعة وخرج ... بعدها وجهت اسرائيل عدة اهانات دبلوماسية لتركيا كان اشهرها ظهور (افيدور ليبرمان) وزير خارجية اسرائيل فى مؤتمر صحفى مشترك فى تل أبيب , وقد اجلسوه على كرسى منخفض جدا ... وجاء الصدام الاكبر عندما نجحت تركيا والبرازيل فى التوصل الى اتفاق مع ايران حول تبادل اليورانيوم المخصب بمباركة امريكية ... مما اغضب اسرائيل وزاد غضبها مع تنامى علاقات تركيا مع طهران وسوريا وحزب الله وحماس وقبرص وارمينيا وروسيا والصين , وباسلوب لايضر العلاقات التركية مع الاتحاد الاوربى وامريكا ... بالاضافة الى نمو علاقات تركيا بالعديد من التحالفات العالمية والمنظمات الدولية متعددة الاطراف .... مما ادى الى تعزيز مكانة تركيا كفاعل دولى يمتلك مصادر متعددة للقوة الرخوة التى يستخدمها فى مد نفوذه الاقليمى .. ولعل اغرب مافى مرحلة الصدام الاعلامى بين انقرة وتل ابيب ... ان المواجهات الدبلوماسية العنيفة بين الطرفين تخفى فى الحقيقة علاقات عسكرية حميمة جدا يتبادلها الطرفان بعيدا عن الانظار ... ويبدو ان ما هو معروف ومعلن من العلاقات التركية - الاسرائيلية التى تنمو برعاية امريكية ... ليست الا قمة جبل الجليد الذى يختفى تحت سطح الماء.

حمدي السعيد سالم













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /11-12-2011, 12:01 AM   #19

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تركيا والقضية الفلسطينية

دور تركيا في القضية الفلسطينية
في الفترة من 2002-2010 (فترة حكم العدالة والتنمية الاولى والثانية).
إعداد: رجب الباسل.
مقدمة:

شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية تصاعدا مطردا وملحوظا في الدور التركي، سواء على المستوى الإقليمي أو حتى على المستوى الدولي، وكان أبرز هذه الأدوار، هو الدور التركي في القضية الفلسطينية، وهو الدور الذي أثار الكثير من التكهنات والتساؤلات خاصة في ظل سيطرة حزب العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية على الحكم. فثمة قائل أن الدورالتركي المساند للقضية الفلسطينية ينبع من توجه قيادات الحزب التي تتولى الحكم على أساس خلفيتهم الإسلامية، والتي لابد أن تنحاز للجانب الفلسطيني وهو ما يوفر من جانبآخر شعبية وأرضية للحكومة التركية داخليا وخارجيا. وثمة رأي أن السياسة الدولية لاتعرف الأيدلوجيات، ولكنها تعرف المصالح، وأن السياسة الخارجية للحكومة التركية تعبرعن مصالح تركيا العليا، وأن كل خطواتها إنما تصب في ذلك الاتجاه، حتى وإن بدا عكسذلك. فالدور المتصاعد والنفوذ المتنامي هو في حقيقته مصلحة تركية؛ بهدف احتلالمساحات نفوذ على حساب أطراف أخرى بدت منكمشة، أو في مواجهة قوى أخرى تمددت، وأنالقضية الفلسطينية هي المجال الأكبر والأول لاحتلال تلك المكانة. وثمة رأي ثالث؛ أنالدور التركي-المتصاعد في المنطقة وفي إطاره القضية الفلسطينية- جاء طبيعيا في إطارالرغبة الأمريكية في تقديم صورة للدولة الديمقراطية الإسلامية التى يمكن أن يتولى الإسلاميون فيها الحكم في ظل دستور علماني وعدم صدام مع المصالح الأمريكية الكبرى في المنطقة. في إطار هذه التساؤلات وفي محاولة للوصول إلى تفسير علمي لذلك الموقف التركي خلال السنوات السبع الأخيرة، تأتي تلك الدراسة التي أحببت المشاركة بها في المؤتمر العربي التركي للعلوم الاجتماعية، والذي يضم نخبة من الباحثين العربوالمسلمين من كل أنحاء عالمنا العربي والإسلامي، ولعلها تكون إضافة في هذا المؤتمرالذي يمثل في حد ذاته أحد تجليات الدور التركي في مد جسور التواصل وتعميقها مع العالمين العربي والإسلامي.

ومن ثم فإن هذه الورقة تحاول الإجابة على التساؤلات التالية:

- ما تطورات الموقف التركي من القضية الفلسطينية؟
- ما محددات الدور التركي الحالي- الرسمي والأهلي - من القضية الفلسطينية؟
- ما هي انعكاسات الدور التركي على أطراف القضية وعلى علاقة تركيا بها وبالأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة؟

منهج البحث:

جمع الباحث بين المنهجين التاريخي والتحليلي بما يخدم أهداف البحث الذي ينطلق من التاريخ ثم يحلل الواقع ليصل إلى استشراف المستقبل.

تقسيم البحث:

ينقسم البحث إلى ثلاثة فصول وخاتمة:

- الفصل الأول: معالم الدور التركي الحالي في ضوء الخبرة التاريخية ومستجدات الوضع المحلي والإقليمي والدولي.
- الفصل الثاني: مستقبل الدور التركي وانعكاساته على علاقة تركيا بأطراف القضية.
- الفصل الثالث: دورتركي متزايد في مصلحة من؟
- خاتمة.

أولا: معالم الدور التركي الحالي في ضوء الخبرة التاريخية ومستجدات الوضع المحلي والإقليمي والدولي:

يسعى الفصل الأول من الدراسة أن يتتبع الموقف التركي منذ بدايات القضية الفلسطينية وخاصة مع إعلان دولة إسرائيل عام 1948ثم الاعتراف التركي بهذا الكيان حتى الآن، مرورا بالأحداث المحورية فى تاريخ القضية، ومن ثم معرفة الجديد في الموقف التركي مع حكومة العدالة والتنمية.

1- الخلفية التاريخية للدور التركي من القضية الفلسطينية

ارتبطت تركيا بالقضية الفلسطينية منذ وقت بعيد؛ حيث كانت فلسطين جزءا من الدولة العثمانية حتى الاحتلال البريطاني لها عام 1922. كماترتبط تركيا بالقضية الفلسطينية في إطار الارتباط الإسلامي العام بالقضية وهو الأمرالذي استمر حتى الآن.

فخلال فترة الدولة العثمانية (1299- 1924م) تطور موقف الدولة من القضية حسب قوتها وضعفها، فعندما بدأ الضعف يدب في أوصال الدولة وسمحت بالامتيازات الأجنبية في إقليمها تحت ضغوط من الدول الكبرى "استطاع رجل الأعمال اليهودي الإنجليزي موشيه مونتيفيوري أن يحصل على ضمانات من الدولة العثمانية بالحماية والامتيازات، حيث أنشأ المستعمرات بدءا من عام 1839-1840، حيث تضاعف عدد اليهود من 1500 سنة 1837 إلى 10000 سنة 1840 ثم 15000 سنة 1860 ثم إلى 22000 مستعمر يهوديعام 1881 يتركز غالبيتهم في القدس، حيث حصل موشيه مونتيفوري على فرمان عثماني عام 1859 بشراء أرض خارج أسوار القدس أقام عليها مستشفى ومبان لليهود وتحولت إلى أول مستعمرة لليهود باسم "يمين موشييه" وعندما تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة (1876 – 1909 م) وأراد تقوية الدولة وأطلق فكرة الجامعة الإسلامية نجح في التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين وتعطيله خلال فترة حكمه.

ففي عام 1901 حاول تيودور هيرتزل -مؤسس المشروع الصهيوني- كسب موافقة الخليفة عبد الحميد الثاني على توطين اليهود في فلسطين، إلا أن السلطان العثماني رفض ورد قائلا: "لن يستطيع رئيس الصهاينة "هرتزل" أن يقنعني بأفكاره... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أموراً مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين... إنني أدرك أطماعهم جيداً، ولكن اليهود سطحيون في ظنهم أنيسأ قبل بمحاولاتهم". وأرسل السلطان عد الحميد إلى "هرتزل" قائلاً له: "لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأرض المقدسة؛ لأنها ليست ملكي". وبعد تولي مصطفى كمال أتاتورك الحكم في تركيا ثم إلغاء نظامالخلافة الإسلامية (1924 م) أرسى أتاتورك مبدأ (السلام في الداخل والسلام في الخارج حيث استمرت العلاقة بالقضية الفلسطينية وإن كان في إطار أكثر انعزالية في ضوء توجهات الفترة الأتاتوركية (1923-1938) إجمالا التي أطلق عليها (مبدأ العزلة الكمالية) حيث ركز بصورة أكبر على سياساته لتغيير تركيا من الداخل.

مرت المواقف التركية من القضية الفلسطينية بمراحل عدة لكن يمكن إجمالا وضع المحددات التي حكمت الموقف التركي من القضية الفلسطينية وهي:

1- مدى الاقتراب التركي من الغرب واعتبارموقفها المؤيد لإسرائيل أحد بواباتها لذلك التقارب:

حيث اعترفت تركيا بدولة إسرائيل عام 1949 وكانت تركيا أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل، ثم استقبلت إلياهوساسون كأول وزير مفوض لبلاده في تركيا، وتم تبادل السفراء بينهما عام 1952، سبق ذلك توقيع اتفاقيات أمنية بين البلدين عام 1951، ووقعت الدولتان إضافة إلى إثيوبيا معاهدة حزام المحيط في أغسطس عام 1958، وكان مقابل ذلك من الجانب الغربي انضمام تركيا لحلف شمال الأطلنطي-الناتو- عام 1952. والعلاقة مع الغرب في شقيه الأوروبي والأمريكي بعيدا عن تفاصيلها -التي يمكن الاختلاف بين مكونات النظام حولها - مطلب ملح لدى الجميع في تركيا سواءالمؤسسة العسكرية أو الشعب التركي الذي يرى في عضوية الاتحاد الأوروبي فرصةللانطلاق ورفع المستوى الاقتصادي.

2- مدى توافق هذه العلاقة مع الأمن القومي التركي والقضايا الجوهرية التركية:

مثل قضايا الأرمن والأكراد وقبرص وسوريا وهي أيضا قضايا لا يوجد خلاف حول كلياتها مع وجود اختلافات فى الرؤى حول تفاصيلها. فعندما تميل إسرائيل للموقف التركي يكون التعاون وهو ما حدث عام 1951 عندما وقّعت الدولتان اتفاقا أمنيا مقابل تزويد إسرائيل لتركيا بمعلومات أمنيةعن المنظمات الكردية والأرمينية والنشاط اليوناني فى البحر المتوسط. وعندما مالت إسرائيل لليونان ضد تركيا كما حدث عامي 1963- 1964إبان الأزمة القبرصية شهدت العلاقة بين الدولتين بعضا من التوتر حيث رفضت تركياالعدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والضفة وغزة عام 1967 ودعت إلى احترام قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 الداعيين إلى العودة لحدود ما قبل 5 يونيو 1967 ورفضت القرار الإسرائيلي بضم القدس إداريا بعد احتلالها عام 1967، لكنها لم تصل إلى حدالقطيعة الدبلوماسية، حيث رفضت قرار منظمة المؤتمر الإسلامي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969 ولكنها رفضت في الوقت ذاته أن تكون معبرا للطائرات الأمريكية لإمداد إسرائيل بالأسلحة أثناء حرب تشرين –أكتوبر 1973.

3- طبيعة النظام السياسي القائم في تركيا والعلاقة بين الديني والعلماني ومدى اقترابه أو ابتعاده عن الكمالية السياسية، وكذا مدى هيمنة العسكر على مجريات النظام: مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك حدودا عليا ودنيا يعمل في إطارها النظام القائم أيا كان توجهه ولكن في النهاية طبيعته تجعله أكثراقترابا من أي من تلك الحدود وبما لا يصطدم بالبعدين الأولين وهما العلاقة بالغرب والمصالح القومية التركية العليا. فالعلمانية المتشددة التي تحميها المؤسسة العسكرية وبعض القوى الفاعلة داخل النظام التركي –طبقا لدستور عام 1982-تجعل الاقتراب منها أو محاولة تخفيف حدتها أمر بالغ الصعوبة لأي قوة سياسية أو اجتماعية تركية أيا كان توجهها. والدين –خاصة الإسلامي الذي يدين به غالبية الشعب التركي- هو مكونأساسي أيضا لدى الشعب التركي ورغم سياسات النظام التركي المتشددة تجاه الدين منذعهد أتاتورك، إلا أن الدين لا زال له دوره وقبوله وتقديسه وتعظيم دوره لدى فئات كثيرة في الشعب التركي؛ لذا يصبح لزاما على أي نظام سياسي في سياساته الداخلية والخارجية أن يوازن قدر الإمكان بين تطلعات الشعب الدينية وقيود المؤسسات الأمنية العلمانية. ففي حالة النظام العلماني الشديد أو سيطرة العسكر تكون العلاقة أقوى مع إسرائيل لكنها لا تصل إلى حد التجاهل التام للحقوق الفلسطينية –إلا في فترات محدودة جدا- كما أن ابتعاد النظام عن العلمانية المفرطة أو اقترابه الشديد من الشكل المدني، لا يصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل أو تجميد التعاون فى بعض المجالات الاستراتيجية.

4- طبيعة النظام الدولي، فالدور التركي يختلف في مرحلة الحرب الباردة عن ذلك الدور بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وهيمنة القطب الأمريكي الأوحد على العالم، ثم حالة التراخي البادية في سيطرة هذا القطب تأثرا بالحرب في أفغانستان والعراق. ومن ثم فإن البعض راهن على ضعف الأهميةالاستراتيجية لتركيا في الرؤية الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، لكن تركيا استطاعت أن تثبت تزايد أهميتها لا تناقصها من خلال قراءتها الجيدة لمعطيات الوضع الدولي والتغيرات التي طرأت على البيئة الدولية المحيطة خاصة بعد طرح إدارةبوش الابن عام 2004 لمبادرة الشرق الأوسط الكبير، والتي رأى فيها بوش تركيا نموذجايمكن أن تحتذي به دول العالم الإسلامي في التوفيق بين الإسلام وقيم الغرب.

-الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي (1948-2002)

يرى بعضالباحثين أن هناك "ثمة منظورات واقترابات عديدة يمكن استخدامها لتحليل السلوك التركي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، أهمها منظور الحرب الباردة، واقتراب السلوك التصويتي، ومنظور الازدواجية، واستخدام مفهوم التوازن في السلوك الخارجي تجاه طرفي الصراع أو استخدام مفهوم التغير في السياسة الخارجية". لقد مال البعض إلى منظور الحرب الباردة لتفسير الموقف التركي من الصراع العربي الإسرائيلي حيث كانت تركيا محسوبة على المعسكر الغربي بينما القوة القائدة فى النظام العربي، وإن كانت رسميا اتبعت نهج عدم الانحياز إلا أنها كانت أقرب إلى المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثم فإن أي موقف تركي من هذا الصراع سيكون طبقا للمعسكر الذي تنتمي اليه وهو هنا معسكر مؤيد للسياسة الإسرائيلية.

بينماالواقع طبقا لاقتراب السلوك التصويتي يؤكد أن ثمة توزانا في السلوك التصويتي لتركيا فى المحافل الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فى نفس الفترة تقريبا وهو هنا مايفسره البعض باقتراب الازدواجية التركية بين الولاء للغرب والانتماء للشرق أوالإسلام. إجمالا وبقراءة للمواقف التركية من مجمل قضايا الصراع العربي الصهيوني، فإن الناظر لأول وهلة، يجد أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بدولة إسرائيل عام 1949، وكانت الأسبق أيضا في إقامة علاقات دبلوماسية معها، لكن بقراءة معمقة لمجمل المواقف بعد ذلك سيجد هناك توزانا ما – قد تميل كفته أحيانا لصالح إسرائيل– في الموقف من القضايا الكلية للصراع. فقد اعترفت تركيا بإسرائيلعام 1949، لكنها رفضت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثم رفضت نتائج حرب يونيو 1967، وأيدت الموقف العربي رغم الخلافات التي كانت مع العرب حينها، وكانت أشد رفض الضم إسرائيل للقدس -مدنيا- عام 1967 أو الاعتراف بها كعاصمة موحدة عام1980، كما رفضت أن تكون جسرا للمساعدات العسكرية الأمريكية لمساعدة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973.

-الموقف من عملية التسوية:

أعلنت تركيا تأييدها لكل المبادرات السلمية لتسوية الصراع العربي الصهيوني إجمالا أو على أحد مساراته القُطرية مع إسرائيل. قد أيدت تركيا مبادرة روجرز (أغسطس 1970) و قرار وقف إطلاق النارخلال حرب أكتوبر 1973، ورحبت بدعوات تنظيم مؤتمر دولي للسلام في جنيف بحضور أطرافالنزاع وبرعاية أمريكية سوفييتية، وبعد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 أكدت على موقفها الداعي للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة في 5يونيو 1967.واعترفت تركيا بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1975 كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ثم سمحت للمنظمة بافتتاح مكتب لها فى تركيا عام 1979، ثم اعترفت بإعلان الدولة الفلسطينية عام 1988.

وبعد حرب الخليج الثانية -1991- أعرب الرئيس التركي تورجوت أوزالعن رغبة بلاده أن ينعقد المؤتمر الدولي للسلام على الأراضي التركية، وبعد انطلاق المؤتمر بمدريد في العام ذاته رأت تركيا في ذلك فرصة لتطوير وازدهار علاقتها بإسرائيل، حيث لم يعد لدى العرب الذين انتقدوها سابقا لإقامة علاقات مع إسرائيل حجةالآن؛ فالجميع جلس مع إسرائيل. وبعضهم أقام علاقات دبلوماسية، بل إن منظمة التحريرذاتها دخلت فى مفاوضات أوسلو وغزة وأريحا، وعادت إلى الضفة وغزة فـ" تحقيق السلام فى الشرق الأوسط ينهى هذه الازدواجية فى المواقف التركية، ويريح صانعي السياسة الخارجية التركية من مشقة إجراء حسابات دقيقة ومطولة لكل خطوة بخطوتها إزاء الشرقالأوسط." ومن ثم شهدت فترة التسعينيات من القرن الـ20 الميلادي أفضل فترات العلاقات التركية الإسرائيلية التي وصلت إلى قمتها بتوقيع الطرفين لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الأمنية بين الطرفين عام1996، وهي التي أثارت انتقادات عربية شديدة خاصة من مصر.

الموقف من المقاومة الفلسطينية:

حكم الموقف التركي من المقاومة الفلسطينية في عهودها المختلفة عدة عوامل منها:

1- الموقف التركي المعلن فى إطار المحددات المعلنةمن قبل، وهي الحفاظ على العلاقة مع الغرب وحماية الأمن القومي التركي، ومن ثم فإننجاح إسرائيل في الربط بين المقاومة الفلسطينية وعمليات حزب العمال الكردستانيالمسلحة على الأراضي التركية جذب تأييدا تركيا لإسرائيل على حساب المقاومة، خاصةإذا نجحت إسرائيل أن تثبت وجود علاقة ما بين فصائل المقاومة والحزب، مثلما حدث فىالاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 "حيث أكدت لتركيا قيام منظمة التحريربتدريب عناصر حزب العمال والجيش السري الأرمني في لبنان.

2- الضغط الشعبي الداخلي لتأييد الحق الفلسطيني فى المقاومة وتحرير أرضه بوصفه حقا مشروعا كفلته المواثيق والشرائع الدولية، وكذا في إطار الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع العالم العربي خاصة فى فترة الطفرة النفطية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، والذي غلب على السياسة التركية فيه أيضا الحياد، وإن كان يميل الى الجانب الفلسطيني على الأقل من ناحية التصريحات المعلنة وليس على أرض الواقع. فقد اعترفت تركيا بمنظمة التحريرعام 1975 وسمحت بافتتاح مكتب لها عام 1979 ووصفت الخارجية التركية رد الفعلالإسرائيلي على الانتفاضة الأولى ( ديسمبر 1987 ) بأنه "انتهاك للحقوق الإنسانية للفلسطينيين، وطالبتها بوقف هذا السلوك" بينما على المستوى الفعلي لم تتخذ قرارات على أرض الواقع ضد هذا التصعيد الإسرائيلي . ووفقا للبعض فإن تركيا سمحت "لبعض الوكالات الخاصة فى تركيا فى الربع الأخير من عام 1988 إبان الانتفاضة الفلسطينية فى الأراضي المحتلة في مجال إرسال عدد من العمال الأتراك للعمل فى إسرائيل بأجور مجزية لتقليل اعتمادها على العمالة الفلسطينية وقدر هذا العدد فى 25/1/1989 بحوالى 3 آلاف عامل تركي"

3- معالم الموقف الحالي في ظل حكومة العدالة والتنمية الأولى والثانية (2002-2010) جرت الانتخابات العامة يوم الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 وحصل حزب العدالة والتنمية على 34% من الأصوات وأحرز 365مقعدا من أصل 550، وأحرز حزب الشعب الجمهوري على 176 مقعدا و19% من الأًصوات. وفازببقية المقاعد مرشحون مستقلون. وفي الانتخابات المحلية التي جرت يوم 28 مارس/ آذار 2004 أحرزالحزب 42% من الأصوات في جميع أنحاء البلاد. وصل العدالة والتنمية إلى سدة الحكم فى تركيا في ظل وضع سياسيداخلي ودولي فرض عليه قيودا على حركته، و دفعه لاتباع بعض التكتيكات السياسية لتحقيق أهدافه والوصول لها.

ويمكن أن نرسم البيئة التي وصل فيها الحزب للحكم في عدد من الجوانب:

أ‌- وضْع العلاقات التركية الإسرائيلية قبيل وصول العدالة للسلطة

وصل العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا وكانت العلاقات الإسرائيلية التركية في قمتها نتيجة لتطورات عدة فى عقد التسعينيات من القرن العشرين الميلادي، حيث زارت رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيلر إسرائيل عام 1994 في أول زيارة من نوعها لمسؤول تركي بهذا المستوى منذ الاعتراف التركيبإسرائيل. وبعدها بعامين زار الرئيس التركي سليمان ديميريل إسرائيل أيضا وتوقيع الاتفاق الأمني العسكري الاستراتيجي (فبراير 1996) وشهدت العلاقات الاقتصادية تطوراملحوظا أيضا خلال نفس الفترة."تم تدعيم هذا التعاون باتفاقات لاحقة مثل (اتفاق 28/8/1996 بشأنمشروع تحديث طائرات الفانتوم التركي، واتفاق 1/12/1996 بشأن المشروع ذاته وتنظيم تدريبات ومناورات مشتركة. وكذا اتفاق 8/4/1997 بشأن تقدير ومخاطر إيران وسوريا على البلدين. وتم التوصل إلى 14 اتفاقا ومشروعا للتعاون العسكري بين البلدين" وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 1500 مليون دولار فىمايو 2001 علما بأن هذا المبلغ لا يشمل ثمن صفقات الأسلحة بين الجانبين."

ب‌- بيئة النظام السياسي التركي

= تولى العدالة والتنمية الحكم في تركيا في ظل بيئة سياسية معينة، وهي وجود مؤسسات رسمية داخل النظام مثل: البرلمان والسلطة التنفيذية (رئيس الوزراء ورئيس الدولة) والسلطة القضائية، إضافة إلى إقرار الدستور لصلاحيات معينة لمجلس الأمن القومي الذي تسيطرعليه المؤسسة العسكرية، والتي تعتبر في نفس الوقت حامي للنظام العلماني وللعلاقات التركية مع الغرب. مع الأخذ في الاعتبار أن الدور السياسي للعسكريين –الممنوح لهم وفقا للدستور- هو أحد معوقات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل تحجيم دورهم من الناحية الدستورية يزيد من فرص الانضمام للاتحاد في ظل شروطه المعلنة.

= كما تولى العدالة والتنمية في ظل تدهور شعبية الأحزاب القائمة،سواء التي انفردت بالحكم أو الحكومات الائتلافية التي سبقت الانتخابات البرلمانية المبكرة في نوفمبر 2002 حيث تدهور الاقتصاد التركي، وزاد معدل الفساد، وفشلت الحكومة الائتلافية في مواجهة الأزمة الاقتصادية؛ مما دفعها للاستقالة، والدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة. إضافة إلى ما سبق، جاءت انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 التي تعاطف معها الشعب التركي مقابل موقف رافض و متصاعد من الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة، زاد من ذلك الحرب الأمريكية على العراق، ثم احتلاله أبريل 2003 وبروز الدور الإسرائيلي الداعم للحرب وانكشاف المزيد من الحقائق حول الدور الإسرائيلي شمال العراق والعلاقة مع الأكراد.

جـ- الخلفيات الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية

يصر حزب العدالة والتنمية دائما على وصف نفسه بالحزب الديمقراطي المحافظ، ويرفض وصف نفسه بالإسلامي، ومن ثم فهو يرى أن موقفه من العديدمن القضايا ومنها القضية الفلسطينية نابع من عوامل ثقافية وتاريخية، وتعبر عن موقفالشعب التركي الذي انتخب الحزب.لكن الأمر المؤكد، أن مؤسسي حزب العدالة والتنمية الرئيسيين، هممن رجالات حزب الفضيلة الإسلامي الذين خرجوا منه، وقاموا بتأسيس حزب جديد بمنطلقات جديدة وباستجابة أكبر لمطالب الشعب التركي بناء على دراسات استقصائية قام بها الحزب ليكون خطابه أقرب لرجل الشارع التركي وتطلعاته. وكانت الفكرة الأساسية لحزب العدالة أنه "يجب التخلي عن الخطاب الديني الذي التزمه حزب الفضيلة بقيادة أربكان، وأن يستخدم خطابا يتفق مع الواقع التركي والعالمي أيضا.

لذلك تبنى "مسؤولو حزب العدالة والتنمية اقترابا يسعى للتوفيق بينقيم الغرب والقيم الإسلامية. ربما كان التغيير أكبر في مستوى الأدوات والشركاءالإقليميين المساعدين وليس في التوجه العام للاستراتيجية التركية الخارجية"لذلك استطاع الحزب أن يستمر على "التقاليد العثمانية ذات الطابع الإمبراطوري الذي يقومعلي التوفيق والتعايش بين خيارات متعددة والوصول لحلول وسط، وهو العامل الذي أدى بـ "الأتاتوركية" ذات الطابع الاستئصالي إلى عدم النجاح، كما أدى بـ "الأربكانية" ذات الطابع الإحيائي الذي يحمل نزعة جذرية إلى التراجع، بينما مهد الطريق أمام "الأردوغانية" في صيغتها الديمقراطية المحافظة المتواصلة مع الطابع العثماني (عثمانية جديدة) للوصول إلى السلطة." وتكون الحزب الذي يضم حوالي 3ملايين عضو وأكثر من 80 فرعا في جميع أنحاء الدولة التركية خليطا من اتجاهات عدة،أهمها الإسلاميون ورجال الأعمال والقوميون الأتراك، تمثل كلها روافد هامة لمواقف الحزب السياسية والاقتصادية.

د- معالم الموقف التركي الحالي من القضيةالفلسطينية:

حدد حزب العدالة والتنمية استراتيجيته الخارجية منمنظر الحزب ووزير الخارجية الحالى "أحمد داود أوغلو" الذي استطاع صهر كل المحددات المذكورة سلفا والخروج بنظرية جديدة للسياسة الخارجية التركية تقوم على مبدأ "صفرمشاكل" الذي أعلنه في كتابه "العمق الاستراتيجي.. مكانة تركياالدولية".

يقول أوغلو في مقال بمجلة فورين بوليسي الأمركية عدد يونيو 2010 "رؤيتنا للسياسة الخارجية التركية تعتمد على ثلاثة محاور، الأول يتعلق بدولتنا، وهوقائم على التوازن بين الأمن والحرية من أجل أن تأخذ تركيا موقعها بين أقوى دولالعالم. المحور الثاني يتعلق بالإقليم من حولنا، ويقوم على التأثير القوي في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، نحن لا نمثل 75 مليون تركي فقط، بل نحن معنيون بكل مكان يتواجد فيه الأتراك أو عاشوا فيه سابقا. المحور الثالث وهو المحور العالمي القائمعلى أن يكون لتركيا دور وكلمة في جميع القضايا العالمية من تغيير المناخ إلىالقضايا السياسية المختلفة من تشيلي وحتى الفليبين"

"إن تركيا حسب رؤية أوغلو ليست في موقع التصادم أو حتى التناقض لا مع الولايات المتحدة ولا معإسرائيل، وهي تبحث عن أفضل الطرق والأدوار لإحلال السلام في بيئتها الإقليمية بمافي ذلك السلام بين العرب وإسرائيل" ويرى الدكتور إبراهيم البيومي غانم أستاذالعلوم السياسية وخبير الشأن التركي أن "للدكتور أحمد داود ثلاث نظريات أساسية تعبرعن رؤيته للعلاقات الدولية تعبيرا أصيلا في نسبته إلى أفكاره، وإدراكه لذاته الحضارية/الإسلامية، بحسب مصطلحاته هو في كتاباته، وهي: نظرية التحول الحضاري،ونظرية العمق الاستراتيجي، ونظرية العثمانية الجديدة"

حيث يبرهن أوغلو في الأولى –التحول الحضاري- على أن ما يجري في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ليس تعبيرا عن انتصار الرأسمالية/الليبرالية،ولا عن نهاية التاريخ، وإنما هو تعبير عن تحول حضاري واسع المدى سيصبح العالم بعده الم متعدد الأقطاب.

وتتمثل الثانية -العمق الاستراتيجي- في إخراج تركيا من بلد "طرف"،أو "هامش" يقتصر دورها في كونها عضوا في محاور وعداوات، إلى بلد "مركز" على مقربةواحدة من الجميع، وفي الوقت نفسه إلى بلد ذي دور فاعل ومبادر في كل القضايا الاقليمية والدولية.

أما الثالثة -العثمانية الجديدة- فقوامها ثلاثة مرتكزات،

أولها: أن تتصالح تركيا مع ذاتها الحضارية الإسلامية بسلام، وتعتز بماضيها "العثماني" متعدد الثقافات والأعراق، وتوسع الحريات في الداخل، وتحفظ الأمن في الخارج،
وثانيها: استبطان حس العظمة والكبرياء العثماني والثقة بالنفس عند التصرف في لسياسة الخارجية، والثالث: الاستمرار في الانفتاح على الغرب، مع إقامة علاقات توازنة مع الشرق الإسلامي.

ويمكن أن نميز موقف العدالة والتنمية من القضية الفلسطينية خلالمرحلتين متداخلتين:

الأولى: منذ وصوله للحكم في نوفمبر 2002 حتى لهجوم الإسرائيلي على غزة ديسمبر2008:

حيث استمر الموقف التركي في عهد العدالة التنمية المؤيد لاعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 التي اعترفت بها تركيا بعد لإعلان مباشرة، ولم يطرأ أي تغير على هذا الموقف التركي المعلن. وفي قضية القدس ستمر موقف تركيا الرافض لاحتلال إسرائيل للجانب الشرقي منها.

الثانية: الهجوم الإسرائيلي على غزة ديسمبر 2008 حتى نوفمبر 2010:

حيث بدأ الموقف لتركي برفض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، ثم استقبال رئيس المكتب السياسي لحركة لمقاومة الإسلامية -حماس-خالد مشعل بعد فوز الحركة بالانتخابات البرلمانية عام 2006. وقال عبد الله غول - بصفته الحزبية لا الرسمية -بعد استقباله لمشعل إن "ذلك لاستقبال من منطلق أن تركيا تسعى لدور أكبر فى منطقة الشرق الأوسط، وأنه لا يمكنها ن تقف موقف المتفرج، مشددا على أن تركيا مهتمة بالمشكلة الفلسطينية، وأنها ستواصل لعمل على وقف العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ووفقا لتصريحاتغول، فإن موقف حكومة حزب العدالة والتنمية في التعامل مع الحصار المفروض على قطاعغزة انطلق من خلال السعي للعب دور إقليمي فاعل، إضافة إلى تعاطف الشعب التركي مع هالي غزة، والقيام بمبادرات شعبية لفك الحصار.

ثم تصاعدت حدة الموقف التركي بعد أحداث ثلاثة هامة وهي:

1- العدوان الصهيوني على قطاع غزة ديسمبر 2008-يناير 2009 حيث وصف أردوغان الاعتداء بعبارات مثل "إن ما يحدث في غزة من قبل إسرائيل عدوان سافر"، "وإنَّ من لم يدينوا الهجوم على غزة مزدوجو معايير" بينما نقلت صحيفة حريت التركية عن وزير الخارجية التركي حينها-علي باباجان –قوله لوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبني ليفني: أبوابنا مفتوحة، لكن عليك أن تتحدثي عن شروط وقف اطلاق النار إذا أردت المجيء إلى تركيا.

2- المناظرة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في مؤتمر دافوس بعيد انتهاء العدوان في 29-1-2009 في الجلسة المخصصة لمناقشة تداعيات الحرب على غزة، وقد عقدت على هامش جلسات المنتدى الاقتصادي في "دافوس"، حيث قال أردوغان لبيريز "أشعر بالأسف أن يصفق الناس لما تقوله، لأن عددا كبيرا من الناس قد قتلوا، وأعتقد أنه من الخطأ وغير الإنساني أن نصفق لعملية أسفرت عن مثل هذه النتائج"، ثم انسحب من الجلسة اعتراضا على عدم إعطائه وقتا كافيا ومساويا لبيريز.

3-وأخيرا الاعتداء الإسرائيلي العسكري على سفن كسر الحصار التركية المتجهة لغزة (31 مايو 2010) واستشهاد تسعة أتراك بدم بارد على السفينة مرمرة، وهي العملية التي أشاد بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. حيث وصف أردوغان الهجوم في خطاب له أمام البرلمان ما حدث قائلا "ضمير الإنسانية تلقى واحدا من أشد الجروح على مر العصور"،وأنه "يستحق كافة أشكال اللعن" و"سقوطا من الناحية الإنسانية وتهورا حقيرا" و"إرهاب دولة" محذرا إسرائيل من ألا تحاول "اختبار صبر تركيا أو مواكبتها. وبالقدر الذي تعتبر صداقة تركيا غالية فإن معاداتها قاسية بالقدر نفسه." وشدد أردوغان على أن تركيا لن تدير ظهرا للشعب الفلسطيني أو لقطاع غزة."

وفي رد فعل سريع على حادث الاعتداء، قامت الحكومة التركية بعدد من الإجراءات، منها استدعاء السفير التركي لدى تل أبيب،وإلغاء ثلاث مناورات عسكرية مبرمجة مشتركة مع إسرائيل، ودعوة مجلس الأمن لاجتماع طارىء لمناقشة الهجوم، وإلغاء المباريات التي كان من المفروض أن يشترك فيها منتخب تركيا للشباب لكرة القدم والموجود في إسرائيل حينها، و دعوة مجلس حلف الناتو إلى اجتماع طارئ. كما قاطعت تركيا مؤتمرا لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول السياحة الذي نظمته إسرائيل خلال شهر أكتوبر 2010؛ احتجاجًا على عقده في المدينة المقدسة. وقد وضعت تركيا شروطا لعودة العلاقات إلى طبيعتها مع إسرائيل، منها الاعتذار الرسمي عن حادثة الهجوم، ودفع التعويضات، والموافقة على تشكيل لجنة تحقيق دولية.

ثانيا: محددات موقف العدالة والتنمية من القضيةالفلسطينية ومستقبل الدور التركي:

هناك عدد من المحددات ستؤثر على الدور التركي الخارجي خاصة فيما يتعلق بدورها في الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضيةالفلسطينية، وهذه المحددات يمكن أن نلخصها في محددات أربعة، ستؤثر بشكل أو بآخر في طبيعة الدور ومستقبله وحدوده وأبعاده.

أولا: الموقف الداخلي التركي من هذا الدور:

يمكن أن يتم تقسيم الداخل التركي إلى دواخل فرعية،هي الشعب التركي بتوجهاته المختلفة إسلامية وقومية وعلمانية، ورجال الأعمال،والمؤسسة العسكرية وحلفاؤها. وكل قوة من هذه القوى لها موقف أو انطباع عن ذلك الدورالذي تقوم به حكومة العدالة والتنمية. فالشارع التركي يمكن أن يتم تقسيمه لغالبية مؤيدة لسياسات العدالة والتنمية تجاه القضية الفلسطينية، يصل موقف البعض من هذه الغالبية إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا من موقف الحكومة ذاتها، سواء بناء على مواقف إسلامية أو قومية تركية. وهناك أقلية سياسية كبيرة ذات توجه علماني، ترى في توجهات العدالة والتنمية التي تسير باتجاه تأييد حقوق الشعب الفلسطيني في أنها مواقف تناقض مبادئ العلمانية التركية والحياد في الصراع العربي الإسرائيلي، بل إن البعض يجترالماضي مذكرا بموقف العرب في ثورة الشريف حسين من الدولة التركية وانحيازهم لقوات الحلفاء للاستقلال عن الخلافة العثمانية.

إجمالا يمكن أن نعتبر الشارع التركي مؤيدا لسياسات العدالة والتنمية وضاغطا عليها لمزيد من التأييد للفلسطينيين،خاصة في ظل التطورات المتسارعة المتعلقة بالقضية والعدوان الإسرائيلي المستمر أوالانكشافات الأخيرة المتعلقة بالدور الإسرائيلي في دعم الأكراد شمال العراق،واتهامها بدور في المؤامرة التى كشفتها الحكومة التركية لبعض العسكريين الحاليينوالسابقين للانقلاب على الحكومة الحالية، والقيام بعمليات اغتيال في صفوفها، وهو ماعرف بقضية "ارجنكون" حيث أكدت "صحيفة «تقويم» التابعة لمجموعة «صباح» المقربة من الحزب الحاكم، أن الشبكة استخدمت نظام أجهزة «ماجلان أس 313» الإسرائيلي الصنع،والذي أحضرته من إسرائيل عبر قبرص الشمالية".

القوة الثانية هي القوى العلمانية في تركيا

وهي بداخلها إما قوى متشددة كحزب الشعب أو قوى علمانية غير متشددة لكنها تريد استمرار الوجه العلماني لتركيا. وفي دولة مثل تركيا كان انقلابها الأساس فيه فرض العلمانية في أقصى درجات تشددها وجعلها ثقافة مجتمع، يصبح وجود قوى علمانية أمرا مؤكدا وطبيعيا خاصة إذا كان الدستور ينص في مادته الأولى على أن تركيا دولة علمانية، كما أن سلطتي القضاء والجيش يدافعان عن هذا الخيار. لذلك ينظر هؤلاء-العلمانيون المتشددون- لأيتوجه تركي تجاه القضية الفلسطينية على أنه توجه إسلامي ضد علمانية الدولة، وليستوجها سياسيا يصب في خانة المصالح القومية ونمو الدور التركي الخارجي على المستوىالإقليمي والدولي. وتستغل هذه الأطراف التوجه الإسلامي المقاوم لحركة المقاومةالإسلامية حماس "لاتهام أردوغان بالانحياز إلى جانبها، وهو ما يتناقض مع أسـس ومبادئ الجمهورية العلمانية ومصالحها الاستراتيجية المقصود بها العلاقة مع أمريكاوإسرائيل ومنظمات اللوبي اليهودي"

أما القوة الثالثة فهي المؤسسة العسكرية والتي تمثل حامي الدستور وعلمانية الدولة

والمدافع الرئيس عن علاقات تركيا بإسرائيل والمرتبط معها باتفاقيات عسكرية وأمنية واستخباراتية متعددة يأتي على رأسها اتفاق التعاون الأمني الاستراتيجي عام 1996 ودور الجيش محصن وفقا لدستور عام 1982 الذي وضعه قادة انقلاب كنعان إفرين عام 1980 والذي جعل للمؤسسة العسكرية دورا متعاظما في الشأن السياسي التركي، وجعل قرارات مجلس الأمن القومي الذي يسيطر عليه العسكريون-حتى تعديلات الدستور 2001 ثم 2009 –ملزمة للحكومة وليست على سبيل الاسترشاد. القوة الرابعة وهم رجال الأعمال، وهؤلاء لهم دور رئيس في السياسة الخارجية التركية ويشكلون نسبة كبيرة من مؤيدي العدالة والتنمية في سياساته الداخلية والخارجية.

ثانيا -الموقف الأمريكي والأوروبي:

تعد تركيا بالأساس حليف استراتيجي للغرب والولايات المتحدة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلنطي –الناتو- وكانت محورا مهما في المعسكرالغربي إبان الحرب الباردة وقبل سقوط الاتحاد السوفييتي باعتبارها من أقرب دول الحلف جغرافيا للاتحاد السوفييتي السابق، ويوجد في تركيا واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية بالخارج، وهي قاعدة انجرليك الجوية جنوب تركيا، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي استمر الدور التركي خاصة في حرب الخليج الثانية –عام 1991-أو ما يعرف بحرب تحرير الكويت ثم شاركت تركيا أيضا في الحرب الأمريكية على أفغانستان عام 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة.

لكن بعد ذلك حدثت تغيرات هامة أثرت في الموقف التركي من العلاقات مع الولايات المتحدة هي:

-رؤية الإدارة الأمريكية أو طرحها لما يسمى الشرق الأوسط الكبير، والتي جعلت من تركيا نموذجا يمكن الاحتذاء به فى علاقة العالم الإسلامي بالغرب، حيث تجمع بين الإسلام وقيم العلمانية الغربية الحديثة، وبما يحسن صورة الولايات المتحدة فى المنطقة بعد غزو أفغانستان والعراق و"خلق توازن استراتيجي بين تركيا وإيران في الشرق الأوسط، وذلك في ظل حالة الفراغ التي خلّفها سقوط نظام صدام حسين". ويرى البعض أن الاستراتيجية الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما هي أنه يريد من تركيا أن تكون حصان طروادة لسياساته فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والتي تقوم على " شقين: الخطاب السياسي الودي، والمضمون السياسي القائم على استمرارية الهيمنة، وتحويلها إلى "هيمنة ناعمة" بعد إخفاق عسكرتها"

-الحرب الأمريكية واحتلال العراق عام 2003 في ظل رفض تركي للاشتراك في الحرب أو استخدام قاعدة انجرليك للهجوم على العراق، والخشية من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، والدور المتصاعد للأكراد وخشية استقلالهم بدولة كردية شمال العراق والكشف عن الدور الإسرائيلي في شمال العراق.

-وصول العدالة والتنمية للحكم باستراتيجية جديدة لا ترفض التعاون مع الغرب، لكنها ترى طبقا لمهندس السياسة الخارجية الجديدة –أحمد داود أوغلو- أن تركيا دولة مركز لا هامش، وأن العالم سيتحول إلى متعدد الأقطاب وليس أحادي القطبية، ومن ثم فإن السياسة والدور التركي يجب أن يكون وفق هذا التصور. يقول أحد الخبراء السياسيين الأمريكيين في تحليل ذلك أن "النظام الثنائي القطبية في فترة الحرب الباردة لم يعد قائما، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تفترض بأن تركيا سوف تسعى لإقامة تحالف معها وحدها، وترفض التقارب مع غيرها من الدول القوية مثل الصين أو الدول التي تحقق من خلال علاقاتها معها مكاسب اقتصادية واعدة"

إذن هناك رؤيتان أمريكيتان للدور التركي:

الأول: يرى أن الإدارة الأمريكية لا ترفض الدور التركي في القضية الفلسطينية؛ لأنها تعلم أن هناك سقفا أو خطا أحمر لن تتجاوزه تركيا في علاقتها بالغرب أو إسرائيل. بينما سقف إيران-اللاعب القوي في المنطقة وفي القضية الفلسطينية- في التعامل مع القضية أعلى كثيرا من تركيا. والولايات المتحدة تريد بديلا إسلاميا معتدلا يجذب حماس نحو الاعتدال في مواجهة نفوذ إيراني يهدد أمن إسرائيل. فـ"الولايات المتحدة باتت مدركة للصعوبات التي تواجهها في المنطقة، وترى في تركيا احتياطياً استراتيجيا يمكن الركون إليه ليشكل عامل استقرار وحاجة ملحة في الأزمات المعقدة"

الثاني: يرى أن العدالة والتنمية يتبنى الرؤية الإسلامية السياسية بصورة كاملة فطبقا لـ"سونر چاغاپتاي" مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن "فإن «حزب العدالة والتنمية» يرى كل شيء من خلال عدسات الصراع الحضاري، فلا يمكن أن يكون وسيطاً نزيهاً. وقد أصبح هذا واضحاً عندما أصبح «الحزب» وبسرعة مدافعاً عن الجانب الإسلامي حين سُمح له بإقحام نفسه بين «حماس» والسلطة الفلسطينية أو بين أوروبا وإيران".

كما أن "المعلِّقين المحافظين في واشنطن يحلمون بتحالف بين اليونان وإسرائيل وكردستان العراق، لإضعاف تركيا, وفي اجتماع مغلق لأعضاء "هيريتاج فاونديشين" (مؤسسة التفكير "هيريتاج" (التراث) التي تعد من معاقل المحافظين في واشنطن)، سُمع بقوّة تعبير "يجب أن نعاقب تركيا",

-الموقف الإسرائيلي من الدور التركي المتصاعد

الموقف الإسرائيلي من الدور التركي أقرب للموقف الأمريكي،فهو يريد دورا تركيا باعتبار العلاقات التاريخية والاستراتيجية مع تركيا وباعتبارأن نظام الحكم فى تركيا أيا كان توجهه لن يغامر بالعلاقات مع إسرائيل؛ لأنه يعلم أنها بوابة قبوله فى الغرب. ولكن مع الإقرار بوجود تفسيرات عدة إسرائيلية لذلك الموقف، بعضها يميل لتفسير التغير في العلاقة بسبب المنحى الأصولي للعدالةوالتنمية، والبعض الأخر يتهم الديمقراطية بأنها السبب وراء وصول حزب مثل العدالةوالتنمية للحكم فى تركيا، ويرى في الديمقراطية خطرا على إسرائيل إذا ما طبقت فى الدول العربية والإسلامية. ورأي ثالث يفسر ذلك بأنه صراع على المكانة الإقليمية،فتركيا الجديدة "لا تركل إسرائيل ولا تغير ألوانها. ولكنها تريد حليفا لا يحرجها،لا في نظر جمهورها ولا في نظر حلفائها الآخرين"

إذن هناك أيضا رأيان إسرائيليان حيال الدور التركي:

الأول: يرى أن تركيا لن تضحي بعلاقاتها مع إسرائيل، وأن لاقترابها من الفلسطينيين وابتعادها عن إسرائيل حدودا لن تتعداها. يقول يورى ووردن أول سفير إسرائيلي في تركيا لوكالة فرانس برسفي إطار فهمه لهذه المعادلة التي تحكم الموقف التركي من القضية الفلسطينية بعد فوزالعدالة والتنمية بالانتخابات في 3 نوفمبر 2002 - لست متشائما البتة، وعلى العكس فأنا أعتقد أن العلاقات الجيدة بين إسرائيل وتركيا ستستمر. وأضاف ووردون "إذا أرادت تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والإبقاء على علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة، والاثنان يصبان في المصلحة التركية فإن الحكومة الجديدة لاتستطيع أن تعدل علاقاتها السياسية مع إسرائيل".

ويقول الرئيس الإسرائيلي – السابق- موشيه كاتساف – بعد وصول العدالة والتنمية للحكم -بأنه ليس قلقا من صعود حزب العدالة إلى الحكم في تركيا،لأن المصالح الوطنية للدولتين تقرر دوما أن تبقى العلاقات بينهما جيدة. و يقول الباحثان الإسرائيليان ألون ليفين ويوفال بستان تعقيبا على المواقف التركية: إن "تركيا ليست معنيّة بالدخول في حرب مع إسرائيل، ولكنها أرادت فقط تحقيق بعض نقاط القوّة في المنطقة، وفي الساحة التركية الداخلية، والظهور بمظهر المدافع عن حقوق الفلسطينيين، وإظهار قدرتها على إحراج إسرائيل المرّة تلو المرّة" فالدور التركي سوف يحقق لإسرائيل أهداف جذب حماس وسوريا بعيدا عن إيرانوتقديم حليف بديل أكثر اعتدالا وقبولا لدى الغرب وإسرائيل؛ "لهذا يأتي الضغط التركيعلى إسرائيل منحصراً في الشكليات والجزئيات، أما الأساسيات فلن يكون محلاً لها حتى إشعار آخر أو تغير جذري في المواقف الاستراتيجية التركية."لذلك ورغم الانتقادات التركية اللاذعة لسياسة إسرائيل تجاه غزة وتبعات الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية، فإن "التركيبة المعقدة لبنية العلاقات التركية الإسرائيلية لم تكن لتحرم الأتراك والإسرائيليين من مساحة محددة ومحسوبة من الانتقادات والإدانات المتبادلة عبر الحرب الكلامية الموسمية، التي قد يركن إليها الطرفان مع نشوب أية توترات بينهما لأي سبب، إن بغرض الاستهلاك المحلي أو بقصد توجيه رسائل ذات مغزىمعين لمحيطهم الإقليمي وفضائهم الدولي" .

الثاني: يرى أن "العلاقات التركية –الإسرائيلية والتي كانت وحتى وقت قريب علاقة تحالفية توترت فأشارت لاحتمالات التردي والتغيير الجوهري الذي حدث في المنطقة، فالأمن القومي الإسرائيلي أصبح يشعر بخطر كبير من بعض دول المحيط –إيران- التي كانت تشكل حليفا ونصيرا، وتحولت إلى عدو أول وتركيا التي غدت حليفا للأعداء"ويؤكد ذلك تصريحات وزير الدولة الإسرائيلي بنيامين زئيف بيغن، الذي مثل رئيس وزراء إسرائيل في مؤتمر التغيّر المناخي في المتوسط، لصحيفة "تانيا" (اليونانية) أثناء زيارته لأثينا حيث قال معقبا على سؤال عن تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية: "الأمر مثير للقلق، لأنّ حزب السيد (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) أردوغان واضح في مواقفه، وأنّ حقيقة أنه يعمل على التحالف مع إيران ليس في حاجة إلى توضيح، وأنّ هذا التحالف الجديد بين تركيا وإيران وسورية ولبنان هو أمر مُقلِق بالنسبة لنا ولأوروبا. فقد صوّتت تركيا مؤخّراً في مجلس الأمن ضد فرض عقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي. ولذا فإنّ هذا الحلف ينطوي على أخطار جديدة بالنسبة للمنطقة بأسرها"

-الموقف العربي والفلسطيني

بعيدا عن الموقف الشعبي العربي الذي تأثر عاطفيا بخطابات رئيس الوزراء التركي أردوغان وتصريحاته المؤيدة للشعب الفلسطيني، فإن قراءة المثقفين والأنظمة العربية والفلسطينيين (سلطة رام الله وغزة) تراوحت بين الترحيب هروبا إلى الدور الأكثر اعتدالا من الدور الإيراني المتشدد، وبين تردد أو تشكيك فى أهداف ذلك الدور سواء بالتصريح عن ذلك علانية أو الترحيب الفاتر به. لقد كان موقف النظم الرسمية العربية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بصفة خاصة بين خيارين، وهما دور إيراني قوي ومتصاعد وممتد فى المنطقة، مقابل ضعف عربي منكمش ودور تركي متصاعد ويسعى لاحتلال أكبر قدر من المساحات الشاغرة -التي تركتها القوى العربية التقليدية بعد انكماشها خلال العقد الأخير- بدلا من أن تحتلها إيران، مع الاخذ فى الاعتبار أن هذا الدور التركي -في نظر الأنظمة- يصب داخليا في مصلحة القوى السياسية الإسلامية التى ترى أن العدالة والتنمية هو أحد صور التعبير عن تلك القوى.

في النهاية اختارت الأنظمة الدور التركي في ظل العدالة والتنمية، حيث كان نتاج حكم الأنظمة السابقة على السلطة أنها تصب في النهاية في اتجاه توطيد العلاقات التركية الإسرائيلية على حساب علاقاتها مع العالم العربي؛ لذا كان منحى العلاقات العربية –التركية خاصة على المسارين السوري والمصري في أفضل حالاته في ظل حكومتي الرفاه والعدالة والتنمية. دعم من ذلك التأكيد الرسمي التركي على أن "التحرك التركي في غزة تحديداً، لا يمكن له أن يتجاوز، لعوامل مختلفة، الدور المصري. وقد اعترفت أنقرة بذلك قائلة على لسان أحمد داود أوغلو: "إن الدور التركي يمكن له أن يكون مساعداً أو مكملاً، لكنه لن يحل محل الدور المصري" . هناك إذن تفسيرات عربية عدة للدور التركي في القضية الفلسطينية، ما بين متخوف من عثمانية جديدة تفرض سيطرة تركية على العالم العربي من المدخل الفلسطيني، حتى ترحيب كبير بهذا الدور بوصفه المنقذ من قمع إسرائيل للفلسطينيين في ظل الضعف العربي، وبين هذا وذاك توجد المشكلة وهي "في معرفة ماذا يريد العرب، إذ لا توجد دولة عربية ولا كيان سياسي عربي موحّد يعبّران عن إرادة عربية أو حتى عن خلافات وصراع عربي واضح المعالم، وهنالك كمية من الخيبات والإحباطات تشوّش الرؤية العربية لحقيقة الموقف التركي أيضاً" .

استراتيجيات العدالة والتنمية

في ضوء المحددات والمواقف المذكورة فإن العدالة والتنمية اتبع استراتيجية تقوم على تعظيم الدور الشعبي –أيا كان توجهه- مقابل تقليص دور المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية ووضعهما في إطارهما المعقول دون إفراط أو تفريط وفي ضوء المحددات الرئيسية الكلية للسياسة التركية، وهي الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الغرب وحماية المصالح العليا التركية. لذلك يمكن أن نرى ثمة اختلافا في السياسة التركية والموقف من القضية الفلسطينية خلال فترتي حكم العدالة والتنمية، فكلما اقترب خطوة من توسيع صلاحيات الحكومة المدنية مارس دورا أكبر في القضية الفلسطينية، واتخذ مواقف أكثر تشددا حيال إسرائيل في ضوء محددي السياسة التركية المذكورين.

الأولى: سعي العدالة والتنمية خلال فترة حكمه الأولى من نوفمبر 2002 وحتى نوفمبر 2007 على طمأنة الداخل والخارج حيث "أظهر قادة الحزب خطاباً تصالحيا، أعلنوا فيه احترامهم للنظام العلماني، كما حرصوا على كسب ود قادة الجيش بالرغم من محاولات العسكر للحيلولة دون تمكين الحزب من المشاركة في الانتخابات، وقد صرح أردوغان أنه "تخلى عن أفكاره السابقة" حين كان عضواً قيادياً في حزب الفضيلة بزعامة أربكان.أما عبد الله جول فلقد نفى "تهمة" أن يكون لديه أجندة إسلامية، وأعلن أنهم ليسوا إسلاميين وإنما أعضاء في حزب محافظ وغاية ما يمكن أن يوصفوا به أنهم ديموقراطيون مسلمون مثل الديموقراطيين المسيحيين في أوروبا".

كما عملت حكومة العدالة والتنمية على توطيد العلاقة بالغرب، وتعديل القوانين والسياسات بما يناسب تنفيذ شروط العضوية فى الاتحاد الأوروبي وهي في الوقت ذاته السياسات التى تحد من تدخل المؤسسة العسكرية في الشئون السياسية، وهو ما مكن الحزب من تحقيق أكثر من هدف فى آن واحد، فبعث برسالة إلى الغرب وإلى القوى العلمانية فى الداخل أن العدالة والتنمية يريد الاتجاه غربا، وأن الحد من نفوذ المؤسسة العسكرية هو من أجل تنفيذ الشروط المطلوبة لتحقيق اقتراب أكبر من أوروبا، وهي السياسات التي أيده فيها الأحزاب العلمانية مثل حزب الشعب الجمهوري الذي بدأ تلك الاصلاحات التي تتوافق مع الشروط الأوروبية عندما كان في السلطة عام 2001 بإدخال تعديلات على الدستور تحد من سيطرة العسكر على مجلس الأمن القومي وبعض الشئون السياسية الداخلية.

الثانية: هي مرحلة ما بعد انتخابات 2007 وتولي مهندس السياسة الخارجية التركية في عهد العدالة والتنمية ومنظرها البروفيسور أحمد داود أوغلو –مهمة وزارة الخارجية بعد أن كان مستشارا سياسيا لرئيس الوزراء -حيث سعت الحكومة لتعظيم الدور المدني-الرأي العام –فى الاستجابة بقدر الإمكان لمطالبه مقابل تحجيم دور المؤسسة العسكرية، وبذلك جعلت الرأي العام مقابلا لنفوذ العسكر، وهي السياسة التي اختبرتها الحكومة بالإعلان عن الكشف عن مؤامرة دبرها بعض العسكريين الأتراك السابقين والحاليين لاغتيال قيادات فى الحكومة، وقامت بتعديلات فى الدستور لمحاكمة المتهمين أمام القضاء المدني، وضغطت على المؤسسة العسكرية التى اضطر جنرالاتها إلى الإعلان عن أن المؤسسة العسكرية جزء من الدولة التركية وليست أعلى منها.

وفي إطار هذه المرحلة سمحت الحكومة أو تركت للقوى الشعبية الفرصةللخروج إلى الشوارع بمئات الألوف تنديدا بالعدوان الإسرائيلي على غزة ديسمبر 2008-يناير 2009 ثم قوافل المساعدات الإنسانية والإغاثية أثناء العدوان أو بعده،وصولا إلى قافلة أسطول الحرية التي قتل فيها تسعة من الأتراك على متن السفينةمرمرة، والتأكيد على أن تركيا لن تعطي ظهرها لغزة. وتحول الرأي العام التركي أحياناإلى عامل ضغط قوي ضد إسرائيل مقابل ضغط علماني وعسكري في الحفاظ على العلاقة معها فبدا الحزب في منتصف الطريق بين الطرفين، لا يستجيب لضغوط قطع العلاقات، ولا يستمر فى العلاقات الدافئة مع إسرائيل كما كان فى العصور السابقة.

ساعد الحزب على ذلك الموقف المتجه للبرود في العلاقة مع إسرائيل عملية التقارب الإسرائيلي اليوناني-على جميع المستويات خلال عامي 2009 -2010 والدور الإسرائيلي شمال العراق والعلاقة الخفية بحزب العمال الكردستاني، وهما ما يمكن اعتباره تهديدا للمصالح العليا التركية ولأمنها القومي، ومن ثم فإن الدور التركي المتزايد في غزة تحديدا يعد في أحد أوجهه رد فعل تركي على السياسات الإسرائيلية.

ثانيا: مستقبل الدورالتركي

هناك سيناريوهات عدة مطروحة للدور التركي المتوقع على المدى القريب منها ما يرى أن تركيا ستختار بين الاقتراب من محورالممانعة، أو الاقتراب من محور الاعتدال، أو الاستمرار في لعب الدور الوسط. ويرىالباحث بعيدا عن تفاصيل السيناريوهات الثلاثة أن السيناريو الذي يختاره لمستقبل هذاالدور يقوم على عدد من الأمور التي تصب كلها في سيناريو ممارسة دور الوسيط الناشط القائم على:

1- ممارسة دور فاعل في قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها القضيةالفلسطينية: وبما لا يمس محددات السياسة التركية الرئيسية، ولكنه يحتل مزيدا منالمساحات في ظل سياسة لا تريد الصدام المباشر مع قوى إقليمية أو دولية والحفاظ علىحد أدنى من العلاقات معها. فـ"ما تطمح إليه هذه السياسة هو تعزيز المصالح التركية الإقليمية، وتوفير بدائل لسياسة التوجه غربا السابقة. ويدرك الأتراك أن مثل هذه الطموحات لا يمكن تحقيقها بدون تبادل، سواء على مستوى المصالح السياسية أوالاقتصادية أو الأمنية".

2- الاتجاه في العلاقات مع إسرائيل نحو البرود: خاصة فى المجالات المدنية مقابل تفعيل العلاقات مع الدول العربية الرئيسية في المنطقة مثل السعودية ومصر وسوريا وحتى إيران بما يخدم أهداف ومصالح تركيا، وفي الوقت ذاته حتى تكون وسيطا موثوقا فيه بالنسبة لهذه الأطراف فيما يتعلق ببعض القضايا. يقول إبرهيم كالين ـ مستشار رئيس الوزراء التركي في معهد الدراسات التركيةـ أمام جمهور من المتابعين الأمريكيين: "في 9 يونيو 2010 " خلال التصويت في مجلس الأمن على العقوباتعلى إيران، صوّتت تركيا ضد العقوبات لسبَبين: أولاً، لم نُرِد أن نُناقِض أنفسناكنّا قد توصّلنا إلى شيء ملموس وعملي ولا يزال مطروحاً على الطاولة. كي لا نُناقِض أنفسنا، كان علينا التصويت ضد العقوبات. ضعوا أنفسكم مكاننا. بعد هذا كلّه، لا يزالأصدقاؤنا الأميركيون والأوروبيون يطلبون منّا مواصلة التكلّم مع الإيرانيين. لوصوّتنا مع العقوبات وقضينا على الثقة بين تركيا وإيران، ثم حاولنا التكلّم معهم من جديد... لما نجح الأمر".

3- اتجاه تركيا لمزيد من العلاقات مع دول وقوى المواجهة والممانعة مع إسرائيل: وبخطاب سياسي أعلى من المطروح من قوى الاعتدال فى المنطقة ليعطي لهذه القوى والدول ثقة فى التعامل مع تركيا، مع إمكانية طرح وإعادةطرح مبادرات للتسوية فى المنطقة على المسارات المختلفة في وقت واحد أو في أوقات مختلفة سواء السوري أو اللبناني أو الفلسطيني كل بحسبه.

4- عدم الاصطدام بقوى أو محور الاعتدال في المنطقة: بقيادة مصروالسعودية لطمأنتهم بأن تركيا لا تريد احتلال دورهم في الوساطة أو ملف المصالحة الفلسطينية، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو: "إن الدورالتركي يمكن له أن يكون مساعداً أو مكملاً، لكنه لن يحل محل الدور المصري.

5- زيادة احتمالات مرونة الموقف التركي الفعلي على أرض الواقع: -وليسعلى مستوى التصريحات-في ضوء تغيرات المصالح والاستراتيجيات فأي تراجع إسرائيلي عن تهديد مصالح تركيا في ملف الأكراد والعلاقة مع اليونان سيقابله تنازل تركي، وكذا أي ضغوط غربية أمريكية على تركيا فيما يخص هذا الملف الحساس سيدفع بتركيا نحو التراجع أيضا والعكس صحيح، ولكن أيا من الاحتمالين-التراجع أو التزايد- لن يعود بالدورالتركي إلى النقطة صفر، كما أن النشاط الزائد في السياسة الخارجية وعلى وجه الخصوصفي الملف الفلسطيني لن يؤدي الى قطيعة تامة مع إسرائيل أو مع الغرب. يلخص كاتب إسرائيلي ذلك قائلا "في السنوات الأخيرة أصبحت علاقاتنا مع تركيا أكثر توتّراً، وشهدت تحدِّيات كثيرة، ولكنّ الحديث عن قطعها هو حديث سابق جداً لأوانه. فحتى في ذروة التوتّر، وأثناء التصريحات القاسية من الجانب التركي؛ عادت حكومة أردوغان وعرضت على إسرائيل قيام تركيا بدور الوساطة بينها وسورية، وليس هذا من سلوك من يريد قطع العلاقات"

ثالثا: دور تركي متزايد في مصلحة من ؟

الحضور التركي المتصاعد والملحوظ في قضايا الشرق الأوسط وخاصة في القضية الفلسطينية محل البحث والتي تيقن الأتراك أنها بوابتهم لهذا الدور أثار تساؤلات عديدة تدور كلها حول سؤال رئيسي " لصالح من هذا الدور؟" أو بمعنى أدق ومع الاعتراف بأن كل دولة تسعى من وراء سياساتها الخارجية إلى تحقيق أهدافها، فإن التساؤل سيكون في مصلحة من سيصب هذا الدور؟ في مصلحة العرب وعلى وجه الخصوص الفلسطينيين أم في مصلحة إسرائيل؟ أم لن يحدث تغير يذكر فهو دور محايد تماما لا إلى هذا أو ذاك الطرف؟

هناك رؤى عديدة في الجانبين العربي والإسرائيلي حول هذا الدور:

1- على الجانب العربي: تباينت المواقف وتعددت فهناك من يرى أن تركيا تسد مساحات العجز العربي عن دعم الفلسطينيين حتى على المستوى السياسي ومستوى القول لا الفعل خاصة وأن خطاب أردوغان في كل الأحداث التي تتعلق بالقضية الفلسطينية كان أعلى كثيرا ليس فقط من دول محور الاعتدال بل أحيانا من دول محسوبة على محور الممانعة. كما يرى آخرون أن تركيا تؤدي دورا مرسوما لها أمريكيا تتحرك في إطاره حتى تجتذب ثقة الأطراف العربية خاصة من محور الممانعة وتسحب البساط من تحت الدور الإيراني الفاعل والمتغلغل خاصة وأن ما قامت به تركيا من الناحية الفعلية لم يتعد التصريحات فهي ظاهرة كلامية أكثر منها فعلية.

2- على الجانب الإسرائيلي: يرى البعض أن تركيا صديق استراتيجي لن يتخلى عن علاقته بإسرائيل والغرب من أجل الفلسطينيين والعرب، وأن نشاطها الزائد يصب في أحد أوجهه في مصلحتها على المستوي الفعلي؛ لأنها تسحب البساط من تحت أقدام الدور الإيراني، وتقدم بديلا معتدلا لهذا الدور وموثوقا به لدى الشارع العربي الذي يئس من مواقف محور الاعتدال. بينما يرى إسرائيليون آخرون أن أحد السيناريوهات المتوقعة من هذا التصعيد التركي هو القطيعة فعلا مع إسرائيل وأن تتحول إلى محور ممانعة . إذن هو دور مختلف عليه سواء في الطرف الإسرائيلي أو العربي ولكن السياسة والتحليل السياسي يهتم بالظواهر والأفعال لا النوايا.

ومن ثم فإن قراءة للموقف التركي حتى على مستوى تصريحاته والأفعال التي قام بها يؤكد أن دورا تركيا حتى لو كان محايدا – حقيقيا – سيكون في مصلحة القضية الفلسطينية، فهي ليست حكرا على محور الاعتدال في مجال التسوية ودعمها-على مستوى المقاومة- ليس حكرا على إيران أو محور الممانعة. والشعوب تنتظر من يقوم بشيء على المستوى الفعلي والذي غالبا يتطلب تضحية حتى من الطرف الذي وقع عليه الغبن، وأن تركيا من حقها –كما من حق أي دولة أخرى –أن تبحث عن دور وأن تحتل مساحات تركها آخرون.

لا أحد ينكر أنه "منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، حدث نوع من التوازن فى العلاقات التركية بين كل من "إسرائيل وفلسطين" بل إن منحنى العلاقات مال لصالح نوع أكبر من التعاطف مع القضية الفلسطينية، وتزايدت الزيارات التركية الرسمية لفلسطين،وقد وجد حزب العدالة والتنمية نفسه فى حالة شد كبير باتجاهين متعاكسين فقاعدته الانتخابية تميل بشكل قوى إلى دعم القضايا العربية والإسلامية وخصوصا القضية الفلسطينية، بينما يشعر الحزب أن هناك عوامل أخرى تفرض عليه استمرار علاقته بإسرائيل مثل المؤسسة العسكرية التركية، ورغبة الحزب فى علاقات متميزة مع أورباودخول الاتحاد الأوربي وعدم إغضاب الولايات المتحدة، ثم إن التكوين العلماني الصارم والنفوذ الإعلامي القوى للتيارات الأخرى تعوق تبنى سياسات إسلامية أكثر وضوحا وانفتاحا."

كما أن العلاقات التركية الإسرائيلية تمر بأسوأ حالاته الأسباب عديدة؛ بعضها يتعلق بسياسات الفعل ورد الفعل بين الطرفين، ووصل الأمر إلى أن العقيدة الجديدة للأمن الوطني التركي، تصف إسرائيل بـ"التهديد الرئيس، وأن عدم الاستقرار في المنطقة سببه تصرّفات إسرائيل وسياستها، والتي يمكن إلى تؤدِّي إلىسباق تسلّح في المنطقة". وهذه السياسات والتصرفات تشكِّل "تهديدا أساسياً لتركيا". كما أن تركيا "اشترطت عدم مشاركة المعلومات المُستقاة منمنظومة الدفاع الصاروخي التابعة لحلف شمال الأطلسي "ناتو" مع الجانب الإسرائيلي"

ووفقا لصحيفة "صباح" التركية فإنّ "الاستخبارات التركية قطعت علاقاتها مع "موساد" (جهاز الاستخبارات الخارجية) الإسرائيلي، نتيجة التوتر في العلاقات بين الدولتين. وأشارت الصحيفة إلى أنّ جهازيْ الاستخبارات اللذين عملا في الماضي معاً بشكل وثيق؛ توقّفا عن تبادل المعلومات الاستخبارية وتنفيذ العمليات المشتركة". البعض رضي أن تلعب إيران دورا وتحتل مساحات الفراغ التى تركتها بعض الأنظمة التى انكمشت بدعوى أن إيران تدعم المقاومة، رغم أن إيران في مناطق أخرى عربية سبب رئيس في وأد المقاومة وهي فى الحالتين تبحث عن مصلحتها. ومن حق تركيا أيضا أن تبحث عن مصلحتها، ويكون الأمر أكثر إيجابية إن كان ذلك الدور يعطي بصيصا من أمل للشعب الفلسطيني الذي افتقد أيادي تمتد بالمعونة إليه وألسنة تدافع عنه.


الخاتمة:

لا يختلف أحد على أن هناكنشاطا إقليميا تركيا متزايدا ومتصاعدا بدأ مع حكومة العدالة والتنمية نوفمبر 2002وأصبح أكثر فاعلية في الأعوام التالية وأكثر نشاطا خلال عامي 2009 و2010. هناك ظروف وعوامل ساعدت على هذا الدور والنشاط المتصاعد والفاعل والبديل لأدوار أخرى سلبيةكانت أم إيجابية، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن دورا ما كان لمهندس السياسةالخارجية التركية فى الألفية الثالثة أحمد داود أوغلو الذي أطلق عليه البعض كيسنجرالسياسة التركية، وأطلق عليه أستاذنا الدكتور إبراهيم البيومي غانم، أحمد داودأوغلو السياسة الخارجية التركية، مؤكدا أن مقارنته بكسينجر ظلم له لأسباب كثيرة لننذكرها.

لكن أهم ما قام به أوغلو أنه استطاع أن يقرأ جيدا دور تركيا بعدالحرب الباردة وفي ظل التطورات السريعة والمتلاحقة منذ أحداث سبتمبر 2001 وقراءته الجيدة لموقع الولايات المتحدة الفعلي والمتوقع على الساحة الدولية. كل ذلك جعل أوغلو يقدم رؤية متكاملة نظريا استطاع أن يضعها موضع التطبيق سواء عندما كان مستشارا لرئيس الوزراء أو عندما تولى حقيبة الخارجية رسميا فى 2009. أيا كان الموقف العربي من الدور التركي فهو دور يثير الإعجاب من دولة استطاعت أن تحافظ على مكانتها في العلاقات الدولية، رغم انتفاء جزء كبير من سبب تلك المكانة في الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، بل إنها استطاعت أن تطرح نفسها من دولة هامشية يريدها البعض كذلك إلى دولة محورية ومركزية فى منطقتها، واستفادت جيدا من موقعهاالاستراتيجي الذي يربط الشرق كله بالغرب.

أيضا فإن تركيا التي قالت: "نعم" فى الداخل لتعديلات الدستور، وأصبح للرأي العام أهميته الكبيرة في اتخاذ القرارداخليا وخارجيا، استطاعت أن تقول: "لا". وأن تقنع الآخرين أنها تملك مستوى عال من الاستقلالية فى اتخاذ قرارها بما يخدم مصالحها القومية العليا، ولا يؤثر في علاقاتها بالآخرين في إطار استراتيجية أوغلو الجديدة (صفر مشاكل مع الجيران). رغم ما كُتب عن تحولات الدور التركي عامة وموقفها ومستقبل دورها فى القضية الفلسطينية خاصة، فإن ذلك المجال يحتاج المزيد من الدراسة والتحليل سواء كان على هيئة مؤتمراتأو دراسات أو حلقات نقاش، فتركيا تقدم تجربة جديدة ونموذجا يستحق الدراسة والاستفادة.

* ورقة مقدمة للمؤتمر العربي- التركي للعلوم الاجتماعية ATCOSS-2010 -"الثقافة ودراسات الشرق الأوسط"-10-12 ديسمبر، 2010. أنقرة، تركيا
المصدر: وكالة سما الإخبارية، 8/9/2011













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /11-12-2011, 12:21 AM   #20

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية

السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية

تعتبر القضية الفلسطينية الآن قضية مركزية على المستويين الشعبي والرسمي في تركيا، حيث خرجت في هذا الشهر مظاهرات شارك فيها الآلاف من الشعب التركي في أنحاء مختلفة من البلاد، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة. ووصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان التصرف الإسرائيلي بأنه عدم احترام لتركيا، كما علق دور الوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا.وبادر من جهة أخرى بقيادة حملة دبلوماسية مكثفة على المستويين الإقليمي والدولي، مستخدما مقعد تركيا في مجلس الأمن، ومتسلحا بالموقف التركي الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وإلى ضرورة إيجاد حل وسط بين الطرفين المتصارعين.ومن هنا ينبغي القول إن الحرب على قطاع غزة ستؤدي إلى آثار بعيدة المدى بالنسبة لمستقبل المنطقة، ومستقبل العلاقات التركية - الإسرائيلية.

"الجديد هذه المرة أن أردوغان اعتبر الهجوم على قطاع غزة بمثابة ازدراء بتركيا، لأنه جاء بعد أربعة أيام من زيارة رئيس الوزراءالإسرائيلي إيهود أولمرت إلى أنقرة "

تركيا والقضية الفلسطينية

حمل رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان إسرائيل- شأنه في ذلك شأن العديد من السياسيين- المسؤولية عن المأساة الإنسانية في غزة، وهذا الموقف قد لا يبدو استثنائيا، عندما نعلم أنه سبق لأردوغان أن انتقد إسرائيل بنفس الطريقة ردا على اعتداءاتها السابقة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.ولكن الجديد هذه المرة أن أردوغان اعتبر الهجوم على قطاع غزة بمثابة ازدراء بتركيا، لأنه جاء بعد أربعة أيام من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى أنقرة، لبحث الوساطة التركية في المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا، لهذا جاء الرد التركي في هذا السياق بتعليق الوساطة، وبتكثيف أردوغان لجولاته الدبلوماسية في الشرق الأوسط للبحث عن حل للوضع في غزة، فزار كلا من الأردن وسوريا ومصر والمملكة العربية السعودية، كما أجرى محادثات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للغاية نفسها.وهذا الرد والسلوك التركي إذا كان يدل على شيء، فإنه يدل على المستوى العالي الذي بلغه الانخراط التركي في متابعة القضية الفلسطينية.

والجدير بالذكر هنا أن صانعي السياسة الخارجية التركية قد اكتسبوا على مدى السنوات القليلة الماضية، المزيد من الثقة بالنفس والإرادة السياسية للعمل على إحلال السلام في المناطق المجاورة لهم، بل إن تركيا باتت تستضيف العديد من زعماء المنطقة والقادة الأوروبيين والآسيويين والأفارقة، فضلا عن شخصيات سياسية رسمية رفيعة المستوى من الدول الغربية، من أجل حل نزاعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم.فصانعو السياسة التركية يبذلون جهودا مضنية لجعل تركيا تلعب دور الوسيط، من خلال البحث عن حلول للمشاكل الإقليمية المزمنة، كما يعملون على إيجاد مبادرات إقليمية لإحلال السلام، وحشد الجهات الإقليمية الفاعلة لخلق وعي جديد للسلام على مدى جغرافية واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى السهول الأوروبية الآسيوية.وتعد هذا الرؤية السياسية للدور التركي نمطا مثاليا، لذا يمكننا القول إن قيام تركيا بدور صانع السلام يعتبر ضرورة في مجال النظام الدولي، ويمثل التدخل التركي في القضية الفلسطينية جزء حاسما منها، أي من زاوية الرؤية التركية الواسعة للسلام الآنفة الذكر، بل وتحمل معها فيما يخص الحالة الفلسطينية أبعادا إضافية بسبب صلات وخلفيات تاريخية ثقافية غنية، وبسبب الدرجة العالية من الاهتمام الذي تلقاه هذه القضية من عموم المجتمع التركي.

الموقف الرسمي

تحتل القضية الفلسطينية مكانا مركزيا في السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط،، وعلى الرغم من أن الموقف الذي تبنته تركيا مؤخرا يمثل خطا سياسيا جديدا لها في المنطقة، إلا أنه لا يعد جديدا بالنظر إلى الحساسية الخاصة التي كان يمتاز بها الموقف التركي تجاه هذه القضية.فعلى سبيل المثال ردت تركيا بمواقف قاسية إزاء شروع إسرائيل ببناء وحدات سكنية يهودية شرق القدس عام 1967، ومن إطلاق النار في المسجد الأقصى عام 1969، ومن إعلان القدس عاصمة أبدية لإسرائيل بموجب القانون الأساسي لعام 1980، حتى أنها كادت تقطع علاقاتها مع إسرائيل في مناسبات مختلفة.وعلى العموم فإن الموقف الجديد لصانعي السياسة التركية، يفهم ضمن سياق تحمل تركيا مسؤولية خاصة إزاء القضية الفلسطينية، فضلا عن اعتبارها فرصة مناسبة لبناء دور تركي فعال في الشرق الأوسط، وقد حددت الإدارة التركية موقفها بنهج سياسي دقيق يسعى إلى ردع العدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وإدانة الهجمات الفلسطينية على أهداف إسرائيلية، مع المحافظة على علاقات جيدة مع كل من إسرائيل والحكومة الفلسطينية الشرعية.

من المؤكد هنا أن التصور الجغرافي الجديد لتركيا قد أتاح لها لعب دور قوي في الشرق الأوسط، حيث عبر صانعو السياسة التركية عن ذلك في العديد من تصريحاتهم، من ذلك وصف رئيس الوزراء السابق بولنت أجاويد عملية جنين في عام 2002 بأنها "إبادة جماعية"، كما أدان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان اغتيال الشيخ أحمد ياسين في عام 2004، ووصف وقوع خسائر جسيمة في صفوف المدنيين في مخيم رفح للاجئين بأنه "إرهاب دولة".وكمثال على اهتمام تركيا الجدي بقضية فلسطين، فقد أنشأت المكتب الفلسطيني لتنسيق التعاون الاقتصادي والاجتماعي، برئاسة السياسي المخضرم والوزير السابق فيبي دنسيرلر. كما ازداد اهتمام تركيا بفلسطين مع إنشاء فرع من الوكالة التركية للتعاون والتنمية (TIKA) في الضفة الغربية.وخلال انسحاب حكومة شارون من غزة، عرضت تركيا التوسط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن شارون رفض عرض وساطة تركيا، وبادر أردوغان في ذلك الوقت بعرض مساعدة الفلسطينيين في المجال الاقتصادي بعد إعادة الانتشار الإسرائيلي، وكان أفضل مثال على ذلك هو مبادرة اتحاد الغرف والتبادل التجاري في تركيا (TOBB) بإدارة منطقة صناعية على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة.

وكانت هذه المبادرة، "الصناعة لمبادرة السلام في فلسطين" هي مثال جديد للثقة بالنفس لدى الخارجية التركية وكبار رجال الأعمال تحت إطار التصور الجغرافي الجديد الذي يحتفل بالتجارة كأساس لسلام دائم في المنطقة، حيث يمكن لهذه المبادرة الملموسة أن تخلق أساسا للتعاون بين فلسطين وإسرائيل وتركيا.كما وصفت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مشروع إيريز بكونه'' مبادرة من شأنها أن تسهم في تحقيق السلام في المنطقة"، وعلى الرغم من تدمير الموقع الذي اعتزم اتحاد الغرف التجارية TOBB بناء منطقة صناعية فيه، في أجواء تصعيد الصراع في غزة في أغسطس/ آب 2006.إلا أن رئيس المنظمة، رفعت هيسارجيكلى أوغلو، أعلن عزمه على استثمار 100 مليون دولار أمريكي لإنشاء المشروع وتوظيف ستة آلاف فلسطيني بعد إعادة الاستقرار في المنطقة، وعقدت المنظمة الاجتماع الرابع لمنتدى أنقرة في 15 يناير/كانون الثاني 2007 في تل أبيب، لمناقشة الخطوات المستقبلية لإعادة إحياء مشروع منطقة إيريز الصناعية.

وقد أشار هيسارجيكلى أوغلو أن هذا المشروع هو المشروع الأهم والوحيد المقترح على الطاولة من الناحية الاقتصادية، وأكد أن تركيا تعد أحد المساهمين في المشروع إلى جانب الفلسطينيين والإسرائيليين.كما جاء في الإعلان المشترك الصادر عن الاجتماع الرابع لمنتدى أنقرة: "هذا المشروع يدخل مرحلة التنفيذ في أوائل 2007"، كما أعلن نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز تأييده للمشروع بقوله "ليس هناك وقت نضيعه، منطقة إيريز الصناعية ستكون مشروعا مفيدا لجميع الأطراف ذات الصلة". وعلى الرغم من تأخير إنجاز هذا المشروع جراء الوضع الأمني في غزة، إلا أن اتحاد الغرف التجارية TOBB يعتزم الوفاء بوعده ويتهيأ لمواصلة المشروع بعد الاستقرار في غزة.

"نظرت تركيا لفوز حماس بطريقة مختلفة، وفضلت التعامل معها بدبلوماسية استباقا للمشاكل المحتملة، حيث قالت وزارة الشئون الخارجية "إن على جميع الأطراف المعنية أن تحترم نتيجة الانتخابات الديمقراطية "
تركيا بعد فوز حماس

وعلى صعيد آخر افتتحت النتائج الانتخابية المحلية عام 2005 و التشريعية عهدا جديدا في القضية الفلسطينية بفوز حركة حماس بالأغلبية، وشكل رفض حماس التام لإسرائيل مصدر قلق رئيسي للمجتمع الدولي، وبدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مناقشة التدابير التي يمكن اتخاذها لدفع حماس للاعتراف بإسرائيل.أما تركيا فقد نظرت لفوز حماس بطريقة مختلفة، وفضلت التعامل معها بدبلوماسية، استباقا للمشاكل المحتملة، حيث قالت وزارة الشئون الخارجية "أن على جميع الأطراف المعنية أن تحترم نتيجة الانتخابات الديمقراطية، وأن أي محاولة من جهات خارجية فاعلة لإضعاف النظام المنتخب حديثا بفرض تدابير اقتصادية ضد الإدارة الفلسطينية، ستكون ضد مبادئ الديمقراطية".ووفقا لدوائر القرار التركية، فإن حماس كانت تبحث عن حلفاء في الشرق الأوسط لوضع حد لعمليات الحصار الاقتصادية والسياسية التي تواجها من النظام الدولي، وفي مثل هذا الوضع، وبدون تدخل تركيا، فسيكون مدخل حماس الوحيد والممكن للشرق الأوسط هو محور إيران - سوريا - حزب الله، ويؤكد هذا التصور دعوة الزعيم الديني الإيراني علي خامنئي قيادة حماس إلى طهران.

في خضم كل هذه التطورات، دعت وزارة الشئون الخارجية التركية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لزيارة تركيا، وقوبلت هذه الزيارة النوعية بالانتقاد من قبل بعض الدوائر في الولايات المتحدة وإسرائيل، فرد عليها وزير الخارجية آنذاك عبد الله غول بالقول إنه ليس بإمكان تركيا أن تبقى في موقف المتفرج على المشكلة الفلسطينية في الوقت الذي لا تزال سجلات أراضيهم موجودة لدى تركيا، وأوضح غول أيضا في رد له على انتقادات لوزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، أن فريقه نصح حماس بنزع سلاحها، وبأن تصبح أكثر اعتدالا وتقبل بالدخول في مفاوضات دبلوماسية مع إسرائيل.وعلى كل يؤكد تلقي حماس لدعوات من عدد من البلدان الأخرى، مثل روسيا وجنوب إفريقيا وفنزويلا وإيران، وتركيا أنها ليست الدولة الوحيدة التي نسجت صلات مع حكومة حماس المنتخبة، في حين استطاع النشاط الدبلوماسي التركي أن يؤثر ولو جزئيا على دول الاتحاد الأوروبي كي تستأنف تقديم المساعدات الاقتصادية للفلسطينيين تحت حكم حماس.وهكذا تعد دبلوماسية تركيا مع حماس تطورا جديدا، حيث لا يوجد مثال آخر على تدخل تركي يضاهي التدخل في القضية الفلسطينية بهذا المستوى من التعقيد، الذي ينطوي على تدخل في التحالفات الإقليمية والدبلوماسية في مواجهة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما تدخلت الدبلوماسية التركية في الاشتباكات التي وقعت بين حماس وفتح في قطاع غزة، لإقناع الجانبين بإنهاء الحرب الأهلية في الأراضي الفلسطينية.

الموقف التركي الشعبي

تعد القضية الفلسطينية قضية حساسة بالنسبة لشرائح كبيرة من المجتمع التركي، وهي من بين القضايا القليلة التي حملت الناخبين الأتراك للضغط على السياسيين لاتخاذ موقف في السياسة الخارجية.فقد أظهر استطلاع للرأي أجري في أكتوبر/ تشرين الأول 2000 أن 71% من الأتراك لديهم مصلحة في الشؤون الفلسطينية، و 60% طالبوا نيابة عن الشعب الفلسطيني بدور تركي أكثر فاعلية. كما أظهر استطلاع آخر للرأي أجري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 أن41% يؤيدون تسليم القدس للحكم الفلسطيني، واقترح 29 في المائة وضع القدس تحت إدارة الحكم الذاتي، بينما صوت اثنان في المائة فقط لصالح حكم إسرائيلي في القدس.كما أظهر استطلاع أجري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 شمل 2183 شخصا في أنحاء مختلفة من تركيا، لتقييم مواقف الشعب تجاه الفلسطينيين، أن 66% يؤيدون الفلسطينيين في كفاحهم. بينما أظهر 82%، في استطلاع آخر أجري في يوليو/ تموز 2000، دعمهم الشعبي لرئيس الوزراء أردوغان في توجيه اللوم لإسرائيل لمواصلتها ما أسماه بإرهاب الدولة. كما أعلنت شرائح مختلفة من المجتمع التركي، تراوحت بين الأحزاب السياسية واتحادات الطلابية، تكاتفها من أجل تقديم الدعم للفلسطينيين.وفي أعقاب الهجوم الأخير على غزة، هرعت المنظمات التركية الرسمية والمدنية الخيرية إلى غزة مع قوافل المساعدات،كما أوصلت مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) باعتبارها منظمة خيرية بارزة، المواد الغذائية والمعدات الطبية الضرورية إلى غزة، وأجرت الاستعدادات أيضا لنقل الفلسطينيين الجرحى إلى إسطنبول للعلاج.

فجوهر القضية الفلسطينية بالنسبة لمعظم الأتراك هو وضع (القدس) ومن سيسيطر على الأماكن المقدسة فيها، وقد ظلت هذه القضية حساسة في السياسة الخارجية التركية منذ فترة طويلة، وحظيت باهتمام كبير من المجتمع التركي.وتشير الاحتجاجات التي جرت على نطاق واسع ضد التوسع الإسرائيلي والعنف في الأراضي الفلسطينية في مارس/ أذار، وأبريل/ نيسان 2002، إلى حساسية هذه القضية في المجتمع التركي. كما لاقت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة احتجاجات على نطاق أوسع في أنحاء مختلفة من تركيا، وألغي احتفال كبير في إسطنبول عشية العام الجديد تضامنا مع غزة.وتجمع عشرات الآلاف من الأشخاص احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في الرابع من يناير/ كانون الثاني، وأذيعت هذه التظاهرة على التلفزيونات الفضائية العربية الكبرى، بما فيها قناة الجزيرة والعربية، وما زال الآلاف يحتجون ضد إسرائيل في مناطق مختلفة من تركيا.

"تهدف دبلوماسية أردوغان النشطة إلى منع المزيد من المآسي في غزة، ويتزامن ذلك مع استئناف قبول تركيا بوصفها عضوا غير دائم في مجلس الأمن لمدة سنتين"

دبلوماسية تركيا بعد مأساة غزة

بدأت تركيا حملة دبلوماسية مكثفة على الصعيدين الإقليمي والدولي لوضع حد لمأساة غزة، وزار رئيس الوزراء أردوغان عددا من الدول العربية الكبرى، وتحدث إلى الرئيس الفلسطيني عباس في الأيام الأولى من عام 2009، كما خاطب أردوغان المجتمع الدولي قبل زيارته لمصر، قائلا: "الفلسطينيون في قطاع غزة، إخوتنا، لا يمكن أن ينجوا من عزلتهم إلا عندما يرفع الحظر".وأدرجت تركيا في موقفها إدخال حماس في العملية السياسية، وأراد أردوغان من وراء ذلك إقناع حماس بالعودة إلى وقف إطلاق النار في مقابل رفع الحصار عن غزة، لهذا طالب المسؤولون الأتراك حماس بإعلان وقف إطلاق النار والعمل من أجل تسوية سياسية تضم المجموعات السياسية المختلفة في الساحة الفلسطينية.كما اجتمع أحمد داود أوغلو، كبير مستشاري السياسة الخارجية لأردوغان، مرتين مع خالد مشعل في سوريا، والأخيرة منهما جاءت استجابة لطلب الرئيس الفرنسي ساركوزي المساعدة من أردوغان. وقد سبق لتركيا في هذا الإطار، أن بدأت وساطة بين حماس والأطراف الدولية الفاعلة، مع الحفاظ على اتصالاتها العادية مع السلطة الفلسطينية المتمثلة في حركة فتح، وكذلك مع الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية.

وتهدف دبلوماسية أردوغان النشطة إلى منع المزيد من المآسي في غزة، ويتزامن ذلك مع استئناف قبول تركيا بوصفها عضوا غير دائم في مجلس الأمن لمدة سنتين. ورحب أردوغان بدعوة جامعة الدول العربية لحشد التأييد لاستصدار قرار لوقف إطلاق النار من مجلس الأمن، وأبدى استعداده للتعاون في هذه المبادرة.وقد حضر وزير الشئون الخارجية على باباجان الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في الثالث من يناير/ كانون الثانى2009. حيث دعا الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلو، لاتخاذ إجراء دولي عاجل لوضع حد للعدوان الإسرائيلي على غزة. كما أدان البيان الختامي لاجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي "الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية المستمرة على الشعب الفلسطيني في غزة".وصعد أردوغان لهجته بوجه إسرائيل من السعودية، حيث قال: "إن حماس التزمت بالهدنة، لكن إسرائيل فشلت في رفع الحظر، ويبدو أن الشعب في غزة يعيش في سجن مفتوح، في الواقع أن فلسطين كلها تشبه سجنا مفتوحا، أنا أناشد العالم بأسره: لماذا لا تظهرون نفس الحساسية التي كنتم تظهرونها في جورجيا، الآن في غزة ؟ لقد حشدت الأمم المتحدة، والولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لأجل جورجيا على الفور. ولكن الآن، لا أحد يتحرك لأجل قطاع غزة ".

وقد أدت ردود فعل أردوغان القوية إلى إجراء محادثة هاتفية بين الرئيس عبد الله جول ونظيره الإسرائيلي شيمون بيريز، فأصدر غول بيانا مكتوبا صدر بعد هذا الحوار، معربا عن قلقه للوضع السياسي والإنساني في غزة، مؤكدا على الحاجة إلى تقديم المعونة الإنسانية، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار.كما أعرب مجلس الأمن القومي التركي عن بالغ قلقه لوفاة أعداد كبيرة من الفلسطينيين في العملية الإسرائيلية في غزة، وأصدر بيانا خاصا يدعو إلى وقف فوري للعمليات العسكرية، ورفع الحواجز التي تحول دون تسليم المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين في غزة، ويحث على النظر في الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى حل. كما أضاف البيان " أنه يتوجب على الفلسطينيين التوصل إلى حل وسط فيما بينهم في أقرب وقت" وقد عكس بيان مجلس الأمن القومي الاهتمام الواسع بشأن القضية الفلسطينية في تركيا.

وتتكون خطة تركيا للتعامل مع الوضع في غزة من مرحلتين:

1- المرحلة الأولى هي التوسط للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتوفير رقابة دولية لحفظ السلام، بما في ذلك قوات عربية وتركية.

2- المرحلة الثانية تحقيق حل وسط بين الفصائل الفلسطينية المتنازعة لتحقيق الاستقرار في السياسة الفلسطينية، وضمان الالتزام بالسلام.

وعلى العموم يمكن القول إن أردوغان يسعى إلى بناء جسور تواصل بين العرب لإيجاد موقف مشترك تجاه القضية الفلسطينية.وقد أثنى عدد من الكتاب في كبرى الصحف العربيةعلى الأنشطة التركية في قضية غزة، وطالبوا أردوغان بتذكير القادة العرب أن القضية الفلسطينية قضية عربية في الأساس. ومن المرجح أن تستمر محاولات تركيا في الأمم المتحدة لتسليط المزيد من الاهتمام الدولي على المسألة الفلسطينية. كما ستبحث أيضا عن فرص لمناقشة هذه المسألة مع الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي.

"يتوجب على أنقرة أن تنقل مأساة غزة إلى جدولأعمال الاتحاد الأوروبي بطريقة تعمل على إعادة النظر في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية"

مسارات مطلوبة

تؤكد تحركات تركيا النشطة على المستويين الرسمي والمجتمعي ردا على المأساة في قطاع غزة، على تعزيز دورها الواضح بوصفها المروج للسلام في الشرق الأوسط، كما ستستمر المشاركة التركية في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، طالما استمر الدعم الديمقراطي والمجتمعي لأصحاب القرار في هذا الشأن قويا.

وفيما يلي بعض النقاط التي قد تساعد على تعجيل نتائج المحاولات التركية لحل القضية الفلسطينية:

1- ينبغي على تركيا البحث عن حوار دبلوماسي مع الولايات المتحدة للتأثير على موقف واشنطن تجاه القضية الفلسطينية وتغييره، فالرئيس المنتخب باراك أوباما أثار احتمال توسيع نطاق المحادثات مع مجموعات فلسطينية أكبر، ويجب على تركيا تمهيد الطريق لمشاركة الولايات المتحدة مجددا مع جميع الفصائل الفلسطينية.

2-المساعدات الإنسانية من المجتمع التركي إلى غزة في حاجة إلى تنسيق، وينبغي في هذا المجال إنشاء لجان مدنية للمساعدة في توصيل المواد المطلوبة إلى غزة بطريقة أكثر تنظيما.

3-يتوجب على أنقرة أن تنقل مأساة غزة إلى جدول أعمال الاتحاد الأوروبي بطريقة تعمل على إعادة النظر في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية.

4-ينبغي على تركيا أن تتعاون مع فرنسا وبريطانيا، مع العلم أن لهذه البلدان تجربة تاريخية واستراتيجية أكبر مع القضية الفلسطينية، والرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي يتبع خطى أردوغان في القوقاز والشرق الأوسط، وكذلك على تركيا أن تقود الدول الأوروبية الرئيسية الأخرى للاستمرار في التعاون لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

5-على الحكومة التركية أن تضع القضية الفلسطينية على جدول أعمال البرلمان، حيث أعربت جميع المجموعات في البرلمان عن تأييدها للقضية الفلسطينية؛ وعليه، فإن اعتماد موقف رسمي موحد من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من النفوذ في البيئة الإقليمية والدولية.

6-القضية الفلسطينية هي قضية حساسة بالنسبة للشعب التركي بغض النظر عن الميول السياسية، وينبغي على السياسيين الأتراك معالجة مطالب المجتمع بشكل عام، مع الإبقاء على التوتر الداخلي في مستوى يمكن السيطرة عليه.

7- ينبغي الاستفادة من سنتي العضوية غير الدائمة لتركيا في مجلس الأمن الدولي، لوضع القضية الفلسطينية على جدول أعمال الرأي العام العالمي، كما يمنح هذا المقعد غير الدائم لتركيا الفرصة لتكون أقرب إلى مختلف محافل الأمم المتحدة، وبالتالي الاضطلاع بدور أكثر نشاطا على مستوى الأمم المتحدة. لكن ثمة شرط أساسي لكي تستطيع تركيا التأثير في عمل الأمم المتحدة، ألا وهو الحصول على دعم قوي من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

8-العلاقات التركية الإسرائيلية ستكون متوترة في الأجلين القصير والمتوسط، فقد انزعج المسؤولون الأتراك من تصرف إسرائيل غير المسؤول في هذه المرحلة من مبادرة المحادثات السورية - الإسرائيلية المباشرة. ونتج عن ذلك فقدان ثقة أنقرة بإسرائيل فيما يختص بجهود التفاوض في المستقبل. وبالمقابل فقد انتقدت إسرائيل الإدارة التركية لكونها "قاسية" بشكل لا داعي له تجاه الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، ومن هنا ينبغي على أنقرة التأكد من أن إسرائيل لن تلحق أضرارا بالمحادثات والوساطة التركية في المنطقة مستقبلا.

9- على تركيا أن تكون على استعداد للمساعدة في إعادة إعمار غزة بعد تبلور تسوية ممكنة، وهناك حاجة لتنسيق الأنشطة، بما في ذلك إنشاء مؤسسات الدولة، والمنظمات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني والجامعات ومعاهد البحوث، وغير ذلك، للمساعدة في إغاثة الفلسطينيين وإعادة بناء قطاع غزة. ويجب على تركيا أيضا أن تدعو ألف طالب فلسطيني للتعلم في تركيا للمساعدة على إعادة التأهيل لفترة ما بعد الحرب، ولتعزيز العلاقات بين الشعبين التركي والفلسطيني.

وفي الختام إن حصول تركيا على مقعد في مجلس الأمن يمثل إنجازا تاريخيا لسياسة تركيا الخارجية منذ عام 1961، حيث تكاتف السلك الدبلوماسي التركي في شتى أنحاء العالم والقادة السياسيون لتحقيق هذا الهدف منذ عام 2003. وقد سعت تركيا، في السنوات الأخيرة، لتوسيع سياستها الخارجية والوصول إلى أنحاء متفرقة من العالم، ليس فقط في المعايير النظرية ولكن من الناحية العملية أيضا، ويقدم نجاح تركيا الحالي مزيدا من التحديات والفرص معا. ففي خضم محاولتها للمساهمة في الأمن الدولي، ستواجه تركيا ضرورة تحويل سياستها الداخلية وفقا لحقائق ما بعد الحرب الباردة.

فسياسة تركيا في جلب الطرفين المتصارعين معا إلى أرضية التفاوض، وتهيئة مبادرة للتعاون والحوار بينهما، ستلاحظ كثيرا من الآن في الساحة السياسية الدولية.
_______________

بولنت أراس / كاديمي تركي المصدر: مركز الجزيرة للدراسات













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /11-12-2011, 11:33 AM   #21

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي حرب غزة والتدخل التركي


حرب غزة والتدخل التركي
بولنت آراس وسيلين بولم
ترجمة النص الأصلي: شيرين فهمي

شنت إسرائيل هجوما مُدمرا على غزة في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، مما أدى إلى نسف طموحات السلام في الشرق الأوسط، وكان رد فعل تركيا على الهجوم سريعاً، ووجهت انتقادا شديدا لإسرائيل. وهو أمر ليس مستغربا، فالقضية الفلسطينية تحتل مركزاً محورياً في تركيا، سواءً على المستوى الرسمي أو المستوى الشعبي، فقد قام رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوغان" بزيارات عديدة إلى مصر والأردن والسعودية وسوريا، ساعياً خلف وقفٍ سريع لإطلاق النار، كما خرج آلاف الأتراك إلى الشوارع في أجزاء مختلفة من البلاد احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة. وتمثل الدبلوماسية النشطة التي أبدتها تركيا أثناء حرب غزة إشارة على تحول في رؤى السياسة الخارجية التركية، ودلالة على ثقتها في قدرتها على دعم علاقاتها بالقوى الإقليمية. ومن ثم، يمكن القول إن أنقرة لديها فرصة كبيرة لإيجاد حلٍ عادل ومستديم للقضية الفلسطينية، إذا ما أحسنت قراءة توازن القوى في المنطقة.

التدخل التركي أثناء الحرب على غزة
العلاقات التركية الإسرائيلية
السياسة التركية بعد انتهاء الحرب
تأثير دافوس
خلاصة

التدخل التركي أثناء الحرب

"تدخل تركيا في القضية الفلسطينية يمثل جزءاًأساسياً من رؤية تركية موسعة للسلام"

وقد عكس رد فعل "أردوغان" تجاه إسرائيل، ووقفه للمحادثات، ورفع مُعدل أنشطته وجهوده الدبلوماسية في الشرق الأوسط مدى تغلغل التدخل التركي في القضية الفلسطينية. وقد سبق لأردوغان نقد ممارساتٍ هجوميةٍ إسرائيليةٍ سابقةٍ على الأراضي المحتلة، إلا أن هذه المرة تميزت عما سبقها بوصف أردوغان الاعتداء الإسرائيلي على غزة بأنه "سلوكاً غير محترم تجاه تركيا"؛ إذ بدأ العدوان بعد أربعة أيامٍ فقط من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" لأنقرة. فبعد أن كان "أولمرت" مؤملاً –من زيارته تلك– في الشروع بمحادثاتٍ إسرائيليةٍ سوريةٍ غير مباشرة، بوساطةٍ تركيةٍ، جاء العدوان الإسرائيلي على غزة مًستفزاً "أردوغان" الذي سارع فوراً بوقف تلك المحادثات، والتوجه إلى الأردن وسوريا ومصر والسعودية لإيجاد حلٍ للوضع المتأزم في القطاع، كما تحدث أيضاً إلى رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس". ومن الواضح أن صانعي السياسة الخارجية التركية أبدو على مدى الأعوام القليلة الماضية إرادةً سياسيةً جديدةً في تبني منهج التسويات السلمية بدول الجوار الإقليمي. وذلك باستضافة تركيا قادة الشرق الأوسط وأوروآسيا وإفريقيا؛ إضافة إلى مستوياتٍ رفيعة من السياسيين والمسئولين القادمين من الدول الغربية، في سعي تركي إلى توفير الأرضية المناسبة لحل الصراعات العالقة بمناطق جغرافية مختلفة بالجوار الإقليمي. ويعكف صانعو السياسة التركية على إيجاد ديناميكيات إقليمية ممهدة لصنع السلام وخلق وعي جديد له في بقعةٍ جغرافيةٍ فسيحةٍ، تمتد ما بين الشرق الأوسط إلى أعتاب أوروآسيا. ومن ثم، فإن تدخل تركيا في القضية الفلسطينية يمثل جزءاً أساسياً من رؤية تركية موسعة للسلام؛ إضافةَ إلى أبعاد الخلفية التاريخية الثقافية الثرية، وحساسية المجتمع التركي تجاه القضية.

العلاقات التركية الإسرائيلية

لا يمكن تحليل العلاقات التركية الإسرائيلية في ظل حدود الأزمة الشرق أوسطية فقط، فقد وصلت تلك العلاقات إلى أوجها في منتصف تسعينيات القرن الماضي، بعد عدة اتفاقيات عسكرية واقتصادية ما زال بعضها قائما حتى هذه اللحظة.


ومن أسباب استمرار تلك العلاقات:
  • حاجة تركيا إلى مثل هذه الاتفاقيات العسكرية، بمعنى آخر، إن تركيا مُجبرة على تحصيل التكنولوجيا العسكرية من إسرائيل، خاصةً في ظل امتناع الولايات المتحدة عن بيع السلاح إلى تركيا، أو فرضها لجمارك مرتفعة.
  • والسياسة الإسرائيلية تعد عاملا مهما في احتفاظ تركيا باتفاقيتها العسكرية مع إسرائيل، حيث أن تلك السياسةلا تُعير اهتماما لاستخدام تركيا السلاح ضد منظمات "حزب العمال الكردستاني"، ومن ثم لا تمانع في بيع السلاح لتركيا، على عكس الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي.
  • ويشكل اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة بعدا آخر في العلاقات التركية-الإسرائيلية، وذلك بتأييده للموقف التركي المناهض لقانون "الإبادة الأرمينية"، الصادر عن الكونغرس الأمريكي، وهو القانون الذي أيدته بيانات "باراك أوباما" في أثناء حملاته الانتخابية الرئاسية، حيث أكد على اعترافه بالحقوق التي يتزعمها الأرمن.

    وقد شكل تولي "أوباما" الرئاسة مصدر قلق لتركيا، التي أوضحت لفريق السياسة الخارجية الأمريكية مدى الضرر الذي سيلحق بالعلاقات الأمريكية التركية إذا ما أصرت الإدارة الأمريكية الجديدة على مواصلة تطبيقها لقانون "الإبادة الجماعية". وعلى الرغم من هذا التحذير التركي، فإنه من المُستبعد أن يمر الموقف التركي حيال اللوبي الأرميني دون تحديات أو صعوبات. وفي مثل هذا الإطار، سيكون تحول موقف اللوبي اليهودي ذا تأثير مباشر على القرار الأمريكي.
السياسة التركية بعد الحرب
"لعب الدبلوماسيون الأتراك دوراً محورياً في إقناع "حماس" بإعلان وقف إطلاق النار"

استمرت المساعي الدبلوماسية التركية بعد إعلان إسرائيل وقف إطلاق النار أُحادي الجانب. فبينما كان "داوود أوغلو" ساعياً نحو دبلوماسيةً جادة بين دمشق والقاهرة، كان بيروقراطيو الوزارة الخارجية التركية يتحدثون إلى نظرائهم الإسرائيليين في القدس. لقد لعب الدبلوماسيون الأتراك دوراً محورياً في إقناع "حماس" بإعلان وقف إطلاق النار. ومن الأفضل أن تستمر المحاولات التركية تحت مظلة الأمم المتحدة لتحقيق إثارة دولية أكبر للقضية، وستسعى تركيا أيضاً لإيجاد الفرص المناسبة للتحدث مع الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية.

تأثير دافوس

أسفر موقف تركيا الحساس ضد الاعتداءات الإسرائيلية على غزة عن وقوع أزمةٍ بالمنتدى الاقتصادي العالمي بـ"دافوس" أثناء مناقشة العدوان الإسرائيلي على غزة. ففي 29 يناير 2009، رد "أردوغان" على دفاع "بيريز" عن العدوان الإسرائيلي على غزة قائلاً "ربما تشعر يا بيريز بالذنب، مما يجعلك ترفع صوتك. أنت تقتل الناس. أنا أتذكر الأطفال الذين قتلتهم على الشواطئ". وبينما "أردوغان" يرد على "بيريز"، إذا بالمحاور يحاول قطع كلامه، الأمر الذي ألجأ "أردوغان" إلى مغادرة القاعة غاضباً. ولعل تلك الغضبة هي التي أنزلت آلاف الأتراك إلى شوارع إسطنبول، لتُحيي بطلها "أردوغان" بالأعلام التركية والفلسطينية، صائحةً بأعلى صوتها "تركيا كلها معك".

" على عكس المواطنين والمثقفين العرب، لم يبد القادة العرب أية مشاعر مؤيدة لما فعله رئيس الوزراء التركي في دافوس"

أدى موقف "أردوغان" في "دافوس" إلى تعاطفٍ مهول من جانب الشعوب العربية والمسلمة. ففي شوارع غزة ودمشق، في الشوارع العربية كلها، تجمعت الجماهير لتعلن تأييدها لذلك الموقف الجسور، مُعلقةً صوره في كل مكان. وعلى عكس المواطنين والمثقفين العرب، لم يبد القادة العرب أية مشاعر مؤيدة لما فعله رئيس الوزراء التركي؛ وهو ما علق عليه "إبراهيم كاليم" قائلاً "إن العرب أكثر من يهتم بما يحدث في تركيا. ولكن كما تظنون، فإن هؤلاء العرب لا ينتمون إلى النخب العربية، وإنما للشوارع العربية. ليس سراً أن تكون الأنظمة العربية غير مُرحبة بتصاعد شعبية "أردوغان" في وسط العالم العربي". ولكن على الرغم من تعليقات "أردوغان" التي أثارت بعض القلق في إسرائيل، إلا أن المسئولين ذوي المستوى الرفيع في كلا الجانبين اعترفوا بقيمة العلاقات الثنائية الجيدة بين البلدين. فقد اعتذر "بيريز" لأردوغان فيما بعد قائلاً "أعتذر بشدة على ما حدث؛ فالأصدقاء يمكنهم الاختلاف بعض الوقت". ومن جهته أعلن "أردوغان" عن مناهضته للسياسات الإسرائيلية ولكن لم يعلن مناهضته للإسرائيليين أو لليهود في أي مكانٍ آخر، ومن ثم كان تأكيده دوماً على اعتبار "مناهضة السامية جريمةً ضد الإنسانية".

أشعلت حادثة "دافوس" نقاشات حامية في تركيا حول تدخل الأخيرة في حرب غزة، وحول نقد "أردوغان" اللاذع والأخير في المنتدى الاقتصادي. ونظر عدد من الصحفيين والمحللين الأتراك إلى موقف "أردوغان" باعتباره المسار الصحيح الذي نتج عن خطٍ ديناميكيٍ جديدٍ متعدد الأبعاد بدأت تركيا تتبناه في سياستها الخارجية. وهو خطٌ يرتكز على إيجاد شرعية دولية ووعي إقليمي بالأمن والسلام في المنطقة. هؤلاء المحللون يمثلون مشاعر الجماهير العربية التي ترى في "أردوغان" النائب عن وجدان الشعوب وعن آمالها في بعث نفس الرسالة إلى السياسيين الإسرائيليين. كذلك يرى هؤلاء المحللون حادثة "دافوس" امتداداً للسياسة الخارجية التركية، لا تعبيراً شخصياً لـ"أردوغان". وبالرغم من أن رئيس الوزراء التركي أظهر موقفاً أخلاقياً، يعكس التزاماً أخلاقياً تركياً بالقوانين والمبادئ الدولية، بينما أظهر النظام الدولي أزمةً شرعيةً وأخلاقية، إلا أن هذا لا ينفي قيام عدد من الأتراك بتوجيه النقد إلى "أردوغان"، متهمين إياه بتحويل بوصلة تركيا من الغرب إلى الشرق الأوسط؛ ولائمين عليه عدم تصرفه بطريقةٍ دبلوماسيةٍ لائقة أثناء نقده لـ"بيريز". كذلك ارتكز عدد من الانتقادات على الآثار السلبية الممكنة التي ستُخلفها واقعة "دافوس" على العلاقات التركية-الإسرائيلية. وعلى الرغم من تأييد قادة الأحزاب المعارضة لموقف "أردوغان" الغاضب في "دافوس"، إلا أنهم تخوفوا من أن يكون هدفه كسب مزيد من الأصوات المؤيدة له داخلياً، قبيل الانتخابات المحلية.

"ستعكف تركيا ابتداءً من اليوم على إنهاء آلام الفلسطينيين، وعلى مساعدتهم في بناء دولتهم كما تؤكد الاتفاقيات الدولية"
خُلاصة

من وجهة النظر التركية، انتهى العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة إلى فشلٍ ذريع، وقال "عمر تاسبينار" أحد المحللين الأتراك إن "هذا الوضع قد ترك إسرائيل أمام خيارين، فعليها أن تختار بين:

1 - محاولة إخراج "حماس" من السلطة: وهو أمرٌ مستحيل لأنه سيعني احتلالا دائما لغزة مما سيفضي إلى وقوع عدد هائل من الضحايا الإسرائيليين.

2 -والانسحاب من القطاع دون الحصول على أي ضمان بعدم معاودة "حماس" إطلاق صواريخها تجاه المدن الإسرائيلية".

إذا، يمكننا القول:

· أن للسياسيين الأتراك قناعة راسخة بقدرة تركيا السياسية على المزاوجة بين الاعتبارات الأخلاقية والأوليات الإستراتيجة.

· تباين الآراء حول واقعة دافوس لم يكن إلا نتاجاً عن بيئةٍ ديمقراطيةٍ منفتحة. ومعظم الرأي العام التركي ينحاز إلى وجوب انخراط بلادهم المستمر في حل القضية الفلسطينية، ووجوب إيجاد دبلوماسية تركية نشطة لإنهاء المأساة الإنسانية بقطاع غزة.

· أما بخصوص التوجسات المتعلقة بتعريض العلاقات التركية الإسرائيلية إلى الخطر، بسبب انتقادات تركيا للسياسة الإسرائيلية وموقف "أردوغان" الأخير في "دافوس"، فإنه أمرٌ بعيدٌ كل البعد عن الحقيقة. والدليل على ذلك هو اهتمام الحكومة الإسرائيلية اهتماماً جدياً بالإبقاء على استمرار العلاقات، مع اتباع بعض السياسات "الخفيفة" ضد نقد "أردوغان" لإسرائيل.

· وفيما يتعلق بالتوجسات الخاصة بتسبب "أردوغان" في تحويل تركيا عن المسار الغربي، ومن ثم تعريض العلاقات التركية الإسرائيلية إلى خطرٍ آخر، فقد رد المحلل التركي وخبير شؤون الشرق الأوسط "جنكيز كاندار" على تلك المزاعم موضحاً بأن التطورات اللاحقة لحرب غزة كان لها أثر في ازدياد دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للمبادرات الإقليمية التركية.

ملخص القول، إن تركيا سيكون لديها متسع أكبر للمناورة والتحرك الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط، خاصةً في ظل النهج الدبلوماسي للإدارة الأمريكية الجديدة، وفي ظل عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع قضايا الشرق الأوسط، لاسيما القضية الفلسطينية. على الرغم من توجه السياسات الإسرائيلية نحو الراديكالية المفرطة، بعد انتخابات فبراير 2009، إلا أن إسرائيل لا تُحبذ الدخول في عدوان جديد. وكما يؤكد الكاتب التركي "سولي أوزال"، فإن البيئة السياسية التي أوجدها "مبدأ نيكسون" والثورة الإيرانية – وهي البيئة التي كانت تبرر دوماً التأييد الأمريكي لإسرائيل – لم تعد موجودةً الآن. بمعنى آخر، إن التأييد الأمريكي لإسرائيل لن يكون مضموناً بعد اليوم. فالإدارة الأمريكية الحالية ترفع الكارت الأحمر أمام إسرائيل، بينما ترفع نظيره الأخضر أمام تركيا، كما يشير "كاندار". ولا جدال في تبوء تركيا اليوم مكانة الشريك الأساسي في جميع التصورات الإقليمية؛ ولا شك في أنها تضع السلام والأمن الإقليميين على قمة أولوياتها. ومن ثم، ستعكف تركيا ابتداءً من اليوم على إنهاء آلام الفلسطينيين، وعلى مساعدتهم في بناء دولتهم كما تؤكد الاتفاقيات الدولية.
_______________

* المادة أعدت لمؤسسة SETA للبحث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقام مركز الجزيرة للدراسات بترجمتها واختصارها وإعادة تحريرها.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
الموقف التركي من الحرب على غزة وآفاق دور إستراتيجي جديد

تواجه الدبلوماسية التركية منذ استلام العدالة والتنمية للسلطة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 تحديات جدية وأحيانا خطيرة تارة بسبب الصراعات الإقليمية القومية والمذهبية (إيران الشيعية والعرب السنة) وتارة أخرى بسبب التناقضات العربية وأكثر من ذلك الفلسطينية.

تحديات كثيرة

وبدأت هذه التحديات باختيار رئيس الوزراء عبد الله غول دمشق محطة أولى لجولته الشرق أوسطية بداية عام 2003 لمنع الحرب على العراق. وهو ما أزعج القاهرة آنذاك بحجة أنها زعيمة الأمة العربية ومقر جامعتها.وجاء التحدي الثاني بتهرب أنقرة من الدخول في تحالفات سنية ضد إيران. وتحدي آخر عندما رفض أردوغان استضافة شارون في أنقرة وتلا ذلك اتهامه لإسرائيل بالدولة الإرهابية لاغتيالها الشيخ أحمد ياسين في مارس/ آذار 2004.وكان رد الفعل الإسرائيلي عنيفا على هذه المواقف والتصريحات التي أزعجت اللوبي اليهودي في أمريكا وراحت تهدد أنقرة بخلق مشاكل سياسيا واقتصاديا لها، مذكرا بتخلص هذا اللوبي صيف 2002 من رئيس الوزراء الأسبق الراحل بولنت أجويت الذي أتهم إسرائيل بالقيام بمجازر عرقية جماعية ضد الفلسطينيين خلال أحداث جنين عام 2001. ودون أن تكون زيارة أردوغان إلى تل أبيب في يونيو/ حزيران 2005 ولقائه بشارون كافيا بالنسبة لتل أبيب واللوبي اليهودي حتى تغفر له "جريمته الكبرى" خاصة بعد أن أستضاف رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في أنقرة 16 فبراير/ شباط 2006.

"حرص أردوغان على تطوير علاقات أنقرة مع العواصم العربية بعد أن أقنعها أنه ليس طرفا في الخلافات العربية البينية، بل يسعىإلى تخفيف وطأة الخلافات على الواقع العربي وانعكاسات ذلك على قضايا المنطقة عربيا وإسلاميا "

وحرص أردوغان طيلة الفترة الماضية على تطوير علاقات أنقرة مع جميع العواصم العربية بعد أن أقنعها أنه ليس طرفا في الخلافات العربية البينية، بل على العكس من ذلك حاول أردوغان إقناع هذه العواصم أنه يسعى لتخفيف وطأة الخلافات على الواقع العربي وانعكاسات ذلك على قضايا المنطقة عربيا وإسلاميا، والاستناد في ذلك إلى أن تركيا دولة إسلامية مهمة ولها تاريخ طويل مع دول المنطقة العربية.وهو ما يفسر دعوة أردوغان إلى القمة العربية في الخرطوم عام 2006 ثم الرياض 2007 لأول مرة في تاريخ العلاقات العربية التركية بعد أن تم انتخاب التركي أكمل الدين أحسان أوغلو أمينا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي عام 2005. ودون أن يهمل أردوغان ورفاقه الملف الفلسطيني حيث يعرف الجميع عنهم مدى تضامنهم الإنساني والديني والوجداني مع قضية فلسطين منذ أن كانوا شبابا وتلامذة للزعيم الإسلامي ورئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان (الذي أجبر عام 1996 على التوقيع على اتفاقية التعاون العسكري مع تل أبيب) وأحفاد السلطان عبد الحميد الذي يعرف الجميع كيف رفض أعطاء شبر من فلسطين لليهود ودفع ثمن ذلك بإسقاطه من الحكم. وبذل أردوغان وعبد الله غول مساعي خاصة ومكثفة لتحقيق المصالحة الفلسطينية ليساهم ذلك في تحقيق الوحدة الوطنية ودعم الموقف الفلسطيني الموحد في مواجهة الاحتلال والظلم الإسرائيلي.

لأن الجميع يعرف أن أردوغان ورفاقه لن يكون سهلا عليهم القبول بحقيقة الاحتلال واستمرار العدوان والظلم الإسرائيلي على فلسطين ودول المنطقة العربية التي يسعى أردوغان وغول للعب دور مهم فيها من أجل الأمن والسلام والاستقرار.ولكن في ظل المعطيات الإقليمية والدولية التي تعني في نفس الوقت الاعتراف والقبول بإسرائيل دولة واقعة في المنطقة على الرغم من التربية الإسلامية لأردوغان وغول اللذان يريان في إسرائيل خطرا إستراتيجيا ليس فقط على فلسطين والعرب بل على تركيا ايضا.وهو الشعور الذي تجاهله أردوغان وغول وتابعا اتصالاتهما مع تل أبيب لا عن رضا أو غصب منهما بل بسبب المصالح العليا للدولة والأمة التركية التي تجد نفسها مضطرة للحوار وأحيانا التعاون مع منظمات اللوبي اليهودي المؤثرة في أميركا. حيث تتصدى هذه المنظمات لمساعي اللوبي الأرمني لتمرير قانون من الكونغرس الأمريكي يقر المجازر التي يقول الأرمن إن الأتراك قد قاموا بها ضدهم عام 1915 كما أنها تشجع المؤسـسات المالية العالمية لإقراض تركيا والاستثمار فيها.

وعرف الجميع أيضا أن أردوغان ورفاقه لا يستطيعون تجاهل الضغوط التي يتعرضون لها من قيادات اللوبي اليهودي الأمريكي وتل أبيب بل وحتى واشنطن وبعض العواصم الأوروبية التي تستغرب الموقف التركي المعادي لإسرائيل في الوقت الذي يتهرب فيه غالبية الزعماء العرب من اتخاذ أي موقف واضح تجاه تل أبيب وسياساتها العدوانية في المنطقة. كما يواجه أردوغان ورفاقه انتقادات عنيفة من بعض الأوساط التقليدية داخل تركيا والمعروف عنها تضامنها مع تل أبيب وواشنطن التي تقول لأردوغان لماذا هذا التحمس في الاهتمام والتضامن مع الفلسطينيين طالما أن الفلسطينيين أنفسهم يتقاتلون فيما بينهم كما تتآمر بعض الأنظمة العربية عليهم أيضا.ولا تهمل هذه الأوساط استغلال"التطرف الإسلامي لحماس" لاتهام أردوغان بالانحياز إلى جانبها وهو ما يتناقض مع أسـس ومبادئ الجمهورية العلمانية ومصالحها الإستراتيجية المقصود بها العلاقة مع أمريكا وإسرائيل ومنظمات اللوبي اليهودي مع التذكير بخيانة العرب للدولة العثمانية بثورة الشريف حسين عام 1916.

ويسعى أردوغان للتخفيف من وطأة هذه الضغوط الداخلية والخارجية بالحوار الساخن مع تل أبيب والحفاظ على علاقات التعاون الاقتصادي والعسكري معها في جميع المجالات، خاصة أن إسرائيل تستغل الوضع التركي الداخلي وتتصيد الفرص لإثبات رغبتها في دعم أنقرة في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، وهو ما يفسر بيع تل أبيب الجيش التركي طائرات التجسـس بدون طيار لاستخدامها في مراقبة ورصد تحركات عناصر الكردستاني شمال العراق وجنوب شرق تركيا وهو ما يكسب إسرائيل شعبية كبيرة داخل الساحة التركية وخاصة الجيش الذي أنزل ضربات قوية على الحزب الكردستاني شمال العراق وجنوب شرق البلاد بفضل طائرات التجسـس والتكنولوجيا العسكرية المتطورة التي حصل عليها من تل أبيب التي لعبت دورا أساسيا في عملية أخراج عبد الله أوجلان من سوريا في أكتوبر/ تشرين الأول 1998 ثم اختطافه بالتعاون مع المخابرات الأمريكية من العاصمة الكينية نيروبي وتسليمه لتركيا 14 فبراير/ شباط 1999.

"إن لم يقتنع مثقفوه وساسته بأهمية الدورالتركي الجديد في المنطقة فالحظ لن يحالفهم بعد الآن في حل أي من مشاكلهم هذابالطبع إن بقي هناك من يريد حل هذه المشاكل بكل صدق وإيمان"


دبلوماسية نشطة

ودون أن تمنع كل هذه المعطيات المعقدة عربيا وإقليميا ودوليا أردوغان من متابعة المساعي التي بدأها منذ استلامه للسلطة مؤمنا بضرورة أن تلعب تركيا دورا مهما في مجمل تطورات المنطقة المحيطة بها في الشرق الأوسط والقوقاز وأسيا الوسطى والبلقان. حيث استمر التحرك التركي على جميع هذه الجبهات خلال الفترة الماضية إلى أن أثمر هذا التحرك بإقناع تل أبيب ودمشق بضرورة الوساطة التركية من أجل التوصل لاتفاق سلام سوري إسرائيلي ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على السلام الإسرائيلي مع الفلسطينيين ولبنان.وحظيت هذه الوساطة التركية خلال الأشهر الماضية بدعم أمريكي وأوربي خاصة بعد لقاء أردوغان مع الرئيس الفرنسي ساركوزي في دمشق نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي حيث اكتسبت هذه الوساطة طابعا وبعدا جديدين من خلال التنسيق والتعاون الفرنسي التركي الهادف إلى تحقيق السلام الشامل في المنطقة بكل أبعاده السورية واللبنانية والفلسطينية.

ولم يتردد أردوغان في توجيه انتقادات عنيفة جدا لإسرائيل وساستها مع استمرار الغضب الشعبي العارم على عدون غزة حيث خرج طيلة الأيام الماضية مئات الآلاف من المواطنين الأتراك من مختلف الاتجاهات والميول إلى الشوارع تعبيرا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني واستنكارهم للعدوان. كما ناشد المتظاهرون وقادة أحزاب المعارضة الحكومة لقطع العلاقات مع تل أبيب فورا ووقف كافة أنواع التعاون وخاصة العسكري معها لإثبات مصداقية تصريحات أردوغان ضد إسرائيل التي مازالت لها علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مع تركيا التي تسمح للطائرات الإسرائيلية بالتدريب في أجوائها منذ عام 1997 حيث قامت تل أبيب بتحديث الطائرات والدبابات التركية. ووضعت دعوات المعارضة لقطع العلاقات مع تل أبيب أو تعليقها، أردوغان أمام خيارات وتحديات جديدة خاصة بعد أن اتهم تل أبيب بعدم احترام تركيا بسبب هجومها على غزة بعد أيام من زيارة رئيس الوزراء أولمرت إلى أنقرة معتبرا هذا الموقف الإسرائيلي أشارة مهمة لرفضها للسلام في المنطقة حيث سبق لتل أبيب أن سربت بداية عام 2007 المعلومات الخاصة بمساعي وزير الخارجية عبد الله غول السرية لإنقاذ الجندي الإسرائيلي المختطف من قبل حماس. كما لم يتردد أردوغان في اتهام أولمرت خلال زيارته لأنقرة في أبريل/ نيسان 2007 بالكذب فيما يتعلق بالحفريات تحت الحرم الشريف وقال له أمام الصحفيين أنه سيرسل لجنة خاصة للتأكد من صحة المعلومات الخاصة بالحفريات الإسرائيلية التي أكد ت اللجنة التركية فيما بعد صحتها.

وكانت هذه الذكريات وأخيرا موقف أولمرت خلال زيارته الأخيرة لأنقرة كافيا بالنسبة لأردوغان الذي أستبعد أي زيارة لإسرائيل خلال وبعد جولته الإقليمية التي سعى من خلالها لتقريب وجهات النظر العربية وإقناع قيادات حماس وفتح بضرورة الاتفاق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة التي يجب أن توحد الصف الفلسطيني أمام العدوان الإسرائيلي.في الوقت الذي تتوقع فيه المصادر الدبلوماسية لمبادرة أردوغان أن تساهم في أي مشروع يحقق إنهاء العدوان ووقف أطلاق النار خاصة بعد فشل الزعماء العرب في الاتفاق على تحرك عربي مشترك قد يحل محله تحرك تركي (بالتنسيق مع دمشق والدوحة وباريس) بعد أن حرص أردوغان طيلة الفترة الماضية ليبقى على الحياد في علاقاته مع العواصم العربية على الرغم من أنه يؤمن تماما بضرورة استقلالية القرار العربي بعيدا عن أي حسابات خارجية تريد للمنطقة أن تبقى على ما هي عليه.

"تركيا تملك كل مقومات الدور الإقليمي ليس فقط بسبب علاقاتها مع جميع دول المنطقة وعضويتها في الحلف الأطلسي وحوارها الساخن مع الاتحاد الأوربي وموقعها الجغرافي بل أيضا لأنها وريثة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت هذه المنطقة مدة 400 عام "

فرصة تاريخية وإستراتيجية

ويرى أردوغان في الواقع الفلسطيني والعربي تشجيعا لتل أبيب على الاستمرار في سياستها العدوانية التي تعرقل السلام في المنطقة. وهو ما لا يقبله ولن يقبله أردوغان ورفاقه أيمانا منهم بضرورة وأهمية تحقيق هذا السلام الذي يرى فيه أردوغان فرصة تاريخية وإستراتيجية تخدم مصالح دول وشعوب المنطقة عموما وبشكل خاص تركيا التي تملك كل مقومات الدور الإقليمي ليس فقط بسب علاقاتها مع جميع دول المنطقة وعضويتها في الحلف الأطلسي وحوارها الساخن مع الاتحاد الأوربي وموقعها الجغرافي بل أيضا لأنها وريثة الإمبراطورية العثمانية التي حكمت هذه المنطقة مدة 400 عام إلى أن جاء حزب الاتحاد والترقي الذي أسسه القوميون الأتراك بدعم من الماسونيين واليهود ليقضي على هذه الإمبراطورية ويضع العرب والأتراك في خندقين معاديين من خلال ثورة الشريف حسين التي يعتبرها الأتراك طعنة خائنة من العرب لأشقائهم الأتراك حماة الإسلام لمئات السنين. وفي الوقت الذي يرى فيه الكثير من المثقفين والساسة الأتراك في هذه الخيانة سببا مباشرا للواقع العربي الممزق فإن أردوغان يسعى وربما لآخر مرة لتوحيده ولو نفسيا من خلال مبادرته الأخيرة وقبل فوات الأوان. ويرى الكثيرون في تركيا أن استمرار هذا الوضع العربي بداية النهاية الحتمية لما يسمى بالأمة العربية نواة الأمة الإسلامية ليس فقط دينيا بل أيضا سياسيا وجغرافيا واجتماعيا وثقافيا. ودفع هذا الرأي والقناعة أردوغان ورفاقه للتدخل العاجل لمواجهة ومنع مثل هذه النهاية التي لا يخفِي الشارع التركي قلقه منها خاصة مع تجاهل الشارع العربي لها عمليا.

كما يستغرب الأتراك مواقف الدول العربية وشعوبها التي تظهر كأنها غير مبالية بكل الجرائم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ سقوط الدولة العثمانية وظهور ما يسمى بالدول العربية ضمن خارطة سايكس بيكو وفشل العرب من القوميين والإسلاميين واليساريين واليمينيين في التخلص من تبعاتها الخطيرة التي منعتهم طيلة الفترة الماضية وما زالت حتى من الاتفاق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة للمصلحة العامة وهي شرف وكرامة الإنسان العربي بالمفهوم الاجتماعي والأخلاقي قبل أن يكون بالمفهوم القومي والسياسي. وهو ما يفسر استخدام أردوغان لمصطلح الجغرافيا عند حديثه عن ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط أيمانا منه بضرورة الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة لشعوب ودول هذه الجغرافيا من العرب والأتراك والفرس بل وحتى الأكراد الذين يسعى أردوغان للمصالحة معهم داخل تركيا وفي شمال العراق كما هو يسعى للمصالحة مع العدو التاريخي والتقليدي أرمينيا.

حيث يؤمن أردوغان بضرورة ترتيب البيت داخليا قبل التفكير بأي دور إقليمي خاصة إذا كان بهذه الأهمية الإستراتيجية بالنسبة لمستقبل الجغرافيا التي بدون أقناع العرب بكل ميولهم واتجاهاتهم الدينية والمذهبية والسياسية والفكرية والاجتماعية فالحظ لن يحالف أردوغان في تحقيق أي من أهدافه حتى لو أختار طريق أتاتورك الذي أقام الجمهورية الحديثة عام 1923 على أنقاض الدولة العثمانية قائلا إن هدف هذه الجمهورية هو الحضارة الغربية المعاصرة التي جعلت بدون شك من أردوغان ورفاقه بل والإسلام التركي يختلفون كثيرا عما هو عليه أمثالهم في العالم العربي الذي إن لم يقتنع مثقفوه وساسته بأهمية الدور التركي الجديد في المنطقة فالحظ لن يحالفهم بعد الآن في حل أي من مشاكلهم هذا بالطبع إن بقي هناك من يريد حل هذه المشاكل بكل صدق وأيمان.
_________________
حسني محلي /كاتب ومحلل سياسي تركي
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

السياسة الخارجية التركية وأسئلة ما بعد الحرب على غزة
بشير نافع

ظهرت ملامح وقسمات السياسة الخارجية التركية الجديدة التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية بجلاء خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وفتحت الباب واسعا أمام المراجعة والبحث والنقد والاستنتاج والتتبع لهذا التغيير وجذوره وتداعياته، مما دفع مركز الجزيرة للدراسات للاهتمام بالملف التركي في أبعاده المختلفة ويندرج هذا التقرير الذي كتبه الباحث بشير نافع في هذا الإطار.

ملخص التقرير

أعاد حزب العدالة والتنمية صياغة العلاقات الخارجية لتركيا، التي قامت بعد الجمهورية على أساس المحافظة على سلامة الكيان التركي الجديد المولود من رحم الدولة العثمانية وتجنب دوائر الصراع، ثم تطور في الحرب الباردة ليجعل من تركيا دولة مواجهة ضد الخطر السوفيتي إلى أن تصبح بعد زوال هذا الخطر جسرا بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي. وقامت صياغة العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على تجاوز فكرة الجسر لتكون تركيا مركزا إقليميا بما يعني أن توسع من دائرة علاقاتها الخارجية لتشمل إضافة إلى الغرب عددا أكبر من الدوائر، لا سيما تلك التي تربطها بها روابط جيوبوليتكية، ثقافية، وتاريخية.وأثارت بعض التطبيقات العملية لهذه النظرية وخاصة بعد أعقاب الحرب على غزة الكثير من التساؤلات من الصديق والعدو، ومن الداخل التركي وخارجه.

ويخلص التقرير إلى إسداء النصح للجانب العربي، الرسمي وغير الرسمي، أن يتعامل مع السياسة الخارجية التركية الجديدة وفق المعطيات التالية:

1- إن ثوابت السياسة الخارجية التركية التقليدية لن تتغير في شكل جوهري، وما تشهده حاليا هو إعادة ضبط وليس تحولاً مفصلياً. فتركيا لن تقطع علاقاتها بإسرائيل، ولن تخرج من حلف الناتو، ولن تغير من توجهها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، وستتزايد التحولات فيها استجابة للمصالح القومية للدولة ولضغوط الرأي العام التركي.

2- ستعمل تركيا جاهدة لتأكيد دورها الإقليمي، وتعزيز علاقاتها العربية والإسلامية وبالشعوب ذات الأصول التركية في إعادة تموضع جزئية، ولكنها هامة بلا شك. ويجب على الجانب العربي أن يتعامل مع تركيا على هذا الأساس، محاولاً رؤية ما يمكن أن يعود على العرب بالفائدة من العلاقات التركية الغربية والإسرائيلية، بدلاً من رؤية هذه العلاقات باعتبارها عائقاً أمام تقدم العلاقات العربية – التركية.

3- سياسة حكومة العدالة والتنمية لا تستبطن مشروعاً للسيطرة، وليس لديها توجهات إيديولوجية معينة تسعى إلى فرضها، ولا دوافع إثنية أو طائفية، فما تطمح إليه هو تعزيز المصالح التركية الإقليمية وتوفير بدائل لسياسة التوجه غرباً السابقة؛ ويدرك الأتراك أن مثل هذه الطموحات لا يمكن تحقيقها بدون تبادل.

4- السبيل لتعظيم المنافع العربية من السياسة الخارجية التركية الجديدة هو مقابلتها في منتصف الطريق، أي رؤية هذه السياسة باعتبارها فرصة تاريخية، لا خطراً داهماً، ولا بد أن تقابل التوجهات التركية للتعاون الاقتصادي والتجاري، بتوجهات مماثلة، والترويج السياحي التركي في الجوار العربي لا بد أن يقابله ترويج سياحي عربي؛ كما لا بد من استكشاف مجالات التعاون العسكري والتعليمي والتقني. فكلما ترسخت الروابط التركية بالجوار العربي، كلما أصبحت تركيا، دولة وشعباً، أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يمس هذه الروابط ويؤثر عليها سلباً.

5- يجب عدم النظر إلى تركيا من زاوية المحاور العربية، فالانفتاح التركي يشير بوضوح إلى أن أنقره لا تريد ولا ترغب في انتهاج سياسة محاور. وعليه يجب النظر إلى اتفاق تركيا أو اختلافها مع مصر أو سورية أو السعودية، في هذه المسألة السياسية أو تلك، من زاوية تلك المسألة وحسب، وليس من زاوية التمحور السياسي.

6- ثمة دوائر قومية وعلمانية في تركيا، وفي أوساط نخبتها الحاكمة، لا تقل خوفاً من العلاقة مع الجوار العربي من مثيلاتها العربية؛ وتخشى هذه الأوساط إحياء عربياً وإسلامياً شاملاً في تركيا يؤدي في النهاية إلى طمس الهوية التركية القومية وتقويض الميراث الجمهوري. ولاحتواء هذه المخاوف، على العرب الرسميين وغير الرسميين أن لا يقتصروا في علاقاتهم التركية على مسؤولي حزب العدالة والتنمية وأنصاره، بل وأن ينفتحوا على كافة الاتجاهات الأخرى.

نص التقرير


أثارت المواقف التركية الخارجية مؤخرا الكثير من الجدل سواء داخل تركيا، في جوارها العربي والإسلامي، أو في الدوائر الغربية. ورغم أن تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في نهاية 2002 آذن بانعطافة في السياسة الخارجية للجمهورية التركية، فإن ما أطلق الموجة الأخيرة من الجدل كان الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

من الجسر إلى العمق الإستراتيجي
الستينيات وبداية المراجعة
تداعيات الستينيات في التغيير

العلاقات التركية العربية والتغيير
انتقادات للسياسة المتعددة الأبعاد
واقعية السياسة الجديدة
توصيات واستنتاجات

"على الرغم من أن تولي حزب العدالة والتنميةالحكم في نهاية 2002 آذن بانعطافة في السياسة الخارجية للجمهورية التركية، فإن ماأطلق الموجة الأخيرة من الجدل كان الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة"

لم يخف رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان رد فعله الحاد على الحرب منذ اليوم الأول لاندلاعها. وقد بدا أردوغان غاضبا على حجم الضحايا الفلسطينيين من ناحية، ومن ما وصفها بالإهانة التي وجهت لتركيا من ناحية أخرى. ما ولد الشعور بالإهانة أن أردوغان كان قد استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل أيام قليلة فقط من بدء الحملة الإسرائيلية على قطاع غزة، واضعا كل الثقل التركي خلف هدف تطوير مباحثات السلام السورية الإسرائيلية غير المباشرة. خلال أسابيع الحرب الثلاثة، تواصل الشجب التركي الرسمي للحملة الإسرائيلية، بينما انطلقت حركة تضامن تركية شعبية غير مسبوقة مع الفلسطينيين. وقام رئيس الوزراء التركي بجولة عربية واسعة للعمل على تطوير موقف عربي تركي مشترك من الحرب، كما أوفد مستشاره للشؤون الخارجية د. أحمد داود أوغلو للمشاركة في المفاوضات بين الوسيط المصري من ناحية، وحركة حماس والدولة العبرية من ناحية أخرى.

التحقت تركيا بمؤتمر قمة الدوحة العاجل لبحث الحرب على غزة، واستقبلت عددا من الجرحى الفلسطينيين في مستشفيات العاصمة، كما أرسلت قوافل من المساعدات العينية لأهالي قطاع غزة. وحتى زوجة رئيس الوزراء لم تتوان عن المشاركة في الحملة التضامنية مع غزة، عندما دعت للقاء تضامني شارك فيه عدد من زوجات الزعماء العرب والمسلمين. وقد أثار أردوغان إعجاب قطاع واسع من الشارع العربي، وردود فعل إسرائيلية معاكسة، عندما وجه انتقادات حادة للسياسة الإسرائيلية في ملتقى دافوس الاقتصادي وانسحب من جلسة جمعته بالرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز يوم 29 يناير/كانون الثاني 2009. عند عودته فجر اليوم التالي إلى مطار إسطنبول الدولي، وجد أردوغان في استقباله عشرات الألوف من مواطنيه، مشيدين بموقفه في دافوس ورافعين شعارات التأييد للقضية الفلسطينية. لم يمر موقف الحكومة التركية من الحرب على غزة بلا جدل وردود فعل من نوع آخر. عدد من المعلقين في الصحف العلمانية الرئيسية في تركيا اعتبر أن الموقف الذي اتخذه أردوغان يهدد مصالح تركيا وعلاقاتها التقليدية مع الدولة العبرية، ويدفع نحو تحول قوى الضغط اليهودية في الولايات المتحدة إلى العمل ضد تركيا.

كما أثار معلقون آخرون أسئلة حول ما إن كانت حكومة أردوغان قد عادت إلى جذورها الإسلامية الأصولية وبدأت في تقويض علاقات وروابط تركيا الغربية.وبينما عاد الحديث من جديد عن العثمانية والعثمانية الجديدة إلى أعمدة الصحف والدوائر السياسية التركية، ألقى قائد القوات البرية الإسرائيلية الميجر جنرال آفي ميزراحي كلمة في مؤتمر عقد في الدولة العبرية (14 فبراير/شباط الماضي) هاجم فيها الموقف التركي، ودعا الأتراك إلى النظر في المرآة، قائلا إن ما تقوم به تركيا ضد الأكراد، وما ارتكبته ضد الأرمن، واحتلالها لشمال قبرص، لا يؤهلها لانتقاد السياسة الإسرائيلية. وقد جاء الرد على الجنرال الإسرائيلي هذه المرة من قيادة الأركان التركية، التي أصدرت بيانا ندد بالتصريحات الإسرائيلية. ولكن التوتر الذي شاب العلاقات التركية الإسرائيلية منذ بدء الحرب على غزة سرعان ما تم احتواؤه، بعد لقاء جمع وزيري خارجية البلدين واعتذار قائد الأركان الإسرائيلي لنظيره التركي عن تصريحات الجنرال ميزراحي. أو هكذا بدا الوضع.

تحاول هذه الورقة تقدير ما إن كان هناك تحول جوهري في السياسة الخارجية التركية أم لا، في ضوء التوجهات التركية الخارجية الإقليمية من ناحية، وفي ضوء القواعد المستقرة لهذه السياسة منذ الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي من ناحية أخرى. وتحاول، إضافة إلى ذلك، تقدير ما إن كانت توجهات حكومة العدالة والتنمية تضر المصالح القومية التركية في المستقبل المنظور أم لا. وتسعى إلى استكشاف النهج الأصوب للتعامل العربي مع هذه التوجهات.

من الجسر إلى العمق الإستراتيجي

"تقوم السياسة الخارجية لحكومة العدالة والتنمية على ما يعرف بمفهوم العمق الإستراتيجي والسياسة المتعدة الأبعاد التي تفترض رؤية تركيا لذاتها باعتبارها دولة مركزية"

تقوم السياسة الخارجية لحكومة العدالة والتنمية على ما يعرف بمفهوم العمق الإستراتيجي والسياسة المتعددة الأبعاد، التي تفترض رؤية تركيا لذاتها باعتبارها دولة مركزية. وجاء هذا الإطار المرجعي للسياسة الخارجية في كتابات سابقة لأحمد داود أوغلو، الذي يحتل موقع مستشار الشؤون الخارجية لرئيس الوزراء ووزير الخارجية (انظر، مثلا كتابه: العمق الإستراتيجي: مكانة تركيا في السياسة الدولية، باللغة التركية). ما يعنيه هذا التصور بالسياسة المتعددة الأبعاد أن تركيا يجب أن تتطور علاقاتها الخارجية من الاقتصار على الدائرة الغربية (أوروبا الغربية والولايات المتحدة) إلى عدد أوسع من الدوائر، لا سيما تلك التي تربطها بتركيا روابط جيوبوليتكية وثقافية وتاريخية.

طوال حقبة الحرب الباردة، سيما بعد أن أصبحت عضوا في حلف الناتو، رُئيت تركيا باعتبارها دولة مواجهة مع الكتلة الشيوعية، وحلقة ضرورية في الإستراتيجية الغربية لاحتواء التوسع الشيوعي والوقوف أمام محاولات الاتحاد السوفياتي مد نفوذه جنوبا. بعد نهاية الحرب الباردة، أصبحت تركيا ترى باعتبارها مجرد جسر بين الشرق والغرب، جسر أوروبا الموحدة نحو آسيا والشرق الأوسط، ونافذة شعوب الشرق ووسط آسيا على أوروبا. وما يقوله داود أوغلو بأن تركيا أكبر من دولة مواجهة أو جسر، تركيا دولة مركزية، تقع في الوسط من البلقان والقوقاز ووسط آسيا والمشرق العربي. وهي مركزية ليس بالمعنى الجغرافي وحسب، بل بالمعنى التاريخي والثقافي والقومي، تربطها بدول القوقاز ووسط آسيا والبلقان والمشرق العربي واحدة أو أكثر من الروابط القومية والثقافية والدينية والميراث العثماني. وبتوثيق علاقاتها بهذه الدوائر، بدون أن تتخلى عن علاقاتها الغربية التقليدية، يمكن لتركيا أن تصبح خلال عقود قليلة دولة محورية ولاعبا رئيسيا على المسرح العالمي. يمثل هذا التصور تطورا بارزا في القواعد التي ارتكزت عليها سياسات الجمهورية التركية الخارجية خلال القرن العشرين، بدون أن يقطع معها كلية.

ولدت الجمهورية التركية في 1923 باعتبارها دولة قومية، مستبطنة رفض توجه الجامعة الإسلامية الذي كان يأمل بإعادة بناء السلطنة العثمانية، وتوجه الجامعة التركية (أو الطورانية) الذي كان ينادي ببناء دولة جامعة لكل الشعوب التركية من سيكيانغ إلى وسط آسيا، ومن القوقاز إلى البلقان. في قلب رؤية مصطفى كمال وصحبه للجمهورية التركية، كان الاقتناع بأن توازن القوى بعد نهاية الحرب الأولى لا يسمح للأتراك سوى بالحفاظ على ما تبقى من الدولة العثمانية. ولأن حرب الاستقلال التي قادها كمال انطلقت من الأناضول بأغلبيته التركية، ولأن سنوات الحرب الأولى وحرب الاستقلال أدت إلى ترحيل الأغلبية العظمى من السكان الأرمن واليونان، فإن الهوية التركية أصبحت الخيار المنطقي للدولة الجديدة. وقد كان تأسيس الجمهورية ضمن حدودها الحالية يعني بالضرورة إعطاء القومية التركية جغرافية محددة.

خلال سنوات العشرينيات، اختط مصطفى كمال سياسة خارجية تقوم على النظر إلى الغرب الأوروبي باعتباره مثالا للتحديث والعصرنة، بدون أن يقدم تنازلا ما لتوجهات القوى الأوروبية الإمبريالية. وتلخص عبارة كمال الشهيرة: "سلام في الوطن، وسلام في العالم" الهدف الرئيسي لسياسة الجمهورية الخارجية في سنواتها الأولى: الحفاظ على سلامة تركيا واستقرارها، وتجنب عوامل وأسباب ودوائر الصراع والحرب في الخارج. في عقد الثلاثينيات، شهدت تركيا الجمهورية حوارا واسعا حول المشتركات التي تربط النظام الجمهوري بالأنظمة الفاشية الصاعدة، لا سيما الفاشية الإيطالية، بالنظر إلى الإعجاب المتزايد بإنجازات الأنظمة الأوروبية الجديدة وإنجازاتها على صعيد إعادة بناء إيطاليا وألمانيا. ولكن كتلة نافذة في حزب الشعب الجمهوري الحاكم، قادها جلال بايار، كانت تدعو إلى تعزيز المبادرة الذاتية للأتراك وتقليص سلطة الدولة، وقفت بقوة أمام دعوات التحالف مع القوى الفاشية. في النهاية، كان على الرئيس مصطفى كمال أن يحسم الجدل، وقد جاء تدخله صريحا لصالح الكتلة الليبرالية، وهو ما تجلى في إقالة سكرتير حزب الشعب الجمهوري المؤيد للأيديولوجيا الفاشية، وتعيين بايار رئيسا للوزراء.

أدى هذا الموقف إلى أن تأخذ تركيا موقف الحياد خلال معظم سنوات الحرب العالمية الثانية، التي اندلعت بعد قليل من وفاة مصطفى كمال في 1938. ولكن التزام الحياد لم يؤسس على قاعدة فكرية وأيديولوجية بالضرورة، بل كان في جوهره نتاج تجربة الحرب الأولى المؤلمة واصطدام مصالح تركيا في بحر إيجة بالتوجهات التوسعية لإيطاليا. وليس ثمة شك أن تركيا أفادت من موقفها الحيادي دعما بريطانيا فرنسيا من ناحية، ومساعدات ألمانية من ناحية أخرى. ولكن الحياد التركي كان حياداً براغماتيا ومركبا؛ ففي السنوات الأولى من الحرب، عندما بدا أن ألمانيا توشك على كسب الحرب، قدمت المؤسستان العسكرية والأمنية التركية عونا استخباراتيا لألمانيا النازية، وما أن تأكدت أنقرة من هزيمة ألمانيا حتى قررت الخروج من معسكر الحياد والانضمام للمعسكر الأطلسي. عززت تركيا ما بعد الحرب من انتمائها للمعسكر الغربي الليبرالي بإصلاحات سياسية، أفسحت المجال للتعددية الحزبية والتداول على السلطة. ولكن تحول العلاقة مع المعسكر الغربي الليبرالي إلى تحالف لم يحدث إلا بعد العضوية في حلف شمال الأطلسي (ناتو) في 1951.

"جاء الاعتراف التركي بالدولة العبرية في 1949كتعبير عن حسم التوجهات التركية الخارجية، وعن الاندفاعة التركية باتجاه المعسكرالغربي الليبرالي"

والحقيقة أن عضوية تركيا في حلف الناتو كانت وليدة التهديد السوفياتي المتعاظم بعد نهاية الحرب الثانية، الذي تمثل في مطالبة ستالين بتعديل الحدود التركية مع جورجيا السوفياتية، وبموافقة تركيا على وجود عسكري سوفياتي في مضيقي البوسفور والدردنيل. التهديد السوفياتي لتركيا واليونان أدى إلى إعلان مبدأ ترومان، الذي تعهد بحماية استقلال البلدين، ودفع الأتراك في النهاية إلى عضوية الناتو، ومن ثم تحول تركيا إلى دولة مواجهة رئيسية في خارطة الحرب الباردة. وقد جاء الاعتراف التركي بالدولة العبرية في 1949 كتعبير عن حسم التوجهات التركية الخارجية، وعن الاندفاعة التركية باتجاه المعسكر الغربي الليبرالي. أصبحت تركيا بالتالي ركنا رئيسيا في الإستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط، وفي أنظمة التحالف الغربية، وفي المؤامرات على الدول العربية القومية المناهضة للسياسات الإمبريالية الغربية، وفي توفير مجال إقليمي للدولة العبرية. ولم يكن مستغربا أن ترتبط تركيا بتحالف دفاعي مع الدولة العبرية في 1958، عرف باسم الحلف المحيط. لا تزال تفاصيل هذا الحلف، الذي لم يعش طويلا، محاطة بالسرية، ولكن المعتقد أنه جاء تلبية لرغبة إسرائيلية في الانفتاح على الدول الرئيسية الجارة للعرب، وردا تركيا على الوحدة المصرية السورية وعلى انهيار النظام الملكي في العراق.

الستينيات وبداية المراجعة

منذ النصف الثاني من الستينيات، بدأت تركيا تعيد النظر في سياسة الانحياز المطلق للكتلة الغربية، تحت تأثير قيام الولايات المتحدة بسحب صواريخ جيوبتر النووية من تركيا، كجزء من الصفقة التي وضعت نهاية للأزمة الكوبية، وبفعل رسالة لندون جونسون لأنقرة في 1964، التي عبر فيها الرئيس الأميركي عن رفضه دعم الموقف التركي تجاه قبرص. استبطنت الخطوتان اعتبار تركيا مجرد ورقة في التدافع السوفياتي الغربي، وعمقتا من الشكوك التركية في درجة الالتزام الغربي بأمن تركيا وسلامتها. لذا، فقد أخذت أنقرة في استكشاف إمكانية إعادة بناء العلاقات بالاتحاد السوفياتي على أسس جديدة، وتلمس إمكانيات انفتاح جزئي على الجوار العربي. في 1967، قطعت العلاقات التركية الإسرائيلية لفترة وجيزة بعد حرب يونيو/حزيران من العام نفسه. وفي 1969 شاركت تركيا في المؤتمر التأسيسي لمنظمة القمة الإسلامية. وفي 1979 سمح بتأسيس مكتب لمنظمة التحرير في العاصمة التركية أنقرة. أصبح الانفتاح على الجوار العربي جزءا من سياسات كل الحكومات التركية خلال العقدين التاليين، ولكن هذا الانفتاح لم يتجاوز الحقل الاقتصادي بكثير. الحقيقة، أن تركيا الثمانينيات والتسعينيات عادت مرة أخرى إلى توثيق علاقاتها بالمعسكر الأوروأميركي وبالدولة العبرية، هذا إذا استثنينا عهد حكومة أربكان (1996-7) الذي لم يستمر أكثر من عام واحد.

أسباب الانعطافة

أحد أهم أسباب هذا المنعطف الجديد/القديم في السياسة الخارجية التركية كان انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتصاعد مخاوف النخبة العلمانية التركية من التيار الإسلامي السياسي، وانفجار المسألة الكردية، وتصاعد التوتر في العلاقات السورية التركية على خلفية دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني، وتبني حكومات تورغوت أوزال سياسة ليبرالية في الحقل الاقتصادي، وتعزيز ارتباط الاقتصاد التركي بالسوق الغربية. عقدت تركيا ثلاث اتفاقيات دفاعية وأمنية محدودة مع الدولة العبرية في 1992 و1993 و1994. وفي 1996 وقعت الدولتان على اتفاقية دفاعية وصناعية عسكرية واسعة النطاق. أسست الاتفاقية لتعاون في حقول التدريب العسكري وتبادل الموارد الاستخباراتية، ومشاركة الدولة العبرية في مناورات الحورية الموثوقة (Reliant Marmaid) البحرية، وصقر الأناضول الجوية، إضافة إلى استخدام الدولة العبرية للفضاء التركي وتدريب الطيارين الإسرائيليين على الطلعات الجوية من قاعدة قونيا. خلال السنوات التالية، تكفلت الدولة العبرية بتطوير طائرات F4 ودبابات M60 التركية، كما تبادلت الدولتان معلومات استخباراتية ضد الإرهاب.

على الرغم من التقلبات الجزئية، فالذي أسس للسياسة الخارجية التركية طوال معظم القرن العشرين كان مبدآن رئيسيان: الحفاظ على الوضع الراهن، أي الحفاظ على وحدة تركيا وحدود الجمهورية التي استشعرت النخبة التركية العسكرية والمدنية دائما أنها محل تهديد؛ والتوجه الغربي، أو استمرار عملية التحضير بمعناها الغربي. العضوية التركية في حلف الناتو، وفي مجلس أوروبا، وفي اتحاد أوروبا الغربية، وفي السوق الأوروبية المشتركة، دفعت كلها بدوافع الحفاظ على الجمهورية وحماية حدودها، وليس بدوافع ديمقراطية وليبرالية.والمؤكد أن الجدل الذي شهدته تركيا في الثلاثينيات لم يخرج عن هذين المبدأين، وحتى عندما بدأت الشكوك التركية في مصداقية الالتزام الغربي بأمن تركيا في الستينيات، لم ينجم عن هذه الشكوك تحول جذري في السياسة الخارجية التركية، وظل الانفتاح التركي على الاتحاد السوفياتي في حدود الدائرة الأمنية. ولكن هذه الانعطافة لا يمكن التقليل من أهميتها، على أية حال، ولا من دورها في تبلور مبدأ السياسة الخارجية المتعددة الأبعاد الذي انتهجته حكومة العدالة والتنمية.

تداعيات الستينيات في التغيير

"العضوية التركية في حلف الناتو، وفي مجلسأوروبا، وفي اتحاد أوروبا الغربية، وفي السوق الأوروبية المشتركة، دفعت كلها بدوافعالحفاظ على الجمهورية وحماية حدودها، وليس بدوافع ديمقراطية وليبرالية"

العوامل الموضوعية التي فرضت إعادة النظر في السياسة الخارجية التركية في منتصف الستينيات، لم تتوقف عن الفعل. فمنذ منتصف الثمانينيات تطورت السوق الأوروبية المشتركة من مشروع اقتصادي إلى مشروع سياسي، وأصبح على تركيا الاستجابة لمطالب أوروبية إصلاحية واسعة النطاق في بنية الدولة والمجتمع، قبل أن تتقدم بعضويتها الأوروبية. مثل هذه الإصلاحات لم يكن من الممكن للطبقة العلمانية القومية التركية الحاكمة أن تستجيب لها، وهو ما أدى إلى أن تقف هذه النخبة، التي قادت سياسة التوجه غربا طوال القرن العشرين، موقف المعارضة من الشروط الأوروبية.

وما أن تحولت السوق إلى اتحاد أوروبي حتى أصبح من الواضح أنه حتى إن استجابت تركيا للمطالب الأوروبية فإن عضويتها في الاتحاد ليست مؤكدة، نظرا لمعارضة قوى أوروبية نافذة للعضوية التركية الكاملة لأسباب ثقافية ودينية. ومن ناحية أخرى، جاءت نهاية الحرب الباردة لتضعف إلى حد كبير من الموقع الإستراتيجي الذي احتلته تركيا خلال حقبة المواجهة بين كتلتي الحرب. وبدلا من الحديث عن الدور التركي الحيوي في مواجهة التوسع السوفياتي الشيوعي، لم يعد حتى أحرص المتعاطفين الغربيين يرى في تركيا بعد الحرب الباردة أكثر من جسر ثقافي واقتصادي، إلى جانب جسور أخرى، بين آسيا وأوروبا. إضافة إلى ذلك، فقد كان على تركيا في نهاية التسعينيات أن تواجه أزمة اقتصادية مؤلمة، ليس ثمة شك أن سياسة أوزال الاقتصادية ساهمت مساهمة كبيرة في ترسبها. ولا يمكن، إلى جانب ذلك كله، التقليل من المواقف الغربية المثيرة لقلق أنقرة من انفجار العنف في المنطقة الكردية لتركيا منذ منتصف الثمانينيات من المسألة الأرمنية، ومن مسألة الأقليات في تركيا في شكل عام.

بهذا المعنى يعتبر مبدأ السياسة المتعددة الأبعاد انعكاسا لوعي متزايد بأهمية المواريث الثقافية والتاريخية لتركيا، واستجابة لموازين ما بعد الحرب الباردة، وردا على قوى موضوعية كانت تدفع نحو تهميش الدور والموقع التركيين. والحقيقة، أن السياسة المتعددة الأبعاد كانت القوة الرئيسية خلف تعاظم الدور التركي منذ 2002، وفي تصعيد التوتر بين تركيا وحلفائها السابقين، الذين توقعوا ربما أن تقبل أنقرة بالتهميش خلال ما بعد الحرب الباردة باعتباره نتيجة طبيعية، وفاجأتهم الحيوية المتزايدة في السياسة الخارجية التركية. ولكن من الضروري ملاحظة أن السياسة المتعددة الأبعاد لا تعني قطيعة مع التقاليد التركية السابقة للسياسة الخارجية؛ بل إن جوهر السياسة المتعددة الأبعاد هو الحفاظ على مكاسب تركيا من سياستها الخارجية الكلاسيكية، مع توسيع نطاق هذه السياسة لتصل دوائر ومجالات كانت قد انسحبت منها طوال العهد الجمهوري، أو أنها لم تنشط فيها بالقدر الكافي.

أفادت تركيا إستراتيجيا من انحسار حدود روسيا إلى أعلى شمال القوقاز، وأقامت علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية مع أذربيجان وجورجيا، بل إن العلاقات التركية الآذرية تكاد تصل إلى حد التحالف. وبالنظر إلى الروابط الإثنية بين تركيا وشعوب الجمهوريات السوفياتية السابقة في وسط آسيا، فقد عززت تركيا علاقاتها بهذه الجمهوريات. سمحت هذه الشبكة المتسعة من العلاقات بأن تصبح تركيا مصبا لأنابيب النفط والغاز، والمنافس الرئيسي لروسيا في مجال التحكم بإمدادات الطاقة من منطقة بحر قزوين. ولم تغفل تركيا علاقاتها بدول البلقان، لا سيما بعد انحسار نفوذ موسكو عن المنطقة وانفجار الصراعات القومية. فإلى جانب النشاطات التركية الاقتصادية الواسعة في بلغاريا ورومانيا، ترتبط تركيا بعلاقات وثيقة بمسلمي البوسنة، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال كوسوفو.

ورغم التنافس الإيراني التركي التقليدي، تجاوزت حكومة العدالة والتنمية مخاوف الطبقة التركية الحاكمة منذ انقلاب 1980 وبادرت إلى تعزيز العلاقات بإيران، سواء على الصعيد الاقتصادي والتبادل التجاري، أو على صعيد إمدادات الطاقة. وبعد أن كانت المؤسسة التركية الأمنية قد وفرت الرعاية للأفغان الأوزبك خلال حكم طالبان، أكدت تركيا دورها الأفغاني بالمشاركة في قوات الناتو في أفغانستان، بدون أن تتعهد بدور محارب، مما وفر مناخا مواتيا للعلاقة بين وحدات الجيش التركي والشعب الأفغاني.

العلاقات التركية العربية والتغيير

"القفزات الرئيسية يمكن رصدها في العلاقاتالتركية بالجوار العربي، الذي أصبح ساحة تدافع وصراع هائلة منذ تولي إدارة بوشالابن مقاليد الإدارة الأميركية"

ولكن القفزات الرئيسية يمكن رصدها في العلاقات التركية بالجوار العربي، الذي أصبح ساحة تدافع وصراع هائلة منذ تولي إدارة بوش الابن مقاليد الإدارة الأميركية. منذ تولي العدالة والتنمية الحكم في 2002، أكدت تركيا على سياسة العمق الإستراتيجي المتعددة الأبعاد بسلسلة زيارات تركية للعواصم العربية.

في 2004 ضغطت أنقرة لتولي التركي أكمل إحسان أوغلو رئاسة سكرتارية منظمة القمة الإسلامية.وفي 2006 ألقى رئيس الوزراء أردوغان كلمة في مؤتمر القمة العربي بالخرطوم، أكدت على توجهات تركيا الجديدة. وما إن اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان حتى أظهرت أنقرة تعاطفا واضحا مع اللبنانيين، وبادرت بالتالي، بترحيب لبناني، إلى المساهمة في قوة حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان. وقد تسارعت عجلة التبادل الاقتصادي بين تركيا وأغلب الدول العربية، إلى جانب التصاعد في حجم التجارة التركية مع روسيا والصين. وطبقا لتقرير مجموعة أوكسفورد أناليتيكا، فإن حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول التي تشكل الاتحاد الأوروبي انخفض في 2008 للمرة الأولى منذ عقود إلى ما دون 50% من حجم الصادرات التركية ودون 40% من الواردات. (في الفترة بين 1999 و2007، كان 56 إلى 58% من صادرات تركيا يذهب لدول الاتحاد الأوروبي، بينما كان حجم واردات تركيا في 1996 من دول الاتحاد 56% من مجموع وارداتها). بالمقارنة، أصبح الشرقان الأوسط والأدنى في 2008 مصدر 8.7% من جملة الواردات التركية، وسوقا لـ 19.3% من صادراتها. وفي خطوة بالغة الدلالة، بدأت أنقرة في تنظيف حقل الألغام الذي يفصل تركيا عن سوريا بطول 450 ميلا منذ 1952، واتفقت مع دمشق على تأسيس منطقة تجارة حرة بين البلدين، أصبحت حافزا لحيوية اقتصادية غير مسبوقة على جانبي الحدود.

ومنذ 2009 بدأت اتفاقية الوحدة الجمركية في العمل بين تركيا ومصر، وأعلن في القاهرة عن بدء عشرات من الشركات التركية في نقل جزء من عملياتها إلى منطقة غرب القاهرة الصناعية.هذا، إلى جانب العديد من الشركات التركية الأخرى التي تنشط في كافة الدول العربية من شمال العراق إلى الخليج إلى شمال أفريقيا. افتتحت حكومة العدالة والتنمية عهدها بتصويت البرلمان التركي (حيث تمتع الحزب الحاكم بالأغلبية) على عدم السماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي التركية في غزو العراق.

"حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول التيتشكل الاتحاد الأوروبي انخفض في 2008 للمرة الأولى منذ عقود إلى ما دون 50% من حجمالصادرات التركية ودون 40% من الواردات"

في الملف العراقي

وخلال السنوات التالية للاحتلال، أصبح العراق واحداً من أبرز مسائل السياسة الخارجية التركية. في خطوة غير واضحة الأبعاد تماما، وافقت تركيا على نشر قواتها في العراق، سيما في المناطق العربية السنية، ولكن معارضة قوى المقاومة والقوى القومية الكردية أجهضت الفكرة. وعندما تصاعدت المقاومة في العراق، شجب رئيس الوزراء التركي العنف الأميركي في الفلوجة، في وقت بدا أن الأميركيين في العراق يغضون النظر عن وجود مجموعات حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق. ولكن هدف تركيا الرئيسي منذ بدأ تبلور النظام العراقي الجديد كان تعزيز وضع السنة العرب، ومنع إيران من الاستفراد بالنفوذ الإقليمي في العراق، والمحافظة على وحدة العراق ومنع انقسامه، وتقليص حجم المقدرات المتوفرة للقوى الكردية، بما في ذلك الوقوف أمام سعي الأكراد للسيطرة على كركوك. لتحقيق هذه الأهداف، فتحت تركيا قنوات اتصال واسعة النطاق مع القوى والقيادات العربية السنية والشيعية، بما في ذلك قوى المقاومة، وأصبحت تركيا عضوا في لقاءات الدول المجاورة للعراق.على أن التوتر الذي شاب العلاقات الأميركية التركية، لم يسمح لتركيا بتحقيق أهدافها ولا لعب دور مؤثر في العراق، وليس حتى الشهور الأخيرة من 2007، عندما أخذت إدارة بوش تراجع جملة سياساتها في العراق والشرق الأوسط، وتراجع نفوذ المحافظين الجدد وحلفائهم في واشنطن، إذ بدأ الأميركيون في التعاون بجدية لمحاصرة قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ووافقوا بالفعل على تأجيل الاستفتاء على مستقبل كركوك إلى أجل غير مسمى. خلال الفترة المتبقية من إدارة بوش، أخذت تركيا في تعزيز دورها في العراق على مستوى العلاقة مع حكومة المالكي، وعلى مستوى المعارضة العراقية للاحتلال والمالكي، على السواء.

في الملف الفلسطيني

في الملف الفلسطيني كانت الأمور أشد صعوبة وتعقيدا، فمن ناحية كان حجم التعاون التركي الإسرائيلي في المجال العسكري والاقتصادي قد خطا خطوات واسعة، ومن ناحية أخرى أثار وصول العدالة والتنمية للحكم عدم ارتياح واضح في الأوساط الإسرائيلية. شهد العام الأول من حكم العدالة والتنمية زيارات إسرائيلية عالية المستوى لأنقرة، واستمر التعاون العسكري بين البلدين على مستواه المقر في الاتفاقات السابقة.وفي تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء زيارته أنقرة في فبراير/شباط 2007، قال أولمرت إن حجم التجارة بين البلدين وصل إلى 2.83 مليار دولار، وإن 152 شركة إسرائيلية تعمل في تركيا. ولكن رئيس الوزراء أردوغان فاجأ الإسرائيليين بشجبه العنيف لحادثة اغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، واصفا أياها بإرهاب الدولة.

غير أنه في 2005 قام أردوغان بزيارة مفاجئة لكل من الدولة العبرية وسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية. في لقائه مع رئيس الوزراء شارون، اقترح أردوغان قيام تركيا بدور وسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن شارون لم يكن معنيا بمثل هذا الدور. أما في رام الله، فقد وصف أردوغان العلاقات التركية الفلسطينية بأنها تاريخية، مفتتحا بذلك مسارا تركياً نشطا في الشأن الفلسطيني. ورغم أنه ليس من الواضح ما إن كانت أنقرة قد قامت باتصالات مبكرة بحركة حماس أم لا، فإن فوز الأخيرة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير/ كانون الثاني 2006 أتاح لرئيس مكتب حماس السياسي تلقي دعوة لزيارة العاصمة التركية والالتقاء بوزير الخارجية التركي عبد الله غل. منذ تلك الزيارة، حافظت تركيا على اتصالات مستمرة بحماس، رغم المعارضة الغربية والإسرائيلية، وتبنت حكومة أردوغان موقفا رسميا يدعو إلى فتح قنوات الحوار مع حماس وضمها إلى الحركة السياسية والدبلوماسية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية. بيد أن التحرك التركي حافظ على توازن حذر في العلاقة مع الفلسطينيين والإسرائيليين.

في 2004 وقعت تركيا والدولة العبرية صفقة لتصدير 50 مليون متر مكعب من المياه التركية للدولة العبرية خلال العشرين عاما التالية.وفي 2005 وبعد زيارته للدولة العبرية، استضاف أردوغان اللقاء العلني الأول بين مسؤولين إسرائيليين وباكستانيين.في فبراير/شباط 2007 قام رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت بزيارة أنقرة، حيث أقنعه أردوغان بقبول لجنة تركية للتحقيق في الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى. ولكن تقرير اللجنة، الذي جاء في غير مصلحة الإسرائيليين، أعلن بدون ضجيج كبير في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2007 أيضاً، استضافت أنقره لقاء بين الرئيس الفلسطيني عباس والإسرائيلي بيريز، وقد منح بيريز استقبالا غير مسبوق عندما سمح له بتوجيه خطاب للبرلمان التركي. في الشهر نفسه، شاركت تركيا في مؤتمر أنابوليس بالولايات المتحدة، الذي استهدف إعادة إطلاق مفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويعتقد أن الطائرات الإسرائيلية التي دمرت الموقع السوري في 2007، الذي أشيع بأنه كان منشأة نووية، استخدمت المجال الجوي التركي.
وطبقا لصحيفة تركية، فإن الاتفاقات العسكرية بين البلدين بلغت منذ تولي حكومة العدالة والتنمية 2 مليار دولار، ضمنها صفقة لشراء تركيا طائرات استطلاع إسرائيلية الصنع ومحطات تحكم أرضية. سياسة التوازن الحذر هذه وفرت لتركيا دورها الرئيسي في الصراع العربي الإسرائيلي، عندما أصبحت الوسيط والمضيف للمباحثات السورية الإسرائيلية غير المباشرة في 2008. ولكن هذا التوازن بدا كأنه اختل لصالح العلاقات مع الفلسطينيين والمنطقة العربية أثناء أسابيع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عندما اتخذت أنقرة موقفا متضامنا مع الفلسطينيين بتأييد واسع وغير مسبوق من كافة فئات الشعب التركي.

"التوتر الذي شاب العلاقات الأميركية التركية لم يسمح لتركيا بتحقيق أهدافها ولا لعب دور مؤثر في العراق"

انتقادات للسياسة المتعددة الأبعاد

لكن نظرية العمق الإستراتيجي والسياسة المتعددة الأبعاد التي تحرك السياسة الخارجية للعدالة والتنمية تواجهها انتقادات من كافة الاتجاهات.فالإسلاميون الأتراك، لا سيما دوائر حزب الفضيلة، يصفون السياسة التركية الخارجية في عهد العدالة والتنمية بأنها مجرد محاولة تجميلية للسياسة التركية منذ ما بعد الحرب الثانية، التي وضعت لخدمة أهداف حلف الناتو والسياسة الأميركية على وجه الخصوص، مقابل مكاسب ضئيلة للمصالح التركية القومية.الدوائر القومية، من جهة أخرى، بما في ذلك تعبيراتها الأكثر علمانية التي وضعت أسس السياسة الخارجية التقليدية للجمهورية في توجهها نحو الغرب وسعيها للحفاظ على الوضع الراهن، تتهم سياسة العدالة والتنمية الخارجية بالانحياز المفرط للولايات المتحدة وأوروبا الغربية، الانحياز الذي يكاد يمس سلامة الجمهورية ومصالحها الأولوية.كلا هذين الانتقادين يحمل دوافع سياسية وانتخابية بحتة، ويعكس ملامح الصراع على السلطة والحكم، بعد فوز العدالة والتنمية بدورتين برلمانيتين متتاليتين، بدون أن تبدو على وضعه الشعبي ملامح تراجع وضعف ملموسة.

الانتقادات الأكثر جدية تنبع من وجهتي نظر أكاديميتين تركيتين.

الأولى،

تنظر إلى السياسة الخارجية التركية الجديدة وأسسها النظرية من زاوية تقاليد السياسة الخارجية منذ استقرارها بعد الحرب الثانية.

تقول وجهة النظر هذه إن تأكيد سياسة العدالة والتنمية الخارجية على المحيط العربي الإسلامي، سيما الدائرة العثمانية السابقة، يمس بالفعل مبدأ علمانية الجمهورية، ذلك أن هذه السياسة تعلي من موروث تاريخي ذي طابع ديني، وتجعل منه محددا رئيسيا لسياسة الدولة الخارجية، وإن نظرية العمق الإستراتيجي والسياسة المتعددة الأبعاد تضع العلاقات التركية الخارجية مع المحيط العربي والإسلامي في مرتبة واحدة مع العلاقات مع أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهو ما يعني تقويضا للمبادئ الأولوية لسياسة الجمهورية الخارجية التي جعلت التوجه غربا جزءا من الهوية التركية الحديثة، ومن انتماء تركيا الحضاري والثقافي، وإن هذه السياسة تمس العلاقة بالدولة العبرية، التي أصبحت منذ نهاية الأربعينيات أحد ثوابت المنظومة الخارجية التركية.

الثانية،

أما وجهة النظر الثانية، فذات طابع براغماتي وعملي، تنظر إلى سياسة العدالة والتنمية الخارجية وإطارها النظري من زاوية الإمكانيات والنتائج الواقعية، وقد أخذت من السياسة التركية خلال الحرب على غزة نموذجا لها. تقول وجهة النظر هذه إن سياسة حكومة العدالة والتنمية ليست عميقة إستراتيجياً بالدرجة الكافية، وإن طموح أنقرة للتحول إلى دولة مركزية، تقود الجوار الإقليمي وتؤسس للسلم والازدهار ليست أكثر من أمنيات.

طبقا لوجهة النظر هذه، فكرة الدور المركزي لا تختلف كثيرا عن تركيا الجسر، كل ما في الأمر أن الجسر هذه المرة أصبح كالنجمة، وأن تركيا لن تستطيع اكتساب دور إقليمي قيادي في الوقت الذي تقود أغلب الأنظمة العربية المجاورة حكومات غير ديمقراطية تمثل النمط الذي جاء العدالة والتنمية لتجاوزه، وأن قدرة تركيا على التأثير في القضايا الإقليمية الرئيسية قدرة محدودة، فمن غير الممكن، مثلاً، تغيير سلوك الدولة العبرية السياسي بدون الولايات المتحدة، كما أن المقصود بعملية السلام في المنطقة هو استمرار العملية وليس التوصل إلى السلام. البديل إذن هو سياسة "الصبر النشط"، أي قيام تركيا بما تستطيع في مجال التنمية الإنسانية في المنطقة، وفي عملية إعادة البناء بعد الصراعات.

ثمة قدر من الصواب في كلٍ من وجهتي النظر هاتين، ولكن الانتقادات التي توجهها للسياسة الخارجية التركية تبدو تبسيطية إلى حد كبير، وتتجاهل مساحة ملموسة من تعقيدات الداخل التركي والواقع الإقليمي والطبيعة السائلة للتوازنات الجيوبوليتيكية العالمية. الجدل حول ما تعنيه علمانية الدولة هو شأن مستمر في تركيا منذ أكثر من نصف قرن، والموقع الذي تحتله السياسة الخارجية في هذا الجدل هو موقع محدود، ولا يخفى أن الأغلبية التركية تتجه نحو إعادة النظر في الكثير مما وصف دائما بالمسلمات العلمانية في بنية الدولة والمجال العام. ليس من القطعي ولا الحتمي أن يكون للتوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية أثر على هذا الجدل؛ ولكن إذا ساهمت السياسة الخارجية في هذا الجدل فإن هذه المساهمة لن تكون حاسمة بأي حال من الأحوال. يعود الانفتاح على المحيط العربي في بداياته، مثلاً، إلى زعماء أتراك مثل إيجيفيت، الذي لم يكن هناك مجرد شك في التزامه العلماني. الأبرز في سياق السياسة الخارجية المتعددة الأبعاد وفكرة العمق الإستراتيجي أنها تستجيب لمتغيرات عالم ما بعد الحرب الباردة، في حين يرفض منتقدوها أخذ هذه المتغيرات في الاعتبار.

واقعية السياسة الجديدة

أما إلى أي حد تبدو هذه السياسة واقعية ومنتجة، فليس من الممكن تقديم إجابة قاطعة، ولا بد أن ينظر إلى هذه السياسة في اللحظة الراهنة على اعتبار أنها عملية مستمرة ، وليست مشروعا ناجزا. ولكن من الضروري، ربما، ملاحظة التالي:

= إعادة التأكيد الروسي على الدور والموقع، ومغامرات السياسة الأميركية خلال عهد إدارة بوش الابن، والنمو الاقتصادي الصيني الهائل، والأزمة الاقتصادية/المالية العالمية، تشير كلها إلى انتقال النظام العالمي إلى التعددية القطبية، حتى على افتراض أن الولايات المتحدة ستكون القوة الأكبر والأكثر تأثيرا. في النظام العالمي التعددي، ستتسع الهوامش المتاحة أمام القوى الإقليمية الرئيسية. وعلى تركيا، ربما، أن تعمل على المساهمة في بناء إقليمي فعال، أو أن تقوم بهذا الدور قوى أخرى، إقليمية أو دولية.


= إنه بينما كان دور تركيا كدولة مواجهة أو جسر قد تبلور من خلال رؤية الخارج لتركيا، فإن تصور الدور المركزي هو خيار تركي ذاتي، بكل ما يستدعيه هذا الخيار من حشد للمقدرات والجهود الذاتية على المدى القصير، وعلى مستوى الاستثمار السياسي الطويل المدى. الخيارات السياسية للدول لا تتحقق بمجرد توفر الظروف الموضوعية المواتية.


= إن السياسة الخارجية لحكومة العدالة والتنمية، على الرغم من أنها بدت أحيانا كأنها تؤثر سلبا على علاقات تركيا الغربية، فإنها في الحقيقة عززت من دور تركيا الإقليمي والعالمي.فعلى سبيل المثال، في أول اتصال هاتفي مع الرئيس ورئيس الوزراء التركيين، بدا الرئيس أوباما كأنه يؤكد على دور تركي واسع في العراق، كما أقر بدور تركيا الإقليمي المتعاظم، وكانت أنقرة واحدة من المحطات الرئيسية في جولة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، رغم أن تركيا ليست طرفا في الصراع العربي الإسرائيلي، كما حرصت وزيرة الخارجية الأميركية على زيارة أنقرة في أول جولة لها بالمنطقة، حيث أعلنت أن تركيا ستكون أول محطة في جولة أوباما العالمية الأولية بعد مشاركته في قمة العشرين بلندن. من جهة أخرى، ورغم التوتر الذي تسببت به الحرب على غزة على العلاقات التركية الإسرائيلية، فقد حرصت كافة المستويات الإسرائيلية السياسية على محاصرة التوتر، مؤكدة تصميمها على الحفاظ على العلاقات الإسرائيلية التقليدية مع أنقرة.في مرحلة تصاعد القوة الإستراتيجية الروسية، والتعاظم الهائل لوزن الصين الاقتصادي، واستمرار التورط الأميركي في العراق وأفغانستان والملف النووي الإيراني، لا تملك واشنطن كثيرا من الخيارات في تعاملها مع تركيا. أما تدهور العلاقات الإسرائيلية مع تركيا فسيترك تأثيرا بالغ السلبية على وضع الدولة العبرية الإقليمي.


= إن السياسة الخارجية التركية الحالية لا يجب أن ينظر إليها من منظار المنطقة العربية وحسب، فقد اكتسبت تركيا مقعد العضوية غير الدائمة بمجلس الأمن بـ80% من أصوات الجمعية العامة. وبعد توتر مكتوم، سببته الأزمة الجورجية والتنافس على خطوط أنابيب الغاز والنفط في المنطقة، وقع رئيسا تركيا وروسيا في منتصف فبراير/شباط إعلانا مشتركا لتعميق الصداقة والتعاون بين البلدين، وصفه الروس بالإعلان الإستراتيجي. وبينما تحتفظ تركيا بعلاقات متميزة مع أذربيجان، فإن الجهود الدبلوماسية مستمرة لتجاوز العقبات التاريخية في العلاقات مع أرمينيا. وتلعب تركيا دورا متزايدا في أفغانستان، وفي العلاقات الباكستانية الأفغانية والباكستانية الهندية. هذا في الوقت الذي يتواصل الجهد التركي للتقدم بملف العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي.


= في نهاية مارس/آذار الماضي شهدت تركيا انتخابات محلية هامة. أهمية هذه الانتخابات أنها قدمت صورة عن وضع حكومة حزب العدالة والتنمية الشعبي بعد أكثر من عام ونصف العام على فوزه الثاني في الانتخابات البرلمانية. وقد أظهرت الانتخابات تراجعاً ضئيلا في شعبية العدالة والتنمية، للمرة الأولى منذ تسلمه مقاليد الحكم في 2002. ولكن من الصعب إرجاع هذه النتيجة إلى سياسات العدالة والتنمية الخارجية.

الحقيقة، إن السياسة الخارجية للحكومة التركية قد تكون ساعدت على أن يظل التراجع الانتخابي محدودا، سيما أن أغلب الأصوات التي خسرها العدالة والتنمية ذهبت إلى حزبي الفضيلة والحركة القومية، اللذين يعتبران أكثر منه تشددا على المستويين القومي والإسلامي. مشكلة حكومة أردوغان الحقيقية ليست في سياستها الخارجية، بل في الآثار الطاحنة للأزمة المالية/الاقتصادية العالمية على الوضع الاقتصادي التركي، حيث وصل معدل البطالة إلى أكثر من 13%، ويتوقع تراجع نمو الاقتتصاد التركي هذا العام إلى ما دون الصفر، وتخوض تركيا مباحثات صعبة مع صندوق النقد الدولي للاتفاق على قرض مالي احتياطي عند الضرورة.

"تركيا لن تقطع علاقاتها بالدولة العبرية، ولنتخرج من حلف الناتو، ولن تغير من توجهها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي"
توصيات واستنتاجات

كيف يمكن إذن للجانب العربي، الرسمي وغير الرسمي، التعامل مع السياسة الخارجية التركية الجديدة؟

أولا- إن من المهم إدراك أن ثوابت السياسة الخارجية التركية التقليدية لن تتغير في شكل جوهري، حتى مراجعة الستينيات لم تؤد إلى قطيعة أو انقلاب راديكالي في هذه السياسة. ما تشهده السياسة الخارجية التركية هو إعادة توجيه ، وليس تحولاً مفصليا. تركيا لن تقطع علاقاتها بالدولة العبرية، ولن تخرج من حلف الناتو، ولن تغير من توجهها نحو عضوية الاتحاد الأوروبي. المزيد من التحولات في السياسة الخارجية التركية سيأتي استجابة للمصالح القومية للدولة ولضغوط الرأي العام التركي. ولكن تركيا، إلى جانب ذلك، ستعمل جاهدة من أجل تأكيد دورها الإقليمي، وتعزيز علاقاتها العربية والإسلامية وبالشعوب ذات الأصول التركية. هذه إعادة تموضع جزئية، ولكنها بارزة وهامة بلاشك، إن أخذنا في الاعتبار التقاليد التي أرساها النظام الجمهوري للعلاقات الخارجية طوال معظم القرن العشرين. ما ينبغي على الجانب العربي هو التعامل مع تركيا على هذا الأساس، محاولاً رؤية ما يمكن أن يعود على العرب بالفائدة من العلاقات التركية الغربية والإسرائيلية، بدلا من رؤية هذه العلاقات باعتبارها عائقا أمام تقدم العلاقات العربية التركية.

ثانيا- إن المخاوف التي أثارتها السياسة الخارجية التركية النشطة مؤخرا في بعض الدوائر القومية العربية أو الدوائر الرسمية مخاوف مبالغ فيها. سياسة حكومة العدالة والتنمية لا تستبطن مشروعا للسيطرة، ليست لديها توجهات أيديولوجية معينة تسعى إلى فرضها، ولا دوافع إثنية أو طائفية. ما تطمح إليه هذه السياسة هو تعزيز المصالح التركية الإقليمية وتوفير بدائل لسياسة التوجه غربا السابقة، ويدرك الأتراك أن مثل هذه الطموحات لا يمكن تحقيقها بدون تبادل، سواء على مستوى المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. مشكلة السياسة هو كيف يمكن أن تصبح نهجا غير قابل للرجوع عنه، بغض النظر عن الحزب الحاكم في أنقرة، وليس في تحولها إلى سياسات هيمنة توسعية.

ثالثا- إن السبيل لتعظيم المنافع العربية من السياسة الخارجية التركية الجديدة هو مقابلتها في منتصف الطريق، أي رؤية هذه السياسة باعتبارها فرصة تاريخية، لا خطرا داهما. التوجهات التركية للتعاون الاقتصادي والتجاري لا بد أن تقابلها توجهات مماثلة، والترويج السياحي التركي في الجوار العربي لا بد أن يقابله ترويج سياحي عربي، كما لا بد من استكشاف مجالات التعاون العسكري والتعليمي والتقني. كلما ترسخت الروابط التركية بالجوار العربي أصبحت تركيا دولة وشعبا أكثر حساسية تجاه ما يمكن أن يمس هذه الروابط ويؤثر سلبا عليها.

"سياسة حكومة العدالة والتنمية لا تستبطن مشروعا للسيطرة، وليست لديها توجهات أيديولوجية معينة تسعى إلى فرضها، ولا دوافع إثنية أو طائفية"

رابعا- إن على الدول العربية تجنب رؤية تركيا من زاوية المحاور العربية. الانفتاح التركي الواسع النطاق على الدول العربية، من الخليج إلى شمال أفريقيا، يشير بوضوح إلى أن أنقرة لا تريد ولا ترغب في انتهاج سياسة محاور. اتفاق تركيا أو اختلافها مع مصر أو سوريا أو السعودية، في هذه المسألة السياسية أو تلك، لا بد أن ينظر إليه من زاوية تلك المسألة وحسب، وليس من زاوية التمحور السياسي. المنهج الأمثل، بالطبع، هو تخلص العرب من سياسة المحاور والتعامل مع دول الجوار والحلفاء والأصدقاء بسياسة عربية موحدة.

خامسا- ثمة دوائر قومية وعلمانية في تركيا، وفي أوساط نخبتها الحاكمة، لا تقل خوفا من العلاقة مع الجوار العربي من مثيلاتها العربية؛ وتخشى هذه الاوساط إحياء عربيا وإسلاميا شاملا في تركيا يؤدي في النهاية إلى طمس الهوية التركية القومية وتقويض الميراث الجمهوري. لاحتواء هذه المخاوف على العرب الرسميين وغير الرسميين أن لا يقتصروا في علاقاتهم التركية مع مسؤولي حزب العدالة والتنمية وأنصاره، بل أن ينفتحوا على كافة الاتجاهات الأخرى.


المصدر: مركز الجزيرة للدراسات













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.

التعديل الأخير تم بواسطة الجشعمي ; 11-12-2011 الساعة 11:37 AM
  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-12-2011, 08:13 PM   #22

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي تركيا وإيران..البعد عن حافة الصدام


تركيا وإيران..البعد عن حافة الصدام
حقي أوغور

رغم ما شهدته العلاقات التركية الإيرانية على مدى العقود الماضية من فترات مد وجذر إلا أنه ومنذ مجيء العدالة والتنمية وتطويره أسس ومرتكزات السياسة الخارجيةالإيرانية لتقوم على فكرة التعاون والشراكة أكثر من التنافس والصراع والعلاقات بين أنقره وطهران تشهد تطورا مستمرا. ففضلا عن المصالح والأهداف الإستراتيجية والمتمثلة في المحافظة على وحدة التراب العراقي وعدم السماح للأكراد بإقامة دولة مستقلة لهمفي الشمال والتنسيق الأمني والعسكري اللازم لتحقيق هذا الهدف فإن المواقف التي أبدتها أنقره إزاء الملف النووي الإيراني واعترافها بحق طهران في امتلاكالتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية ساعد على تطوير العلاقة. لكن هذا لا يمنع الاختلاف في وجهات النظر خاصة إذا تعلق الأمر بالعلاقات التركية الإسرائيليةوالوساطة التي تقوم بها تركيا للوصول إلى اتفاق سلام بين دمشق وتل أبيب، لكنه اختلاف لن يتطور إلى صدام. دخلت العلاقات التركية الإيرانية مرحلة جديدة مع إعلان قيام الجمهورية في تركيا عام 1923، فقد كان للشعار الذي رفعته تركيا آنذاك "السلم في الوطن والسلم في العالم" وقع طيب على إيران التي لم تكن تشعر بالراحة للسياسات "الإسلامية والطورانية" التي شهدتها الدولة العثمانية في آخر أيامها. وبفضل هذه التطورات شعرت طهران أنها قد تخلصت -وإلى حد كبير- من الخطر التركي الذي كان يتهددها تاريخيا من جهة الغرب.

ما بعد الثورة
في عهد العدالة والتنمية
هواجس وظنون

معروف أن إيران قد استفادت من الإصلاحات التحديثية التي بدأت تركيا في تطبيقها والتي جذبت انتباه الشاه رضا پهلوي وزادته جرأةً على القيام بإصلاحات مماثلة في بلده. ورغم المشاكل الحدودية العالقة بين البلدين في تلك الفترة والتي لم تحلّ بسهولة إلاّ أنهما قد أبديا رغبة في تطوير العلاقات بينهما.

"تدعيم العلاقات الاقتصادية لا سيما في مجالالنفط والغاز، والتنسيق الأمني والعسكري خاصة تجاه حزب العمال الكردستاني،والاعتدال في المواقف السياسية المتعلقة بالملف النووي، مثلت مجتمعة أرضية لعلاقات بين تركيا وإيران يمكن أن تتطور إلى آفاق أرحب"

ما بعد الثورة

ومع الثورة الإسلامية عام 1979 بزعامة آية الله الخميني انقطعت فجأة تلك العلاقات ذات البعد الأمني، وحُلّت منظمة الميثاق المركزي بعد انسحاب إيران وباكستان منها. وعند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية وضعت العلاقات التركية الإيرانية على السكة من جديد خاصة مع تشكيل طورغوت أوزال لحكومته في تركيا بعد ذلك. ففي تلك الفترة لم تشارك تركيا في الدعاية المضادة لإيران، بل إنها عملت على استغلال الفرص التي صنعتها الحرب لإيجاد أسواق لاقتصادها المتنامي. وقد اتبعت إيران سياسة مماثلة حيث كانت تتفادى أي خطاب أو تصرف يحول تركيا إلى خصم باستثناء بعض تصريحات الخميني عن أتاتورك وخصوصاً في الفترة التي كانت فيها إيران تعاني من حصار مفروض من طرف الدول الغربية والعربية. وقد بدأ -ولو في الظاهر- تحسن العلاقات التركية الإيرانية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وظهور نية الولايات المتحدة الأميركية للتدخل في العراق.فتركيا تعتبر أن أكبر تهديد أمني بالنسبة إليها هو إنشاء دولة كردية محتملة في شمال العراق، وفي هذا السياق أبدت انزعاجها من التحالف الوثيق الذي أظهرته الولايات المتحدة الأميركية إزاء أكراد العراق وهو ما دفعها إلى توثيق تحالفها مع إيران.وفي هذه الفترة زاد حزب العمال الكردستاني من نشاطاته وبدأ يشن الهجمات على مراكز الشرطة على الحدود مع إيران الأمر الذي زاد من التقريب أكثر بين تركيا وإيران، ولأول مرة في تاريخ البلدين تتم عمليات عسكرية مشتركة بينهما.

"الحكومات في طهران ومنذ قيام الثورة انتهجتسياسة خارجية تفضل عدم إفساد العلاقات مع تركيا، متجاوزة موقفها الإيديولوجي واضعة في اعتبارها أن الجسر الوحيد المستقر الذي يربطها مع الغرب هو تركيا"

في عهد العدالة والتنمية

وقد اعتبرت إيران فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 وتشكيله الحكومة منفردا تطورًا إيجابيا. وعقب هذا الفوز وزعت الحلوى في الشوارع الإيرانية احتفاء بذلك، وظهرت في قنوات التلفزيون الإيرانية تعليقات فيها كثير من المبالغة تقول بأن الشعب التركي أدار ظهره للأحزاب العلمانية وتوجه نحو الأحزاب الإسلامية. وبالمقابل فإن أعضاء الحكومة بصورة خاصة، ومراعاة للوضع التركي الداخلي الحساس ومعرفة منهم بالتوازنات الداخلية، وتجنبا لإثارة ردود أفعال القوى المتنفذة داخل البلاد، وكذلك استنتاجا للدّرس مما حدث للنائبة المحجبة مروة قواقجي فإنهم لم يعبّروا عن سعادتهم بطريقة مُفرطة ومبالغ فيها. ورغم التنافس التاريخي الذي ميز هاتين الدولتين فإنه عمليا يمكن القول بأن السياسة التركية إزاء إيران قد اعتمدت على ركائز ثلاث:

تأمين الطاقة
التنسيق في المسائل الأمنية المتعلقة بالمشكلة الكردية
اعتبار إيران بالنسبة إلى تركيا ممرا إلى وسط آسيا وجنوبها

وفي وقت من الأوقات ثارت مزاعم في الإعلام التركي تذهب إلى أن إيران تدعم عمليات "تشيع" داخل تركيا، غير أن الخصوصية الثقافية لتركيا جعلت التأثير الإيراني لا يمسّ سوى قسمًا ضيّقا من الشريحة الإسلامية في البلاد. ومن الناحية الأمنية فإن ثمة تقارب كبير فيما يتعلق بوجهات النظر خلال السنوات الأخيرة بين تركيا وإيران حول وحدة التراب العراقي والموقف من حزب العمال الكردستاني. وبالموازاة مع تحسن العلاقات السياسية بين البلدين في هذه المرحلة شهدت حركة تصدير السلع والبضائع من تركيا إلى إيران زيادة مطّردة. وبالنسبة لإيران فإن الحكومات في طهران ومنذ قيام الثورة انتهجت سياسة خارجية تفضل عدم إفساد العلاقات مع تركيا، متجاوزة موقفها الإيديولوجي، واضعة في اعتبارها أن الجسر الوحيد المستقر الذي يربطها مع الغرب هو تركيا. فالمشاكل الحدودية أو المشاكل المتعلقة بالثورة وما قيل عن تصديرها والتي عاشتها إيران مع جيرانها لم تؤثر في علاقتها بتركيا، وكل عام تفد إلى تركيا أعداد كبيرة من السياح لزيارة تركيا، وفي الوقت نفسه هناك الآلاف من الطلاب الإيرانيين يدرسون في الجامعات التركية، ولم يصدر أيّ تصريح تركي ينتقد سلوك هؤلاء الطلاب.وقد تحسنت العلاقات الإيرانية التركية أكثر بسبب السياسات التي كانت تتبعها الإدارة الأميركية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، خاصة بعد أن مارست تلك الإدارة ضغوطا شديدة على حكومة حزب العدالة والتنمية بمجرد وصول بوش الابن إلى السلطة من أجل السماح للوحدات العسكرية الأميركية بالمرور إلى العراق.ولم تتحمس الحكومة في أنقره ولا الجيش لهذا الموضوع، كما رفض البرلمان التركي المذكّرة التي قدمت في هذا الصدد بفارق ضئيل من الأصوات، وقد قوبلت هذه الخطوة بتقدير كبير في إيران رغم ما كانت تضمره من عدم ارتياح بسبب علاقات تركيا بإسرائيل وعضويتها في حلف الناتو.

وكذلك قوبل رد الفعل الإيراني الغاضب من إسرائيل عقب اغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين برضا كامل في إيران. وقد بدا هذا الارتياح واضحا سواء من خلال اللهجة التي تكلم بها المسؤولون الإيرانيون أو من خلال التعليقات والتحليلات في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية. وقد ترسخت سمعة تركيا الإيجابية في المنطقة بفضل الجهود الكثيفة التي بذلتها الحكومة التركية لوقف إطلاق النار أثناء الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان صيف عام 2006. ثم جاءت المشادّة الكلامية بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في منتدى دافوس 2009 لتزيد من موجة الإعجاب بتركيا في إيران. وبينما كانت تصريحات المسؤولين الإيرانيين لا تتوقف مدحا وإشادة بهذا الموقف كان الطلاب الإيرانيون يمطرون السفارة التركية في طهران بالورود والأزهار، بل إن هناك من اقترح إطلاق اسم رئيس الوزراء التركي أردوغان على أحد الشوارع في طهران.

هواجس وظنون

لكن بالرغم من هذه التطورات في النظرة الإيرانية وفي الوعي الإيراني إزاء تركيا في السنوات الأخيرة إلا أنّه لا يمكن القول إن السياسة الخارجية التركية تتماهى تماما مع المصالح الإيرانية وتتطابق معها. فالواقع أن إيران تتابع بقلق شديد الوساطات التي تقوم بها تركيا بين إسرائيل وسوريا، ولذلك فإن المسؤولين السوريين اضطروا لتنظيم عدة زيارات إلى طهران بهدف إزالة المخاوف التي تساور إيران. فإيران متخوّفة من نية تركيا إقصاءها عن إقراء بعض الخيارات الإستراتيجية بالمنطقة. وكمثال على ذلك -وعلى إثر الأزمة الجورجية- طرحت تركيا مشروع منتدى التعاون القوقازي، وهذه الخطوة أزعجت إيران التي لا تخفي علاقاتها بالمنطقة. وفي رده على الاقتراح التركي صرح وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي بأن أي كيان إقليمي لا تشارك فيه إيران لن يكون بمقدوره تأمين الاستقرار، كما قام متكي بزيارات مكوكية إلى دول المنطقة لاستطلاع الأمر.

ومن بين المسائل الحساسة في العلاقات الإيرانية التركية مشكلة الملف النووي الإيراني، وقد كان لافتا أن تركيا تعاملت مع هاتين المسألتين بهدوء واتزان.فقد دأبت الحكومة التركية باستمرار على القول بأنه من حق كل دولة امتلاك الطاقة النووية واستخدامها في الأهداف السلمية، وقد برز موقفها هذا بصورة واضحة في السنوات الأخيرة. وفي كلمة لرئيس الحكومة نفسِه رجب طيب أردوغان ألقاها في الولايات المتحدة الأمريكية وجه كلامه إلى الدّول الغربية قائلا: "إنه ليس من العدل أن تمتلكوا أنتم مئات الأسلحة النووية بينما تقولون لإيران لا تفعلي ذلك".هذا الموقف التركي من الملف النووي الإيراني قد يمكن أنقره من لعب دور الوسيط النزيه بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. هذه المواقف التي تتألف من مزيج من تدعيم العلاقات الاقتصادية لا سيما في مجال النفط والغاز، وتنسيق أمني وعسكري خاصة تجاه حزب العمال الكردستاني، واعتدال في المواقف السياسية المتعلقة بالملف النووي، مثلت مجتمعة أرضية لعلاقات ثنائية يمكن لها أن تتطور إلى آفاق أرحب.
_______________
كاتب وباحث تركي. المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
علاقات تركيا بإيران

تركا وإيران هما الأمتان الأكثر اكتظاظًا في المنطقة، حيث يصل عدد السكان فيهما إلى 64 مليون نسمة و 70 مليون نسمة على التوالي. وعلى الرغم من كونهما متنافستين تاريخيًا وأيضا في الزمن الراهن في بعض النواحي، إلا أن الدولتين تتمتعا بعلاقات تجارية متنامية وهما تتفاوضان حاليًا على توسيع التعاون في الطاقة بينهما.في تشرين الثاني/ نوفمبر، سيذهب وزير الطلقة التركي حلمي غولر إلى إيران لإبرام صفقة غاز مع طهران. ووفقًا للصحيفة التركية "يني شافاك"، استكملت تركيا وإيران المحادثات حول الاستثمار وإنتاج الغاز. وكتبت الصحيفة: "على الرغم من العقوبات الصارمة المفروضة على شركات بسبب استثمارها في حقول النفط في إيران ، يبدو أن تركيا مصممة على مواصلة، وحتى زيادة تعاونها مع إيران في مجال الطاقة." ويقتبس المقال حلمي غولر وهو يقول: "إن نقل الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر تركيا هو صفقة تجارية مبرمة. الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى الغاز الطبيعي الإيراني، وتركيا بحاجة إلى المال التي يمكنها كسبه من شراء وبيع هذا المنتج." وكانت تركيا وإيران قد فشلتا في إبرام صفقات الطاقة المتوقعة، خلال زيارة الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد في آب/أغسطس 2008.

زار الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد تركيا في 14 آب/أغسطس 2008 لمناقشة برنامج بلاده النووي والروابط الثنائية المتنامية مع نظيره التركي الرئيس عبد الله غُل. وكانت تركيا قد عرضت مساعدتها في حلّ الخلاف بين إيران وبين الغرب حول برنامج طهران النووي. وتنظر المؤسسة العلمانية في تركيا إلى أحمدي نجاد بنوع من الارتياب؛ كان رئيس تركيا الأسبق أحمد نكدت قد رفض دعوة أحمدي نجاد إلى تركيا بتاتًا خلال فترة رئاسته. وأبلغت صحيفة متشددة أن السلطات التركية قد أرغمت على نقل زيارة أحمدي نجاد إلى اسطنبول وتحويلها إلى زيارة عمل بدلاً من اعتبارها زيارة رسمية لأنه لم يخطط زيارة ضريح مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا العلمانية الحديثة.

الأبعاد العسكرية والاقتصادية

على الرغم من كون تركيا غريمة تاريخية لإيران، إلا أنها نجحت في الواقع في اتخاذ مسار لافت للنظر في السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة. فقد حافظت تركيا على علاقات ودية مع طهران حتى في الوقت الذي بقيت فيه حليفة رئيسية للولايات المتحدة، والدولة الإسلامية الوحيدة التي تتمتع بتعاون عسكري رفيع المستوى مع غريمة إيران الرئيسي، إسرائيل. ويعني انتقال الاتحاد الأوروبي، حاليًا، لمناقشة عضوية تركيا فيه أنه سيكون لأوروبا عما قريب حدود مشتركة مع إيران.لكن تركيا تواجه عدة تحديات جديدة لمواصلة دورها كعامل موازن في المنطقة. إن اندفاع إيران نحو الحصول على أسلحة نووية – وهو أمر يخشى المحللون أنه قد يحث قوى إقليمية كالسعودية، مصر وتركيا على أن تطور بنفسها رادعًا نوويًا – هو مثال على ذلك.يمكن لتركيا، كأمة مسلمة (وإن يكن علمانية) وغير عربية، أن تسدي نصيحة لطهران بمصداقية لم تتمكن دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية الثلاث (بريطانيا، فرنسا وألمانيا) مجاراتها عندما حاولت من دون أن تنجح في إقناع إيران بالعدول عن برنامجها النووي. ولكن، إذا استمرت الجهود الدبلوماسية حول برنامج إيران النووي في التعثر، فإن تركيا هي الدولة الوحيدة في جوار إيران التي قامت الولايات المتحدة بنصب أسلحة نووية تكتيكية فيها (9 حسب التقدير) ويمكن نشرها ضد المنشآت الإيرانية.

· تصدّر إيران ما يقارب 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى تركيا. وستلعب تركيا دورًا هامًا كدولة "مرور" لصادرات الغاز الإيراني إلى أوروبا.

· وقعت أنقرة وطهران على اتفاقيات بقيمة 1.5 مليار دولار تنهض بأعمال البناء المشتركة لثلاث منشآت للطاقة الحرارية قدرة كل واحدة منها 2,000 ميغاواط - منشأتان في إيران وواحدة في تركيا، وعدد من المنشآت الكهرمائية في إيران بقدرة إجمالية تصل إلى 10,000 ميغاواط. وستستورد أنقرة، وفق شروط الاتفاقية، ما بين 3 مليارات و 6 مليارات كيلوواط /ساعات من الطاقة الكهربائية سنويًا. وتقوم إيران حاليًا بتصدير الكهرباء إلى تركيا عبر خطّي نقل يبلغ مجموع ما ينقلاه إلى 250 ميغاواط.

· قال وزير الطاقة الإيراني برفيز فتح، ووزير الطاقة التركي حلمي غولر خلال مؤتمر صحفي مشترك عقداه في اسطنبول في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، "سيستمر التوقيع (على الاتفاقيات). ستستمر جهودنا ." الحقيقة بالنسبة لتركيا هي أنها تستورد حاليًا 90 بالمئة من احتياجات الطاقة في وقت تصل فيه أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها. وقال رئيس الوزراء التركي، طيب أردوغان، لدى تناوله هذه الحقيقة الاقتصادية، أن تركيا تعتمد على ما تستورده من إيران وروسيا وسيكون "من المستحيل إيقاف الواردات القادمة من أي من هاتين الدولتين." أن التعاون المبكر بين إيران وتركيا كان متأصلاً في "منظمة التعاون الاقتصادي" – وهي منظمة إقليمية بين حكومية أقيمت عام 1985 من قبل إيران، باكستان وتركيا بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي، التقني والثقافي بين الدول الأعضاء. وكانت هذه المنظمة وريثة ما كان يدعى "منظمة التعاون الإقليمي للتطوير"، التي أقيمت عام 1962، والتي أنهت نشاطاتها عام 1979 مع وفودالسيد الخميني إلى إيران.
صرّح متقي في لقائه مع رئيس اللجنة البرلمانية التركية للشؤون الخارجية أن مستوى التعاون الاقتصادي الحالي بين طهران وأنقرة لم يكن له مثيل في تاريخ العلاقات بين الدولتين. وأضاف الدبلوماسي الكبير أن التعاون الكبير في صناعة النفط والغاز يمكنه أن يشكل مثالاً لتوسع العلاقات في المجالات الأخرى.

· قال وزير الخارجية الإيراني متقي خلال لقاء مع بعثة تركية في كانون الأول 2007: "إن تركيا قوية وعصرية هي من مصلحة إيران. إن مستوى التعاون الاقتصادي بين طهران وأنقرة لم يكن له مثيل في تاريخ العلاقات بين الدولتين. إن التعاون الكبير في صناعة النفط والغاز يمكنه أن يشكل مثالاً لتوسع العلاقات في المجالات الأخرى." لقد تحسنت العلاقات الإيرانية التركية بشكل كبير خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية.

لا ترغب تركيا في تعريض علاقاتها التجارية مع إيران للخطر. وكان التبادل التجاري بينهما قد وصل إلى نحو 4 مليارات دولار في العام 2005، من مبلغ مليار دولار في العام 2000. ومن شأن الصفقات الجديدة المبرمة بين الشعبين أن يوطد أكثر الروابط الاقتصادية بينهما:

· أرسل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، في آب/أغسطس 2007، وزير الطاقة لديه، حلمي غولر، إلى إيران لإبرام مجموعة من الصفقات. وتضمنت هذه الصفقات إنشاء شركة مشتركة تنقل 35 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الإيراني عبر تركيا إلى أوروبا، وبناء ثلاث منشآت للطاقة الحرارية على يدي الشركات التركية في إيران.

· وقعت تركيا وإيران في حزيران/يونيو 2007 على مذكرة تفاهم تقوم من خلالها "شركة البترول التركية"، وهي شركة تديرها الدولة، بالعمل في إيران واستغلال ثلاث مناطق للغاز الطبيعي في منطقة جنوب بارس. وتخطط الشركة استثمار 3.5 مليار دولار لتشغيل هذه الحقول. بالإضافة إلى ذلك، ستبني الدولتان خط أنابيب يصل طوله إلى 2000 كم بينهما لنقل الغاز الإيراني إلى أوروبا.
تصرّ تركيا على أنه يحقّ لها متابعة مصالحها الاقتصادية، وإيران مسرورة من ذلك، قال الرئيس محمد أحمدي نجاد مؤخرًا: "لا يستطيع أحد الدخول بين تركيا وإيران."

ومع ذلك، لم تهدئ هذه الروابط الاقتصادية من قلق أنقرة حول إيران مسلحة بسلاح نووي. وحتى مؤخرًا، دعم مسئولون أتراك مسعى إيران للحصول على الطاقة النووية في حين عبروا سرًا عن مخاوفهم.في العام 2006 بدّل سفير تركيا لدى الولايات المتحدة، فاروق لوغوغلو، المسار، إذ قال في كلمة ألقاها في "معهد بوتوماك للدراسات الاستراتيجية" أن السلاح النووي الإيراني سيكون بمثابة تهديدًا جديًا على الأمن في الشرق الأوسط.

خط الأنابيب "نابوكو"

من أجل توطيد مصالحهما المشتركة في هذا المشروع، وقعت إيران وتركيا على مذكرة تفاهم في 14 تموز/يوليو 2007 تتعلق توريد الغاز والنفط، وباستثمارات مشتركة في مجال الطاقة. تم تصميم خط الأنابيب ليكون طوله 3,500 كم (2,200 ميل)، ولينقل حتى 40 مليار متر مكعب (1.4 ترليون قدم مكعب) من الغاز سنويًا. وتصل تكاليف البناء المقدرة إلى 5 مليار يورو، يتم تقاسمها بالتساوي بين مجموعة استثمار من خمس دول - OMV AG النمساوية، MOL الهنغارية، "ترانسغاز" الرومانية، "بلغارغاز" البلغارية و "بوتاس" التركية ("شركة خطوط أنابيب البترول التركية"). إن تركيا هي طرف محوري لأن خط الأنابيب يجب أن يجتاز أراضيها. وستستفيد تركيا من أربع نواح: أولاً، ستؤمن إمدادًا من الغاز الطبيعي؛ ثانيًا، ستحصل على رسوم التوريد؛ ثالثًا، ستساوم من أجل الحصول على أسعار تفضيلية للغاز الإيراني؛ ورابعًا، ستعزز اندماجها النهائي في الاتحاد الأوروبي، كقناة غاز لأوروبا، من خلال إحراز نقاط بسبب تنويع مسارات تزويد الغاز بعيدًا عن روسيا.

في تموز/يوليو 2008، أعلن وزير النفط الإيراني، غولام حسن نوزاري، أن أنقرة وطهران تتفاوضان على زيادة في صادرات الغاز الطبيعي إلى تركيا وعلى تزويد تركيا بالمزيد من الغاز خلال الشتاء. وترسل زيارة أحمدي نجاد إلى تركيا في هذا الوقت رسالة واضحة مفادها أن التعاون في مجال الطاقة هو ناحية هامة من روابط الدولتين الثنائية.

خط الأنابيب الفارسي

عقدت تركيا وإيران محادثات تتعلق ببناء ما يسمى "خط الأنابيب الفارسي"، وهو خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي يبدأ من حقل النفط جنوب بارس ويصل إلى المدينة الحدودية بازرغان، وهي موقع حدودي بين إيران وتركيا. [20] ووفقًا لرضى كاسيزادي، مدير "شركة تصدير الغاز الإيرانية الوطنية" فإن "خط الأنابيب الفارسي" سينقل الغاز إلى تركيا، اليونان، إيطاليا والدول الأوروبية الأخرى. "إننا نتفاوض مع تركيا حول ذلك (خط الأنابيب الفارسي). وتركيا نفسها معنية في هذا الأمر."

ولكن، ووفقًا لمصادر تركية، تعارض تركيا مشروع خط الأنابيب الجديد الذي ينقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لكنها ترغب في أن تتابع إيران خط الأنابيب "نابوكو".

حقل الغاز جنوب بارس

ستقوم شركة النفط التركية TPAO التي تملكها الدولة باستكشاف حقل الغاز الإيراني جنوب بارس. وسيتم ضخ الغاز إلى تركيا للاستهلاك المحلي أو لإعادة تصديره إلى السوق الأوروبية. وقد حلّت المشاكل التي ظهرت مبكرًا حول الاستثمارات المقررة في حقول الغاز جنوب بارس؛ قد توقع تركيا وإيران اتفاقية إنتاج في تشرين الثاني/نوفمبر. في تموز/يوليو 2007، وقعت تركيا على مذكرة تفاهم تتيح لشركة TPAO ضخ 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقول الغاز جنوب بارس. وقال رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان مؤيدًا لهذه الاتفاقية: "أننا نستورد النفط والغاز. إننا نريد تقليص المبلغ الذي ندفعه مقابل وارداتنا."

خط أنابيبI-Gas 9

تم تصميم خط أنابيبI-Gas 9، الذي تم بناؤه من قبل، لينقل الغاز إلى الحدود التركية بسعة 100 – 110 مليون متر مكعب في اليوم. وقال رضى كاسيزادي أن أول شحنة من الغاز يمكن أن تبدأ بالتدفق عام 2014.

الأبعاد التاريخية والثقافية

تتشكل العلاقات التركية الإيرانية اليوم من خلال المنافسة التاريخية بين الإمبراطوريتين السالفتين، العثمانية والفارسية. وكانت الإمبراطورية العثمانية، التي نشأت منها تركيا الحديثة، تسيطر على جمهوريات آسيا الوسطى. وكان ارتياب العرب، الأتراك والشعوب الإسلامية الأخرى من إيران قائمًا طوال الوقت. وخلال الحقبة العثمانية، لم تستطع إيران التحالف مع الإمبراطورية العثمانية، ولم تستطع ضمان أي نوع جدي من التعاون الاقتصادي أو السياسي. وتستاء تركيا، حتى هذا اليوم، من تدخل إيران في شؤون تلك الشعوب. تصوغ التباينات الثقافية والدينية القديمة جدًا هذه العلاقة أيضًا. فالأتراك في أغلبيتهم هم من السنة، لكن يوجد في تركيا أقلية شيعية يُنظر إليها عمومًا بأنها "من الدرجة الثانية".

إن دين الدولة الإيرانية هو الإسلام ، ومعظم شعبها هم من الفرس من ناحية إثنية. ولكن يصل عدد الأقليات من مختلف الخلفيات الإثنية، الدينية واللغوية إلى الملايين، بمن فيهم الأكراد، البلوش، والأقلية الإثنية الأكبر، الأذريون. إن الأذريين، الذين يشكلون ربع عدد سكان إيران، هم أتراك من ناحية إثنية ولغتهم هي لغة محلية تركية. وتتشاطر إيران وتركيا في مشكلة مشتركة مع أقلياتهما الكردية، رغم أن ذلك يشكل مشكلة لتركيا أكثر من إيران. تعارض مواقف تركيا كليًا إيران الثورية في جميع المجالات تقريبًا. وتعتبر تركيًا في نظر العديد من الإيرانيين بأنها مثال يحتذى به. على الرغم من كون كلتا الدولتين إسلاميتين، إلا أن تركيا تتمتع بتقليد أطول من النظام السياسي الديمقراطي والعلماني. ولم تؤثر التغييرات التي حلت بتركيا في السنوات الأخيرة تحت حكومة حزب العدالة والتنمية على سياساتها الاقتصادية، والتي تبقى ذات توجه السوق الحرّة. ومقابل ذلك، إيران هي دولة ثيوقراطية ذات تطلعات للسيطرة الإقليمية ودور فعال في دعم الإرهاب.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


أردوغان يفتتح المرحلة الأخيرة من خط باكو-تبليسي-جيهان (الفرنسية-أرشيف)

تركيا في آسيا الوسطى والقوقاز.. تأمين لجسور الطاقة
محرم أكشي

غيرت تركيا منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 من نهج تعاملها مع منطقة القوقاز وآسيا الوسطى فعوضا عن التنافس والصراع على المصالح والنفوذ اتبعت أنقره فلسفة التعاون والشراكة وقدمت نفسها على أنها الدولة المصدرة للأمن والاستقرار.تقدم تركيا دعما ماليا وفنيا لدول آسيا الوسطى والقوقاز في مجالات مختلفة من أهمها مشاريع البنية التحتية، وتولي اهتماما خاصا بقطاع التعليم، وتؤمن بأن استثماراتهافي هذا المجال هي استثمارات إستراتيجية بعيدة المدى، هدفها تكوين جيل يحسن فهم تركيا ويشعر نحوها بالاحترام. ومنذ مجيء العدالة والتنمية وسياسته بمنطقة القوقاز وآسيا الوسطى تتميز بخاصية فارقة ومميزة عن السياسات التي كانت متبعة خلال الفتراتالسابقة، فقد عملت حكومة العدالة والتنمية على عدم تحييد روسيا، واتبعت مقاربة تنطلق من قاعدة الشراكة والمصالح المشتركة وليس الصراع الهادف إلى إقصاء كل طرفللآخر، والعمل على إشراكها في المشاريع الكبرى وعلى رأسها مشروع نابوكو (Nabucco) الذي كان الهدف منه في الأساس تجاوزها وعزلها.

تغيرات إستراتيجية

وكان تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال ست دول إسلامية في آسيا الوسطى (منها خمس دول ذات أصول تركية) قد مثل فرصة كبيرة لتركيا، إذ فتح أمامها مجالاً جديدا وواسعًا من العلاقات مع هذه الدول، وفي الوقت نفسه فإن هذه التطورات كسرت حاجز العزلة عن تركيا وجعلتها تستعيد مرة أخرى أهميتها الجيوسياسية والإستراتيجية. وعقب الاستقلال وطوال الفترة من 1991 إلى 1995 سوقت تركيا نفسها على أنها الأخ الأكبر والدولة النموذج بالنسبة إلى تلك الدول ومنحتها هبات وقروضا، وقدمت لها وعودا لم يستطع الاقتصاد التركي الضعيف آنذاك الوفاء بها. وبالرغم من ذلك فيحسب لهذه الفترة أن تركيا أقدمت على تحويل علاقاتها مع تلك الدول إلى الإطار المؤسساتي فدشنت العديد من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي لا تزال تعمل حتى الآن. وفي تلك الفترة أيضا غضت روسيا الطرف عن النشاط التركي في القوقاز وآسيا الوسطى وهما المنطقتان اللتان تعتبرهما مناطق نفوذ تاريخية بالنسبة لها، وذلك لأن موسكو أرادت أن تستعمل تركيا في محاربة التيار الإسلامي المتشدد الذي بدأ يزداد قوة وانتشارا في تلك البلدان عقب تفكك الاتحاد السوفييتي. لكن فترة "غض الطرف" لم تستمر طويلا إذ أن روسيا وطوال الفترة من 1995 وحتى 2002 استشعرت أن تركيا "منافسا" جديا لها ومهددا لمصالحها في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز، فكان من نتائج ذلك أن اتسمت علاقة تركيا بتلك الدول عموما بفترات من الشد والجذب سيطر عليها أجواء من عدم الاستقرار إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002.

فلسفة جديدة للتعامل مع الجيران

ومنذ مجيء حزب العدالة والتنمية والعلاقات بين تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز تشهد تحسنا مطردا، والسبب في ذلك يعود إلى أن الحزب غير فلسفة تعامله مع روسيا فعوضا عن النظر إليها على أنها "منافس" أصبح يتعامل معها على أنها "شريك" آخذا بعين الاعتبار معطى الجوار الجغرافي وارتباط المصالح، فعلى سبيل المثال أصبحت روسيا تمثل بالنسبة لتركيا ثاني أكبر شريك تجاري وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2008 حوالي 25 مليار دولار، وهذا الرقم مرشح للزيادة المستمرة.

كما أدخلت تركيا في عهد العدالة والتنمية روسيا شريكا في مشروع خط أنابيب نابوكو الهادف إلى نقل الغاز الطبيعي عبر بحر قزوين من تركمنستان (صاحبة رابع أكبر احتياطي للغاز في العالم) إلى أذربيجان ومنها إلى خط أنابيب نابوكو الذي سيصل بدوره إلى وسط أوروبا بعد أن كان هذا المشروع قد صمم في الأساس لتجاوز روسيا وعزلها وفق الاستراتيجيا الغربية. وتتأتي الأهمية التي تكتسبها الطاقة في منطقة بحر قزوين من كونها أولا منطقة مستقرة بالمقارنة مع منطقة الشرق الأوسط، وثانيا غناها باحتياطيات كبيرة من الطاقة (4% من الاحتياطي العالمي للنفط و5% للغاز). وقد بدأ يتكون وعي بأن هذه المنطقة يمكن أن تمثل بديلا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة وخاصة الدول الأوروبية. وفي هذه النقطة بالذات- أي موضوع تأمين الطاقة لأوروبا - فإن تركيا تمثل بالنسبة لأوروبا الدولة المفتاح، وتعرض نفسها على أنها ممر آمن لتأمين الطاقة إلى هذه القارة.

وفي هذا الإطار فإن خط أنابيب باكو-تفليس-جيهان الهادف إلى نقل بترول أذربيجان - وربما كذلك بترول آسيا الوسطى وبشكل خاص كازاخستان - عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي الواقع على البحر الأبيض المتوسط بطول 1776 كلم يشكل أهمية بالغة بالنسبة لتركيا والغرب على السواء، ذلك أن المشروع المذكور يشكل أول مرحلة من مراحل تحول تركيا إلى أن تكون جسرا للطاقة وممرا لها بين الشرق والغرب. وهذا الخط سوف يزيد من الأهمية الجيوسياسية والجيوإستراتيجية لتركيا، كما أنه في الوقت نفسه يكتسي أهمية بالغة في الحفاظ على الاستقرار السياسي في مناطق القوقاز.

ولتكتمل دائرة تحسين العلاقات بين تركيا والقوقاز وآسيا الوسطى تبذل الدبلوماسية التركية جهودا لتطوير علاقاتها مع أرمينيا وتجاوز العقد التاريخية التي تحول دون ذلك. وتنتهج تركيا عدة أساليب ديبلوماسية واقتصادية وأمنية لتحقيق هذا الهدف منها تنشيط "منتدى الاستقرار والتعاون في القوقاز" الذي تم تدشينه في أعقاب الاشتباك المسلح الذي نشب عام 2008 بين روسيا وجورجيا على خلفية أوسيتيا الجنوبية، فضلا عن الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين البلدين. والعلاقة بين تركيا وأرمينيا ليست مجرد علاقة بين دولتين وإنما لها ارتباطاتها وأهميتها إقليميا ودوليا. فالعلاقات بين الجانبين من حيث السياسة الدولية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمواقف كل من الولايات المتحدة وروسيا، وفي الوقت نفسه مرشحة لأن تفرز جملة من التأثيرات على العلاقات التركية مع كل من الولايات المتحدة وروسيا. فمن منظور سياسي فإن تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا يكتسب أهمية خطيرة من زاوية علاقات تركيا بأذربيجان وكذلك علاقات أذربيجان بأرمينيا.

"تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال ست دول اسلامية في آسيا الوسطى (منها خمس دول ذات أصول تركية) فتح أمام تركيا مجالاً واسعًا من العلاقات، وكسر حاجز العزلة وجعلها تستعيد مرة أخرى أهميتها الجيوسياسية والإستراتيجية"

وتبقى مسألة تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا تراوح مكانها إذا لم تحل المشاكل العالقة في العلاقات بين أذربيجان وأرمينيا وذلك بسبب مشكلة ناغورنو كرباغ المتنازع عليها بين الطرفين. وفي هذا السياق فإن تطبيع العلاقات بين أذربيجان وأرمينيا يجب أن يتحقق بالتوازي مع مسار تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، بل إن الشروع في تحريك المسار التركي الأرمني ينبغي أن يشمل أذربيجان، وكذلك من حين إلى آخر يتعين أن تتقدم المباحثات بشكل ثلاثي في هذا الخصوص، لتحسين الأجواء الإقليمية وامتصاص النزاعات القائمة. ومن جانب آخر فإن التطبيع في العلاقات بين تركيا وأرمينيا يمثل تلافيا وتداركا للنقص الذي حدث بسبب انهيار القدم الجورجية في المحور التركي الجورجي الأذري خصوصا بعد الضربة الموجعة التي تلقتها جورجيا من روسيا خلال الحرب الأخيرة.

وإجمالا يمكن القول إنّ مسار التطبيع في العلاقات بين تركيا وأرمينيا أصبح يتميز بعوامل جديدة بعد تغير التوازنات بسبب الصراع الذي نشب بين روسيا وجورجيا، وأصبح يكتسب قوة تمكن من خلق ظروف جيوسياسية جديدة. وهذه التطورات ينتظر أن تفرز نتائج إيجابية لتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وكذلك بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه وبالمقابل يعتقد أنها سوف تفرز نتائج سلبية بالنسبة إلى روسيا. وفي هذا الإطار فإنّ الصّراع على النفوذ في القوقاز يكون قد تركز في أرمينيا، وهو ما يمثل تحديا لحزب العدالة والتنمية الذي يسعى من جهة إلى التعاون والشراكة مع روسيا ومن جهة ثانية إلى تطبيع علاقات بلاده مع أرمينيا مع في هذا التطبيع من استفزاز لموسكو. وتطمح تركيا فضلا عن ذلك إلى تنفيذ فكرة ربط بحر قزوين بالخليج من خلال إنشاء خط يربط تركمانستان وإيران وتركيا، وهو طموح إن تحقق فإن من شأنه أن تكون له تأثيرات عميقة على المستوى الجيوسياسي والجيوإستراتيجي في المشرق بأكمله.
_______________
باحث تركي متخصص في مجال الطاقة والسياسة الأمنية بأوراسيا وخبير بمركز SETA. المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

آفاق العلاقات المشتركة بين تركيا وتتارستان
برهان كورأوغلو

"في ظل انتشار الحركات المطالبة بالحرية والاستقلال عن روسيا في تسعينيات القرن الماضي، تمكن التتار من نيل سلطات سياسية واقتصادية واسعة دون التصادم مع السلطة المركزية."

بالرغم من الاهتمام الكبير الذي يوليه العديد من دول العالم لجمهورية تتارستان؛ نظرًا لما تتميز به من موقع إستراتيجي مهم وإمكانيات صناعية متطورة، إلاّ أن هذه الجمهورية ما تزال خارج اهتمام الأجندة اليومية لتركيا. والواقع الآن أن هذه الدولة تشهد نهضة اقتصادية عظيمة، وتحتل موقعا إستراتيجيا في قلب الاتحاد الروسي. وتحتل هذه الدولة مكانة مهمة بالنسبة لموسكو؛ وذلك لغناها بمصادر النفط والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى امتلاكها بنية تحتية متطورة؛ ومن هنا فقد أصبحت هذه الجمهورية شريان روسيا النابض بالحياة، بالإضافة إلى الأهمية الديموغرافية حيث يشكل التتار الأغلبية الكبرى بعد الروس في روسيا الاتحادية.

تقاسم السلطة مع المركز الفيدرالي

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين قازان وموسكو في مارس/آذار 1992م تم التوافق فيها على صيغة جديدة من الاستقلال لكن ضمن الفيدرالية الروسية. وفي فبراير/شباط 1994م ارتقت مذكرة التفاهم إلى مستوى معاهدة وقّع عليها الجانبان ونصّت على "التفويض المتبادل للسلطة بين موسكو وقازان"، وعُدَّت هذه العلاقة مثالاً يحتذى بين موسكو وباقي الأقاليم الإدارية فيما صار يُعرف باسم "المسار التتارستاني".

وفي ظل انتشار الحركات المطالبة بالحرية والاستقلال عن روسيا في تسعينيات القرن الماضي، تمكن التتار من نيل سلطات سياسية واقتصادية واسعة دون التصادم مع السلطة المركزية. وبمقارنة بين جمهورية تتارستان وجمهورية الشيشان، نجد أن أبناء تتارستان قد استطاعوا الحصول على صلاحيات واسعة حققوها عبر الطرق السياسية، دون الدخول في نزاعات سياسية ضد روسيا. وعلى الرغم من معارضة التتار دائما للسياسة المركزية التي كان بوتين ينتهجها إلا أنها كانت تسعى جاهدة لتجنب المجابهة معها. أما بالنسبة لاتفاقية تقاسم السلطة التي تم التوقيع عليها عام 2007 فإنها تعتبر محددة جدا مقارنة مع سابقتها، إلا أنها تحمل معنى رمزيًا للمكانة التي تتميز بها تتارستان بالنسبة لموسكو.

ويبلغ نصيب الفرد من إجمالي عائدات الدخل القومي في جمهورية تتارستان 8.160 دولارًا ، وفقا للبيانات الإحصائية الصادرة في عام 2010. ويشكِّل التتار ما نسبته 52.9 % من سكانها البالغ عددهم 3.8 مليون نسمة، ويعبِّر هذا الرقم (8.160) بشكل واضح عن التطور الكبير الذي تشهده الجمهورية. وفي الوقت نفسه يعتبر مؤشرا على ارتفاع المستوى التعليمي لأفرادها.

والسؤال المهم الذي يمكن أن يُطرح في الوقت الحاضر، هو: كيف يمكن لتركيا -التي ترتبط بتتارستان بروابط تاريخية وثقافية وعرقية ولغوية- أن تستفيد من المكانة المهمة التي تحتلها هذه الدولة داخل الاتحاد الروسي، في تدعيم العلاقات التركية الروسية؟

العلاقات الثنائية بين الماضي والحاضر

لقد شكَّل افتتاح تركيا لأول قنصلية لها في الاتحاد الروسي عام 1996 في قازان عاصمة جمهورية تتارستان الفيدرالية، بُعدا مهما لكلا الجانبين. وبعد ذلك مباشرة، افتتحت تتارستان مكتبا تمثيليا لها في إسطنبول في عام 1997، معبرة بذلك عن رغبتها في توطيد العلاقات مع تركيا. وفي النصف الأول من عقد التسعينيات كان لتنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي تأثيرا سلبيا على السياسة الداخلية والخارجية لتركيا. كما أن القصور الناجم عن سوء التنسيق ما بين الحكومات الائتلافية، إضافة إلى تركيز تركيا جهودها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. كل ذلك أسهم في عدم تفعيل العلاقات بين تركيا وتتارستان لمدة طويلة من الزمن، تماما كما حدث مع باقي الدول التي ترتبط مع تركيا بصلة القرابة القومية. وفي عام 2009 بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وتتارستان 1.9 مليار دولار، وبذلك أصبحت تركيا ثاني أكبر شريك تجاري لتتارستان. وشكَّل النفط والمشتقات النفطية المستوردة من تتارستان ما نسبته 90% من حجم التبادل التجاري بين البلدين.

"في عام 2009 بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وتتارستان 1.9 مليار دولار، وبذلك أصبحت تركيا ثاني أكبر شريك تجاري لتتارستان. وشكَّل النفط والمشتقات النفطية المستوردة من تتارستان ما نسبته 90% من حجم التبادل التجاري بين البلدين."

ومما لا شك فيه أن عمليات التعاون المشترك بين أنقرة وقازان لن تقتصر في المستقبل على البعد التجاري وحسب. ولكن ينبغي التنبه إلى أهمية إزالة العوائق أمام قيام الشراكات الثقافية والاجتماعية والتعاضد المشترك بين البلدين؛ حيث إن روسيا تلعب دورًا في تضييق إطار العلاقات السياسية المشتركة بينهما. ومن هنا فالطرفان سيعملان على تنشيط وتوسيع برامج التبادل الطلابي، والعمل على إقامة علاقات وثيقة مع الجامعات الإقليمية، وتقوم كلتا الدولتين بتقديم صورة تعريفية عن الدولة الأخرى، لأبناء بلدها، بهدف تعريف أبناء الشعبين على بعضعها، في إطار تهيئة الظروف لتنظيم فعاليات ثقافية متنوعة. ومن العوامل المهمة التي يمكنها أن تسهم إسهامًا فعالا في زيادة إمكانيات التعاون المشترك بين البلدين توعية الشعبين بعمق الأواصر التي تجمعهما، انطلاقا من التاريخ المشترك ووحدة الدين واللغة بينهما؛ حيث تتصدر تتارستان مجموعة دول روسيا الاتحادية في جانب الاهتمام بالثقافة واللغة التركية. وفي هذا السياق تجدر الإشارة أن زيادة علاقات التعاون المشترك بين أنقرة وقازان ستشكل نموذجا يحتذى به لباقي مجتمعات روسيا الاتحادية التي ترتبط بتركيا بصلة قرابة قومية.

ومن هنا يمكننا القول: إن جمهورية تتارستان لم تعد نقطة اهتمام مركزي لروسيا فحسب، بل هي نقطة محورية في جانب الاهتمام التركي كذلك، ولهذا تسعى تركيا لأن تقيم علاقة وطيدة مع هذه الجمهورية شأنها شأن العديد من الدول التي تسعى للاستفادة من الإمكانيات التي تتمتع بها تتارستان. وعلى ما يبدو فإن زيادة الزيارات الثنائية رفيعة المستوى بعد عام 2009 لن تسهم في تعزيز علاقات أنقرة-قازان وحسب بل إنها ستسهم كذلك في فتح آفاق مشتركة جديدة أمام العلاقات بين أنقرة وموسكو.
__________________
ﺒﺎﺤﺙ ﻓﻲ ﻤﺭﻜﺯ ﺍﻟﺠﺯﻴﺭﺓ ﻟﻠﺩﺭﺍﺴﺎﺕ
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-12-2011, 08:30 PM   #23

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي السياسة الخارجية التركية أمام تحديات جديدة

السياسة الخارجية التركية أمام تحديات جديدة
د. بشير نافع

"نظرًا للصعوبات التي تواجه الولايات المتحدةفي العراق وإيران والقضية الفلسطينية وأفغانستان والقوقاز، فقد كان واضحًا أن حاجةإدارة أوباما لتركيا لا تقل عن حاجة تركيا لأميركا."

استهدفت السياسة الخارجية التركية -منذ بداية حكومة العدالة والتنمية الثانية على الأقل- تصفية مشاكل تركيا المستعصية في جوارها الإقليمي. وهي السياسة التي أصبح عنوانها "صفر مشاكل" التي قادها بدون شك د. أحمد داوود أوغلو، الذي انتقل منذ ربيع 2009م من موقعه كمستشار لرئيس الحكومة ورئيس الجمهورية للشؤون الخارجية، إلى إدارة كل الملف الخارجي من موقعه كوزير للخارجية. فحملت "صفر مشاكل" طموحًا تركيًا متعاظمًا للعب دور واسع في الشأنين الإقليمي والدولي، وعكست إدراكًا واعيًا بأن مثل هذا الدور لا يمكن تحقيقه بينما تحمل تركيا أعباء قضايا ثقيلة الوطأة، يعود بعضها إلى سنوات تأسيس الجمهورية، وأخرى إلى سنوات الحرب الباردة.

وقد نجحت السياسة الخارجية التركية بالفعل في تصفية العلاقات المتوترة تقليديًا مع سورية، وفي تحويل هذه العلاقات إلى ما يشبه التحالف الاستراتيجي، على المستويين السياسي والاقتصادي. وبذلت الحكومة التركية جهودًا حثيثة لتأسيس مناخ جديد للعلاقات التركية–الأرمنية؛ وسارت خطوات ملموسة لتخفيف حدة التوتر مع اليونان، وبناء علاقات صحية مع الجارة التي اعتُبِرت دائمًا خصمًا تاريخيًا. إضافة إلى ذلك، ومع إدراك أنقرة أن وقوفها إلى جانب البوسنة وكوسوفو في حروب البلقان قد جعل منها خصمًا لصربيا، فقد بذلت السياسة الخارجية التركية مؤخرًا وسعها لبداية جديدة لعلاقاتها بكافة دول البلقان، بما في ذلك صربيا. بيد أن من الطبيعي أن يطرح التعاظم الحثيث للدور التركي الإقليمي تحديات جديدة؛ فالدول الكبيرة، ذات السياسات الخارجية النشطة، والتي تفترض لنفسها أدوارًا تليق بحجمها وموقعها، لا تقلل من مشاكلها بالضرورة؛ بل على العكس، ربما تواجه مزيدًا من المشاكل. وقد بدا، في الشهور القليلة المتبقية من 2010، أن ثلاثة تحديات رئيسية باتت تواجه السياسة الخارجية التركية.

العلاقات الأميركية–التركية: سُحُب الأزمتين الإسرائيلية والإيرانية
التنافس الروسي–التركي في جنوب القوقاز: الحبل الأرمني الأذري
العلاقات الإسرائيلية–اليونانية: محاصرة تركيا
إعادة ضبط للسياسة الخارجية التركية: حدود الاستقلالية

العلاقات الأميركية-التركية

راج في العاصمة التركية أنقرة مناخ من التفاؤل الكبير عندما تولى الرئيس الأميركي باراك أوباما مقاليد البيت الأبيض؛ فالرئيس الأميركي الجديد لم يقم بزيارة مدوية لتركيا في مطلع ولايته وحسب، بل بدا أن ودًا خاصًا توطد بينه و بين رئيس الحكومة التركية طيب رجب أردوغان. ونظرًا للصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة في العراق وإيران والقضية الفلسطينية وأفغانستان والقوقاز، فقد كان واضحًا أن حاجة إدارة أوباما لتركيا لا تقل عن حاجة تركيا لأميركا.

ولكنّ حدثين متتاليين تركا أثرًا لا يخفى على العلاقات التركية–الأميركية خلال الشهور القليلة الماضية:

أولهما: الهجوم الإسرائيلي في مايو/أيار على قافلة المساعدات البحرية لغزة، والذي أدى إلى مقتل 8 متضامنين أتراك ومتضامن تركي–أميركي؛

وثانيهما: التصويت التركي في يونيو/حزيران في مجلس الأمن ضد قرار العقوبات الجديدة على إيران، الذي تبنته إدارة أوباما.

في مواجهة تصاعد اللهجة التركية ضد الدولة العبرية، حافظت واشنطن على موقف متحفظ من الأزمة، وأحجمت عن توجيه إدانة صريحة للتصرف الإسرائيلي. ولم تُخفِ أوساط في إدارة أوباما دهشتها من التصويت التركي ضد قرار العقوبات على إيران؛ بل وصدر عن الخارجية الأميركية ما يفيد بأن واشنطن لم تكن تتوقع من تركيا أكثر من الامتناع عن التصويت.

خلال الفترة التالية، تصاعدت أصوات يمينية ومؤيدة لإسرائيل في واشنطن وأوروبا تقول: إن حكومة العدالة والتنمية تقود تركيا بعيدًا عن تحالفاتها التقليدية مع أميركا والغرب. وقد عمل صقور الكونغرس الأميركي على تعطيل التصويت على مرشح أوباما الجديد لمنصب السفير الأميركي بأنقرة، بحجة أنه يفتقد الصلابة الكافية للتعامل مع حكومة أردوغان. وفي منتصف أغسطس/آب، نشرت الفايننشيال تايمز البريطانية تقريرًا أفاد بأن أردوغان تلقى تهديدًا مباشرًا من أوباما بأن تركيا ستواجه صعوبات في مشترياتها للسلاح من الولايات المتحدة إن لم تقم حكومته بتصحيح سياستها الخارجية.

سارعت كل من أنقرة وواشنطن إلى تكذيب تقرير الصحيفة البريطانية، ولكن من غير المستبعد أن يكون مصدر التقرير أوساطًا معينة في إدارة أوباما أو الكونغرس، تستهدف بالفعل توجيه رسالة لأنقرة. في محاولة لاحتواء المناخ غير الصحي في العلاقات مع واشنطن، أرسلت تركيا في الأسبوع الأخير من أغسطس/آب وفدًا من وزارة الخارجية، يقوده وكيل الوزارة، للعاصمة الأميركية. وقد التقى الوفد بعدد كبير من المسؤولين في البيت الأبيض ووزارات الدفاع والخارجية والتجارة الأميركية؛ كما صدرت عن الوفد تصريحات تصالحية بشأن العلاقات التركية–الإسرائيلية، وتأكيدات إضافية على ثبات العلاقات التركية مع أميركا. بيد أنه يتوجب الانتظار بعض الوقت لنعرف على وجه الدقة ما إذا كانت أنقرة قد نجحت في تجاوز مناخ الأزمة مع واشنطن، وما إذا كانت ثمة مطالب أميركية بات من الضروري على تركيا الاستجابة لها، أو الالتقاء معها في منتصف الطريق على الأقل.

"يشكِّل الاتفاق مع أرمنيا خطوة نوعية فيعلاقات روسيا مع أرمنيا، أما الاتفاق مع أذربيجان فيشير إلى أن باكو لم تعد تسلم كلية لتحالفها مع تركيا، وإلى أن روسيا تود التوكيد لكل ذي علاقة أنها اللاعب الرئيس في جنوب القوقاز، بالرغم من الخلافات الأرمنية–الأذرية المستعصية."

التنافس الروسي–التركي في جنوب القوقاز

أثار الاتفاق التركي–الأرمني قبل عامين قلقًا كبيرًا في أذربيجان، حليف تركيا الرئيس في جنوب القوقاز، وإحدى الدول الرئيسة في مشروع خط أنابيب الغاز الضخم الذي يفترض أن يبدأ من تركمانستان باتجاه أوروبا الغربية وتقوده تركيا. وبالرغم من أن الاتفاق التركي–الأرمني لم يجر تنفيذه، سواء لعجز الحكومة الأرمنية عن تمريره في البرلمان، أو لتدخل روسي فعال ضد الاتفاق، فقد سارعت حكومة إلهام عالييف في باكو إلى ضخ دماء جديدة في العلاقات مع روسيا؛ بمعنى أن أذربيجان بدأت تلعب على التنافس الروسي–التركي المتصاعد في جنوب القوقاز منذ نهاية الحرب الباردة. حاولت أنقرة من جهتها، بدبلوماسية مباشرة ونشطة، طمأنة باكو، وتوثيق عُرى التحالف من جديد؛ وقد تُوِّجت هذه الدبلوماسية بزيارة الرئيس عبد الله غل لباكو في منتصف أغسطس/آب، وتوقيعه اتفاق تعاون إستراتيجي بين تركيا وأذربيجان، أعاد خلاله التوكيد على العلاقات الإستراتيجية التركية–الأذرية، وعلى تعاون الدولتين في مجال نقل الطاقة.

بيد أن زيارة غل سرعان ما تلتها -بعد أيام قليلة فقط- عدة خطوات روسية بارزة؛ إذ وقَّعت روسيا، وقبل أيام قليلة أخرى من زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف لأرمنيا، اتفاقًا أمنيًا إستراتيجيًا مع أرمنيا، وفَّر ضمانة روسية صريحة لأمن أرمنيا وحدودها. وقد واكب الاتفاق نشر روسيا صواريخ س 300 في أرمنيا، والتمديد للقوات الروسية المتمركزة في أرمنيا (4 آلاف جندي) حتى منتصف القرن. في الوقت نفسه، كانت روسيا توقع على اتفاق أمني آخر مع أذربيجان، أقر بيع روسيا بطاريات صواريخ س 300 المضادة للطائرات لأذربيجان. ويشكِّل الاتفاق مع أرمنيا خطوة نوعية في علاقات روسيا مع أرمنيا، أما الاتفاق مع أذربيجان فيشير إلى أن باكو لم تعد تسلم كلية لتحالفها مع تركيا، وإلى أن روسيا تود التوكيد لكل ذي علاقة أنها اللاعب الرئيس في جنوب القوقاز، بالرغم من الخلافات الأرمنية–الأذرية المستعصية.ثمة من يرى في الاندفاع الروسي في جنوب القوقاز تحذيرًا واضحًا لتركيا بأن هناك حدودًا لا يمكن لها أن تتخطاها في المنطقة. ولكن قيام روسيا بنشر بطاريات صواريخ س 300 في أبخازيا، المنشقة عن جورجيا تحت الحماية الروسية، ربما يحمل رسالة أكبر، ليس لتركيا وحسب، بل ولحلف الأطلسي أيضًا، لاسيما وأن جورجيا، ركيزة الأطلسي في جنوب القوقاز، باتت محاطة كلية بالنفوذ الروسي العسكري.

العلاقات الإسرائيلية–اليونانية

شهد الأسبوع الثاني من أغسطس/آب زيارة مفاجئة قام بها رئيس الوزراء اليوناني، جورج بباندريو، للدولة العبرية. ولم ينته الأسبوع الثالث من الشهر، حتى قام رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بزيارة اليونان. والعلاقات اليونانية–الإسرائيلية ليست علاقات جيدة تقليديًا، ولا حتى طبيعية، نظرًا للصلات الوثيقة التي تربط اليونان بأغلب الدول العربية المطلة على المتوسط، ودعم اليونان الدائم للقضية الفلسطينية. ولأسباب تاريخية عميقة، تعاني العلاقات التركية–اليونانية من توتر مستمر، لم تفلح عضوية الدولتين المشتركة في حلف الناتو في احتوائه. وفي المقابل، وقفت الدول العربية إلى جانب اليونان، في معظم محطات خلافاتها مع تركيا، لاسيما فيما يتعلق بالمسألة القبرصية.

قبل وصول نتانياهو لأثينا، اتصل بباندريو بالرئيس المصري حسني مبارك، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، في خطوة فُهِم منها تأكيد أثينا على موقفها التقليدي من العلاقات مع العرب، وسعي بباندريو للعب دورٍ ما في عملية السلام. كما صدرت عن اليونانيين والإسرائيليين تصريحات تشير إلى أن التقارب بين الجانبين ليس موجهًا ضد تركيا. ولكن نتانياهو وقَّع في أثينا عددًا غير عادي من الاتفاقيات المشتركة في مجالات التجارة والاقتصاد والثقافة والسياحة والأمن؛ كما حصل على موافقة اليونان على تدريب الطيارين الإسرائيليين في المجال الجوي اليوناني، كبديل عن التسهيلات التي اعتادت إسرائيل الحصول عليها من تركيا وأوقفتها حكومة أردوغان مؤخرًا.تعكس الخطوة اليونانية غير المسبوقة في التوجه نحو الدولة العبرية حاجة أثينا الملحة لدعم إسرائيلي في مجالات السياحة والاستثمار، ودعم المؤسسات المالية العالمية الصديقة لإسرائيل، في وقت تواجه اليونان أزمة مالية–اقتصادية خانقة. ولكنها تعكس أيضًا محاولة يونانية للرد على ازدياد الثقل الاقتصادي والسياسي لتركيا. أما من الجانب الإسرائيلي، فليس ثمة شك أن نتانياهو يحاول الرد على العداء التركي المتزايد للسياسات الإسرائيلية والتقارب التركي الحثيث مع الدول العربية. ولا تقدم اليونان بديلا لتركيا وحسب، بل وتفتح الطريق أمام إسرائيل لدخول المجال البلقاني، إحدى الدوائر الحيوية للسياسة التركية الجديدة. وقد لوحظ أن رئيس وزراء جمهورية صرب البوسنة ميلوراد دوديك خلال زيارته لإسرائيل في أغسطس/آب قد حرص على توجيه انتقادات صريحة للدور التركي في البلقان، بالرغم من محاولات تركيا بناء علاقات صداقة مع صربيا مؤخرًا.

"وتدرك الدولة العبرية في النهاية أن الذهاب بعيدًا في محاولة التسبب بصداع لتركيا في البلقان، يعني مزيدًا من التباعدالتركي–الإسرائيلي، بكل ما يعنيه هذا من دلالات إستراتيجية بعيد المدى."

إعادة ضبط للسياسة الخارجية التركية

ليس ثمة ما هو مستعصٍ في الملفات الثلاثة التي تفرضها هذه التطورات على السياسة الخارجية التركية؛ فالعلاقات التركية–الأميركية عميقة الجذور، وحاجة الدولتين لبعضهما البعض كبيرة، ولا يمكن أن تطيح بها أزمات من النوع الذي واجهته علاقاتهما في الشهور القليلة الماضية. وبالرغم من التقارب الروسي–التركي الحثيث في السنوات الأخيرة؛ فروسيا تعتبر جنوب القوقاز إحدى دوائرها الإستراتيجية الحيوية. وربما ستجد أنقرة وسيلة ما للتأقلم مع سياسة إعادة التأكيد على المصالح الحيوية في الخارج القريب التي ينتهجها بوتين–ميدفيدف. وتدرك الدولة العبرية في النهاية أن اليونان لا يمكن أن تعوِّض علاقاتها بتركيا، بأي حال من الأحوال، وأن الذهاب بعيدًا في محاولة التسبب بصداع لتركيا في البلقان، يعني مزيدًا من التباعد التركي–الإسرائيلي، بكل ما يعنيه هذا من دلالات إستراتيجية بعيد المدى. بيد أن ذلك لا يعني أن التحديات الثلاث يمكن التغاضي عنها بسهولة؛ ليس لأنها تعكس صعوبة تحقيق سياسة "صفر مشاكل" وحسب، ولكن لأنها أيضًا تشير إلى حدود المدى الذي يمكن أن تذهب إليه تركيا الجديدة في استقلالية سياستها الخارجية عن حلفائها التقليديين في الغرب، وفي محاولتها كسب مواقع جديدة في الجوار على حساب جارة كبرى مثل روسيا.
_______________
مركز الجزيرة للدراسات
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

السياسة الخارجية التركية الجديدة بين الشرق والغرب
برهان كور أوغلو

هل التوجهات السياسية الجديدة لتركيا هي عملية تحول من المحور الغربي-الأطلسي إلى المحور الشرق الأوسطي بشكل خاص؟

"التوجهات التركية الجديدة تأتي في إطار عمليةإعادة البناء التي تبناها حزب العدالة والتنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي إطار القيام بأدوار فاعلة تجاه الأحداث والمشكلات التي وقعت بعدالحرب الباردة."

أكدت التوجهات الإستراتيجية التركية جميعها منذ بداية عهد الجمهورية على تبني الدولة التركية للمحور الغربي. وقد بدا ذلك أولا في أفكار التغريب والتقرب من النمط الأوروبي، ثم في توطد العلاقات التركية الأمريكية اعتبارا من منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، واندراج أنقرة الإستراتيجي ضمن سياسات المحور الغربي منذ عقد السبعينيات لظروف سياسية مختلفة، خاصة بعد أن جعلت تركيا انضمامها إلى عضوية الاتحاد الأوروبي هدفا استراتيجيا لها منذ الستينيات.

لقد فرضت أوضاع الحرب الباردة آثارها على العلاقات السياسية الخارجية التركية، فكان من نتائج التحاق أنقرة بالمعسكر الغربي الانقياد للسياسات الغربية ولاسيما لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، والوقوف بجانبها في وجه المعسكر الاشتراكي. وساهمت عوامل متعددة في حدوث نوع من الجفاء في العلاقات التركية - الشرق أوسطية بعد انهيار السلطنة العثمانية، تأتي في مقدمتها العوامل النفسية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى في دول الشرق الأوسط وتركيا بشكل خاص، وضعف التوجهات الاقتصادية التركية، وغياب الوعي الاستراتيجي الذي يزن أهمية هذه المنطقة للأمن التركي، إضافة إلى وقوع غالبية مناطق الشرق الأوسط تحت الوصاية الغربية.

الميراث التاريخي والدور الراهن
رهانات التوجه الجديد

الميراث التاريخي والدور الراهن

ثم شهدت السياسة الخارجية التركية نشاطا وفاعلية ملحوظة على كافة المستويات بعد انتهاء الحرب الباردة، وخصوصا بعد عام 2002؛ حيث شهد الاقتصاد التركي نموا ملحوظا، كما تسلمت قيادة الدولة نخبة سياسية تدرك جيدا أهمية الثراء التاريخي والعمق الإستراتيجي للدولة. وبدأت الملامح العملية للسياسة الخارجية التركية الجديدة بالظهور من خلال السعي إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة والتخلص من عناصر النزاع، فسعت إلى إنشاء علاقات طيبة مع كافة دول الجوار بما فيها الدول العربية، حيث أقامت أنقرة علاقة طيبة مع دمشق، وتوسطت بين سوريا وإسرائيل من خلال إجراء مفاوضات غير مباشرة بينهما، قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على أهالي غزة، وعارضت الاحتلال الأمريكي للعراق، وساهمت في حل المشكلات الداخلية الناتجة عن الغزو، وألغت التأشيرات مع عدد من الدول العربية، فضلا عن توجيهها انتقادات لاذعة للسياسات والممارسات الإسرائيلية في المنطقة، والانتقادات التي وجهها رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان لإسرائيل في قمة دافوس. وبهذه الكيفية والحيوية السياسية والدبلوماسية ظهرت تركيا دولة ناقدة ومقيّمة للأوضاع وصاحبة توجهات أصيلة.

ونتيجة لهذه الفاعلية والديناميكية، فسّر البعض هذه التوجهات التركية الجديدة باعتبارها عملية تحول رئيسي في السياسة الخارجية التركية. والحقيقة أن التوجهات التركية الجديدة تأتي في إطار عملية إعادة البناء التي تبناها حزب العدالة والتنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفي إطار القيام بأدوار فاعلة تجاه الأحداث والمشكلات التي وقعت بعد الحرب الباردة. كما اتجهت تحليلات أخرى إلى تقييم هذه التوجهات الجديدة باعتبارها توجهات نابعة من أصول دينية أو وصفها بكونها توجهات جيوسياسية أوراسية أو شرقية، لكن تحليل هذه التوجهات يكشف أن تركيا قد طورت سياسة خارجية متماسكة ومتكاملة، يمكن ووصفها بأنها "سياسة خارجية واقعية ذات محور قيمي".

"العامل الذي يقوي من وضع تركيا الدولي، ويوفرلها الدينامية المستمرة هو تراثها التاريخي، وإرادتها السياسية التي تجعل منهاعاملا فاعلا ومؤثرا في مختلف قضايا المنطقة."

رهانات التوجه الجديد

غير أن بعض الأطراف لم تستطع إدراك حقيقة هذه السياسة؛ فحصرتها في زاوية واحدة، بل ونظرت بعض الأوساط إلى تاريخ العلاقات التركية السلبي مع الدول الأخرى في السابق على أنه حقيقة ومسلمة لا يمكن تغييرها، وقللوا من أهمية التوجهات الجديدة لتركيا تجاه العالم الخارجي، وفضلوا بقاء الأوضاع على ما هي عليه. وهذه الأطراف تحاول التركيز على فكرة أن هناك صراعا في السياسة التركية بين العلمانية – والتوجهات الإسلامية، وتحاول إثارة الأزمات حول هذه القضية، وتركز على فكرة التحول المحوري في السياسة التركية من أجل تحقيق مكاسبها الخاصة. حيث يمكن لمثل هذه التوترات الداخلية، إذا ما تفاقمت، أن تهيئ المناخ لتغيير الحكومة القائمة أو وقوع انقلاب عسكري. وتأتي في مقدمة الجهات التي تسعى لإشاعة فكرة تغيير تركيا لمحورها في السياسة الخارجية، إسرائيل، واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وبعض الأحزاب التركية المنافسة لحزب العدالة والتنمية، والتي تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال طرح هذه القضية، بالإضافة إلى بعض الأطراف الأوروبية التي لا تقدر دور تركيا الديناميكي الجديد.

ومن جهة أخرى، فإن التحليلات التي تتحدث عن التحول المحوري لتركيا ما هي إلا تحليلات ما زالت حبيسة منطق الحرب الباردة؛ فالوضع الدولي الحالي لم يعد مرتبطا بقطبين اثنين كما كان في فترة الحرب الباردة، بل أصبح وضعا ديناميكيا يتطلب من الدول أن تتخذ خطوات تتناسب مع هذا الوضع وإلا أصبحت دولا حبيسة توجهات جامدة. وقد أجاب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على سؤال حول المزاعم والنقاشات التي تثار حول تغيير تركيا لمحورها السياسي، بأن "فكرة تغيير المحور هي فكرة قديمة كانت مرتبطة بما تحدده الدول العظمى من أوضاع سياسية تلتزم بها الدول الأخرى، وهو وضع استمر في ظل فترة الثنائية القطبية"، وأضاف داود أوغلو: " أن الوضع الدولي، في تلك الفترة، كان يشمل دولا كبرى وقوى عالمية، وكنا نتكيف بناء على نماذج التغييرات المحددة. أما الآن، فيجب علينا أن تكون لنا كلمة، وأن يكون لنا وضع خاص في النظام الدولي، وذلك هو محورنا الخاص بنا، وبعد أن نجد محورنا الخاص بنا، تتضح رؤيتنا ونتشاور مع حلفاءنا ونعمل على تحديد أوضاعنا الدولية المشتركة". (مجلة غوروش).

والحقيقة أن توجهات تركيا الجديدة لم تنحصر في العالم الإسلامي أو العربي بل عملت تركيا على إقامة علاقات إيجابية مع روسيا، والاشتراك معها في مشاريع إستراتيجية متنوعة مثل مشاريع نابوكو وباكو وجيهان، كما لعبت تركيا دورا في المفاوضات السلمية بين البوسنة والصرب، واتخذت خطوات إيجابية لتطبيع علاقاتها مع أرمينيا، وغيرها من دول الجوار. وهكذا، فقد استثمرت تركيا عناصرها التاريخية المتمثلة في ميراث السلطنة العثمانية من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة.ومن هنا فإن العامل الذي يقوي من وضع تركيا الدولي، ويوفر لها الدينامية المستمرة هو تراثها التاريخي، وإرادتها السياسية التي تجعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في مختلف قضايا المنطقة.
_______________
مركز الجزيرة للدراسات
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


داود أوغلو والسياسة الخارجية الجديدة لتركيا

يقدم التقرير الذي نشرته مؤسسة (سيتا) البحثية في أنقرة على موقعها الإلكتروني رؤية داود أوغلو للسياسة الخارجية التركية عقب تعيينه وزيرا للخارجية في مايو/ أيار الماضي، ويناقش التقرير خط السياسة الخارجية التركية الجديد وأدواتها، لا سيما وسط مجهودات الدولة لحل المشكلات المتأزمة في المناطق المجاورة. ويرى التقرير أن مهمة داوود أوغلو الآن ستكون التحول من التصميم الفكري للسياسات إلى انخراط أكثر واقعية في السياسة الخارجية، إضافة إلى أن عهده سيعمق انخراط تركيا في السياسة الإقليمية والمنظمات الدولية والسياسة العالمية. كما يطرح التقرير التحديات والصعوبات التي ستواجه داود أوغلو في منصبه الجديد، ويقدم بعض التوصيات والملاحظات المهمة.قام رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان بتعيين أحمد داود أوغلو وزيرا جديدا للخارجية في الأول من شهر مايو/ أيار 2009، وكان هذا الأخير وثيق الصلة بأردوغان وكبيرَ مستشاريه في السياسة الخارجية منذ 2003، والمعروف عنه أنه مهندس سياسة حزب العدالة والتنمية الخارجية، وكان له تأثير في عدد من التطورات الرئيسية فيها. وثمة إجماع على أن داود أوغلو هو الذي غيَّر بصورة كبيرة في خطاب سياسة تركيا الخارجية وممارستها بحيث جعلها تتسم بالحراك وتعدُّد الأبعاد، فقد وضع لها رؤيةً وأسلوبا جديدين وإطارا لتنفيذهما.

"نجحت رؤية داود أوغلو في الميدان ونالت سياستُه مشروعيةً لدى المنتقدين المشكِّكين داخل تركيا وخارجها، رغم أن مقاربَته مازالت تثير الانتقاد."

غير أن رؤيته وأسلوبَه الجديدين كانا في البداية موضوعا لكثير من النقاش، فقد تساءل الكثيرون عما إذا كانا ملائمين لسياسة تركيا الخارجية، وبعد سبع سنوات انتقل النقاش أساسا إلى ما إذا كانت سياستُه ملائمةً بدون حزب العدالة والتنمية وبدونه هو في منصب المستشار. لقد نجحت رؤية داود أوغلو في الميدان ونالت سياستُه مشروعيةً لدى المنتقدين المشكِّكين داخل تركيا وخارجها، رغم أن مقاربَته ما زالت تثير الانتقاد. ويعودُ تأثير داود أوغلو إلى إرادة وزير الخارجية الأسبق والرئيس الحالي عبد الله غل ورئيس الوزراء أردوغان في استغلالِ رؤيتِه في تنفيذ السياسة الخارجية. ويحظى داود أوغلو بالتقدير في جوار تركيا ولدى اللاعبين الرئيسيين في النظام الدولي، وهو ما تبيَّن عندما طلب الرئيس الفرنسي ساركوزي من تركيا مساعدةَ الدبلوماسية الفرنسية في أزمة غزة. وستكونُ لتعيينه وزيرا للخارجية تأثيراتٌ تتجاوز تركيا في كل من المناطق المجاورة وفي المنظمات الدولية التي تشارك فيها تركيا بنشاط. وقد غطت وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة والشرق الأوسط تعيينه بصورة مكثفة، ويبدو أن الاهتمام الوثيقَ بخطوات داود أوغلو باعتباره وزيرا لخارجية تركيا أمرٌ وارد.

رؤية داود أوغلو في السياسة الخارجية
أدوات السياسة الخارجية الجديدة
أسلوب داود أوغلو في السياسة الخارجية
ملاحظات ختامية

رؤية داود أوغلو في السياسة الخارجية

تَستنِد رؤيةُ داود أوغلو في السياسة الخارجية إلى التحوُّل الداخلي في تركيا، لا سيِّما توطيد الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، فقد سَمح الإصلاحُ الداخلي في تركيا وقدراتُها الاقتصادية المتناميةُ للبلاد بالبروز كراعٍ للسلام في المناطق المجاورة. وقبلَ صعود نجم داود أوغلو كان الأمن في تركيا يُعامل إلى درجة كبيرةٍ على أنه مشكلة داخلية، وكانت السياسات الخارجيةُ امتداداتٍ للاعتبارات الداخلية، وهو الموقف الذي عادة ما كان مصحوبا بتوجُّه واضح نحو إضفاء الطابع الخارجي على المشكلات والبحثِ عن أعداء خارجيين. وقد تكون هناك فعلا، في بعض الحالات، أسبابٌ خارجية للمشكلات، لكنَّ النخبَ السياسية كانت تميلُ إلى المبالغة فيها واستغلالها للمحافظة على السلطة. وقام داود أوغلو بصياغة سياسته الخارجية على أساس تصوُّرٍ جغرافيٍّ جديد وَضَع حدًّا لما يسميه "إبعاد" البلدان المجاورة لتركيا. ويكمنُ أحدُ المكونات الأساسية لرؤيته في جعل الصورِ السلبية والأفكار المسبقة، لا سيما تلك المتعلقة بالشرق الأوسط، شيئا من الماضي. وسمحَ هذا التحوُّل لتركيا بتحرير سياستها الخارجية تماما من أغلال الاعتبارات الداخلية.

ومَهَّدت رؤية داود أوغلو الطريقَ لبروز تصوُّر جديد يضع مختلفَ الفرضيات عن البلدان الإقليمية في أذهان صانعي السياسة، وتكمن المسألةُ الأساسيةُ في التحوُّل المشارِ إليه آنفا الذي أعاد تحديد خيارات السياسة الخارجية فاتخذت شكلا جديدا متأثرةً بما قام به داود أوغلو من إعادةٍ لتحديد دور تركيا في المناطق المجاورة وفي السياسة الدولية، أي في "عمقها الاستراتيجي"، بحيث توسَّعت الحدود إلى ما وراء البلادِ في الخريطة المعرفية لأذهان صانعي السياسة. وزالت في الذهنية الجديدة الحدودُ الإقليميةُ أمام الانخراط التركي في البلدان المجاورة، واكتسبت العلاقة بين "الجوار والآخر"معنى جديدا بعد التخلُّص من ضغوط تصورات التهديد الداخلية في السياسة الإقليمية.

ومن شأن رؤية داود أوغلو أن تؤثر بشكل كبير في ثقافة الأمن القومي والثقافة الجيوسياسة، وهو ما يعني توسيعَ أفقِ صانعي السياسة وبروزَ بعضِ المواقف الجديدة في السياسة الخارجية. ويمكن أن يُفهَم التغيير بصورة أفضل في إطارٍ متعددِ الأطراف ينطوي على تغييراتٍ في المشهد الداخلي، وفي التفاعل الثنائيِّ لكل عنصر من عناصر التحول السياسي والاقتصادي والثقافي فيما يتعلق بخطِّ السياسة الخارجية الجديد الآخذ في النشوء. ومثال ذلك وجودُ مناخ داخلي أكثر أمانا يدخل في تفاعل ثنائيٍّ مع سياسةٍ خارجية تتسم بالثقة.وتقوم هذه العملية بإعادة صياغةِ الأمن القومي وبإدراج عواملَ جديدةٍ في عملية صناعة السياسة الخارجية. ومثلما يشيرُ إليه كيريشتشي، استنادا إلى صانعي السياسةِ الأتراك، فإن "التطورَ السياسي والقدراتِ الاقتصادية والقوى الاجتماعيةَ النشيطة والقدرةَ على التوفيق بين الإسلام وبين الديمقراطية في الداخل هي ميزاتٌ تَمنحُ تركيا إمكانيةَ وضعِ سياساتٍ فعالة ومؤثرةٍ وتنفيذها"في المناطق المجاورة وفي أماكن بعيدة مثل إفريقيا وآسيا.

"تَستنِد رؤيةُ داود أوغلو في السياسة الخارجية إلى التحوُّل الداخلي في تركيا، لا سيِّما توطيد الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد."

ويشير داود أوغلو إلى أن تركيا تتعهَّد بالمساهمة في أمن واستقرار ورفاه مجموعةٍ واسعة من الأقاليم البعيدة عن جوار تركيا المباشر، ويقول معلِّقا على نشاط تركيا المستقبلي في إفريقيا: "إن البلد الذي يقلل من شأن إفريقيا لا يمكن أن يكون له موقع عالمي". وتعد مصلحة تركيا الجديدةُ في هذه المناطق نتيجةً لترتيبِ بيتِها الداخلي واكتسابِ الثقة في النفس في العلاقات الدولية ووضعِ رؤيةٍ عالميةٍ للسياسة الخارجية والسعيِ إلى دور قيادي في السياسة العالمية. ومثلما يقول أحمد داود أوغلو نفسُه "تحتلُّ تركيا من حيثُ الجغرافيا مكانا فريدا، فباعتبارها دولةً مترامية الأطراف وسط أرض واسعة بين إفريقيا وأوراسيا يمكنُ أن يتمَّ تعريفُها على أنها بلد مركزيٌّ ذو هويات إقليمية متعددة لا يمكنُ اختزاله في صفة واحدة موحدة. وعلى غرار روسيا وألمانيا وإيران ومصر لا يمكن تفسير تركيا جغرافيا أو ثقافيا بربطها بمنطقة واحدة. وتركيب تركيا الإقليمي المتعدد يمنحها القدرة على المناورة في العديد من المناطق، ومن ثم فهي تتحكم في منطقة نفوذ في جوارها المباشر".

ومعنى هذا، رغم أن المسافةَ بين تركيا وبين البلدان الأخرى تبقى نفسَها، مثلما يقول داود أوغلو في كتابه المرجعيّ "العمق الاستراتيجي"، إلا أن هناك اعترافا جديدا بجذور تركيا التاريخية والثقافيةِ في المناطق المجاورة لها أخذ يغيِّر تصوُّرات هذه الجغرافيات إلى تصورٍ جغرافي جديد، إذ لم يعُد للمسافة المادية والصعوباتِ السابقة في التعاطي مع هذه الجغرافيات معنى في دوائر السياسة وبين الناس. والشيء الذي برزَ هو عمليةُ اكتشاف "قرب" هذه الجغرافيات و"قابليتها" لانخراط تركيا فيها بوسائل تُذكِّر بالعلاقات الماضية وتكشِف عن الوشائج الحضارية والثقافية وتستكشف فُرص الانخراط. وقد استَفادت سياسةُ الجوار التركية الجديدةُ من رؤيةٍ تقوم على تقليص هذه المشكلات في المناطق المجاورة لها، وهي الرؤية التي أطلق عليها داود أوغلو نفسُه سياسة "اللامشكلة" في حين تتفادى التورط في المواجهات الدولية.

وتعكسُ المعاني المتغيرة لآسيا أو إفريقيا في الخطابِ الجديدِ لصانعي السياسة الخارجية التفاعلَ النشطَ بين القوة والجغرافيا، وهنا تبرزُ إعادةُ التموقع التي تَضع تركيا في جغرافيا أوسع أو تجعلُ منها جزءا من المناطق الجديدة، وهي السياسة التي لا تجعلها تحتلُّ موقعا جغرافيا سياسيا هاما فحسب بل قادرةً أيضا على البروز كلاعب مهم في المجالات السياسية والاقتصادية. واستَغلَّت نخبة الأمن والخارجية التركية والسياسيون في السلطة رؤية داود أوغلو، فقد بيّن رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان عمق إستراتيجية داود أوغلو وخطابه حين قال: إن "اسطنبول ليست مركزا يجمع قارتين فحسب، إنها أيضا رمزٌ مركزي يجمع الحضارات ويختزلها". ويضع أردوغان اسطنبول في قلب خريطة واسعة حيث لتركيا وجغرافيتِها وميراثِها الثقافي أهميةٌ في سياق إقليمي أوسع. ومثلما يضيف داود أوغلو قائلا: "ستكون التزامات تركيا من التشيلي إلى إندونيسيا، ومن إفريقيا إلى آسيا الوسطى ومن الاتحاد الأوروبي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي جزءا من مقاربة شاملة للسياسة الخارجية، وستجعل المبادراتُ تركيا فاعلا عالميا ونحن نقترب من العام 2023، الذكرى المئوية الأولى لإقامة الجمهورية التركية". وتَبرُز تركيا في هذه الذهنية باعتبارها لاعبا مؤثِّرا في جغرافيةٍ تمتدُّ من إفريقيا إلى الشرق الأوسط وما وراءهما.

ويميل المنتقدون إلى اعتبار رؤيةِ داود أوغلو نزعة عثمانية جديدة مؤكِّدين أن معظمَ سياسة تركيا الخارجية يجري في الأقاليم العثمانيةِ السابقة. والواقعُ أن سياساتِ داود أوغلو تشكِّل استمرارا لنشاط تركيا الفعَّال الذي أَخذ يتطور تدريجيا في عهد الرئيس الأسبق تورغوت أوزال، إلى جانب الخطواتِ الجذرية تجاه العضوية في الاتحاد الأوروبي التي اِتخذَتها حكومةُ الائتلاف التي سبقت حزبَ العدالة والتنمية. ومضى داود أوغلو بهذه التوجُّهات قُدُما فصاغ رؤية أكثر شموليةً للسياسة الخارجية ووَضع آلياتٍ سياسية لمواجهةِ تحدياتِ العولمة في عصر ما بعدَ الدولة القومية. وتؤدِّي مقاربةُ داود أوغلو القاضية بجعل الحدود غير ذات معنى بحكم الواقع، في وقت تُحترمُ فيه السيادة الوطنية، إلى دواعٍ جيوسياسية للعودة إلى الفناء الخلفي للإمبراطورية العثمانية السابقة. مثلما يقول إبراهيم كالين : "تبدو تركيا ما بعد العصرنة كامنةً في ماضيها العثماني".

"يميل المنتقدون إلى اعتبار رؤيةِ داود أوغلو نزعة عثمانية جديدة مؤكِّدين أن معظمَ سياسة تركيا الخارجية يجري في الأقاليم العثمانيةِ السابقة."

وإذا كانت إشارةُ داود أوغلو إلى الوشائج التاريخية والثقافية لا تتجاهل ماضي تركيا العثمانيَّ، ولا تسعى إلى مجرد استغلاله باعتباره كذلك، فإنها توفِّر ميزة لتركيا في انخراطها في المناطق المجاورة. وعلى سبيل المثال فإنَّ قوله في كتابه "العمق الاستراتيجي" عن النزاع على القدس: إنه "لا يمكن حل أي مشكلة سياسية في المنطقة دون (استخدام) الأرشيف العثماني"، قولٌ يهدِفُ إلى إعمال الماضي العثماني ليمنحَ تركيا موقعا في مسار السلام في الشرق الأوسط. وكملاحظة أخرى عن واقعية رؤية داود أوغلو يؤكدُ "كيريشتشي" أولوية واحدةً للسياسة الخارجية الجديدة ألا وهي التركيزُ على الأهمية الناشئة للاعتماد الاقتصادي المتبادل. وفي هذا الصدد قد يكون النظر إلى النزعة العثمانية الجديدة باعتبارها الدافعَ الأولَ الكامنَ وراء تصور داود أوغلو الجيوسياسي أمرا مضلِّلا. ولا تَفترضُ سياسة تركيا الخارجيةُ في المناطق المجاورة دورا مهيمنا لتركيا بل تهدفُ إلى مقاربة شاملةٍ لبناء السلام والأمن، مقاربة قائمةٍ على الحراك داخلَ هذه المناطق، وتبعا لهذا التفكير اكتسب صانعو السياسة الخارجية التركية ثقةً في النفس وإرادةً سياسية جديدتين للسعي وراء محاولات السلام في المناطق المجاورة، فها هي تركيا تستقبل زعماءَ الشرق الأوسط وأوراسيا وإفريقيا إلى جانب سياسيين ومسؤولين كبار من البلدان الغربية، كما تقومُ بتيسير الأرضيات لحلِّ النزاعات في أماكنَ عديدة.

ويحاولُ صانعو السياسة الأتراك التغلُّب على الخلافاتِ بين البلدان المتنازعة من خلال تدابيرِ بناء الثقة وأداء دور الوسيط والمسهِّل لإيجاد الحلول للمشكلات الإقليمية المزمنة. وقد تمكَّنت تركيا بفضل مقاربتهم من البروز في دور صانعِ السلام على أطراف النظام الدولي. وبما أنَّ رؤية داود أوغلو هي القوةُ الدافعة الكامنةُ وراء هذه التطورات فإنها تهدفُ إلى إعداد الأرضيةِ لوعي جديد بالسلام في جغرافيا واسعةٍ تمتدُّ من الشرق الأوسط إلى أراضي الأستبس في أوراسيا.

أدوات السياسة الخارجية الجديدة

يَعرِض داود أوغلو عددا من الآليات لتحقيق أهداف السياسةِ الخارجية المعلَنة في رؤيته الجديدة:

الآلية الأولى

هي مقاربة متكاملةٌ للسياسة الخارجية، فاستنادا إلى داود أوغلو كانت تركيا بلدا يقومُ على الأولويات في سياسته الخارجية في حقبة الحرب الباردة حينما كان هناك نوعٌ من التراتبية في الأولويات في أذهان صانعي السياسةِ الخارجية الذين اِتّبعوا سياسةً مرتبطةً بهذه الأولويات الثابتة. غير أن هذه التراتبية لم تعُد صالحة في الحقبة الحالية في نظر داود أوغلو، وعوض ذلك ثمة حاجة إلى وضع سياسةٍ جديدة تقوم على دمج قضايا السياسة الخارجية في إطارٍ واحد لصياغة السياسات. ولا يمكن لتركيا أن تُديرَ ظهرَها لبعض المناطق أو تفاديها مثلما فَعلت في الماضي، فهي تملك هوياتٌ إقليميةٌ متعددة، ومن ثم لها القدرة على اِتّباع سياسةٍ خارجية متكاملة لإدراج قضايا متعددةٍ في نفس الإطار، من مسار السلام في الشرق الأوسط إلى الاستقرار في القوقاز، مع منح الأولوية للقضايا الحالَّة دون أن تتجاهلَ الانشغالاتِ السياسةَ الخارجية الأخرى. ووِفق هذا المنطق فإنَّ السياسة الخارجيةَ عبارةٌ عن مسار، وينبغي أن تُولَى اعتبارا من منظور أطول مدى مما كان عليه الأمرُ سابقا.

وعلى سبيل المثال فإن الخلافَ بشأن الاتحاد الأوروبي وقبرص كان على الأجندة في النصف الأول من العام 2004، وركَّزت السياسة الخارجية على العراق في النصف الثاني منه، بينما جاءت مأساة غزة على رأس الأجندة في أواخر 2008. ومثلما يقول داود أوغلو، من الخطأ الإبقاءُ على أولويةٍ ما بصورة مصطنعةٍ في منطقة بعينها، وبدل ذلك ينبغي أن يبقى الانخراط التركي متجذِّرا في مبادئ العمق الاستراتيجي التي لا تزال سَلِسةً ومرنة بما يكفي للرد بصورةٍ ملائمة على التغييراتِ التي تحدثُ في أي وقت. وفي سياق هذا النقاش أيضا يعارضُ داود أوغلو فكرةَ أن تكون تركيا مذنبةً بتغيير المحاور في السياسة الخارجية. وعلى سبيل المثال يمكنُ أن يَعتبر المرءُ أن اهتمام تركيا كان منصَبًّا على قبرص إذا ما نظر إلى نشاطها في 2004، أو على الشرق الأوسط إذا ما نَظر إلى نشاطاتها الديبلوماسية الكثيفة خلال أزمة غزة.

وقد تُشكِّل مثلُ هذه التصنيفاتِ خطأ في تقدير سياسة تركيا الخارجية في ظرف قصير، فتكون بذلك قاصرةً في فهمها على أنها مسار. وتسعى تركيا وراء سياسة متكاملةٍ تجمَع كل مجالات السياسة الخارجية وقضاياها في صورة واحدة لصياغة السياسة. ويرفضُ داود أوغلو فكرةَ أن تركيا تحوّلت من محور الغرب إلى محورٍ شرق أوسطي مؤكدا أنها تحتل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن وعضوٌ نشيط في مجموعة العشرين كما أنها تحافظ على التزامها بمسار العضوية في الاتحاد الأوروبي. وتُعد هذه الالتزاماتُ المستمرة بالانخراط مع الغرب، في وقت تعمِّق فيه العلاقات مع الشرق، معالمَ مقاربةِ داود أوغلو للسياسة الخارجية المتكاملة.

"تجاوزت المساعدةُ التي تقدمها تركيا للتنمية 700 مليون دولار أمريكي عام 2008، وهي آخذة في البروز باعتبارها بلدا مانحا في الأمم المتحدة."

الآلية الثانية

هي خطُّ سياسةٍ خارجية يقوم على المبادرة وتدعِّمه دبلوماسية متناغمة، وقد اِنتقدَ في كتابه المستوى المتدني للانخراط الدبلوماسي في منظمة المؤتمر الإسلامي، وهو ما يَعزوهُ إلى فرصةِ تركيا الضائعةِ لتنصيب مرشح تركيٍّ أمينا عاما للمنظمة عام 2000. وقاد داود أوغلو السياسةَ الخارجية إلى درجة كبيرة من الانخراط مع انتخاب أمين عام في 2004 عندما كان كبير مستشاري رئيس الوزراء. وكانت النتيجةُ انتخابَ الأستاذ التركي إكمال الدين إحسان أوغلو أمينا عاما في تصويت ديمقراطي لأول مرة في تاريخ المنظمة. وبالإضافة إلى ذلك استقبلت عواصم المناطق المجاورة لتركيا عددا من نخب السياسة الخارجيةِ والسياسيين الأتراك في السنوات العديدةِ الماضية أكثرَ مما شهدته في العقود السابقةِ.

وكانت الدبلوماسية المبادِرة تهدف إلى بلوغ حالة "اللامشكلة" مع جيران تركيا ثم اِنطلقت إلى الخطوة الموالية، وهو ما أطلق عليه داود أوغلو "التعاون الأقصى" في أول ندوة صحفية له باعتباره وزيرا للخارجية. وتحتضن تركيا قمما رئيسيةً للمنظمات الدولية من منتدى المياه والبلدان الأقل نموا إلى المجتمع الكاريبي، وتجري بها أيضا محادثات مباشرة بين أطراف النزاعات من الشرق الأوسط إلى أراضي الأستبس في أوراسيا. وتشملُ الأمثلة المحادثاتِ غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا والمفاوضاتِ المباشرةَ بين أفغانستان وباكستان. وحصلت تركيا أيضا على مقعدٍ غير دائم في مجلس للأمن ومركزِ ملاحظٍ في الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية وجمعية دول الكاريبي ومنظمة الدول الأمريكية. وقد تجاوزت المساعدةُ التي تقدمها تركيا للتنمية 700 مليون دولار أمريكي عام 2008، وهي آخذة في البروز باعتبارها بلدا مانحا في الأمم المتحدة.

الآلية الثالثة

هي التواجد في الميدان، لا سيما في أوقات الأزمات. فمثلما يقول داود أوغلو: لا بد لتركيا أن تكون في الميدان سواء كان ذلك في الاتحاد الأوروبي أو الشرق الأوسط أو القوقاز، وذلك من منظور تركي. وقد بَدَت هذه الآلية في حالات عديدة، ومؤخرا جدا خلال الأزمة الروسية الجورجية وأزمة غزة، فقد زار رئيس الوزراء جورجيا وأذربيجان وروسيا قبل أي زعيم آخر في المنطقة وفي أوروبا، وعَرضت تركيا أرضيةً للاستقرار وأدارت بحذر أزمةً محتملة بين الناتو وروسيا في البحر الأسود. كما زار "أردوغان" أربعة بلدان عربية في أعقاب هجوم إسرائيل على غزة مباشرة، وقاد فريق تركي برئاسة داود أوغلو نفسِه دبلوماسية مكوكية بين دمشق والقاهرة خلال الأزمة.

الآلية الرابعة

هي سياسة داود أوغلو الشاملة التي تقف على مسافة متساوية من الأطراف، ففي رأيه ينبغي أن تَرمي سياسةُ تركيا إلى ضم كلِّ الفاعلين المعنيين في ائتلاف واسع لحل المشكلات ووضع المبادرات. وهذا يعني أن تسعى تركيا وراء دبلوماسيتها بحذر وتواضع، فصانعو السياسةِ الأتراك يقفون على نفس المسافةِ من كل الفاعلين ويتفادون المشاركةَ في أية أحلاف أو تجمعات إقليمية. وتَستجيب سياسةُ تركيا الشاملةُ، وسياسة المسافة المتساوية، لانشغالاتِ الفاعلين الإقليميين وتُطمئِنُهم على الطبيعة البنَّاءة للسياسة التركية.

الآلية الخامسة

هي الأداءُ الكلي للسياسة الخارجيةِ الذي يعني الاهتمامَ بالمنظمات غير الحكومية، من مجتمعات الأعمال والمنظمات المدنيةِ الأخرى باعتبارها جزءا من رؤية السياسةِ الخارجية الجديدة، وتجنيدَ دَعمها وراءَ خطِّ السياسة الخارجية النشيط الجديد. وقد أدى عامل التيسير الذي تتمتع به السياسة الخارجية الجديدة إلى زيادة دور مؤسسات المجتمع المدني في صناعة السياسة الخارجية. وأصبح بذلك دورُ هذه المؤسسات الجديدُ جزءا من فكرة الأداء الكلي، على خلاف الماضي عندما كان يتمُّ تصوُّر السياسةِ الإقليمية والعلاقاتِ الدولية بطريقة لا مجالَ فيها لهؤلاء الفاعلين في عمليةِ صناعة السياسةِ الخارجية.

أسلوب داود أوغلو في السياسة الخارجية

"يهدفُ صانعو السياسة الأتراك إلى الإبقاء على أزمةِ روسيا وجورجيا محصورةً في القوقاز والحيلولة دون انتشارها إلى منطقة البحر الأسود الواسعة."

أَطلق داود أوغلو عددا من المبادرات السياسيةِ بصفته كبير مستشاري رئيس الوزراء، من بينها الدعوةُ التركية إلى التعاطي مع حماس، وهي السياسة التي جلبت اهتماما أكبر من أية سياسة أخرى، وكانت مَركزَ الانتقاد الموجَّه إلى داود أوغلو. فقد فَتحت انتصاراتُ حماس في الانتخابات المحلية عام 2005 والتشريعية عام 2006 عهدا جديدا في المسألة الفلسطينية، واُعتبر رفضُها الاعترافَ بإسرائيل مصدرا رئيسيا لقلق المجتمع الدولي، وبدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مناقشةَ إمكانيةِ اتخاذِ إجراءات لحمل حماس على الاعتراف. بتوجيه من داود أوغلو فَسَّر حزبُ العدالة والتنمية الحاكم في تركيا انتصارَ حماس بصورة مختلفة وفضَّل دبلوماسية التعاطي معها لمنع المشكلات المحتملة. ويقوم الموقفُ التركي، مثلما عبَّرت عنه وزارةُ الشؤون الخارجية، على أساس أنه ينبغي أن تَحترِم كلُّ الأطراف المعنية نتائجَ انتخاباتٍ تمت بصورة ديمقراطية، وأنَّ محاولة فاعلين خارجيين إضعافَ النظام المنتَخَب حديثا بفرض تدابيرَ اقتصاديةٍ على الإدارة الفلسطينية سيكون أمرا مخالفا للمبادئ الديمقراطية. وحسبَ صانعي السياسة الأتراك فإن حماس كانت تبحث عن حلفاءَ في الشرق الأوسط لإنهاء الحصار السياسي والاقتصادي الذي كانت تواجهُه من النظام الدولي. وفي مثل هذا المناخ كانَ المنفَذُ الوحيد الممكن لحماس، دون التدخل التركي، هو محور سوريا، إيران، حزب الله.

ويقضي الموقف التركي بِضَمّ حماس إلى العملية السياسية، وكان أملُ داود أوغلو أن يُقنعها بالعودة إلى هدنة مقابلَ رفع إسرائيل الحصارَ عن غزة. وطلبَ صانعو السياسة الأتراك من حماس أن تُعلِن وقفا لإطلاق النار وتَعمل على تسويةٍ سياسية مع مختلف الفصائل الفلسطينية. وقد التقى داود أوغلو مرتين في سوريا خالد مشعل، زعيم حماس في المنفى. وجاءت زيارته الثانية نتيجة طلبِ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مد يدِ المساعدة من أردوغان. وهذا يعني أن تركيا بدأت وساطةً بين حماس والفاعلين الدوليين في وقت حافظت فيه على الاتصالات مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية ومحمود عباس. وكانت مساهمةُ أنقرة في هذه المسألة هي تحفيز حماس على اتخاذ خطوات براغماتية وضمان حدوث تقارب بين الفصائل الفلسطينية. وقد أكد الأستاذ ريتشارد فوك، مقرر الأمم المتحدة الخاص في الأراضي الفلسطينية المحتلة أهمية تعاطي تركيا مع حماس بإشارة خاصة إلى دعوة حماس في 2006 حيث وصف فشل المجهودات التي كانت محل انتقاد آنذاك بالفاجعة، معتبرا أنه بالعودة إلى الوراء سيجد المرء أنَّ رفاه سكان غزة المدنيين وأمن إسرائيل كانا سيستفيدان معا أيما استفادةٍ من استغلال المبادرةِ التركية والتحرك لتنفيذ استعدادِ حماس الالتزامَ بهدنة طويلة الأمد.

وشارك داود أوغلو في اجتماع ساركوزي مع الرئيس السوري بشار الأسد وخافيير سولانا مسؤول السياسية الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي الذي عقد في دمشقَ في يناير/ كانون الثاني 2009. وفي ندوة صحفية مشتركةٍ بين ساركوزي والأسد عبَّر الأول عن تقديره لمساهمة داود أوغلو الفعالة والعملية. وقد اِنضمَّت وسائل الإعلام الغربيةُ والشرق أوسطية إلى ساركوزي في هذا الاعتراف الاستثنائي بدور داود أوغلو مُشيرةً إلى دوره في الهدنة بين حماس وإسرائيل. ولا يقتصرُ نشاط داود أوغلو في السياسة الخارجية على الشرق الأوسط فقط، فقد شهِدت السنواتُ السبعُ الأخيرة نشاطا مشابها في السياساتِ تجاه الاتحاد الأوروبي وقبرص والقوقاز. وتعدُّ السياسة الخارجية التركية الجديدة تجاه القوقاز عشيةَ الأزمة الروسية الجورجية مثالا ساطعا على سياسات داود أوغلو في الممارسة وفي الميدان. ونتيجةً لسياسة تركيا الإقليمية الجديدة غداةَ هذه الأزمة طرحت أنقرة مبادرة دبلوماسية متعددة الأطراف، وهي: "أرضية الاستقرار والتعاون في القوقاز" التي تشمل روسيا وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا وتركيا. وتهدفُ هذه الأرضيةُ إلى وضع نظرة إقليمية مشتركةٍ إلى جانب الأدوات السياسيةِ للتعامل مع قضايا مثل السلام الإقليمي والأمن وأمن الطاقة والتعاون الاقتصادي. وقد أشار رئيسُ الوزراء رجب طيب أردوغان إلى أن هذه الأرضية ينبغي أن تَستغِل مبادئَ منظمة التعاون والأمن في أوروبا وقواعدَها، وأضاف قائلا: "إن فشل مجموعة 'مِنسك' في التوصل إلى أية نتائجَ أمرٌ يجعلنا نفكر... وستساهم أرضيةُ التعاون والاستقرار في القوقاز في الجهود لإقامة سلام واستقرارٍ في المنطقة".

ويشيرُ موقفُ تركيا إلى أن أنقرة تفضِّل مقاربةً شاملةً للوضع. وقد رَدَّت أرمينيا والاتحاد الروسي وأذربيجان وجورجيا بالإيجاب على العرض وأَثنت على المشروع المقترَح باعتباره محاولة بنَّاءة. وكانت مقاربة تركيا الجديدةُ بإدراج كلٍّ من أذربيجان وأرمينيا في جهود سلامٍ إقليميةٍ تهدف إلى إنهاء هيمنة نموذجِ الثنائيات المتعارضة القائم على أسلوب الحرب الباردة. وتعترفُ حكومة أرمينيا أيضا بالحاجة إلى وضع حدٍّ نهائي للأنماط العدائية التي تؤدي إلى دوائر عنف في المنطقة. والتقى مسؤولون من البلدان الخمسةِ في هلسنكي لمناقشة أهداف "أرضية الاستقرار" ومبادئها وآلياتها على هامش اجتماعِ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في هلسنكي في ديسمبر 2008.

وتحاولُ أنقرة تفادي الانحياز إلى أية صراعات "روسية غربية"، بينما تقومُ بتطوير علاقاتها مع موسكو، وقد اِتَّبعت هذه السياسة بصورة نشطة في الأزمة الروسية الجورجية في أغسطس/ آب 2008. وتصرَّف صانعو السياسة الأتراكُ بحذر من أجل تخفيف التوتر خلال الأزمة وطرحوا فكرةَ أرضيةٍ إقليميةٍ لتسوية المشكلات الإقليمية، فقد أشار رئيس الوزراء أردوغان خلال الأزمة إلى أهميةِ العلاقات مع روسيا حيث قال: إن "أميركا حليفُنا والاتحاد الروسي جارٌ مهم. روسيا شريكُنا التجاري الأول، فنحن نحصل على ثلثي طاقتنا من روسيا. إننا نتصرفُ وفق مصالحنا الوطنية (...). لا يمكننا تجاهل روسيا". لقد منح النزاعُ المسلح وتصعيدُ التوتر بين روسيا وجورجيا تركيا مسؤوليةً أكبر في المنطقة. وفي محاولةٍ للتوسُّط بين الأطرافٍ المختلفة في المنطقة واجهت تركيا اختبارا حرِجا لموقفها الحيادي عندما عَبَرت سفنٌ حربية أمريكيةٌ المضايق التركيةَ لتقديم المساعدة لجورجيا. وباعتبار تركيا عضوا في حلف الأطلسي وأيضا جارا لروسيا فقد دعَّمت جورجيا اقتصاديا وسياسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. ويهدفُ صانعو السياسة الأتراك إلى الإبقاء على أزمةِ روسيا وجورجيا محصورةً في القوقاز والحيلولة دون انتشارها إلى منطقة البحر الأسود الواسعة.

وثمةَ توجُّه واضح في الوقت الحالي للبحث عن دعمٍ من فاعلين خارجيين ومن تحالفاتٍ إقليمية أوسعَ لتوفير الأمن في المنطقة، فأذربيجان وجورجيا تعتمدان على الناتو والقوى الغربيةِ وتسعيان إلى تحالفات إقليمية مع أوكرانيا ومولدوفا وتركيا، أما أرمينيا فتعتمدُ على روسيا، بينما تدعو روسيا "منظمة شنغهاي للتعاون" لدعم القضية الروسية في القوقاز. وردا على ذلك اِقترحت تركيا "أرضية الاستقرار في القوقاز" لتهيئة حوار بين دول القوقاز الثلاث وروسيا وتركيا من أجل احتواءِ أية أزمة في المنطقة.

"يقدِّم صانعو السياسة الأتراكُ البلادَ باعتبارها الدولةَ التي يمكنها اتباعُ علاقات بنّاءة مع كل الفاعلين العراقيين وجيران العراق،."

ويرى صانعو السياسة الأتراك أن هناك حاجة إلى وضع آلية لبناء الثقةِ لدعم تفاهُم إقليميٍّ على الأمن. وقد مَنح الاتحادُ الأوروبي الضوء الأخضر لهذه المبادرة حيث أشار تقريرُ التقدُّم الذي يصدره عن مفاوضاتِ انضمام تركيا بإيجابيةٍ إلى المشروع، كما أن الناتو دعّم الأرضية باعتبارها خطوةً بنَّاءة في منطقة البحر الأسود مشيرا إلى خطِّ السياسة التركي خلال الأزمة. وكمثال ثالث، وتحت التأثير القوي لصورة تركيا الإقليمية الجديدة، يقدِّم صانعو السياسة الأتراكُ البلادَ باعتبارها الدولةَ التي يمكنها اتباعُ علاقات بنّاءة مع كل الفاعلين العراقيين وجيران العراق، فقد أشار أردوغان إلى أنَّ حكومته تسعى إلى علاقاتٍ مستمرة ومتساوية مع كل المجموعات العرقية لحفزها على وحدة العراق ورفاهه.

ومن أجل المساهمةِ في الاستقرار السياسي في العراق سلكت تركيا أربعَة سبل متكاملة في العلاقات الديبلوماسية تعكس خطَّ داود أوغلو متعددَ الأبعاد في السياسة الخارجية والدبلوماسية المتناغمة: من خلال مجلس الأمن ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجيران العراق والمجموعات العرقية والدينية في العراق. ومن بين هذه المبادرات "أرضية لجيران العراق" التي كانت، ربما، أكثرَها أهمية. وقد اِجتمعت أطراف الأرضية أول مرة في إسطنبول يوم 23 يناير/ كانون الثاني 2003 لإيجاد حل سلمي وواصلت نشاطاتها بعد بداية حرب العراق. وكجزء من هذه الأرضية التقى وزراءُ خارجية البلدان المعنية إحدى عشرة مرة بصورة رسمية وثلاث مرات غير رسمية في أماكنَ مختلفةٍ مثل اسطنبول وبغداد وطهران. واِتفق كلُّ جيران العراق من خلال الأرضية على سلامة العراق الإقليمية ووحدتِه السياسية. وقد شارك في بعض الاجتماعات ممثلون عن اللجنة الأوروبية والأمم المتحدة إلى جانب الأمينين العامين لكلٍّ من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. واعتبر مجلسُ الأمن هذه الاجتماعات جادة وطالب بمزيد من التعاون الإقليمي بشأن المسألة العراقية. وقد اِستلهم الأمينُ العام للأمم المتحدة من هذه المبادرة فأنشأ مجموعةً تضم أعضاء الأرضية.

ولعبت تركيا دورا نشيطا أيضا في جعل الجامعةِ العربية ومنظمةِ المؤتمر الإسلامي أكثر شعورا بالمشكلة العراقية القائمة، ودخلت في دبلوماسية الكواليس بجَمْعها بين الأمريكيين وبين السُّنَّة في عدة مناسبات. وخلال أحد الاجتماعات، قَبْل الانتخابات في العراق، وافق السُّنة على إنهاء الهجمات، بينما وافق الأمريكيون على توفير الظروف لإجراء انتخابات نزيهة. وبالإضافة إلى ذلك جمعت أنقرة بين شخصيات سنّية رئيسيةٍ معارضةٍ وبين مبعوثين أمريكيين لضمان مشاركة السُّنَّة في الانتخابات الوطنية العراقية يوم 30 جوان 2005. والتقى طارق الهاشمي، وهو زعيم سني بارز ونائب الرئيس العراقي، المبعوثَ الأمريكي السابق زلماي خليل زاد في اسطنبول في مبادرة تهدف إلى إشراك كل الجماعات في العملية السياسية. ونظَّمت تركيا أيضا برامجَ تدريبيةً لصالح 350 سياسي عراقي من أحزاب سياسية مختلفة، وذلك من أجل المساهمةِ في العملية الديمقراطية في العراق. ومثلما تبيِّنه هذه المجهودات فإن النخبة الحاكمة في تركيا تتمتَّع اليوم بثقة في النفس طُوِّرت حديثا، وهي أن تركيا يمكنُها أن تلعب دورا بنَّاءً في الشرق الأوسط، بما في ذلك العراق. وهكذا كانت سياسةُ تركيا المتعلقةُ بالعراق رصيدا في العلاقات التركية الأمريكية وحافزا جادا لمشروع الشراكةِ النموذجية للرئيس باراك أوباما المتعلقِ بعدد من القضايا تتراوح من مستقبل العراق إلى استقرار أفغانستان.

"فكرة داود أوغلو في السياسة الخارجية المتكاملة فكرةٌ محفِّزة من حيث تبيُّنِ أجندة تركيا في السياسة الخارجية، غير أن صحَّة هذه الفكرة تتوقفُ على حجم الجمهور المتلقي."

ملاحظات ختامية

ليس من المبالغة في شيء القولُ إن منصبَ وزير الخارجية مهمةٌ محفوفة بالتحديات في تركيا، حتى بالنسبة إلى داود أوغلو الذي كان لمدة طويلة كبير مستشاري السياسةِ الخارجية لرئيس الوزراء أردوغان، وأكثرَ من كونه مستشارا فهو مهندس سياسة تركيا الخارجية الجديدة ومفكرها. وينطوي هذا الدورُ المزدوج على مزايا وعيوب في نفس الوقت، فالتصريحاتُ المعارضةُ والمؤيدة لسياسة تركيا الإقليميةِ القائمةِ على المبادرة ولعلاقاتِها الدولية المتنامية عادةً ما تَطالُ داود أوغلو نفسَه. ورغم أن هذه التصريحات تقلِّل من شأن دور الخلفية المؤسساتية وتتجاهلُ أعوانا آخرين في السياسة الخارجية التركية إلا أن هناك إجماعا على أنَّ داود أوغلو لعب دورا مؤثِّرا في صياغة سياسة تركيا الخارجية منذ العام 2002.

وثمة عددٌ من التحديات والصعوبات أمامه في منصبه الجديد، وقد تساعدُ الملاحظات الآتية في تحديد المشكلات الماثلةِ في الأفق، كما قد تساعدُ التوصيات في تجاوز بعض منها:

= في ملك داود أوغلو خلفية أكاديمية قوية في الفلسفة والعلوم السياسية والعلاقات الدولية، فهو على قدر كبير من الموهبة في بناء خطابٍ رصين للسياسة الخارجية أمام المشكلات في الميدان. وسيَنتقلُ العبء أكثرَ من الخطاب إلى الممارسة باعتباره وزيرا للشؤون الخارجية، وستكون هناك تطلعاتٌ أكثر لرؤية نتائج فعلية. ومن ثم سيَضطلع بمهمَّة مثقلة بالتحديات بما أن رؤيته تَعِد بدورٍ مركزي لتركيا في مجموعة جغرافية واسعة تمتد من إفريقيا إلى آسيا، وهي منطقة تضمُّ تقريبا كل التحديات الرئيسية للأمن الدولي.

= فكرة داود أوغلو في السياسة الخارجية المتكاملة فكرةٌ محفِّزة من حيث تبيُّنِ أجندة تركيا في السياسة الخارجية، غير أن صحَّة هذه الفكرة تتوقفُ على حجم الجمهور المتلقي. وثمة حاجةٌ إلى الاحتفاظ بمسار عضوية الاتحاد الأوروبي والإصلاح على الأجندة بطريقة تُيسِّر المحافظةَ على جمهور متلقٍ واسعٍ لآفاق السياسة الخارجية المتكاملة داخل تركيا وخارجها معا.

= ينبغي لداود أوغلو أن يَعتبِر ديمقراطيةَ تركيا المصدرَ الرئيسي لقوته الناعمة. وتكمنُ المهمة الصعبة في إدارة سياسة تركيا الخارجية بطريقة تحدُّ من تأثير إضفاء الطابع الأمني على عدد من المشكلات في السياسة الداخلية، مثل مشكلة قبرص وشمال العراق. وثمةَ بُعدٌ آخر لهذا التحدي هو الحاجةُ إلى دبلوماسية عامة في المناطق التركية المنخرطة بفعالية وإلى فتح قنوات اتصالٍ مع الرأي العام التركي. وعلى سبيل المثال أدَّت محاولاتُ التطبيع مع أرمينيا إلى ردٍّ أذربيجاني قوميٍّ وَجَد دعما له في تركيا بدعوى أن الحكومة التركية تخون أذربيجان. وينبغي أن تكون الحيلولةُ دون وجود هذا النوع من المُدخل السلبي مدرجةً في أجندة نشاط تركيا المتزايد في السياسة الإقليمية.

= سيضطلع داود أوغلو بسياسةِ تركيا الخارجية وسيديرُ وزارة الشؤون الخارجية في حقبة جديدة، ولن يَنعمَ بفتح ملفٍّ والعمل عليه، بل ستكون كلُّ ملفات السياسة الخارجية على طاولته. وربما لن تكون له فرصةُ التعاطي شخصيا مع كل المسائل والمشكلات، إذ سيعمل مع إطارات الوزارة أو يفوضهم في ذلك. ومثلما أشار إليه تيمل إسكِت (Temel İskit) قد يواجه مشكلاتٍ وعقباتٍ داخليةً كأداء في وقت يحاول فيه التوفيقَ بين رؤيته وبين الآليات البيروقراطية لسياسة تركيا الخارجية. وسيستمرُّ الضغط الشعبويُّ من كل من الحكومة وأحزاب المعارضة في تعقيد الوضع كما هي الحال بالنسبة إلى العقبات الخارجية.

= تبرُز قوة تركيا الناعمة، بالإضافة إلى التزامها بالديمقراطية، من تأثيرها الميداني في الشرق الأوسط والقوقاز إلى جانب قدراتها السياسية والثقافية والاقتصادية، فقد نالت تركيا مركزَها في المناطق المجاورة بتجريب سياستها الخارجية وإبراز الإنجازات على الأرض. والتحدي بالنسبة إلى داود أوغلو هو توطيد الإنجازات السياسية الإستراتيجية بالارتباطات الاقتصادية والثقافية، فالمهمة تكمن في خلق دولة تجارية ممكنة ومستدامة بالتعاون والتنسيق الوثيقين مع مجتمع الأعمال ومؤسسات الدولة.

= لقد ساهمت زيارةُ الرئيس الأمريكي أوباما في إبراز صورة قوةِ تركيا الناعمةِ على المستوى الدولي. وثمة حاجةٌ إلى تشكيل قاعدة صلبةٍ لفكرة أوباما عن الشراكة النموذجية من أجل ضمان الدعم والتعاون طويل المدى على الأرض مع الإدارة الأمريكية. ويكمنُ التحدي في استغلالِ المصالح الإقليمية والدولية المتقاربةِ بين تركيا وبين الولايات المتحدة في الحقبة الحالية من أجل خلق وضعٍ يعود بالفائدة على جميع الأطراف.
_______________
بولنت أراس / أستاذ العلاقات الدولية بجامعة "إتشيك" ومؤسسة البحث السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ترجمة: الطاهر بوساحية / المصدر: مركز الجزيرة للدراسات













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-12-2011, 08:49 PM   #24

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي العلاقات التركية الصينية: المنعطف الإستراتيجي


العلاقات التركية الصينية: المنعطف الإستراتيجي

قام رئيس الوزراء الصيني وين جياباو بزيارة رسمية إلى تركيا في مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول من هذه السنة 2010، ونتجت عنها دون أدنى شك نتائج إيجابية على علاقات البلدين، لتبدأ مرحلة من التقارب والحيوية بينهما. وقد خطت هذه العلاقات أشواطا بعيدة المدى بعد توقيع البلدين على مجموعة من الاتفاقيات أثناء هذه الزيارة، وبعد مشاركة الطائرات الصينية، إس يو 27، في مناورات "نسر الأناضول" هذه السنة، وهي تقام سنويا في الفترة الواقعة بين 20 سبتمبر/أيلول و4 أكتوبر/ تشرين الأول. وقد جاءت هذه التطورات بعد جهود دبلوماسية تحضيرية امتدت لسنتين، فبدأت الإشارات التفاؤلية في تصريح وزير التجارة الصيني، أثناء زيارته لتركيا في مطلع هذه السنة 2010، تعطي أكلها خلال الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء في نهاية السنة. وتعتبر تركيا دولة مهمة بالنسبة للصين من النواحي الاقتصادية والسياسية، حيث تعتبر الصين ثاني أكبر الاقتصاديات على المستوى العالمي، وتحتل مكانة هامة في المنظمات الدولية، على رأسها مجلس الأمن، وتعتبر تركيا كذلك مهمة للشركات الصينية من النواحي التالية:

"تعتبر تركيا دولة مهمة بالنسبة للصين من النواحي الاقتصادية والسياسية، حيث تعتبر الصين ثاني أكبر الاقتصاديات على المستوى العالمي، وتحتل مكانة هامة في المنظمات الدولية، على رأسها مجلس الأمن، وتعتبر تركيا كذلك مهمة للشركات الصينية."

= موقع تركيا المهم لدخول السوق الأوروبية من الناحية القانونية واللوجستية.
= مواردها البشرية الشابة، وطاقاتها العمالية التي تسد حاجات المشاريع الاستثمارية.
= الفرص المتاحة للاستثمارات الخارجية والإعانات المالية التي تتاح للمستثمرين.
= وجود علامة تجارية للشركات الصينية في تركيا أمر مهم حتى تتمدد بقوة في الأسواق الشرق أوسطية.
= من المتوقع أن تتمهد الطريق أمام تطوير الشراكات الصينية التركية بمعناها الاستراتيجي مع تطوير العلاقات التجارية التي تساهم بدورها في تطوير العلاقات السياسية.

وقد أدركت الصين أهمية هذه الأمور، فأثمرت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عن نتائج مهمة خصوصا مع هذه الزيارة، ويمكن أن نصنف التطورات الاقتصادية المهمة للجانبين أثناءها على النحو التالي:

اكتسبت الاستثمارات في قطاع المواصلات قوة أكبر خصوصا فيما يتعلق بخط سكة الحديد لطريق الحرير أدرنة-كارس، وخطوط سكك الحديد في مناطق أخرى مختلفة في تركيا، كما تم المضي بمشاريع يتوقع أن تصل إلى أهدافها مع الاحتفال بالمئوية الأولى للجمهورية.

وقد اكتسبت السياسات النقدية المستقلة التي بدأتها تركيا، مع رفضها لسياسات صندوق النقد الدولي، دعما مع دخول المؤسسات النقدية الروسية على الخط، وإذا ما تم التعاون مع الصين في هذا المجال فمن المتوقع أن يحتوي مثل هذا التعاون إشارات على زيادة الثقة الدولية في السياسة النقدية المتبعة، إضافة إلى الإشارات السياسية التي يمكن أن تنتج عنها، ومن المتوقع أن مثل هذه الخطوات تحتاج إلى فترة زمنية لتحقيقها. ويلاحظ مدى صغر حجم الاستثمارات الصينية في تركيا مقابل الاستثمارات التركية في الصين، ويتوقع أن يتم تجاوز هذا الخلل مع الاستثمارات التي تنوي شركات صناعة السيارات وشركات الطاقة الصينية القيام بها في تركيا، ومن خلال شراء سندات الدولة التركية كما عرض رئيس الوزراء الصيني وين. وقد أكد رئيس الوزراء الصيني على عزم الحكومة الصينية على تشجيع الاستثمارات التركية في الصين، وقد دعا بشكل صريح تركيا إلى الاستثمار في منطقة الإيغور، وهذا يدل على مدى العلاقات الإيجابية التي تربط البلدين في هذه المرحلة.

وقد زادت الاستثمارات الخارجية القادمة إلى الصين بمعدل 6%، وزادت صادراتها إلى ما يقارب 7%، وفي مقابل ذلك تقلص فائض التجارة الخارجية حوالي 10%، وهذا يعني أن الصين قد استمرت في النمو مع الزيادة النسبية لمعدل وارداتها، وتعمل الصين على توسيع أسواقها وتقوية علاقاتها الاقتصادية للتكيف مع عصر العولمة، كما تعمل إلى جانب ذلك على زيادة تأثيرها السياسي، وحتى الآن لم يستطع المستثمرون والمصدرون الأتراك الاستفادة بالشكل المطلوب من الأسواق الصينية العظيمة التي تمثل فرصة كبيرة لهم، وسوف تعمل مثل هذه المحاولات من قبل المستثمرين الأتراك على فتح المجال أمام فرص التصدير للأسواق العالمية البعيدة والتي تعتبر الصين من أكثرها أهمية.

الصين تحلق مع "نسر الأناضول"
الصين من المنظور التركي
جسور تاريخية بين الصين وتركيا
معرض شنغهاي أولمبياد ثقافي
المنعطف الإستراتيجي

الصين تحلق مع "نسر الأناضول"

اعتبرت مشاركة الطائرات الصينية إس يو 27 في مناورة "نسر الأناضول"، هذه السنة، من أهم التطورات التي سبقت زيارة رئيس الوزراء الصيني، وتطورا مهما في مجال الخيارات الجديدة التي انتهجتها تركيا في تطوير قدراتها العسكرية، بالرغم من أن الإعلان عن هذه المناورة قد أثار حفيظة الرأي العام الأمريكي كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست، وحفيظة الرأي العام الإسرائيلي كما ذكرت صحيفة هارتز، بالإضافة إلى الأخبار التي أفادت أن هذه الطائرات قد تم تجهيزها وتقديم الدعم المالي لها في إيران (صحيفة الحرية التركية 10 أكتوبر)، وقد أثارت هذه المناورات حفيظة واشنطن وتل أبيب لتخوفهما من إمكانية انتقال الأسرار والتقنيات العسكرية لحلف شمال الأطلسي إلى الصين. وبهذه المناورات العسكرية التي استمر التحضير لها بمحادثات دامت سنتين، أظهرت تركيا أن لديها بدائل أخرى في المجالات العسكرية، كما استطاعت أن ترسل لإسرائيل رسالة سياسية بعد التنافر الذي شهدته العلاقات بين البلدين والتطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. كما أشارت هذه العملية وبشكل غير مباشر إلى الفكرة التي تتبناها تركيا بـ "حل المسألة الإيرانية بالطرق الدبلوماسية" والتي تتبناها الصين أيضا.ورغم أن العلاقات الاقتصادية قد تحسنت بين البلدين بسبب التقارب السياسي بينهما إلا أن هناك العديد من المعيقات التي مازالت تسد الطريق أمام تعاون أكبر.

الصين من المنظور التركي

"تطور العلاقات الصينية التركية بوتيرة سريعة قد خلف نوعا من الغموض في السياسة الخارجية التركية، فتطور العلاقات الصينية التركية يعد أمرا إيجابيا، لكن هذا الأمر يجب أن يكون منضبطا ويسير على خطى واضحة."

إن مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة بين تركيا والصين موضوع معقد يحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة من أجل تحقيقه، ومن شأن المشاريع الاقتصادية الكبيرة التي تجمع بين البلدين في مجال الاستثمار أن تعود بالفائدة عليهما، وتعتبر تركيا ساحة أساسية في اقتصاد المنطقة بالنسبة للجانب الصيني، كما لا تغفل تركيا عن المكانة الاقتصادية والسياسية الهامة التي تتمتع بها الصين، والتي يمكن أن تستغلها من أجل بدائل وفرص جديدة.لقد ظلت الصين وتركيا تسيران على خطين سياسيين منفصلين منذ الخمسينات من العهد الماضي، أما بعد انتهاء الحرب الباردة وبدء عهد العولمة وانتهاء فترة المعسكرات السياسية المتقابلة، دخلت الدولتان في جو ايجابي من العلاقات الثنائية في كافة الأصعدة، فظهرت الصين كقوة عالمية صاعدة وظهرت تركيا كقاعدة إقليمية لا يستغنى عنها، ومن هنا فقد أصبحت العلاقات الصينية التركية أمرا بالغ الأهمية مع دخول تركيا مرحلة من التغيرات السياسية بعد أن استمرت جامدة على منوال واحد مدة خمسين سنة.

على أن تطور العلاقات الصينية التركية بوتيرة سريعة قد خلف نوعا من الغموض في السياسة الخارجية التركية، فتطور العلاقات الصينية التركية يعد أمرا إيجابيا، لكن هذا الأمر يجب أن يكون منضبطا ويسير على خطى واضحة. وعلى سبيل المثال، فإن الدبلوماسيين الصينيين يمتلكون قدرة كبيرة على التكيف مع الثقافة التركية حيث يمكثون في تركيا مدة من 5-10 سنوات يتعلمون خلالها اللغة التركية والتاريخ التركي والعادات والتقاليد التركية والتطورات اليومية التي يعيشها المجتمع التركي، وفي المقابل لا يقيم الدبلوماسيون الأتراك إلا فترات قصيرة في الصين، ولا يتمكنون من تعلم اللغة الصينية بشكل جيد، ولا يستطيعون التكيف مع الثقافة الصينية وحياة المجتمع. وهنا لا بد من التركيز على تحديد الرؤية التركية حول الصين والتي من شأنها أن تجعل مسار العلاقات يسير على خطى واضحة ومنظمة.

ومن خلال تشكيل إطار وأسلوب منظم للعلاقات مع الصين ستتاح الفرصة للعمل بشكل منظم ومخطط، فعلى سبيل المثال، يمكن طرح عدة قضايا مثل معاملة الصين للمواطنين الأتراك على أراضيها معاملة غير مرضية، بالرغم من زوال طابع التهديد بين البلدين، وأحد الأمثلة على هذه المعاملة منع إقامة مركز "يونس أمره" الثقافي في الصين بينما سمحت تركيا بإقامة مركز كونفوشيوس الثقافي في تركيا. ولذلك من أجل استمرار العلاقات الصينية التركية بشكل إيجابي لابد من فهم طبيعة الدولة الصينية بمختلف جوانبها، كما يتوجب على تركيا أن تعرف كيف تحاور الطرف الصيني على طاولة النقاش لكي تطالب بحقوقها التي تبنى على مبدأ "المعاملة بالمثل".ومع زوال العوائق السياسية والأيديولوجية اتجهت الصين إلى إتباع سياسة جديدة مع تركيا، ويعتبر تطوير العلاقات الاقتصادية، وزيادة الاستثمارات الصينية في تركيا بشكل سريع، أهم الخطوات التي أثبتت مدى ثقة الصين بالأمان الاقتصادي التركي، ومن الجانب الآخر من المفيد لتركيا أن تتبنى أهدافا اقتصادية وسياسية متكاملة تجاه الصين.

جسور تاريخية بين الصين وتركيا

بعد التطورات الإيجابية التي حصلت في العلاقات الصينية التركية خلال السنة الأخيرة، قام وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بزيارة مهمة إلى الصين بتاريخ 28/10/2010 استغرقت حوالي خمسة أيام، وتظهر هذه الزيارة مدى التطور الذي وصلت إليه العلاقات الصينية التركية في الآونة الأخيرة، وقد شملت زيارة داود أوغلو مناطق كاشغار وأورومتشي وشيان وشانغهاي وبيجين. وتعتبر زيارة وزير الخارجية إلى الصين بعد ثلاثة أسابيع على لقاء رئيس وزراء الصين وين جياباو ورئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، زيارة متابعة للاتفاقيات والمشاريع التي تم الاتفاق عليها.كما تجدر الإشارة إلى زيارات قام بها ثلاثة من الوزراء الأتراك في فترات متقاربة إلى الصين، حيث قام وزير الداخلية بشير أتالاي ووزير الدولة المعني بشؤون التجارة الخارجية ظفر تشاغليان و لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي بزيارة مناطق مختلفة من الصين.

وتظهر زيارة وزير الخارجية التركي مدى الثقة المتبادلة التي وصلت إليها العلاقات بين البلدين، حيث أن زيارة وزير الخارجية قد بدأت من منطقتي كاشغار وأورومتشي ذات الأغلبية الإيغورية، ويعد السماح لشخصيات تركية بارزة بزيارة مناطق إقليم سنغيانغ، أو ما يعرف ب"تركستان الشرقية"، خطوة مهمة في مجال النوايا الطيبة والمبادرات الإيجابية، ويذكر أن الرئيس التركي عبد الله غول قد قام بزيارة إلى الصين في شهر حزيران/ يونيو من العام الماضي 2009، ثم قام بعده وزير الدولة ظفر تشغليان بزيارة إلى أومورتشي في نفس السنة في شهر سبتمبر /أيلول عقب أحداث الخامس من يوليو /تموز والتي لم تكن نيرانها قد همدت بعد، وهذا وزير الخارجية يزور نفس المنطقة مع لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان التركي.

"أكد الرئيس التركي عبد الله غول على أهمية الصين بالنسبة لبلده في زيارته إلى الصين السنة الماضية بقوله:"الصين ليست دولة عادية، فهي تعتبر قارة لوحدها"، ومن هنا يظهر مدى اهتمام تركيا بجميع مناطق الصين بشكل شامل دون أن ينحصر الاهتمام بالعاصمة بجين وإقليم سنغيانغ."

وقد تم التأكيد على مبادرات حسن النية في هذا المجال بالسماح لوزير الخارجية داود أوغلو بزيارة كاشغار فضلا عن أورومتشي، فبالرغم من المكانة التي تحملها مدينة أورومتشي بوصفها عاصمة للإقليم إلا أنها مدينة حديثة تم إنشاءها على يد الصينيين وليس لديها عمقا تاريخيا، بالإضافة إلى أن 80% من سكانها هم من عرق الخان الصينيين، أما مدينة كاشغار فتعتبر مركز تراث تركي-إسلامي يمتد إلى أكثر من ألف سنة، وتعتبر القلب النابض لثقافة المجتمع الإيغوري. وزار وزير الخارجية ضريح العالم محمود الكاشغارلي الذي يعتبر من المؤلفين الأوائل باللغة التركية، بالإضافة إلى ضريح يوسف خاص حاجب، و أماكن تاريخية تركية-إسلامية أخرى.وبالرغم من القلق الأمني من قبل الجهات الصينية قام وزير الخارجية مع الوفد التركي بأداء صلاة الجمعة في مسجد أولو في أورومتشي مع الإيغور، ومن الإشارات الواضحة التي تعكسها هذه الزيارات تخطي موضوع كون الأزمة الإيغورية تشكل معضلة أمام العلاقات التركية الصينية.

ومع تعميق العلاقات بين البلدين يصبح الإيغور جسر صداقة عظيم الأهمية، وهنا أكدت تركيا على نقطتين مهمتين كرسالتين ترسلهما إلى الصين، وهما: أن تركيا تعتبر أن وحدة الأراضي الصينية أمرا حساسا وهي تقف ضد الحركات الانفصالية التي تعارض هذه الفكرة، وتدعم سياسة "الصين الموحدة"، ومن جهة أخرى فإن من الطبيعي أن ترتبط تركيا بالإيغور الذين تجمعهم معها روابط تاريخية وثقافية، فتدعم تركيا أن يكون الإيغور مواطنين صينيين في منطقة سنغيانغ يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة أسوة بغيرهم ويعيشون حياة كريمة وسعيدة. فكما أن تركيا تعتبر المواطنين البلغار من أصول تركية، والذين يعيشون في بلغاريا كدولة مجاورة ويشكلون ما نسبته 10% من السكان، جسر تواصل وتعاون بين البلدين، تنظر بنفس الطريقة إلى المواطنين الصينيين المسلمين على أنهم جسر صداقة بين البلدين.

ويذكر أن دنغ سياو بنغ عندما بدأ بحركة تحديث الصين سنة 1978 أطلق حملة من الاستثمارات الأجنبية والتي كانت موجهة بشكل خاص إلى الصينيين الذين يعيشون خارج الصين كمواطنين في دول جنوب شرق آسيا، ويعتبر هذا النوع من الاستثمار أسهل من غيره لوجود عوامل التقارب والتسهيل الثقافية، وهكذا الأمر بالنسبة لتركيا فهي تريد الانفتاح أكثر على المجتمعات القريبة منها ثقافيا والتي تسهل عمليات الاستثمار والتعاون الاقتصادي.وقد أصبحت تركيا اليوم أكثر تفهما لمثل هذه القضايا، فقد بدأت بتسيير رحلات جوية بين إسطنبول وأورومتشي، كما فتحت قنصلية في نفس المنطقة، وتعتبر هذه المحاولات خطوات جزئية تهدف كذلك إلى التواجد في جميع مناطق الصين، وترمي تركيا إلى زيادة عدد الرحلات الجوية التي تربطها بمختلف مناطق الصين البعيدة جغرافيا، وأن تفتح عدة قنصليات بالإضافة إلى القنصليات الموجودة، وقد أكد الرئيس التركي عبد الله غول على أهمية الصين بالنسبة لبلده في زيارته إلى الصين السنة الماضية بقوله:"الصين ليست دولة عادية، فهي تعتبر قارة لوحدها"، ومن هنا يظهر مدى اهتمام تركيا بجميع مناطق الصين بشكل شامل دون أن ينحصر الاهتمام بالعاصمة بجين وإقليم سنغيانغ.

معرض شنغهاي أولمبياد ثقافي

يعتبر معرض شنغهاي اكسبو 2010 أولمبياداً ثقافيا، أقيم في الفترة الواقعة بين شهري مايو/ أيار ونوفمبر/تشرين الثاني، واشترك فيه عدد كبير من الدول، واختير الجناح التركي ثاني أنجح الأجنحة بعد الجناح الصيني، وبلغ عدد زواره حوالي السبعة ملايين ليكون من بين أكثر المعارض مشاهدة، ويعتبر تقديم تركيا بشكل لائق بجانب الأجنحة الدولية الأخرى أمرا مهما ليعكس صورة تركيا الحديثة.

"التعاون بين الدولتين يعبر عن علاقة اقتصادية بين ثاني أكبر قوة اقتصادية على المستوى العالمي مع تركيا التي احتلت رقم سبعة عشرمن بين أكبر اقتصاديات العالم."

المنعطف الإستراتيجي

يمكن الحديث الآن عن بعد استراتيجي في العلاقات التركية الصينية، فقد مرت العلاقات بين البلدين بمرحلة طويلة من جس النبض، لكن في عام 2008 دخلت العلاقات الثنائية مرحلة من التعاون الاستراتيجي، والدليل على ذلك حجم التبادل التجاري بين البلدين واللقاءات الدبلوماسية المكثفة والرفيعة المستوى بينهما، والتشابه إلى حد ما في وجهات النظر المتعلقة بالقضايا الدولية السياسية والاقتصادية المطروحة على طاولة مجلس الأمن أو في إطار مجموعة الدول العشرين، كما أن هذا التعاون بين الدولتين يعبر عن علاقة اقتصادية بين ثاني أكبر قوة اقتصادية على المستوى العالمي مع تركيا التي احتلت رقم سبعة عشر من بين أكبر اقتصاديات العالم. ويثار بعض الجدل حول تغيير تركيا لمحاورها السياسية بحجة التعاون التركي الصيني، والحقيقة أنه ليست تركيا الدولة الوحيدة التي هدفت لإقامة علاقات إيجابية مع الصين، فهناك العديد من الدول المختلف التي أرادت تطوير علاقات إيجابية مع هذه الدولة التي تشكل قوة اقتصادية عالمية، فعندما نرى أن دولة مثل اليونان، عضوا في الاتحاد الأوروبي وقد وقعت مع الصين اتفاقيات اقتصادية في الآونة الأخيرة، فلا يستغرب من تركيا تقاربها مع هذه الدولة، ولا ننسى أن الاتحاد الأوروبي ومن بعده الولايات المتحدة الأمريكية واليابان على رأس الشركاء التجاريين للصين، ولذلك يظهر أن التركيز على فكرة تغيير تركيا لمحاورها السياسية بحجة إقامة علاقات إيجابية مع الصين لا يبدو أمرا موضوعيا ونزيها. ومن هنا يمكن القول بأنه من خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى الصين تمت زيادة توضيح وتحديد الإطار الإستراتيجي الذي بدأت تقوم عليه علاقات البلدين.
_______________
ﺒﺎﺤﺙ ﻓﻲ ﻤﺭﻜﺯ ﺍﻟﺠﺯﻴﺭﺓ ﻟﻠﺩﺭﺍﺴﺎﺕ.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

أزمة تركستان الشرقية وانعكاساتها على السياسات التركية
برهان كورأوغلو

احتلت أزمة الإيغور في تركستان الشرقية قمة اهتمام الرأي العام التركي بعد الهجمات البالغة الشدة التي تعرض لها المتظاهرون الإيغور في إقليم شينغيانغ من قبل القوات الصينية، والتي جاءت بعد أسبوع فقط من زيارة الرئيس التركي عبد الله غول للصين. وتشترك تركيا مع الإيغور في تركستان الشرقية بروابط التاريخ والقومية والدين، ومن هنا يأتي الاهتمام المتزايد لتركيا بقضية هذه المنطقة، وقد أصبحت العلاقات التركية الصينية تسير وفق مجموعة من التجاذبات والتناقضات بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي للصين والتي كان من المتوقع أن تتطور بعدها العلاقات الثنائية، وقد جاءت في توقيت تفاقمت فيه الأزمة في تركستان الشرقية وهي أزمة مضت عليها سنون عديدة وتطورت إلى مؤخرا إلى توتر شديد جراء السياسات الصينية المتشددة.

السياسات الصينية المتبعة في إقليم شنيانغ
العناصر الأساسية للأزمة
تركيا والأزمة الأيغورية

"سعت بيكين إلى الحد من حريات أبناء تركستان الشرقية فتراجعت مساحات الحرية لأبنائه، وبالرغم من قبول أبناء هذا الإقليم بالانضمام تحت سيادة الجمهورية الصينية بعد الإعلان عن اتفاقية الحكم الذاتي للإقليم سنة 1955 "

السياسات الصينية المتبعة في إقليم شنيانغ

خضعت منطقة تركستان الشرقية أو ما يدعى في الصين باسم إقليم شنغيانغ لسيادة جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، ورغم أن هذه المنطقة ظلت قبل هذا التاريخ مرتبطة بالصين، إلا أن سكانها قاموا بعدة محاولات من أجل الاستقلال عن الصين، وقد أعلن مرتين عن جمهورية تركستان الشرقية كجمهورية مستقلة في الفترة الواقعة بين عامي 1933-1944 ولم يكتب لهذه الدولة الاستمرار.

عمل الاتحاد السوفييتي السابق- الذي كان يسيطر على منطقة تركستان الغربية- على مساعدة الصين في سيطرتها على هذا الإقليم في تلك الفترة حتى لا تنتشر بين المسلمين في هذه المناطق نزعة الاستقلال كما حدث في النموذج الهندي عندما اتجهت العناصر المسلمة لتكوين دول مستقلة عن الهند. ولذلك لم تتحقق فرصة الاستقلال لتركستان الشرقية، وبعد السيادة التي حققتها الصين على الإقليم في عام 1949 قدمت الحكومة الصينية للقوميات الإيغورية والقازاقية وعودا عريضة من أجل منحهم حقوقهم وحرياتهم الثقافية والسياسية، وانعكاسا لهذه السياسة فقد أسست عام 1955 منطقة حكم ذاتي في الإقليم، وتم الاعتراف باللغة الإيغورية كلغة رسمية للإقليم تستخدم في قطاعات مختلفة على رأسها التعليم. لكن الحكومة الصينية اتجهت بعد هذا التاريخ حتى يومنا الحاضر إلى الحد من حريات أبناء هذا الإقليم، وقد تراجعت مساحات الحرية لأبنائه، وبالرغم من قبول أبناء هذا الإقليم بالانضمام تحت سيادة الجمهورية الصينية بعد الإعلان عن اتفاقية الحكم الذاتي للإقليم سنة 1955 إلا أن الحكومة الصينية استمرت في مخالفة هذه الاتفاقية منذ هذا التاريخ حتى وقتنا الحاضر.وعند تقييم السياسات التي طبقتها الحكومة الصينية في هذا الإقليم منذ عام 1949 حتى الوقت الحاضر يظهر أن بكين اتبعت سياسة تمييز من الناحية السياسية والاجتماعية تجاه أبناء هذا الإقليم وأنها قد لم تنظر إليهم بعين المساواة كغيرهم من المواطنين.

"من الإشارات الواضحة على السياسات المتشددةتجاه أهل الإقليم ما أعلنته السلطات الصينية في أكثر من مناسبة عن عزمها على إعدام المسؤولين عن الحركات المناهضة للسياسات الصينية في الإقليم"

العناصر الأساسية للأزمة

قبل الحديث عن الخطوات التي يمكن اتباعها من أجل السير في طريق الحلول والأدوات العملية المفيدة في هذا الاتجاه يمكن تلخيص العناصر الأساسية لهذه الأزمة بالنقاط التالية:

1. إغلاق المدارس التي تعلم باللغة الإيغورية: بسبب السياسة التعليمية الجديدة التي أقرت بقانون تم قبوله سنة 1993 وبوشر بتنفيذه سنة 2003، تم التخطيط لأن تكون اللغة الصينية هي اللغة الوحيدة للتعليم بجميع مراحله في الإقليم بشكل تام مع عام 2011. وبناء على ذلك فقد تم تسريح المعلمين الذين لا يتقنون اللغة الصينية في مدارس الإقليم.

2. الحد من الحريات الدينية: يعاني أبناء الإقليم من التشدد الذي تبديه السلطات الصينية تجاه الحريات والحقوق الدينية، ومن المظاهر الدالة على ذلك الإعلان الذي تضعه السلطات الصينية على أبواب المساجد في هذا الإقليم، والذي ينص على منع موظفي الدولة، ومتقاعديها والطلاب، وأعضاء الحزب الشيوعي الصيني من دخول المساجد، بالإضافة إلى مراقبة هذه المساجد من قبل موظفي المخابرات الصينية بشكل مستمر، ومنع الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة والشركات من أداء فريضة الصوم، والتأكد من ذلك عن طريق تقديم الماء لهم في نهار شهر رمضان، كما أن السلطات الصينية تمنع أبناء المنطقة من حق تعلم الدين الإسلامي بما في ذلك تعلم قراءة القرآن الكريم.

3. إتلاف الآثار التركية الإسلامية: لقد قامت السلطات الصينية بتدمير الأحياء التاريخية الإيغورية بحجة تمرير الطرق الجديدة أو بحجة بناء المباني الحديثة، وقاموا بترحيل المواطنين الإيغور وإسكان الصينيين من القومية الخانية مكانهم في الأبنية الجديدة، وتم تطبيق هذه السياسة في مدن مختلفة مثل كاشغار وتورفان وهوتن.

4. التمييز في المجالات الاجتماعية و الاقتصادية: اتجهت السياسة الاقتصادية إلى حرمان أبناء تركستان الشرقية من متطلبات التنمية الاقتصادية في المنطقة ودعم حركة المهاجرين إلى المنطقة من القوميات الأخرى على حساب أبنائها الأصليين، وقد انعكست هذه السياسة التي تم تطبيقها منذ عام 1949 على البناء الاجتماعي للمنطقة في تكوين مجتمع طبقي لصالح الصينيين من القومية الخانية على حساب الإيغور.

وتعبر هذه السياسات عن وجهات النظر المجحفة التي اعتمدها النظام في بكين في عام 1930 ونظرته العدائية إلى الأقليات من القوميات الأخرى حيث اتبع هذا النظام سياسات تهدف إلى القضاء على هوية هذه القوميات، ودمجها بالقوة، والوقوف بحزم وشدة أمام مطالبات أبناء الإقليم الطبيعية التي حصلوا على بعضها سنة 1955. ومن الإشارات الواضحة على السياسات المتشددة تجاه أهل الإقليم ما أعلنته السلطات الصينية في أكثر من مناسبة عن عزمها على إعدام المسؤولين عن الحركات المناهضة للسياسات الصينية في الإقليم ومنها ما جاء على لسان الرئيس الصيني "هو جيناتاو" بالإضافة إلى الممارسات التي يشتكي منها أبناء الإقليم والتي تهدف إلى قمع حرياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية.

"لا تمتلك تركيا أوراق ضغط مباشرة على الحكومة الصينية، إلا أن صلاتها بدول الجوار الصيني من شأنها أن تمثل نوعا من الضغط غيرالمباشر على حكومة بكين "

تركيا والأزمة الأيغورية

بالنظر إلى ما تتمتع به تركيا من روابط لغوية وتاريخية بأبناء الأقلية الأيغورية فإن قضيتهم ظلت موضع اهتمام سياسي ودبلوماسي من طرف الإدارات التركية المتعاقبة. فقد عبر الرئيس التركي الأسبق سليمان داميرال عن السياسة التركية تجاه هذه القضية في خطابه للرئيس الصيني جيانغ زمين أثناء زيارته لتركيا عام 2000، عندما صرح بأن اهتمام تركيا بهذه القضية لا يعبر عن تدخل بالشؤون الصينية الداخلية بقدر ما يعبر عن رغبة تركية في أن يعيش الإيغور بسلام وسعادة، ووعد الرئيس الصيني بالقيام بخطوات إيجابية تجاه هذه القضية، لكنه خلال التسع سنوات السابقة لوحظ استمرار السلطات الصينية بسياساتها السلبية تجاه أبناء الإقليم.

وظلت الدبلوماسية التركية تشد باستمرار على ضرورة أن يكون الإيغور في الصين جسرا يربط العلاقات الثنائية مع الصين، بحيث يكون الإيغور بمثابة جسر صداقة بين البلدين، ومن الملاحظ هنا أن تركيا ما فتئت تشدد على ضرورة حصول أبناء الأقلية الأيغورية على حقوقهم الثقافية والقومية من دون أن يصل ذلك إلى حد المطالبة بالانفصال أو دعم التوجهات الانفصالية عن الصين.

ورغم أن تركيا لا تمتلك أوراق ضغط مباشرة على الحكومة الصينية، إلا أن صلاتها بدول الجوار الصيني من شأنها أن تمثل نوعا من الضغط غير المباشر على حكومة بكين، ويمكن أن يشار هنا إلى إمكانية أن تشكل قضية الأقليات في الصين التي تتزامن مع تنامي قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مشكلة بالنسبة لها، حيث يمكن للدول المجاورة لها أن تشكل اتفاقا يعطي انطباعا عدائيا ضدها، وهذا من شأنه أن يزيد من التوترات الداخلية للصين ويزيد من التخوفات الخارجية التي تتعلق بتنامي قوتها. أما إذا نظرنا إلى المسألة من الزاوية الاقتصادية فهي لا تشكل ورقة ضغط حقيقي سواء بيد تركيا أو الصين، فقد بلع حجم التبادل التجاري بين تركيا والصين سنة 2008 ما يقارب الأربعة عشر مليار دولار، وفيما إذا تضررت العلاقات الثنائية فلن يتأثر الاقتصاد التركي، وفي المقابل فيمكن للصين بوصفها ثالث أكبر دولة اقتصادية في العالم أن تتلافى أي ضرر يمكن أن ينتج عن توقف علاقاتها التجارية مع تركيا، ولذلك يمكن القول بأن الورقة الاقتصادية بين البلدين لا تشكل رادعا ذا جدوى بالنسبة للصين.

وما دامت قضية الأيغور ومعاناتهم لم تصل بعد إلى المؤسسات والمحافل وخصوصا منابر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي فإن تركيا ستظل بمنأى عن أي ضغط على الصين من شأنه أي يؤثر على سياساتها في هذا الإقليم خصوصا وأن بكين تسعى بشكل دؤوب إلى التوسع السياسي والاقتصادي نحو دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بوصفها دولة تقف في مواجهة الإمبريالية الغربية وإلى جانب الحقوق الإنسانية. وفعلا فإن المفارقة تمكن في أن الممارسات الصينية تجاه الإيغور وأبناء إقليم التبت لا تختلف في كثير عن ممارسات الدول الإمبريالية.

غير أن الدول التي تتخوف من التنامي الصيني مثل روسيا والهند واليابان والولايات المتحدة الأمريكية لم تستخدم بعد قضية الإيغور للضغط على الصين وتقويض قدرتها، مع أن قضية "الانطباعات السلبية" للصين في المجتمع الدولي تشكل هاجسا كبيرا بالنسبة للصين ونقطة حرجة بالنسبة لها. ومن المستبعد أن تستخدم الصين للتأثير على تركيا أوراقا أخرى كالعلاقات الاقتصادية أو مسائل أخرى مقل حزب العمال الكردستاني وشمال العراق أو المسألة القبرصية، أو الأرمينية، حيث استطاعت تركيا أن تقف في مواجهة القوى الكبرى من أجل الحفاظ على حقوقها في هذه القضايا، كما استطاعت تركيا أن تخطو خطوات إيجابية كبيرة على طريق حل الأزمة الكردية، ولذلك فإن قدرة الصين على التدخل في القضايا التي تخص تركيا تظل محدودة للغاية. إن الموقع الجغرافي الذي تتمتع به تركيا قد منحها قوة مؤثرة في السياسات الأوروبية والآسيوية والأفريقية ومن الصعب أن تطبق أي سياسة في هذه المناطق بمعزل عن الدور التركي، ومن هنا تأتي رغبة الصين بزيادة تعاونها مع تركيا لتوسيع دورها السياسي في المنطقة، وفعلا تستطيع تركيا أن تساعد الصين في هذا الإطار مقابل إعطاء الإيغور الذين ترتبط معهم بروابط قومية- حقوقهم الثقافية والإنسانية داخل الصين.
_______________
برهان كورأوغلو / ﺒﺎﺤﺙ ﻓﻲ ﻤﺭﻜﺯ ﺍﻟﺠﺯﻴﺭﺓ ﻟﻠﺩﺭﺍﺴﺎﺕ
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

العاصمة الارمينية يريفان المطلة على جبال أرارات

العلاقات الأرمينية - التركية: عودة إلى النقطة صفر
يريفان (أرمينيا) - فيكين شيتيريان

كي يتمكن المرء من زيارة متحف الإبادة الجماعية في يريفان، من الضروري أن يسير صعوداً على تلة تسيتسيرناكابيرت. المجهود الجسدي يحث المرء على التفكير في المعاناة التي اختبرها مئات آلاف المواطنين العثمانيين من أصل أرمني، بعد أن أرغمتهم دولتهم على السير إلى الصحراء السورية، ليموتوا جوعاً أو تعباً أو قتلاً. في أعلى التلة، يمكن معاينة بناء رصين، هو عبارة عن مسلّة يبلغ علوها 44 متراً مصوبة نحو السماء، وكأنها تطالب بتحقيق العدالة. وبالقرب منها صرح دائري مؤلف من اثنتي عشر لوحة بازلتية تفسح الطريق إلى موقع حماية الشعلة الأبدية. ومن على هذه التلة يمكن رؤية جبل أرارات، طوطم الشعب الأرمني، ولكنه يبقى بعيداً عن متناولهم، إذ يقع على الجانب الآخر من الحدود التي تفصل البلاد عن تركيا، اذ إن الخط الحدودي الممتد على 300 كيلومتر انطلاقاً من وسط يريفان مقفل، ليشكل آخر حدود مقفلة تعود إلى أيام الحرب الباردة. لقد قصدت تسيتسيرناكابيرت لزيارة هايك ديمويان، مدير متحف الإبادة الجماعية الواقع بدوره في المكان. أخبرني ديمويان بأن هذا المتحف لا يكتفي برواية تاريخ الشعب الأرمني، إنما يسرد أيضاً تاريخ الشعب التركي. وأضاف أنه كان يعتقد أن تطبيع العلاقات سيتسبب بدفق للزوار الأتراك إلى المكان، وأردت أن أعرف من هذا الرجل، الذي تابع التبادلات الديبلوماسية في السنوات الثلاث الأخيرة من أجل تطبيع العلاقات الأرمنية التركية، عن سبب فشل الجهود المبذولة، فأجابني أن المجتمع الدولي، وخصوصاً الأميركي، لم يمارس ضغوطاً كافية على تركيا لفتح الحدود، وقال إن العملية بلغت حالياً طريقاً مسدوداً.

من الحصار إلى ديبلوماسية كرة القدم

تعود العلاقات المعقدة بين أرمينيا وتركيا إلى الحرب العالمية، ومع ذلك، عندما كانت أرمينيا تحاول في مطلع التسعينات تحقيق استقلالها عن الاتحاد السوفياتي، بدا وكأن الفرصة سنحت لقلب العداوة الماضية وتطبيع العلاقات بين الدولتين المجاورتين. وكانت يريفان تحاول الهروب من نفوذ موسكو، فيما كانت القيادة الجديدة تسعى لترسيخ علاقات طبيعية مع تركيا من دون شروط مسبقة.
غير أن التصعيد الذي شهده نزاع كاراباخ، والذي بلغ مرحلة الحرب شكل عائقاً أساسياً أمام تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان. وقد اعتمدت القيادة التركية وجهة نظر أذربيجان في النزاع، وطالبت الطرف الأرمني بالانصياع للمطالب السياسية الأذرية. ومع ظهور أرمينيا المستقلة، رفضت أنقرة إنشاء علاقات ديبلوماسية معها، وفي العام 1993، انضمت إلى أذربيجان في فرض حصار اقتصادي على أرمينيا غير الساحلية، لحثها على التخلي عن دعمها لأرمن كاراباخ في ظل مساعيهم الهادفة إلى تقرير مصيرهم بأنفسهم. لقد أطاحت الحرب بين روسيا وجورجيا في العام 2008 بالخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وشعرت أنقرة أنها بحاجة إلى معالجة الشذوذ الديبلوماسي لسياستها القوقازية.

وفي أيلول (سبتمبر) 2008، زار الرئيس التركي عبد الله غل أرمينيا خلال مباراة ترشيحية لكأس العالم في كرة القدم، ما تطور إلى اجتماعات بين الديبلوماسيين الأرمن والأتراك من أجل مناقشة الخطوات اللازمة لتطبيع العلاقات وفتح الحدود المشتركة. والواقع أن المحادثات السرية بين ديبلوماسيي الطرفين كانت قد بدأت في العام 2007 بوساطة من وزارة الخارجية السويسرية، وسبق أن عُقِدت سلسلة اجتماعات في مدينة بيرن. وبلغت سلسلة الاتصالات الديبلوماسية أوجها بإبرام بروتوكولين في زوريخ بتاريخ 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2009، وقد تم تكريس الأول منهما لتوطيد العلاقات الديبلوماسية، والثاني لفتح الحدود. وحضرت هذا الاحتفال شخصيات دولية رفيعة، مثل وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واستضافتهم وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي-ري.

ولفت المؤلف تاتول هاكوبيان، الذي اتخذ من يريفان مقراً له وينجز كتاباً عن العلاقات الأرمنية التركية، إلى أن المثير للسخرية هو الواقع الذي يفيد بأنه خلال الحرب الباردة لم تكن هذه الحدود مقفلة بإحكام كما هي عليه الآن. وفي ذلك الحين، كانت القطارات تتنقل باستمرار بين مدينتي كارس ولينيناكان (غيومري حالياً). لهاكوبيان تفسير مختلف لفشل الحوار الأرمني التركي، فقد قال إن توقعات الطرفين كانت تستند إلى حسابات خاطئة، واعتقد الطرف الأرمني أنه من الممكن تغيير الوضع الراهن للعلاقات الأرمنية التركية من دون تغيير الوضع الراهن لمسألة كاراباخ. وأخطأت تركيا في حساباتها أيضاً، إذ تصورت أن الحوار مع الولايات المتحدة سيؤدي إلى تنازلات أرمنية في موضوع كاراباخ، في حين أن المجتمع الدولي لم يكرس اهتماماً كافياً للتفاصيل. وكان هذا الأمر واضحاً في زوريخ، خلال توقيع البروتوكولين، فالعملية كانت ستبوء بالفشل لأن الجانب التركي أشار إلى أنه سيصدر إعلاناً عاماً يربط البروتوكولين بالمفاوضات حول كاراباخ، وبالنتيجة، رفض الوفد الأرمني المشاركة في الاحتفال. ولم يصدر أي إعلان على الإطلاق. ويرى هاكوبيان أن الطرفين أبديا في زوريخ عدم استعدادهما للقيام بأي تنازلات. وكانت تركيا تريد تنازلات أرمنية حول موضوع كاراباخ، وليس فقط حول مسألة الإبادة الجماعية ومعالجة مشكلة الحدود القائمة حالياً.

تداعيات غير مقصودة

وفي بداية العملية، جازف كل من الرئيــسين الارمــني والتركي، على أمل أن يجلبا السلام والاستقرار إلى بلديهما، وكانت مــجازفة الرئيس الأرمني سيرج ســاركيسيان، الذي يواجه من الأســاس تحديات داخلية بسبب معارضة نافذة تشكك في شرعية انتخابه، أنه باشر حواراً مع تـــركيا، فقد أغضبت هذه الخطوة الجريئة حزب "تاشناقتسوتيون" الذي يملك قاعدة كبيرة في أوساط الشــتات الأرمني، وحثّت التآلف الحكومي على إظهار اعتراضه. وتسبب إبرام البروتوكولين أيضاً بشرخ بين يريفان والمجتمعات الأرمنية في الخارج، وهو أمر اختبره الرئيس الأرمني بنفسه عندما قام بجولة خارجية قبيل إبرام البروتوكولين في زوريخ وزار مجتمعات الشتات الأرمني، حيث ووجه بتظاهرات معارضة في باريس ولوس أنجليس وبيروت. وسعت الديبلوماسية التركية بدورها، من خلال سياسة التقارب مع أرمينا التي اعتمدتها، لتبديد التوتر في مناطق النزاع القوقازي، وخصوصاً نزاع كاراباخ، وتصورت أن تحسين العلاقات التركية مع أرمينيا سيسهّل سير المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان، فواجهتها بدلاً من ذلك، ردة فعل عنيفة من أذربيجان، التي اعتبرت التقارب التركي مع يريفان خيانة للمصالح الأذرية، وهددت باكو بتعليق علاقاتها مع أنقرة وبإلغاء عقود الهيدروكربون المستقبلية. وبالنتيجة، أصرت القيادة التركية أن تتخذ أرمينيا خطوات حول مسألة كاراباخ ليصادق البرلمان التركي على البروتوكولين.

ولم تكتف أنقرة بطلب تنازلات إضافية لم ينص عليها البروتوكولان، إنما عادت بكل بساطة إلى معطيات الوضع الراهن، ومفادها أن العلاقات الأرمنية التركية لا يمكن أن تحرز تقدماً من دون انصياع أرمينيا للمطالب الأذرية إزاء نزاع كاراباخ. من ناحية أخرى، باشر الطرفان الأرمني والتركي المفاوضات من دون احتساب الخطوات المستقبلية كافة، واعترضتهما مفاجآت في الطريق، فأقدم الديبلوماسيون من يريفان على إبرام البروتوكولين من دون استشارة مجتمعات الشتات الأرمني، وووجه الرئيس الأرمني باحتجاجات هذه المجتمعات للمرة الأولى منذ الاستقلال. وبالطريقة ذاتها، أساءت أنقرة إلى حد كبير تقييم قدرتها على مقاومة اعتراضات باكو، واليوم، حتى لو قررت العودة أدراجها في سياستها حيال أرمينيا، فسيواجهها رأي أذري مشكِّك.

والأسوأ هو أن خيبة الأمل الناتجة من فشل البروتوكولين عظيمة، وستكون لها تداعيات طويلة الأمد. ويرى آرا تاديفوسيان، مدير وكالة "ميديا ماكس" الإخبارية في يريفان، أن فشل المفاوضات الأرمنية التركية سيجعل الموقف الأرمني إزاء مفاوضات كاراباخ أكثر تشدداً. وعلاوة على ذلك، تحول ما بدا أنه مبادرات شخصية وثقة إلى انعدام في الثقة. اليوم، تشعر القيادة الأرمينية بالخيبة إزاء القيادة التركية، فهي أبرمت البروتوكولين اللذين سبق أن دفعت ثمناً سياسياً لهما في الوطن، ليُطلَب منها الإقدام على المزيد من التنازلات حول موضوع كاراباخ، وستجعل خيبة الأمل هذه موقف يريفان أكثر تشدداً حيال تركيا، قبل ثلاث سنوات فقط من الذكرى المئة للإبادة الجماعية الأرمنية في العام 2015.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
سياسة تركيا حول دول البلقان ..

الصحيفة : تودي زمان
الكاتب حجر الدين سومون : السفير السابق للبوسنة والهرسك إلى تركيا
الترجمة : الاتحــاد

 بسبب بعض التطورات الجديدة، فأن موضوع سبق لي وقد استعرضته في صحيفة تودي زمان يستحق مني دراسة جديدة. الموضوع هو العثمانية الجديدة، وهو الاسم الذي اطلقه المعارضين والنقاد لمشاركة تركيا النشطة في السياسة الإقليمية.

ردة الفعل على كتاب "العثمانية الجديدة : عودة تركيا إلى البلقان" الذي وضعه الأستاذ داركو تناسكوفيك ، واحد من المستشرقين الرواد في المنطقة، قد انتشر إلى أبعد من المناقشة الحالية التي تجري في سراييفو. وقد انضم الى المناقشة فكرت كارسيس، أستاذ القانون في جامعة سراييفو وأعضاء هيئة التدريس في العلوم الاسلامية في الجامعة . البروفيسور تناسكوفيك ، الذي رد في وقت لاحق علينا، يعرف العثمانية الجديدة بانها "مزيج ايدلوجي من الإسلاموية، والتركية والهيمنة العثمانية." لقد تحدثت أيضا عن هذه التفسيرات للسياسة الخارجية التركية في البلقان في المؤتمر السنوي انسايت تركيا، الذي نظمته مؤخرا مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية، و الاجتماعية (سيتا) في واشنطن العاصمة.

أن انخراط تركيا الإقليمي الجديد استرعى بحوث ودراسات على نطاق واسع بأعتباره سياسة جديدة حازمة. وفيما يتعلق بمنطقة البلقان، فأن هذه السياسة هي ديناميكية أكثر من كونها جديدة وهي اقل تقيدا ولكن أكثر حسما. وقد كانت تركيا في السابق نشطة وفعالة ايضا ، ولكنها اليوم اصبحت استباقية . و سياساتها الاولية في السابق كانت تتم في الغالب بالانسجام مع ما يمليه حلفائها الغربيين، ولكن تركيا اليوم تظهر على الساحة الدولية والإقليمية بشكل مستقل، وهي تعتمد على قوتها الذاتية الجيوبوليتيكية والاقتصادية. استقلال تركيا المكتشف حديثا هو، في الواقع، السمة الرئيسية لسياسة تركيا الخارجية، والسبب الرئيسي في تلقيها ردود فعل متباينة وشكوك مزعومة بطموحات امبراطورية وعثمانية جديدة.

السياسة الإقليمية التركية الجديدة فيها ثلاثة اتجاهات : القوقاز وأوراسيا في أوسع معانيها، والشرق الأوسط، بما في ذلك إيران،وجنوب شرق أوروبا، أو البلقان. بعض الخبراء والباحثين الذين لديهم معرفة أعمق وأكثر حميمية حول المنطقتين الأولى أكثر مما لدي قد شاركوا ايضا في مؤتمر سيتا في واشنطن، لذلك ركزت ملاحظاتي على منطقة البلقان، ومركز اهتمامي، هو التجارب والحياة.

مع الاحترام للعلاقات مع تركيا،لدى دول البلقان بعض الخصائص المشتركة مع المنطقة بأسرها، ولكن هنالك اختلافات كبيرة كذلك. اولها هي ان دول البلقان كانت جزء من الإمبراطورية العثمانية لعدة قرون، وكانت منطقة البلقان أكثر توافقا مع الإمبراطورية عموما من أي منطقة أخرى تحت حكمها. وشغل الناس من البلقان مناصب وزراء كبار في الإمبراطورية، وكانت اللغة البوسنية واحدة من اللغات الرسمية في المحكمة. على الرغم من وجود نفس الجذور التركية والثقافة، لم يكن الناس من أوراسيا أبدا جزءا من الامبراطورية. من ناحية أخر، فإن غالبية الأراضي العربية كانت خاضعة للامبراطورية العثمانية، ولكن العرب لم يحصلوا على ما يكفي من ثقة الأتراك، على الرغم من انهم ينتمون إلى العقيدة الإسلامية نفسها. وكان ارتباط الإمبراطورية العثمانية، ثم تركيا، بأوروبا دائما عن طريق البلقان، تاركا في المنطقة آثار مختلفة حتى اليوم لا أحد يمكنه ان يمحوها . التكاملات التركية الأوروبية الأطلسية سهلت مرة اخرى من خلال البلقان، وكما قال هيو بوب: "يجب على المرء أن يلاحظ أن الأتراك هم بالفعل أكثر اوربية مما يدركه معظم الأوروبيين " فيما يتعلق بالمصالح الفعلية للقوى الكبرى في المنطقة، فأن روسيا لا تزال تعتبر نفسها سيدة أوراسيا، والولايات المتحدة تسعى للهيمنة على كل الشرق الأوسط، بينما لا تزال لديهما حسابات غير مستقرة في منطقة البلقان . وفي اشتراكها الاقليمي والعلاقات مع كل القوى، وخصوصا مع الولايات المتحدة، ليس لدى تركيا أي مشاكل في جنوب شرق أوروبا مقارنة مع تدهور العلاقات مع اسرائيل خلال غزوها لغزة أو القضية الأرمنية في منطقة القوقاز.

أن منظور تركيا والأتراك في منطقة البلقان في السياسة يختلف عن منظورهم للحياة اليومية عموما، تسود صورة تركيا كدولة جميلة، وغنية وقوية. رحلة الى اسطنبول هي واحدة من المكافآت الأبرز في برامج المسابقات في دول يوغوسلافيا السابقة. واصبح قضاء العام الجديد على مضيق البوسفور أكثر جاذبية من قضاءه في باريس أو روما. ويجري ترجمة كتب أورهان باموك الجديدة وبيعها بسرعة أكبر في بلغراد مما في لندن. المسلسلات التركية هي البرامج التلفزيونية الأكثر شعبية في كرواتيا، ربما أكثر مما هي عليه في البوسنة. في زغرب وبلغراد النساء يهرعون من الشوارع من اجل العودة الى المنزل في الوقت المناسب ومشاهدة مسلسل شهرذاد ونور. التركة العثمانية في الثقافة واللغة والعادات تعيش بين جميع شعوب البلقان، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود. ومع اسدال الستار على ظلال المعاملة السيئة من المجتمع التركي البلغاري، أصبحت الاتصالات بين الناس من بلغاريا وتركيا ودية على نحو متزايد. وثمة ظاهرة مماثلة يبدو أنها تجري بين تركيا واليونان. وهناك أيضا مصلحة مشتركة من جانب رجال الأعمال في تركيا ومنطقة البلقان لتحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية في المنطقة.

علاقة حسن جوار طيبة ونشطة:

الزعماء الاتراك والدبلوماسين يشرحون وينفذون سياسة حسن الجوار الطيبة والنشطة وهي السياسة التي يدفعها في المقام الأول دافع -- تعزيز السلام والاستقرار في منطقة البلقان التي لا تزال هشة. وانا لم أكن قادرا على احصاء عد د الزيارات المتبادلة والمحادثات التي تبادلها العديد من المسؤولين الاتراك ، والاتفاقات التي وقعوها مع شركائها في منطقة البلقان منذ عام 2009 فقط.

وقد زار الرئيس عبدالله غول ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان صربيا والجبل الأسود وألبانيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو واجروا محادثات في انقرة مع نظرائهم من صربيا والبوسنة وكرواتيا ورومانيا وكوسوفو ومقدونيا. ووزير الخارجية أحمد داود أوغلو، مهندس ديناميكية السياسة الخارجية التركية، إذا ماسألته، على الارجح لن يكون قادرا على القول كم عدد المرات التي زار فيها بعض تلك البلدان. لقد أطلق البعثة الدبلوماسية الثلاثية الخاصة، التي تتألف من الدبلوماسيين الاتراك والبوسنين والصرب و(الكرواتين في بعض الاحيان) وذلك بهدف تحسين العلاقات مع البوسنة وصربيا.

في جميع هذه الزيارات، كان هناك التزام بمناقشة عقلانية وعزم على العمل معا لتحقيق الاستقرار والتعاون الإقليمي، وكذلك للتغلب على المشاكل وسوء الفهم من الماضي، من قبل الشركاء الاتراك . وتعتبر صربيا بمثابة قصة نجاح لتحسين التفاهم في المنطقة. وكان الرئيس غول اول رئيس تركي يزور بلغراد منذ 23 عاما. وقد جد في الرئيس الصربي، بوريس تاديتش، سياسي قادر على المساهمة في صنع السلام والأمن الدائمين في المنطقة والذي يعتبر تركيا شريكا جديرا بالثقة في تلك العملية. خلال لقائه مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، اشار الرئيس تاديتش الى أن دور تركيا في البلقان هو دور كبير. ويمكن بأن نميز في بيان الرئيس تاديتش إشارة إلى التنافس الإقليمي بين البلدين، لا سيما عندما تبع ذلك مجاملة رئيس الوزراء أردوغان بأن " مرحلة جديدة بدأت في منطقة البلقان مع صربيا كدولة رئيسية في هذه العملية." ويعتقد ان تركيا أثرت أيضا على اعتماد البرلمان الصربي لقرار بشأن الإبادة الجماعية في سريبرينيتسا 1995، مع تجنب مصطلح "الإبادة الجماعية" بسبب معارضة القوميين الصرب.

صدق الرئيس تاديتش :

مساهمة الرئيس تاديتش في هذه العملية لا يمكن إنكارها . ولكن يجب بأن نساله عن مدى اخلاصه عندما وضعت البوسنة على جدول الأعمال، وبعد التعبير عن الاسف لضحايا سريبرينيتسا، سيقوم بفتح المدرسة المسماة "صربيا" القريبة من سراييفو .

ومن اجل اختتام هذا الاستعراض الموجز، فسوف أقتبس مرة أخرى كلام مفكر صربي ينتمي إلى الصف الواسع من الداعمين الى الأيديولوجية التي تروج للقومية الصربية. المؤرخ ميلوراد اكميكس قال في بلغراد مؤخرا ان تركيا، التي تتعرض الى "دفع وضغط " من قبل أمريكا، "قد تخلق اضطرابات في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى." .من الجانب الآخر، قال الخبير في القانون الدستوري في البوسنة والسفير السابق لدى كرواتيا، الأستاذ قاسم ترنكا، بخصوص عدم اليقين من مستقبل البوسنة : "أولا، على اللاعبين الكبار ان يقرروا ما يريدون من البوسنة، ومن البلقان بصفة عامة. ... وفي الحقيقة، فإنه لم يتم حتى الآن تحديد الذين لديهم نفوذ هنا-- الغرب أو روسيا؟ هذا هو السبب في ا ن روسيا، عن طريق صربيا، تحاول الحفاظ على نفوذهافي منطقة البلقان بواسطة الوقوف ضد حلف شمال الاطلسي. "ووفقا له، فحتى يتم حل تلك المشكلة، سيظل اللاعبين الإقليميين يدورون حول بعضهم البعض من دون جدوى. "وفي نفس الاطار يمكننا وضع بيان وزير الخارجية التركي داوود اوغلو : "من أجل منع وضع صفات او مميزات جيوسياسية لمنطقة البلقان، الأمر الذي يجعل من منطقة البلقان ضحية للصراعات، علينا خلق شعور جديد من الوحدة في منطقتنا. علينا إنشاء الشعور بالملكية في المنطقة وتعزيز الحس السليم. "

فهل يعني هذا أن دول البلقان، وبعد مرور مئة سنة تقريبا منذ حروب البلقان الأولى، لا تزال غير قادرة بنفسها على تحقيق السلام الدائم والاستقرار على المستوى الفردي والإقليمي ؟ لقد كانوا في جميع الأخبار العاجلة والاحداث في القرن الماضي في هذا المجال الذي يحظى باهتمام خاص من قبل القوى الكبر.

وبالتالي، في العالم المتعدد الأقطاب أكثر وأكثر، فأن الجهود التي تبذلها تركيا، الدولة القوية والغنية في المنطقة، للعب دور الوساطة والمصالحة في منطقتها هي بطبيعة الحال جهود تلاقي الشكوك في روسيا والعصبية في الاتحاد الأوروبي، أو يجري النظر اليها بأعتبارها مسببة للمشاكل في أميركا، كما تم اكتشافه في ملفات ويكليكس المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة. وبالنتيجة أيضا وبالتالي، تجعلنا نفهم لماذا يتم تفسير السياسة الاستشرافية الإقليمية التركية من قبل خصومها على انها تجدد للعثمانية، اوالهيمنة الاسلامي.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أزمة التنقيب عن المصادر النفطية في شرق المتوسط
برهان كورأوغلو

وقَّعت قبرص الجنوبية (الطرف اليوناني من الجزيرة) مع إسرائيل في نهاية العام الفائت على اتفاقية تقاسم "المنطقة الاقتصادية الحصرية"، وسارعت إلى إسناد الدعم الفني في عمليات التنقيب إلى شركة نوبل الأميركية، في حين باشرت إسرائيل البحث عن المصادر النفطية في شرق المتوسط أواخر سبتمبر/أيلول 2011. ورأت تركيا في الاتفاقية تجاهلاً من قبرص الجنوبية لمصالح أنقرة والتزماتها تجاه حقوق قبرص الشمالية في هذه المنطقة. كما جاء هذ التطور من جهة أخرى ليزيد من سوء حالة العلاقات الإسرائيلية-التركية التي كانت متوترة أصلاً. وبالرغم من ذلك عبَّرت تركيا عن رغبتها في التعاون من أجل معالجة المشكلات دون تأخير في إطار إيجاد حل للأزمة القبرصية، وهذا في وقت تشهد أجندتها السياسية الداخلية والخارجية أحداثًا مهمة ومتتالية.

هدف قبرص الجنوبية من التنقيب
الموقف التركي
التوتر المسيطَر عليه في شرق المتوسط
شرق المتوسط: المنطقة الحيوية بالنسبة لتركيا

هدف قبرص الجنوبية من التنقيب

"أصبحت عملية التنقيب عن النفط بالنسبة للطرف اليوناني وسيلة لتشتيت الرأي العام اليوناني في الجزيرة، وتحقيقًا "لشرف وطني" أمام شعبها، فضلاً عما قد تحققه من مكاسب سياسية ضد تركيا على المستوى الخارجي"

أعلنت قبرص الجنوبية في نهاية سبتمبر/أيلول أن عمليات التنقيب ستنطلق في بداية أكتوبر/تشرين الأول، في خطوة تنطوي على ثلاث حقائق يجب أخذها بالاعتبار:

الأولى:

تتعلق بالتقدم الذي أُحرِز في سبيل حل القضية القبرصية بعد اللقاءات التي جمعت قادة الجزيرة القبرصية بشقيها في جنيف في إطار الأمانة العامة للأمم المتحدة، والتي اتفقوا خلالها على تكثيف عملية التفاوض حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول، على أمل أن تنتهي باتفاق الطرفين على تحديد إطار زمني لخطة عمل تستمر حتى بداية عام 2012 برعاية من الأمانة العامة للأمم المتحدة. وهو الأمر الذي أزعج الطرف اليوناني الذي لا يريد الارتباط بجدول زمني للحل وخاصة إذا ما حلَّ شهر أكتوبر/تشرين الأول، ما حتَّم عليه العمل على كسب الوقت من خلال سحب أجندة المفاوضات إلى نقطة أخرى، وإشعار الرأي العام العالمي بأن تركيا دولة "عدائية"، وهو ما وجده في مسألة التنقيب. بينما كانت تركيا بالمقابل حريصة على تكثيف جهودها لإيجاد سبل لحل المسألة القبرصية قبل حلول أَجَل تولي قبرص الجنوبية (اليونانية) الرئاسة الدورية للاتحاد الأوربي في شهر يوليو/تموز المقبل من عام 2012.

الهدف الثاني:

من الأهداف الأخرى التي سعت إليها قبرص الجنوبية من إطلاق عمليات التنقيب خلق واقع جديد يسحب القضية القبرصية من البر إلى البحر، وبما يُدخل في المعادلة طرفًا ثالثًا أي إسرائيل، وبالتالي يزيد من صعوبة حل الأزمة ويزيد من احتمال اللجوء لاستخدام القوة. واستغل القبارصة اليونانيون التوتر الذي يشوب العلاقات التركية-الإسرائيلية لتحقيق هذه الغاية؛ حيث انعكس الدعم السياسي واللوجستي الذي قدمته إسرائيل في مبادرة الطرف اليوناني الذي توجه سريعًا نحو التنقيب دون تلكؤ أو اعتبار للطرف التركي، كما لم يكن بمقدور شركات الطاقة أن تُقدِم على الاستثمار في هذه المنطقة الصعبة لولا التعهدات الإسرائيلية لها. وإلى عهد قريب كانت الفكرة السائدة لدى أطراف النزاع والمعنيين بالأزمة هي العزوف عن التنقيب عن مصادر الطاقة في شرق المتوسط إلى أن تُحَل القضية القبرصية، وتتمسك قبرص التركية بهذا الموقف مؤكدة بأنه يحق لطرفي الجزيرة استخدام هذه المصادر بشكل عادل بعد حل المسألة القبرصية وليس من قِبَل أحدهما؛ لذلك فهي تعتبر ما تقوم به قبرص اليونانية من محاولات انفرادية لاستخدام هذه المصادر غصبًا لحقوق الطرف التركي. ناهيك عن أنه لا توجد صورة واضحة عن كيفية تقاسم هذه المصادر لوجود مشكلة تتعلق بشكل بناء الدولة وتمثيلها.

الهدف الثالث:

يمكن قراءة توجهات الطرف اليوناني في التنقيب عن النفط على أنها ليست من أجل إيجاد أرضية تستند عليها في علاقاتها مع تركيا فحسب، بل من أجل الخروج من عنق الزجاجة فيما يتعلق بمشكلاتها السياسية الداخلية والاقتصادية؛ حيث تعيش قبرص الجنوبية التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة أصلاً، في ظل أزمة اقتصادية تعصف بدول الاتحاد الأوربي عمومًا، ودولة اليونان على وجه الخصوص، الدولة الراعية لقبرص الجنوبية والحليف الأقرب لها. ومن المفارقات أن حكومة الطرف اليوناني من الجزيرة لجأت إلى قبرص الشمالية لتشتري منها الكهرباء بعد الانفجار الأخير الذي وقع في أحد قواعدها العسكرية ودمر إحدى محطات الكهرباء الرئيسية فيها، الأمر الذي ترك أصداء سلبية لدى مواطنيها. في مثل هذا السياق، أصبحت عملية التنقيب عن النفط بالنسبة للطرف اليوناني وسيلة لتشتيت الرأي العام اليوناني في الجزيرة، وتحقيقًا "لشرف وطني" أمام شعبها، فضلاً عما قد تحققه من مكاسب سياسية ضد تركيا على المستوى الخارجي.

الموقف التركي

" من المتوقع أن يدعم الرأي العام التركي أي توجه عسكري لتركيا في هذه الأزمة، بسبب ما سبق من أحداث أسطول الحرية التي زادت من المشاعر المعادية لإسرائيل، مع التأكيد على أن تركيا ستظل تتبع إستراتيجية الحلول الدبلوماسية، ولن يكون الخيار العسكري أول خياراتها"

تجاهلت إدارة الطرف اليوناني لجزيرة قبرص التحذيرات التركية، وأطلقت عملية التنقيب بمشاركة إسرائيلية في شرق المتوسط مع مجموعة من الإجراءات المضادة لأي تحرك تركي محتمل. وقامت تركيا من جهتها باتخاذ بدائل إستراتيجية مضادة على رأسها "اتفاقية الرصيف القاري" التي وقَّعتها مع جمهورية شمال قبرص، وتقضي بقيام شركة البترول التركية بعمليات تنقيب عن النفط في شرق المتوسط، وأرادت بهذا الإجراء بعث رسالة سياسية إلى الأطراف الأخرى المتعاونة مع الطرف اليوناني، بأنها ستتبع سياسة "العين بالعين" والمعاملة بالمثل، كما أكد رئيس الوزراء أردوغان ووزير الطاقة تانر يلديز على أن تركيا لن تتعاون مع الشركات التي تعاونت مع الطرف اليوناني في البحث عن النفط.

وأعلن الأخير في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول أن تركيا سترسل، سفينة أخرى للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص. وقال يلديز، في تصريحات نقلتها وكالة أنباء الأناضول: إن سفينة للتنقيب "ستغادر مرفأ أنطاليا جنوب تركيا باتجاه البحر المتوسط". وأضاف أن السفينة ستعمل في منطقة مساحتها 1100 كلم مربع في المتوسط ضمن مهمة للتنقيب عن النفط والغاز تستمر أربعين يومًا. وقامت تركيا بإرسال سفينة "بيري ريس" إلى المنطقة في سبتمبر/أيلول تنفيذًا لاتفاق التنقيب عن الغاز الذي أبرمته أنقرة مع جمهورية شمال قبرص التركية، وأوضح وزير الطاقة التركي أن سفينة "بيري ريس" ستواصل أنشطة التنقيب بشكل مواز لعمل السفينة الثانية. كما أعلن يلديز أن تركيا قد أرسلت إلى المتوسط سفينة ثالثة للتنقيب عن موارد الطاقة بعد اتفاق وقَّعته مع شركة دولية، وأضاف أنه: " سيكون لنا ثلاث سفن في المتوسط"، مشيرًا إلى أن التنقيب عن الغاز "سيستمر في الشمال والجنوب وحتى في غرب جزيرة قبرص".

ومن هنا يمكن القول: إن تركيا قد دخلت في مرحلة ساخنة فيما يتعلق بحملتها المضادة في شرق المتوسط؛ حيث بدأت في هذه المرحلة "لعبة توازن إستراتيجية بمجموع صفري"، بمعنى أن كل طرف سيسعى للتفوق على الطرف المقابل بأية وسيلة، وسيظل كل منهما يصعِّد من إجراءاته ليفرض الواقع الذي يريد، أو حتى يُجبَر أحد الطرفين على التراجع. أما السيناريو الأسوأ في هذا الصدد، فهو أن يتحول النزاع إلى قتال عسكري بين الطرفين بسبب عمليات التنقيب المتنازع عليها. إلا أن الاحتمال الأخير ضعيف لأن الموقف الإسرائيلي المتعاون مع الطرف اليوناني قابل للتبدل تبعًا لطبيعة سير العلاقات مع تركيا. كما أنه ليس لدى تركيا أية نيَّة لمواجهة الأسطول العسكري الإسرائيلي إذا لم تُجبَر على ذلك، وهناك تقدير بأن إسرائيل أيضًا لا ترغب بأية مواجهة من هذا النوع، ولكن هذا لا يعني أنه يجب إغفال هذا الاحتمال بالمرة. وبالنسبة للرأي العام التركي فإنه من المتوقع أن يدعم أي توجه عسكري لتركيا في هذه الأزمة، بسبب ما سبق من أحداث أسطول الحرية التي زادت من المشاعر المعادية لإسرائيل، مع التأكيد على أن تركيا ستظل تتبع إستراتيجية الحلول الدبلوماسية، ولن يكون الخيار العسكري أول خياراتها. وهذا لم يمنع على العموم الطرف اليوناني من بث روايات حول ما يمكن أن يقع من "مواجهة بين السفن الإسرائيلية والقوات التركية"، سعيًا ورغبة في زيادة التوتر بين إسرائيل وتركيا.

التوتر المسيطَر عليه في شرق المتوسط

"من اللافت للانتباه أن الاتحاد الأوربي يعترف بالجمهورية القبرصية في جنوب الجزيرة من جهة، ويبادر إلى حل الأزمة الناشئة حول التنقيب بما يقر ضمنًا بوجود أزمة حول اقتسام الثروة مع قبرص الشمالية من جهة أخرى، وهذا يشكل في حد نفسه تناقضًا واضحًا"

لا يزال التوتر القائم حاليًا في شرق المتوسط مقدورًا علي الإمساك به، بسبب توازن القوى والظروف الراهنة في المنطقة، إلا أن هذا الوضع قد لا يستمر على المدى المتوسط والبعيد، لأن تغير موازين القوى بمرور الوقت يجري لصالح تركيا التي تتمتع بقوة سياسية واقتصادية متعاظمة، تفوق بدرجات قدرة الطرف اليوناني من الجزيرة واليونان نفسها. وفي حال قررت تركيا اتخاذ إجراءات صارمة إزاء تصعيد القبارصة اليونانيين، واستطاعت بنفس الوقت أن تضبط إيقاع التوتر في العلاقات التركية-الإسرائيلية، فإن الطرف اليوناني سيجد نفسه في موقف صعب. وانطلاقًا من هذه المقاربة فإن تركيا مطالبة بملاحظة التداعيات التي يمكن أن تنشأ عن التوتر الأخير مع قبرص الجنوبية، مع اتخاذ مزيد من الإجراءات التي يمكن الإشارة إلى بعضها في ثلاث نقاط:

أولاً:

إن التوترات الناتجة عن عمليات التنقيب في شرق المتوسط تتعلق بشكل مباشر بالمصالح القومية التركية، وهي لا تقل أهمية عن القضايا الأخرى التي اتخذت تركيا منها مواقف مبدئية، مثل القضية الفلسطينية وما يتعلق بعدم قانونية حصار غزة. وبالنظر إلى الظروف المتسارعة والطارئة التي تتعلق بأزمة التنقيب عن النفط في شرق الأناضول، يبدو أن الطرف اليوناني يهدف إلى فرض أمر واقع من خلال سحب القضية القبرصية من البر إلى البحر، ومن خلال وضع اليد عاجلاً على هذه المنطقة، وفي حال حصول نوع من الصمت التركي والدولي إزاء هذه المسألة، ستزداد قوة سيطرة القبارصة اليونانيين على شرق المتوسط، وسيسهم هذا التطور في إحداث خلل في التوازنات الموجودة بين الأطراف المتنازعة ولن يكون لصالح تركيا. وقد حصل خلل سنة 1981 في توازنات شرق المتوسط عندما انضمت اليونان للاتحاد الأوربي، وكذلك عندما اعتبرت "برلك" داخلة في مسمى "الجمهورية القبرصية" أي قبرص اليونانية. واليوم إذا لم تتخذ تركيا أي موقف من الطرف اليوناني بخصوص هذه الأزمة، فمن المتوقع أن يحدث اختلال آخر في موازين القوى في شرق المتوسط.

ثانيًا:

بدأت في شرق المتوسط "لعبة توازن ذات مجموع صفري"؛ لذا لا يمكن التعويل على حل الأزمة من خلال اتباع نموذج السياسة الخارجية المبنية على مبدأ التبادلية في العلاقات والحوار فحسب؛ إذ لابد من أن تتخذ تركيا خطوات مماثلة في مواجهة الخطوات التي يقوم بها الطرف اليوناني للحؤول دون فرض هذا الطرف واقعًا جديدًا قد يزيد من ثقل كفة ميزانه. وخيار إشاعة أجواء من التوتر المسيطر عليه في المرحلة المقبلة من قبل تركيا، مع استمرار السفن التركية بالتنقيب في سياق الإجراءات المضادة، إضافة إلى الاستمرار بسياسة الانفتاح على البحر المتوسط، فإن هذا كله سيدفع الطرفين القبارصة اليونانيين واليونان لزيادة نفقاتهما الدفاعية؛ وبهذا فإن الحملة التركية المضادة ستضغط على اقتصاد الطرف اليوناني وستؤتي أكلها خلال فترة معقولة، وحينها إما أن قبرص الجنوبية ستوقف عملية التنقيب أو ستعمل على إيجاد حل معتدل ومقبول لهذه الأزمة. ولكن نجاح تركيا سيبقى رهنًا بقدرتها على إدارة سياستها ضمن سقف مبدأ "التوتر المسيطر عليه"، بما يحول دون أن توصم بوصف "الدولة العدائية".

ثالثًا:

إذا استمرت القضية القبرصية بدون حل، سيستمر مسلسل المشكلات الناتجة عنها بالنسبة لتركيا، ومنها هذا التوتر الأخير حول مسألة التنقيب والذي يعود في الحقيقة إلى الأزمة القبرصية نفسها. فالطرف القبرصي الجنوبي يمتاز عن شقيقه الشمالي بأنه يحمل صفة "دولة"، ويعتمد على هذا الحق في التنقيب عن النفط والغاز، حيث تم الاعتراف بالجزء الجنوبي باسم "الجمهورية القبرصية" من قبل الأمم المتحدة، كدولة ذات سيادة ودخلت الاتحاد الأوربي بنفس الصفة. وبحسب الظاهر فإن الطرف اليوناني هو المخوَّل باستخراج المصادر النفطية للطرفين التركي واليوناني من الجزيرة، وتعتبر عدة قوى ومنظمات دولية منها الاتحاد الأوربي وروسيا وبريطانيا أن من حق "الجمهورية القبرصية" التنقيب عن النفط في البحر المتوسط. ولن يكون هذا الحق لتركيا بطبيعة الحال لأنها لم توقِّع مع "قبرص" المعترف بها أي اتفاق بهذا الشأن، وذلك لأنها لا تعترف بالطرف اليوناني كدولة أصلاً. أما الاتفاقات التي عقدتها تركيا مع "الجهورية التركية في شمال قبرص"، اعتبرها الطرف اليوناني للجزيرة واليونانيون في حكم الملغاة، لأن هذه الجمهورية اعتُبِرت "غير قانونية بقرار من مجلس الأمن".

والنتيجة الواضحة لهذا النزاع الأخير حول التنقيب: أنه في حال استمرار الأزمة القبرصية الأساسية وفي ظل ادعاء القبارصة اليونان بأنهم يمثلون "الجمهورية القبرصية" لن يكون هناك تمثيل للأتراك ولا لمصالحهم، وبالتالي سيُحرَمون من الاستفادة من المصادر التي سيتم استخراجها. ومن اللافت للانتباه أن الاتحاد الأوربي يعترف بالجمهورية القبرصية في جنوب الجزيرة من جهة، ويبادر إلى حل الأزمة الناشئة حول التنقيب بما يقر ضمنًا بوجود أزمة حول اقتسام الثروة مع قبرص الشمالية من جهة أخرى، وهذا يشكل في حد نفسه تناقضًا واضحًا. كما أن تغاضي الاتحاد الأوربي عن "السياسات المعادية" التي يتبناها الطرف اليوناني قد شجعتهم على التشدد في مجال إيجاد حلول للقضية القبرصية؛ وبذلك تتفاقم الأزمة القبرصية، ومن هنا يتوجب على تركيا أن تُبقي جميع هذه الحيثيات في مركز انتباهها.

شرق المتوسط: المنطقة الحيوية بالنسبة لتركيا

تشكِّل النقاط الثلاثة سابقة الذكر أعمدة أساسية للسياسة التركية الخاصة بشرق المتوسط. وتستدعي الأزمة الأخيرة من تركيا تكثيف جهودها فيما خصَّ تناول الجانب القانوني الدولي، وإطلاق حملة دبلوماسية خاصة بالقضية القبرصية وبالأزمة الأخيرة، لتؤكد على جدية مواقفها وشدة اهتمامها، وما تمثله لها هذه القضية. ومطالبة أيضا بإدراجها في كل اللقاءات والمنتديات السياسية وأن تجعلها حاضرة وذات أثر في مواقفها السياسية، لاسيما في علاقاتها مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، والأمم المتحدة وروسيا ومصر ولبنان وغيرها من الدول ذات العلاقة. ولا ننسى أن الترتيب الهرمي لأولويات الدولة لابد من إعادة ترتيبه بين فترة وأخرى، وذلك بناء على قدرات الدولة المختلفة ومصادرها الكامنة. وفي الفترة الأخيرة واجهت تركيا جبهات مختلفة ومكثفة في نفس الوقت في سيرها الدبلوماسي، ومن هنا هي مدعوة اليوم لأن تستخدم قدراتها وطاقتها بشكل جيد من أجل التصدي لقضاياها المهمة، ومنها منطقة شرق المتوسط التي تُعد مجالاً حيويًّا ومنطقة مهمة لها ولأمنها.
_______________
باحث وأكاديمي تركي، جامعة بهتشه شهير، إسطنبول.
ملاحظة: تم الاستفادة في هذه المقالة من التحليل الذي أعدته مؤسسة الدراسات الإستراتيجية الدولية (USAK) بخصوص القضية القبرصية.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-12-2011, 09:02 PM   #25

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي الدور الخارجي في مسيرة الإصلاحات التركية


الدور الخارجي في مسيرة الإصلاحات التركية
بشير عبد الفتاح

حامى الوطيس هو الجدل الذي كثيرا ما تدور رحاه داخل الأوساط الفكرية والنخب السياسية بدول العالم الثالث بوجه عام، وفى القلب منها مجتمعاتنا العربية، حول دور العامل الخارجي في إحداث تغييرات أو إلحاق تطورات إيجابية مهمة في تلك البلدان على مختلف الأصعدة، لاسيما السياسية منها، وعبر وسائل شتى.

جدلية الداخلي والخارجي
اعتبارات دولية
تأثير الحلم الأوربي

جدلية الداخلي والخارجي

"ذهب البعض إلى أن التحول التركي الراهن نحو الديمقراطية إنما هو عمل تركي صرف تمخضت عنه تطورات وأحداث كان يعتمل بها الداخل التركي ووجدت إبان سني حكم حزب العدالة والتنمية فرصة ملائمة لبلورة المشروع الإصلاحي للدولة التركية ثم تحويله إلى واقع عملي بعد ذلك"

ثمة من المفكرين والمثقفين من ذهبوا إلى الإدعاء بأنه يصعب، إن لم يكن يستحيل، على حكومات وشعوب بيئات كهذه إنجاز تطور ديمقراطي ناجع أو بلوغ نهضة حقيقية من دون وجود دور أساسي للعامل الخارجي، بحيث تسهم المساندة أو الدعم والتأييد التي قد تشرع دول غربية صديقة أو راغبة في نشر الديمقراطية وترسيخ احترام حقوق الإنسان و إرساء قيم التسامح السياسي والثقافي وقبول الآخر وتمكين المرأة وغيرها، في تحريك المياه الراكدة والدفع بعجلة التطور في هذا الاتجاه نحو الأمام، إن من خلال تقديم المشورة والمساندة للأنظمة الحاكمة والشعوب ومنظمات المجتمع المدني الطامحة لبلوغ تلك المقاصد، أو عبر ترغيب الحكومات المتوجسة من السير على هذا الدرب وحضها على المضي قدما فيه بوسائل شتى حتى لو اضطرت إلى ممارسة الضغوط عليها.

وإلى نتيجة مغايرة ذهب اتجاه آخر من المثقفين والساسة العرب وغيرهم، مدعين أن التحول نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم السامية إنما يتطلب بالأساس إرادة شعبية وتحرك جاد ومتواصل من قبل قوى شعبية مدنية وطنية تضم كافة أطياف الشعب وتستظل جميعها بمظلة التوق إلى الديمقراطية والتطلع إلى التعددية علاوة على البيئة الثقافية والسياسية الملائمة.

وإلى أبعد من ذلك ذهب فريق ثالث حينما شكك في جدوى الدور الخارجي في تحقيق التحول الديمقراطي بدول العالم الثالث عموما، والعربية منها على وجه الخصوص، ليس فقط لأن الأمر يتصل أساسا بثقافة هذه الشعوب أو تلك ومدى استعدادها وتقبلها لقيم الديمقراطية والتعددية وقبول الاختلاف، ولكن لعدم ثقة أنصار هذا الفريق في نوايا الأطراف الخارجية ومقاصدها الحقيقية غير المعلنة من إدعائها دعم التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في هذا البلد أو ذاك، كأن تخفى تحت مظلة هذا الدعم أهدافا أخرى تصب في مصلحتها هي بالأساس تخولها التدخل في شؤون هذه الدول والعبث بمقدراتها ومكتسباتها توخيا لبلوغ مآرب شخصية وتحقيق مصالح إستراتيجية ولو على حساب مستقبل شعوب هذه الدول ومصير أمنها واستقرارها.

وفي خضم هذا الجدل، أطلت برأسها الحالة التركية، التي تشغل الرأي العام العربي والعالمي هذه الأيام جراء ما تشهده تركيا من تحولات سياسية عميقة الأثر تشي وكأن البلاد قد باتت على أعتاب جمهورية جديدة. فلقد كان من شأن تلك التطورات الجوهرية اللافتة أن أفسحت المجال لطرح تساؤلات عديدة، كان أكثرها إلحاحا وأهمها بالنسبة لنا في هذا المقام، ذلك المتصل بحدود الدور الغربي وتأثيره في هذا المضمار.

فهناك من ذهب إلى الزعم بأن التحول التركي الراهن نحو الديمقراطية إنما هو عمل تركي صرف تمخضت عنه تطورات وأحداث كان يعتمل بها الداخل التركي على مدى عقود مضت ووجدت إبان سني حكم حزب العدالة والتنمية فرصة ملائمة لبلورة المشروع الإصلاحي للدولة التركية ثم تحويله إلى واقع عملي بعد ذلك.

ومن أبرز من بشروا بهذا الطرح الكاتبة والناشطة الأردنية توجان فيصل، التي كتبت تحت عنوان :"نموذج للإصلاح من الداخل"، في باب "تحليلات" بموقع "الجزيرة نت" الإليكتروني، أن التحولات والإصلاحات السياسية الداخلية التي تشهدها تركيا حاليا إنما هي نتاج لتحركات وتطلعات تركية بحتة من دون أي دور أو تدخل خارجيين، إن من جانب الولايات المتحدة أو أوربا، حيث ذكرت فيصل بالحرف :"والطريف أن هذا الإصلاح الذي أنجزته تركيا, هو وحده "النابع من الداخل", لدرجة أن أوروبا بدت وكأنها تضع العراقيل أمام ذلك الإصلاح بدلاً من تشجيعه, انتهاء بربط هذا الإصلاح "البنيوي" بمتطلب سياسي آني كالاعتراف بقبرص".

اعتبارات دولية


"ما من شك في أن تطلع الأتراك المزمن والممتد نحو التعلق بتلابيب الغرب والتأسي به توخيا لاستلهام تجربته الحداثية والحضارية، وهو التوجه الذي ضرب بجذوره في أعماق التاريخ التركي إلى ما قبل إعلان الجمهورية في عام 1923 ليطال القرنين الأخيرين من العهد العثماني "


وظني أن النظر إلى الأمر من زاوية واحدة إنما يفضى إلى رؤية منقوصة أو أحادية البعد لحقيقة ما يجرى، وإذا جاز لنا اعتبار ما يحدث في تركيا إبان حكم العدالة والتنمية محصلة لمجمل العوامل سالفة الذكر مجتمعة، بمعنى أنها جاءت نتاجا لتضافر إصرار حكومة العدالة والتنمية على التغيير والإصلاح السياسيين مع تقبل غالبية الشعب التركي ومساندته بالتزامن مع ترحيب الغرب ودعمه.

وانطلاقا من ذلك، يمكن الإدعاء بأن الطرح الذي يقصى الدور الغربي أو الدولي عن التحول الراهن في تركيا ربما يغمط العامل الخارجي، لاسيما الأوربي، قدره ويبخسه حقه كمتغير رئيس ومؤثر في مسيرة الإصلاحات السياسية والثقافية في تركيا خلال العقود التسع المنقضية التي تشكل، على وجه التقريب، عمر الجمهورية التركية الحديثة.

فبغير مبالغة، يمكن الإدعاء بأن المكون الفكري في تلك المسيرة لم يكن ليتبلور منذ البداية خلال القرن الثامن عشر من دون استلهام الرعيل الأول من المثقفين والدارسين الأتراك الليبراليين في أوربا لنموذج الحداثة والتنوير والنهضة الأوربي في تلك الفترة.وما كان لمسيرة الإصلاح التركية المعاصرة أن تنطلق أو تتواصل وتستمر من دون تقويض أو إجهاض طيلة ما يربو على عقدين من الزمن، لولا الدعم والتأييد الأوربيين لتلك المسيرة، وهى المساندة الأوربية التي اكتسبت زخما مهما مع تقبل الأوربيين، من حيث المبدأ، لفكرة دمج تركيا في منظومتهم الاقتصادية والسياسية والثقافية عبر تدشين الحوار معها توخيا لهذا المقصد بدءا من العام 1963، وهو الأمر الذي أسفر عن صوغ عملية متكاملة وممتدة لتأهيل تركيا سياسيا وثقافيا واقتصاديا من أجل الانضمام للإتحاد الأوربي تتابع دول الإتحاد خلالها وترعى جهود الإصلاح التي من المتعين على أنقرة الاضطلاع بها على كافة الأصعدة والمستويات.

فما من شك في أن تطلع الأتراك المزمن والممتد نحو التعلق بتلابيب الغرب والتأسي به توخيا لاستلهام تجربته الحداثية والحضارية، وهو التوجه الذي ضرب بجذوره في أعماق التاريخ التركي إلى ما قبل إعلان الجمهورية في عام 1923 ليطال القرنين الأخيرين من العهد العثماني، قد حمل في طياته بعض التأثيرات والمردودات الإيجابية على التطور السياسي للأتراك والدولة التركية في آن، برغم ما علق بأهداب هذا التطلع من تداعيات سلبية على أصعدة أخرى إلى الحد الذي أصاب الداخل التركي بالإرباك في أكثر من موضع.

فمع الأخذ في الاعتبار مساعي قوى شعبية وسياسية وتوق نخب ثقافية ودوائر فكرية تركية محلية إلى التحديث والعصرنة والديمقراطية على نحو ما هو سائد ومتبع في بلدان غرب أوربا أو الولايات المتحدة، يشي تاريخ التجربة السياسية التركية، في حقبتيها الحديثة والمعاصرة، بتعاظم تأثير العامل الخارجي عموما، والأوربي منه على وجه التحديد، في دفع عجلة الإصلاحات التركية الشاملة قدما نحو الأمام.فمثلما كانت الضغوط الأوربية على الدولة العثمانية في خريف عمرها هي أحد أهم العوامل التي أفضت إلى إصدار الباب العالي حزمة من القرارات التي اعتبرت الخطوات الأولى على درب الإصلاح الطويل والعسير، حيث عرفت تلك القرارات ب "تنظيمات" عام 1839، والتي فتحت الطريق أمام صدور فرمان عام 1856، الذي تضمن عددا من الإصلاحات، عرف الأتراك في العام 1876 ما يمكن اعتباره أول وثيقة دستورية حديثة أطلق عليها "نظام القانون الأساسي"، والتي أصدرها السلطان عبد الحميد على أثر قبوله الجلوس مع قادة الاتحاديين والليبراليين الأتراك المقربين من أوروبا والتفاوض معهم حول مسألة إطلاق حملة تغييرات وإصلاحات تحد من صلاحيات السلطان وتدعم إقامة مزيد من المؤسسات السياسية والمدنية المستقلة.

وفى عام 1908 وعندما نجح ضباط حركة "تركيا الفتاة" في تعزيز نفوذهم ومواقعهم في السلطة، أعادوا مجددا طرح موضوع الدستور الذي تعثر بسبب دخول البلاد في مواجهات مع الطامعين في اقتطاع أجزاء من أراضيها المترامية الأطراف، وما إن تسنى لهم صياغة هذا الدستور الجديد، حتى هموا بإدخال بعض التعديلات على بنود هذا الدستور أو "القانون الأساسي" كيما يكون أكثر حداثة وانفتاحا على أوروبا، التي ظل الإقتداء بها والاندماج فيها حلما لا يفارق مخيلاتهم.

وخلال عملية الانتقال من الإمبراطورية العثمانية إلى الجمهورية التركية الحديثة مع استلام أتاتورك دفة القيادة العسكرية والسياسية ودخول تركيا حرب الاستقلال والتحرير ومحاولة رسم سياساتها وبرامجها الداخلية بمعايير جديدة تستحوذ أوروبا على نصيب الأسد فيها، جاءت المحاولة الثالثة لوضع دستور دائم للبلاد في عام 1921، حيث تم التوصل إلى ما عرف في حينها بـ"دستور التشكيلات الأساسية"، الذي استلهمت غالبية مواده الكثير من التجارب الدستورية التي عرفتها عدد من الدول الأوربية آنذاك. وفى عام 1924، جاءت المحاولة الأقوى والأكثر جدية بعد إعلان الجمهورية التركية واختيار مصطفى كمال أتاتورك رئيسا للدولة وولادة دستور جديد شهد كثيرا من التعديلات والتغييرات ورافقته عشرات القوانين والتشريعات التي ابتغت لتركيا هوية أوربية تولى وجهها قلبا وقالبا نحو الغرب، الذي أضحى بمثابة البوصلة السياسية والاجتماعية والفكرية الجديدة للأتراك، بعد أن تجفف مجارى التواصل والارتباط مع الشرق.

وبعد تأسيس حزب الشعب الجمهوري كأول حزب سياسي حديث يعمل في ربوع الجمهورية العلمانية الوليدة توطئة للتأسي بالتجارب السياسية الأوربية في حينها، قدر للحرب الكونية الثانية أن تشكل نقطة تحول مهمة في مسيرة تطور الدولة التركية محليا وإقليميا.فلقد كان للضغط الغربي المتأثر بقوانين الأمم المتحدة بالغ الأثر في إجبار حكومة حزب الشعب الجمهوري على القبول بإقرار الحرية السياسية والتعددية الحزبية بعد أن وضعت تلك الحرب أوزارها. ومع شيوع الفكر الديمقراطي عالميا وتنامي النقد الذاتي داخل حزب الشعب الجمهوري وبروز تيار داخله ينادى بالتعددية السياسية، وتغيير تركيا لوجهتها من دول المحور إلى الحلفاء حيث قطعت علاقاتها مع دول المحور في فبراير 1945 وأعلنت الحرب على ألمانيا أيضا يوم 23 من نفس الشهر، جاءت مكافأة الغرب لتركيا بقبولها عضوا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد أعطى توقيع تركيا على معاهدة إنشاء الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 قوة دفع مهمة لقوى المعارضة التركية البازغة وقتذاك لنظام الحزب الواحد والمطالبة بالعروج بتركيا من مستنقع الديمقراطية الانتقائية الشكلية المنقوصة إلى آفاق الديمقراطية الحقيقية التعددية والتنافسية على غرار ما هو سائد في أوربا، فلقد أمد هذا الحدث الهام قوى المعارضة التركية بالحجج القانونية وحصنها بالأسانيد السياسية التي رسخت أقدامها وعززت موقفها في مواجهة نظام الحزب الواحد والديمقراطية المقيدة إلى الحد الذي فاقم من ثقة الجماهير فيها ووسع من قاعدة التأييد الشعبي لها والانضواء تحت لوائها، وهو ما أسفر في نهاية المطاف عن إطلاق التعددية الحزبية في تركيا عام 1946. ففي خطابه الرئاسي في الأول من نوفمبر عام 1945، أشار عصمت إينونو، الذي كان يشغل وقتها رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الجمهوري الحاكم في آن، أنه "قد حان الوقت لإجراء عدالة سياسية رئيسية في نظام الحزب الواحد، لكي نجعله يتلاءم مع متطلبات العصر".

وغنى عن البيان الإشارة إلى أن المقصود بـ"متطلبات العصر" هو متطلبات التقارب مع الأوربيين والاستقواء بهم في وقت بالغ الحساسية بالنسبة لتركيا، فقد كان إينونو مدفوعا في موقفه الجريء هذا برغبة جادة في استجداء الرضا الغربي على نظامه وبلاده توطئة لنيل ثقة دول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بما يتيح له الحصول على دعمها لبلاده وحمايتها في مواجهة الأطماع السوفيتية المتنامية عقب الحرب لانتزاع الوصاية على مينائي البوسفور والدردنيل كما بعض المناطق الجيوإستراتيجية الحيوية والقواعد العسكرية التركية.

تأثير الحلم الأوربي


"نظر الأمريكيون للمسيرة الإصلاحية التركية على أنها نموذج فريد للإسلام العلماني الحداثي الليبرالي المعتدل يمكن لسائر الدول العربية والإسلامية أن تحذو حذوه وتقتدي به، وهو الأمر الذي من شأنه أن يخدم المصالح الإستراتيجية الأمريكية ومشاريع واشنطن المستقبلية في المنطقة كما يسد الطريق أمام تنامي الأصولية الإسلامية وانتشار التطرف أو الإرهاب ذي الجذور والمرجعيات الإسلامية"


ومع تبلور تطلعات تركيا للانضمام إلى النادي الأوربي مطلع ستينيات القرن الماضي، بدأت مسيرة الإصلاحات التركية تكتسي مسحة من الشرعية وتحظى بتأييد محلى ودولي واسع النطاق. وما إن تسنى لحزب العدالة والتنمية الوصول إلى سدة السلطة في العام 2002 ونجاحه بعد ذلك في تثبيت أقدامه في مفاصلها وتمديد بقائه فيها من خلال الانتخابات البلدية والبرلمانية والاقتراع الرئاسي في البرلمان، حتى باتت السبل ممهدة أمامه لتسريع وتيرة المسيرة الإصلاحية وتوسيع نطاقها لتشمل مختلف جوانب الحياة التركية بما فيها الدستور المثير للجدل الذي وضعه قادة الانقلاب العسكري الأخير في العام 1980، مستندا على دعم أمريكي وأوربي، لا يقبل التشكيك، لتلك المسيرة، التي ارتأى فيها الأوربيون فرصة ملائمة لتقليص التداعيات السلبية التي تطال بلدانهم جراء فجوة التطور السياسي المتعاظمة بينهم وبين الأتراك، فضلا عن تأمين حدودهم الشرقية والجنوبية ضد غزو الأزمات والمشكلات الشرق أوسطية المعقدة والمزمنة والمتفاقمة التي تدهم القارة العجوز من البوابة التركية، علاوة على تفعيل عملية التأهيل التدريجي والممتد لتركيا من أجل الالتحاق بالنادي الأوربي في مدى زمني مفتوح.

في حين التمس الأمريكيون من جانبهم بتلك المسيرة الإصلاحية في تركيا بلورة نموذج فريد للإسلام العلماني الحداثي الليبرالي المعتدل يمكن لسائر الدول العربية والإسلامية أن تحذو حذوه وتقتدي به، وهو الأمر الذي من شأنه أن يخدم المصالح الإستراتيجية الأمريكية كونه يهيئ المناخ الشرق أوسطي لتقبل مشاريع واشنطن المستقبلية في المنطقة كما يسد الطريق أمام تنامي الأصولية الإسلامية وانتشار التطرف أو الإرهاب ذي الجذور والمرجعيات الإسلامية.

وبدوره، اغتنم حزب العدالة والتنمية هذه الفرصة النادرة، فلم يتورع عن تعلية سقف إصلاحاته السياسية وتعديلاته الدستورية، سواء فيما يخص تقليص الدور السياسي للجيش التركي ووقف تدخله السافر في السياسة، أو إعادة النظر في صلاحيات القضاء وأسس تعيين القضاة، وكذا تخفيف حدة القيود المفروضة على ممارسة الشعائر والطقوس الدينية بما فيها ارتداء الحجاب، وهو ما يصب في مسعى تحرير العلمانية التركية من أصوليتها الكمالية المتطرفة، التي شوهت التجربة الإحداثية التركية إلى الحد الذي أضطر الإتحاد الأوربي إلى إدانة "الكمالية" في بيان له قبل نيف وعقد من الزمن معتبرا إياها أيديولوجية جامدة وحركة متطرفة يباعد التمسك بها بين تركيا وحلمها في الانضمام للاتحاد الأوربي.

وفى مسعى منه لدغدغة مشاعر مؤيديه وراغبي الولوج للفردوس الأوربي من جهة علاوة على كبح جماح معارضيه ومناوئيه من جهة أخرى، عمدت حكومة حزب العدالة والتنمية خلال الأزمة المحتدمة حاليا بينها من جانب وكل من الجيش والقضاء من جانب آخر منذ شروع الأولى في تمرير إصلاحاتها المقترحة، عمدت إلى إبراز الدعم الغربي لمسيرتها الإصلاحية، التي لا رجعة عنها، إذ لم يتورع كبار المسؤولين في حكومة أردوغان عن التأكيد على أن تلك الإصلاحات وإن لم يتم الاتفاق عليها والتنسيق بشأنها مسبقا مع الأوربيين على حد زعمهم، إلا أنها تأتى توخيا للوفاء بمتطلبات الانضمام للإتحاد الأوربي وتماشيا مع "معايير البندقية "، التي تقصر الأسانيد التي ترتكز عليها قرارات وأحكام حظر الأحزاب السياسية في حالات محددة ومحدودة تتمثل فقط في لجوء أي من هذه الأحزاب إلى استخدام العنف أو الإرهاب.
_______________
خبير الشؤون التركية بالأهرام
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
مغزى التحولات في تركيا
ومستقبل العلاقات التركية- العربية

أبرز عناوين المحاضرة
- مجالات التغيرات التي حدثت في تركيا في السنوات الثماني الأخيرة

في مجال الحريات
في مجال الاقتصاد
في مجال الاستثمارات
في مجال الصحة
في مجال التربية
في مجال المواصلات
في مجال الغاز الطبيعي
في مجال الزراعة
في مجال الصناعة
في مجال ترميم الآثار التاريخية
في مجال الانضمام للاتحاد الأوربي
في مجال تعديل الدستور

- قراءة التغيرات الحاصلة في تركيا
- العلاقات التركية– العربية

نبذة تاريخية
سياسة تركيا الخارجية في عهد الجمهورية
السياسة الخارجية الجديدة لتركيا
الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية الجديدة

- انعكاسات السياسة الخارجية الجديدة لتركيا على العلاقات التركية -العربية :
أولاً: المجال السياسي
ثانيا: المجال الاقتصادي
ثالثا: المجال الثقافي
- الخلاصة


معالي الأستاذ الدكتور أمرالله إيشلر
كبير مستشاري رئيس وزراء تركيا
ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة غازي

التغيرات التي حدثت في تركيا في السنوات الثماني الأخيرة

في مجال الحريات

تغيرت تركيا تماما بالمقارنة ما قبل ثماني سنوات. وفي تركيا اليوم:

يتحدث به ما لا يتحدث به قبل ثماني سنوات.
ما لا يمكن حلمه قبل ثماني سنوات أصبح حقيقة.
تناقش فيها مفاهيم التي كانت لا يجرؤ أحد أن يناقشها أو يتلفظ بها قبل ثماني سنوات.
قويت الديمقراطية وارتفعت المعايير الديمقراطية، كما أن الجمهورية قويت وزاد اعتبار تركيا على مستوى العالم.
ألغيت حالة الطوارئ في جنوب شرق تركيا.
تدرس لغات ولهجات أخرى في المراكز الثقافية وفي الجامعات.
أنشئت قنوات تلفزيونية لتبث برامجها بلغات ولهجات أخرى غير اللغة التركية.
وضع حد لسياسات إنكار الآخر.
تعالج المشاكل بشجاعة.
يقوم القضاء بفتح تحقيق في كل من؛ إخلاء القرى في جنوب شرق تركيا، والجنايات ذات مجهول الفاعل، وحالات التعذيب، والاغتيالات، ومحاولات القيام بالانقلاب العسكري، والمؤامرات الخبيثة.
بالإضافة إلى ذلك تمشي تركيا في طريق الديمقراطية بخطوات ثابتة وقوية نحو الهدف المنشود للوصول إلى مستوى الحضارة العصرية.
وكأمة تركية نؤمن اليوم بأنه لا توجد مشكلة بدون حل، ولا يمكن هدف بدون تحقيق.

في مجال الاقتصاد

كان الاقتصاد التركي في سنة 2002 يأتي في المرتبة السادسة والعشرين على مستوى العالم وأصبح في السنوات الأولى للحكومة الحالية في المرتبة السابعة عشر على مستوى العالم. فأصبحت تركيا من بين مجموعة العشرين G-20.
أصبح الاقتصاد التركي سادس أكبر اقتصاد في أوربا
ارتفع الدخل القومي لتركيا من 220 مليار دولار في سنة 2002 إلى 618 مليار دولار في سنة 2009.
كان الدخل القومي على الفرد في سنة 2002 3.500 دولار وارتفع هذا المقدار إلى 8.590 دولار في سنة 2009.
كانت ديون تركيا لصندوق النقد الدولي في سنة 2002 تصل إلى 23.5 مليار دولار وانخفض هذا الرقم إلى 6.8 مليار دولار في سنة 2009.
أزيلت ستة أصفار من الليرة التركية.
انخفضت نسبة التضخم السنوي من متوسط ثلاثين بالمائة في السنة 2002 إلى أرقام أحادية في السنوات الأولى من عهد الحكومة الحالية.
كانت صادرات تركيا في سنة 2002 36 مليار دولار وارتفعت إلى 102 مليار دولار في نهاية سنة 2009.
شركات المقاولات التركية تأتي حاليا في المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد الشركات الصينية، حيث ارتفع حجم عملها إلى 23.6 مليار دولار في سنة 2009 وكان حجم عمل هذه الشركات 1.5 مليار دولار في سنة 2002
ارتفعت أجور الموظفين والعاملين ما بين سنوات 2002-2009 188% أي وصلت الزيادة في الأجور إلى ضعفي التضخم.
زاد حجم العمل في البورصة التركية ثلاثة أضعاف في عهد الحكومة الحالية وبذلك ارتفع حجم العمل من 422 مليون ليرة في سنة 2002 إلى 2 مليار 681 مليون ليرة تركية في سنة 2010.
زادت احتياطات العملة الصعبة في البنك المركزي ووصل إلى 70.1 مليار دولار في سنة 2009 وكانت نسبة الاحتياط في سنة 2002 26.8 مليار دولار.
بلغت نسبة النمو في الاقتصاد التركي إلى 6.1 في المائة ما بين السنوات 2002-2008.
ارتفعت نسبة القروض المقدمة لأصحاب العمل من 154 مليون ليرة في سنة 2002 إلى 3.3 مليار ليرة في سنة 2008.
ارتفعت نسبة التشجيعات المقدمة لتربية المواشي ثلاثة أضعاف ووصلت إلى 5.809 مليار ليرة وكانت هذه النسبة 1.868 مليار ليرة في سنة 2002.
كانت البنوك الحكومية تعلن عن خسارتها نهاية كل سنة ولكن بدأت هذه البنوك تكسب أرباحا في عهد الحكومة الحالية وتعلن عن أرباحها وعلى سبيل المثال أعلن بنك الزراعة في نهاية 2009 أن أرباحها وصلت إلى 3.511 مليار ليرة.
تراجعت ديون القطاع العام باستمرار في عهد الحكومة الحالية وانخفضت نسبتها في سنة 2007 إلى 29.1 بالمائة وكانت هذه النسبة 61.4 بالمائة في سنة 2002.

في مجال الاستثمارات

• معدل الاستثمارات الأجنبية في تركيا سنة 2002 كان 1 مليار دولار. ارتفع هذا الرقم في نهاية سنة 2005 إلى 10 مليارات دولار.
• أنشأت الحكومة الحالية هيأة للاستثمارات في سنة 2006، بعد ذلك ارتفعت نسبة الاستثمارات في نهاية سنة 2007 إلى 22 مليار دولار.
• منذ تأسيس الجمهورية في سنة 1923 حتى نهاية سنة 2001 عدد الشركات الأجنبية العاملة في تركيا كان 5.000، أما الآن بلغ عدد الشركات الأجنبية العاملة في تركيا 24.000.
• لا شك أن تميز السوق التركية بقربها من الأسواق الأوربية والآسيوية والإفريقية لعب دورا في زيادة الاستثمارات الأجنبية في تركيا.

في مجال الصحة

• كانت ميزانية وزارة الصحة في سنة 2002 3 مليارات و910 مليون ليرة، وارتفعت ميزانية هذه الوزارة في سنة 2010 إلى 13 مليار و400 مليون ليرة.
• مضت تلك الأيام التي كانت يطالب فيها أجرة لسيارات الإسعاف، وكان المرضى لا يعالجون في قسم حالات الطوارئ لسبب أو آخر، وكان المرضى يحتجزون في المستشفى لعدم دفعهم أجرة العلاج. أما اليوم فيعالج جميع المرضى في قسم حالات الطوارئ وفي قسم العناية المركزة بما فيها المستشفيات الخاصة دون مطالبة أية أجور.
• إلى جانب سيارات الإسعاف المنتشرة في أنحاء تركيا تقدم وزارة الصحة خدمات الإسعاف بطائرتين للإسعاف و17 طائرة عمودية للإسعاف على مستوى تركيا وبدون مقابل.
• بنت تركيا في الفترة ما بين 1996-2002 139 مستشفى و617 مستوصف، أما في الفترة ما بين 2002-2009 فبنت تركيا 251 مستشفى و1028 مستوصف.
• بنت تركيا في الفترة ما بين 1996-2002 139 مستشفى و617 مستوصف، أما في الفترة ما بين 2002-2009 فبنت تركيا 251 مستشفى و1028 مستوصف.
• انتقلت تركيا في سنة 2010 إلى نظام "طبيب العائلة" في كل المدن، بذلك أصبح بمقدور كل مواطن مراجعة طبيبه الخاص أو الاتصال به هاتفيا للاستفسار أي وقت يشاء.
• كانت غرف المرضى في الماضي توجد بها خمسة أو ستة أسرة ولا توجد في داخلها حمام، أما الغرف الحالية في المستشفيات الجديدة إما بسرير واحد وإما بسريرين ويوجد بداخلها حمام وثلاجة وتلفزيون وسرير إضافي للمرافقين.
• يمكن للجميع مراجعة أي مستشفى للعلاج والحصول على أدوية من جميع الصيدليات.
• كان المصابين بمرض الكلى يعانون مشاكل كبيرة قبل سنة 2002 أما اليوم فالسيارات المخصصة لهم تأخذ المصابين من بيوتهم لغسل الكلى ثم ترجعهم إلى بيوتهم.
• كان عدد آلات غسيل الكلى في أنحاء تركيا في سنة 2002 5.685 أما اليوم فبلغ العدد 14.503 آلة.
• كان عدد أجهزة MR في سنة 2002 18 في أنحاء تركيا أما اليوم فهناك 238 جهاز MR.

في مجال التربية

• أصبحت ميزانية وزارة التربية أكبر ميزانية في عهد الحكومة الحالية وفاقت على ميزانية وزارة الدفاع.
• بنيت في السنوات الثماني الأخيرة 150 ألف قاعة دراسية جديدة في أنحاء تركيا.
• أرسلت إلى المدارس 751.83 حاسوب.
• أنشئت في المدارس 29.428 قاعة دراسية خاصة لتكنولوجيا المعلومات.
• تقدم وزارة التربية الوطنية لجميع التلاميذ والتلميذات الكتب الدراسية المقررة مجانا منذ سنة 2003.
• كان عدد الجامعات في تركيا سنة 2002 76 جامعة، منها 53 جامعة حكومية 23 جامعة أهلية.
• أنشأت الحكومة الحالية في الفترة ما بين 2003-2010 49 جامعة حكومية و29 جامعة أهلية. بذلك ارتفع عدد الجامعت الحكومية إلى 102 كما ارتفع عدد الجامعات الأهلية إلى 52.
• أنشأت الحكومة 153 سكن للطلبة بها 64.333 سرير وذلك منذ سنة 2003.

في مجال المواصلات

• كان طول الطرق المزدوجة (ذهاب وإياب بمسارين) في تركيا حتى سنة 2003 يصل إلى 6.101 كم. بنت الحكومة الحالية خلال ثماني سنوات 13 ألف و73 كم، أي بنت الحكومة الحالية أكثر من ضعفي الطرق التي بنيت منذ تأسيس الجمهورية.
بنت الحكومة الحالية طرقا مزفلتة بين القرى يصل طولها إلى 77.092 كم.
• طول السكك الحديدية التي بنيت ما بين 1951-2002 945 كم. أما الحكومة الحالية فبنت خلال ثماني سنوات 1076 كم من السكك الحديدية.
• مشروع العصر "مارماراي" أي السكة الحديدية التي تربط أسيا بأوربا من تحت البسفور مستمر ببالغ السرعة.
• بدأت القطارات السريعة تنقل الركاب بين مدينة أنقرة وأسكي شهر. وفي الوقت الحاضرالبناء مستمر بين أسكي شهر وإسطنبول وحينما يكتمل المشروع ستستغرق الرحلة بين أنقرة وإسطنبول 3 ساعات فقط.
• تستمر في الوقت الراهن أعمال البناء في السكك الحديدية للقطارات السريعة بين أنقرة وقونيا، وبين أنقرة وسيواس.
• كذلك تستمر أعمال البناء في طريق الحرير للسكة الحديدية بين باكو-تفليس-قارص.
• عدد المسافرين بالطائرات في الرحلات الداخلية في سنة 2002 كان 8729 راكب. ارتفع هذا الرقم في نهاية سنة 2009 إلى 41227 راكب.
• عدد المسافرين بالطائرات في الرحلات الخارجية في سنة 2002 كان 25000 راكب. ارتفع هذا الرقم في نهاية سنة 2009 إلى 44000 راكب.
• عدد الترسانات التي كانت تُصَنّع فيها السفن لغاية سنة 2002 كان 37. بنت الحكومة الحالية ما بين 2003-2010 70 ترسانة، بالإضافة إلى ذلك يستمر البناء في 59 ترسانة.

في مجال الغاز الطبيعي

• كان الغاز الطبيعي متوفر لغاية سنة 2003 في 9 مدن تركية فقط. ارتفع هذا العدد ما بين 2003-2009 إلى 66 مدينة.
• سيصل الغاز الطبيعي إلى 15 مدينة أخرى حتى نهاية 2012، وبذلك لن تبقى مدينة تركية بدون غاز طبيعي.

في مجال الزراعة

• كانت صادرات المنتجات الزراعية في سنة 2002 4 مليارات دولار. ارتفعت صادرات المنتجات الزراعية في نهاية سنة 2009 إلى 11.2 مليار دولار.
• كانت حصة الزراعة في الدخل القومي 36 مليار ليرة في سنة 2002، ارتفعت هذه الحصة في سنة 2009 إلى 78.4 مليار ليرة.
• كان مجموع التشجيعات للزراعة في سنة 2002 1.868 مليار ليرة، ارتفع هذا الرقم إلى 5.7 مليار ليرة في سنة 2010.
• بدأت الحكومة تقدم قروضا بدون فائدة للقائمين بتربية المواشي منذ شهر آب من السنة الحالية.

في مجال الصناعة

• كان عدد المناطق الصناعية المنظمة 70. أضافت الحكومة الحالية إلى هذا الرقم 72 منطقة صناعية منظمة.
• كذلك بنت الحكومة الحالية 83 منطقة صناعية صغيرة خلال ثماني سنوات.

في مجال ترميم الآثار التاريخية

• كانت ميزانية إدارة الأوقاف في سنة 2002 37 مليون ليرة، أما في سنة 2010 ارتفعت ميزانية إدارة الأوقاف إلى 460 مليون ليرة تركية.
• تم ترميم 46 أثر تاريخي ما بين سنوات 1998-2002 بالمقابل تم ترميم 3484 أثر تاريخي ما بين 2003-2010.
• تم أرشيف 12 مليون وثيقة تاريخية في الوسط الألكتروني.
• كان عدد الآثار التاريخية المسجلة في سنة 2002 9483. ارتفع هذا العدد في سنة 2010 إلى 20.078.

في مجال الانضمام للاتحاد الأوربي

• أولت الحكومة الحالية أهمية كبيرة على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي فعملت بجد منذ توليها الحكم. وفي هذا الإطار قامت بتغيير في قوانيننها لتكون ملائمة بقوانين أوربا. هذا، وقد حدثت ثلاثة التغييرات في عهد الحكومات السابقة في سبيل الانضمام للاتحاد الأوربي. ولكن حكومات حزب العدالة والتنمية بالغت في الاهتمام بهذا الموضوع فقامت بتغييرات عديدة في السنتين الأوليين من حكمها، وهي كالآتي:
• المجموعة الرابعة في 2 يناير 2003
• المجموعة الخامسة في 23 يناير 2003
• المجموعة السادسة في 15 تموز 2003
• المجموعة السابعة في 30 تموز 2003
• المجموعة الثامنة في 14 تموز 2004

في مجال تعديل الدستور

• أول تعديل للدستور كان في سنة 2004. عدل في هذا التعديل عدد من المواد في الدستور من شأنها توسيع الحريات، وإرساء الديمقراطية، وتعزيز الحريات.
• ثاني وأكبر تعديل كان في السنة الحالية. حيث تم تعديل 26 مادة. كانت في هذا التعديل مادتان متعلقتان بإعادة هيكلة محكمة الدستور وإعادة اللجنة العليا للقضاة والمدعين. كان هناك نقاش كبير حول هاتنين المادتين، وعارضت أحزاب المعارضة بشدة على هاتين المادتين، ولكن الشعب التركي أقر التعديل نتيجة الاستفتاء بنسبة 58%.

قراءة التغيرات الحاصلة في تركيا

• إن الأرقام المقدمة والحقائق المذكورة في المجالات العديدة أعلاه إن دلت على شيء فإنها تدل على وجود إرادة سياسة قوية آمنت بالتغير والارتقاء بشعبها إلى وضع أحسن من الوضع الحالي ووضعت هذه الإرادة السياسية أمامها أهدافا أهمها:
• جعل اقتصاد تركيا من بين أكبر عشرة اقتصاديات على مستوى العالم حتى نهاية 2023 أي في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية.
• جعل تركيا دولة ديمقراطية بمعنى الكلمة.
• جعل الشعب التركي يتمتع بالحريات بما فيها حرية التعبير وحرية العقيدة.
• جعل الشعب التركي يتمتع بمستوى عال من التربية والثقافة والعلم.
• جعل الشعب التركي يعيش حياة كريمة تلائم كرامة الإنسان.
• جعل تركيا مصدرا للسلم والأمن والاستقرار للمناطق المجاورة لها.

لا شك أن هذه الأهداف بدأت تتحقق شيئا فشيئا. فالكل يعلم أن التغيرات الاجتماعية لا تحدث فجأة بل تأخذ وقتا. أستطيع أن أقول بأن تركيا دخلت في مسار التغير حكومة وشعبا وقطعت أشواطا فيه لا بأس بها حتى الآن. بدأ الشعب التركي يغير ما بأنفسهم فلا بد أن يستجيب الله لهذا التغير مصدقا لقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. يريد الشعب التركي حياة كريمة، يريد الازدهار والتقدم. وفي هذا السياق ينتخب الفئة السياسية التي ستحقق إرادته وأمنيته؛ إذن أن هناك إرادة متطابقة بين الشعب والحكومة ، فلا بد أن يستجيب القدر لهذه الإرادة كما قال الشاعر: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.

العلاقات التركية– العربية
-نبذة تاريخية

يمتد تاريخ العلاقات بين الترك والعرب إلى بدايات الدولة الاسلامية، عندما بدأ أول اتصال مباشر بين القومين بعد فتح إيران إثر معركة نهاوند في سنة 642. وقد شهدت الفتوحات الإسلامية حروباً عديدة بين الأتراك وبين الفاتحين العرب في خراسان وما وراء النهر والقفقازوقد تم فتح معظم المدن التركية من أمثال بخارى، سمرقند، فرغانا، طاشقند، قاشقار، مما يشير إلى أن عدداً كبيراً من الأتراك عرفوا الإسلام.

أما اعتناق الأتراك الإسلام كجماعات فكان في عهد العباسيين المأمون (813-833) والمعتصم (833-842). ولا شك أن سياسة عدم التفرقة والحرص على وحدة الجماعة، التي اتبعتها الدولة العباسية، لعبت دوراً هاماً في اعتناق الأتراك الإسلام، فضلاً عن العلاقات التجارية والدينية المتزايدة آنذاك بين الترك والعرب.

- بيد أن العلاقات بين الترك والعرب التي توثقت بشكل مكثف في العهد العباسي الأول، اصبحت أكثر وثوقاً في فترة السلطنة السلجوقية، التي سيطرت على أغلب الشرق العباسي. ثم وصلت هذه العلاقات ذروتها في العهد العثماني، الذي سيطر على كل المجال الناطق بالعربية، واستمر في أغلب الولايات العربية لأكثر من 400 سنة. ضم العثمانيون بلاد الشام (1516) ومصر (1517) والحجاز (1517) والجزائر (1518) وتونس (1534) واليمن (1538) وطرابلس الغرب (1551) والعراق (1534)؛

- وبهذا دخلت معظم البلاد العربية تحت الحكم العثماني في النصف الأول من القرن السادس عشر، وظلت عثمانية حتى بداية القرن العشرين. وهنا لا بد من الإشارة إلى ظاهرة هامة يجهلها الكثيرون ألا وهي أن الدولة العثمانية كانت قد وحدت العالم العربي تحت حكمها، وبانهيار الدولة العثمانية انهارت هذه الوحدة وتمزقت البلاد العربية إلى عدة دول.

- دقت الدول الاستعمارية إسفينا بين الترك والعرب، ونجح بذلك الاستعمار في زرع روح العداء والكراهية بينهما، التي استمرت طيلة القرن العشرين. وكانت هناك بعض المحاولات من وقت لآخر للتخلص من هذه الكراهية وتأسيس علاقة صداقة بين تركيا والبلاد العربية.

سياسة تركيا الخارجية في عهد الجمهورية

- بعد انهيار الدولة العثمانية، اتبعت الجمهورية التركية منذ تأسيسها في العام 1923 سياسة جديدة في علاقاتها الخارجية، يمكن وصفها عموماً بأنها ذات اتجاه واحد، أي اتجاه أوربا والغرب. وعلى الرغم من هذه السياسة ذات الاتجاه الواحد كانت هناك بعض المحاولات من قبل كمال أتاترك في ثلاثينيات القرن المنصرم لفتح آفاق جديدة أمام تركيا في علاقاتها الخارجية؛ إذ إنه قام بتأسيس حلف البلقان في عام 1934 بين تركيا واليونان ورومانيا ويوغوسلافيا، وبتأسيس حلف سعدآباد في عام 1937 بين تركيا وإيران والعراق وأفغانستان.

- ولكن هذين الحلفين باءا بالفشل ولم يستمرا طويلاً. وكنتيجة طبيعية للسياسة ذات الاتجاه الواحد، شهدت العلاقات التركية مع محيطها العربي والاسلامي وحتى المسيحي انقطاعاً دام عدة عقود، بسبب السياسة التي تقوم على العداء مما أدى إلى تصاعد توتر علاقات تركيا مع معظم جيرانها. كما أصبحت تركيا أثناء الحرب الباردة طرفاً في الاستقطابات الدولية.

- تضافرت الجهود لكسر هذه السياسة الأحادية الجانب في عهد تورغوت أوزال، وقد شهد عهده منذ تولى رئاسة الحكومة في عام 1983 تطوراً ملموساً في علاقات تركيا مع العالم بصفة عامة ومع العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة. وفي الحقيقة يمكن وصف عهد أوزال في تاريخ تركيا الحديث بعهد الانفتاح التركي على العالم كله بما فيه العالم العربي والإسلامي. ولكن وتيرة الانفتاح لم تستمر في عهد الحكومات التي جاءت بعده. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات انفتحت تركيا على العالم التركي في القفقاز وآسيا الوسطى.

السياسة الخارجية الجديدة لتركيا

- كان لزاماً على السياسة الخارجية التركية المنغلقة على نفسها أن تستجيب للمتغيرات الجديدة بعد نهاية الحرب الباردة؛ إذ إن موقع تركيا الجيواستراتيجي على تقاطع طرق القوى والمناطق الحيوية في العالم، وإرثها التاريخي، دفعا تركيا إلى اتباع سياسة جديدة.

- لذا، بدأت السياسة الخارجية تتغير بإرادة سياسية بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكمَ في تركيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، وما يزال الحزب المذكور يحكم تركيا برئاسة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. والهدف الرئيس من السياسة الخارجية الجديدة هو تحقيق الأمن والاستقرار والسلام للجميع.

- ولا شك أن السياسة الجديدة متعددة الأبعاد تختلف في شكل جوهري عن السياسة الخارجية القديمة. وفي الفترة الجديدة، لم تعد علاقات تركيا مع أي طرف تعتبر بديلاً عن العلاقات مع طرف آخر. وقد طورت الخارجية التركية دبلوماسية منتظمة ومتواصلة، تتمثل في الالتقاء بأكبر عدد من المسؤولين على مختلف المستويات في الدول الأخرى، وفي كل القارات.

- وتعمل تركيا في المرحلة الجديدة على تبني وسائل دبلوماسية في حقل السياسة الخارجية، تستهدف توكيد موقع تركيا باعتبارها دولة “مركز"، وتأسيس جسر صلب بين موقعها الحالي ورؤيتها المستقبلية، وعمقها التاريخي. هذه السياسة هي التي أخذت في إبراز تركيا كلاعب أساسي في السياسة العالمية.

- كان لزاماً على تركيا، لكي تحقق نجاح سياستها الخارجية الجديدة، أن تقوم بإصلاحات سياسية وديمقراطية لتعزيز الحريات في الداخل، من دون التفريط بالمتطلبات الأمنية للدولة. وقد قامت الحكومة الحالية بالفعل بالعديد من الإصلاحات السياسية والديمقراطية في بداية عهدها، بدون تجاهل لضرورات الأمن، وذلك خلاف أمريكا والدول الأوربية. وبذلك نجحت تركيا في الموازنة بين تعزيز الحريات والحفاظ على الأمن، الأمر الذي جعل منها نموذجاً لبلدان أخرى

الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية الجديدة

1. المصداقية والابتعاد عن ازدواجية المعايير .
هذا الأساس من أهم أسس السياسة الخارجية الجديدة، حيث تلتزم تركيا في علاقاتها الخارجية في الفترة الجديدة نهجاً يقوم على الصدق وقول الحق للجميع على الرغم من مرارته؛ وبهذا تتجنب تركيا السياسة الازدواجية السائدة في العلاقات الخارجية بين الدول. ولا شك أن هذا الأساس يعزز من مصداقية تركيا لدى الأطراف الأخرى، التي تعلم جيداً أن الأتراك حين يتكلمون لا يكذبون، وأنهم صادقون فيما يقولون، وأن جهودهم مخلصة.

2. سياسة اربح اربح
- لا يمكن إيجاد حلول للمشاكل الموجودة بين الدول المتنازعة أو المتخاصمة إلا بإرضاء الطرفين، وإلا فسيكون من العبث بذل جهود لإيجاد حلول لأي قضية من قضايا العالم. لذا، تتبنى تركيا في سياستها الخارجية الجديدة أسلوب "اربح اربح"؛ وتراعي هذا الأساس لسياستها، سواء كان ذلك في حل مشاكلها مع الأطراف الأخرى، أو حين تتوسط بين طرفين آخرين متنازعين.

3. سياسة استباق الأحداث

- تسعى تركيا لتحقيق الأمن والاستقرار بدءاً بمنطقتها والمناطق المجاورة لها وعلى مستوى العالم، ولتحقيق هذا الهدف تنتهج تركيا سياسة استباق الأحداث، وذلك للحيلولة دون وقوع مشاكل جديدة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز. وحين تستشعر تركيا احتمال اندلاع مشكلة جديدة، فإنها تبذل قصارى جهدها لمنع وقوعها.

- تصفير المشاكل مع الدول المجاورة لتركيا خلقت السياسة التركية القديمة التي تقوم على العداء مشاكل عديدة لتركيا مع جيرانها. وقد بدأت تركيا في سياستها الجديدة العمل على حل هذه المشاكل، الأمر الذي جعلها تحْظى بعلاقات طيبة مع جيرانها في السنوات الأخيرة.

- تأسيس علاقة دولية مناسبة مع الجميع أسست تركيا في السنوات الأخيرة علاقات مع جميع العالم لم يسبق لها مثيل في تاريخ تركيا الحديث.

- تدخل فعال في قضايا دولية: تتبع تركيا في السنوات الأخيرة سياسة فعالة وتبذل جهودا لإيجاد حلول لقضايا العالم من أمثال المشكلة الجورجية، والاعتداء على غزة، والخلاف الفلسطيني، ومشكلة كوسوفا، والمشكلة بين الصرب والبوسنيين، والملف النووي الإيراني... إلخ.

- مشاركة فعالة في المؤسسات الدولية: بناء على السياسة الخارجية الجديدة زادت مشاركة تركيا في المؤسسات الدولية حيث أصبحت تركيا في السنوات الأخيرة عضوا مراقبا في الجامعة العربية وكذلك في الاتحاد الإفريقي. وتولت تركيا مؤخرا رئاسة الدورة الحالية لـ cica التي بلغ عدد أعضائها 22 دولة في آسيا.

- وكنتيجة إيجابية لهذه السياسة الخارجية الفعالة لتركيا تم انتخاب ديبلوماسي تركي أمينا عاما لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وتم كذلك اختيار تركيا كعضو مؤقت في مجلس الأمن لفترة 2009-2010. واستضافت تركيا في السنوات الأخيرة العديد من المؤتمرات الدولية التي تعقدها منظمات دولية.

انعكاسات السياسة الخارجية الجديدة لتركيا على العلاقات التركية-العربية

- بتغير السياسة الخارجية لتركيا بدأت العلاقات التركية - العربية تسجل تقدماً كبيراً وغير مسبوق في شتى المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعسكرية ...إلخ.

أولاً: المجال السياسي

- ازدادت الزيارات الرسمية على مستوى الرؤساء والملوك ورؤساء الوزراء والوزراء والوفود.
- أصبحت تركيا عضواً مراقباً في جامعة الدول العربية.
- انتخب لأول مرة أكاديمي تركي كأمين عام لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
- ازدادت وتيرة الديبلوماسية المباشرة، الهاتفية، بين تركيا والدول العربية على مستوى الرؤساء والملوك ورؤساء الوزراء والوزراء.
- تشارك تركيا في جميع الفعاليات الدولية التي تقام على مستوى العالم سواء كانت في البلاد العربية أو في البلدان الأخرى وتجرى أثناء هذه الفعاليات لقاءات ثنائية عديدة بين المسؤولين الأتراك والعرب.
- أصبحت مدينة اسطنبول مركزاً للمؤتمرات الدولية، الأمر الذي أدى إلى انعقاد اجتماعات ومؤتمرات دولية عديدة فيها وبهذه المناسبة زادت اللقاءات الثنائية بين المسؤولين الأتراك والعرب.
- بذلت تركيا جهوداً في حل الخلافات العربية في كل من لبنان وفلسطين والعراق.
- توسطت تركيا بين سورية وإسرائيل وأشرفت على المفاوضات غير المباشرة لمدة ستة أشهر.
- تطورت العلاقات مع قارة إفريقيا ودولها، حيث أعلنت الحكومة التركية عام 2005 عام إفريقيا، واستضافت تركيا في الفترة ما بين 18-21 آب 2008 "قمة التعاون التركي الإفريقي" بحضور 49 دولة إفريقية بما فيها الدول العربية الواقعة فيها.
- تم التوقيع بين تركيا والبلاد العربية على عديد من الاتفاقيات والبروتوكولات ومذكرات التفاهم.
- تم تشكيل المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي بين تركيا والعراق وبين تركيا وسورية.
- ألغيت التأشيرة بين تركيا وكل من العراق وسورية وليبيا والأردن ولبنان.
- أصبحت المنطقة الواقعة بين تركيا وسورية والأردن ولبنان منطقة حرة لتجول الأفراد ونقل البضائع.
- تعلق تركيا أهمية كبيرة على تطوير علاقاتها مع دول الخليج ومع مجلس التعاون الخليجي وتبذل قصارى جهدها في سبيل ذلك. وكنتيجة طيبة لهذه الجهود المخلصة فإن العلاقات تطورت بشكل كبير بين تركيا ودول الخليج.
- وجاءت آلية الحوار الاستراتيجي التي تشكلت في سنة 2008 بين تركيا ودول الخليج تتويجا لتلك الجهود المباركة. تهدف هذه الآلية تطوير العلاقات على أساس مؤسسي، ولا شك أن هذه الآلية أول علاقة مؤسسية أسسها مجلس التعاون الخليجي مع دولة أخرى كآلية دورية ومنتظمة.

ثانيا: المجال الاقتصادي

- تم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين تركيا وكل من مصر، والأردن، والمغرب، وفلسطين، وسورية، وتونس.
- تم التوقيع على اتفاقية منع الازدواج الضريبي بين تركيا وكل من الأردن، والسعودية، وتونس، والامارات العربية المتحدة، والجزائر، والكويت، والسودان، وسورية، والمغرب، ولبنان، والبحرين، وقطر.
- تم التوقيع على اتفاقية تشجيع الاستثمارات المتبادلة بين كل من تركيا ومصر، والأردن، والكويت، ولبنان، والمغرب، وقطر، وسورية، وتونس، والجزائر، والبحرين، وعمان، والسعودية، والسودان، واليمن، والامارات العربية المتحدة.
- ازداد حجم التبادل التجاري بين تركيا وبين البلاد العربية بشكل كبير.

ثالثا: المجال الثقافي

- ازدادت في السنوات الأخيرة العلاقات الثقافية بشكل كبير بين تركيا والبلاد العربية وذلك بتنظيم اجتماعات والحفلات والعروض الفنية وإقامة المعارض وما شابه ذلك من الأنشطة الثقافية. كما انطلقت مؤخراً قناة التركية التي تبث برامجها بالعربية.

الخلاصة

- ربما يتساءل البعض لماذا غيرت تركيا سياستها الخارجية؟ وماذا تهدف تركيا من هذا التغيير؟ هل هناك نية خفية لتعهد مشروع عثماني جديد؟ هذه الأسئلة وما شابهها، تطرح الآن هنا وهناك. ويمكن تلخيص الإجابة على مثل هذه الأسئلة كالتالي:

- يحتم موقع تركيا الجيواستراتيجي بين قارتي آسيا وأوربا، وإرثها التاريخي والثقافي، على تركيا القيام بالدور الذي تقوم به حالياً. إن عدم قيام تركيا بمثل هذا الدور الضروري في العقود السابقة يجب أن لا يؤدي إلى الاستنتاج بأن هناك نوايا خفية وراء هذه السياسة الجديدة.

- فقد كان لغياب هذا الدور الأساسي لتركيا في المنطقة نتائج سلبية في العقود السابقة؛ وأكبر دليل على سلبيات غياب هذا الدور هو نزيف الدم المستمر، والخلافات اللامتناهية مع دول الجوار. ولذا، يمكن وصف السياسة الخارجية الجديدة لتركيا بأنها تعبير عن "عودة لاعب أساسي إلى أرض الملعب".

- والهدف من السياسة الجديدة هو تحقيق الأمن والاستقرار في منطقتنا خاصة، وفي الأقاليم المجاورة عامة، وعلى مستوى العالم ككل. إن ما تسعى السياسة الجديدة لتحقيقه هو وضع حد لنزيف الدم المستمر في منطقتنا في أسرع وقت ممكن، وإزالة الخلافات السياسية والإثنية والطائفية المنتشرة في منطقة الشرق الأوسط. ألم يأن الأوان لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في هذه المنطقة من العالم؟

- ألا يستحق الناس الذين يعيشون في مناطق الخلافات والنزاعات والحروب الأمن والاستقرار والسلام؟ ولكي يسود السلام ويتحقق الأمن والاستقرار لابد أن يبرز دور ريادي عادل ومنصف، وأن يعالج أبناء المنقطة قضاياهم بأنفسهم. ولا بد من تقييم الدور التركي الجديد من هذا المنظور. فما تراه تركيا أن القوى التي دقت إسفيناً بيننا لن تبذل جهوداً صادقة لإيجاد حلول جادة ودائمة لقضايا المنطقة ومشاكلها. إن حل مشاكل المنطقة لابد أن ينبع من داخلها؛ لابد أن يكون ذاتياً ومحلياً.

- أما وصف السياسة التركية الجديدة بـ "العثمانية الجديدة" فما هو إلا تضليل ومحاولة من قبل المتضررين من هذا الدور لعرقلته وإجهاض نتائجه الإيجابية. إن مقولة "العثمانية الجديدة" ليست واقعية أصلاً، ولا تتفق وحقائق الواقع، لأن الدولة العثمانية أخذت مكانتها المرموقة على مسرح التاريخ العالمي، وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس إحياء إمبراطوريات سابقة، بل دولاً متناسقة ومتعاونة ومتضامنة فيما بينها.

- ومن ثم تود تركيا من الدول الكبيرة والصغيرة في المنطقة التحرك معاً لإيجاد حلول للمشاكل والأخطار التي تواجهها؛ فما دامت هذه المشاكل مشتركة، وليست أحادية، فالحلول أيضاً لا بد وأن تكون مشتركة وليست أحادية.

- وفي حالة انتهاج دول المنطقة هذا النهج ستحل المشاكل واحدة تلو الأخرى، وسيكون للمنطقة مستقبل زاهر، وتصل العلاقات التركية العربية إلى مستوى أفضل مما هو عليه الآن.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
قديم منذ /28-12-2011, 12:42 PM   #26

الجشعمي

 رقم العضوية : 13729
 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 جنسك : ~ الجنس: male
 المشاركات : 718
 النقاط : الجشعمي is on a distinguished road
 تقييم المستوى : 4

الجشعمي غير متواجد حالياً

افتراضي خلفيات الصراع التركي الفرنسي

خلفيات الصراع التركي الفرنسي
محمود عباس

خُططَ في أروقة القوى الرأسمالية العالمية إسلام سياسي بمنهجية جديدة ليواكب العصر، ونفذ بمعية قوى إسلامية وعربية، تبوأ حزب العدالة والتنمية هذا الحراك، ودعم بقوة، ودفع به لينعزل عن الحزب الإسلام الراديكالي الأم، وعزلوا الأب الروحي " أربقان " من الساحة رغم بقائه المرجع الأساسي للحركة الإسلامية التركية في الخفاء، وعلى مدى سنوات قلائل إستطاعت حكومة السيد أردوغان أن يكون البديل المطلوب على الساحة الإسلامية، وأن يحصل على دعم إقتصادي وسياسي لا محدود من القوى الخارجية، تشكل التيار بكتلة ليبرالية إسلامية من مجموعة " أردوغان وغول وكولان " على الساحة الإسلامية، وأصبحوا المثال الذي جسدوا عليه معظم الدول والمنظمات الإسلامية جهودهم، خاصة في فترة الثورات الشبابية الجارية، وكان ذلك مقابل أجندات دولية ورأسمالية عالمية في المنطقة، وبشروط مسبقة لدور تركيا في المنطقة تحت مفاهيم الإسلام السياسي الجديد، يجب أن لا يتجاوزها، ومنها المصالح الدولية والصهيونية العالمية، لقنت الإتفاقية لقادة هذا التيار، وكان هناك إتفاق إستراتيجي عليه.

تجاوزت الدولة التركية المدى المسموح لها من حيث التحرك الدبلوماسي والتعامل السياسي والغايات أو الطموحات الإقتصادية في المنطقة، فحذرت الرأسمالية العالمية حكومة حزب العدالة والتنمية وعلى رأسها " أردوغان وكولان " على تجاوزاتهم، أدت إلى هدوء نسبي في الفترة التي سبقت الثوارت الشبابية في الشرق، كما خفت تحركاتهم، لكن الثقة الخاطئة بالذات أدت إلى أهمال أو النسيان على المتفق، فكانت الإعتداءات السياسية والدبلوماسية على العلاقات الإستراتيجية مع الدولة الإسرائيلية وإهمال لتغيير مخططات الرأسمالية العالمية، ودخلت في تحالفات جانبية، أحتلت أجندات الدولة التركية والنزعة القومية الطورانية الركيزة الأساسية في التعاملات التكتيكية والإستراتيجية، وقد كانت هناك محاورات غائبة عن الصحافة حول ما يجري في الشرق والثورات الشبابية، وأحد أهم بوادر الصراع كانت طريقة التعامل مع القضية الليبية عندما أرادت الدولة التركية أن تكون لها الأولوية في التدخل، خَلفَت هذه القضية صراع قوي بين الدول الأوروبية وتركيا، رغبت الأخيرة أحتضان جميع تحركات الناتو في الشرق، ومنها صراعها مع أسرائيل، وليست مع الصهيونية العالمية، لتبوأ المركز كقوة أولى في العالمين العربي والإسلامي.

نبهت أمريكا والدول الأوروبية في عدة حالات حكومة العدالة والتنمية على التمسك بدورها كتيار إسلامي ليبرالي ونشرها كقوة مواجهة للتيارات الراديكالية والسلفية والمد الشيعي في المنطقة، لكن النزعة القومية والحلم التاريخي دفع بالبعض منهم على تجاوز الخطوط الحمر، فكانت أول تنبيه بإنقاص نسبة الدعم الرأسمالي للدخل الوطني التركي من نسبة 40% من أجمالي الدخل القومي إلى 12% كمرحلة أولى ومن ثم إلى 8% عام 2010، هذا الدعم الذي حفظت تركيا حتى اللحظة من عدم الإنهيار إلى مستنقع الأزمة المالية العالمية، في الوقت الذي كانت فيها تركيا من أوائل الدول التي كانت تتأثر بالإنهيارات الإقتصادية العالمية، وتتالت بعدها تحذيرات إقتصادية وسياسية عدة، أصبحت أكثر وضوحاً في الصراعات الدولية حول الثورة السورية.

دعمت تركيا الثورة السورية في بداياتها، قطعت تدريجياً علاقاتها التكتيكية ومن ثم نبهت إلى قطع العلاقات الإستراتيجية الإقتصادية والسياسية مع السلطة السورية، حصلت تركيا مقابل ذلك على دعم إقتصادي ضخم، العملية والخطط لم تكن من أجل الثورة السورية بقدر ما كانت عليه تحقيق أحلامها الإقتصادية والسياسية والتاريخية في الشرق، إلى جانب المنهجية المتفقة عليها وهي تغيير مفاهيم الإسلام الراديكالي الذي كان له دعم مباشر من قبل الطغاة الحاليين في الدول العربية، بعكس ما يظهرونه في إعلامهم من صراعات وهمية مع المنظمات الإرهابية " دعم طغاة الدول العربية المباشر وغير المباشر للمنظمات الإرهابية الإسلامية ومنهم القاعدة في أفغانستان والعراق وغيرها حقيقة لم يعد من الممكن إنكارها ".

رغم ما قامت به العدالة والتنمية من إحتضان المؤتمرات الإسلامية المحسوبة على الثورة السورية إلا أنها لم تتخلى يوماً عن غاياتها ومصالحها القومية، وكانت القضية الكردية حاضرة الوجود في كل إتفاقياتها وكذلك أحلامها السياسية والإقتصادية داخل العالمين العربي والإسلامي والتي هي خطط مستقبلية ليكون البديل عن المساعدات الرأسمالية العالمية.

تفاقم الصراع بين أوروبا ومعهم الرأسمالية العالمية وتركيا إلى حد الأزمة، وعليه أبتعدت تركيا وجوداً سياسياً وتلكأت تصريحاتها الدبلوماسية والإعلامية عن الساحة بالنسبة للثورة السورية، من سوية التصريحات القوية ضد بشار الأسد إلى درجة التنبيهات، وتكاد تختفي أطراف المعارضة السورية من الساحة التركية وقلص الدعم لجيش السوري الحر كخطوة لإنهائهم، والصراع لا يزال حاداً فيما وراء الكواليس بين حكومة العدالة والتنمية والدول الأوروبية بشكل خاص والرأسمالية العالمية بشكل عام، والخاسر في خضم هذا الصراع السياسي الإقتصادي هم الثوار السوريون الذين تعمل فيهم السلطة الفاشية آلة القتل بشكل يومي، كما وتؤدي إلى تطويل عمر السلطة السورية، وعليه تدفع الثورة الشبابية السلمية المزيد من الشهداء والتضحيات وربما سيجرون الشعب السوري إلى مستنقع حرب أهلية، في الوقت الذي تصدق المعارضة السورية في الخارج آكاذيب وخدع الجامعة العربية، على إنها تملك القدرة في وضع الحلول للقضية السورية، أو إنه بإمكانها أن تقدم شيئاً ما، كما شرحها الكاتب " عباس عباس " في مقاله " آفة مبادرات العرب في ربيع الثورات " عندما بين على أن القادم من الزمن وبعد دمار بشري وبنية تحتية أفظع من قبل السلطة الأسدية، ستطلب المعارضة السورية في الخارج الدعم والتدخل المباشر من الدول الكبرى وذلك عن طريق مجلس الأمن وبدون قيود لإزالة هذه العصابة من السلطة.

وإلى أن تظهر هذه الصراعات، الجارية بين الدول الأوروبية وتركيا والضائعة بينهم الجامعة العربية إلى خارج الأروقة السياسية، نستطيع التأكيد على إنها موجودة وعلى المعارضة السورية إدراكها، ومن أهم النقاط التي توضح هذا الصراع هي:

1. رغبة تركيا في خلق منطقة عازلة على طول حدودها مع سوريا وتحت الحماية الدولية، لكن بجيش تركي منفرد أو بمشاركة رمزية من الناتو، والتي رفضت بشكل قاطع من قبل الدول الأوروبية والرأسمالية العالمية لحسابات بعيدة، منها، دور التيار الإسلامي ووجود إسرائيل وغيرها.

2. القضية الكردية بشكل عام ومنظومة المجتمع الكردستاني بشكل خاص والتي طلبت فيها تركيا تدخلات دولية للضغط على الأطراف التي لها تأثير على المنظمة بإنهاء PKK من القنديل، وتصريحات الحكومة التركية الآخيرة حول رسالة القائد المسجون " عبدالله أوجالان " كانت من ضمن الألاعيب الدبلوماسية التركية في هذا المضمار. إضافة إلى أصرار حكومة العدالة والتنمية إبقاء طرح القضية الكردية في سوريا وتركيا في أروقة الدولة التركية الداخلية، وهنا لأمريكا دور وتعامل آخر في القضية خاصة عندما تحاول تركيا التعرض إلى الأقليم الفيدرالي العراقي أو قضية المناطق المتنازعة عليها. تود تركيا إحتضان هذه القضايا ما بعد سقوط نظام الأسد.

3. دور الإسلام السياسي وتياراتها التي يجب أن تسيطر ما بعد اسقاط النظام في سوريا.؟ وعلى هذه النقطة للدول الأخرى كروسيا تدخل واضح فيه.

أدى الإحتدام السياسي والدبلوماسي بين تركيا والدول الأوروبية إلى ظهور قضايا كانت حتى البارحة على رفوف الإهمال والنسيان، مثل قضية مجازر الأرمن، والتي أفتعلت وظهر القرار بها من قبل البرلمان الفرنسي خلال أقل من أسبوع، ولم يكن تفعيل القضية بهذه السرعة سوى تنبيه قوي إلى حزب العدالة والتنمية للحد من تجاوزاتها. لا أستبعد ظهور أزمة مالية في تركيا في القادم من الزمن، إضافة إلى عزلة ربما سياسية أو إقتصادية ستفرض عليها، إذا لم يتراجع حكومة أردوغان عن سياستها الإنفرادية في العالمين العربي والإسلامي، وما لم تمرر مفاهيم الإسلام السياسي الليبرالي المندمج مع العلمانية ونشرها في المنطقة كما خطط لها بمنهجية، وتبقى الحارس الأمين لمصالح القوى الرأسمالية العالمية، ستعود تركيا إلى المربع الذي كانت فيه يوم كانت الليرة التركية تطبع بستة أصفار.













التوقيع - الجشعمي

أصعبُ شيء في الحياةِ أنْ يعرفَ الإنْسَانُ نَفْسَه،
وأسْهَلُ شيء أنْ يَنصحَ غَيْرَه.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملفات ودراسات: الهند.. عوامل النهوض وتحديات الصعود الجشعمي القسم السياسي 22 21-12-2011 09:56 PM
ملفات ودراسات : ثلاثون عاما من حكم مبارك لمصر.. تبديد أرصدة القوة الجشعمي القسم السياسي 22 28-10-2011 06:44 PM
بحوث ودراسات عن اليهودية والنصرانية الجشعمي قسم حوار الأديان 0 11-09-2011 03:10 PM
المقاومة الإسلامية في لبنان: تحديات النجاح. أبو محمد سعيد القسم السياسي 0 30-08-2011 02:50 AM
حمّل ملفات مواضيع ( فهرسة الواحة الاسلامية بهجر ) ـــــ على شكل ملفات وورد Word مرآة التواريخ قسم الحوار الإسلامي 7 09-10-2008 01:37 AM


الساعة الآن 01:16 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education